١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بتعويق الناس عن الإِيمان. وقرىء {ويصدون} من أصده وهو منقول من صد صدوداً إذا تنكب وليس فصيحاً، لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } ويبغون لها زيغاً ونكوباً عن الحق ليقدحوا فيه، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة للكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره. {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت {يَسْتَحِبُّونَ } يختارون {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلأَخِرَةِ وَيَصُدُّنَ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دين الإسلام {وَيَبْغُونَهَا } أي السبيل {عِوَجَا } معوجّة {أُوْلَئِكَ فِى ضَلَٰلٍ بَعِيدٍ } عن الحق.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَسْتَحِبُّونَ} يختارون، أو يستبدلون {سَبِيلِ اللَّهِ} دينه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} العوج بالكسر في الأرض والدين وكل ما لم يكن قائماً وبالفتح كل ما كان قائماً كالرمح والحائط. {وَيَبْغُونَهَا} يرجون بمكة ديناً غير الإسلام"ع"، أو يقصدون بمحمد صلى الله عليه وسلم هلاكاً.
الخازن
تفسير : فقال تعالى: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} يعني يختارون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة {ويصدون عن سبيل الله} أي ويمنعون الناس عن قبول دين الله {ويبغونها عوجاً} يعني ويطلبون لها زيغاً وميلاً، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقيل: معناه يطلبون سبيل الله حائدين عن القصد وقيل الهاء في ويبغونها راجعة إلى الدنيا ومعناه يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق والميل إلى الحرام {أولئك} يعني من هذه صفته {في ضلال بعيد} يعني عن الحق وقيل يجوز أن يراد في ضلال بعيد ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال يبعد عن الطريق. قوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} يعني بلغة قومه ليفهموا عنه ما يدعوهم إليه وهو قوله تعالى {ليبين لهم} يعني ما يأتون وما يذرون. فإن قلت: لم يبعث الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعاً بدليل قوله تعالى {أية : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} تفسير : [الأَعراف: 158] بل هو مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وهم على ألسنة مختلفة ولغات شتى وقوله بلسان قومه وليس قومه سوى العرب يقتضي بظاهره أنه مبعوث إلى العرب خاصة فكيف يمكن الجمع؟ قلت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وبلسانهم والناس تبع للعرب فكان مبعوثاً إلى جميع الخلق، لأنهم تبع للعرب ثم إنه يبعث الرسل إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم. وقيل: يحتمل أنه أراد بقومه أهل بلدة، وفيهم العرب وغير العرب فيدخل معهم من غير جنسهم في عموم الدعوى وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه وكانت دعوته خاصة وكان كتابه بلسان قومه كان أقرب لفهمهم عنه وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر عنهم علمه وقامت التراجم ببيانه وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب بلغة واحدة مع اختلاف الأمم وتباين اللغات كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم معانيه، وتفهيم فوائده وغوامضه وأسراره وعلومه وجميع حدوده وأحكامه وقوله {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} يعني أن الرسول ليس عليه إلا التبليغ والتبيين والله هو الهادي المضل يفعل ما يشاء {وهو العزيز} يعني الذي يغلب و لا يغلب {الحكيم} في جميع أفعاله. قوله عز وجل {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} المراد بالآيات المعجزات التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام، مثل العصا واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات العظيمة الباهرة {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} أي أن أخرج قومك بالدعوة من ظلمات الكفر الى نور الإيمان {وذكرهم بأيام الله} قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: يعني بنعم الله. وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم بما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والنقمة، فأخبر بذكر الأيام عن ذلك لأن ذلك كان معلوماً عندهم وعلى هذا يكون المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. والترغيب والوعد أن يذكرهم بما أنعم الله عليهم به من النعمة، وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل فيما مضى من الأيام، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأس الله، وشدة انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة والشدة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب فخلصهم الله من ذلك، وجعلهم ملوكاً بعد أن كانوا مملوكين {إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور} الصبّار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وإنما خص الشكور والصبور بالاعتبار بالآيات وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] ولأن الانتفاع بالآيات لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابراً شاكراً أما من لم يكن كذلك فلا ينتفع بها البتة {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} لما أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام أن يذكر قومه بأيام الله امتثل ذلك الأمر، وذكرهم بأيام الله فال {اذكروا نعمة الله عليكم} {إذ أنجاكم من آل فرعون} أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت الذي أنجاكم فيه من آل فرعون {يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم}. فإن قلت قال في سورة البقرة: يذبحون بغير واو وقال هنا ويذبحون بزيادة واو فما الفرق؟ قلت: إنما حذفت الواو في سورة البقرة لأن قوله يذبحون تفسير لقوله يسومونكم سوء العذاب، وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو كما تقول جاءني القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم وأما دخول الواو هنا في هذه السورة فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح أيضاً فقوله: ويذبحون نوع آخر من العذاب لأنه تفسير العذاب {ويستحيون نساءكم} يعني يتركونهن أحياء {وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم}. فإن قلت كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت: تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا ما فعلوا بلاء من الله؛ ووجه آخر وهو أذن لكم إشارة إلى الانجاء، وهو بلاء عظيم لأن البلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعاً ومنه قوله: {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة}تفسير : [الأَنبياء: 35] وهذا الوجه أولى لأنه موافق لأول الآية وهو قوله اذكروا نعمة الله عليكم. فإن قلت: هب أن تذبيح الأبناء فيه بلاء فكيف يكون استحياء النساء فيه بلاء. قلت: كانوا يستحيونهن ويتركونهن تحت أيديهم كالإماء فكان ذلك بلاء {وإذ تأذن ربكم} هذا من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم، ومعنى تأذن: آذن، أي أعلم ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل وأذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال: {ولئن شكرتم} يعني يا بني اسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح {لأزيدنكم} يعني نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما أتيتكم قيل شكر الموجود صيد المفقود. وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب وأصل الشكر تصور النعمة، وإظهارها وحقيقته الاعتراف بنعمة المنم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه الطريقة