Verse. 1754 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَمَاۗ اَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُوْلٍ اِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِہٖ لِيُبَيِّنَ لَہُمْ۝۰ۭ فَيُضِلُّ اللہُ مَنْ يَّشَاۗءُ وَيَہْدِيْ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَہُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۴
Wama arsalna min rasoolin illa bilisani qawmihi liyubayyina lahum fayudillu Allahu man yashao wayahdee man yashao wahuwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أرسلنا من رسول إلا بلسان» بلغة «قومه ليبين لهم» ليفهمهم ما أتى به «فيضلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة: { أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1] كان هذا إنعاماً على الرسول من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنعاماً أيضاً على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر وأرشدهم إلى نور الإيمان، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين. أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة الخلق، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولاً إلى قوم إلا بلسان أولئك القوم، فإنه متى كان الأمر كذلك، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة ووقوفهم على حقائقها أسهل، وعن الغلط والخطأ أبعد. فهذا هو وجه النظم. المسألة الثانية: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توفيقية. قال لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل، وقد دلت هذه الآية على أن إرسال جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم، وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف، فوجب حصولها بالإصطلاح. المسألة الثالثة: زعم طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أن محمداً رسول الله لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن القرآن لما كان نازلاً بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب، ومن لا يكون عربياً لم يكن القرآن حجة عليه. الثاني: قالوا: إن قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [إبراهيم: 4] المراد بذلك اللسان لسان العرب، وذلك يقتضي أن يقال: إنه ليس له قوم سوى العرب، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط. والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد من {قَوْمِهِ } أهل بلده، وليس المراد من {قَوْمِهِ } أهل دعوته. والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى: { أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } تفسير : [الأعراف: 158] بل إلى الثقلين، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى: { أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } تفسير : [الإسراء: 88]. المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا بقوله تعالى: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أن الضلال والهداية من الله تعالى، والآية صريحة في هذا المعنى. قال الأصحاب: ومما يؤكد هذا المعنى ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فقال عليه السلام « حديث : ما هذا » تفسير : فقال بعضهم: يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، ويقول: عمر كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ثم قال: « حديث : أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما » تفسير : قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } والمعنى: أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض أكمل، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائماً لهذا المقصود. والثاني: أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك، وما المقصود من إرسالك، وهل يمكننا أن نزيل كفراً خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل. الثالث: أنه إذا كان الكفر حاصلاً بتخليق الله تعالى ومشيئته، وجب أن يكون الرضا به واجباً لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وذلك لا يقوله عاقل. والرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله: { أية : لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1] يدل على مذهب العدل، وأيضاً مؤخرة الآية يدل عليه، وهو قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فكيف يكون حكيماً من كان خالقاً للكفر والقبائح ومريداً لها، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26] ولا بأس بإعادة بعضها، فالأول: أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافراً ضالاً كما يقال: فلان يكفر فلاناً ويضلله، أي يحكم بكونه كافراً ضالاً، والثاني: أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة. والثالث: أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه. قال صاحب «الكشاف»: المراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف. والجواب عن قولهم أولاً أن قوله تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } لا يليق به أن يضلهم. قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر، فإن كان الفعل الثاني مشاكلاً للأول نسقته عليه، وإن لم يكن مشاكلاً له استأنفته ورفعته. ونظيره قوله تعالى: { أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ } تفسير : [التوبة: 32] فقوله: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك، لأنه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى الله، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف، ونظيره أيضاً قوله: { أية : لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ } تفسير : [الحج: 5] ومن ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه، ومثله قول الشاعر: شعر : يريد أن يعربه فيعجمه تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: ههنا قال تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } ثم قال: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاءُ } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله، وأقول تقرير هذا الكلام من حيث المعنى، كأنه تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى. أما قوله ثانياً: لو كان الضلال حاصلاً بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له: ما الفائدة في بيانك ودعوتك؟ فنقول: يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالاً فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافراً فإن آمنت صار إلهك كاذباً فهل أقدر على جعل إلهك كاذباً، وهل أقدر على جعل علمه جهلاً. وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضاً وارد عليه. وأما قوله ثالثاً: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجباً، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قلنا: ويلزمك أيضاً على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً. وأما قوله رابعاً: إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى: { أية : لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1] يدل على صحة الاعتزال فنقول: قد ذكرنا أن قوله: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } يدل على صحة مذهب أهل السنة. وأما قوله خامساً: أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيماً وذلك ينافي كونه تعالى خالقاً للكفر مريداً له. فنقول: وقد وصف نفسه بكونه عزيزاً والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزاً غالباً. فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مراراً فلا فائدة في الإعادة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} أي قبلك يا محمد {إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي بلغتهم، ليبيّنوا لهم أمر دينهم؛ ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة؛ فهي ٱسم جنس يقع على القليل والكثير؛ ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية؛ لأن كل من ترجِم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة؛ وقد قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} تفسير : [سبأ: 28]. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُرسِل كلُّ نبيّ إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كلّ أحمرَ وأسودَ من خَلْقه». تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم لم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار». تفسير : خرجه مسلم، وقد تقدّم. {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} ردّ على القَدَرية في نفوذ المشيئة، وهو مستأنف، وليس بمعطوف على «لِيُبَيِّنَ» لأن الإرسال إنما وقع للتبيين لا للإضلال. ويجوز النصب في «يضل» لأن الإرسال صار سبباً للإضلال؛ فيكون كقوله: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] وإنما صار الإرسال سبباً للإضلال لأنهم كفروا به لما جاءهم؛ فصار كأنه سبب لكفرهم.{وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدّم معناه.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم. {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته أولاً، ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الاعجاز، لكن أدى إلى إختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها، والعلوم المتشعبة منها وما في اتعاب القرائح وكد النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب. وقرىء «بلسن» وهو لغة فيه كريش ورياش، ولسن بضمتين وضمة وسكون على الجمع كعمد وعمد. وقيل الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى أنزل الكتب كلها بالعربية، ثم ترجمها جبريل عليه السلام أو كل نبي بلغة المنزل عليهم وذلك ليس بصحيح يرده قوله: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فإنه ضمير القوم، والتوراة والإنجيل ونحوهما لم تنزل لتبين للعرب. {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاءُ} فيخذله عن الإِيمان. {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} بالتوفيق له. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} فلا يغلب على مشيئته. {ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يضل ولا يهدي إلا لحكمه.

ابن كثير

تفسير : هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلاً منهم بلغاتهم؛ ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم؛ كما روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن عمر بن ذر قال: قال مجاهد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لم يبعث الله عز وجل نبياً إلا بلغة قومه»تفسير : . وقوله: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ} أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، يضل الله من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، {ٱلْحَكِيمُ} في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك، وقد كانت هذه سنته في خلقه، أنه ما بعث نبياً في أمة، إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة إلى سائر الناس؛ كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» تفسير : وله شواهد من وجوه كثيرة. وقال تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ } بلغة {قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } لِيُفهمهمُ ما أتى به {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا}أي بحُججنا وبراهيننا وقال مجاهد هي التسع الآيات: {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور}يحتمل وجهين: أحدهما: من الضلالة إلى الهدى. الثاني: من ذل الاستعباد إلى عز المملكة. {وذكِّرهم بأيام الله} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه وعظهم بما سلف من الأيام الماضية لهم، قاله ابن جرير. الثاني: بالأيام التي انتقم الله فيها من القرون الأولى، قاله الربيع وابن زيد. الثالث: أن معنى أيام الله أن نعم الله عليهم، قاله مجاهد وقتادة، وقد رواه أبيّ بن كعب مرفوعاً. وقد تسمَّى النعم بالأيام، ومنه قول عمرو بن كلثوم: شعر : وأيام لنا غُرٍّ طِوالٍ عصينا الملْك فيها أن نَدِينا تفسير : ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن يريد الأيام التي كانوا فيها عبيداًَ مستذلين لأنه أنذرهم قبل استعمال النعم عليهم. {إنَّ في ذلك لآيات لكُلِّ صبَّارٍ شكورٍ}الصبار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، قال قتادة: هو العبد إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف، وقرأ{إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. وتوارى الحسن عن الحجاج تسع سنين، فلما بلغه موته قال: اللهم قد أمته فأمت سنته وسجد شكراً وقرأ{إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. وإنما خص بالآيات كل صبار شكور، وإن كان فيه آيات لجميع الناس لأنه يعتبر بها ويغفل عنها.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية طعن ورد على المستغربين أمر محمد عليه السلام، أي لست يا محمد ببدع من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة أممهم ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم يكون سائر الناس من غير أهل اللسان عيالاً في التبيين على أهل اللسان الذي يكون للنبي، وجعل الله العلة في إرسال الرسل بألسنة قومهم طلب البيان ثم قطع قوله: {فيضل} أي إن النبي إنما غايته أن يبلغ ويبين، وليس فيما كلف أن يهدي ويضل، بل ذلك بيد الله ينفذ فيه سابق قضائه، وله في ذلك العزة التي لا تعارض، والحكمة التي لا تعلل، لا رب غيره. قال القاضي أبو محمد: فإن اعترض أعجمي بأن يقول: من أين يبين لي هذا الرسول الشريعة وأنا لا أفهمه؟ قيل له: أهل المعرفة باللسان يعبرون ذلك، وفي ذلك كفايتك. فإن قال: ومن أين تتبين لي المعجزة وأفهم الإعجاز وأنا لا أفقه اللغة؟ قيل له: الحجة عليك إذعان أهل الفصاحة والذين كانوا يظن بهم أنهم قادرون على المعارضة وبإذعانهم قامت الحجة على البشر، كما قامت الحجة في معجزة موسى بإذعان السحرة، وفي معجزة عيسى بإذعان الأطباء. و"اللسان" في هذه الآية يراد به اللغة. وقرأ أبو السمال "بلسْن" بسكون السين دون ألف - كريش ورياش - ويقال: لسن ولسان في اللغة، فأما العضو فلا يقال فيه لسن - بسكون السين. وقوله: {ولقد أرسلنا موسى} الآية، آيات الله هي العصا واليد وسائر التسع. وقوله: {أن أخرج} تقديره: بأن أخرج، ويجوز أن تكون {أن} مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وأما {الظلمات} و {النور} فيحتمل أن يراد بها من الكفر إلى الإيمان. وهذا على ظاهر أمر بني إسرائيل في أنهم كانوا قبل بعث موسى أشياعاً متفرقين في الدين. قوم مع القبط في عبادة فرعون، وكلهم على غير شيء، وهذا مذهب الطبري - وحكاه عن ابن عباس - وإن صح أنهم كانوا على دين إبراهيم وإسرائيل ونحو هذا فـ {الظلمات} الذل والعبودية، و {النور} العزة والدين والظهور بأمر الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الآية وأكثر الآيات في رسالة موسى عليه السلام أنها إنما كانت إلى بني إسرائيل خاصة، في معنى الشرع لهم وأمرهم ونهيهم بفروع الديانة، وإلى فرعون وأشراف قومه في أن ينظروا ويعتبروا في آيات موسى فيقروا بالله ويؤمنوا به تعالى وبموسى ومعجزته ويتحققوا نبوته ويرسلوا معه بني إسرائيل. قال القاضي أبو محمد: ولا يترتب هذا إلا بإيمان به. وأما أن تكون رسالته إليهم لمعنى اتباعه والدخول في شرعه فليس هذا بظاهر القصة ولا كشف الغيب ذلك، ألا ترى أن موسى خرج عنهم ببني إسرائيل؟ فلو لم يتبع لمضى بأمته، وألا ترى أنه لم يدع القبط بجملتهم وإنما كان يحاور أولي الأمر؟ وأيضاً فليس دعاؤه لهم على حد دعاء نوح وهود وصالح أممهم في معنى كفرهم ومعاصيهم، بل في الاهتداء والتزكي وإرسال بني إسرائيل. ومما يؤيد هذا أنه لو كانت دعوته لفرعون والقبط على حدود دعوته لبني إسرائيل فلم كان يطلب بأمر الله أن يرسل معه بني إسرائيل؟ بل كان يطلب أن يؤمن الجميع ويتشرعوا بشرعه ويستقر الأمر. وأيضاً فلو كان مبعوثاً إلى القبط لرده الله إليهم حين غرق فرعون وجنوده، ولكن لم يكونوا أمة له فلم يرد إليهم. قال القاضي أبو محمد: واحتج من ذهب إلى أن موسى بعث إلى جميعهم بقوله تعالى في غير آية {أية : إلى فرعون وملئه} تفسير : [الأعراف: 103]، و{أية : إلى فرعون وقومه} تفسير : [النمل: 12] والله أعلم. وقوله: {وذكرهم} الآية. أمر الله عز وجل موسى أن يعظ قومه بالتهديد بنقم الله التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم في المواطن المتقدمة، وعلى غيرهم من أهل طاعته ليكون جريهم على منهاج الذين أنعم عليهم وهربهم من طريق الذين حلت بهم النقمات، وعبر عن النعم والنقم بـ "الأيام" إذ هي في أيام، وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكر بها، ومن هذا المعنى قولهم: يوم عصيب، ويوم عبوس، ويوم بسام، وإنما الحقيقة وصف ما وقع فيه من شدة أو سرور. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: {أيام الله}: نعمه: وعن فرقة أنها قالت: {أيام الله}: نقمه. قال القاضي أبو محمد: ولفظة "الأيام" تعم المعنيين، لأن التذكير يقع بالوجهين جميعاً. وقوله: {لكل صبار شكور} إنما أراد لكل مؤمن ناظر لنفسه، فأخذ من صفات المؤمن صفتين تجمع أكثر الخصال وتعم أجمل الأفعال.

