Verse. 1755 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا مُوْسٰى بِاٰيٰتِنَاۗ اَنْ اَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمٰتِ اِلَى النُّوْرِ۝۰ۥۙ وَذَكِّرْہُمْ بِاَيّٰىمِ اؘ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُوْرٍ۝۵
Walaqad arsalna moosa biayatina an akhrij qawmaka mina alththulumati ila alnnoori wathakkirhum biayyami Allahi inna fee thalika laayatin likulli sabbarin shakoorin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أرسلنا موسى بآياتنا» التسع وقلنا له «أن أخرج قومك» بني إسرائيل «من الظلمات» الكفر «إلى النور» الإيمان «وذكّرهم بأيام الله» بنعمه «إن في ذلك» التذكير «لآيات لكل صبار» على الطاعة «شكور» للنعم.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم وكيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيراً للرسول عليه السلام على أذى قومه وإرشاداً له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } قال الأصم: آيات موسى عليه السلام هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل وإنزال المن والسلوى. وقال الجبائي: أرسل الله تعالى موسى عليه السلام إلى قومه من بني إسرائيل بآياته وهي دلالاته وكتبه المنزلة عليه، وأمره أن يبين لهم الدين. وقال أبو مسلم الأصفهاني: إنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم: { أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1] وقال في حق موسى عليه السلام: {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } والمقصود: بيان أن المقصود من البعثة واحد في حق جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو أن يسعوا في إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات. المسألة الثانية: قال الزجاج: قوله: {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ } أي بأن أخرج قومك. ثم قال: {أن} ههنا تصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي، ويكون المعنى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك، كأن المعنى قلنا له: أخرج قومك. ومثله قوله: { أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ } تفسير : [صۤ: 6] أي أمشوا، والتأويل قيل لهم: امشوا، وتصلح أيضاً أن تكون المخففة التي هي للخبر، والمعنى: أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف ووصلت (أن) بلفظ الأمر، ونظيره قولك: كتبت إليه أن قم وأمرته أن قم، ثم إن الزجاج حكى هذين القولين عن سيبويه. أما قوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه السلام في هذا المقام بشيئين: أحدهما: أن يخرجهم من ظلمات الكفر، والثاني: أن يذكرهم بأيام الله، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي: أيام جمع يوم، واليوم هو مقدار المدة من طلوع الشمس إلى غروبها، وكانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت إحداهما في الأخرى وغلبت الياء. المسألة الثانية: أنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها. يقال: فلان عالم بأيام العرب ويريد وقائعها وفي المثل "من ير يوماً ير له" معناه: من رؤي في يوم مسروراً بمصرع غيره ير في يوم آخر حزيناً بمصرع نفسه وقال تعالى: { أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 140]. إذا عرفت هذا، فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل في سائر ما سلف من الأيام، والترهيب والوعيد: أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب. واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة والبلاء وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى وانفلاق البحر وتظليل الغمام. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } والمعنى أن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صباراً شكوراً، لأن الحال إما أن يكون حال محنة وبلية أو حال منحة وعطية فإن كان الأول، كان المؤمن صباراً، وإن كان الثاني كان شكوراً. وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه ويوافق إرادته كان مشغولاً بالشكر، وإن جرى ما لا يلائم طبعه كان مشغولاً بالصبر. فإن قيل: إن ذلك التذكيرات آيات للكل فلماذا خص الصبار الشكور بها؟ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صارت كأنها ليست آيات إلا لهم كما في قوله: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة:2] وقوله: { أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات:45]. والثاني: لا يبعد أن يقال: الانتفاع بهذا النوع من التذكير لا يمكن حصوله إلا لمن كان صابراً أو شاكراً، أما الذي لا يكون كذلك لم ينتفع بهذه الآيات. واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام الله تعالى، حكى عن موسى عليه السلام أنه ذكرهم بها فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } فقوله: {إِذْ أَنجَاكُمْ } ظرف للنعمة بمعنى الأنعام، أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت. بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: ذكر في سورة البقرة: { أية : يُذَبِّحُونَ } تفسير : [البقرة: 49] وفي سورة الأعراف: { أية : يُقَتِّلونَ } تفسير : [الأعراف: 141] وههنا {وَيُذَبِّحُونَ } مع الواو فما الفرق؟ والجواب: قال تعالى في سورة البقرة: {يُذَبّحُونَ } بغير واو لأنه تفسير لقوله: {سُوءَ ٱلْعَذَابِ } وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول: أتاني القوم زيد وعمرو. لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى: { أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [الفرقان: 68، 69] فالآثام لما صار مفسراً بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضاً فقوله: {وَيُذَبِّحُونَ } نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله. السؤال الثاني: كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن تمكين الله إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من الله. والثاني: وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء، وهو بلاء عظيم، والبلاء هو الابتلاء، وذلك قد يكون بالنعمة تارة، وبالمحنة أخرى، قال تعالى: { أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35] وهذا الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ }. السؤال الثالث: هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء، أما استحياء النساء كيف يكون بلاء. الجواب: كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة، وأيضاً إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} أي بحجتنا وبراهيننا؛ أي بالمعجزات الدالة على صدقه. قال مجاهد: هي التسع الآيات. {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} نظيره قوله تعالى لنبينا عليه السلام أول السورة: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}. وقيل: «أَنْ» هنا بمعنى أي، كقوله تعالى: {أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} تفسير : [صۤ: 6] أي ٱمشوا. قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى. قال ٱبن عباس ومجاهد وقتادة: بنعم الله عليهم؛ وقاله أبيّ بن كعب ورواه مرفوعاً؛ أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم، وقد تسمى النعم الأيام؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم:شعر : وأيـامٍ لنـا غُـرٍّ طِـوالٍ تفسير : وعن ٱبن عباس أيضاً ومقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة؛ يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعها. قال ٱبن زيد: يعني الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية؛ وكذلك روى ٱبن وهب عن مالك قال: بلاؤه. وقال الطبريّ: وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم؛ أي بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة؛ وقد كانوا عبيداً مستذلين؛ واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم. وروى سعيد بن جُبَير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيام الله وأيامُ الله بَلاؤه ونِعماؤه»تفسير : وذكر حديث الخضر؛ ودلّ هذا على جواز الوعظ المرقّق للقلوب، المقوِّي لليقين، الخالي من كل بدعة، والمنزه عن كل ضلالة وشبهة. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في التذكير بأيام الله {لآيَاتٍ} أي دلالات. {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. {شَكُورٍ} لنعم الله. وقال قتادة: هو العبد؛ إذا أُعطِي شَكر، وإذا ٱبتُلِيَ صَبر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكرتفسير : ـ ثم تلا هذه الآية ـ {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. ونحوه عن الشعبيّ موقوفاً. وتَوارَى الحسن البصريّ عن الحجّاج سبعَ سنين، فلما بلغه موته قال: اللهم قد أمتّه فأمِت سُنَّته، وسجد شكراً، وقرأ: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ». وإنما خص بالآيات كل صبار شكور؛ لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها؛ كما قال: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} وإن كان منذِراً للجميع.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } يعني اليد والعصا وسائر معجزاته. {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } بمعنى أي أخرج لأن في الإرسال معنى القول، أو بأن أخرج فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر فيصح أن توصل بها أن الناصبة. {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة وأيام العرب حروبها. وقيل بنعمائه وبلائه. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} يصبر على بلائه ويشكر على نعمائه، فإنه إذا سمع بما أنزل على من قبل من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل المراد لكل مؤمن وإنما عبر عنه بذلك تنبيهاً على أن الصبر والشكر عنوان المؤمن.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم، تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا، قال مجاهد: هي التسع الآيات {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} أي: أمرناه قائلين له: {أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: ادعهم إلى الخير؛ ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان، {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي: بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم، قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث قال: حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبان الجعفي عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} قال: «حديث : بنعم الله» تفسير : ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان به، ورواه عبد الله ابنه أيضاً موقوفاً، وهو أشبه. وقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل، حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين، لعبرة لكل صبار، أي: في الضراء، شكور، أي: في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِئَايَٰتِنَا } التسع وقلنا له {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ } بني إسرائيل {مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ } الكفر {إِلَى ٱلنُّورِ } الإِيمان {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } بنعمه {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التذكير {لأَٰتٍ لّكُلِّ صَبَّارٍ } على الطاعة {شَكُورٍ } للنعم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَآَيَاتِنَآ} التسع، أو بالحجج والبراهين {وَذَكِّرْهُم} عظهم بما سلف لهم في الأيام الماضية، أو بالأيام التي انتقم فيها بالقرون الأول، أو بنعم الله لأنها تُسمى بالأيام. شعر : وأيام لنا غر طوال ..................... تفسير : {صَبَّارٍ شَكُورٍ} كثير الصبر والشكر إذا ابتُلي صبر وإذا أعطي شكر، وأخذ الشعبي من هذه الآية أن الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم، فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلاً على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتثبيتاً وتصبيراً على أذى قومه، وإرشاداً إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم، فقال مصدراً بحرف التوقع: {ولقد أرسلنا} أي بعظمتنا {موسى بآياتنا} أي البينات؛ ثم فسر الإرسال بقوله: {أَن أخرج قومك} أي الذين فيهم قوة على مغالبة الأمور {من الظلمات} أي أنواع الجهل {إلى النور *} بتلك الآيات {وذكرهم} أي تذكيراً عظيماً {بأيام الله} أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك {إن في ذلك} أي التذكير العظيم {لآيات} على وحدانية الله وعظمته {لكل صبار} أي بليغ الصبر بلاء الله، قال في العوارف: وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار، فالمتصبر من صبر في الله، فمرة يصبر ومرة يجزع، والصابر من يصبر في الله ولله ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى، وقد يمكن منه الجزع، فأما الصبار فذلك الذي صبّره الله في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب والحقيقة، لا من جهة الرسم والخليقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. {شكور *} أي عظيم الشكر لنعمائه، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة، وفي صيغة المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب{ أية : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} تفسير : [ البقرة:214] {أية : حتى إذا استيئس الرسل} تفسير : [يوسف:110]، {أية : الم*أحسب الناس أن يتركوا} تفسير : [العنكبوت:1-2] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان ديناً ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر. ولما ذكر ما أمر به موسى عليه السلام، وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي عزمهم، كان كأنه قيل: فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله اقتداء بأخيك موسى عليه السلام {و} اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام الله: أشدها محنة وأجلها منحة {إذ قال موسى} امتثالاً لما أمرناه به {لقومه} مذكراً لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم. ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب، أشار إلى أن مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله: {ياقوم} فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال: {اذكروا نعمة الله} أي ذي الجلال والإكرام، وعبر بالنعمة عن الإنعام حثاً على الاستدلال بالأثر على المؤثر {عليكم} ثم أبدل من "نعمة" قوله: {إذ} وهو ظرف النعمة. ولما كانوا قد طال صبرهم جداً بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن في العادة خلاصهم منه، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جداً بتعب شديد، أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لو جرى على مقتضى العادة جزاء لهم على طول صبرهم، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق البقرة فقال: {أنجاكم من} بلاء {آل فرعون} أي فرعون نفسه وأتباعه وأوليائه؛ قال في القاموس: ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالباً، فكأنهم قالوا: من أيّ بلائهم؟ فقال: {يسومونكم} أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل الاستهانة والقهر {سوء العذاب} بالاستعباد. ولما كان السياق للصبر البليغ، اقتضى ذلك العطف في قوله: {ويذبحون} أي تذبيحاً كثيراً مميتاً - بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل، ومعرفاً بإعادة التعبير بالذبح أن الموت بالسكين {أبناءكم ويستحيون} أي يطلبوا أن يحيوا {نساءكم} لإفادة أن ذلك بلاء آخر {و} الحال أن {في ذلكم} أي الأمر الشديد المشقة من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما {بلاء من ربكم} أي المربي لكم المدبر لأموركم {عظيم *}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير في قوله {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} قال: بالبينات التسع: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} قال: من الضلالة إلى الهدى. وأخرج النسائي وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وذكرهم بأيام الله} قال:"بنعم الله وآلائه". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {وذكرهم بأيام الله} قال: نعم الله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال: لما نزلت {وذكرهم بأيام الله} قال: وعظهم. وأخرج ابن مردويه من طريق عبدالله بن سلمة، عن علي أو الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فيذكرنا بأيام الله حتى نعرف ذلك في وجهه، كأنما يذكر قوماً يصبحهم الأمر غدوة أو عشية، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل عليه السلام، لم يتبسم ضاحكاً حتى يرتفع عنه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وذكرهم بأيام الله} قال: بالنعم التي أنعم بها عليهم، أنجاهم من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع - رضي الله عنه - في قوله {وذكرهم بأيام الله} قال: بوقائع الله في القرون الأولى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} قال: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {لكل صبار شكور} قال: وجدنا أصبرهم أشكرهم، وأشكرهم أصبرهم. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي ظبيان، عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: الصبر نصف الإِيمان، واليقين الإِيمان كله. قال: فذكرت هذا الحديث للعلاء بن يزيد - رضي الله عنه - فقال: أو ليس هذا في القرآن {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (إن في ذلك لآيات للموقنين).

