Verse. 1756 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَاِذْ قَالَ مُوْسٰى لِقَوْمِہِ اذْكُرُوْا نِعْمَۃَ اللہِ عَلَيْكُمْ اِذْ اَنْجٰىكُمْ مِّنْ اٰلِ فِرْعَوْنَ يَسُوْمُوْنَكُمْ سُوْۗءَ الْعَذَابِ وَ يُذَبِّحُوْنَ اَبْنَاۗءَكُمْ وَيَسْتَحْيُوْنَ نِسَاۗءَكُمْ۝۰ۭ وَفِيْ ذٰلِكُمْ بَلَاۗءٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ عَظِيْمٌ۝۶ۧ
Waith qala moosa liqawmihi othkuroo niAAmata Allahi AAalaykum ith anjakum min ali firAAawna yasoomoonakum sooa alAAathabi wayuthabbihoona abnaakum wayastahyoona nisaakum wafee thalikum balaon min rabbikum AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أذكر «إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبِّحون أبناءكم» المولودين «ويستحيون» يستبقون «نساءكم» لقول بعض الكهنة إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون «وفي ذلكم» الإنجاء أو العذاب «بلاء» إنعام أو ابتلاء «من ربكم عظيم».

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ } تقدم في «البقرة» مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} قيل: هو من قول موسى لقومه. وقيل: هو من قول الله؛ أي وٱذكر يا محمد إذ قال ربك كذا. و«تَأَذَّنَ» وأذّن بمعنى أَعْلَم؛ مثل أَوْعَد وتَوَعَّد؛ روي معنى ذلك عن الحسن وغيره. ومنه الأذان، لأنه إعلام؛ قال الشاعر:شعر : فَلَمْ نَشْعُرْ بضوءِ الصّبحِ حتّى سمِعنا في مجَالِسِنا الأَذِينَا تفسير : وكان ابن مسعود يقرأ «وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ» والمعنى واحد. {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} أي لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي. الحسن: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي. ٱبن عباس: لئن وَحَّدْتُم وأطعتم لأزيدنّكم من الثواب، والمعنى متقارب في هذه الأقوال؛ والآية نصٌّ في أن الشكر سبب المزيد؛ وقد تقدم في «البقرة» ما للعلماء في معنى الشكر. وسئل بعض الصلحاء عن الشكر لله فقال: ألاّ تتقَوّى بنعمه على معاصيه. وحكي عن داود عليه السلام أنه قال: أي رب كيف أشكرك، وشكري لك نعمة مجدّدة منك عليّ. قال: يا داود الآن شكرتني. قلت: فحقيقة الشكر على هذا الاعترافُ بالنعمة للمنعم، وألاّ يصرفها في غير طاعته؛ وأنشد الهادي وهو يأكل:شعر : أَنَالَكَ رِزقَه لتقومَ فيهِ بطاعتهِ وتشكرَ بعض حقِّه فلم تشْكُر لِنعمتِهِ ولكِنْ قَوِيتَ على معاصِيهِ برزقه تفسير : فغُصَّ باللقمة، وخنقته العَبْرة. وقال جعفر الصادق: إذا سمعت النعمة نعمة الشكر فتأهب للمزيد. {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أي جحدتم حقِّي. وقيل: نِعَمِي؛ وَعَد بالعذاب على الكفر، كما وَعَد بالزيادة على الشكر، وحذفت الفاء التي في جواب الشرط من «إن» للشهرة.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } أي اذكروا نعمته عليكم وقت إنجائه إياكم، ويجوز أن ينتصب بـ {عَلَيْكُمْ} إن جعلت مستقرة غير صلة للنعمة، وذلك إذا أريد به العطية دون الأنعام، ويجوز أن يكون بدلاً من {نِعْمَةَ اللهِ} بدل الاشتمال. {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أحوال من آل فرعون، أو من ضمير المخاطبين والمراد بالعذاب ها هنا غير المراد به في سورة «البقرة» و «الأعراف» لأنه مفسر بالتذبيح والقتل ثمة ومعطوف عليه التذبيح ها هنا، وهو إما جنس العذاب أو استعبادهم أو استعمالهم بالأعمال الشاقة. {وَفِى ذٰلِكُمْ } من حيث إنه بإقدار الله إياهم وإمهالهم فيه. {بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} ابتلاء منه، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الانجاء والمراد بالبلاء النعمة. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } أيضاً من كلام موسى صلى الله عليه وسلم، و {تَأَذَّنَ } بمعنى آذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة. {لَئِنْ شَكَرْتُمْ } يا بني إسرائيل ما أنعمت عليكم من الانجاء وغيره بالإِيمان والعمل الصالح. {لأَزِيدَنَّكُمْ } نعمة إلى نعمة. {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} ما أنعمت عليكم. {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيد} فلعلي أعذبكم على الكفران عذاباً شديداً ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، والجملة مقول قول مقدر أو مفعول {تَأَذَّنَ} على أنه جار مجرى «قَالَ» لأنه ضرب منه. {وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا} من الثقلين. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ } عن شكركم. {حَمِيدٌ } مستحق للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمته ذرات المخلوقات، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام وعرضتموها للعذاب الشديد. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } من كلام موسى عليه الصلاة والسلام أو كلام مبتدأ من الله. {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } جملة وقعت اعتراضاً، أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ولا يعلمهم اعتراض، والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا الله، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كذب النسابون. {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } فعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى: {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ }تفسير : [آل عمران: 119] أو وضعوها عليها تعجباً منه أو استهزاء عليه كمن غلبه الضحك، أو إسكاتاً للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمراً لهم باطباق الأفواه، أو أشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا} تنبيهاً على أن لا جواب لهم سواه أو ردوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلاً. وقيل الأيدي بمعنى الأيادي أي ردوا أيادي الأنبياء التي هي مواعظهم وما أوحى إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم، لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه. {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } على زعمكم. {وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ} من الإِيمان وقرىء «تدعونا» بالادغام. {مُرِيبٍ } موقع في الريبة أو ذي ريبة وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الشي. {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه لا في الشك. أي إنما ندعوكم إلى الله وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة وظهور دلالتها عليه. وأشاروا إلى ذلك بقولهم: {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وهو صفة أو بدل، و {شَكٌّ } مرتفع بالظرف. {يَدْعُوكُمْ} إلى الإِيمان ببعثه إيانا. {لِيَغْفِرَ لَكُمْ} أو يدعوكم إلى المغفرة كقولك: دعوته لينصرني، على إقامة المفعول له مقام المفعول به. {مِّن ذُنُوبِكُمْ} بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبينه تعالى، فإن الإسلام يجبه دون المظالم، وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين، ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإِيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فتتناول الخروج عن المظالم. {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى وقت سماه الله تعالى وجعله آخر أعماركم. {قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلاً لبعث من جنس أفضل. {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا} بهذه الدعوى. {فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } يدل على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزية، أو على صحة ادعائكم النبوة كأنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات والحجج واقترحوا عليهم آية أخرى تعنتاً ولجاجاً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن موسى، حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، إذ أنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال، حيث كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم، ويتركون إناثهم، فأنقذهم الله من ذلك، وهذه نعمة عظيمة، ولهذا قال: {وَفِى ذَٰلِكُمْ بَلاَۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها، وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل {بَلاَۤءٌ} أي: اختبار عظيم، ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا، والله أعلم؛ كقوله تعالى: {أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأعراف: 168]. وقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم، ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم، وآلى بعزته وجلاله وكبريائه؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} تفسير : [الأعراف: 167]. وقوله: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم، لأزيدنكم منها، {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ}، وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها، وقد جاء في الحديث: «حديث : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه»تفسير : . وفي المسند: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به سائل، فأعطاه تمرة، فسخطها ولم يقبلها، ثم مر به آخر فأعطاه إياها، فقبلها، وقال تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بأربعين درهماً، أو كما قال. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا عمارة الصيدلاني عن ثابت عن أنس، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل، فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للجارية: «حديث : اذهبي إلى أم سلمة، فأعطيه الأربعين درهماً التي عندها» تفسير : تفرد به الإمام أحمد، وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه، وعن أحمد أيضاً أنه قال: روى أحاديث منكرة. وقال أبو داود: ليس بذاك، وضعفه الدارقطني. وقال ابن عدي: لا بأس به، ممن يكتب حديثه. وقوله تعالى: { وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ} أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود، وإن كفره من كفره؛ كقوله: {أية : إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ} تفسير : [الزمر: 7] الآية. وقوله: {أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6]. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «حديث : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» تفسير : فسبحانه وتعالى الغني الحميد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } المولودين {وَيَسْتَحْيُونَ } يستبقون {نِسَاءَكُمْ } لقول بعض الكهنة إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون {وَفِى ذٰلِكُمْ } الإنجاء أو العذاب {بَلاءٌ } إنعام أو ابتلاء {مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ } الظرف متعلق بمحذوف هو أذكر، أي: اذكر وقت قول موسى، و {إِذْ أَنجَاكُمْ } متعلق بـ {اذكروا} أي: اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائه لكم من آل فرعون، أو بالنعمة، أو بمتعلق عليكم، أي: مستقرة عليكم وقت إنجائه، وهو بدل اشتمال من النعمة مراداً بها الإنعام أو العطية {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } أي: يبغونكم، يقال سامه ظلماً أي: أولاه ظلماً، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء، وسوء العذاب: مصدر ساء يسوء، والمراد حبس العذاب السيء. وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة، وعطف {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } على {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب؛ إخراجاً له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدّة، ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيراً لسوء العذاب {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } أي: يتركونهنّ في الحياة لإهانتهنّ وإذلالهنّ {وَفِى ذٰلِكُمْ } المذكور من أفعالهم {بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } أي: ابتلاء لكم، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة البقرة مستوفى. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } {تأذن} بمعنى أذن، قاله الفراء، قال في الكشاف: ولا بدّ في تفعل من زيادة معنى ليست في أفعل، كأنه قيل: وإذ أذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنه الشكوك وتنزاح الشبه. والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال: {لَئِن شَكَرْتُمْ } أو أجرى {تأذن} مجرى قال، لأنه ضرب من القول. انتهى. وهذا من قول موسى لقومه، وهو معطوف على نعمة الله أي: اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا حين تأذن ربكم. وقيل: هو معطوف على قوله: إذ أنجاكم، أي: اذكروا نعمة الله تعالى في هذين الوقتين، فإن هذا التأذن أيضاً نعمة. وقيل: هو من قول الله سبحانه، أي: واذكر يا محمد إذ تأذن ربكم، وقرأ ابن مسعود "وإذ قال ربكم" والمعنى واحد كما تقدم، واللام في لئن شكرتم هي الموطئة للقسم. وقوله: {لأَزِيدَنَّكُمْ } سادّ مسدّ جوابي الشرط والقسم، وكذا اللام في {وَلَئِن كَفَرْتُمْ } وقوله: {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ } سادّ مسدّ الجوابين أيضاً، والمعنى: لأن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر لأزيدنكم نعمة إلى نعمة تفضلاً مني. وقيل: لأزيدنكم من طاعتي. وقيل: لأزيدنكم من الثواب. والأوّل أظهر، فالشكر سبب المزيد، ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه {إن عذابي لشديد}، فلا بدّ أن يصيبكم منه ما يصيب. وقيل: إن الجواب محذوف، أي: ولئن كفرتم لأعذبنكم، والمذكور تعليل للجواب المحذوف. {وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا } أي: إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها {فَإِنَّ ٱللَّهَ } سبحانه {لَغَنِىٌّ } عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص {حَمِيدٌ } أي: مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه، وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } يحتمل أن يكون هذا خطاباً من موسى لقومه، فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطاباً لقوم موسى، وتذكيراً لهم بالقرون الأولى وأخبارهم، ومجيء رسل الله إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله سبحانه لقوم محمد صلى الله عليه وسلم تحذيراً لهم عن مخالفته، والنبأ: الخبر، والجمع الأنباء، ومنه قول الشاعر:شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد تفسير : و {قَوْمُ نُوحٍ } بدل من الموصول، أو عطف بيان {وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } أي: من بعد هؤلاء المذكورين {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } أي: لا يحصي عددهم ويحيط بهم علماً إلاّ الله سبحانه، والموصول مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلاّ الله، والجملة معترضة، أو يكون الموصول معطوفاً على ما قبله، ولا يعلمهم إلاّ الله اعتراض، وعدم العلم من غير الله إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم، أي: هذه الأمور لا يعلمها إلاّ الله، ولا يعلمها غيره، أو يكون راجعاً إلى ذواتهم، أي: لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلاّ الله سبحانه. وجملة {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } مستأنفة لبيان النبأ المذكور في {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } أي: جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرة وبالشرائع الواضحة {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } أي جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى: {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } تفسير : [آل عمران: 119]، لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم. وقيل: إن المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات، أي: اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيباً لهم وردّا لقولهم. وقيل: المعنى أنهم أشاروا إلى أنفسهم وما يصدر عنها من المقالة، وهي قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أي: لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتا هذه. وقيل: وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاءا وتعجباً. كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه. وقيل: المعنى ردّوا على الرسل قولهم، وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأوّل للرسل والثاني للكفار. وقيل: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردّاً لقولهم، فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل. وقيل: معناه أومئوا إلى الرسل أن اسكتوا. وقيل: أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. وقيل: إن الأيدي هنا النعم، أي: ردّوا نعم الرسل بأفواههم، أي: بالنطق والتكذيب، والمراد بالنعم هنا ما جاءهم به من الشرائع، وقال أبو عبيدة: ونعم ما قال: هو ضرب مثل، أي: لم يؤمنوا ولم يجيبوا. والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد ردّ يده في فيه. وهكذا قال الأخفش، واعترض ذلك القتيبي فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول ردّ يده في فيه: إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً، كقول الشاعر:شعر : يردّن في فيه غيظ الحسود حتى يعض عليّ الأكفا تفسير : وهذا هو القول الذي قدّمناه على جميع هذه الأقوال، ومنه قول الشاعر:شعر : لو أن سلمى أبصرت تخددي عضت من الوجد بأطراف اليد تفسير : وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره أبو عبيدة والأخفش، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أي قال الكفار للرسل: إنا كفرنا بما أرسلتم به من البينات على زعمكم {وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } أي: في شك عظيم مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه {مُرِيبٍ } أي: موجب للريب. يقال: أربته إذا فعلت أمراً أوجب ريبة وشكاً. والريب قلق النفس وعدم سكونها. وقد قيل: كيف صرحوا بالكفر ثم أمرهم على الشك؟ وأجيب بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوّتكم. ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم، وجملة {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قالت لهم الرسل؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ أي: أفي وحدانيته سبحانه شك؟ وهي في غاية الوضوح والجلاء. ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته، فقالوا: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما بعد العدم {يَدْعُوكُمْ } إلى الإيمان به وتوحيده {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } قال أبو عبيدة: "من" زائدة، ووجه ذلك قوله في موضع آخر {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53]. وقال سيبويه: هي للتبعيض، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع؛ وقيل: التبعيض على حقيقته، ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غفران جميعها لغيرهم. وبهذه الآية احتج من جوّز زيادة "من" في الإثبات. وقيل: "من" للبدل وليست بزائدة ولا تبعيضية، أي: لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي: إلى وقت مسمى عنده سبحانه، وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا {قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } أي: ما أنتم إلاّ بشر مثلنا في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، ولستم ملائكة {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا } وصفوهم بالبشر أوّلاً، ثم بإرادة الصدّ لهم عما كان يعبد آباؤهم ثانياً أي: تريدون أن تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها {فَأْتُونَا } إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند الله {بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما تدّعونه، وقد جاؤهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة، ولكن هذا النوع من تعنتاتهم، ولون من تلوناتهم. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } أي: ما نحن في الصورة والهيئة إلاّ بشر مثلكم كما قلتم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي: يتفضل على من يشاء منهم بالنبوّة. وقيل: بالتوفيق والهداية {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ } أي: ما صح ولا استقام لنا أن نأتيكم بحجة من الحجج {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي: إلاّ بمشيئته وليس ذلك في قدرتنا. قيل: المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل أعم من ذلك، فإن ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي: عليه وحده، وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون من عداه، وكأنّ الرسل فصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصداً أوّلياً، ولهذا قالوا: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ } أي: وأيّ عذر لنا في ألاّ نتوكل عليه سبحانه؟ {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } أي: والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته، وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا } بما يقع منكم من التكذيب لنا والاقتراحات الباطلة {وَعَلَى ٱللَّهِ } وحده دون من عداه {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } قيل: المراد بالتوكل الأوّل استحداثه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته. وقيل: معنى الأوّل إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني: أبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } قال: أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من فضله وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم. وأخرج ابن جرير عن الحسن {لأزِيدَنَّكُمْ } قال: من طاعتي. وأخرج ابن المبارك، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن صالح مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في الآية قال: لا تذهب أنفسكم إلى الدينا فإنها أهون عند الله من ذلك، ولكن يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. وأخرج أحمد، والبيهقي عن أنس قال: «حديث : أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها، وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقبلها وقال: تمرة من رسول الله، فقال للجارية: اذهبي إلى أمّ سلمة فأعطيه الأربعين درهماً التي عندها»تفسير : ، وفي إسناد أحمد عمارة بن زاذان، وثقه أحمد ويعقوب بن سفيان وابن حبان. وقال ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين، وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه، وقال أحمد: روي عنه أحاديث منكرة، وقال أبو داود: ليس بذاك. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به. وأخرج البخاري في تاريخه، والضياء المقدسي في المختارة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ألهم خمسة لم يحرم خمسة، وفيها: ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأغرّ أن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربع من أعطيهنّ لم يمنع من الله أربعاً، وفيها: ومن أعطي الشكر لم يمنع الزيادة؟» تفسير : ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة، بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء للشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في زرقه، ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته، ومن شكره على ما أنعم عليه به من الصحة زاده الله صحة ونحو ذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } ويقول: كذب النسابون. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عمرو بن ميمون مثله. وأخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال: قال رجل لعليّ بن أبي طالب: أنا أنسب الناس، قال: إنك لا تنسب الناس، فقال بلى: فقال له عليّ: أرأيت قوله: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 38] قال: أنا أنسب ذلك الكثير، قال: أرأيت قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } فسكت. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معدّ بن عدنان. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عن ابن عباس قال: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } قال: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } يقولون: لا نصدّقكم فيما جئتم به فإن عندنا فيه شكاً قوياً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود: {فرّدوا أيديهم في أفواههم} قال: عضوا عليها. وفي لفظ: على أناملهم غيظاً على رسلهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{... وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نعمة من ربكم، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: شدة البلية، ذكره ابن عيسى. الثالث: اختبار وامتحان، قاله ابن كامل. قوله عز وجل:{وإذ تأذن ربُّكم}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه وإذ سمع ربكم، قاله الضحاك. الثاني: وإذا قال ربكم، قاله أبو مالك. الثالث: معناه وإذ أعلمكم ربكم، ومنه الأذان لأنه إعلام، قال الشاعر: شعر : فلم نشعر بضوء الصبح حتى سَمِعْنا في مجالِسنا الأذينا تفسير : {لئن شكرتم لأزيدنكم}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي، قاله الربيع. الثاني: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي، قاله الحسن وأبو صالح. الثالث: لئن وحّدتم وأطعتم لأزيدنكم، قاله ابن عباس. ويحتمل تأويلاً رابعاً: لئن آمنتم لأزيدنكم من نعيم الآخرة إلى نعيم الدنيا. وسُئِل بعض الصلحاء على شكر الله تعالى، فقال: أن لا تتقوى بنِعَمِهِ على معاصيه. وحكي أنَّ داود عليه السلام قال: أي ربِّ كيف أشكرك وشكري لك نعمة مجددة منك عليّ؟ قال: "يا داود الآن شكرتني". {ولئن كفرتم إن عذابي لشديدٌ}وعد الله تعالى بالزيادة على الشكر، وبالعذاب على الكفر.

ابن عطية

تفسير : هذا من التذكير بأيام الله في النعم، وكان يوم الإنجاء عظيماً لعظم الكائن فيه، وقد تقدم تفسير هذه الآية وقصصها بما يغني عن إعادته، غير أن في هذه الآية زيادة الواو في قوله: {ويذبحون} وفي البقرة: {أية : يذبحون} تفسير : [البقرة: 49] - بغير واو عطف. فهناك فسر سوء العذاب بأنه التذبيح والاستحياء، وهنا دل بسوء العذاب على أنواع غير التذبيح والاستحياء، وعطف التذبيح والاستحياء عليها. وقرأ ابن محيصن: "ويَذبَحون" بفتح الياء والباء مخففة. و {بلاء} في هذه الآية يحتمل أن يريد به المحنة، ويحتمل أن يريد به الاختبار، والمعنى متقارب. و {تأذن} بمعنى آذن. أي أعلم، وهو مثل: أكرم وتكرم، وأوعد وتوعد، وهذا الإعلام منه مقترن بإنفاذ وقضاء قد سبقه، وما في تفعل هذه من المحاولة والشروع إذا أسندت إلى البشر منفي في جهة الله تعالى، وأما قول العرب: تعلم بمعنى أعلم، فمرفوض. الماضي على ما ذكر يعقوب. كقول الشاعر: شعر : تعلم أبيت اللعن... تفسير : ونحوه. وقال بعض العلماء: الزيادة على الشكر ليست في الدنيا وإنما هي من نعم الآخرة، والدنيا أهون من ذلك. قال القاضي أبو محمد: وصحيح جائز أن يكون ذلك، وأن يزيد الله أيضاً المؤمن على شكره من نعم الدنيا وأن يزيده أيضاً منهما جميعاً، وفي هذه الآية ترجية وتخويف، ومما يقضي بأن الشكر متضمن الإيمان أنه عادله بالكفر، وقد يحتمل أن يكون الكفر كفر النعم لا كفر الجحد، وحكى الطبري عن سفيان وعن الحسن أنهما قالا: معنى الآية: {لئن شكرتم لأزيدنكم} من طاعتي وضعفه الطبري، وليس كما قال: بل هو قوي حسن، فتأمله. قال القاضي أبو محمد: وقوله: {لئن شكرتم} هو جواب قسم يتضمنه الكلام. وقوله: {وقال موسى} الآية، في هذه الآية تحقير للمخاطبين - بشرط كفرهم - وتوبيخ، وذلك بين من الصفتين اللتين وصف بهما نفسه تعالى في آخر الآية، وقوله: {لغني} يتضمن تحقيرهم وعظمته، إذ له الكمال التام على الإطلاق، وقوله: {حميد} يتضمن توبيخهم، وذلك أنه صفة يستوجب المحامد كلها، دائم كذلك في ذاته لم يزل ولا يزال، فكفركم أنتم بإله هذه حاله غاية التخلف والخذلان، وفي قوله أيضاً: {حميد} ما يتضمن أنه ذو آلاء عليكم أيها الكافرون به كان يستوجب بها حمدكم، فكفركم به مع ذلك أذهب في الضلال، وهذا توبيخ بين. وقوله: {ألم يأتكم} الآية، هذا من التذكير بأيام الله في النقم من الأمم الكافرة. وقوله: {لا يعلمهم إلا الله} من نحو قوله: {أية : وقروناً بين ذلك كثيراً} تفسير : [الفرقان: 38]، وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كذب النسابون من فوق عدنان" تفسير : ، وروي عن ابن عباس أنه قال: " كان بين زمن موسى وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله". وحكى عنه المهدوي أنه قال: "كان بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون". قال القاضي أبو محمد: وهذا الوقوف على عدتهم بعيد، ونفي العلم بها جملة أصح، وهو ظاهر القرآن. واختلف المفسرون في معنى قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} بحسب احتمال اللفظ. قال القاضي أبو محمد: و"الأيدي" في هذه الآية قد تتأول بمعنى الجوارح، وقد تتأول بمعنى أيدي النعم، فمما ذكر على أن "الأيدي" الجوارح أن يكون المعنى: ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم عضاً عليها من الغيظ على الرسل، ومبالغة في التكذيب - هذا قول ابن مسعود وابن زيد، وقال ابن عباس: عجبوا وفعلوا ذلك، والعض من الغيظ مشهور من البشر، وفي كتاب الله تعالى: {أية : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} تفسير : [آل عمران: 119] وقال الشاعر: شعر : قد أفنى أنامله أزمه فأضحى يعضُّ عليَّ الوظيفا تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : لو أن سملى أبصرت تخددي ودقة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء عوَّدي عضت من الوجد بأطراف اليد تفسير : ومما ذكر أن يكون المعنى أنهم ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، واستبشاعاً لما قالوا من دعوى النبوءة ومما ذكر أن يكون المعنى ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتاً لهم ودفعاً في صدر قولهم - قاله الحسن - وهذا أشنع في الرد وأذهب في الاستطالة على الرسل والنيل منهم. قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الألفاظ معنى رابعاً وهو أن يتجوز في لفظ "الأيدي"، أي إنهم ردوا قوتهم ومدافعتهم ومكافحتهم فيما قالوه بأفواههم من التكذيب، فكأن المعنى: ردوا جميع مدافعتهم في أفواههم أي في أقوالهم، وعبر عن جميع المدافعة بـ "الأيدي"، إذ الأيدي موضع لشد المدافعة والمرادة. وحكى المهدوي قولاً ضعيفاً وهو أن المعنى: أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في أفواه الرسل. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي لا وجه له. ومما ذكر على أن "الأيدي" أيدي النعم ما ذكره الزجاج وذلك أنهم ردوا آلاء الرسل في الإنذار والتبليغ بأفواههم، أي بأقوالهم - فوصل الفعل بـ {في} عوض وصوله بالباء - وروي نحوه عن مجاهد وقتادة. قال القاضي أبو محمد: والمشهور: جمع يد النعمة: أياد، ولا يجمع على أيد، إلا أن جمعه على أيد، لا يكسر باباً ولا ينقض أصلاً، وبحسبنا أن الزجاج قدره وتأول عليه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ - على هذا - معنى ثانياً، أن يكون المقصد: ردوا أنعام الرسل في أفواه الرسل، أي لم يقبلوه، كما تقول لمن لا يعجبك قوله: أمسك يا فلان كلامك في فمك. ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالاً ساغ هذا فيها، كما تقول: كسرت كلام فلان في فمه، أي رددته عليه وقطعته بقلة القبول والرد، وحكى المهدوي عن مجاهد أنه قال: معناه: ردوا نعم الرسل في أفواه أنفسهم بالتكذيب والنجه. وقوله: {لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} يقتضي أنهم شكوا في صدق نبوتهم وأقوالهم أو كذبها، وتوقفوا في إمضاء أحد المعتقدين، ثم ارتابوا بالمعتقد الواحد في صدق نبوتهم فجاءهم شك مؤكد بارتياب. وقرأ طلحة بن مصرف: "مما تدعونّا" بنون واحدة مشددة.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَلآءٌ} نعمة "ع"، أو شدة بلية، أو اختبار وامتحان.

