Verse. 1757 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَاِذْ تَاَذَّنَ رَبُّكُمْ لَىِٕنْ شَكَرْتُمْ لَاَزِيْدَنَّكُمْ وَلَىِٕنْ كَفَرْتُمْ اِنَّ عَذَابِيْ لَشَدِيْدٌ۝۷
Waith taaththana rabbukum lain shakartum laazeedannakum walain kafartum inna AAathabee lashadeedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ تأذَّن» أعلم «ربكم لئن شكرتم» نعمتي بالتوحيد والطاعة «لأزيدنكم ولئن كفرتم» جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه «إن عذابي لشديد».

7

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم، ومعنى {تَأَذَّنَ } أذن ربكم. ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، كأنه قيل: وإذ آذن ربكم إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك، وتنزاح الشبهة، والمعنى: وإذ تأذن ربكم. فقال: {لَئِن شَكَرْتُمْ } فأجرى {تَأَذَّنَ } مجرى قال لأنه ضرب من القول، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لَئِن شَكَرْتُمْ }. واعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من نعمه، ولا بد ههنا من معرفة حقيقة الشكر ومن البحث عن تلك النعم الزائدة الحاصلة عن الاشتغال بالشكر، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة، وأما الزيادة في النعم فهي أقسام: منها النعم الروحانية، ومنها النعم الجسمانية، أما النعم الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبداً في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه، ومن كثر إحسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة، فشغل النفس بمطالعة أنواع فضل الله وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد لله تعالى، ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن الالتفات إلى النعمة، ولا شك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته، فثبت أن الاشتغال بالشكر يوجب مزيد النعم الروحانية، وأما مزيد النعم الجسمانية، فلأن الاستقراء دل على أن من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر، كان وصول نعم الله إليه أكثر، وبالجملة فالشكر إنما حسن موقعه، لأنه اشتغال بمعرفة المعبود وكل مقام حرك العبد من عالم الغرور إلى عالم القدس، فهو المقام الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين والدنيا. وأما قوله: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ } فالمراد منه الكفران، لا الكفر، لأن الكفر المذكور في مقابلة الشكر ليس إلا الكفران، والسبب فيه أن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمة من الله، والجاهل بها جاهل بالله، والجهل بالله من أعظم أنواع العقاب والعذاب وأيضاً فههنا دقيقة أخرى وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فوجوده إنما يحصل بإيجاد الواجب لذاته، وعدمه إنما يحصل بإعدام الواجب لذاته، وإذا كان كذلك فكل ما سوى الحق فهو منقاد للحق مطواع له، وإذا كانت الممكنات بأسرها منقادة للحق سبحانه فكل قلب حضر فيه نور معرفة الحق وشرف جلاله، انقاد لصاحب ذلك القلب ما سواه، لأن حضور ذلك النور في قلبه يستخدم كل ما سواه بالطبع، وإذا خلا القلب عن ذلك النور ضعف وصار خسيساً فيستخدمه كل ما سواه ويستحقره كل ما يغايره فبهذا الطريق الذوقي يحصل العلم بأن الاشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاح أبواب الخيرات في الدنيا والآخرة، وأما الإعراض عن معرفة الحق بالاشتغال بمجرد الجسمانيات يوجب انفتاح أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ } أعلم {رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ } نعمتي بالتوحيد والطاعة {لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ } جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَأَذَّنَ} قال، أو أعلم {شَكَرْتُمْ} نعمتي {لأَزِيدَنَّكُمْ} من أفضالي أو طاعتي "ح".

الثعالبي

تفسير : وقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ...} الآية: «تأَذَّن»: بمعنى آذَنَ، أي: أعلم. قال بعضُ العلماء: الزيادةُ على الشُّكر ليستْ في الدنيا، وإِنما هي مِنْ نعم الآخرةِ، والدنيا أهْوَنُ من ذلك. قال * ع *: وجائزٌ أن يزيدَ اللَّه المؤمِنَ علَى شُكْره من نعمِ الدنيا والآخرةِ، «والكُفْرِ»؛ هنا: يحتمل أن يكون على بابه، ويحتملُ أنْ يكون كفرَ النِّعَمِ، لا كفْرَ الجَحْد، وفي الآية ترجيةٌ وتخويفٌ، وحكى الطبريُّ عن سفيان وعن الحسن؛ أنهما قَالاَ: معنى الآية: لَئِنْ شكرتم لأَزيدنكم مِنْ طاعتي. قال * ع *: وضعَّفه الطبريُّ، وليس كما قال، بل هو قويٌّ حَسَنٌ، فتأمَّلَهُ. * ت *: وتضعيفُ الطبريِّ بيِّن؛ من حيثُ التخصيصُ، والأصلُ التعميمُ. وقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ }: هذا أيضاً من التذْكير بأيام اللَّه، وقوله سبحانه: {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}: قيل: معناه: رَدُّوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم؛ إِشارةً على الأنبياء بالسُّكوت، وقال الحسن: رَدُّوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسُل تسكيتاً لهم، وهذا أشنَعُ في الرَّدِّ.