وهاهنا دقيقة وهي أن العبد إذا اشتغل بمطالعة أقسام نعم الله عز وجل عليه، وأنواع فضله وكرمه وإحسانه إليه اشتغل بشكر تلك النعمة, وذلك يوجب المزيد وبذلك تتأكد محبة العبد لله عز وجل وهو مقام شريف ومقام أعلى منه وهو أن يشغله حب المنعم عن الالتفات إلى النعم، وهذا مقام الصدّيقين نسأل الله القيام بواجب شكر النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه وإنعامه. وقوله {ولئن كفرتم} المراد بالكفر هاهنا كفران النعمة، وهو جحودها لأنه مذكور في مقابلة الشكر {إن عذابي لشديد} يعني لمن كفر نعمتي ولا يشكرها {وقال موسى إن تكفروا} يعني يا بني إسرائيل {أنتم ومن في الأرض جميعاً} يعني والناس كلهم جميعاً فإنما ضرر ذلك يعود على أنفسكم بحرمانها الخير كله {فإن الله لغني} يعني عن جميع خلقه {حميد} أي محمود في جميع أفعاله لأنه متفضل وعادل {ألم يأتكم نبأ} يعني خبر {الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود} قال بعض المفسرين: يحتمل أن يكون هذا خطاباً من موسى لقومه، والمقصود منه أنه عليه الصلاة والسلام يذكرهم بأمر القرون الماضية والأمم الخالية والمقصود منه حصول العبرة بأحوال من تقدم وهلاكهم {والذين من بعدهم} يعني من بعد هؤلاء الأمم الثلاثة {لا يعلمهم إلا الله} يعني لا يعلم كنه مقاديرهم وعددهم إلا الله لأن علمه محيط بكل شيء {أية : ألا يعلم من خلق}تفسير : [الملك: 14] وقيل: المراد بقوله والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله أقوام وأمم ما بلغنا خبرهم أصلاً ومنه قوله: {أية : وقروناً بين ذلك كثيراً}تفسير : [الفرقان: 38] وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول: كذب النسابون. يعني أنهم يدعون علم النسب إلى آدم، وقد نفى الله علم ذلك عن العباد. وعن عبد الله بن عباس أنه قال: بين إبراهيم وعدنان ثلاثون قرناً لا يعلمهم إلا الله وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أباً أباً إلى آدم، لأنه لا يعلم أولئك إلا الله. وقوله تعالى {جاءتهم رسلهم بالبينات} يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات {فردوا أيديهم في أفواههم}. وفي معنى الأيدي والأفواه قولان: أحدهما أن المراد بهما هاتان الجارحتان المعلومتان ثم في معنى ذلك وجوه. قال ابن مسعود: عضوا أيديهم غيظاً. وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به. يقال: رددت قول فلان في فيه أي كذبته. وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم إلى أفواه أنفسهم، يعني أنهم وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة منهم إلى الرسل أن اسكتوا. وقال مقاتل: ردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك وقيل: إن الأمم لما سمعوا كلام الرسل عجبوا منه. وضحكوا على سبيل السخرية فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل الذي غلبه الضحك. القول الثاني: أن المراد بالأيدي والأفواه غير الجارحتين فقيل المراد بالأيدي النعم ومعناه ردوا ما لو قبلوه لكان نعمة عليهم يقال لفلان عندي يد أي نعمة، والمراد بالأفواه وتكذيبهم الرسل والمعنى كذبوهم بأفواههم وردوا قولهم وقيل إنهم كفوا عن قبول ما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال فلان رد يده إلى فيه إذا أمسك عن الجواب فلم يجب وهذا القول فيه بعد لأنهم قد أجابوا بالتكذيب وهو أن الأمم ردوا على رسلهم {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به} يعني إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به لأنهم لم يقروا بأنهم أرسلوا إليهم لأنهم لو أقروا بأن الرسل أرسلوا إليهم لكانوا مؤمنين {وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} يعني يوجب الريبة أو يوقع في الريبة والتهمة، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي يشك فيه. فإن قلت: إنهم قالوا أولاً إنا كفرنا بما أرسلتم به فكيف يقولون ثانياً وإنا لفي شك والشك دون الكفر أو داخل فيه. قلت: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل فكأنهم حصل لهم شبهة توجب لهم الشك فقالوا: إن لم تدع الجزم في كفرنا فلا أقل من أن نكون شاكّين مرتابين في ذلك {قالت رسلهم} يعني مجيبين لأممهم {أفي الله شك} يعني وهل تشكون في الله وهو استفهام إنكار ونفي لما اعتقدوه {فاطر السموات والأرض} يعني وهل تشكون في كونه خالق السموات والأرض وخالق جميع ما فيهما {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} يعني ليغفر لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم وحرف (من) صلة وقيل: إنها أصل ليست بصلة، وعلى هذا إنه يغفر لهم ما بينهم وبينه من الكفر والمعاصي دون مظالم العباد {ويؤخركم إلى أجل مسمى} يعني إلى حين انقضاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب {قالوا} يعني الأمم مجيبين للرسل {إن أنتم} يعني ما أنتم {إلا بشر مثلنا} يعني في الصورة الظاهرة لستم ملائكة {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} يعني ما تريدون بقولكم: هذا إلا صدنا عن آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها {فأتونا بسلطان مبين} حجة بينة واضحة على صحة دعواكم {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم} يعني أن الكفار لما قالوا لرسلهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا قالت لهم رسلهم مجيبين لهم: هب أن الأمر كما قلتم ووصفتم فنحن بشر مثلكم لا ننكر ذلك {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} يعني بالنبوة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم الشريف {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} يعني وليس لنا من ما خصنا الله به من النبوة وشرفنا به من الرسالة أن نأتيكم بآية، وبرهان ومعجزة تدل على صدقنا إلا بإذن الله لنا في ذلك {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يعني في دفع شرور أعدائهم عنهم {وما لنا أن لا نتوكل على الله} يعني أن الأنبياء قالوا أيضاً قد عرفنا أنه لا يصيبنا شيء إلا بقضاء الله وقدره فنحن نثق به ونتوكل عليه في دفع شروركم عنا {وقد هدانا سبلنا} يعني وقد عرفنا طريق النجاة، وبين لنا الرشد {ولنصبرن} اللام لام القسم تقديره والله لنصبرن {على ما آذيتمونا} يعني به من قول أو فعل {وعلى الله فليتوكل المتوكلون}. فإن قلت: كيف كرر الأمر بالتوكل؟ وهل من فرق بين التوكلين؟ قلت: نعم التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل والتوكل الثاني فيه إشارة إلى السعي في التثبيت على ما استحدثوا من توكلهم وإبقائه وإدامته فحصل الفرق بين التوكلين. قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} يعني ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم أيها الرسل من بلادنا وأرضنا وإما عودكم في ملتنا. فإن قلت: هذا يوهم بظاهره أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعود فيها قلت: معاذ الله ولكن العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب، وفيه وجه آخر، وهو أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما أرسلوا إليهم أظهروا مخالفتهم ودعوا إلى الله فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ظناً منهم أنهم كانوا على ملتهم ثم خالفوهم وإجماع الأمة على أن الرسل من أول الأمر إنما نشؤوا على التوحيد لا يعرفون غيره {فأوحى إليهم ربهم} يعني أن الله تعالى أوحى إلى رسله وأنبيائه بعد هذه المخاطبات والمحاورات {لنهلكن الظالمين} يعني أن عاقبة أمرهم إلى الهلاك فلا تخافوهم {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} يعني من بعد هلاكهم {ذلك} يعني ذلك الإسكان {لمن خاف مقامي} يعني خاف مقامه بين يدي يوم القيامة فأضاف قيام العبد إلى نفسه، لأن العرب قد تضيف أفعالها إلى أنفسها كقولهم: ندمت على ضربي إياك وندمت على ضربك مثله {وخاف وعيد} أي وخاف عذابي.