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ} شروعٌ في تفصيل ما أجمل في قوله عز وجل: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ} تفسير : الآية {بِـئَايَـٰتِنَا} أي ملتبساً بها وهي معجزاتُه التي أظهرها لبني إسرائيلَ {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} بمعنى أي أخرِجْ لأن الإرسالَ فيه معنى القول أو بأن أخرِجْ كما في قوله تعالى: { أية : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} تفسير : [يونس: 105] فإن صيغ الأفعال في الدلالة على المصدر سواءٌ، وهو المدارُ في صحة الوصل والمرادُ بذلك إخراجُ بني إسرائيلَ بعد مهلِك فرعون {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ} من الكفر والجهالاتِ التي أدتهم إلى أن يقولوا: يا موسى اجعل لن إلٰهاً كما لهم آلهة {إِلَى ٱلنُّورِ} إلى الإيمان بالله وتوحيده وسائرِ ما أُمروا به {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي بنعمائه وبلائِه كما ينبىء عنه قوله: { أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 6] لكن لا بما جرى عليهم فقط بل عليهم وعلى من قبلهم من الأمم في الأيام الخالية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الآيات، أو بأيامه المنطوية على ذلك كما يلوح به قوله تعالى: {إِذْ أَنجَاكُمْ} والالتفاتُ من التكلم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنِها والإشعارِ بعدم اختصاصِ ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومِه كما تُوهمه الإضافةُ إلى ضمير المتكلم أي عظْهم بالترغيب والترهيب والوعدِ الوعيد، وقيل: أيامُ الله وقائعُه التي وقعت على الأمم قبلهم، وأيامُ العرب وقائعُها وحروبُها وملاحمها أي أنذرهم وقائعَه التي دهمت الأممَ الدارجة، ويردّه ما تصدى له عليه الصلاة والسلام بصدد الامتثالِ من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى عليك. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في التذكير بها أو في مجموع تلك النعماءِ والبلاءِ أو في أيامها {لأَيَاتٍ} عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وحدانية الله تعالى وقدرتِه وعلمه وحكمته، فهي على الأول عبارةٌ عن الأيام سواءٌ أريد بها أنفسُها أو ما فيها من النعماء والبلاءِ، ومعنى ظرفية التذكيرِ لها كونُه مناطاً لظهورها، وعلى الثالث عن تلك النعماء والبلاء ومعنى الظرفية ظاهر، وأما على الثاني وهو كونُه إشارةً إلى مجموع النعماءِ فعن كل واحدة من تلك النعماء والمشارُ إليه المجموعُ المشتمل عليها من حيث هو مجموعٌ وكلمةُ في تجريديةٌ مثلُها في قوله تعالى: { أية : لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} تفسير : [فصلت: 28] {لّكُلّ صَبَّارٍ} على بلائه {شَكُورٍ} لنعمائه، وقيل: لكل مؤمنٍ، والتعبـيرُ عنهم بذلك للإشعار بأن الصبرَ والشكرَ عنوانُ المؤمن أي لكل مَن يليق بكمال الصبرِ والشكر أو الإيمان ويصبِر أمرَه إليها، لا لمن اتصف بها بالفعل لأنه تعليلٌ للأمر بالتذكير المذكور السابقِ على التذكر المؤدّي إلى تلك المرتبة، فإن من تذكّر ما فاض أو نزل عليه أو على مَنْ قبله من النعماء والبلاءِ وتنبّه لعاقبة الشكر والصبر أو الإيمان لا يكاد يفارقها، وتخصيصُ الآيات بهم لأنهم المنتفعون بها لا لأنها خافيةٌ عن غيرهم، فإن التبـيـينَ حاصلٌ بالنسبة إلى الكل، وتقديمُ الصبار على الشكور لتقدم متعلَّقِ الصبر ـ أعني البلاء ـ على متعلّق الشكر ـ أعني النعماء ـ وكون الشكر عاقبة الصبر.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} [الآية: 5]. قال أبو الحسن الوراق فى هذه الآية: افتح عليهم سبيل الشكر لئلا يغتروا بالنعم وقيل دلهم على معرفة نعمى عندهم لئلا يستعظموا نور طاعتهم، وقيل شكرهم فى جنب تواتر نعمى لديهم.

