Verse. 1752 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

اللہِ الَّذِيْ لَہٗ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ وَوَيْلٌ لِّلْكٰفِرِيْنَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيْدِۨ۝۲ۙ
Allahi allathee lahu ma fee alssamawati wama fee alardi wawaylun lilkafireena min AAathabin shadeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله» بالجر بدل أو عطف بيان وما بعده صفة والرفع مبتدأ خبره «الذي له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «وويل للكافرين من عذاب شديد».

2

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر {ٱللَّهِ } مرفوعاً بالابتداء وخبره ما بعده، وقيل التقدير هو الله والباقون بالجر عطفاً على قوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } وههنا بحث، وهو أن جماعة من المحققين ذهبوا إلى أن قولنا: الله جار مجرى الإسم العلم لذات الله تعالى وذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق والحق عندنا هو الأول. ويدل عليه وجوه: الأول: أن الاسم المشتق عبارة عن شيء ما حصل له المشتق منه، فالأسود مفهومه شيء ما حصل له السواد، والناطق مفهومه شيء ما حصل له النطق، فلو كان قولنا الله اسماً مشتقاً من معنى لكان المفهوم منه أنه شيء ما حصل له ذلك المشتق منه، وهذا المفهوم كلي لا يمتنع من حيث هو هو عن وقوع الشركة فيه، فلو كان قولنا الله لفظاً مشتقاً لكان مفهومه صالحاً لوقوع الشركة فيه، ولو كان الأمر كذلك لما كان قولنا لا إله إلا الله موجباً للتوحيد، لأن المستثنى هو قولنا الله وهو غير مانع من وقوع الشركة فيه ولما اجتمعت الأمة على أن قولنا لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا الله جارٍ مجرى الاسم العلم. الثاني: أنه كلما أردنا أن نذكر سائر الصفات والأسماء ذكرنا أولاً قولنا الله ثم وصفناه بسائر الصفات كقولنا هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس ولا يمكننا أن نعكس الأمر فنقول الرحمن الرحيم الله فعلمنا أن الله هو اسم علم للذات المخصوصة وسائر الألفاظ دالة على الصفات والنعوت. الثالث: أن ما سوى قولنا الله كلها دالة، إما على الصفات السلبية، كقولنا: القدوس السلام، أو على الصفات الإضافية، كقولنا الخالق الرازق أو على الصفات الحقيقية كقولنا: العالم القادر، أو على ما يتركب من هذه الثلاثة، فلو لم يكن قولنا: الله اسماً للذات المخصوصة لكان جميع أسماء الله تعالى ألفاظاً دالة على صفاته، ولم يحصل فيها ما يدل على ذاته المخصوصة وذلك بعيد، لأنه يبعد أن لا يكون له من حيث إنه هو اسم مخصوص. والرابع: قوله تعالى: { أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } تفسير : [مريم: 65] والمراد هل تعلم من اسمه الله غير الله، وذلك يدل على أن قولنا: الله اسم لذاته المخصوصة، وإذا ظهرت هذه المقدمة فالترتيب الحسن أن يذكر عقيبه الصفات كقوله تعالى: { أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىء ٱلْمُصَوّرُ } تفسير : [الحشر: 24] فإما أن يعكس فيقال: هو الخالق المصور البارىء الله، فذلك غير جائز. وإذا ثبت هذا فنقول: الذين قرؤا: {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } بالرفع أرادوا أن يجعلوا قوله: {ٱللَّهِ } مبتدأ ويجعلوا ما بعده خبراً عنه وهذا هو الحق الصحيح، فأما الذين قرؤا: {ٱللَّهِ } بالجر عطفاً على: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } فهو مشكل لما بينا أن الترتيب الحسن أن يقال: الله الخالق. وإما أن يقال: الخالق الله فهذا لا يحسن، وعند هذا اختلفوا في الجواب على وجوه: الأول: قال أبو عمرو بن العلاء: القراءة بالخفض على التقديم والتأخير، والتقدير: صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السموات. والثاني: أنه لا يبعد أن يذكر الصفة أولاً ثم يذكر الاسم ثم يذكر الصفة مرة أخرى كما يقال: مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه وهو بعينه نظير قوله: {صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } وتحقيق القول فيه: أنا بينا أن الصراط إنما يكون ممدوحاً محموداً إذا كان صراطاً للعالم القادر الغني، والله تعالى عبر عن هذه الأمور الثلاثة بقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } ثم لما ذكر هذا المعنى وقعت الشبهة في أن ذلك العزيز من هو؟ فعطف عليها قوله: {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } إزالة لتلك الشبهة. الثالث: قال صاحب «الكشاف»: الله عطف بيان للعزيز الحميد، وتحقيق هذا القول ما قررناه فيما تقدم. الرابع: قد ذكرنا في أول هذا الكتاب أن قولنا الله في أصل الوضع مشتق إلا أنه بالعرف صار جارياً مجرى الإسم العلم فحيث يبدأ بذكره ويعطف عليه سائر الصفات فذلك لأجل أنه جعل اسم علم، وأما في هذه الآية حيث جعل وصفاً للعزيز الحميد، فذاك لأجل أنه حمل على كونه لفظاً مشتقاً فلا جرم بقي صفة. الخامس: أن الكفار ربما وصفوا الوثن بكونه عزيزاً حميداً فلما قال: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } بقي في خاطر عبدة الأوثان أنه ربما كان ذلك العزيز الحميد هو الوثن، فأزال الله تعالى هذه الشبهة وقال: {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي المراد من ذلك العزيز الحميد هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض. المسألة الثانية: قوله: {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة، وذلك لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، فلو حصل ذات الله تعالى في جهة فوق، لكان حاصلاً في السماء، وهذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو ملكه، فلزم كونه ملكاً لنفسه وهو محال، فدلت هذه الآية على أنه منزه عن الحصول في جهة فوق. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد لأنه قال: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } وأعمال العباد حاصلة في السموات والأرض فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله تعالى، وإذا ثبت أنها مقدورة لله تعالى وجب وقوعها بقدرة الله تعالى، وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره وذلك محال. واعلم أن قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يفيد الحصر والمعنى أن ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره وذلك يدل على أنه لا مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال: {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } والمعنى: أنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضراً ولا نفعاً ويخلق ولا يخلق، ولا إدراك لها ولا فعل، فالويل ثم الويل لمن كان كذلك، وإنما خص هؤلاء بالويل، لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ويصيحون منه ويقولون يا ويلاه. ونظيره قوله تعالى: { أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } تفسير : [الفرقان: 13] ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين توعدهم بالويل الذي يفيد أعظم العذاب وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع: الأول: قوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلأَخِرَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن شئت جعلت «الذين» صفة الكافرين في الآية المتقدمة وإن شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } وإن شئت نصبته على الذم. المسألة الثانية: الاستحباب طلب محبة الشيء، وأقول إن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه لا يحب كونه محباً لذلك الشيء، مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور ولكنه يكره كونه محباً لهما، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية، ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلاً عن الحياة الأخروية، وعن معايب هذه الحياة العاجلة، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب. فأحدها: أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام والأسقام والغموم والهموم والمخاوف والأحزان. وثانيها: أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات وسعادات. وثالثها: أن سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع والإنقراض والانقضاء. ورابعها: أنها حقيرة قليلة، وبالجملة فلا يحب هذه الحياة إلا من كان غافلاً عن معايبها وكان غافلاً عن فضائل الحياة الروحانية الأخروية، ولذلك قال تعالى: { أية : وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [الأعلى: 17] فهذه الكلمة جامعة لكل ما ذكرناه. المسألة الثالثة: إنما قال: {يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلأَخِرَةِ } لأن فيه إضماراً، والتقدير: يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة، فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموماً إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذموماً حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة. النوع الثاني: من الصفات التي وصف الله الكفار بها قوله تعالى: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }. واعلم أن من كان موصوفاً باستحباب الدنيا فهو ضال، ومن منع الغير من الوصول إلى سبيل الله ودينه فهو مضل، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ضالين، وهذه المرتبة الثانية وهي كونهم صادين عن سبيل الله إشارة إلى كونهم مضلين. والنوع الثالث: من تلك الصفات قوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا }، واعلم أن الإضلال على مرتبتين: المرتبة الأولى: أنه يسعى في صد الغير ومنعه من الوصول إلى المنهج القويم والصراط المستقيم. والمرتبة الثانية: أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق ويحاول تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل، وهذا هو النهاية في الضلال والإضلال، وإليه الإشارة بقوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } قال صاحب «الكشاف» الأصل في الكلام أن يقال: ويبغون لها عوجاً، فحذف الجار وأوصل الفعل، ولما ذكر الله تعالى هذه المراتب الثلاثة لأحوال هؤلاء الكفار قال في صفتهم: {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } وإنما وصف هذا الضلال بالبعد لوجوه: الوجه الأول: أنا بينا أن أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه الله تعالى في هذه المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق، فإن شرط الضدين أن يكونا في غاية التباعد، مثل السواد والبياض، فكذا ههنا الضلال الذي يكون واقعاً على هذا الوجه يكون في غاية البعد عن الحق فإنه لا يعقل ضلال أقوى وأكمل من هذا الضلال. والوجه الثاني: أن يكون المراد أنه يبعد ردهم عن طريقة الضلال إلى الهدى، لأنه قد تمكن ذلك في نفوسهم. والوجه الثالث: أن يكون المراد من الضلال الهلاك، والتقدير: أولئك في هلاك يطول عليهم فلا ينقطع، وأراد بالبعد امتداده وزوال انقطاعه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ملكاً وعبيداً وٱختراعاً وخلقاً. وقرأ نافع وٱبن عامر وغيرهما: «اللَّهُ» بالرفع على الابتداء «الَّذِي» خبره. وقيل: «الَّذي» صفة، والخبر مضمر؛ أي الله الذي له ما في السموات وما في الأرض قادر على كل شيء. الباقون بالخفض نعتاً للعزيز الحميد فقدم النعت على المنعوت؛ كقولك: مررت بالظريفِ زيدٍ. وقيل: على البدل من «الْحَمِيدِ» وليس صفة؛ لأن اسم الله صار كالعلَم فلا يوصف؛ كما لا يوصف بزيد وعمرو، بل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى؛ لأن معناه أنه المنفرد بقدرة الإيجاد. وقال أبو عمرو: والخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السموات وما في الأرض. وكان يعقوب إذا وقف على «الْحَمِيدِ» رفع، وإذا وصل خفض على النعت. قال ٱبن الأنباري: من خفض وقف على {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قد تقدّم معنى الويل في «البقرة» وقال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهَلَكة. «مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» أي في جهنم. {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي يختارونها على الآخرةِ، والكافرون يفعلون ذلك. فـ«ـالَّذِينَ» في موضع خفض صفة لهم. وقيل: في موضع رفع خبر ابتداء مضمر؛ أي هم الذين. وقيل: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} مبتدأ وخبره. «أُولَئِكَ». وكل من آثر الدنيا وزهرتها، وٱستحب البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة، وصدّ عن سبيل الله ـ أي صرف الناس عنه وهو دين الله، الذي جاءت به الرسل، في قول ٱبن عباس وغيره ـ فهو داخل في هذه الآية؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلّون» تفسير : وهو حديث صحيح. وما أكثر ما هم في هذه الأزمان، والله المستعان. وقيل: «يَسْتَحِبُّونَ» أي يلتمسون الدنيا من غير وجهها؛ لأن نعمة الله لا تلتمس إلا بطاعته دون معصيته. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي يطلبون لها زَيْغاً وميلاً لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم. والسبيل تذكّر وتؤنّث. والعِوج بكسر العين في الدّين والأمر والأرض، وفي كل ما لم يكن قائماً؛ وبفتح العين في كل ما كان قائماً، كالحائط، والرُّمح ونحوه؛ وقد تقدم في «آل عمران» وغيرها. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي ذهاب عن الحق بعيد عنه.