البقاعي
تفسير : ولما أشار إلى ما للكافرين، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في أودية الشر فقال: {الذين يستحبون} أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة بغاية الرغبة متابعة للهوى {الحياة الدنيا} وهي النشأة الأولى التي هي دار الارتحال، مؤثرين لها {على الآخرة} أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام، وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك، وهذا دليل على أن المحبة قد تكون بالإرادة؛ والمحبة: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، فهم يمتنعون خوفاً على دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك الصراط {و} يضمون إلى ذلك أنهم {يصدون} أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم {عن سبيل الله} أي طريق الملك الأعظم؛ والسبيل: المذهب المهيأ للسلوك {و} يزيدون على ذلك أنهم {يبغونها} أي يطلبون لها، حذف الجار وأوصل الفعل تأكيداً له {عوجاً} والعوج: ميل عن الاستقامة، وهو بكسر العين في الدين والأمر والأرض، وبالفتح في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ونحوهما {أولئك} أي البعداء البغضاء {في ضلال بعيد *} أي عن الحق، إسناد مجازي، لأن البعيد أهل الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني وبطلبهم العوج فيما قومه الله المحيط بكل شيء قدرة وعلماً. ولما قدم ما أفهم أنه أرسله صلى الله عليه وسلم بلسان قومه إلى الناس كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها، فكان في غاية العدالة، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال، دلّ على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل بقومه، فلذلك أتبعه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا في العظمة، وأعرق في النفي فقال: {من رسول} أي في زمن من الأزمان {إلا بلسان} أي لغة {قومه} أي الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليبين} أي بياناً شافياً {لهم} كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم ولجميع الخلق، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها، فهو معطوف على{أنزلناه} بالتقدير الذي تقدم، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته {فيضل} أي فتسبب عن ذلك أنه يضل {الله } أي الذي له الأمر كله {من يشاء} إضلاله، وقدم سبحانه هذا اهتماماً بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال {ويهدي من يشاء} هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزاً للضال من المهتدي {وهو} أي وحده {العزيز} الذي لا يرام ما عنده إلا به، ولا يمتنع عليه شيء أراده {الحكيم *} الذي لا ينقض ما دبره، فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي، لأن المقصود جمع الخلق على الحق، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك، ولو أنزل بألسنة كلها لكان منافياً لهذا المقصود، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريباً من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب، ويؤدي أيضاً إلى ادعاء أهل كل لسان أن التعبير عنه بلسانهم أعظم، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد الفرقة، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم، أقرب إليه، فيكون فهمهم لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل، ويكونون عن الغلط والخطأ أبعد، فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا، فانتشر الأمر وعم وسهل، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها، قال تعالى:{أية : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} تفسير : [إبراهيم:1] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته{أية : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} تفسير : [الرعد: 31]. ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيه عليه السلام {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} قال تعالى هنا {بإذن ربهم}، إنما عليك البلاغ. ولما قال تعالى: {أية : وكأين من آية في السماوات والأرض} تفسير : [يوسف:105] تم بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال:{أية : الذي له ما في السماوات وما في الأرض} تفسير : [إبراهيم: 2] فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما من عظيم ما أوضح لكم الاعتبار به، كل ذلك له ملكاً وخلقاً واختراعاً، {أية : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} تفسير : [آل عمران:83] {أية : وويل للكافرين من عذاب شديد} تفسير : [إبراهيم:2] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه{أية : ويصدون عن سبيل الله}تفسير : [التوبه:34] مع وضوح السبيل وانتهاج ذلك الدليل، ثم قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم:4] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه {أية : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} تفسير : [الرعد:38] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا:{أية : أبشر يهدوننا} تفسير : [التغابن:6]، {أية : ما أنتم إلا بشر مثلنا} تفسير : [يس:15] وحتى قالت قريش: {أية : لولا أنزل عليه ملك} تفسير : [الأنعام: 8]، {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} {أية : وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف:31] فما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم، رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئاً فشيئاً، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى:{أية : أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} تفسير : [يونس:2]، الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه، وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى بمضمون هذة الآي كل جاحد معاند؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم نوح{أية : ما نراك إلا بشراً مثلنا} تفسير : [ هود:27]، الآية وجوابه عليه السلام{أية : أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} تفسير : [هود:63] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله وآتاني رحمة من عنده وبرهاناً على ما جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أعظم عظة، ثم جرى هذا لصالح وشعيب عليهما السلام، وديدن الأمم أبداً مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد سبحانه تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعريفاً بأحوال من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ليسمع ذلك من جرى له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم، فقال تعالى:{أية : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} تفسير : [الرعد:38] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئاً من مناصبهم، بل هو واقع في قيام الحجة على العباد. ثم تلا ذلك بقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة: لا نفهم عنهم، إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب عليه السلام{أية : وما نفقة كثيراً مما تقول}تفسير : [هود:91] هذا وهو عليه السلام يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك بل لو خالفت الرسل عليهم السلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفراً، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} تفسير : [الأنعام:9] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة. ولما كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عامة، كان عليه الصلاة والسلام يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم، وتأمل كم بين كتابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنس رضي الله عنه في الصدقة وكتابه إلى وائل بن حجر مع اتحاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها، وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم عليه السلام على التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخرة وعذابها - انتهى.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} أي يؤثرونها استفعالٌ من المحبة فإن المؤثرَ للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبَّ إليها وأفضلَ عندها من غيره {عَلَىٰ ٱلأَخِرَةِ} أي الحياة الآخرةِ الأبدية {وَيَصُدُّونَ} الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} التي بـين شأنُها، والاقتصارُ على الإضافة إلى الاسم الجليلِ المنطوي على كل وصفٍ جميل لزومُ الاختصار، وهو من صدّه صداً وقرىء يُصِدّون من أصدّ المنقولِ من صد صدوداً إذا نكَب وهو غيرُ فصيح كأوقف فإن في صدّه ووقفه لمندوحة عن تكلف النقل {وَيَبْغُونَهَا} أي يبغون لها فحُذف الجارّ وأوصل الفعلُ إلى الضمير أي يطلبون لها {عِوَجَا} أي زيغاً واعوجاجاً وهي أبعدُ شيء من ذلك أي يقولون لمن يريدون صدَّه وإضلاله: إنها سبـيلٌ ناكبةٌ وزائغة غيرُ مستقيمة، ومحلُّ موصول هذه الصلاتِ الجرُّ على أنه بدلٌ من الكافرين أو صفةٌ له فيعتبر كلُّ وصف من أوصافهم بإزاء ما يناسبه من المعاني المعتبرةِ في الصراط، فالكفرُ المنبىءُ عن الستر بإزاء كونه نوراً واستحبابُ الحياة الدنيا الفانيةِ المفصحةِ عن وخامة العاقبةِ بمقابلة كونِ سلوكه محمودَ العاقبة والصدُّ عنه بإزاء كونه مأموناً، وفيه من الدلالة على تماديهم في الغي ما لا يخفى. أو النصبُ على الذم أو الرفعُ على الابتداء والخبر قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ} وعلى الأول جملةٌ مستأنفة وقعت معلّلةً لما سبق من لحوق الويل بهم تأكيداً لما أَشعر به بناءُ الحكم على الموصول أي أولئك الموصوفون بالقبائح المذكورةِ من استحباب الحياةِ الدنيا على الآخرة وصدِّ الناس عن سبـيل الله المستقيمةِ ووصفها بالاعوجاج وهي منه بنزه في ضلال عن طريق الحق بعيدٍ بالغٍ في ذلك غايةَ الغايات القاصيةِ، والبعدُ وإن كان من أحوال الضالّ إلا أنه قد وُصف به وصفُه مجازاً للمبالغة كجدّ جدُّه وداهيةٌ دهياءُ، ويجوز أن يكون المعنى في ضلال ذي بُعد أو فيه بُعدٌ، فإن الضالّ قد يضِل عن الطريق مكاناً قريباً وقد يضل بعيداً وفي جعل الضلال محيطاً بهم إحاطةَ الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} [الآية: 3]. قال أبو على الجوزجانى: من أحب الدنيا حرم عليه طلب طريق الآخرة، ومن طلب الآخرة حرم عليه طلب طريق نجاته، ومن طلب طريق النجاة حرم عليه رؤية فضل الله تعالى عليه، ومن طلب رؤية طريق الفضل حرم عليه الوصول إلى المتفضل.
القشيري