القشيري

تفسير : أَخْرجْ قومَك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومنْ إشكالِ الجهل إلى رَوْحِ العِلْم. وذَكِّرْهُم بأيام الله؛ ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من البلاء في سابق أحوالهم. ويقال ذكِّرْهُم بأيام الله وهي ما سبق لأرواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل حلولها في الأشباح: شعر : سقياً لها ولطيبها ولحسنها وبهائها أيــــــــام لــــــــــــــــــــــم (......... ) تفسير : ويقال ذكِّرْهم بأيام الله وهي التي كان العبدُ فيها في كتم العدم، والحق يتولَّى عباده قبل أن يكون لِلعَبادِ فِعْلٌ؛ فلا جُهْدَ للسابقين، ولا عناءَ ولا تَرْكَ للمقتصدين، ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم. إذ كان متعلق العلم متناول القدرة، والحكم على الإرادة.. ولم يكن للعبد اختيار في تلك الأيام. قوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. {صَبَّارٍ}: راضٍ بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يَسُرُّه. {شَكُورٍ}: محجوبٌ بشهود النِّعم عن استغراقه في ظهور حقه...هذا واقفٌ مع صبره وهذا واقف مع شكره، وكلٌّ مُلْزَمٌ بحده وقَدْرِه: والله غالب على أمره، مقدَّسٌ في نَفْسِه مُتعزَّزٌ بجلال قُدْسِه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} فيه اشارة ان ايام القدم وايام البقاء ايام القدم اولية الاولية المنزه عن دهر الدهار والزمن والاثار كان فى كان قبل كان وكما كان فيما كان الان فعشق بنفسه على نفسه وكان عروس نفسه ولم يكن فى كان الا كان فمعنى على كان ايام قدم ك ان بلا عشق ملهوف ولا محب معروف ولا حيران سكران ولا عارف مكاشف ولا مونس مستانس يتمتعون بجمال القدم فى القدم فيا ويلتا من وصال فائت منا وجمال غائب عنا تذكرت ايّاما ودهرا صالحا فبكيت حزنا فهاجت جزنى واما ايام البقاء اخرية الاخرية بلا مرور الحدثان ولا علة الاكوان والازمان بقاء سرمدى وجمال احدى ووصال ابدى يبقى لشهود عشاقه ومطالعة جمال اهل اشواقه كانه قال ذكرهم ايام القدم ليفنوا حسرة على ما فات عنهم شعر : على ما فات ابكى من حيوتى وايام مضت فى النزهات وذكرهم ايم البقاء ليبقوا من فرح وجد انها ابدا دنا وصال الحبيب واقتربا واطربا للوصال واطربا تفسير : وايضا اى ذكرهم ايام وصال الارواح فى عالم الافراح حيث كاشفت قناع الربوبية عن جلال وجه الصمدية لها حتى عشقت بجمالى وبقيت فى وصالى وذاقت طعم محبتى من بحر قربتى ما اطيبها وما الذها حين كلمتها بعزيز خطابى وعرفتهم حقائق جمالى فقلت الست بربكم من غاية محبتى وشوقى لها قالوا بلى من شوقى ومحبتى اين تلك الارواح حيث باعدت من مزار الوصال وايام الكشف والجمال ليتذكروا ازمان الصفاء ولطائف الوقام ليزيدوا شوقا على شوق وعشقا على عشق شعر : وكانت بالعراق لنا ليال سلبناهن من ريب الزمان جعلنا من تاريخ الليالى وعنوان المسرة والامانى تفسير : وايضا ذكر هو سرور مشاهدتى وخوفهم عن مقاطعتى فان شانهما عظيم وخطرهما جسيم شعر : نهايات راحات النفوس وصالها وغايات لذات العيون لقاؤها تفسير : واشوقاه الى تلك الايام الصافية عن كدورة البشرية واشوقاه الى ايام كشف النقاب بلا علة العتاب شعر : كان لى مشرب يصفو برويتكم فكدّرته يد الايام حين صفا تفسير : ثم بين سبحانه ان فوت ايام القدم رزية عظيمة لكل صبار فى الفراق وان رجاء وصول ايام البقاء سرور عظيم لكل شكور انعام المشاهدة والمعرفة بقوله { إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} قال بعض المشائخ ذكرهم بايام الله وهى ما سبق لارواحهم من الصفوة وتعريفه التوحيد قبل حلولها فى الاشباح شعر : سقيا لها ولطيبها ولحسنها وبهائها ايام لم يلح النوى بين العصا === تفسير : ويقال ذكرهم الله بايام الله هى ايام التى كان العبد فيها فى كتم العدم والحق يقول بقوله الازلى عبادى ولم يكن للعبد عين ولا اثر ولا للمخلوق عنه خبر حين لا وفاق بعد ولا شقاق ولا وفاء ولا جفاء ولا جهد للسابقين ولا عناء ولا ورد للمقتصدين ولا بكاء ولا ذنب للظالمين ولا التواء كان متعلق العلم متناول القدرة مقصود الحكم على الارادة ولا علم له ولا اختيار ولا زلة ولا اوزار ان فى ذلك لايات لكل صبار شكور قال الاستاد الصابر غريق المحن لكنه راض بحكمه لذيذ العيش بسره وان كان مستوجبا لرحمة عند خلقه والشكور غريق المنن لكنه راض بحكمه لذيذ العيش بسره وان كان مستوجب الرحمة عند خلقه والشكور غريق المنن لكنه محجوب بشهود النعم عن استغراقه فى ظهور حقه بل هذا واقف مع صبره وهذا واقف مع شكره وكل ملازم === وقدره والله غالب على امره مقدس فى نفسه متعزز بجلال قدسه قال ابو الحسن الوراق فى هذه الآية فتح عليهم سبيل الشكر لئلا تغيروا بالنعم وقال عرفهم ان الوقوف مع النعمة يقطع عن المنعم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ارسلنا موسى} ملتبسا {بآياتنا} يعنى اليد والعصا وسائر معجزاته الدالة على صحة نبوته {ان} مفسرة لمفعول مقدر للفظ دال على معنى القول مؤد معناه اى ارسلناه بامر هو {اخرج قومك من الظلمات} من انواع الضلال التى كلها ظلمات محض كالكفر والجهالة والشبهة ونحوها {الى النور} الى الهدى كالايمان والعلم واليقين وغيرها. وقال المولى ابو السعود رحمه الله الآيات معجزاته التى اظهرها لبنى اسرائيل والمراد اخراجهم بعد مهلك فرعون من الكفر والجهالات التى ادتهم الى ان يقولوا يا موسى اجعل لنا الها كمالهم آلهة الى الايمان بالله وتوحيده وسائر ما امروا به انتهى. يقول الفقير قد تقرر ان القرآن يفسر بعضه بعضا فقوله تعالى {أية : ولقد ارسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين الى فرعون وملئه} تفسير : ينادى باعلى صوته على ان المراد بالآيات غير التوراة وبالقوم القبط وهو فرعون واتباعه وان الآية محمولة على اول الدعوة ولما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم مبعوثا الى الكافة قال الله تعالى فى حقه {أية : لتخرج الناس} تفسير : ولم يقل لتخرج قومك كما خصص وقال هنالك {أية : باذن ربهم} تفسير : وطواه هنا لان الاخراج بالفعل قد تحقق فى دعوته عليه السلام فكان امته امة دعوة واجابة ولم يتحقق فى دعوة موسى اذا لم يجبه القبط الى ان هلكوا او ان اجابه بنو اسرائيل والعمدة فى رسالته كان القبط ومن شأن الرسول تقديم الانذار حين الدعوة كما قال نوح عليه السلام فى اول الامر {أية : انى لكم نذير مبين} تفسير : ولذا وجب حمل قوله تعالى {وذكرهم بايام الله} على التذكير بالوقائع التى وقعت على الامم الماضية قبل قوم نوح وعاد وثمود. والمعنى وعظمهم وانذرهم ما كان فى ايام الله من الوقائع ليحذروا فيؤمنوا كما يقال رهبوت خير من رحموت اى لان ترهب خير من ان ترحم وايام العرب ملاحمها وحروبها كيوم حنين ويوم بدر وغيرهما. وقال بعضهم ذكرهم نعمائى ليؤمنوا بى كما روى ان الله تعالى اوحى الى موسى ان حببنى الى عبادى فقال يا رب كيف احببك الى عبادك والقلوب بيدك فاوحى الله تعالى ان ذكرهم نعمائى ومن هنا وجب الكلام عند الكلام بما يرجح رجاءه فيقال لا تحزن فقد وفقك الله للحج او للغزو او لطلب العلم او نحو ذلك من وجوه الخير ولو لم يرد بك خيرا لما فعله فى حقك فهذا تذكير أى تذكير وايام الله فى الحقيقة هى التى كان الله ولم يكن معه شيء من ايام الدنيا ولا من ايام الآخرة. فعلى السالك ان يتفكر ثم يتذكر كونه فى مكنون علم الله تعالى ويخرج من الوجود المجازى المقيد باليوم والليل ويصل الى الوجود الحقيقى الذى لا يوم عنده ولا ليل {ان فى ذلك} اشارة الى ايام الله {لآيات} عظيمة او كثيرة دالة على وحدانية الله وقدرته وعلمه وحكمته {لكل صبار} مبالغ فى الصبر على طاعة الله وعلى البلايا {شكور} مبالغ فى الشكر على النعم والعطايا كأنه قال لكل مؤمن كامل اذ الايمان تصفيان نصفه صبر ونصفه شكر وتخصيص الآيات بهم لانهم المنتفعون بها لا لانها خافية عن غيرهم فان التبيين حاصل بالنسبة الى الكل وتقديم الصبر لكون الشكر عاقبته آخر هركريه آخر خنده ايست فالمنذرون المذكرون بالكسر صبروا على الاذى والبلاء فظفروا والعاقبة للمتقين والمنذرون المذكرون بالفتح تمادوا فى الغى والضلال فهلكوا ألا بعدا للقوم الظالمين: وفى المثنوى شعر : عاقل ازسر بنهد ان هستى وباد جون شنيد انجام فرعونان وعاد ورنه بنهد ديكران از حال او عبرتى كيرند از اضلال او