البيضاوي

تفسير : {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} على قراءة نافع وابن عامر مبتدأ وخبر، أو {ٱللَّهُ} خبر مبتدأ محذوف والذي صفته وعلى قراءة الباقين عطف بيان لـ {ٱلْعَزِيز} لأنه كالعلم لاختصاصه بالمعبود على الحق. {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور، والويل نقيض الوأل وهو النجاة، وأصله النصب لأنه مصدر إلا أنه لم يشتق منه فعل لكنه رفع لافادة الثبات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهِ } بالجرّ بدل أو عطف بيان وما بعده صفة والرفع مبتدأ خبره {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَوَيْلٌ لّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 2]. قال الواسطى: الكون كله له فمن طلب الكون فإنه المكون، ومن طلب الحق فوجده سخر له الكون بما فيه.

القشيري

تفسير : عرَّف الخَلْقَ أَنَّ اللَّهَ هو الذي له ما في السماوات وما في الأَرض. فَمَنْ عَرَف فله المآب الحميد، ومَنْ جَحَدَ فله العذاب الشديد؛ وذلك العذاب هو جَهْلُه بأنه - سبحانه - مَنْ هو.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله} بالجر عطف بيان للعزيز الحميد لانه علم للذات الواجب الوجود الخالق للعالم {الذى له ما فى السموات وما فى الارض} من الموجودات من العقلاء وغيرهم. وفيه اشارة الى ان سير السائرين الى الله لا ينتهى بالسير فى الصفات وهى العزيز الحميد وانما ينتهى بالسير فى الذات وهو الله فالمكونات افعاله فمن بقى فى افعاله لا يصل الى صفاته ومن بقى فى صفاته لا يصل الى ذاته ومن وصل الى ذاته وصولا بلا اتصال ولا انفصال بل وصولا بالخروج من انانيته الى هويته تعالى ينتفع فى صفاته وافعاله: قال الكمال الخجندى قدس سره شعر : وصل ميسر نشود جز بقطع قطع نخست ازهمه ببر يدنست تفسير : وقال المولى الجامى قدس سره شعر : سبحانك لا علم لنا الا ما علمت والهمت لنا الهاما مارا برهان زما وآكاهى ده از سر معينى كه دارى با ما تفسير : {وويل} الويل الهلاك. وقال الكاشفى [رنج ومشقت] وهو مبتدأ خبره قوله {للكافرين} بالكتاب واصله النصب كسائر المصادر الا انه لم يشتق منه فعل لكنه عدل به الى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه فيقال ويل لهم كسلام عليكم {من عذاب شديد} من لتبيين الجنس صفة لويل او حال من ضميره فى الخبر او ابتدائية متعلقة بالويل على معنى انهم يولون من عذاب شديد ويضجون منه ويقولون يا ويلاه كقوله تعالى {أية : دعوا هنالك ثبورا }

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ابدل الله من العزيز اشعاراً بوصفه الى علّة عزّته ومحموديّته {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ} بالله او بمحمّدٍ (ص) او بالكتاب او بالنّور او بالصّراط {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} الويل الهلاك او هو وادٍ فى جهنّم او بئر.

اطفيش

تفسير : {اللهِ} خبر لمحذوف أى هو الله والذى صفته أو مبتدأ خبره الذى، وقرأ غير نافع وابن عامر بالجر على أنه بدل أو بيان للعزيز والأَصل إلى الله العزيز الحميد فقدم الوصف وهو العزيز وأعرب بحسب العامل وكان الموصوف بدلا منه أو بياناً وهكذا إذا تقدم نعت المعرفة ولفظ الجلالة علم على الذات الواجب الوجود قيل بالوضع وقيل بالغلبة والصحيح الأَول {الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} ملكاً وعبيداً وخلقاً {وَوَيْلٌ} هلاك وهو نقيض الوأل وهو النجاة وهو مصدر لم يشتق منه فعل ولا وصف ولا غيرهما فإذا نصب فهو مفعول مطلق لعالم بقدر من معناه وأصله النصب وعدل عنه إلى الرفع لتكون الجملة فعلية فتفيد الثبوت، وكذا فى سلام عليكم والحمد لله ولكن لهما فعل وقيل إن للويل أيضاً فعلا فيشتق أيضاً سائر المشتقات. {لِلْكَافِرِينَ} بالكتاب فلم يخرجوا من الظلمات إلى النور به العابدين للأَصنام التى لا تملك شيئاً المشركين لها بمن ملكها وملك ما فى السماوات والأَرض أو أراد مطلق الكافر. {مِنْ عَذَابِ شَدِيدٍ} فى الآخرة والجار متعلق بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فى قوله للكافرين أو متعلق بويل على تضمنه معنى تولول والصياح ولو فصل بالخبر لأَنه ولو كان مصدراً لكنه لا ينجل إلى حرف مصدر وفعل وكذا يجوز أن يعلق بمحذوف نعت له والوجه والأَول أولى لسلامته من الفصل ومن عليه للبيان أو للابتداء أو للتبعيض وكذا على الوجه الثالث وأما على الثانى فللتعليل.