تفسير : ثم ذكر ذميمَ أخلاقِهم، فقال: هُمُ الذين يُؤْثِرُونَ اليسيرَ مِنْ حُطَامِ الدنيا على الخطير من نِعَم الآخرة، وذلك من شدة جُحْدِهم، ويبغون للدِّين عِوَجاً بكثرة جَمْعِهم، أولئك لهم في الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة، وفي الآخرة الاحتراق وهو أجلٌّ محنة ومصيبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة} محل الموصول الجر على انه بدل من الكافرين او صفة له. والاستحباب استفعال من المحبة. والمعنى يختارون الحياة الدينا ويؤثرونها على الحياة الآخرة الابدية فان المؤثر للشئ على غيره كأنه يطلب من نفسه ان يكون احل اليها وافضل عندها من غيره. قال ابن عباس رضى الله عنهما يأخذون ما تعجل فيها تهاونا بامر الآخرة وهذا من اوصاف الكافر الحقيقى فانه يجد ويجتهد فى طلب الدنيا وشهواتنا ويترك الآخرة باهمال السعى فى طلبها واحتمال الكلفة والمشقة فى مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع فينبغى للمؤمن الحقيقى ان لا يرضى باسم الاسلام ولا يقنع بالايمان التقليدى فانه لا يخلو عن الظلمات بخلاف الايمان الحقيقى ان لا يرضى فانه نور محض وليس فيه تغيير اصلا شعر : كى سبه كردد زآتش روى خوب كونهد كلكونه از تقوى القلوب تفسير : {ويصدون عن سبيل الله} اى ويمنعون الناس عن قبول دين الله. وفيه اشارة الى ان اهل الهوى يصرفون وجوه الطالبين عن طلب الله ويقطعون عليهم طريق الحق فى صورة النصيحة ويلومون الطلاب على ترك الدنيا والعزلة والعزوبة والانقطاع عن الخلق للتوجه الى الحق {ويبغونها} اى ويبغون لها فحذف الجار واوصل الفعل الى الضمير اى يطلبون لها {عوجا} زيغا واعوجاجا اى يقولون لمن يريدون صده واضلاله انها سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة [يعنى اين راه كج است وبمنزل مقصود نميرسد] والزيغ الميل عن الصواب والنكوب والاعراض {اولئك} الموصوفون بالقبائح المذكورة {فى ضلال بعيد} اى ضلوا عن طريق الحق ووقعوا عنه بمراحل والبعد فى الحقيقة من احوال الضال لانه هو الذى يتباعد عن الطريق فوصف به فعله مجازا للمبالغة وفى جعل الضلال محيطا بهم احاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة وليس فى طريق الشيطان فوق من هو ضال ومضل كما انه ليس فى طريق الرحمن فوق من هو مهتد وهاد وقد اشير الى كليهما فى الآيات فان انزال الكتاب على رسول الله اشارة الى اهتدائه به كما قال تعالى فى مقام الامتنان {أية : ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان} تفسير : وقوله لتخرج صريح فى هدايته وارشاده ولكل وارث من ورثته الاكملين حظ او فى من هذين المقامين وهم المظاهر للاسم الهادى وقوله تعالى يستحبون ويصدون اشارة الى الضلال والاضلال وهم ورثة الشيطان فى ذلك اى المظاهر للاسم المضل. فعلى العاقل ان يحقق ايمانه بالذكر الكثير وينقطع من الدنيا وما فيها الى العليم الخبير. وسئل سلطان العارفين ابو يزيد البسطامى قدس سره عن السنة والفريضة فقال السنة ترك الدنيا والفريضة الصحبة مع المولى لان السنة كلها تدل على ترك الدنيا والكتاب كله يدل على صحبة المولى فمن عمل بالسنة والفريضة فقد كملت النعمة فى حقه ووجب عليه الشكر الكثير شرفنا الله واياكم بالسلوك الى طريق الاخيار والابرار
الطوسي
تفسير : {الذين} في موضع جر، لانه نعت للكافرين، وتقديره وويل للكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة. والاستحباب طلب محبة الشيء بالتعرض لها، والمحبة إِرادة منافع المحبوب. وقد تكون المحبة ميل الطباع. والحياة الدنيا هو المقام في هذه الدنيا العاجلة على الكون في الآخرة. ذمهم الله بذلك، لان الدنيا دار انتقال، والآخرة دار مقام. {ويصدون عن سبيل الله} اي يعرضون بنفوسهم عن اتباع الطريق المؤدي الى معرفة الله، ويجوز ان يريد انهم يمنعون غيرهم من اتباع سبيل الله تعالى، يقال: صد عنه يصد صدّاً، غير متعد، وصده يصده صدّاً متعد. والسبيل الطريق وكلاهما يؤنث ويذكر، وهو على السبل اغلب و {يبغونها عوجاً} أي ويطلبون الطريق عوجاً اي عدولاً عن استقامته. و (العوج) خلاف الميل الى الاستقامة، والعوج - بكسر العين - في الدين، و - بفتح العين - في العود والبغية طلب المقاصد لموضع الحاجة، يقال: بغاه يبغيه بغية، وابتغى ابتغاء، ودخلت (على) في قوله {يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} لان المعنى يؤثرونها عليها. ولو قيل من الاخرة، لجاز ان يكون بمعنى يستبدلونها من الاخرة. وقيل: إِنه يجري مجرى قولهم: نزلت على بني فلان، ونزلت في بني فلان، وببني فلان، كله بمعنى واحد. وقوله {أولئك في ضلال بعيد} إِخبار منه تعالى ان هؤلاء الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الاخرة، ويصدون عن سبيل الله، في عدول عن الحق، بعيدون عن الاستقامة.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} صفة للكافرين وبيان له. اعلم، انّ الانسان واقع بين الدّنيا والآخرة وبعبارة اخرى بين مراتب النّفس ومدارج القلب وهو فطرىّ التعلّق ذاتّى الرّبط فان كفر بالآخرة تعلّق بالدّنيا، وان كفر بالدّنيا تعلّق بالآخرة، وكلّ ما تعلّق به اختاره على ما لم يتعلّق به فالكافر بالآخرة لا محالة متعلّق بالدّنيا ومختار لها على الآخرة والمتمكّن فى الكفر يستمرّ استحبابه للدّنيا كما انّ المتمّكن فى الايمان يستمرّ استحبابه للآخرة، والمتلوّن فيهما قد يستحبّ الدّنيا وقد يستحبّ الآخرة ولمّا كان صيغة الكافرين بحسب الاستعمال يتبادر منها المتمكّنون فى الكفر اتى بالاستحباب بصيغة المضارع الدّالّ على الاستمرار وعقّبه بقوله {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} مضارعاً دالاًّ على الاستمرار والاّ فالمتلوّنون فى الكفر كثيراً ما لا يصدّون عن سبيل الله ولا يبغونها عوجاً بل يبغونها قيّماً {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} نسبة البعد الى الضّلال مجاز.