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (أنْ أخرج): إما تفسيرية لا محل لها، أي: وقلنا: أن أخرج؛ لأن في الإرسال معنى القول، أو على إسقاط الخافض، أي: بأن أخرج، فإنَّ صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصح أن توصل بها "إن" الناصبة. يقول الحق جل جلاله: {ولقد ارسلنا موسى بأياتنا}؛ كاليد والعصا، وسائر معجزاته التسع، وقلنا له: {أن أخرج قومَك}؛ بني إسرائيل، وفرعون وملأه؛ {من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أما فرعون وملؤه فظاهر، وأما بنو أسرائيل فقد كان فرعون فَتَنَ جُلّهم، وأضلهم مع القبط، فكانوا أشياعاً متفرقين، لم يبق لهم دين. فإن قلتَ: إذا كان موسى عليه السلام مبعوثاً إلى القبط، فِلمَ لَمْ يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام؟ فالجواب: أنه لما بلَّغهم الرسالة قامت الحجة عليهم، فيجب عليهم أن يهاجروا إليه للدين. ثم أمره بالتذكير فقال: {وذكِّرْهُم بأيامِ الله} : بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة قبلهم، وأيام العرب: حروبها. أو ذكِّرهم بِنَعم الله وآلائه، وبنقمه وبلائه؛ فالأيام تطلق على المعنيّين. {إنَّ في ذلك لآياتٍ لكل صبارٍ} في بلائه، {شكور} لنعمائه، وإنما خصه؛ لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من البلاء، وأُفِيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل: المراد لكل مؤمن، وإنما عبَّر بذلك؛ تنبيهاً على أن الصبر والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي. {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ أنجاكم}: حين أنجاكم {من آلِ فرعونَ}: رهطه، {يسومونكم}: يُولونكم {سُوء العذابِ}: أقبحه يستعبدونكم ويُكلفونكم مشاق الأعمال، {ويُذبِّحُون أبناءكم ويستحْيون نساءكم}، قال البيضاوي: المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتَيْ البقرة والأعراف؛ لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه هنا، فهو هنا إما جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. هـ. {وفي ذلكم} الامتحان {بلاء} أي: ابتلاء {من ربكم عظيم}؛ اختبركم به حتى أنقذكم منه، ليعظم شكركم، أو: في ذلك الإنجاء بلاء، أي: نعمة واختبار عظيم، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة. ولذلك قال لهم موسى عليه السلام: {وإذْ تأذَّنَ ربكُمْ} أي: آذن، بمعنى أعلمَ، كتوعَّد وأوعد، غير أنَّ تأذن أبلغ من آذن؛ لما في تفعّل من التكلف والمبالغة، أي أعلمكم، وقال: والله {لئن شكرتم} يا بني إسرائيل ما أنعمتُ به عليكم من الإنجاء وغيره، بالإيمان والعمل الصالح، وبالإقرار باللسان، وإفراد النعمة للمنعم بالجَنَان، {لأَزيدَنَّكُمْ} نعمة على نعمة. وهذ الخطاب، وإن كان لبني إسرائيل، يعم جميع الخلق، والزيادة إما من خير الدنيا، أو ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء؛ فتكون الزيادة في الضراء، إما في ثواب أو في التقريب. ثم ذكر ضده فقال: {ولئن كفرتم} ما أنعمتُ به عليكم، وقابلتموه بالكفر والعصيان، {أنَّ عذابي لشديد}؛ فأعذبكم به على كفركم. قال البيضاوي: ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويُعرض بالوعيد. هـ. فصرح بوصول الزيادة إليهم، ولم يقل: أعذبكم عذاباً شديداً، بل عظم عذابه في الجملة. {وقال موسى}، في شأن من لم يشكر: {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً} من الثقلين، {فإنَّ الله لغنيٌّ} عن شكركم، {حميد}: محمود على ألسنة خلقه، من الملائكة وغيرهم. فكل ذرة من المخلوقات ناطقة بحمده؛ حالاً أو مقالاً، فهو غني أيضاً عن حمدكم، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم؛ حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها لشديد الانتقال. وبالله التوفيق. الإشارة: ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين: الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين: (لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر)، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر؛ لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك؛ لأنه لا يكون شاكراً حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يُواجَه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر؛ لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده لَلَذَّتْ لديه البلايا، كما قال صاحب العينية: شعر : تَلَذُّ لِيَ الآلامُ؛ إذْ كُنْتَ مُسْقِمِي وإنْ تَخْتَبِرْنِي فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ تفسير : لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف؛ فتارة تجده قوياً يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفاً؛ فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد: "رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت: اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي: قل: وما قدّرت من شيء فأيَّدْنا كما أيدتهم. ثمَّ ذكرهم عن سلف قبلهم

الطوسي

تفسير : آية في الكوفي والبصري. وآيتان في المدنيين. آخر الاولى {إلى النور}. أخبر الله تعالى انه ارسل موسى نبيه (ع) الى خلقه بآياته ودلالاته {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} اي ارسلناه بأن أخرج قومك من ظلمات الكفر والضلالة الى نور الايمان والهداية بالدعاء لهم الى فعل الايمان، والنهي عن الكفر والتنبيه على ادلته. {وذكرهم بأيام الله} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: ذكّرهم بنعم الله. الثاني - ذكّرهم بنعم الله لعاد وثمود وغيرهم من الامم الضالة، قال عمر بن كلثوم: شعر : وايام لنا غر طوال عصينا الملك فيها ان ندينا تفسير : وقيل: النعم والنقم من اعدائنا. وقال قوم: اراد خوفهم بهذا، كما يقال: خذه بالشدة واللين. ثم أخبر ان في ذلك دلالات لكلّ من صبر على بلاء الله وشكره على نعمه. والتذكير التعريض للذكر الذي هو خلاف السهو، يقال: ذكّره تذكيراً، وذكره يذكره ذكراً، وتذكر تذكراً، وذاكره مذاكرة. والصبار الكثير الصبر، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لا ينبغي. والشكور الكثير الشكر. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، وضدّه الكفر. (وان) في قوله {أن أخرج} يحتمل ان تكون بمعنى (أي) على وجه التفسير، ويجوز ان تكون التي تتعلق بالافعال والمعنى قلنا له: اخرج قومك. وقال سيبويه يقول العرب: كتبت اليه أن قم، وأمرته أن قم، وان شئت كانت (أن) التي وُصلت بالامر. والتأويل على الخبر. والمعنى كتبت اليه ان يقوم وأمرته أن يقوم إلاّ انها وُصلت بلفظ الامر المخاطب، والمعنى معنى الخبر، كما تقول أنت الذي فعلت. والمعنى انت الذي فعل.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} قد غلّب اليوم فى العرف للواقعة الغريبة الواقعة فيه فايّام الله على هذا عبارة عن الوقائع الواقعة على الامم الماضية وقد فسّرت فى الاخبار بنعم الله وآلائه، وهذا التّفسير من تشريف الاضافة الى الله فانّ اليوم المنسوب الى الله لا بدّ وان يكون اشرف الايّام، وشرافته بانعامه تعالى فيه فاستعمل الايّام فى النّعم الّتى وقعت فيها هذا بحسب الظّاهر، وامّا على التّحقيق فايّام الله عبارة عن مراتب الآخرة ومقامات الانسان من عالم المثال والنّفوس والصّافّات صفّاً والمقرّبين ومن القلب والرّوح والعقل الى آخر المراتب وكذا المراتب النّازلة من جهنّام النّفس ودركاتها والجحيم وطبقاتها، ولعلّ التّفسير بالوقائع والنّقم وبالآلاء والنّعم للاشارة الى ما فى تلك المراتب {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التّذكير {لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على البلاء {شَكُورٍ} على النّعماء.