اطفيش

تفسير : {اللهِ الَّذِى} مبتداُ وخبر، أَو خبر ونعت أَى هو الله الذى {لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} دخل فى ذلك ما بينهما وأَجزاؤهما فإن كل جزءِ من أَحدهما هو فيه خلق الله الكل وملكه، ودخل ما يتولد منهما بعد كالثمار قبل وجودها {وَوَيْلٌ لِّلْكَافرِينَ} الذين لم يخرجوا من الظلمات عنادا للهدى {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} هذا بيان للويل، كأَنه قيل عذاب شديد للكافرين، فهو حال من ضمير الاستقرار، أَو من للابتداءِ متعلق بمحذوف خبر ثان أَو خبر وللكافرينَ نعت، وقيل: الويل، واد فى جهنم لو أَرسلت فيه الجبال لكانت مائعة، أَو جبٌ فيها، تستعيذ منه جهنم، وقيل: الويل التأَوه فيعلق به من عذاب، وفى هذا إِخبار عن المصدر قبل متعلقه، والوأْل بهمزة ساكنة بمعنى النجاة ضد الويل بياءٍ ساكنة، والموئل، الملجأْ ووأَل إِليه لجأَ.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {اللَّهُ} بالرفع على ما قرأ نافع وابن عامر خبر مبتدأ محذوف أي هو الله والموصول الآتي صفته، وبالجر على قراءة باقي السبعة والأصمعي عن نافع بدل مما قبله في قول ابن عطية: والحوفي وأبـي البقاء، وعطف بيان في قول الزمخشري قال: لأنه أجري مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود (بحق) كما غلب النجم على الثريا، ولعل جعله جارياً مجرى ذلك ليس لاشتراطه في عطف البيان بل لأن عطف البيان شرطه إفادة زيادة إيضاح لمتبوعه وهي هنا بكونه كالعلم باختصاصه بالمعبود بحق وقد خرج عن الوصفية بذلك فليس صفة كالعزيز الحميد. ثم إنه لا يخفى عليك أنه عند الأئمة المحققين علم لا أنه كالعلم، وعن ابن عصفور أنه لا تقدم صفة على موصوف إلا حيث سمع وذلك قليل، وللعرب فيما وجد من ذلك وجهان: أحدهما: أن تقدم الصفة وتبقيها على ما كانت عليه، وفي إعراب مثل هذا وجهان: أحدهما: إعرابه نعتاً مقدماً. والثاني: أن يجعل ما بعد الصفة بدلاً، والوجه الثاني: أن تضيف الصفة إلى الموصوف اهـ، وعلى هذا يجوز أن يكون {أية : ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } تفسير : [ابراهيم: 1] صفتين متقدمتين ويعرب الاسم الجليل موصوفاً متأخراً، ومما جاء فيه تقديم ما لو أخر لكان صفة وتأخير ما لو قدم لكان موصوفاً قوله:شعر : والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسعد تفسير : فلو جاء على الكثير لكان التركيب والمؤمن الطير العائذات، ومثله قوله:شعر : لو كنت ذا نبل وذا تشديب لم أخش شدات الخبيث الذيب تفسير : وجوز في قراءة الرفع كون الاسم الجليل مبتدأ. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى لَهُ } أي ملكاً وملكاً {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خبره وما تقدم أولى، فإن في الوصفية من بيان كمال فخامة شأن الصراط وإظهار تحتم سلوكه على الناس ما ليس في الخبرية، والمراد بما في السمٰوات وما في الأرض ما وجد داخلاً فيهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما، ومن الناس من استدل بعموم {مَا } على أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى كما ذكره الإمام. وقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ} وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور بالويل. وهو عند بعض نقيض الوأل بالهمز بمعنى النجاة فمعناه الهلاك فهو مصدر إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال: ويلاً له فينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال: ويل له كسلام عليك، وقال الراغب: ((قال الأصمعي ويل قبح وقد يستعمل