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} نعت للكافرين أو مفعول لمحذوف أى أعنى أو أذم أو خبر لمحذوف أى هم الذين أو مبتدأ خبره أولئك فى ضلال بعيد {يَسْتَحِبُّونَ} يختارون اختياراً شديداً ولتضمين الحب معنى الاختيار هنا وصل بعلى والسين والتاء كما علمت للمبالغة وادعى بعض أنهما للطلب على أصلهما وأن من يختار شيئاً يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره. {الحَيَٰوةَ الدُّنْيَا} أى القريبة الزوال بالموت. {عَلَى الآخِرَةِ} ومعنى اختيارها على الآخرة الإِقبال عليها فقط والكفر بالآخرة. {وَيَصُدُّونَ} يعرضون بأَنفسهم فهو من صد اللازم أو يصرفون غيرهم فهو من المتعدى، وقرأ الحسن بضم الياء وكسر الصاد على أنه من صد بهمزة التعدية الداخلة على صد اللازم أى يصدون غيرهم وليس فصيحاً لأَن صد المتعدى مغن عن ذلك. {عَنْ سَبِيلِ اللهِ} وهى دينه. {وَيَبْغُونَهَا} أى سبيل الله لأَن السبيل يؤنث ويذكر أى يبغون لها فحذف الجار وأوصل المجرور بالفعل فذلك من باب الحذف والإِيصال ولتضمن يبغون معنى يطلبون عدى إلى قوله {عِوَجاً} أى زيغا عن الحق وكأَنه قيل ويطلبون لها عوجا أو يبحثون عن عيب يعوجها ويشينها وليسوا بواجد به فيكذبون عليها ويبهتونها ليروا الناس أنها معوجة ويجوز أن يكون المعنى يطلبونها طلب عوج أو معوجين أو ذوى عوج أو بعوج بأَن يريدوا الكون عليها مع بقائهم على ماهو عوج من شرك ومعاص وفيه ضعف لقلة من يريد ذلك، وعليه فها مفعول به بلا تقدير جار، وعوجا مفعول مطلق أو حال أو منصوب على نزع الخافض ويجوز رجوع ها إلى مطلق السبيل على طريق الاستخدام فيكون ها مفعولا بلا تقدير أى يطلبون الطريق باعوجاج وهو الشرك والمعاصى أو ذوى عوج أو معوجين أو طلب عوج أو معوجة أو ذات عوج ويجوز رجوع ها إِلى الدنيا أى يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق والإِعراب كالذى قيل. {أُولَئِكَ فِى ضَلاَلٍ} ذهاب عن الحق. {بَعيدٍ} عنه أسند البعد إِلى الضلال مع أنه فعل للضلال مبالغة كقولك جد جدهُ برفع جده تريد أنه مبالغ فى الاجتهاد حتى كان اجتهاده مجتهد، وقولك صام صومه بالرفع تريد مبالغته فى الصوم حتى كان صومه صايم ويجوز أن يكون بعيد فعيلا للنسب أى ظلال ذى بعد أو فيه بعد والنسبة تصح لأَدنى ملابسة، والذهاب عن الطريق قد يكون بمسافة بعيدة كما هنا وبمسافة قريبة فهذا وجه غير الأَول، وإِن شئت فقل البعد لما به الضلال فوصف به الضلال للملابسة.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يْسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} يختارونها على الحياة الآخرة أَو الدار الآخرة، وهو مبتدأ خبره أُولئك فى ضلال بعيد، أَو مرفوع أَو منصوب على الذم، لا نعت للكافرين، والإِلزام الفصل بين النعت والمنعوت بأَجنبى وهو من عذاب، الذى هو بيان للمبتدإِ الأَجنبى من الخبر كذا قيل، وفيه أَن الخبر مرفوع بالمبتدإِ فلا يكون أَجنبيا، وأَيضا يتسامح فى الظروف {وَيَصُدُّونَ} يعرضون أَو يمنعون الناس {عَنْ سَبِيلِ اللهِ} التوحيد والإِسلام {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} يبغون لها عوجا فحذف اللام أَو يثبتونها أَو يصفونها عوجا على الاستخدام، فالضمير لسبيل الله، والمراد به سبيلهم، والعوج الزيغ يطلبونه ليقدحوا به فى سبيل الله، وعوجا حال أَى ذات عوج أَو معوجة أو نفس العوج مبالغة {أُولَئِكَ فِى ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} عن الحق، ومن الضلال؛ ما هو قريب كضلال الموحد الفاسق، وضلال الكتابى الذى قد يراجع التوراة والإِنجيل فيرجع إلى الإِسلام، وعلى استشعار أَن الضلال بعيد مطلقا - يكون بعيد نعت توكيد، كظل ظليل وليلة ليلاء، وداهية دهياء، وصفهم بالرسوخ فى الكفر، فإِن استحباب الشىء طلب محبته عن اختياره باستحبابه، لما فى اختياره من شائِبة طلب كونه أَحب إليه من غيره، فالاستحباب أَبلغ من الاختيار؛ لأَن الاختيار ترجيح، والاستحباب يدل على كون حب الشىءِ مطلوبا له، وكفروا وطلبوا لما كفروا به عوجا بإِلقاءِ الشبه والشك والجد فى تقبيحه بكل ما يمكن، والبعد فى الحقيقة فى المكان، واعتبر فى الإِنسان الذى خالف الدين، التشبيه بمن ضل فى الأَرض ووصف به فعله الذى هو المخالفة المعبر عنها بالضلال على طريق التجوز فى الإِسناد، أَو نزل الحق منزلة المكان رفع الضلال عنه، وأَسند البعد إلى سببه الذى هو الضلال للملابسة بينهما، وقد يقال: البعد حقيقة فى الضلال وفى الأَمر الذى به الضلال.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ} أي يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليه من غيره، فالسين للطلب، والمحبة مجاز مرسل عن الاختيار والإيثار بعلاقة اللزوم في الجملة فلا يضر وجود أحدهما بدون الآخر كاختيار المريض الدواء المر لنفعه وترك ما يحبه ويشتهيه من الأطعمة اللذيذة لضرره، ولاعتبار التجوز عدي الفعل بعلى ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب بمعنى أجاب والفعل مضمن معنى الاختيار والتعدية بعلى لذلك {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعوقون الناس ويمنعونهم عن دين الله تعالى والإيمان به وهو الصراط الذي بين شأنه، والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل وصف جميل لزوم الاختصار. وقرأ الحسن {يصدون} من أصد المنقول من صده صدوداً إذا تنكب وحاد وهو ليس بفصيح بالنسبة إلى القراءة الأخرى لأن في صده مندوحة عن تكلف النقل ولا محذور في كون القراءة المتواترة أفصح من غيرها، ومن مجيء أصد قوله:شعر : أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم صدود السواقي عن أنوف الحوائم تفسير : ونظير هذا وقفه وأوقفه {وَيَبْغُونَهَا } أي يبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها {عِوَجَا } أي زيغاً واعوجاجاً وهي أبعد شيء عن ذلك أي يقولون لمن يريدون صده وإضلاله عن السبيل هي سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة، وقيل: المعنى يطلبون أن يروا فيها ما يكون عوجاً قادحاً فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك، وكلا المعنيين أنسب مما قيل: إن المعنى يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة. ومحل