النسفي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } «إذ» ظرف للنعمة بمعنى الإنعام أي إنعامه عليكم ذلك الوقت، أو بدل اشتمال من نعمة الله أي اذكروا وقت إنجائكم {وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } ذكر في البقرة {أية : يذبحون} تفسير : [البقرة: 49] وفي الأعراف {أية : يقتلون} تفسير : [الأعراف: 141] بلا واو، وهنا مع الواو. والحاصل أن التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له، وحيث أثبت الواو جعل التذبيح من حيث إنه زاد على جنس العذاب كأنه جنس آخر {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِى ذٰلِكُمْ بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } الإشارة إلى العذاب والبلاء المحنة أو إلى الإنجاء والبلاء النعمة. {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً{ تفسير : [الأنبياء: 35] {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } أي آذن ونظير «تأذن» و«آذن» توعد وأوعد. ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل: وإذ آذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك والشبه وهو من جملة ما قال موسى لقومه، وانتصابه للعطف على {نعمة الله عليكم} كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال: {لَئِن شَكَرْتُمْ } يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها {لأَزِيدَنَّكُمْ } نعمة إلى نعمة فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقيل: إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لئن شكرتم بالجد في الطاعة لأزيدنكم بالجد في المثوبة {وَلَئِن كَفَرْتُمْ } ما أنعمت به عليكم {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ } لمن كفر نعمتي، أما في الدنيا فسلب النعم وأما في العقبى فتوالى النقم.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} شروعٌ في بـيان تصدّيه عليه الصلاة والسلام لما أُمر به من التذكير للإخراج المذكورِ، وإذ منصوبٌ على المفعولية بمضمر خوطب به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام، وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مر سرُّه غيرَ مرة أي اذكر لهم وقت قولِه عليه الصلاة والسلام لقومه: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بدأ عليه الصلاة والسلام بالترغيب لأنه عند النفس أقبلُ وهي إليه أميلُ، والظرفُ متعلّقٌ بنفس النعمة إن جُعلت مصدراً أو بمحذوف وقع حالاً منها إن جعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم أو اذكروا نعمته كائنةً عليكم، وكذلك كلمةُ إذْ في قوله تعالى: {إِذَا أنجاكم من آل فرعون} أي اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائِه إياكم من آل فرعون أو اذكروا نعمةَ الله مستقرةً عليكم وقت إنجائِه إياكم منهم أو بدلُ اشتمال من نعمةَ الله مراداً بها الإنعامُ أو العطية {يَسُومُونَكُمْ} يبغونكم مِنْ سامه خَسفاً إذا أولاه ظلماً، وأصلُ السَّوم الذهابُ في طلب الشيء {سُوء ٱلْعَذَابِ} السوءُ مصدر ساء يسوء والمرادُ به جنسُ العذاب السيّـيء أو استعبادهم واستعمالُهم في الأعمال الشاقة والاستهانةُ بهم وغيرُ ذلك مما لا يحصر، ونصبُه على أنه مفعولٌ ليسومونكم {وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ} المولودين وإنما عطفه على يسومونكم إخراجاً له عن مرتبة العذاب المعتاد، وإنما فعلوا ذلك لأن فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة أنه سيولد منهم مَنْ يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلم يُغن عنهم من قضاء الله شيئاً. {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} أي يُبقونهن في الحياة مع الذل والصَّغار ولذلك عد من جملة البلاء. والجملُ أحوالٌ من آل فرعون أو من ضمير المخاطبـين أو منهما جميعاً لأن فيها ضميرَ كلَ منهما {وَفِى ذٰلِكُمْ} أي فيما ذكر من أفعالهم الفظيعة {بَلاء مِّن رَّبّكُمْ} أي ابتلاء منه لا أن البلاء عينُ تلك الأفعال اللهم إلا أن تجعل (في) تجريديةً فنسبتُه إلى الله تعالى إما من حيث الخلقُ أو الإقدارُ والتمكين {عظِيمٌ} لا يطاق، ويجوز أن يكون المشارُ إليه الإنجاء من ذلك، والبلاءُ الابتلاءُ بالنعمة وهو الأنسب كما يلوح به التعرضُ لوصف الربوبـية، وعلى الأول يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاءُ أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربـيةٌ له. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} من جملة مقالِ موسى عليه الصلاة والسلام لقومه معطوفٌ على نعمةَ الله أي اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذّن ربكم أي آذن إيذاناً بليغاً لا تبقىٰ معه شائبةٌ، لِما في صيغة التفعّل من معنى التكلّف المجعولِ في حقه سبحانه على غايته التي هي الكمالُ، وقيل: هو معطوفٌ على قوله تعالى: {إِذْ أَنجَاكُمْ}، أي اذكروا نعمتَه تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذنَ أيضاً نعمةٌ من الله تعالى عليهم ينالون بها خيري الدنيا والآخرة، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وإذا قال ربكم. ولقد ذكّرهم عليه الصلاة والسلام أولاً بنعمائه تعالى عليهم صريحاً وضمنّه تذكيرَ ما أصابهم قبل ذلك من الضراء، ثم أمرهم ثانياً بذكر ما جرى من الله سبحانه من الوعد بالزيادة على تقدير الشكر والوعيدِ بالعذاب على تقدير الكفر، والمرادُ بتذكير الأوقات تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث مفصلةً إذ هي محيطةٌ بذلك فإذا ذُكرت ذكر ما فيها كأنه مشاهَدٌ معايَن {لَئِن شَكَرْتُمْ} يا بني إسرائيلَ ما خوّلتُكم من نعمة الإنجاء وإهلاكِ العدوّ وغير ذلك من النعم والآلاءِ الفائتة للحصر وقابلتموه بالإيمان والطاعة {لأزِيدَنَّكُمْ} نعمةً إلى نعمة {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} ذلك وغمِصتموه {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ} فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم، ومن عادة الكرام التصريحُ بالوعد والتعريضُ بالوعيد فما ظنُّك بأكرم الأكرمين؟ ويجوز أن يكون المذكورُ تعليلاً للجواب المحذوفِ أي لأعذبنكم واللام في الموضعين موطئةٌ للقسم وكلٌّ من الجوابـين سادٌّ مسدَّ جوابـي الشرط والقسم، والجملةُ إما مفعولٌ لتأذن لأنه ضرْبٌ من القول أو لقول مقدر بعده، كأنه قيل: وإذ تأذن ربكم فقال، الخ.

القشيري

تفسير : تَذَكُّرُ ما سَلَفَ من النِّعَم يوجِبُ تجديد ما سَبقَ من المحبة، وفي الخبر: "حديث : جُبِلَتْ القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن إليها" تفسير : فالحقُّ أَمَرَ موسى عليه السلام بتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه، ولطائف إكرامه... وفي بعض الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام -: "حديث : عبدي، أنا لَكَ مُحِبُّ فبحقي عليكَ كنُ لي محباً ".

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قال موسى لقومه} اى اذكر للناس يا افضل المخلوق وقت قول موسى لقومه وهم بنوا اسرائيل والمراد بتذكير الاوقات تذكير ما وقع فيها من الحوادث المفصلة اذ هى محيطة بذلك فاذا ذكرت ذكر ما فيها كانه مشاهد معاين {اذكروا نعمة الله عليكم اذ انجاكم من آل فرعون} اى انعامه عليكم وقت انجائه اياكم من فرعون واتباعه واهل دينه وهم القبط {يسومونكم سوء العذاب} استئناف لبيان انجائهم او حال من آل فرعون. قال فى تهذيب المصادر [السوم: جشانيدن عذاب وخوارى] قال الله تعالى {يسومونكم سوء العذاب} انتهى. وفى بحر العلوم من سام السلعة اذا طلبها والمعنى. يذيقونكم او يبغونكم شدة العذاب ويريدونكم عليه والسوء مصدر ساء يسوء وهو اسم جامع للآفات كما فى التبيان والمراد جنس العذاب السيئ او استعبادهم واستعمالهم فى الاعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك مما لا يحصر {ويذبحون ابناءكم} المولودين من عطف الخاص على العام كان التذبيح لشدته وفظاعته وخروجه عن مرتبة العذاب المعتاد جنس آخر ولو جاء بحذف الواو كما فى البقرة والاعراف لكان تفسيرا للعذاب وبيانا له وانما فعلوا لان فرعون رأى فى المنام ان نارا اقبلت من نحو بيت المقدس فاحرقت بيوت القبط دون بيوت بنى اسرائيل فخوفه الكهنة وقالوا له انه سيولد منهم ولد يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فشمر عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد واراد ان يدفع القضاء وظهوره ويأبى الله الا ان يتم نوره شعر : صعوه كه باعقاب سازد جنك دهد از خون خود برش را رنك تفسير : {ويستحيون نساءكم} اى يبقون نساءكم وبناتكم فى الحياة للاسترقاق والاستخدام وكانوا يفردون النساء عن الازواج وذلك من اعظم المضار والابتلاء اذ الهلاك اسهل من هذا {وفى ذلكم} اى فيما ذكر من افعالهم الفظيعة {بلاء من ربكم عظيم} اى محنة عظيمة لا تطاق. فان قلت كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم. قلت اقدار الله اياهم وامهالهم حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله ويجوز ان يكون المشار اليه الانجاء من ذلك والابتلاء بالنعمة كما قال تعالى {أية : ولنبلونكم بالشر والخير فتنة} تفسير : والله تعالى يبلو عباده بالشر ليصبروا فيكون محنة بالخير ليشكروا فيكون نعمة