الأعقم

تفسير : {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا}، قيل: بالمعجزات والدلائل، وقيل: بالآيات التسع {ان أخرج قومك} أي وقلنا له: أخرج قومك، يعني بني إسرائيل ومن بعث اليهم {من الظلمات إلى النور} من الكفر إلى الإِيمان {وذكرهم بأيام الله} قيل: بنعمه في الأيام دنيا وديناً، وقيل: بوقائع الله تعالى وعذابه في الأمم السالفة كعاد وثمود وغيرهم {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم} خلصكم {من آل فرعون} يعني قومه واتباعه ومن كان على دينه {يسومونكم} قيل: يعذبونكم، وقيل: يذيقونكم {سوء العذاب} أي أشده {ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} أي يستبقون النساء للخدمة أحياء {وفي ذلكم} أي ما تقدم ذكره {بلاء من ربكم عظيم}، قيل: نعمة عظيمة منّ الله بها عليكم، وقيل: بلاء وشدة ومحنة، وقيل: امتحان بالتخلية والترك قال: أنجاكم والأول أقرب وهو لن المراد به النعمة وهو الذي يوافق صدر الآية وهو قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} {وإذ تأذن ربكم}، قيل: معناه أعلم وتأذن وأذن كمتوعد وأوعد، وقيل: بمعنى أخبر {لئن شكرتم لأزيدنكم} من النعم {فإن الله لغني} عنكم ولا يرضى لعباده الكفر {حميد} مستحق للحمد، وقيل: يجازي على القليل كثيراً {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم} يعني خبر ما فعل بهم خطاب للكفار، وقوله: {وثمود} وهم قوم صالح {والذين من بعدهم} من الأمم {لا يعلمهم إلا الله} يعني أنهم في الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية فقال: كذب النسابون، يعني الذين يدعون علم الأنساب، وقد نفى الله تعالى علمها عن العباد {جاءتهم رسلهم بالبينات} يعني بالأدلة والحجج والأحكام والأمر والنهي {فردوا أيديهم في أفواههم} أي قطعوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: {أية : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}تفسير : ، وقيل: ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه، واشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم {انا كفرنا بما أرسلتم به} أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، وقيل: في أيديهم يرجع إلى الكفار وأفواههم يرجع إلى الرسل فكأنهم لما سمعوا وعظهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم ورداً عليهم وتسكيتاً لهم {وانا لفي شك} في ريب {مما تدعوننا اليه} من الدين أحق هو أم باطل.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنا} كاليد والعصى والطوفان وفلق البحر وقال الحسن بديننا. وقال مجاهد ببياننا وماصدقهما واحد ومرادهما آيات التوراة. {أَنْ أَخْرِجْ} أن تفسيرية لأَن الإِرسال فيه معنى القول دون حروفه، ومن أجاز دخول أن المصدرية على الأَمر والنهى أجاز أن تكون مصدرية بتقدير الجار أى أرسلناه بأَن أخرج، وعلى جوازه الزمخشرى والبيضاوى قائلين إن صيغ الأَفعال سواء فى الدلالة على المصدر، والصحيح عندى المنع لحجج ذكرتها فى كتب النحو وصحيح ابن هشام الجواز لدلائل قد أجبت عنها، نعم سمع سيبويه: كتبت إِليه بأَن قم، وهو محتمل لأَن يكون المراد كتبت إِليه بهذا اللفظ الذى هو قولك أن قم. {قَوْمَكَ} بنى إسرائيل. وكانوا قد دخلهم الكفر ما بين مقلل منه ومكثر إلا من شاء الله. {مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} مثل الذى مر. {وَذَكِّرْهُم} حضهم {بِأَيَّامِ اللهِ} وهذا مكتوب فى المصاحف بباءين محذوف الأَلف هكذا بايام الله ولست معتبراً لمثل هذا ولا لما فيها من حذف الهمزة للنقل على طريق ورش بل أثبتها وذلك قصد للبيان وإنما لم أعتبره لأَنى بصدد التفسير ولو كنت فى كتابة المصحف مجرداً عن التفسير لاعتبرت ذلك ولم أتساهل، وكم محذوف أثبته وأيام الله وقائعه بالأُمم الكافرة السابقة عن قوم موسى مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم إِبراهيم، هذا هو الذى يتبادر لى. يقال أيام العرب أى حروبها وذلك تسمية للحال باسم المحل الذى هو الزمان ثم إِنى رأيت الزمخشرى استظهر ذلك والحمد لله وهو قول مقاتل. ويجوز أن يراد بالأَيام نفس الأَزمان التى كانت فيها الوقائع لأَن التذكير بها تذكير بالوقائع. وقال ابن عباس وأُبى بن كعب ومجاهد وقتادة: أيام الله نعمه، وأثبته الداودى حديثا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وروى عن ابن عباس أنها النعم والنقم وأن النعم تظليل الغمام والمن والسلوى وفلق البحر، وأن نقمة إِهلاك القرون وكذا قال الكلبى. وعن الحسن أنها النعم التى أنعم عليهم بها من نحو المن والسلوى والنقم التى كانوا فيها تحت القبط من الاستعباد وقتل الأَبناء. وقيل المراد النقم التى كانوا فيها تحتهم فقط دون النعم. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} لكل كثير الصبر على البلاء والشكر على النعماء وخص الكثير الصبر والشكر لأَنه المنتفع بالآيات الانتفاع الكامل، فهو إِذا سمع إِنعاما على من قبل أو انتقاما منهم اعتبر وتنبه للصبر والشكر الواجبين عليه وأما قليل الصبر والشكر فقليل الانتفاع وأما من لا يصبر ولا يشكر فلا انتفاع له أصلا وقيل أراد بكل صبار شكور كل مؤمن وعبر بذلك تنبيها على أن المبالغة فى الصبر والشكر واجبة على المؤمن وإِن الصبر والشكر عنوانه.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} إِلى فرعون وقومه {مُوسَى بِآياتِنَا} اليد والعصا ونحوهما من التسع ومنها الطمس، وبلغ الرسالة، وصبر على أَذاهم، فافعل كذلك {أَن أَخْرِجْ قَوْمَكَ} من أَشرك من بنى إسرائيل أَو فسق، أَو المراد تذكير الكل ووعظه بإِثبات المؤمن، أَن قومه هم بنو إسرائِيل والقبط؛ لأَنهم أَيضاً قومه بالإِرسال إِليهم {مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} من الشرك والمعاصى إِلى التوحيد والعمل الصالح، وأَن مفسرة لأَن الإرسال فيه معنى القول دون حروفه، لا مصدرية مقدرة بالباءَ قبلها كما شهر لأَنه لا خارجاً للأَمر يسلط عليه معنى الباء، وقولك أَمرناه بإِخراج قومه إِخبار، وقوله: أَخرج قومك إِنشاءٌ، وليس إِخراجهم خارج أَخرج، ففى قولنا: أَخرجتهم، وأَخرجهم الآن أَو غدا خارج ولا خروج ماضياً ولا حاضرا، ولا مستقبلا فى أَخرج بصيغة الأَمر وإِنما يكون له خارج إِذا أَخرجهم {وَذَكِّرْهُمْ} ذكر يا موسى قومك {بأَيَّام اللهِ} شدائده الشبيهة بالحروب المسماة بالأَيام كيوم ذى قار ويوم الفجار ويوم مضة، وأُضيفت إِلى الله لأَنه موجبها كإِغراق قوم نوح وإِهلاك عاد وثمود ونمرود، وذلك من جملة ما قال لموسى، وقيل عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : أَيام الله نعمهتفسير : ، وقيل: نعمه ونقمة، وعلى كل حال سميت بأَيام لوقوعها فيها، والتفسير الأَول أَنسب بالمقام، لكن قوله: "أية : اذكروا نعمة الله"تفسير : يناسب الثانى، ولذلك جمعها القول الثالث {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآياتٍ} دلائل {لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} من كلام الله أَو مما أُرسل به موسى والإِشارة إِلى التذكير، والصبر على ما يشق، والشكر على ما يلذ، وقيل: الصبار الشكور المؤمن عبر عنه بهما لأَن فيه مضمونهما وهو عنوانه، وللتهييج إلى المبالغة فى الصبر والشكر، وإِذا تفكر فيما جرى لمن مضى تنبه للإِيمان مع المبالغة فيهما فذلك معنى الدلائل، وذكر المؤمن لأَنه المنتفع بالآيات لتفكره فيها دون غيره، وقدم الصبر لأَنه مفتاح الفرج، والفرج يقتضى الشكر ولأَنه من التروك، يقال: صبرت الدابة أَى حبستها.