للتحسر، وويس استصغار، وويح ترحم، ومن قال: هو واد في جهنم لم يُرد أنه في اللغة موضوع لذلك وإنما أراد أن من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقراً من النار وثبت له ذلك)). وقوله سبحانه: {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} في موضع الصفة لويل ولا يضر الفصل على ما في «البحر» وغيره/ بالخبر، وجوز أن يكون في موضع الحال على ما في "الحواشي الشهابية" و {مِنْ} بيانية، وجوز أن تكون ابتدائية على معنى أن الويل بمعنى عدم النجاة متصل بالعذاب الشديد وناشئ عنه، وقيل إن الجار متعلق: بويل على معنى أنهم يولولون من العذاب ويضجون منه قائلين يا ويلاه كقوله تعالى: {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } تفسير : [الفرقان: 13] ومنع أبو حيان وأبو البقاء ذلك لما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر وهو لا يجوز، وقد مر قريباً في الرعد ما يتعلق بذلك فتذكر فما في العهد من قدم. وفي «الكشاف» أن {مِنْ عَذَابٍ} الخ متصل بالويل على معنى أنهم يولولون إلى آخر ما ذكرنا، وهو محتمل لتعلقه به ولتعلقه بمحذوف، واستظهر هذا في «البحر». وفي «الكشف» أن الزمخشري لما رأى أن الويل من الذنوب لا من العذاب كما يرشد إليه قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [البقرة: 79] وأمثاله أشار هنا إلى أن الاتصال معنوي لا من ذلك الوجه فإنه هناك جعل الويل نفس العذاب وهنا جعله تلفظهم بكلمة التلهف من شدة العذاب وكلاهما صحيح، ولم يرد أن هنالك فصلاً بالخبر لقرب ما مر في قوله تعالى: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } تفسير : [الرعد: 24] اهـ. واعترض عليه بأنه لا حاجة لما ذكر من التكلف لأن اتصاله به ظاهر لا يحتاج إلى صرفه للتلفظ بتلك الكلمة، و {مِنْ } بيانية لا إبتدائية حتى يحتاج إلى ما ذكر، ولا يخفى قوة ذلك وأنه لا يحتاج إلى التكلف ولو جعلت {مِنْ } ابتدائية فتأمل، والظاهر أن المراد بالعذاب الشديد عذاب الآخرة، وجوز أن يكون المراد عذاباً يقع بهم في الدنيا.

ابن عاشور

تفسير : {ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ــــ برفع اسم الجلالة ــــ على أنه خبر عن مبتدإ محذوف. والتقدير: هو (أي العزيزُ الحميد) اللّهُ الموصوف بالذي له ما في السماوات الأرض. وهذا الحذف جارٍ على حذف المسند إليه المسمى عند علماء المعاني تبعاً للسكاكِي بالحَذف لمتابعة الاستعمال، أي استعمال العرب عندما يجري ذكر موصوف بصفات أن ينتقلوا من ذلك إلى الإخبار عنه بما هو أعظم مما تقدم ذكره ليكسب ذلك الانتقال تقريراً للغرض، كقول إبراهيم الصولي: شعر : سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيتــي أياديَ لم تُمْنَنْ وإنْ هيَ جَلّــت فَتى غيرُ محجوب الغنى عن صديقـه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلــت تفسير : أي هو فتى من صفته كيت وكيت. وقرأه الباقون إلاّ رُويْساً عن يعقوب ــــ بالجَرّ ــــ على البدلية من {العزيز الحميد}، وهي طريقة عربية. ومآل القراءتين واحد وكلتا الطريقتين تفيد أن المنتقل إليه أجدر بالذكر عقب ما تقدمه، فإن اسم الجلالة أعظم من بقية الصفات لأنه عَلَم الذات الذي لا يشاركه موجود في إطلاقه ولا في معناه الأصلي المنقول منه إلى العلمية إلا أن الرفع أقوى وأفخم. وقرأه رُوَيْس عن يعقوب ــــ بالرفع ــــ إذا وقف على قوله: {الحميد} وابتدىء باسم {الله}، فإذا وصل {الحميد} باسم {الله} جر اسم الجلالة على البدلية. وإجراء الوصف بالموصول على اسم الجلالة لزيادة التفخيم لا للتعريف، لأن ملك سائر الموجودات صفة عظيمة والله