الطوسي

تفسير : التقدير واذكر يا محمد {إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} في الوقت الذي انجاكم {من آل فرعون. يسومونكم سوء العذاب} جملة في موضع الحال. و {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} وقد فسرناه أجمع في سورة البقرة فلا نطول بإِعادته. ودخلت الواو - ها هنا - في قوله {ويذبحون أبناءكم} وفي البقرة بلا واو. وقال الفراء: معنى الواو أنه كان يمسهم من العذاب غير التذبيح، كأنه قال يعذبونكم بغير الذبح. والذبح إِذا أطلق كان تفسيراً لصفات العذاب. وقوله {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} اي في ذلكم نعم من ربكم عظيمة إذ أنجكم منهم. والبلاء قد يكون نعماً، وعذاباً، يقال: فلان حسن البلاء عندك اي حسن الانعام عليك ويحتمل ان يكون بمعنى العذاب، وفي الصبر على ذلك العذاب امتحان من ربكم عظيم.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} وذكّرهم اذ قال موسى {لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} باستعبادكم {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} بدل تفصيلىّ {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} فى سوء العذاب ابتلاء او فى الانجاء نعمة.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} أى واذكر يا محمد إِذ {قَالَ مُوسَى} من نفسه أو بالوحى {لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ} متعلقان بنعمة بمعنى الإِنعام بكسر الهمزة، وإن قلنا المراد بالنعمة المنعم به وهو العطية تعلقت على بمحذوف حال من نعمة وتعلقت إِذ بذلك لاستقرار المحذوف أو بعليكم لنيابته عنه ويجوز كون إذ بدل اشتمال من نعمة سواء فسرت بالإِنعام أو بالمنعم به {أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} وجملة {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} حال من آل فرعون أو من كاف أنجاكم وسوء مفعول به على تضمين معنى يذيقونكم سوء العذاب أو مفعول مطلق على تضمين معنى يعذبونكم سوء العذاب أى شديد العذاب، وقد تكلمت فيه فى غير هذا الموضع، والمراد بسوء العذاب هنا ما عدا تذبيح الأَبناء كالاستعباد والاستعمال فى المشاق بدليل عطف تذبيحهم فى قوله: {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} أى يبالغون فى ذبح أولادكم بأَن لا يتركوا واحدا منهم لقول بعض الكهنة أن مولودا يولد فى بنى إِسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون وبعد ذلك كان يذبح عاما ويترك آخر وفى عام الذبح لا يترك ولداً أُعلم به وكان أيضا قبل ذلك يخرق بطون الحبالى وحيث كان يذبحون بغير واو العطف فالمراد بسوء العذاب هو التذبيح المذكور بعده تفسيرا له ويجوز كون الواو لعطف الخاص على العام {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يتركونهن أحياء وذلك طلب للحياة على الأَصل فى الاستفعال لأَنهم طلبوا بعدم قتلهن أن يكن أحياء ويجوز أن يكون الاستحياء راجعا لمن خرقوا بطنها أو فعلوا بها ما تسقط به ثم عالجوا طلبها طلبا لتحيى {وَفى ذَلِكُم} أى المذكور من سوء العذاب والتذبيح {بَلآءٌ} ابتلاء {مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} إِنما قال من ربكم لأَنه جرى على يد فرعون وقومه بإِقدار الله سبحانه وتعالى إِياهم عليه وخلقه إِياه وإِمهالهم فيه ويجوز أن تكون الإِشارة إِلى المذكور من سوء العذاب والتذبيح واستحياء النساء وعليه فوجه كون استحياؤهن بلاء لهن يبقين كالإِماء تحت أيديهم ويجوز أن تكون الإِشارة إلى الإِنجاء، وعليه فالبلاء إِما النعمة وعليه الشيخ هود ـ رحمه الله ـ وإِما الابتلاء هل يشكرون وهو أنسب بقوله: اذكروا نعمة الله عليكم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَال} اذكر يا محمد لقومك إِذ قال {مُوسَى لِقَوْمِهِ} بنى إسرائِيل {اذكُرُوا نِعْمةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} الجملة حال من آل فرعون أَو من الكاف أَو لهما وكأَنه قيل: مم نجاهم؟ قال: من سوء العذاب، وسوم العذاب إِذاقته بالاستخدام فى البناءِ والحرث والغرس والحفر والاستعباد بكل ممكن، والضرائب على من لا يقدر على ذلك، وليس شاملا للذبح لعطفه عليه فى قوله: {ويُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} وإن شمله فالعطف تخصيص بعد تعميم لعظم شأْن التذبيح، كأَنه لشدته ليس من ذلك العام لكن لا عذاب فى استحياءِ النساء فليس قوله: {وَيَسْتحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} عطف خاص على عام بل عطف على يسومونكم، أَو يجعل سوم العذاب غير شامل لما بعد، ومعنى استحياءِ النساءِ إِبقاؤهن بلا قتل بل يداوونهن، وإِذا اعتبر أَنهم يبقونهن بلا قبل ليذقن الذل، ذل العبودية والخدمة والإبعاد عن أَزواجهن وليذقنَّ شدة مفارقة بينهنَّ، صلح أَن يكون قوله: ويستحيون إِلخ خصوصاً بعد عموم، أَخبر الكهنة فرعون أَن مولوداً فى بنى إِسرائِيل يبطل ملكك وتموت به، فصار يسقط الحبالى منهم ويخرق بطونهن، ويقتل الأَولاد الذكور الخارجة من البطن، ويبقى الإِناث منهن وأُمهاتهن بالمداواة، ولما كان المراد فى سورة البقرة تفسير السوم بالتذبيح كان بلا عطف، وتشديد يذبح للمبالغة فى أَفراد الذبح، وبتعظيم نفس الذبح بحيث لا يطمع فى حياة المذبوح {وَفِى ذَلِكُمْ} أَى فى الإِنجاءِ من آل فرعون بإِغراقهم {بَلاَءٌ مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} إِنعام، إِذا ما ابتلاه ربه فأَكرمه ونعمه، أَو فيما ذكر من السوم والتذبيح والاستحياءِ ابتلاءٌ بالشدائِد، وأَما إِذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه، وبلوناهم بالحسنات والسيئات.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} شروع في بيان تصديه عليه السلام لما أمر به من التذكير للإخراج المذكور {وَإِذْ} منصوب على المفعولية عند كثير بمضمر خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث لما مر غيره مرة أي اذكر لهم وقت قوله عليه السلام {لِقَوْمِهِ} الذين أمرناه بإخراجهم من الظلمات إلى النور {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} تعالى الجليلة {عَلَيْكُمْ} وبدأ عليه السلام بالترغيب لأنه عند النفس أقبل وهي إليه أميل، وقيل: بدأ بهذا الأمر لما بينه وبين آخر الكلام السابق من مزيد الربط، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير أن يكون عليه السلام مأموراً بالترغيب والترهيب، أما إذا كان مأموراً بالترغيب فقط فلا سؤال، والظرف متعلق بنفس النعمة إن جعلت مصدراً بمعنى الإنعام أو بمحذوف وقع حالاً منها إن جعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم أو نعمته كائنة عليكم. و {إِذْ} في قوله سبحانه: {إِذْ أَنَجـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} يجوز أن يتعلق بالنعمة أيضاً على تقدير جعلها مصدراً أي اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائكم، ويجوز أن يتعلق بكلمة {عَلَيْكُمْ } إذا كانت حالاً لا ظرفاً لغواً للنعمة لأن الظرف المستقر لنيابته عن عامله يجوز أن يعمل عمله أو هو على هذا معمول لمتعلقه كأنه قيل: اذكروا نعمة الله تعالى مستقرة عليكم وقت إنجائكم، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من نعمة الله مراداً بها الإنعام أو العطية المنعم بها {يَسُومُونَكُمْ} يبغونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً، وأصل السوم ـ كما قال الراغب ـ الذهاب في طلب الشيء فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والطلب فأجري مجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمة، ومجرى الطلب في قولهم: سمته كذا {سُوء ٱلْعَذَابِ} مفعول ثاني ـ ليسومونكم ـ والسوء مصدر ساء يسوء، والمراد جنس العذاب السيء أو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك. وفي «أنوار التنزيل» أن المراد بالعذاب هٰهنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى: {وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ} هٰهنا، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد/ أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة عليهم السلام تنبيهاً على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في الجميع وذكر الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير لكونه أوفى بالمراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضاً، وسبب هذا التذبيح أن فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة أنه سيولد لبني إسرائيل من يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلم يغن عنهم من قضاء الله تعالى شيئاً. وقرأ ابن محيصن {ويذبحون} مضارع ذبح ثلاثياً. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما كذلك إلا أنه حذف الواو {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} أي يبقونهن في الحياة مع الذل، ولذلك عد من جملة البلاء أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية في نفسه كما قيل:شعر : ومن أعظم الرزء فيما أرى بقاء البنات وموت البنينا تفسير : والجمل أحوال من آل فرعون أو من ضمير المخاطبين أو منهما جميعاً لأن فيها ضمير كل منهما، ولا اختلاف في العامل لأنه وإن كان في آل فرعون من في الظاهر لكنه لفظ {أَنجَاكُمْ} في الحقيقة، والاقتصار على الاحتمالين الأولين هنا وتجويز الثلاثة في سورة البقرة كما فعل البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله لا يظهر وجهه. {وَفِى ذٰلِكُمْ} أي فيما ذكرنا من الأفعال الفظيعة {بَلاء مِّن رَّبّكُمْ} أي ابتلاء منه تعالى لا أن البلاء عين تلك الأفعال اللهم إلا أن تجعل {فِى } تجريدية فنسبته إلى الله تعالى إما من حيث الخلق وهو الظاهر أو الإقدار والتمكين، ويجوز أن يكون المشار إليه الإنجاء من ذلك والبلاء الابتلاء بالنعمة فإنه يكون بها كما يكون بالمحنة قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35] وقال زهير:شعر : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو تفسير : وهو الأنسب بصدر الآية، ويلوح إليه التعرض لوصف الربوبية، وعلى الأول يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاء أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربية له ونفع في الحقيقة {عظِيمٌ } لا يطاق حمله أو عظيم الشأن جليل القدر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} باعتبار غرض الجملتين، وهو التنظير بسنن ما جاء به الرسل السابقون من إرشاد الأمم وتذكيرها، كما أنزل القرآن لذلك. {وإذ} ظرف للماضي متعلّق بفعل تقديره: اذكر، دل عليه السياق الذي هو ذكر شواهد التاريخ بأحوال الرسل ــــ عليهم السلام ــــ مع أممهم. والمعنى: واذْكر قول موسى لقومه الخ. وهذا مما قاله موسى لقومه بعد أن أنجاهم الله من استعباد القبط وإهانتهم، فهو من تفاصيل ما فسّر به إرسال موسى ــــ عليه السلام ــــ وهو من التذكير بأيام الله الذي أمر الله موسى ــــ عليه السلام ــــ أن يذكّره قومه. و{إذ أنجاكم} ظرف للنعمة بمعنى الإنام، أي الإنعام الحاصل في وقت إنجائه إياكم من آل فرعون. وقد تقدم تفسير نظيرها في قوله تعالى: { أية : وإذ أنجيناكم من آل فرعون } تفسير : في سورة البقرة (49)، وكذا في سورة الأعراف يقتلون. سوى أن هذه الآية عُطفت فيها جملة {ويذبحون} على جملة {يسومونكم} وفي آية البقرة والأعراف جعلت جملة {يذبحون} وجملة {يقتلون} بدون عطف على أنها بدل اشتمال من جملة {يسومونكم سوء العذاب}. فكان مضمون جملة {ويذبحون} هنا مقصوداً بالعدّ كأنه صنف آخر غير سوء العذاب اهتماماً بشأنه، فعطفه من عطف الخاص على العامّ. وعلى كلا النظمين قد حصل الاهتمام بهذا العذاب المخصوص بالذكر، فالقرآنُ حكى مراد كلام موسى ــــ عليه السلام ــــ من ذكر العذاب الأعم وذكر الأخص للاهتمام به، وهو حاصل على كلا النظمين. وإنما حكاه القرآن في كل موضع بطريقة تفنّناً في إعادة القصة بحصول اختلاف في صورة النظم مع الحفاظ على المعنى المحكي، وهو ذكر سوء العذاب مجملاً، وذكر أفظع أنواعه مبيّناً. وأما عطف جملة {ويستحيون نساءكم} في الآيات الثلاث فلأن مضمونها باستقلاله لا يصلح لبيان سوء العذاب، لأن استحياء النساء في ذاته نعمة ولكنه يصير من العذاب عند اقترانه بتذبيح الأبناء، إذ يُعلم أن مقصودهم من استحياء النساء استرقاقهن وإهانتهن فصار الاستحياء بذلك القصد تهيئة لتعذيبهن. ولذلك سمي جميع ذلك بلاء. وأصل البلاء: الاختبار. والبلاء هنا المصيبة بالشرّ، سمي باسم الاختبار لأنه اختبار لِمقدار الصبر، فالبلاء مستعمل في شدة المكروه من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه على طريقة المجاز المرسل. وقد شاع إطلاق هذا بصيغة اسم المصدر بحيث يكاد لا يطلق إلاّ على المكروه. وما ورد منه مستعملاً في الخير فإنما ورد بصيغة الفعل كقوله: { أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة } تفسير : [سورة الأنبياء: 35]، وقوله: { أية : ونبلو أخباركم } تفسير : [سورة محمد: 31]. وتقدم في نظيرها من سورة البقرة. وجعل هذا الضر الذي لحقهم وارداً من جانب الله لأن تخلّيه آل فرعون لفعل ذلك وعدم إلطافه ببني إسرائيل يجعله كالوارد من الله وهو جزاء على نبذ بني إسرائيل دينهم الحق الذي أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب عليهم السلام واتّبَاعِهم دين القبط وعبادة آلهتهم. واختيار وصف الربّ هنا للإيماء إلى أنه أراد به صلاح مستقبلهم وتنبيههم لاجتناب عبادة الأوثان وتحريف الدين كقوله: { أية : وإن عدتم عدنا } تفسير : [سورة الإسراء: 8]. وهذه الآية تضمنت ما في فقرة (17) من الإصحاح (12). وفقرة (3) من «الإصحاح» (13) من «سفر الخروج». وما في فقرة (13) من الإصحاح (26) من «سفر اللاّويين».

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذ قال موسى: أي اذكر إذ قال موسى. يسومونكم: يذيقونكم. ويستحيون نساءكم: أي يستبقونهنَّ. بلاء من ربكم عظيم: أي ابتلاء واختبار، ويكون الخير والشر. وإذ تأذن ربكم: أي أعلم ربكم. بالبينات: بالحجج الواضحة على صدقهم في دعوة النبوة والتوحيد والبعث الاخر. فردوا أيديهم في أفواههم: أي فرد الأمم أيديهم في أفواههم أي أشاروا إليهم أن اسكتوا. مريب: موقع في الريبة. معنى الآيات: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} أي اذكر يا رسولنا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي لتشكروها بتوحيده وطاعته، فإن من ذكر شكر وبين لهم نوع النعمة وهي إنجاؤهم من فرعون وملائه إذ كانوا يعذبونهم بالاضطهاد والاستعباد، فقال: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي يذيقونكم سوء العذاب وهو أسوأه وأشده، {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} أي الأطفال المولودين، لأن الكهنة أو رجال السياسة قالوا لفرعون: لا يبعد أن يسقط عرشك وتزول دولتك على أيدي رجل من بني إسرائيل فأمر بقتل المواليد فور ولادتهم فيقتلون الذكور ويستبقون الإِناث للخدمة ولعدم الخوف منهن وهو معنى قوله: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} وقوله تعالى: {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} فهو بالنظر إلى كونه عذابا بلاء بالشر، وفي كونه نجاة منه، بلاء بالخير، وقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} هذا من قول موسى لبني إسرائيل أي أذكر لهم إذ أعلم ربكم مقسماً لكم {لَئِن شَكَرْتُمْ} نعمي بعبادتي وتوحيدي فيها وطاعتي وطاعة رسولي بامتثال الأوامر واجتناب النواهي {لأَزِيدَنَّكُمْ} في الإِنعام والإِسعاد {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} فلم تشكروا نعمي فعصيتموني وعصيتم رسولي أي لأسلبنها منكم وأعذبكم بسلبها من أيديكم {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} فاحذروه واخشوني فيه، وقوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىۤ} أي لبني إسرائيل {إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ} نعم الله فلم تشكروها بطاعته {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} وكفرها من في الأرض جميعاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ} عن سائر خلقه لا يفتقر إلى أحد منهم {حَمِيدٌ} أي محمود بنعمه على سائر خلقه، وقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} هذا قول موسى لقومه وهو يعظهم ويذكرهم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ} أي لا يعلم عددهم ولا يحصيهم {إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي بالحجج والبراهين على صدق دعوتهم وما جاء به من الدين الحق ليعبد الله وحده ويطاع وتطاع رسله فيكمل الناس بذلك ويسعدوا، وقوله: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} أي ردت الأمم المرسل إليهم أيديهم إلى أفواههم تغيظاً على أنبيائهم وحنقاً، أو أشاروا إليهم بالسكوت فأسكتوهم رداً لدعوة الحق التي جاؤوا بها، وقالوا لهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي بما جئتهم به من الدين الإِسلامي والدعوة إليه، {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي موقع في الريبة التي هي قلق النفس واضطرابها لعدم سكونها للخبر الذي يلقى إليها، هذا وما زال السياق طويلاً وينتهي بقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 15]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية التذكير بنعم الله لنشكر ولا نكفر. 2- وعد الله تعالى بالمزيد من النعم لمن شكر نعم الله عليه. 3- كفر النعم سبب زوالها. 