الالوسي

تفسير : . {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ} شروع في تفصيل ما أجمل في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } تفسير : [إبراهيم: 4] الآية {بِـئَايَـٰتِنَا} أي ملتبساً بها وهي كما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير الآيات التسع التي أجراها الله تعالى على يده عليه السلام، وقيل: يجوز أن يراد بها آيات التوراة {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} بمعنى أي أخرج ـ فأن ـ تفسيرية لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه أو بأن أخرج فهي مصدرية حذف قبلها حرف الجر لأن أرسل يتعدى بالباء، والجار يطرد حذفه قبل أن وأن، واتصال المصدرية بالأمر أمر مر تحقيقه. وزعم بعضهم أن {أن} هنا زائدة ولا يخفى ضعفه، والمراد من قومه عليه السلام كما هو الظاهر بنو إسرائيل ومن إخراجهم إخراجهم بعد مهلك فرعون {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ} من الكفر والجهالات التي كانوا فيها وأدت بهم إلى أن يقولوا: {أية : قَالُواْ يٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138] {إِلَى ٱلنُّورِ} إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وسائر ما أمروا به، وقيل: أخرجهم من ظلمات النقص إلى نور الكمال {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام، والعطف على {أَخْرِجْ} وجوز أن تكون الجملة مستأنفة، والالتفات من التكلم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار ـ على ما قيل ـ بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما يوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلم، وحاصل المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وعن ابن عباس أيضاً والربيع ومقاتل وابن زيد المراد ـ بأيام الله ـ وقائعه سبحانه ونقماته في الأمم الخالية، ومن ذلك أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم الفجار ويوم قضة وغيرها، واستظهره الزمخشري للغلبة العرفية وأن العرب استعملته للوقائع، وأنشد الطبرسي/ لذلك قول عمرو بن كلثوم:شعر : وأيام لنا غرر طوال عصينا الملك فيها إن ندينا تفسير : وأنشده الشهاب للمعنى السابق، وأنشد لهذا قوله:شعر : وأيامنا مشهورة في عدونا تفسير : وأخرج النسائي وعبد الله بن حمد في «زوائد المسند» والبيهقي في "شعب الإيمان". وغيرهم عن أبـي بن كعب عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الأيام في الآية بنعم الله تعالى وآلائه، وروى ذلك ابن المنذر عن ابن عباس ومجاهد، وجعل أبو حيان من ذلك بيت عمرو، والأظهر فيه ما ذكره الطبرسي. وأنت تعلم أنه إن صح الحديث فعليه الفتوى، لكن ذكر شيخ الإسلام في ترجيح التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أولاً على ما روي ثانياً بأنه يرد الثاني ما تصدى له عليه السلام بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى بعد، وهو يبعد صحة الحديث، والقول بأن النقم بالنسبة إلى قوم نعم بالنسبة إلى آخرين كما قيل:شعر : مصائب قوم عند قوم فوائد تفسير : مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل في هذا المقام. نعم إن قوله تعالى: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 6] ظاهر في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمع فيه أقوالاً لا يستدعيه على بعضها. وزعم بعضهم أن المراد من قومه عليه السلام القبط {ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنّورِ} الكفر والإيمان لا غير، وقيل: قومه عليه السلام القبط وبنو إسرائيل وكان عليه السلام مبعوثاً إليهم جميعاً إلا أنه بعث إلى القبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى وأن لا يشركوا به سبحانه شيئاً، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة. وقيل: هم بنو إسرائيل فقط إلا أن المراد من {ٱلظُّلُمَـٰتُ، وَٱلنُّورُ} إن كانوا كلهم مؤمنين ظلمات ذل العبودية ونور عزة الدين وظهور أمر الله تعالى، ونحن نقول: نسأل الله تعالى أن يخرجنا وأهل هذه الأقوال من ظلمات الجهل إلى نور العلم. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في التذكير بأيام الله تعالى أو في الأيام {لآيَاتٍ} عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته، وهي على الأول الأيام، ومعنى كون التذكير ظرفاً لها كونه مناطاً لظهورها، وعلى الثاني كذلك أيضاً إلا أن كلمة {فِى } تجريدية أو هي عليه كل واحدة من النعماء والبلاء، والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموع، وجوز أن يراد بالأيام فيما سبق أنفسها المنطوية على النعم والنقم، فإذا كانت الإشارة إليها وحملت الآيات على النعماء والبلاء فأمر الظرفية ظاهر {لّكُلّ صَبَّارٍ } كثير الصبر على بلائه تعالى {شَكُورٍ } كثير الشكر لنعمائه عز وجل. وقيل: المراد لكل مؤمن، فعلى الأول الوصفان عبارتان لمعنيين، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحي مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان، والتعبير عن المؤمن بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان المؤمن الدال على ما في باطنه. والمراد على ما قيل لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير أمره إلى ذلك لا لمن اتصف به بالفعل لأن الكلام تعليل للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤدي إلى تلك المرتبة، فإن من تذكر ما فاض أو نزل عليه أو على ما قبله من النعمة والنقمة وتنبه لعاقبة الصبر والشكر أو الإيمان لا يكاد يفارق ذلك وتخصيص الآيات بالصبار الشكور لأنه المنتفع بها لا لأنها خافية عن غيره فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح/ الفرج المقتضى للشكر، وقيل: لأنه من قبيل التروك يقال: صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه ـ كما قال الراغب ـ ((تصور النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب الكشر أي الكشف،... وقيل: أصله من عين شكرى أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، وهو على ثلاثة أضرب: شكر القلب... وشكر اللسان وشكر الجوارح، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح وإبراهيم عليهما السلام))، وقد يكون انقسام الشكر على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجهاً للتقديم والتأخير، وقيل: ذلك لتقدم متعلق الصبر ـ أعني البلاء ـ على متعلق الشكر أعني النعماء.