معروف بها عند المخاطبين. وفيه تعريض بأن صراط غير الله من طرق آلهتهم ليس بواصل إلى المقصود لنقصان ذويه. وفي ذكر هذه الصلة إدماجُ تعريض بالمشركين الذين عبدوا ما ليس له السماوات والأرض. {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} لمّا أفاد قوله: {إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السمٰوات وما في الأرض} تعريضاً بالمشركين الذين اتبعوا صراط غير الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض عطف الكلام إلى تهديدهم وإنذارهم بقوله: {وويل للكافرين من عذاب شديد}، أي للمشركين به آلهة أخرى. وجملة {وويل للكافرين} إنشاء دعاء عليهم في مقام الغضب والذم، مثل قولهم: ويحك، فعطفه من عطف الإنشاء على الخبر. {وويل} مصدر لا يعرف له فعل، ومعناه الهلاك وما يقرب منه من سوء الحالة، ولأنه لا يُعرف له فعل كان اسم مصدر وعومل معاملة المصادر، ينصب على المفعولية المطلقة ويرفع لإفادة الثبات، كما تقدم في رفع {الحمد لله} في سورة الفاتحة. ويقال: ويل لك وويلك، بالإضافة. ويقال: يا ويلك، بالنداء. وقد يذكر بعد هذا التركيب سببه فيؤتى به مجروراً بحرف {مِن} الابتدائية كما في قوله هنا {من عذاب شديد}، أي هلاكاً ينجر لهم من العذاب الشديد الذي يلاقونه وهو عذاب النار. وتقدم الويل عند قوله تعالى: { أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } تفسير : في سورة البقرة (79). والكافرون هم المعهودون وهم الذين لم يخرجوا من الظلمات إلى النور، ولا اتبعوا صراط العزيز الحميد، ولا انتفعوا بالكتاب الذي أنزل لإخراجهم من الظلمات إلى النور. و{يستحبون} بمعنى يحبون، فالسين والتاء للتأكيد مثل استقدم واستأخر. وضمن {يستحبون} معنى يؤثرون، لأن المحبة تعدّت إلى الحياة الدنيا عقب ذكر العذاب الشديد لهم، فأنبأ ذلك أنهم يحبون خير الدنيا دون خير الآخرة إذ كان في الآخرة في شقاء، فنشأ من هذا معنى الإيثار، فضُمّنه فعُدّي إلى مفعول آخر بواسطة حرف {على} في قوله: {على الآخرة} أي يؤثرونها عليها. وقوله: {ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً} تقدم نظيره في قوله: { أية : أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً } تفسير : في سورة الأعراف (45)، وعند قوله تعالى: { أية : يا أهل الكتاب لِم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء } تفسير : في سورة آل عمران (99)، فانظره هنالك. والصدّ عن سبيل الله: منع الداخلين في الإسلام من الدخول فيه. شبه ذلك بمن يمنع المارّ من سلوك الطريق. وجعل الطريق طريقَ الله لأنه موصل إلى مرضاته فكأنه موصل إليه، أو يصدّون أنفسهم عن سبيل الله لأنهم عطلوا مواهبهم ومداركهم من تدبر آيات القرآن، فكأنهم صدّوها عن السير في سبيل الله ويبغون السبيل العَوجاء، فعلم أن سبيل الله مستقيم، قال تعالى: { أية : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه } تفسير : [سورة الأنعام: 153]. والإشارة في قوله: {أولئك في ضلال بعيد} [سورة إبراهيم: 3] للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا به من الضلال بسبب صدّهم عن سبيل الحق وابتغائهم سبيل الباطل، فـ {أولئك} في محل مبتدأ و{في ضلال بعيد} خبر عنه. ودلّ حرف الظرفية على أن الضلال محيط بهم فهم متمكنون منه. ووصف الضلال بالبعيد يجوز أن يكون على وجه المجاز العقلي، وإنما البعيد هم الضالّون، أي ضلالاً بعدوا به عن الحق فأسند البعد إلى سببه. ويجوز أن يراد وصفه بالبعد على تشبيهه بالطريق الشاسعة التي يتعذر رجوع سالكها، أي ضلال قوي يعسر إقلاع صاحبه عنه. ففيه استبعاد لاهتداء أمثالهم كقوله: { أية : ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد } تفسير : [سورة الشورى: 18] وقوله: { أية : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } تفسير : [سورة سبأ: 8]. وتقدم في قوله: { أية : ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً } تفسير : في سورة النساء (116).