النسفي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } إلا متكلماً بلغتهم {لِيُبَيّنَ لَهُمْ} ما هو مبعوث به وله فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولون له: لم نفهم ما خوطبنا به. فإن قلت: إن رسولنا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس جميعاً بقوله {أية : قُلْ يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } تفسير : [الأعراف:158]بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة قلت: لا يخلو ما إن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فتعين أن ينزل بلسان واحد، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ولأنه أبعد من التحريف والتبديل {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء } من آثر سبب الضلالة {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} من آثر سبب الاهتداء {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } فلا يغالب على مشيئته {ٱلْحَكِيمُ } فلا يخذل إلا أهل الخذلان {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَا } التسع {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ } بأن أخرج أو أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج قومك {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وفلق لهم البحر {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ } على البلايا {شَكُورٍ } على العطايا كأنه قال لكل مؤمن إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر .

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...} الآية، هذه الآيةُ طَعْنٌ وردٌّ على المستغربين أمْرَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه لموسَى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}: أي: عظْهم بالتهديدِ بِنِقَمِ اللَّهِ التي أحلَّها بالأمم الكَافرة قَبْلهم، وبالتَّعْديدِ لنعمه علَيْهم، وعَبَّرَ عن النعم وَالنِّقَمِ بـ «الأَيَّامِ»؛ إِذ هي في أيامٍ، وفي هذه العبارةِ تعظيمُ هذه الكوائنِ المذكَّر بها، وفي الحديثِ الصحيحِ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ أيَّامَ اللَّهِ...» الحديث، في قصة موسَى مع الخَضِرِ. قال عياضٌ في «الإِكمال»: {أَيَّامِ ٱللَّهِ }: نَعْمَاؤه وبلاؤه، انتهى. وقال الداوودي: وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ ٱللَّهِ }: قال: بِنِعَمِ اللَّهِ"تفسير : وعن قتادة: {لأَيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }: قال: نعْمَ، واللَّهِ، العبدُ إِذا ٱبْتُلِيَ صَبَرَ، وإِذا أُعْطِيَ شَكَرَ. انتهى. وقال ابنُ العربيِّ في «أَحكامه»: وفي {أَيَّامِ ٱللَّهِ } قولان: أحدهما: نعمه. والثاني: نقمه. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} الآية لما ذكر في أوّل السورة: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [إبراهيم:1] فكان هذا إنعاماً من الله على الرسول من حيث إنَّه فوض إليه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هذا الأمر العظيم وإنعاماً على الخلقِ حيثُ أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر [إلى الرشد]، وأرشدهم إلى نور الإيمان. ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تعهد النعمة، والإحسان في الوجيهن؛ أمَّا بالنسبة إلى الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ؛ فلأنه تعالى بين أنَّ سائر الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام أجمعين ـ كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأنت يا محمد فمبعوث إلى عالم البشر، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق فهو أنه ـ تعالى ـ ما بعث رسولاً إلى قوم إلا بلسانهم ليسهل عليهم فهم تلك الشريعة فهذا وجه النظم. قوله: {إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} يجوز أن يكون حالاً، أي: إلاَّ [متكلماً] بلغة قومه. قال القرطبي: "وحَّد اللسان، وإن أضافه إلى القوم؛ لأن المراد به اللغة فهو اسم جنسٍ يقع على القليلِ، والكثير". وقرأ العامة: "بلِسانِ" بزنة كتابِ، أي: بلغةِ قومهِ. وقرأ أبو الجوزاء وأبو السمالِ وأبو عمران الجوني: بكسر اللام وسكون السين، وفيه قولان: أحدهما: أنَّهما بمعنى واحد، كالرِّيشِ والرِّياش. والثاني: أنَّ اللسان يطلق على العضو المعروف وعلى اللغةِ، وأمَّا اللِّسنُ فخاص باللغة، ذكره ابن عطيَّة، وصاحب اللَّوامح. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، والجحدريُّ: بضم اللام والسين، وهو جمع لِسَان كَكِتَاب وكُتُب، وقرىء بسكون السين فقط، وهو تخفيفٌ للقراءة قبله، نحو "رُسْل في رُسُل"، و"كُتْب" في "كُتُب"، والهاء في "قَوْمِهِ" الظاهر عودها على "رَسُولٍ" المذكور وعن الضحاك أنَّها تعود على محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وغلطوه في ذلك إذ يصير المعنى: إنَّ التوراة وغيرها أنزلت بلسان العرب ليبين لهم النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ التوراة. فصل احتجَّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ اللُّغات اصطلاحية، فقال: لأنَّ التوقيف لجميع الرسل لا يكون إلاَّ بلغة قوم، وذلك يقتضي تقدُّم حصول اللغات على إرسال الرسل، وإذا كان كذلك؛ امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف؛ فوجب حصولها بالاصطلاح. ومعنى الآية: وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلغة قومه. فإن قيل: هذه الآية تدلُّ على أنَّ النبي المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما بُعِثَ للعرب خاصة، فكيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وبُعِثْتُ إلى النَّاس عَامَّة ". تفسير : فالجواب: بُعِثَ إلى العرب بلسانهم والناس تبعٌ لهم، ثم بعث الرُّسلُ إلى الأطراف يدعوهم إلى الله ـ تعالى ـ ويترجمون لهم بألسنتهم. وقيل: المراد من قومه أهل بلدته، وليس المراد من قومه أهل دعوته بدليل عموم الدعوة في قوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأعراف:158] وإلى الجنّ أيضاً؛ لأن التَّحدي ثابت لهم في قوله تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [الإسراء:88]. قال القرطبي: "ولا حجة للعجم، وغيرهم في هذه الآية؛ لأنَّ كل من ترجم له ما جاء به النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ترجمةً يفهمها لزمته الحجة وقد قال الله ـ عز وجل ـ {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}تفسير : [سبأ:28]، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : أرْسلَ كُلُّ نبي إلى أمَّتهِ بِلسَانهَا وأرْسَلنِي اللهُ إلى كُلِّ أحْمَرَ وأسْودَ مِنْ خَلْقِهِ ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يَسْمعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذهِ الأمَّة يَهُوديّ، ولا نَصْرانِيّ ثُمَّ لَمْ يُؤمِنْ بالَّذي أرسِلْتُ بِهِ إلاَّ كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ"تفسير : وخرجه مسلم ـ رحمه الله ـ. فصل زعمت طائفة من اليهود يقال لهم: [العيسوية] أنَّ محمداً رسول الله ولكن إلى العرب خاصة، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أنَّ القرآن لما نزل بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب، فلا يكون القرآن حجة إلاَّ على العربِ، ومن لم يكن عربياً لم يكن القرآن حجة عليه؛ لأنه ليس بمعجزة في حقه لعدم علمه بفصاحته. الثاني: قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}، ولسانه لسان العرب فدلَّ على أنَّه ليس له قوم سوى العرب. والجواب ما تقدَّم في السُّؤال قبله. قوله: "فَيُضِلُّ" استنئاف إخبار، ولا يجوز أن نصبه عطفاً على ما قبله؛ لأنَّ المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا [للإضلال]. قال الزجاج: "لو قرىء بنصبه على أنَّ اللاَّم لام العاقبة جاز". قوله: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تمسّك أهل السُّنَّة بهذه الآية على أنَّ الهداية، والضلال من الله ـ سبحانه وتعالى جل ذكره ـ. قالوا: وممَّا يؤكد هذا المعنى أن أبا بكرٍ، وعمر ـ رضوان الله عنهما ـ وعن الصَّحابة أجمعين ـ أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا؟ فقال بعضهم يا رسول الله: يقول أبو بكرٍ: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا ويقول عمر: كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وتبع بعضهم عمر، فتعرف الرسول ما قاله أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وأعرض عنه حتى عرف في وجهه، ثم أقبل على عمر ـ رضي الله عنه ـ فتعرف ما قاله، وعرف السرور في وجهه، فقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: "أقضي بينكما كما قضى إسرافيل بين جبريل وميكائيل ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ فقال جبريلُ مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكرٍ، فقضاء إسرافيل ـ صلوات الله عليه ـ أن القدر كله خيره وشره من الله ـ تعالى ـ وهذا قضائي بينكما". قالت المعتزلة: لا يمكن أجراءُ هذه الآية على ظاهرها لوجوه: الأول: أنه ـ تبارك وتعالى ـ قال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} أي: ليبين لهم التكاليف بلسانهم فيكون إدراكهم لذلك التبيان أسهل ووقوفهم على الغرض أكمل وهذا الكلامُ إنَّما يصحُّ إذا كان مقصود الله ـ تعالى ـ من إرسال الرَّسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حصول الإيمان للمكلفين، فلو كان مقصوده الإضلال، وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائماً لهذا المقصود. والثاني: أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا قال لهم: إنَّ الله يخلقُ الكفر والإضلال فيكم، فلهم أن يقولوا: فما لنبوتك فائدة، وما المقصود من إرسالك؟ وهل يمكننا أن نزيل كفراً خلقه الله فينا؟ وحينئذ تبطل دعوة النبوة، وتفسد بعثة الرسل. الثالث: إذا كان الكفر حاصلاً بتخليق الله ـ تعالى ـ ومشيئته، فيجب أن يكون الرضا به واجباً؛ لأن الرِّضا بقضاء الله واجب، وذلك لا يقوله عاقل. الرابع: أنَّ مقدمة الآية، وهي قوله ـ جل ذكره ـ {أية : لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [إبراهيم:1] يدلُّ على العدل، وأيضاً مؤخر الآية يدلُّ عليه وهو قوله ـ جلَّ ذكره ـ {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فكيف يكون حكيماً من كان خالقاً للكفر والقبائح؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّه لا يمكن جعل قوله: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} دليل على خلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه: الأول: المراد من الإضلال هو الحكم بكونه ضالاًّ كما يقال: فلانٌ يُكفِّرُ فُلاناً ويضله أي: يحكمُ بكونه كافر ضالاً. والثاني: أنَّ الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنَّة إلى النَّار. والثالث: أنَّه يقال: إنه تعالى لما ترك الضّال على ضلاله، ولم يتعرض له فكأنه أضله والمهتدي أنَّه بالألطاف صار كأنه هداه. قال الزمخشري: "المراد بالإضلال التخلية، ومنع الإلطاف وبالهداية: اللّطف، والتّوفيق". قال ابن الخطيب ـ رحمه الله ـ:والجواب قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} لا يليق به أن يضلهم. قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل، وبعده فعل آخر، فإن كان الفعل الثَّاني مشاكلاً للأول نسقه عليه، وإن لم يكن مشاكله، استأنفه ورفعه، نظيره: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ}تفسير : [التوبة:32] وفي موضع رفع لا يجوز إلا ذلك؛ لأنَّه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى الله، فلما لم يمكن وضع الثاني في موضع الأول بطل العطف. ونظيره أيضاً قوله: {أية : لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ}تفسير : [الحج:5] ومن ذلك قولهم: "أردت أن أزُوركَ فمَنعَنِي المطرُ" بالرفع غير منسوق على ما قبله كما ذكرناه؛ ومثله قول الشاعر: [الرجز] شعر : 3192ـ يُرِيدُ أنْ يُعْربَهُ فيُعْجِمُهْ تفسير : وإذا عرفت هذا فنقول: ههنا قال الله تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} ثمَّ قال: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} ذكر: "فَيُضِلُّ" بالرفع فدلَّ على أنَّه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله، وتقديره من حيث المعنى كأنَّه قال ـ عزَّ وجلَّ ـ: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه، ثم قال: ومع أنَّ الأمر كذلك فإنَّه ـ تعالى ـ يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، والغرضُ منه: التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنَّ الهداية، والضلال لا يحصلان إلاَّ من الله ـ تعالى ـ. وأما قولهم: لو كان الضلال حاصلاً بخلق الله ـ تعالى ـ لكان للكافر أن يقول: ما الفائدة في نبوتك ودعوتك؟ فالخَصْم يُسلِّم أن هذه الآيات إخبار عن كونه ضالاًّ فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافراً فإن آمنت صار إلهك كاذباً، وهل أقدر على جعل علمه جهلاً؟ وإذا لم أقدر عليه، فكيف يأمرني بهذا الإيمان؟ فالسؤال وارد عليه. وأما قولهم ثالثاً: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجباً؛ لأنَّ الرِّضا بقضاء الله واجب قلنا: ويلزمُ أيضاً على مذهبك أن يكون السعي في تكذيب الله وفي تجهيله واجباً؛ لأنَّه ـ تعالى ـ لما أخبر عن كفره، وعلم كفره، فإزالته الكفر عن قلب علمه جهلاً، وخبره الصدق كذباً، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ؛ فيلزمك على مذهبك، وهذا أشد استحالة ممَّا ألزمته علينا. وأمَّا قولهم رابعاً: إن مقدمة الآية، و هو قوله تعالى: {أية : لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [إبراهيم:1] يدلُّ على صحَّة الاعتزال. فنقول: قد ذكرنا أن قوله: {أية : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}تفسير : [إبراهيم:1] يدلُّ على صحَّة مذهب أهل السنة. وأما قولهم خامساً: إنَّه ـ تعالى ـ وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيماً، وذلك ينافي كونه ـ تعالى ـ خالقاً للكفر مريداً له، فنقول: وصف نفسه بكونه عزيزاً، والعزيزُ: هو الغالب القاهر، فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل، وأراد عدم الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزاً غالباً؛ فثبت أن الوجوه التي ذكروها صعيفة، وقد تقدَّم البحث في هذه المسألة في البقرة عند قوله ـ جل ذكره ـ: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}تفسير : [البقرة:26]. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} الآية لما بين أنَّه إنَّما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ليخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور، وذكر كمال نعمة الله عليه وعلى قومه بذلك الإرسال أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ إلى أقوامهم ليكون ذلك تصبيراً للرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ على أذى قومه فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} قال الأصم: آيات موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وفلق البحر، وانفجار العيون من الحجر، وإظلال الجبل، وإنزال المن والسلوى. وقال الجبائي آياته: دلائله وكتبه المنزلة عليه، فقال في صفة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [إبراهيم:1] وقال في حق موسى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} [إبراهيم:5] والمقصود من بعثة سائر الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ واحد وهو أن يسعوا في إخراج الخلق من الضَّلالات إلى نور الهدايات. قوله: "أنْ أخْرِجْ" يجوز أن تكون "أنْ" مصدرية، أي: بأن أخرج والباء في "بِآيَاتِنا" للحال، وهذه للتعدية، ويجوز أن تكون مفسرة للرسالة بمعنى أي، ويكون المعنى: أي: أخرج قومك من الظلمات، أي: قلنا له: أخرج قومك كقوله {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ}تفسير : [ص:6]. وقيل: بل هي زائدة، وهو غلط. قوله: "وذَكِّرْهُمْ" يجوز أن يكون منسوقاً على: "أخْرِجْ" فيكون من التفسير، ويجوز أن لا يكون منسوقاً؛ فيكون مستأنفاً. و"أيَّام" عبارة عن نعمه تعالى؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3193ـ وأيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ عَصيْنَا المَلْكَ فِيهَا أنْ نَدِينَا تفسير : أو نقمه؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3194ـ وأيَّامُنَا مَشْهُورَة في عَدُوِّنَا .......................... تفسير : ووجهه: أن العرب تتجوز فتسند الحدث إلى الزمان، مجازاً أو تضيفه إليها كقولهم: نَهارٌ صَائمٌ، ولَيلٌ قَائمٌ، و{أية : مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [سبأ:33]. قال الواحديُّ: "أيَّام جمع يوم، واليوم هو مقدار المدَّة من طلوع الشَّمس إلى غروبها، وكان في الأصل: أيْوامٌ، فاجتمعت الياء، والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكونِ فقلبت الواو ياء، وأدغمت إحداهما في الأخرى فقلبت ياء". فصل قال ابنُ عبَّاسٍ، وأبيُّ بن كعب، ومجاهدٌ وقتادة ـ رضي الله عنهم ـ وذكرهم بنعم الله. وقال مقاتلٌ: بوقائع الله في الأمم السَّالفة. يقال: فلان عالم بأيَّام العرب، أي: بوقائعهم، فأراد بما كان في أيَّام الله من النَّعمة، والمحنة فاجتزأ بذكر الأيام عنه؛ لأنَّها كانت معلومة عندهم، والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد، والوعيد، فالتّرغيب، والوعد: أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالله ممن سلف من الأمم والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأس الله وعذابه النازل بمن كذب بالرسل فيما سلف من الأيَّام، كعادٍ، وثمود وغيرهم. واعلم أن أيَّام الله في حقِّ موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ منها ما كانت أيام محنة وبلاء، وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل تحت قهر فرعون. ومنها: ما كانت راحة ونعماً كأيَّام إنزال المن، والسلوى، وفلق البحر، وتظليل الغمام. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التّذكر "لآياتِ" دلائل {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} كثير الصّبر {شَكُورٍ} كثير الشُّكر. فإن قيل: ذلك التذكر آيات للكلّ، فلم خصّ الصَّبَّار الشَّكور بالذِّكر؟. فالجواب: أنهم هم المنتفعون بالذكر بتلك الآيات كقوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة:2]. وقيل: لأن الانتفاع بهذا النَّوع من الذكر لا يمكن حصوله إلا للصَّبَّار الشَّكور. ولما أمر موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يذكرهم بأيَّام الله، وحكى عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنَّه ذكَّرهم فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ}. فقوله: {أَنجَاكُمْ} ظرف للنعمة، بمعنى الإنعام، أي: اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت. قوله: {إِذْ أَنجَاكُمْ} يجوز في ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوباً بـ"نِعْمَةَ". الثاني: أن يكون منصوباً بـ"عَليْكُمْ"، ويوضح ذلك ما ذكره الزمخشري رحمه الله فإنه قال: "إذْ أنْجَاكُمْ" ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: إنعامه عليكم ذلك الوقت. فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب بـ"عَليْكُمْ". قلت: "لا يخلُو إما أن يكون [إنعامه] صلة للنعمة بمعنى الإنعام [أو غير] صلة، إذا أردت بالنعمة العطية، فإذا كان صلة لم يعمل فيه، وإذا كان غير صلة بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم عمل فيه، ويتبين الفرق بين الوجهين، أنَّك إذا قلت: نعمة الله عليكم، فإن جعلته صلة لم يكن كلاماً حتى تقول فائضة أو نحوها وإلا كان كلاماً". الثالث: أنه بدل من نعمة أي: اذكروا وقت إنجائكم، وهو بدل اشتمال، وتقدم الكلام في "يسومونكم". قوله: "ويذبحون" حال أخرى من آل فرعون، وفي البقرة دون "واو" لأن قصد التفسير لسؤال العذاب، وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، تقول: أتاني القوم: زيدٌ وعمرو، وذلك قوله تعالى: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ}تفسير : [الفرقان:68، 69] لما فسر الآثام بمضاعفة العذاب حذف الواو، وهاهنا أدخل الواو بمعنى أنهم يعذبونهم بالتذبيح وبغيره، فالسوم هنا غير السوم هناك. وقرأ بان محيصن "يَذْبَحُونَ" مخففاً، و"يستحيون نساءكم" يتركونهن أحياء، "وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم"، وفي كونه بلاء وجهان: الأول: أن تمكين الله إياهم من ذلك الفعل بلاءٌ من الله. والثاني: أن ذلك إشارة إلى الإنجاء، وهو بلاء عظيم، والبلاء هو الابتلاء، وذلك قد يكون بالنعمة تارة، وبالمحنة أخرى، قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}تفسير : [الأنبياء:35] وهذا أولى لأنه موافق لأول الآية وهو قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}، قاله ابن الخطيب ـ رحمه الله ـ. قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} يجوز أن يكون نسقاً على: {إِذْ أَنجَاكُمْ}، وأن يكون منصوباً بـ "اذْكُرُوا" مفعولاً لا ظرفاً. وجوَّز فيه الزمخشري: أن يكون نسقاً على: "نِعْمةَ" فهو من قول موسى، والتقدير وإذ قال موسى اذكروا نعمة الله، واذكروا حين تأذن، وقد تقدَّم نظير ذلك في الأعراف. ومعنى: "تَأذَّنَ" آذن ربكم إيذاناً بليغاً، أي: أعلم، يقال: أذَّن وتَأذَّن بمعنى واحد مثل: أوعد وتوعَّد، روي ذلك عن الحسن وغيره ومنه الأذان؛ لأنه إعلام قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3195ـ فَلمْ نَشْعُر بضَوْءِ الصُّبْحِ حَتَّى سَمِعْنَا في مَجَالِسنَا الأذِينَا تفسير : وكان ابن مسعود يقرأ "وإذْ قال ربُّكُمْ" والمعنى واحد. فيقال: "لَئِنْ شَكرْتُم" نعمتي، وآمنتم، وأطعتم: "لأزيدَنَّكُم" في النعمة. وقيل: لئن شكرتم بالطَّاعة "لأزيدنكم" في الثواب. والآية نصُّ في أنَّ الشكر سبب المزيد: "ولَئِنْ كَفرتُمْ" نعمتي فجحدتموها، ولم تشكروها: "إنَّ عذَابِي لشَديدٌ". وقيل: المراد الكفر؛ لأن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة من الله ـ تعالى ـ. قوله: {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي: غني عن خلقه حميد محمود في أفعاله. والمعنى: أن منافع الشكر ومضار الكفر لا تعود إلا إلى الشَّاكر والكافر، أمَّا المعبود والمشكور فإنَّه متعالٍ عن أن ينتفع بالشُّكر، أو يستضر بالكفران، فلا جرم قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}. والغرض منه: بيان أنه ـ تعالى ـ إنَّما أمر بهذه الطَّاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا إلى المعبود.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا} أي في الأمم الخاليةِ من قبلك كما سيذكر إجمالاً {مِن رَّسُولٍ إِلاَّ} ملتبساً {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} متكلماً بلغة من أُرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواءٌ بعث فيهم أو لا، وقرىء بلِسْنِ وهو لغة فيه كريش ورياش وبلُسُنْ بضمتين وضمة وسكون كعُمُد وعُمْد {لِيُبَيّنَ لَهُمُ} ما أمروا به فيتلقَّوه منه بـيُسر وسُرعة ويعملوا بموجبه من غير حاجة إلى الترجمة ممن لم يُؤمر به، وحيث لم يكن مراعاةُ هذه القاعدة في شأن سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين لعموم بعثتِه للثقلين كافةً على اختلاف لغاتِهم وكان تعددُ نظمِ الكتاب المنزل إليه حسب تعددِ ألسنة الأممِ أدعى إلى التنازع واختلافِ الكلمة وتطرّقِ أيدي التحريف ـ مع أن استقلال بعضٍ من ذلك بالإعجاز دون غيره مَئنّةٌ لقدح القادحين واتفاقَ الجميع فيه أمرٌ قريب من الإلجاء وحصرِ البـيانِ بالترجمة والتفسير ـ اقتضت الحكمةُ اتحادَ النظمِ المنبىء عن العزة وجلالةِ الشأن المستتبعِ لفوائدَ غنيةٍ عن البـيان، على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعددِ إذ لا بد لكل أمةٍ من معرفة توافق الكلِّ وتحاذيه حذوَ القُذّة بالقذة من مخالفة ولو في خَصلة فذّة، وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحداً أو متعدداً وفيه من التعذر ما يتاخم الامتناعَ، ثم لما كان أشرفَ الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام قومُه الذين بعث فيهم ولغتُهم أفضلَ اللغات نزل الكتابُ المتين بلسان عربـي مبـين، وانتشرت أحكامُه فيما بـين الأمم أجمعين، وقيل: الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه تعالى أنزل الكتب كلَّها عربـيةً ثم ترجمها جبريلُ عليه الصلاة والسلام، أو كلُّ من نزل عليه من الأنبـياء عليهم السلام بلغة من نزل عليهم، ويرده قوله تعالى: {لِيُبَيّنَ لَهُمُ} فإنه ضميرُ القوم وظاهرٌ أن جميع الكتب لم تنزل لتبـيـين العرب وفي رَجْعه إلى قوم كل نبـي ـ كأنه قيل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومِ محمد عليه الصلاة والسلام ليبـين الرسولُ لقومه الذين أرسل إليهم ـ ما لا يخفى من التكلف {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء} إضلالَه أي يخلق فيه الضلالَ لمباشرة أسبابِه المؤدية إليه أو يخذله ولا يلطُف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف {وَيَهْدِى} بالتوفيق ومنح الإلطاف {مَن يَشَآء} هدايتَه لما فيه من الإنابة والإقبال إلى الحق، والالتفاتُ بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل المنطوي على الصفات لتفخيم شأنِهما وترشيح مناطِ كل منهما، والفاء فصيحة مثلها في قوله تعالى: { أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] كأنه قيل: فبـيّنوه لهم فأضل الله منهم من شاء إضلالَه لما لا يليق إلا به وهدى من شاء هدايتَه لاستحقاقه لها، والحذفُ للإيذان بأن مسارعة كلِّ رسول إلى ما أمر به وجريانَ كلَ من أهل الخذلان والهدايةِ على سنته أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن الذكر والبـيانِ. والعدولُ إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على التجدد والاستمرارِ حسب تجدد البـيانِ من الرسل المتعاقبةِ عليهم السلام، وتقديمُ الإضلال على الهداية إما لأنه إبقاءُ ما كان على ما كان، والهدايةُ إنشاءُ ما لم يكن، أو للمبالغة في بـيان أن لا تأثيرَ للتبـيـين والتذكير من قبل الرسلِ، وأن مدارَ الأمر إنما هو مشيئتُه تعالى بإيهام أن ترتبَ الضلالةِ على ذلك أسرعُ من ترتب الاهتداءِ وهذا محقِّقٌ لما سلف من تقيـيد الإخراجِ من الظلمات إلى النور بإذن الله تعالى {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} فلا يغالَب في مشيئته {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يفعل شيئاً من الإضلال والهداية إلا لحكمة بالغةٍ، وفيه أن ما فُوِّض إلى الرسل إنما هو تبليغُ الرسالة وتبـيـينُ طريقِ الحقِّ، وأما الهدايةُ والإرشادُ إليه فذلك بـيد الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

القشيري

تفسير : إنما كان كذلك ليكون آكَدَ في إلزام الحجة: وأَنَّى ينفع ذلك إذا لم يُوَفَّقُوا لِسُلُوكِ المحجَّةِ؟ فأهلُ الهدايةِ فازوا بالعنايةِ السابقة، وأصحابُ الغواية وقعوا في ذُلِّ العداوة: فلا اعتراضَ عليه فيما يصنع، ولا يُسأَلُ عما يفعل أو لم يفعل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}لكل نبى وصديق اصطلاح فى كلام المعرفة وطريق المحبة مع قومهم فيعرفهم طريق الحق باصطلاحهم الذى يعرفه قومه واصحابه تسهيلا لسلوكهم وتيسيرا لادراكهم ولو تكلموا بلسان الحق والحقيقة لم يعرفوا ذلك فهلكو فيفتح تلك الحقائق لمن يشاء من المريدين ويحجب من يشاء منهم عنها غيرة علياه بقوله {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}

اسماعيل حقي

تفسير : {وما ارسلنا من رسول} [درزاد المسير آورده كه قريش ميكفتند جه حالتست كه همه كتب منزل بلغة عجمى فرود آمده وكتابى كه بمحمد مى آيد عربيست آيت آمدكه] {وما ارسلنا من رسول} {الا} ملتبسا {بلسان قومه} لفظ اللسان يستعمل فيما هو بمعنى العضو وبمعنى اللغة والمراد هنا هو الثانى اى بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم [يعنى كروهى كه اواز ايشان زاده ومبعوث شده بديشان جه هربيغمبرى را اول دعوت نزديكان خود بايد كرد] ويدل على قوله تعالى {أية : والى عاد اخاهم هودا والى ثمود اخاهم صالحا} تفسير : ونحو ذلك ولا ينتقض بلوط عليه السلام فانه تزوج منهم وسكن فيما بينهم فحصل المقصود الذى هو معرفة قومه بلسانه وديانته. وعمم المولى ابو السعود حيث قال الا ملتبسا بلسان قومه متكلما بلغة من ارسل اليهم من الامم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم ام لا انتهى {ليبين} كل رسول {لهم} اى لقومه ما دعوا اليه وامروا بقبوله فيفقهوه عنه بسهولة وسرعة ثم ينقلوه ويترجموه لغيرهم فانهم اولى الناس بان يدعوهم واحق بان ينذرهم ولذلك امر النبى عليه السلام بانذار عشيرته اولا ولقد بعث عليه السلام الى الناس جميعا بل الى الثقلين ولو نزل الله كتبه باسنتهم مع اختلافها وكثرتها استقل ذلك بنوع من الاعجاز لكن ادى الى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق ايدى التحريف واضاعة فضل الاجتهاد فى تعلم الالفاظ ومعانيها والعلوم المتشبعة منها وما فى اتعاب النفوس وكذا القرائح فيه من القرب والطاعات المقتضية لجزيل الثواب وايضا لما جعله الله تعالى سيد الانبياء وخيرهم واشرفهم وشريعته خير الشرائع واشرفها وامته خير الامم وافضلهم اراد ان يجمع امته على كتاب واحد منزل بلسان هو سيد الالسنة واشرفها وافضلها اعطاء للاشرف الاشرف وذلك هو اللسان العربى الذى هو لسان قومه ولسان اهل الجنة فكان سائر الالسنة تابعا له كما ان الناس تابع للعرب مع ما فيه من الغنى عن النزول بجميع الالسنة لان الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل اى بعث الرسل الى الاطراف يدعونهم الى الله ويترجمون لهم بألسنتهم يقال ترجم لسانه اذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان كما فى الصحاح. قال فى انسان العيون اما قول اليهود او بعضهم وهم العيسوية طائفة من اليهود اتباع عيسى الاصفهانى انه عليه السلام انما بعث للعرب خاصة دون بنى اسرائيل وانه صادق ففاسد لانهم اذا اسلموا انه رسول الله وانه صادق لا يكذب لزمهم التناقض لانه ثبت بالتواتر عنه انه رسول الله لكل الناس ثم قال ولا ينافيه قوله تعالى {وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه} لانه لا يدل على اقتصار رسالته عليهم بل على كونه متكلما بلغتهم ليفهموا عنه اولا ثم يبلغ الشاهد الغائب ويحصل الافهام لغير اهل تلك اللغة من الاعاجم بالتراجم الذين ارسلوا اليهم فهو صلى الله عليه وسلم مبعوث الى الكافة وان كان هو وكتابه عربيين كما ان موسى وعيسى عليهما السلام مبعوثين الى بنى اسرائيل بكتابيهما العبرانى وهو التوراة والسريانى وهو الانجيل مع ان من جملتهم جماعة لا يفهمون بالعبرانية ولا بالسريانية كالاورام فان لغتهم اليونانية انتهى. والحاصل ان الارشاد لا يحصل الا بمعرفة اللسان - حكى - ان اربعة رجال عجمى وعربى وتركى ورومى وجدوا فى الطريق درهما فاختلفوا فيه ولم يفهم واحد منهم مراد الآخر فسالهم رجل آخر يعرف الالسنة فقال للعربى اى شيء تريد وللعجمى [جه ميخواهى] وللتركى "نه استرسين" وعلم ان مراد الكل ان يأخذوا بذلك الدرهم عنبا ويأكلوه فاخذ هذا العارف الدرهم منهم واشترى لهم عنبا فارتفع الخلاف من بينهم بسبب معرفة ذلك الرجل لسانهم -وحكى- ان بعض اهل الانكار الحوا على