4- بيان غنى الله تعالى المطلق على سائر خلقه فالناس أن شكروا شكروا لأنفسهم وإن كفروا كفروا على أنفسهم أي شكرهم ككفرهم عائد على أنفسهم. 5- التذكير بقصص السابقين وأحوال الغابرين مشروع وفيه فوائد عظيمة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنجَاكُمْ} {آلِ} (6) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، امْتَثَلَ لأَِمْرِ رَبِّهِ، فَأَخَذَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ، وَوَعْظِهِمْ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِمِنَنِ اللهِ وَأَنْعُمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْقَذَكُمْ مِنْ ظُلْمِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، الذِينَ كَانُوا يَسُومُونَكُمُ العَذَابَ الشَّدِيدَ المُهِينَ (سُوءَ العَذَابِ)، إِذْ كَانُوا يَذْبَحُونَ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَائِكُمْ، وَيَسْتَبْقُونَ الإِنَاثَ زِيَادَةً فِي الإِذْلاَلِ وَالتَّنْكِيلِ، فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ مِنْ ذلِكَ البَلاءِ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَيْكُم أَنْتُمْ عَاجِزُونَ عَنِ القِيَامِ بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا. وَفِي كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ، وَالإِنْجَاءِ ... اخْتِبَارٌ مِنَ اللهِ عَظِيمٌ، لِيُظْهِرَ مِقْدَارَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ عَلَيهِ. يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ - يَسْتَبْقُونَ البَنَاتِ أَحْيَاءً لِلْخِدْمَةِ. يَسُومُونَكُمْ - يُذِيقُونَكُمْ وَيُكَلِّفُونَكُمْ. بَلاَءٌ - ابْتِلاءٌ بِالنِّعَمِ وَالنِّقَمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا نجد الحق سبحانه وقد جاء بنموذج من أيام معاناتهم من جبروت فرعون، وكيف خلَّصهم سبحانه من هذا الجبروت، وكان فرعون يُسلِّط عليهم أقسى ألوان العذاب، ف "سام" الشيء أي: طلبه؛ و "سام سوء العذاب" أي: طلب العذاب السيء. وقد ذَبَّح فرعون أبناءهم الذكور، ولم يُذبِّح الإناث لتصبح النساء بلا عائل ويستبيحهُنَّ، وفي هذا نِكَاية شديدة. ووقف بعض المستشرقين عند هذه الآية، وقالوا: لقد تعرض القرآن من قبل لهذه الآية في سورة البقرة؛ حين قال: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 49]. فهل هذه الآية في سورة إبراهيم هي البليغة، أم الآية التي في سورة البقرة؛ خصوصاً وأن الفرق بينهما هو مجيء "الواو" كحرف عطف على ذبح الأبناء باستباحة النساء؟ وأضاف هذا المستشرق: ولسوف أتنازل عن النظر إلى ما جاء في سورة الأعراف حين قال القرآن: {أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 141]. وبطبيعة الحال، فهذا المستشرق لم يأخذ فَهْم القرآن عن مَلَكةٍ عربية، ذلك أنه لو كان قد امتلك هذه القدرة على الفَهْم؛ لَعرفَ أن الكلام لم يصدر في الآيات عن مصدر واحد، بل صدر عن مصدرين. ففي آية سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو الله سبحانه ولذلك قال: {أية : نَجَّيْنَاكُم ..} تفسير : [البقرة: 49]. ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى عليه السلام؛ لم يَقًُلْ أنه هو الذي أنجاهم بل يُعدِّد النعم التي مَنَّ الله بها عليهم؛ ويمتنّ بها عليهم. وعِلَّة ذلك أن العظيم حين يمتنُّ على غيره لا يمتنُّ إلا بالعظائم، أما دون العظيم فقد يمتنُّ بما دون ذلك. وأسوق هذا المَثل لمزيد من الإيضاح لا للتشبيه؛ فسبحانه مُنزَّه عن التشبيه، وأقول: هَبْ أن إنساناً غنياً له أخ رقيق الحال، وقد يُمد الغنيُّ أخاه الفقير بأشياء كثيرة، وقد يعتني بأولاده؛ ويقوم برعايته ورعاية أولاده رعاية كاملة. ويأتي ابن الفقير ليقول لابن الغني: لماذا لا تسألون عنا؟ فيقول ابن الغني: ألم يَأْتِ أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة، بالإضافة إلى الشقة التي تسكنون فيها؟ ولكن العَمَّ الغنيّ يكتفي بأنْ يقول: أنا أسأل عنكم، بدليل أنِّي أحضرت لكم الشقة التي تسكنون فيها. إذن: فالكبير حقاً هو الذي يذكر الأمور الكبيرة، أما الأقل فهو من يُعدِّد الأشياء. وهنا يَصِفُ الحق سبحانه سوْم العذاب وذَبْح الأبناء بالبلاء العظيم في قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ } [إبراهيم: 6]. وهكذا نرى مظهرية الخير التي مَنَّ الله بها عليهم، وهي الإنجاء من ذبح الأبناء واستباحة النساء؛ وكان ذلك نوعاً من مظهرية الشر. وهذا ابتلاء صعب. وسبق أنْ أوضحنا أنَّ البلاء يكون بالخير أو بالشر، فقد قال سبحانه: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}تفسير : [الأنبياء: 35]. فلا الخير دليلُ تكريم، ولا الشرَّ دليلُ إهانة؛ فهو القائل: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. فالابتلاء في الأصل هو الامتحان؛ إما أنْ تنجحَ فيه أو ترسبَ؛ ولذلك فهو غَيْر مذموم إلا بالنتيجة التي يَؤُول إليها. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} معناهُ يُولونَكُمْ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} [إبراهيم: 6] القلب {لِقَوْمِهِ} الروح والسر الخفي يا قوم {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} النفس وهم صفاتها والدنيا والشيطان {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} بالقهر والغلبة عليكم ويأخذونكم سخرة في تحصيل مرامهم ونيل مقاصدهم {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} أي: ينفقون ما سنح منكم من الخواطر الروحاني الملكي {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يثبتون الخواطر المتولدة من الطبيعة الإنسانية الملائمة لهوى النفوس {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} لو خلاكم في تلك الحال إلى أنفسكم فأنجاكم منها. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} [إبراهيم: 7] وفقكم للخروج {لَئِن شَكَرْتُمْ} التوفيق {لأَزِيدَنَّكُمْ} في التقرب إليَّ، ولئن شكرتم التقرب لأزيدنكم في تقربي إليكم، ولئن شكرتم لقربي إليكم لأزيدنكم في المحبة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شركتم للتجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ولئن شكرتم لأزيدنكم في الصبر على الشكر على الصبر والصبر على الصبر والشكر على الشكر؛ لتكونوا عباداً شكورين، {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} نعمتي في المقامات كلها {إِنَّ عَذَابِي} مفارقتي بترك وصلي {لَشَدِيدٌ} فإن فوات نعيم الدنيا والآخرة شديد على النفوس، وفوات نعيم المواصلات إليَّ أشد عذاب للقلوب والأرواح. {وَقَالَ مُوسَىۤ} [إبراهيم: 8] القلب {إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ} أيها الروح والسر والخفي بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا متابعة للنفس {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} من النفس والهوى والطبيعة في أرض البشرية {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ} بجماله وجلاله، وكمالية ذاته وصفاته من الأزل إلى الأبد {حَمِيدٌ} في ذاته وصفاته وأفعاله لا تفاوت له بإيمان أحد ولا بكفره. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9].