موصول هذه الصلات الجر على أنه بدل كما قيل من {أية : ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [إبراهيم: 2] فيعتبر كل وصف من أوصافهم بما يناسبه من المعاني المعتبرة في الصراط، فالكفر المنبىء عن الستر بإزاء كونه نوراً، واستحباب/ الحياة الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة بمقابلة كون مسلوكه محمود العاقبة، والصد عنه بإزاء كونه سالكه عزيزاً. وقال الحوفي وأبو البقاء: إنه صفة {ٱلْكَـٰفِرِينَ } ورد ذلك أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبـي وهو {أية : مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 2] سواء كان في موضع الصفة ـ لويل ـ أو متعلقاً بمحذوف، ونظير ذلك على الوصفية قولك: الدار لزيد الحسنة القرشي وهو لا يجوز لأنك قد فصلت بين زيد وصفته بأجنبـي عنهما، والتركيب الصحيح فيه أن يقال: الدار الحسنة لزيد القرشي أو الدار لزيد القرشي الحسنة، وقيل إذا جعل {أية : مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 2] خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية لا يضر الفصل بها وهو كما ترى، وجوز أن يكون محله النصب على الذم أو الرفع عليه بأن يقدر أنه كان نعتاً فقطع أي هم الذين، وجوز أن لا يقدر ذلك ويجعل مبتدأ خبره قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ} أي بعد عن الحق {بَعِيدٍ } وهو على غير هذا الوجه استئناف في موضع التعليل، وفيه تأكيد لما أشعر به بناء الحكم على الموصول، والمراد أنهم قد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل. وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازاً ـ كجد جده ـ إلا أن الفرق بين ما نحن فيه وذاك أن المسند إليه في الأول مصدر غير المسند وفي ذاك مصدره وليس بينهما بعد. ويجوز أن يقال: إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب إتصافه بما وصف به بناء على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه، فيكون كقولك: قتل فلاناً عصيانه، والإسناد مجازي وفيه المبالغة المذكورة أيضاً، وفي «الكشاف» هو من الإسناد المجازي والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً، وكتب عليه في «الكشف» أن الإسناد المجازي على جعل البعد لصاحب الضلال لأنه الذي يتباعد عن طريق الضلال فوصف ضلاله بوصفه مبالغة وليس المراد إبعادهم في الضلال وتعمقهم فيه. وأما قوله: فيجوز أن يراد في ضلال ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره وأنه هاوية لا نهاية لها، وقوله: أو فيه بعد على جعل الضلال مستقراً للبعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادة وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما، وإليه الإشارة بقوله: لأن الضال قد يضل مكاناً بعيداً وقريباً، والغرض بيان غاية التضاد وأنه بعد لا يوازن وزانه، وعلى جميع التقادير البعد مستفاد من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحق والباطل أو ما بين أهلهما وجاز أن يكون قوله: ذي بعد أو فيه بعد وجهاً واحداً إشارة إلى الملابسة بين الضلال والبعد لا بواسطة صاحب الضلال لكن الأول أولى تكثيراً للفائدة، ثم قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ} دون أن يقول سبحانه: أولئك ضالون ضلالاً بعيداً للدلالة على تمكنهم فيه تمكن المظروف في الظرف وتصوير اشتمال الضلال عليهم اشتمال المحيط على المحاط وليكون كناية بالغة في إثبات الوصف أعني الضلال على الأوجه فافهم.
الواحدي
تفسير : {الذين يستحبون} يُؤثرون ويختارون {الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله} ويمنعون النَّاس عن دين الله {ويبغونها عوجاً} مضى تفسيره {أولئك في ضلال} في خطأ {بعيد} عن الحقِّ. {وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه} بلغة قومه ليفهموا عنه، وهو معنى قوله: {ليبيِّن لهم فيضل الله من يشاء} بعد التَّبيين بإيثاره الباطل {ويهدي مَنْ يشاء} باتباع الحقِّ. {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} بالبراهين التي دلَّت على صحَّة نبوَّته {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} من الشِّرك إلى الإِيمان {وذكرهم} وَعِظهم {بأيام الله} بنعمه، أَي: بالتَّرغيب والتَّرهيب، والوعد والوعيد {إنَّ في ذلك} التَّذكير بأيَّام الله {لآيات} لدلالاتٍ {لكلِّ صبَّار} على طاعة الله {شكور} لأنعمه، والآية الثانية مفسَّرة في سور البقرة، وقوله: {وإذ تأذَّن} معطوفٌ على قوله {إذ أنجاكم} والمعنى: وإذ أعلم ربُّكم {لئن شكرتم} وحَّدْتم وأطعتم {لأزيدنَّكم} ممَّا يجب الشُّكر عليه، وهو النِّعمة {ولئن كفرتم} جحدتم حقِّي وحقَّ نعمتي {إنَّ عذابي لشديد} تهديدٌ بالعذاب على كفران النِّعمة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 3- الذين يفضلون الحياة الدنيا على الآخرة، ويمنعون الناس عن شريعة الله، ويرغبون أن تصير الشريعة معوجة فى نظر الناس لينفروا منها؛ أولئك الموصوفون بما ذكر قد ضلوا ضلالا بعيداً عن الحق. 4- وما أرسلنا رسولا قبلك - يا أيها النبى - إلا متكلماً بلغة قومه الذين بعثناه فيهم ليفهمهم ما أتى به، فيفقهوه ويدركوه بسهولة، وليس عليه هدايتهم، فالله يضل من يشاء لعدم استعداده لطلب الحق، ويهدى من يشاء لحسن استعداده، وهو القوى الذى لا يغلب على مشيئته، والذى يضع الأمور فى مواضعها، فلا يهدى ولا يضل إلا لحكمة. 5- ولقد أرسلنا موسى مؤيداً بمعجزاتنا، وقلنا له: أخرج قومك بنى إسرائيل من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وذكّرهم بالوقائع والنقم التى أوقعها الله بالأمم قبلهم. إن فى ذلك التذكير دلائل عظيمة على وحدانية الله، تدعو إلى الإيمان وإلى كل ما يتحقق به كمال الصبر على البلاء، والشكر على النعماء، وهذه صفة المؤمن. 