بعض من المشايخ الاميين ان يعظ لهم باللسان العربى تعجيزا له وتفضيحا فحزن لذلك فراى فى المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره لما التمسوا منه من الوعظ فاصبح متكلما بذلك اللسان وحقق القرآن بحقائق عجزوا عنها وقال امسيت كرديا واصبحت عربيا: وفى المثنوى شعر : خويش را صافى كن ازا اوصاف خويش تاببينى ذات باك صاف خويش بينى اندر دل علوم انبيا بى كتب وبى معيد واوستا سر امسينا لكرديا بدان راز اصبحنا عرابيا بخوان تفسير : {فيضل الله من يشاء} اضلاله اى يخلق فيه الكفر والضلال لمباشرة الاسباب المؤدية اليه. قال الكاشفى [بس كمراه كرداند خداى تعالى هركه راخواهد يعنى فرو كذاردتا كه كمراه شود] والفاء فضيحة مثلها فى قوله تعالى {أية : فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق} تفسير : كأنه قيل فبينوه لهم فاضل الله منهم من شاء اضلاله لما لا يليق الا به {ويهدى من يشاء} هدايته اى يخلق فيه الايمان والاهتداء لاستحقاقه لما فيه من الانابة والاقبال الى الحق. قال الكاشفى [وراه نمايد هركه را خواهد يعنى توفيق درهدتاراه يابد] {وهو العزيز} الغالب على كل شيء فلا يغالب فى مشيئته {الحكيم} الذى لا يفعل شيئا من الاضلال والهداية الا لحكمة بالغة وفيه ان ما فوض الى الرسل انما هو تبليغ الرسالة وتبيين طريق الحق واما الهداية والارشاد فذلك بيد الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وفى التأويلات النجمية {وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه} اى ليتكلم معهم بلسان عقولهم {ليبين لهم} الطريق الى الله وطريق الخروج من ظلمات انانيتهم الى نور هويته {فيضل الله من يشاء} فى انانيته {ويهدى من يشاء بالخروج} الى هويته {وهو العزيز} اى هو اعز من ان يهدى كل واحد الى هويته {الحكيم} بان يهدى من هو المستحق للهداية اليه فمن هذا تحقق انه تعالى هو الذى يخرجهم من الظلمات الى النور لا غيره انتهى. فعلى العاقل ان يصرف اختياره فى طريق الحق ويجتهد فى الخروج من بوادى الانانية فقد بين الله الطريق وارشد الى الاسباب فلم يبق الا الدخول والانتساب. قال بعض الكبار النظر الصحيح يؤدى الى معرفة الحق وذلك بالانتقال من معلوم الى معلوم الى ان ينتهى الى الحق لكن طريق التصور والفكر واهله لا يتخلص من الانانية والاثينية واما المكاشفة فليس فيها الانتقال المذكور وطريقها الذكر الا ترى الى قوله تعالى {أية : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والارض} تفسير : كيف قدم الذكر على الفكر فالطريقة الاولى طريقة الاشراقيين والثانية طريقة الصوفية المحققين. قال الامام الغزالى كرم الله وجهه من عرف الله بالجسم فهو كافر ومن عرف الله بالطبيعة فهو ملحد ومن عرف الله بالنفس فهو زنديق ومن عرف الله بالعقل فهو حكيم ومن عرف الله بالقلب فهو صديق ومن عرف الله بالسر فهو موقن ومن عرف الله بالروح فهو عارف ومن عرف الله بالخفى فهو مفرد ومن عرف الله بالله فهو موحد اى بالتوحيد الحقيقى شعر : طالب توحيدرا بايد قدم بر "لا" زدن بعد زان در عالم وحدث دم "الا" زدن رنك وبويى ازحقيقت كربدست آورده جون كل صد برك بايد خيمه بر صحر ازدن تفسير : وانما منع الاغيار من شهود الآثار غيرة من الله العزيز القهار شعر : معشوق عيان ميكذرد برتو وليكن اغيار همى بيند ازان بسته نقابست تفسير : ومعنى الوحدة الحاصلة بالتوحيد زوال الوجود المجازى الموهم لللاثنينية وظهور الوجود الحقيقى على ما كان عليه شعر : هرموج ازين محيط انا البحر ميزند كرصد هزاردست بر آيد دعا يكيست تفسير : حققنا الله واياكم بحقائق التوحيد ووصلنا واياكم الى سر التجريد وجعلنا من المهديين الهادين والى طريق الحق داعين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما أرسلنا من رسولٍ} قبلك {إلا بلسانِ قومه}، وأنت بعثناك بلسان قومك. وإنما قال: بلسان قومه، ولم يقل بلسان أمته؛ لأن الأمة قد تكون أوسع من قومه، كما في الحق نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقد بُعث إلى العرب والعجم والجن والإنس، فقومه الذين يفهمون عنه: يُتَرْجُمِونَ إلى من لا يفهم، فتقوم الحجة عليهم. وكذلك إعجاز القرآن يُدركه أهل الفصاحة والبلاغة، فإذا وقع العجز عن معارضته منهم قامت الحجة على غيرهم، كما قامت الحجة في معجزة موسى عليه السلام بعجز السحرة، وفي معجزة عيسى بعجز الأطباء. ثم بيَّن الحكمة، في كون الداعي لا يكون إلا بلسان قومه، بقوله: {ليُبيّن لهم} ما أُمروا به؛ فيفهمونه عنه بسرعة، ثم ينقلونه ويترجمونه لغيرهم، فتقوم الحجة عليهم ولذلك أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته أولاً؛ فإذا فهموا عنه بلّغوا إلى غيرهم. قال البيضاوي: ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الإعجاز، لكن ادى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها، والعلوم المتشبعة منها، وما في إتعاب القرائح وكد النفس من القرب المقتضية لجزيل الثواب. هـ. فالرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إنما عليهم البيان بلسانهم، والهداية بيد ربهم، ولذلك قال تعالى: {فيُضِلُّ اللهُ من يشاءُ} إضلاله، فيخذله عن الإيمان، {ويهدي من يشاء} بالتوفيق له، {وهو العزيزُ} الغالب على أمره، فلا يُغلَب على مشيئته، {الحكيم} في صنعه، فلا يضل ولا يهدي إلا لحكمة أرادها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما بعث الله وليّاً داعياً إلا بلسان قومه، وقد يخرق له العادة، فيطلعه على جميع اللغات، كما قال المرسي رضي الله عنه: من بلغ هذا المقام لا يخفى عليه شيء. وذلك من باب الكرامة؛ كما كان صلى الله عليه وسلم يخاطب كل قوم بلغتهم؛ معجزة له صلى الله عليه وسلم؛ فقد اتسع علمه ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأحاط بحقائق الأشياء وأسمائها ومفهوماتها، وأصول اللغة، وفروعها، فعلم ما علمه سيدنا آدم عليه السلام، أو أكثر، وإلى ذلك أشار القطب ابن مشيش في تصليته المشهورة، وبقوله: "وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق". وقال البوصيري في همزيته: شعر : لَكَ ذَاتُ العُلوم مِنْ عالِم الغِيـْ ــبِ ومنْهَا لآدمَ الأَسْمَاءُ ولما كان علاج موسى صلى الله عليه وسلم من إخراج أمته من الظلمات إلى النور

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه لم يرسل فيما مضى من الازمان رسولاً الى قوم إِلا بلغة قومه حتى اذا بين لهم، فهموا عنه، ولا يحتاجون الى من يترجم عنه. وقوله {فيضل الله من يشاء} يحتمل امرين: احدهما - انه يحكم بضلال من يشاء اذا ضلوا هم عن طريق الحق. الثاني - يضلهم عن طريق الجنة إِذا كانوا مستحقين للعقاب و {يهدي من يشاء} الى طريق الجنة {وهو العزيز} يعني القادر الذي لا يقدر أحد على منعه {الحكيم} في جميع افعاله؛ ليس فيها ما له صفة السفه. ويحتمل ان يريد انه محكم لافعاله التي تدل على علمه. ورفع قوله {فيضل الله} لان التقدير على الاستئناف، لا العطف على ما مضى، ومثله قوله {أية : لنبين لكم ونقر في الأرحام}تفسير : ومثله {أية : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم}تفسير : ثم قال بعد ذلك {أية : ويتوب الله على من يشاء}تفسير : لانه إِذا لم يجز ان يكون عطفاً على ما مضى فينتصب لفساد المعنى فلا بد من استئنافه ورفعه. وقال الحسن: امتن الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم انه لم يبعت رسولا إلا الى قومه، وبعثه خاصة الى جميع الخلق. وقال مجاهد: بعث الله نبيه الى الاسود والاحمر ولم يبعث نبيا قبله إِلا الى قومه واهل لغته.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} كأنّهم توهّموا انّ الرّسول من الله لا بدّ وان يكون لسانه لساناً عربيّاً لا يعرفه احد من اصحاب اللّغات ولعلّهم اجروا على السنتهم ذلك فقال: وما ارسلنا رسولاً الاّ بلسان قومه {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فانّ المقصود من الارسال التّبليغ ولا يمكن الاّ بالبيان الّذى يتفطّن به المرسل اليهم، وما يقال: انّ الآية تدلّ على انّه (ص) رسول الى العرب خاصّةً لا يتجاوز رسالته غيرهم فى غاية البعد للفرق بين ان يقال: ما ارسلنا رسولاً الاّ بلسان قومه وبين ان يقال: ما ارسلنا رسولاً الا الى اهل لغته {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} بالخذلان والتّوفيق {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} لا يمنع ممّا يشاء {ٱلْحَكِيمُ} لا يخذل ولا يوفق الاّ عن حكمة مقتضية له.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [قال بعضهم: بلغة قومه]. {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} أي: بعد البيان {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي: العزيز في نقمته الحكيم في أمره. قوله: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} قال الحسن: بديننا. وقال مجاهد: بالبيان. {أَنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ} أي: بنعم الله في تفسير الحَسن ومجاهد. قال الحسن: التي أنعم الله عليهم بها إذ نجاهم من آل فرعون، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وما أنعم عليهم به. وقال الكلبي: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ}: النعيم والبلاء؛ يذكّرهم ما أنعم الله عليهم، ويذكرهم البلاء، كيف أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب. يقول: ذكرهم هذا وهذا. وقد قال في آية أخرى: (أية : قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) تفسير : [الجاثية:14] أي: أيام الآخرة، وهم المشركون، ثم أمر بقتالهم بعدُ. قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} والشكور هو المؤمن. قوله: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ} ثم أخبر بتلك النعمة فقال: { إِذْ أَنْجَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ} أي: يذيقونكم شدّة العذاب { وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أي: فلا يقتلونهن { وَفِي ذَلِكُم} أي: فيما نجاكم منهم { بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي: نعمة من ربكم عظيمة. وقال في آية أخرى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} أي: بغى في الأرض (أية : وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً) تفسير : [القصص:4] أي: فرقاً؛ يقتل طائفة، ويستحيي طائفة، ويستعبد طائفة، فهو الذي كان يسومهم سوء العذاب.