ابن عاشور

تفسير : لما كانت الآيات السابقة مسوقة للرد على من أنكروا أن القرآن منزل من الله أعقب الرد بالتمثيل بالنظير وهو إرسال موسى ــــ عليه السلام ــــ إلى قومه بمثل ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم وبمثل الغاية التي أرسل لها محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج قومه من الظلمات إلى النور. وتأكيد الإخبار عن إرسال موسى ــــ عليه السلام ــــ بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المنكرين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم منزلة من ينكر رسالة موسى ــــ عليه السلام ــــ لأن حالهم في التكذيب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم يقتضي ذلك التنزيل، لأن ما جاز على المِثل يجوز على المماثل، على أن منهم من قال: {ما أنزلَ الله على بشر من شيء}. والباء في {بآياتنا} للمصاحبة، أي إرسالاً مصاحباً للآيات الدالة على صدقه في رسالته، كما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم مصاحباً لآية القرآن الدال على أنه من عند الله، فقد تمّ التنظير وانتهض الدليل على المنكرين. و{أنْ} تفسيرية، فسر الإرسال بجملة «أخْرِج قومك» الخ، والإرسال فيه معنى القول فكان حقيقاً بموقع {أن} التفسيرية. و{الظلمات} مستعار للشرك والمعاصي، و{النور} مستعار للإيمان الحق والتقوى، وذلك أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد في مصر بعد وفاة يوسف ــــ عليه السلام ــــ سَرَى إليهم الشرك واتّبعوا دين القبط، فكانت رسالة موسى ــــ عليه السلام ــــ لإصلاح اعتقادهم مع دعوة فرعون وقومه للإيمان بالله الواحد، وكانت آيلة إلى إخراج بني إسرائيل من الشرك والفساد وإدخالهم في حظيرة الإيمان والصلاح. والتذكير: إزالة نسيان شيء. ويستعمل في تعليم مجهول كانَ شأنُه أن يُعلم. ولما ضمن التذكير معنى الإنذار والوعظ عُدّي بالباء، أي ذكرهم تذكير عظة بأيام الله. و{أيام الله} أيام ظهور بطشه وغلبه من عصوا أمره، وتأييده المؤمنين على عدوّهم، فإن ذلك كله مظهر من مظاهر عزّة الله تعالى. وشاع إطلاق اسم اليوم مضافاً إلى اسم شخص أو قبيلة على يوم انتصر فيه مسمى المضاف إليه على عدوه، يقال: أيام تميم، أي أيام انتصارهم، {فأيّام الله} أيام ظهور قدرته وإهلاكه الكافرين به ونصْره أولياءه والمطيعين له. فالمراد بِــــ {أيام الله} هنا الأيام التي أنجى الله فيها بني إسرائيل من أعدائهم ونصرهم وسخر لهم أسباب الفوز والنصر وأغدق عليهم النعم في زمن موسى ــــ عليه السلام ــــ، فإن ذلك كله مما أمر موسى ــــ عليه السلام ــــ بأن يذكرهمُوه، وكله يصح أن يكون تفسيراً لمضمون الإرسال، لأن إرسال موسى ــــ عليه السلام ــــ ممتدّ زمنه، وكلما أوحى الله إليه بتذكيرٍ في مدة حياته فهو من مضمون الإرسال الذي جاء به فهو مشمول لتفسير الإرسال. فقول موسى ــــ عليه السلام ــــ { أية : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } تفسير : [سورة المائدة: 20، 21] هو من التذكير المفسّر به إرسال موسى عليه السلام. وهو وإن كان واقعاً بعد ابتداء رسالته بأربعين سنة فما هو إلا تذكير صادر في زمن رسالته، وهو من التذكير بأيام نعم الله العظيمة التي أعطاهم، وما كانوا يحصلونها لولا نصر الله إياهم، وعنايتِه بهم ليعلموا أنه رُبّ ضعيفٍ غلب قوياً ونجا بضعفه ما لم ينجُ مثلَه القوي في قوته. واسم الإشارة في قوله: {إن في ذلك لآيات} عائد إلى ما ذكر من الإخراج والتذكير، فالإخراج من الظلمات بعد توغلهم فيها وانقضاء الأزمنة الطويلة عليها آية من آيات قدرة الله تعالى. والتذكير بأيام الله يشتمل على آيات قدرة الله وعزته وتأييد مَن أطاعه، وكل ذلك آيات كائنة في الإخراج والتذكير على اختلاف أحواله. وقد أحاط بمعنى هذا الشمول حرف الظرفية من قوله: {في ذلك} لأن الظرفية تجمع أشياء مختلفة يحتويها الظرف، ولذلك كان لحرف الظرفية هنا موقع بليغ. ولكون الآيات مختلفة، بعضها آيات موعظة وزجر وبعضها آيات منة وترغيب، جُعلت متعلقة بــــ {كل صبار شكور} إذ الصبر مناسب للزجر لأن التخويف يبعث النفس على تحمل معاكسة هواها خيفة الوقوع في سوء العاقبة، والإنعام يبعث النفس على الشكر، فكان ذكر الصفتين توزيعاً لما أجمله ذكر أيام الله من أيام بؤس وأيام نعيم.

القطان

تفسير : أيام الله: وقائعه في الأمم السابقة. يسومونكم: يذيقونكم أشد العذاب. ويستحيون: يبقون نساءكم أحياء للخدمة والاسترقاق. تأذَّن: أعلم. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. يذكُر الله تعالى هنا بعضَ قَصصَ الأنبياء، وما لا قوه من أقوامهم من الأذى والتمرّد والعناد تسليةً للرسول الكريم والمؤمنين، وأنّ المقصودَ من إرسالِ الرسُل هو هدايةُ الناس وإخراجهم من الظُلمات والضلال إلى النور والإيمان. ولقد أرسلْنا موسى مؤيَّداً بمعجزاتنا، وقلنا له: يا موسى، أخرج قومك من ظلمات الكفر والجهل الى نور العلم والايمان، وذكّرهم بوقائع الله في الأمم السابقة، ان في ذلك التنبيه والتذكير دلائلَ عظيمةً على وحدانية الله، تدعو كلَّ من تحلَّى بالصبر والشكر الى الايمان. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ}. واذكر أيها النبي لقومك لعلّهم يعتبرون: اذكر ما قاله موسى لقومه يذكّرهم بنعمة الله عليهم يوم أنجاهم من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون. فقد كان هؤلاء يذبحون الذكور من أولادهم حتى لايتكاثروا، ويُبقون الإناث أحياء للخدمة والاسترقاق.. وفي ذلك كله ابتلاء واختبار شديد. ويمضي موسى يبين لقومه ما رتّبه الله جزاءً على الشكر والكفران: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. واذكروا يا بني إسرائيلَ حين أَعلمَكم ربُّكم أن الشكر على ما أنعمَ يجلبُ زيادةَ الخير، وأن جحود النعمةِ يوجبُ العذابَ الشديد. {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}. ان الله تعالى غنيُّ بذاتِه محمودٌ بذاته لا بحمدِ الناس وشكرهم، واذا كفر جميعُ أهل الأرض فلن يضروا الله شيئا، انه غني حميد.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَآ} {ٱلظُّلُمَاتِ} {بِأَيَّامِ} {لآيَاتٍ} (5) - وَكَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ، كَذَلِكَ أَرْسَلْنَا مُوسَى إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَيَّدْنَاهُ بِآيَاتِنَا (وَهِيَ تِسْعُ آيَاتٍ) وَأَمَرْنَاهُ قَائِلِينَ: ادْعُ قَوْمَكَ إِلَى الإِيمَانِ، لِيَخْرُجُوا مِنْ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ الذِي كَانُوا فِيهِ إِلَى نُورِ الهُدَى، وَبَصِيرَةِ الإِيمَانِ، وَعِظْهُمْ مُذَكِّراً إِيَّاهُمْ بِأَفْضَالِ اللهِ عَلَيْهِمْ (ذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ)، فِي إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ أَسْرِ فِرْعَوْنَ وَقَهْرِهِ وَبَطْشِهِ، وَفِي إِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ عَدُوِّهُمْ، وَفَلْقِهِ البَحْرَ لَهُمْ، وَتَظْلِيلِهِ الغَمَامَ عَلَيْهِمْ فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ، وَإٍنْزَالِهِ عَلَيْهِم المَنَّ وَالسَّلْوَى .. وَفِي جَمِيعِ مَا صَنَعْنَاهُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَعِبْرَةٌ وَمَوْعِظَةٌ لِكُلِّ صَبَّارٍ عَلَى الضَّرَّاءِ، شَكُورٍ فِي السَّرَّاءِ. بِأَيَّامِ اللهِ - بِنَعْمَائِهِ أَوْ وَقَائِعِهِ فِي الأُمَمِ الخَالِيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والآيات التي أرسلها الله مع - موسى عليه السلام - والمعجزات التي حدثت معه وبيَّنها وأظهرها لقومه كثيرة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم نزل ومعه معجزة واحدة وهي القرآن، أما بقية المعجزات الحسية التي حدثتْ مع رسول الله؛ فهي قد جاءت لتثبيت فؤاد المؤمنين برسالته، ولم يَبْقَ لها أثر من بعد ذلك إلا الذكرى النافعة التي يأتنس بها الصالحون من عباد الله. وكثرة المعجزات التي جاءت مع موسى - عليه السلام - تبين أن القوم الذين أُرسِل لهم قوم لَجج وجدل، وحين عَدَّد العلماء المعجزات التي جاءت مع موسى وجدها بعضٌ من العلماء تسع آيات؛ ووجدها غيرهم ثلاث عشرة معجزة؛ ووجدها بعضٌ ثالث أربع عشرة. وفي التحقيق لمعرفة تلك الآيات علينا أن نُفرِّق بين الآيات التي صدرت بالنسبة لفرعون؛ والآيات التي جاءتْ لبني إسرائيل. فالعصا التي انقلبت حيَّة تسعى، واليد التي تُضيء هي لفرعون، وعدَّد القرآن الآيات التي جاءت مع موسى لفرعون بتسع آيات، يقول الحق سبحانه: {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ..} تفسير : [النمل: 12]. ولم يكن موسى يطلب من فرعون أن يؤمن؛ فهو لم يُرْسَل لهدايته؛ ولكنه جاء لِيُفحمه وليأخذ بني إسرائيل المُرْسَلُ إليهم، والآيات هي: العصا وَوَضْع اليد في الجيب لتخرج بيضاء، ونَقْص الأنفس والثمرات؛ والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم، هذه هي الآيات التسع الخاصة بفرعون. أما بقية الآيات التي جاء بها موسى - عليه السلام - لبني إسرائيل فهي كثيرة مثل: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ..} تفسير : [الأعراف: 171]. وأيضاً: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ ..} تفسير : [البقرة: 57]. وكذلك قوله الحق: {أية : وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 57]. ولذلك أجمل الحق سبحانه الآيات التي جاءت مع موسى لقومه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ ..} [إبراهيم: 5]. أي: أَعِدْ إلى بُؤْرة شعورهم ما كان في الحاشية؛ وأنْ يستدعوا من الذاكرة أيام الله، والمراد ما حدث في تلك الأيام، مثلما نقول نحن "يوم بدر" أو "يوم ذي قار" أو "السادس من أكتوبر" أو "العاشر من رمضان". وهنا في القول الكريم إما أن يكون التذكير بتلك الأيام الخاصة بالوقائع التي حدثتْ للأقوام السابقين عليهم كقوم نوح وعاد وثمود، ذلك أن الحق سبحانه قد أعلمهم بقصص الأقوام السابقة عليهم؛ وما حدث من كل قوم تجاه الرسول المُرْسل إليه من الله. أو أن يكون التذكير بالأيام التي أنعم الله فيها على بني إسرائيل بنعمه، أو ابتلاهم فيها بما يُؤلِمهم؛ ذلك أن الحق سبحانه قال: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]. والصبَّار هو مَنْ يُكثِر الصبر على الأحداث؛ وهي كلمة تُوحِيِ بأن هناك أحداثاً مؤلمة وقَعتْ، وتحتاج إلى الصبر عليها، كما تُوحِي كلمة "شكور" بحوادث منعمة تستحق الشكر. وهكذا نجد أن المؤمن يحتاج إلى أمرين؛ صَبْر على ما يُؤلِم، وشُكْر على ما يُرضي، وحين تجتمع هاتان الصفتان في مؤمن؛ يكون مُكتمِلَ الإيمان. وقد قال الحق سبحانه: إن تلك الآيات هي أدلة تُوضِّح الطريق أمام المؤمن، وتُعطي له العِبْرة، لأنه حين يعلم تاريخ الأقوام السابقة؛ ويجد أنَ مَنْ آمنَ منهم قد عانى من بعض الأحداث المؤلمة؛ لكنه نال رضا الله ونعمه؛ ومَنْ كفر منهم قد تمتع قليلاً، ثم تلَّقى نقمة الله وغضبه. هنا يُقبِل المؤمن على تحمُّل مَشَاقِّ الإيمان؛ لأنه يثق في أن الحق سبحانه لا يُضِيع أجْر مؤمنٍ؛ ولا بُدَّ لموكب الإيمان أنْ ينتصر؛ ولذلك فالمؤمن يصبر على المحن، ويشكر على النِّعَم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} [الآية: 5] يعني: بالبينات. قال ورقاءُ وقال ابن جريج: الآيات التسع هي البينات. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} [الآية: 5] قال: بنعم الله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} [الآية: 9]. يقول: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أَبو جعفر قالَ: حدَّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولِه تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} معناهُ بِنِعَمِ الله.