6- واذْكر - أيها النبى - لقومك، لعلهم يعتبرون، وقت قول موسى لقومه تنفيذاً لأمر ربك: اذكروا نعمة الله عليكم، حين أنجاكم من قوم فرعون وهم يذيقونكم العذاب الأليم، بتكليفكم الأعمال الشاقة، ويذبحون أبناءكم الذكور، ويستبقون نساءكم بلا قتل ذليلات مهانات، وفى كل ما ذكر من التعذيب والإنجاء اختبار من الله عظيم، ليظهر مقدار الصبر والشكر. 7- واذكروا - يا بنى إسرائيل - حين أعلمكم ربكم وقال: والله إن شكرتم ما وهبتكم من نعمة الإنجاء وغيرها، وبالثبات على الإيمان والطاعة لأزيدنكم من نعمى، وإن جحدتم نعمى بالكفر والمعصية، لأعذبنكم عذابا مؤلما، لأن عذابى شديد للجاحدين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} {ٱلآخِرَةِ} {ضَلاَلٍ} {أُوْلَـٰئِكَ} (3) - وَهؤُلاءِ الكَافِرُونَ الذِينَ يُهَدِّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالوَيْلِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، هُمُ الذِينَ يُفَضِّلُونَ الحَيَاةَ الدُّنيا، وَيُؤْثِرُونَهَا عَلَى الآخِرَةِ، وَيَعْمَلُونَ لِلدُّنْيا، وَيَنْسَوْنَ الآخِرَةَ، وَيَتْرُكُونَهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وَيُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ سَبيلُ اللهِ مُعْوَجَّةً، غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، لِكَيْ يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْهَا. وَبِمَا أَنَّ سَبيلَ اللهِ مُسْتَقِيمَةٌ فِي ذَاتِهَا فَلاَ يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَها، وَلاَ مَنْ صَدَّ عَنْهَا، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ حُبَّ الدُّنيا العَاجَلَةِ، وَفِي صَدِّهِم النَّاسَ عِنَ اتِّبَاعِ دِينِ الإِسْلاَمِ، وَفِي ابْتِغَائِهِمْ أَنْ تَكُونَ سَبيلُ اللهِ مُعْوَجَّةً .. إِنَّمَا هُمْ فِي جَهْلٍ وَضَلاَلٍ، وَبُعْدٍ عَنِ الحَقِّ، وَلاَ يُرْجَى لَهُمْ صَلاحٌ. يَسْتَحِبُّونَ - يَخْتَارُونَ وَيُؤْثِرُونَ. يَبْغُونَهَا عِوَجاً - يَطْلُبُونَهَا مُعْوَجَّةً أَوْ ذَاتَ اعْوِجَاجٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا نجد مادة الحاء والباء؛ حب؛ ومن عجائبها أن الفعل يكون رباعياً؛ فنقول "أحبَّ فلان" ونقول لِمَنْ يحبه "محبوب" وهذا يعني أن هناك تلاقياً بين الاثنين؛ أما في حالة عدم التلاقي فيقال "حَبَّ يُحِب فهو حَابٌّ ومُحِبٌّ". والفرق بين أحبَّ واستحبَّ؛ ملحوظٌ في مَجيء السين والتاء، وهما علامة على الطلب. وعلى هذا فاستحبَّ تعني أنَ مَنْ يحب لم يكتَفِ بالأمر الطبيعي، بل تكلَّف الحب وأوغلَ فيه. والمثل على ذلك نجده في الحياة اليومية؛ فنرى مَنْ ينجرف إلى شيء من الانحراف؛ ولكنه لا يُحِب أن يكون مُحِباً لهذا الانحراف في نفس الوقت؛ ويفعل الانحراف وهو كَارِهٌ له، وقد يضرب نفسه ويلومها لأنها تنجرف إلى هذا الانحراف. ونجد آخر ينحرف؛ لأنه يحب هذا الانحراف وينغمس فيه؛ وهو مُحِبٌّ لهذا الانغماس ويتحدث بهذا الانحراف؛ ويُحب في نفسه أنه أحب تلك المعصية؛ لأنها تُحقّق له شهوة عاجلة؛ هذا هو مَنِ "استحبَّ" لأنه أزاد الحب عن حَدِّه الطبيعي. وحين تُدقِّق في الآية الكريمة تجد أنها لا تمنعك من حُبِّ الدنيا؛ لكنها تتحدث أنْ تستحِبَّها على الآخرة، فهذا هو الأمر المذموم؛ أما إذا أحببتَ الدنيا لأنها تُعينك على تكاليف دينك وجعلْتَها مزرعة للآخرة؛ فهذا أمر مطلوب؛ لأنك تفعل فيها ما يجعلك تسعد في آخرتك؛ فهذا طَلَب للدنيا من أجل الآخرة. ولذلك تجد قوله الحق في سورة "المؤمنون". {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 4]. فهو لا يؤدي الزكاة فقط؛ بل يعمل لِيأتيَ لنفسه ولعياله بالقُوتِ؛ ويبذل الجهد ليكون لديه فائضٌ يؤدي منه الزكاة؛ ولذلك فهو لا يعمل قَدْر حاجته فقط بل على قَدْر طاقته ليحقق ما يمكن أنْ يُعطِيه لِمَنْ لا يقدر على العمل. ولذلك لم يَقُل الحق سبحانه: "والذين هم للزكاة مؤدون" بل قال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 4]. وهنا لا نجد هؤلاء الذين يستحِبّون الحياة من أجل أنْ يجعلوها مزرعة للآخرة؛ بل هم يستحِبّون الحياة: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [إبراهيم: 3]. أي: أنهم لم يكتفوا بحُبِّ الدنيا على الآخرة فقط، ولم يكتفُوا بالسَّيْر في طريق الشهوات والملذَّات وتخريب ذواتهم، بل تمادَوْا في الغي وصَدُّوا غيرهم عن سبيل الله. ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر: {أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ..} تفسير : [آل عمران: 99]. كأنهم ضَلُّوا في ذواتهم؛ ولم يكتفوا بذلك، بل يحاولون إضلال غيرهم ويصدونهم عن الهداية. ثم تأتي مرحلة جديدة: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ..} [إبراهيم: 3]. أي: يبغون شريعة الله مُعْوجة لتحقق لهم نزواتهم. وهكذا نجد ثلاث مراتب للضلال، استحباب الحياة الدنيا على الآخرة؛ والصَّد عن سبيل الله؛ وتشويه المنهج كي يُكرِّهوا الناس فيه. ويصف الحق سبحانه هؤلاء: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3]. أي: أن أصحاب المرتبة في الضلال هم مَنِ استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، والذين توغَّلوا في الضلال أكثر فهم الذين يصدون عن سبيل الله؛ أما الذين توغَّلوا أكثر فأكثر فَهُم الذين يُشوِّهون في منهج الله لتنفير الناس منه، أو ليحقق لهم نزواتهم، وهكذا ساروا إلى أبعد منطقة في الضلال. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):