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} بلغتهم وقرئ بلسن بكسر اللام وإِسكان السين بمعنى اللغة أيضاً كالريش والرياش وقرئ بلسن بضمهما وقرئ بلسن بضم اللام وإِسكان السين وهو على هاتين القراءتين جمع لسان كعمد بضمتين وعمد بضم فإِسكان أو الإِسكان تخفيف عن الضم والهاء لرسول، أى كل رسول بلغة قومه ووجه الجمع أن ألسنة القوم الواحد قد تختلف أو أن نطق كل أحد غير نطق الآخر. {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} ما أمروا به فيفهموه عنه بسهولة وسرعة ثم ينقلوه ويترجموه لمن خالف لغتهم ولم يرسل إِلى غير قومه بلغة ذلك الغير، لأَن قومه أولى به لأَنه فيهم ومنهم فهم أحق بدعوته وإِنذاره ولذا أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإِنذار عشيرته أولا، ولو أنزل الكتاب الواحد على لغة كل قوم لكان أعظم فى الإِعجاز لكن يكاد يكون ذلك جبراً على الإِيمان وإِلا لأَدى إلى التحريف والتبديل واختلاف الكلمة ولغات أجر الاجتهاد والكد فى تعلم الأَلفاظ والمعانى والعلوم المتشعبة منها. وقال الضحاك الهاء فى قومه لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإِن كتب الله كلها منزلة بلغة قومه وهم قريش أو العرب ثم ترجمها جبريل أو كل نبى بلغة المنزل عليهم ويرده أن الهاء فى لهم عائدة إلى القوم وقد فرض أن القوم قريش أو العرب فيلزم أن يكون المعنى ليبين كل رسول لقريش أو العرب، وهذا لا يصح لأَن نحو التوراة والإِنجيل لم ينزل ليبين للعرب بل للعجم وإِن رد الهاء فى لهم للأَقوام قوم كل رسول كان أشد تكلفاً، فإِن صح أن كل كتاب من الله بالعربية فبدليل آخر لا بالآية هذه. {فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَآءُ} يخذله عن الإيمان. {وَيَهْدِى مَنْ يَشَآءُ} يوفقه وأما كل رسول فما عليه إلا التبيين لقومه. {وَهُوَ الْعَزِيزُ} لا يغلبه شىء عما أراد فى ملكه من انتقام وإِنعام وإِعزاز وإِذلال وغير ذلك كإِضلال وهداية. {الحَكِيمُ} فى كل ما يقول أو يفعل فلا يضل أحدا ولا يهدى آخر إلا لحكمة.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} وهم أَولى به "أية : وأَنذر عشيرتك الأَقربين" تفسير : ولو أَرسل إلى أُمم مختلفة فينشر من قومه الزهو على لغتهم إِلى سائِر الأُمم المخالفة للغته، كما أَنه أَنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغة قومه، وبلغ سائِر الأُمم المخالفة لقريش من العرب ومن العجم فذلك جواب عما يقال: كيف يخرج الناس من الظلمات إِلى النور مع أَن منهم من ليست لغته عربية، وأَيضا قال الله - عز وجل -: "أية : يا أَيها الناس إِنى رسول الله إِليكم جميعا"تفسير : والمراد بالرسول النبى مطلقا لأَن شأْن النبوة التبليغ مطلقا، وما من نبى إِلا بلغ ما أُوحى إليه، واللسان بمعنى اللغة، وهو مجاز، وجهه أَنه آلة اللغة، وقيل أَنه مشترك، والذى يظهر أَن المراد بقومه من هو فيهم ومتكلم بلغتهم فلا ينتقض بلوط إِذ تزوج بمن بعث إِليهم وسكن معهم وليس منهم، ولا بشعيب إِذ بعث إِلى أَهل الأَيكة كما بعث إلى أَهل مدين وليس منهم، فلا حاجة إِلى دعوى أَن قوله: { إِلا بلسان قومه} جرى على الغالب، بل لو قيل فى قوله - عز وجل -: أَخوهم لوط، إِن الأُخوة مطلق الكون فيهم والإِرسال إليهم لصح، ولو أَنزل الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكل أُمة كتابا بلغتها لكان إِعجازا قويا إِذ تكلم عربى خالص بلغات العجم كلها بلا تعلم، لكن يفوت أَجر تعلم العربية وما يتولد منها، والاجتهاد، وقيل: إِن الهاءَ لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأَن الكتب كلها بالعربية وترجمها جبريل لكل قوم بلغتهم، ويرده قوله عز وجل {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فإِن هاءَ لهم للقوم، وغير القرآن لم ينزل ليبين للعرب، ودعوى رجوع هاءِ لهم إلى قوم كل نبى على الاستخدام خروج عن البلاغة، كأَنه قيل: وما أَرسلنا من رسول إِلا بلسان قوم محمد صلى الله عليه وسلم، ليبين الرسول لقومه الذى أرسل إِليهم، وهو كلام لا يناسب جزالة القرآن، ذكر بعض أَن القرآن نزل بلغة قريش خاصة، وما فيه من غير لغتهم جرى فى لسانهم، وعن عمر: نزل بلغة مضر، وعين بعضهم هذيلا وكنانة وقيسا وضبة وتيم الرباب وأُسيد بن خزيمة وقريشا، وعن ابن عباس: بلغة كعب قريش، وكعب خزاعة المجاورين لقريش، وذكر بعض: أَنه نزل بلغة حمير وكنانة وجرهم وأَزد شنوءَة ومذجح وخثعم وقيس غيلان وسعد العشيرة وكندة وعذرة وحضرموت وغسان ومزينة ولخم وجذام وحنيفة واليمانة وسبأَ وسليم وعمارة وطيىء، وخزاعة وعمان وتميم وأَنمار والأَشعريين والأَوس والخزرج ومدين، والآية تدل على أن تعليم الدين واجب، وأَنه فرض كفاية، ويتعين على الأَب لأَولاده، وعلى الزوج لزوجه، وعلى السيد لعبده، وأَن علمهم غير هؤلاءِ أَجزى، وتدل على أَن التعلم واجب، ولام لهم للنفع، وعلى المتعلم تعظيم معلمه والتقرب إلى الله تعالى بنفعه، ولزم المعلم أَن لا يقصد النفع الدنيوى من معلمه، قال بعض: شعر : رأَيت أَحق الحق حق المعلم وأَوجبه حفظا على كل مسلم لقد حق أَن يهدى إليه كرامة لتعليم حرف واحد أَلف درهم تفسير : وهذا مجرد تعظيم وتحضيض، ولعظيم شأَن العلم وجب كسبه ولو من الصين، وهو من المشرق الأَقصى على من فى الموضع البعيد كالمغرب والأَقصى، وجاءَ فى الحديث: حديث : اطلبوا العلم ولو بصينٍتفسير : ، بدون أَل، وحرفته الرواة بإِدخال أَل على صين، ولا سيما أَنه لا يصح أَن تكون أَل فيه للعلم، وهذا مما يقوى القول بعدم الاحتجاج بالحديث فى علوم العربية؛ لأَن الرواة يحرفون اللفظ ويحتج به فى المعنى لأَنهم لا يحرفون المعنى، فكما لا يقول صلى الله عليه وسلم: المكة لا يقول: الصين بأل {فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ} إِضلاله {وَيَهْدِى مَنْ يَشاءُ} الأَصل فنضل من نشاءُ ونهدى من نشاءُ، وذكر لفظ الجلالة تلويحاً إِلى استحكام الإضلال والهدى، وإِضلال الله خذلان، وهدايته توفيق، ولا إِجبار وهما أَزليان ولا يتخلفان {وَهُوَ الْعَزِيزُ} غالب غير مغلوب {الْحَكِيمُ} يهدى ويضل بحسب حكمته، لا عبثاً ولا سفها ولا جوراً، وسلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهيَّجه على التبليغ بقوله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا} أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إن شاء الله تعالى إجمالاً {مِن رَّسُولٍ إِلاَّ} متلبساً {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} متكلماً بلغة من أرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم أو لا، وقيل: بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم، ولا ينتقض الحصر بلوط عليه السلام فإنه تزوج منهم وسكن معهم، وأما يونس عليه السلام فإنه من القوم الذين أرسل إليهم كما قالوه فلا حاجة إلى القول بأن ذلك باعتبار الأكثر/ الأغلب ولعل الأولى ما ذكرنا. وقرأ أبو السمال وأبو الحوراء وأبو عمران الجوني {بلسن} بإسكان السين على وزن ذكر وهي لغة في لسان كريش ورياش، وقال صاحب "اللوامح": إنه خاص باللغة واللسان يطلق عليها وعلى الجارحة وإلى ذلك ذهب ابن عطية وقرأ أبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري {بلسن} بضم اللام والسين وهو جمع لسان كعماد وعمد. وقرىء {بلسن} بضم اللام وسكون السين وهو مخفف لسن كرسل ورسل {لِيُبَيّنَ} ذلك الرسول {لَهُمْ } لأولئك القوم الذين أرسل إليهم ما كلفوا به فيتلقوه منه بسهولة وسرعة فيمتثلوا ذلك من غير حاجة إلى الترجمة وحيث لم تتأت هذه القاعدة في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه المرسلين أجمعين لعموم بعثته وشموله رسالته الأسود والأحمر والجن والبشر على اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم عليه حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق أيدي التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز مئنة لقدح القادحين، واتفاق الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء المنافي للتكليف، وحصر البيان بالترجمة والتفسير اقتضت الحكمة [اتحاد النظم] المنبـىء عن العزة وجلالة الشأن المستتبع لفوائد غنية عن البيان، على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعدد إذ لا بد لكل طائفة من معرفة توافق الكل [وتحاذيه] حذو القذة بالقذة من غير مخالفة ولو في خصلة فذة، وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحداً أو متعدداً وفيه من التعذر ما فيه، ثم لما كان أشرف الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام قومه الذين بعث بين ظهرانيهم ولغتهم أفضل اللغات نزل الكتاب المبين بلسان عربـي مبين وانتشرت أحكامه بين الأمم أجمعين، كذا قرره شيخ الإسلام والمسلمين وهو من الحسن بمكان، بيد أن بعضهم أبقى الكلام على عمومه بحيث يشمل النبـي صلى الله عليه وسلم وأراد بالقوم الذين ذلك الرسول منهم وبعث فيهم، والمراد من قومه صلى الله عليه وسلم العرب كلهم، ونقل ذلك أبو شامة في "المرشد" عن السجستاني واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : انزل القرآن على سبعة أحرف»تفسير : وفيه نظر ظاهر. وقال ابن قتيبة: المراد منهم قريش ولم ينزل القرآن إلا بلغتهم، وقيل: إنما نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: نزل القرآن بلغة مضر، وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر سبعاً منهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش، وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة فقيل: وكيف؟ فقال: لأن الدار واحدة يعني خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم؛ وجاء عن أبـي صالح عنه أنه قال: نزل على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن ويقال لهم عليا هوازن، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم، والذي يذهب مذهب السجستاني يقول: إن في القرآن ما نزل بلغة حمير وكنانة وجرهم وأزد شنوءة ومذحج وخثعم وقيس عيلان وسعد العشيرة وكندة وعذرة وحضرموت وغسان ومزينة ولخم وجذام وحنيفة واليمامة وسبا وسليم وعمارة وطي وخزاعة وعمان وتميم/ وأنمار والأشعريين والأوس والخزرج ومدين؛ وقد مثل لكل ذلك أبو القاسم، وذكر أبو بكر الواسطي أن في القرآن من اللغات خمسين لغة وسردها ممثلاً لها إلا أنه ذكر أن فيه من غير العربية الفرس والنبط والحبشة والبربر والسريانية والعبرانية والقبط، والذاهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة يقول: إن ما نسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبته مما يوافق لغتهم، ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: إنه نزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها كاختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغتهم إلى لغة أخرى للمشقة. ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل المراد، لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر، وكون المتبادر من قومه عليه الصلاة والسلام قريشاً مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ويليه في التبادر العرب. وفي «البحر» أن سبب نزول الآية أن قريشاً قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربـي؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم، ثم إنه لا يلزم من كون لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته صلى الله عليه وسلم بهم، وإن زعمت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك، وحكمة إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى، وقيل: الضمير في {قَوْمِهِ } لمحمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبـي عن سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبـي لقومه، وقيل: كان يترجم ذلك جبريل عليه السلام ونسب إلى الكلبـي، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر، وضمير {لَهُمْ } للقوم بلا خلاف وهم المبين لهم بالترجمة. وفي «الكشاف» أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير {لَهُمْ } للقوم وهم العرب فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلاً بالعربية ليبين للعرب وهو معنى فاسد. وتكلف الطيبـي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم بدلالة السياق، والجواب كما في «الكشف» أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام. واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال: لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل، وقد دلت الآية على أن إرسال كل من الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسول، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف فوجب حصولها بالاصطلاح انتهى. وأجيب بأنا لا نسلم توقف التوقيف على إرسال الرسل لجواز أن يخلق الله تعالى في العقلاء علماً بأن الألفاظ وضعها واضع لكذا وكذا، ولا يلزم من هذا كون العاقل عالماً بالله تعالى بالضرورة بل الذي يلزم منه ذلك لو خلق سبحانه في العقلاء علماً ضرورياً بأنه تعالى الواضع وأين هذا من ذاك، على أنه لا ضرر في التزام خلق الله تعالى هذا العلم الضروري وأي ضرر في كونه سبحانه معلوم الوجود بالضرورة لبعض العقلاء؟ والقول بأنه يبطل التكليف حينئذٍ على عمومه غير مسلم وعلى تخصيصه بالمعرفة مسلم وغير ضار. {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء } إضلاله أي يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه، وقيل: يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الالطاف {وَيَهْدِى } يخلق الهداية أو يمنح الالطاف {مَن يَشَآء } هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك، والالتفات بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل لتفخيم شأنهما وترشيح مناط كل منهما، والفاء قيل فصيحة مثلها في قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ } تفسير : [البقرة: 60] كأنه قيل: فبينوه لهم فأضل الله/ تعالى من شاء إضلاله وهدى من شاء هدايته حسبما اقتضته حكمته تعالى البالغة، والحذف للإيذان بأن مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من الفعلين على سننه أمر محقق غني عن الذكر والبيان. وفي «الكشف» وجه التعقيب عن السابق كوجهه في قوله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26] على معنى أرسلنا الكتاب للتبيين فمنهم من نفعناه بذلك البيان ومنهم من جعلناه حجة عليه، والفاء على هذا تفصيلية، والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو الدلالة على التجدد والاستمرار حيث تجدد البيان من الرسل عليهم السلام المتعاقبة عليهم، وتقديم الإضلال على الهداية ـ كما قال بعض المحققين ـ إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في بيان أنه لا تأثير للتبيين والتذكير من قبل الرسل عليهم السلام وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته تعالى بإيهام أن ترتيب الضلالة أسرع من ترتب الاهتداء، وهذا محقق لما سلف من تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } فلا يغالب في مشيئته تعالى {ٱلْحَكِيمُ } فلا يشاء ما يشاء إلا لحكمة بالغة، وفيه كما في «البحر» وغيره أن ما فوض إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغ وتبيين طريق الحق، وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم إن هذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الضلالة والهداية بخلقه سبحانه، وقد ذكر المعتزلة لها عدة تأويلات، وللإمام فيها كلام طويل إن أردته فارجع إليه.

ابن عاشور

تفسير : إذا كانت صيغة القصر مستعملة في ظاهرها ومسلّطة على متعلّقي الفعل المقصور كان قصراً إضافياً لقلب اعتقاد المخاطبين، فيتعين أن يكون ردّاً على فريق من المشركين قالوا: هلا أنزل القرآن بلغة العجم. وقد ذكر في «الكشاف» في سورة فصلت عند قوله تعالى: { أية : ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي } تفسير : [سورة فصلت: 44] فقال: كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم، وهو مروي في تفسير الطبري هنالك عن سعيد بن جبير أن العرب قالوا ذلك. ثم يجوز أن يكون المراد بلغة العجم لغة غير العرب مثل العبرانية أو السريانية من اللغات التي أنزلت بها التوراة والإنجيل، فكان من جملة ما موّت لهم أوهامهم أن حسبوا أن للكتب بالإلهية لغة خاصة تنزل بها ثم تُفسر للّذين لا يعرفون تلك اللّغة. وهذا اعتقاد فاش بين أهل العقول الضعيفة، فهؤلاء الّذين يعالجون سرّ الحرف والطلسمات يموّهون بأنها لا تكتب إلا باللغة السريانية ويزعمون أنها لغة الملائكة ولغة الأرواح. وقد زعم السراج البلقيني: أن سؤال القبر يكون باللغة السريانية وتلقاه عنه جلال الدّين السيوطي واستغربه فقال: شعر : ومن عجيب ما ترى العينان أن سُؤال القبر بالسرياني أفتى بهذا شيخنا البلقيني ولم أره لغيره بعيني تفسير : وقد كان المتنصرون من العرب والمتهودون منهم مثل عرب اليمن تترجم لهم بعض التوراة والإنجيل بالعربية كما ورد في حديث ورقة بن نوفل في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري»، فاستقرّ في نفوس المشركين من جملة مطاعنهم أن القرآن لو كان من عند الله لكان باللغة التي جاءت بها الكتب السالفة. فصارت عربيته عندهم من وجوه الطعن في أنه منزل من الله، فالقصر هنا لرد كلامهم، أي ما أرسلنا من رسول بلسان إلا لسان قومه المرسل إليهم لا بلسان قوم آخرين. فموقع هذه الآية عقب آية {كتاب أنزلناه إليك} بيّن المناسبة. وتقدير النظم: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزلناه بلغة قومك لتبيّن لهم الذي أوحينا إليك وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور. وإذا كانت صيغة القصر جارية على خلاف مقتضى الظاهر ولم يكن ردّاً لمقالة بعض المشركين يكُن تنزيلاً للمشركين منزلة من ليسوا بعرب لعدم تأثرهم بآيات القرآن، ولقولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} وكان مناط القصر هو ما بعد لام العلّة. والمعنى: ما أرسلناك إلاّ لتبيين لهم وما أرسلنا من رسول إلا ليبين لقومه، وكان قوله: {إلا بلسان قومه} إدْماجاً في الاستثناء المتسلط عليه القصرُ؛ أو يكون متعلقاً بفعل {ليبين} مقدماً عليه. والتقدير: ما أرسلناك إلا لتبين لهم بلسانهم، وما أرسلنا من رسول إلا ليبين لقومه بلسانهم، فما لقومك لم يهتدوا بهذا القرآن وهو بلسانهم، وبذلك يتضح موقع التفريع في قوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}. واللسان: اللغة وما به التخاطب. أطلق عليها اللسان من إطلاق اسم المحل على الحال به، مثل: سَال الوادي. والباء للملابسة، فلغة قومه ملابسة لِكلامه والكتابِ المنزل إليه لإرشادهم. والقوم: الأمة والجماعة، فقوم كلُ أحد رهطه الذين جماعتهم واحدة ويتكلمون بلغة واحدة، وقوم كل رسول أمته المبعوث إليهم، إذ كان الرسُل يبعثون إلى أقوامهم، وقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم العرب، وأما أمته فهم الأقوام المبعوث إليهم وهم الناس كافة. وإنما كان المخاطب أولاً هم العرب الذين هو بين ظهرانيهم ونزل الكتاب بلغتهم لتعذر نزوله بلغات الأمم كلها، فاختار الله أن يكون رسوله ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ من أمة هي أفصح الأمم لساناً، وأسرعهم أفهاماً، وألمعهم ذكاءً، وأحسنهم استعداداً لقبول الهدى والإرشاد، ولم يؤمن برسول من الرسل في حياته عددٌ من الناس مثل الذين آمنوا بمحمّد صلى الله عليه وسلم في حياته فقد عم الإسلامُ بلاد العرب وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نحو خمسين ألفاً أو أكثر. وقيل مائة ألف وهم الرجال المستطيعون. واختار أن يكون الكتاب المنزل إليهم بلغة العرب، لأنها أصلح اللغات جمعَ معان، وإيجاز عبارة، وسهولة جري على الألسن، وسرعة حفظ، وجمال وقع في الأسماع، وجعلت الأمة العربية هي المتلقية للكتاب بادىء ذي بدء، وعهد إليها نشره بين الأمم. وفي التعليل بقوله: {ليبين لهم} إيماء إلى هذا المعنى، لأنه لما كان المقصود من التشريع البيان كانت أقرب اللغات إلى التبيين من بين لغات الأمم المرسل إليهم هي اللغة التي هي أجدر بأن يأتي الكتاب بها، قال تعالى: { أية : نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } تفسير : [سورة الشعراء: 195]. فهذا كله من مطاوي هذه الآية. ولكن لما كان المقصود من سياقها الرد على طعنهم في القرآن بأنه نزل بلغة لم ينزل بها كتاب قبله اقتُصر في رد خطئهم على أنه إنما كان كذلك ليبيّن لهم لأن ذلك هو الذي يهمهم. وتفريع قوله: {فيضل الله من يشاء} الخ على مجموع جملة {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}، ولذلك جاء فعل {يضلّ} مرفوعاً غير منصوب إذ ليس عطفاً على فعل {ليبين} لأن الإضلال لا يكون معلولاً للتبيين ولكنه مفرع على الإرسال المعلل بالتبيين. والمعنى أن الإرسال بلسان قومه لحكمة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين بمعونة الاهتداء وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبيّن لهم. والإضلال والهدى من الله بما أعد في نفوس الناس من اختلاف الاستعداد. وجملة {وهو العزيز الحكيم} تذييل لأن العزيز قويّ لا ينفلت شيء من قدرته ولا يخرج عما خُلق له، والحكيم يضع الأشياء مواضعها، فموضع الإرسال والتبيين أتي على أكمل وجه من الإرشاد. ومَوْقع الإضلال والهدى هو التكوين الجاري على أنسب حال بأحوال المرسل إليهم، فالتبيين من مقتضَى أمر التشريع والإضلالُ من مقتضَى أمر التكوين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ} الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل رسولاً إلى بلغة قومه لأنه لم يرسل رسولاً إلا إلى قومه دون غيرهم ولكنه بين في مواضع أخر أن نبينا صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا بغيرهم كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأعراف: 158] وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان: 1] وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل لسان فهو صلى الله عليه وسلم يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان وقد قدمنا في سورة البقرة قول ابن عباس رضي الله عنهما "إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا بم يا بن عباس فضله على أهل السماء، فقال إن الله تعالى قال: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 29]، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 1 و 2] قالوا: فما فضله على الأنبياء قال: قال الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ}تفسير : [سبأ: 28]، فأرسله إلى الجن والإنس"، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده كما تقدم وهو تفسير من ابن عباس للآية بما ذكرنا والعلم عند الله تعالى:

د. أسعد حومد

تفسير : (4) - مِنْ لُطْفِ اللهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلَى النَّاسِ إِلاَّ بِلِسَانِهِمْ، لِيَفْهَمُوا مِنْهُمْ مَا يُرِيدُونَ قَوْلَهُ لَهُمْ، وَلِيُوَضِحُوا لَهُمْ مَا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ بِهِ، لِتَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، وَيَنْقَطِعَ العُذْرُ. وَبَعْدَ أَنْ يَقُومَ الرُّسُلُ بِمُهِمَّةِ الدَّعْوَةِ وَالإِيضَاحِ وَالبَلاَغِ، وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى النَّاسِ، يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ عَنْ وَجْهِ الحَقِّ وَالهُدَى، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ، وَاللهُ هُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُقْهَرُ، مَا شَاءَ كَانَ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَأَفْعَالِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله منهجه؛ ومُؤيَّد بمعجزة تثبت صدقة فيما بلغ لِمَنْ أُرسِل إليهم. وقد حدَّث الحق سبحانه من قبل عمَّا حدث للأمم السابقةَ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان كل رسول يتكلم بلغة قومه. وهناك فرق بين قوم الدعوة وهم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقوم الاستقبال؛ وهم الأمم السابقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالأمم السابقة لم تكن مُطَالبةَ بأن تُبلِّغ دعوة الرُّسل الذين نزلوا فيهم، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمُطَالبة بذلك، لأن الحق سبحانه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغنا في القرآن أن من آياته سبحانه أن جعل الناس على ألسنة مختلفة. ولم يُكنْ من المعقول أن يرسل رسولاً يتكلم كل اللغات، فنزل صلى الله عليه وسلم في أمة العرب؛ وحين استقبلوه وأُشرِبَتْ قلوبهم حُبّ الإيمان؛ صار عليهم أن ينساحوا بالدعوة؛ لينقلوا معنى القرآن حجة بعد أن استقبلوه معجزة. والقرآن حُجَّة لأنه يسوسُ حركة الحياة؛ وحركاتُ الحياة لا تختلف في الناس أجمعين، كما أن كُلَّ حضارة تأخذ من الأخرى مُنجزاتِها العلمية، وتُترجمها إلى لسانها الذي تنطق به. وترجمة المعاني من لسان إلى آخر مسألة معروفة في كُلِّ حضارات العالم؛ لأن المسألة في جوهرها مسألة معانٍ؛ والمعاني لا تختلف من أمة إلى أخرى. والقرآن معانٍ ومنهج يصلح لكل البشر؛ ونزل بالعربية؛ لأن موهبة الأمة العربية هي النبوغ في اللغة والكلام؛ وهكذا صار على تلك الأمة مهمة الاستقبال لمنهج الله كمعجزة بلاغية؛ وإرساله إلى بقية المجتمعات. ولذلك تستطيع أن تَعقِد مقارنة بين البلاد التي فُتِحت بالسيف والقتال؛ والبلاد التي فُتِحتَ بالسِّلْم ورؤية القدوة المسلَمة الصالحة؛ ستجد أن الذين نشروا الإسلام في كثير من أصقاع الأرض قد اعتمدوا على القدوة الصالحة. ستجد أنهم نُقلوا الدين بالخِصَال الحميدة، وبتطبيق منهج الدين في تعاملهم مع غيرهم، ولذلك أقبل الناس على دين الله. وهكذا نجد أن منهج الإسلام قد حمل معجزة من المعاني، بجانب كونه معجزةً في اللغة التي نزل بها، وهي لغة العرب. ونحن نجد أقواماً لا تستطيع أن تقرأ حرفاً عربياً إلا في المصحف، ذلك أنهم تعلَّموا القراءة في المصحف، واعتمدوا على فَهْم المعاني الموجودة فيه عَبْر الترجمات التي قام بها مُسلِمون أحبُّوا القرآن، ونقلُوه إلى اللغات الأخرى. ولذلك نجد قول الحق سبحانه: {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} تفسير : [القمر: 17]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد يسَّر أُمَّ القرآن بلسان العرب أولاً، ثم يسرَّه بأن جعل من تلك الأمة التي نزل عليها القرآن أمة نَشرْ البلاغ عنه سبحانه، ذلك أن الرسالات تُريد تبليغاً؛ والتبليغ وسيلتُه الأولى هي الكلام؛ ووسيلته الثانية الاستقبالية هي الأذن، فلا بُدَّ من الكلام أولاً، ثم لا بُدَّ من أُذن تعرف مدلولاتِ الألفاظ لتسمعَ هذا الكلام، ولِتُطبّقه سلوكاً. كما أننا نعلم أن مَنْ يسمع المتكلم لا بُدَّ وأن يكون واعياً وعارفاً بمعاني الألفاظ؛ فما تسمعه الأُذن يحكيه اللسان. وعرفْنَا أن اللغة بِنْت السماع، وكُلُّ فرد إنما يتكلم باللغة التي سمعها في بيئته؛ وإذا تتبعتَ سلسلة تعلُّم كل الكلام ستجد نفسك أمام الجِذْر الأصلي الذي تعلَّم منه البشر الكلام؛ وهو آدم عليه السلام. وقد قال سبحانه: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ..} تفسير : [البقرة: 31]. ونعلم أن اللغة بدأت توقيفية حين علَّمها الله لآدم، ثم تكلَّمها آدم فسمعتْها بيئته؛ فصارتْ وضعية من بعد ذلك، واختلفت اللغة من مجتمع إلى آخر. وهنا قال الحق سبحانه: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ..} [إبراهيم: 4]. وجاء بعد ذلك مباشرة بالتعليل: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...} [إبراهيم: 4]. وهكذا أوضح جَلَّ وعلاَ السبب في إرسال كل رسول بلسان قومه، وهناك آية يقول فيها سبحانه: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 198-199]. وقال أيضاً: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. فهناك مَنْ يستقبل القرآن كدليل هداية ويُنقِّي نفسه من الكَدَر، وهناك مَنْ يستقبل القرآن فيكون عليه عمى وعلى سمعه غِشَاوة وخوف وعدم ارتياح، ذلك أنه كافر. والسبب - كما نعلم - أن حدوث الحادث مِن آمرٍ به يحتاج إلى فاعل وإلى قابل للفعل. وسبق أن ضربتُ مثلاً بمَنْ يشرب الشاي؛ فينفخ فيه لِيُبرده قليلاً؛ ونفس هذا الإنسان حين يخرج في صباح شتوى فهو ينفخ في يديه لِيُدفئهما، وهكذا ينفخ مرة ليبرد شيئاً؛ وينفخ أخرى مُستدعياً الدفء. والمسألة ليستْ في أمر النفخ؛ ولكن في استقبال الشاي للهواء الخارج من فَمِك، الشاي أكثر حرارة من حرارة الجسم فيبرد بالنفخ، بينما اليد في الشتاء تكون أكثر برودة من الجسم؛ فتستقبل النفخ لها برفع درجة حرارتها لتتساوى مع حرارة الجسم. وهكذا تجد أن القرآن واحدٌ؛ لكن المؤمن يسمعه فيفرح به، والكافر يسمعه فيتعب ويرهق منه. وسبحانه يقول: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16]. وهكذا نجد مَنْ يستقبل القرآن، ولا ينصاع إلى معانيه؛ ونجد مَن يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه وينفعل بالاستجابة لِمَا يوُصي به الحق سبحانه. إذن: عرفنا الآن أن اللغة بدأتْ توقيفية وانتهتْ اصطلاحية؛ فقد أخذنا من الله ما علَّمه لآدم من أسماء؛ وتغيَّرت الألسن من جماعة إلى أخرى، وهكذا اختلفتْ ألسنة الرُّسُل حَسْب القوم المرسلين إليهم. وكل رسول يُبيِّن للقوم منهجَ الله؛ فإذا بيَّن هذا المنهج، استقبله البعض بالإيمان بما جاء به والهداية، واستقبله البعضُ الآخر بالكُفْر والضَّلال. فالذي هداه الله استشرف قلبُه إلى هذا المنهج؛ وأخرج من قلبه أيّ عقيدة أخرى، وبحثَ فيما جاء به الرسول، وملأ قلبه بالمنهج الذي ارتاح له فهماً وطمأنينة. وهو عكس مَنْ تسكن قلبه قضية مخالفة، ويُصِرُّ عليها، لا عن قناعة، ولكن عن عدم قدرة على التمحيص والدراسةَ والاستشراف. وكان عليه أنْ يُخرِج القضية المُضِلة من قلبه، وأن يبحث ويقارن ويستشف ويُحسِن التدبر؛ ثم يُدخل إلى قلبه القضية الأكثر قبولاً، ولكنه لا يفعل، عكس مَنْ هداه الله. ولا يقولن أحد "ما دام قد أضلنا الله فلم يعذبنا؟" ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية الإيمان موجودة، ولكنه لم يَسْتدعها إلى قلبه. والحق سبحانه يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ...} تفسير : [محمد: 17]. ويقول: {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [البقرة: 26]. أي: أن الفسق قد صدر منهم، لأنهم ملأوا أفئدتهم بقضايا باطلة؛ فجاءت قضايا الحق فلم تجد مدخلاً. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4]. فمَنْ يُقبِل على الضلال يزيده الله ضلالاً؛ فلن يزيد إيمانُه مُلْكَ الله شيئاً، ومَنْ يؤمن فهو يضمن لنفسه سلامة الحياة وما بعد الموت؛ وهو في الحياة عنصر خَيْرٍ؛ وهو من بعد الموت يجد الحياة مع نِعَم المُنعِم سبحانه العزيز الذي لا يُغَلب؛ والحكيم الذي قَدَّر لكلِّ أمر ما يشاء. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من لطفه بعباده أنه ما أرسل رسولا { إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به، ونهوا عنه وقامت عليهم حجة الله { فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ } ممن لم ينقد للهدى، ويهدي من يشاء ممن اختصه برحمته. { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الذي -من عزته- أنه انفرد بالهداية والإضلال، وتقليب القلوب إلى ما شاء، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا بالمحل اللائق به. ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها، وذلك إذا تمرنوا على العربية، ونشأ عليها صغيرهم وصارت طبيعة لهم فحينئذ قد اكتفوا المؤنة، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء كما تلقى عنهم الصحابة رضي الله عنهم.