الجيلاني

تفسير : ثم ذكر سبحانه قصة إرسال موسى إلى قومه حيث فشا الجدال والمراء بينهم وانحرفوا عن طريق الحق؛ ليتعط به المؤمنون ويعتبروا، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} من مقام فضلنا وجودنا {مُوسَىٰ} المؤيد {بِآيَاتِنَآ} الباهرة مثل: العصا واليد البيضاء وسائر المعجزات الظاهرة على يده، وقلنا له {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} الضالين عن سواء السبيل بمتابعة الأهوية الفاسدة {مِنَ} أنواع {ٱلظُّلُمَاتِ} الطارئة عليهم من الكفر والفسوق والعصيان والتقليدات والتخمينات الناشئة من الأوهام والخيالات، المنبعثة عن الكثرة المستدعية للأنانية التي هي الظلمة الحقيقية {إِلَى ٱلنُّورِ} الحقيقي الذي هو صرافة التوحيد والوحدة الذاتية المسقطة لجميع الإضافات والكثرات {وَذَكِّرْهُمْ} أيضاً {بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} التي مضت على الأمم الهالكة من أمثال هذه الأفعال المورثة لأنواع الظلمات؛ لعلهم يعتبروا عن سماعها وينصرفوا عما هم عليه من القبائح والذمائم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي: في ذكر تلك الوقائع الهائلة والبليات العظيمة {لآيَاتٍ} أي: دلائل واحضات وعبر {لِّكُلِّ} مؤمن معتبر من أمثاله خائف من بطش الله {صَبَّارٍ} على ما جرى عليه من قضائه {شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] مبالغ في الشكر على ما وصل إليه من آلائه ونعمائه. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} حين أراد تعديد نعم الله عليهم وإحسانه إليهم؛ ليستحيوا عن مخالفة أمره وترك طاعته وعبادته {ٱذْكُرُواْ} أيها المغمورون بنعم الله {نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وقوموا لشكرها؛ أداء لحق شيء منها سيما {إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} حين {يَسُومُونَكُمْ} ويقصدون لكم {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي: أفضحة وأقبحة {وَ} هو أنه {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} قمعاً وقلعاً لعرقكم {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} توبيخاً وتقريعاً عليكم {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ} نازل {مِّن رَّبَّكُمْ} إذ هو بإقدار الله إياهم {عَظِيمٌ} [إبراهيم: 6] لا بلاء أعظم منه. والإنجاء عن أمثال هذا البلاء من أعظم النعماء، فعليكم أن تواظبوا لشكره {وَ} اذكروا أيضاً {إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} أي: أعلمكم إعلاماً بليغاً، وأوصاكم وصية عظيمة تتميماً لتربيتكم {لَئِن شَكَرْتُمْ} على ما أُعطيتم من النعم العظام وقمتم لأداء حقها {لأَزِيدَنَّكُمْ} وأضاعفنكم بأمثالها وأضعافها {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} في مقابلة الإحسان والعطاء، فلا يلحق على أثر كفرانكم، بل {إِنَّ عَذَابِي} ونكالي على من صرف عن أمري وخرج عن إطاعتي وانقيادي {لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] مبرم محكم لا يندفع أصلاً، فعليكم أن تلازموا الشكر وتجانبوا عن الكفران.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى: أنه أرسل موسى بآياته العظيمة الدالة على صدق ما جاء به وصحته، وأمره بما أمر الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بل وبما أمر به جميع الرسل قومهم { أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: ظلمات الجهل والكفر وفروعه، إلى نور العلم والإيمان وتوابعه. { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } أي: بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، وبأيامه في الأمم المكذبين، ووقائعه بالكافرين، ليشكروا نعمه وليحذروا عقابه، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: في أيام الله على العباد { لآيات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي: صبار في الضراء والعسر والضيق، شكور على السراء والنعمة. فإنه يستدل بأيامه على كمال قدرته وعميم إحسانه، وتمام عدله وحكمته، ولهذا امتثل موسى عليه السلام أمر ربه، فذكرهم نعم الله فقال: { اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } أي: بقلوبكم وألسنتكم. { إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ } أي: يولونكم { سُوءَ الْعَذَابِ } أي: أشده وفسر ذلك بقوله: { وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } أي: يبقونهن فلا يقتلونهن، { وَفِي ذَلِكُمْ } الإنجاء { بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } أي: نعمة عظيمة، أو وفي ذلكم العذاب الذي ابتليتم به من فرعون وملئه ابتلاء من الله عظيم لكم، لينظر هل تصبرون أم لا؟ وقال لهم حاثا على شكر نعم الله: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } أي: أعلم ووعد، { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } من نعمي { وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } ومن ذلك أن يزيل عنهم النعمة التي أنعم بها عليهم. والشكر: هو اعتراف القلب بنعم الله والثناء على الله بها وصرفها في مرضاة الله تعالى. وكفر النعمة ضد ذلك. { وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا } فلن تضروا الله شيئا، { فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ } فالطاعات لا تزيد في ملكه والمعاصي لا تنقصه، وهو كامل الغنى حميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ليس له من الصفات إلا كل صفة حمد وكمال، ولا من الأسماء إلا كل اسم حسن، ولا من الأفعال إلا كل فعل جميل.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [5] 280- أنا محمد بن مُسلم، قال: حدثني إسماعيل بن عُبيد ابن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أٌنيسة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن أُبَي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قام موسى يوما في قومه فذكرهم بأيَّام الله، وأيَّام الله نَعْمَاؤه ".

همام الصنعاني

تفسير : 1397- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}: [الآية: 5]، قال: بِنِعَمِ الله. 1398- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، عن الثَّوْريّ، عَنْ عُبَيْد، عن مجاهِد في قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}: [الآية: 5]، قال: بِنِعَمِ الله.