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لِّلْكَافِرِينَ} (2) - وَرَبُّهُم هُوَ اللهُ الذِي يَمْلِكُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَالوَيْلُ وَالهَلاَكُ لِلْكَافِرِينَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، مِنَ العَذَابِ الشَّدِيدِ الذِي يَنْتَظِرُهُمْ، إِذا خَالَفُوكَ يَا مُحَمَّدُ وَكَذَّبُوكَ. وَيْلٌ - هَلاَكٌ أَوْ حَسْرَةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأنت إنْ قرأتَ هذه الآية موصولةً بما قبلها؛ فستقرؤها: {صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [إبراهيم: 1-2]. وإن كنتَ ستقرؤها مَفْصُولة عمَّا قبلها؛ فستقول: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2]. وستنطق كلمة "الله" غير مُرقَّقة عكسَ إنْ قرأتَها موصولة، حيث يجب أن تنطقها مُرقَّقة. وتقتضي الأصول في الكتاب أن يوجد الاسم العلَم على الذات أولاً، ثم تأتي الصفة من بعده، فتقول: "لقيت فلاناً الشاعر أو الكاتب أو العالم"، لكن الأمر هنا جاء على غير هذا النَّسَق: {أية : صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [إبراهيم: 1]. أي: قدَّم {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} ثم جاء بلفظ الجلالة، وهو العلَم على واجب الوجود "الله"، وقد حدث ذلك لأن العلَمَ يدل على مُسمَّاه بصرف النظر عن الصفات؛ ثم توجد الصفات له. وهناك من العلماء مَنْ قال: إنه مُشْتق بمعنى أن "الله" تعني المعبود بحقٍّ؛ وصفة العزيز الحميد حيثية لأنْ يُعبدَ سبحانه بحقٍّ. ومن العلماء من قال: إن كلمة "الله" هي علَم، وليست اسماً مُشْتقاً؛ فَلَهُ الملكية المطلقة: {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [إبراهيم: 2]. لا يقع في هذا المُلْك إلا ما شاء هو، فَمنْ آمن به أنصف نفسه وحياته وآخرته، أما مَنْ لم يؤمن به فَلَه المقابل، وهو قوله الحق: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2]. وهذا الوَيْل ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضاً؛ لأن الإنسان حين تعترضه الصِّعاب والعقبات والمصائب التي ليس له أسباب يدفعها بها؛ هنا يستطيع المؤمن أن يذكر أن له رباً فوق الأسباب؛ ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له، وهكذا يشعر أن له رصيداً في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الأحداث الجِسَام. أما غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس؛ ولذلك نجد انتشار الانتحار بين غير المؤمنين؛ لأن هناك أحداثاً فوق أسبابهم، ولا يستطيعون دفعها، وليس لهم إيمان بربٍّ يرجعون إليه. ولذلك حين أقرأ للمفسرين مَنْ يشرح كلمة "الويل" بأنها عذابُ الآخرة؛ فأجد نفسي قائلاً: بل والوَيْل يكون في الدنيا أيضاً؛ لأن الكثير من أحداث الحياة يكون فوق أسباب الإنسان؛ فلو لم يؤمن الإنسان بالله لَفزِع من فَرْط اليأس. ولذلك نجد بعضهم حين لا يجدون مَفَرّاً إلا أنْ يقولوا يارب، وهم بذلك يعلنون صرخة الفطرة الأولى التي قاوموها بالإلحاد وعدم الإيمان؛ وهذا الويل له امتداد بلون أشد في الآخرة. ويصف الحق سبحانه هؤلاء الذين لا يؤمنون، فيقول: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا ...}.