البقاعي

تفسير : ولما ذكرهم بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدها، ورهبهم مما يزيلها فقال: {وإذ} أي واذكروا إذ {تأذن ربكم} أي أعلم المحسن إليكم إعلاماً بليغاً ينتفي عنه الشكوك قائلاً: {لئن شكرتم} وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك لأعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه {لأزيدنكم} من نعمي، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود "إن عطائي لعتيد فأرجوه" {ولئن كفرتم} النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ولأعذبنكم {إن عذابي} بإزالتها وغيرها {لشديد *} فخافوه، فالآية - كما ترى - من الاحتباك. ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض له، بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع، وأن ضر ذلك ونفعه خاص بالعبد فقال تعالى حاكياً عنه: {وقال موسى} مرهباً لهم معلماً أن وبال الكفران خاص بصاحبه {إن تكفروا} والكفر: تضييع حق النعمة بجحدها أو ما يقوم في العظم مقامه {أنتم ومن في الأرض} وأكد بقوله: {جميعاً} فضرره لاحق بكم خاصة غير عائد على الله شيء منه {فإن الله} أي الملك الأعظم {لغني} أي في ذاته وصفاته عن كل أحد، والغنى هنا المختص بما ينفي لحاق الضرر أو النقص، والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء، وذلك بنفسه لا بشيء سواه، ومن لم يكن كذلك لم يكن غنياً {حميد *} أي بليغ الاستحقاق للحمد بما له من عظيم النعم وبما له من صفات الكمال، وكل مخلوق يحمده بذاته وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت، لأن إيجاده لها ناطق بحمده سبحانه. ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة: قال في السفر الخامس: واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعباً حبيباً من جميع الشعوب التي على وجه الأرض، وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب أحبكم الرب واختاركم، ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم، لذلك أخرجكم الرب بيد منيعة، وأنقذكم من العبودية، وخلصكم من يدي فرعون ملك مصر، لتعلموا أن الله ربكم هو إله الحق، إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد لأوليائه الذين يحفظون وصيته لألف حقب، ويكافىء شنأته في حياتهم ويجزيهم بالهلاك والتلف، احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم فافعلوها يحفظ الله الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم، ويحبكم ويبارك عليكم ويكثركم، ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم، وفي أقطاع بقركم وجفرات غنمكم، وتكونوا مباركين من جميع الشعوب، ولا يكون فيكم عاقر ولا عقيم ولا في بهائمكم، ويصرف الله عنكم كل وجع، وجميع الضربات التي أنزل الله بأهل مصر - كما تعلمون - لا ينزلها بكم بل ينزلها بجميع شنأتكم، وتأكلون جميع خيرات الشعوب التي يعطيكم الله ربكم، ولا تشفق أعينكم عليهم، ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم فخاخ لكم، وإن قلتم في قلوبكم: إن هذه الشعوب أكثر منا فكيف نقدر أن نهلكها! فلا تفرقوا منها ولكن اذكروا جميع ما صنع الله ربكم بفرعون ملك مصر وكل أصحابه، والبلايا العظيمة التي رأيتم بأعينكم، والآيات والأعاجيب واليد المنيعة والذراع العظيمة، وكيف أخرجكم الله ربكم! كذلك يفعل الله ربكم بجميع الشعوب التي تخافونها. ويسلط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم، والذين يبقون ويختفون منكم لا تخافوهم لأن الله ربكم بينكم. الإله العظيم المرهوب، فيهلك الله ربكم هذه الشعوب من بين أيديكم رويداً رويداً، لأنكم لا تقوون أن تهلكوهم سريعاً لئلا يكثر السباع، ولكن يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ضربة شديدة حتى تهلكوهم، ويدفع ملوكهم في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت السماء، لا يقدر أحد أن يقوم بين أيديكم حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم المنحوتة بالنار، ولا تشتهوا الفضة والذهب الذي عليها وتأخذوه منها لئلا تتنجسوا بها، لأنها مرذولة عند الله ربكم، فلا تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم لئلا تكونوا منفيين مثلها، ولكن أرذلوها ونجسوها وصيروها نفاية بخسة لأنها حرام. ثم قال: انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ولعناً، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم، وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم - وقد مضى كثير من أمثال هذا عن التوراة، ولا ريب في أن هذا الترغيب والترهيب والتذكير للتحذير كما أنه كان لبني إسرائيل، فهو لكل من سمعه من المكلفين. ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية، وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبداناً، وأكثرهم أعواناً، وأقواهم آثاراً، وأطولهم أعماراً، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول، لأن النفس للمحسوس أقبل، فقال دالاً على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفاً لهم من سطوات الله سبحانه: {ألم يأتكم} أي يا بني إسرائيل {نبأ الذين} ولما كان المراد قوماً مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال: {من قبلكم} ثم أبدل منهم فقال: {قوم} أي نبأ قوم {نوح} وكانوا ملء الأرض {و} نبأ {عاد} وكانوا أشد الناس أبداناً وأثبتهم جناناً {و} نبأ {ثمود} وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور {و} نبأ {الذين} ولما كان المراد البعض، أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث {لا يعلمهم} أي حق العلم على التفصيل {إلا الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنياً حميداً عند أخذهم وبعده كما كان قبله، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون. ثم فصل سبحانه خبرهم، فقال - جواباً لمن كأنه قال: ما كان نبأهم؟ {جاءتهم رسلهم بالبينات} وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه {فردوا} أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول {أيديهم في أفواههم} وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب. {و} بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة {قالوا} أي الأمم {إنا كفرنا} أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين {بما} ولما كان رد الرسالة جامعاً للكفر، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله، بنوا للمفعول قولهم: {أرسلتم به} أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلاً عن القطع، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل. ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار، أكدوا: {وإنا لفي شك} أي محيط بنا، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما، يتعاقب على حال الذكر ويضاد العلم والجهل. ولما كان الدعاء مسنداً إلى جماعة الرسل، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود، فقالوا {مما} أي شيء {تدعوننا} أيها الرسل {إليه} أي من الدين {مريب} أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع، من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع - رضي الله عنه - في قوله {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} قال: أخبرهم موسى عليه السلام عن ربه عز وجل، أنهم إن شكروا النعمة، زادهم من فضله وأوسع لهم في الرزق، وأظهرهم على العالمين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وإن تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} قال: حق على الله أن يعطي من سأله ويزيد من شكره، والله منعم يحب الشاكرين، فاشكروا لله نَعَمَهُ. وأخرج ابن جرير عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {لئن شكرتم لأزيدنكم} قال: من طاعتي. وأخرج ابن المبارك وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن علي بن صالح - رضي الله عنه - مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري - رضي الله عنه - في قوله {لئن شكرتم لأزيدنكم} قال: لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا، فإنها أهون على الله من ذلك. ولكن، يقول {لئن شكرتم} هذه النعمة إنها مني {لأزيدنكم} من طاعتي. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي زهير يحيى بن عطارد بن مصعب، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أعطي أحد أربعة فمنع أربعة، ما أعطي أحد الشكر فمنع الزيادة، لأن الله تعالى يقول {لئن شكرتم لأزيدنكم} وما أعطي أحد الدعاء فمنع الإِجابة، لأن الله يقول {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 29] وما أعطي أحد الاستغفار فمنع المغفرة؛ لأن الله يقول {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً} [نوح: 10] وما أعطي أحد التوبة فمنع التقبل؛ لأن الله يقول {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: 25] تفسير : . وأخرج أحمد والبيهقي، عن أنس - رضي الله عنه - قال: حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل، فأمر له بتمرة فلم يأخذها، وأتاه آخر، فأمر له بتمرة فقبلها وقال: تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال للجارية: اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهماً التي عندها ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس - رضي الله عنه -: "حديث : أن سائلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة، فقال الرجل: سبحان الله!... نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن فيها مثاقيل ذر كثيرة؟ فأتاه آخر فسأله فأعطاه، فقال: تمرة من نبي، لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أزال أرجو بركتها أبداً. فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بمعروف، وما لبث الرجل أن استغنى ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال - لما قال له سفيان الثوري - رضي الله عنه -: لا أقوم حتى تحدثني - قال جعفر - رضي الله عنه -: أما أني أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها، فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله تعالى قال في كتابه {لئن شكرتم لأزيدنكم} وإذا استبطأت الرزق، فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه {أية : استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً. يمددكم بأموال وبنين} تفسير : [نوح: 10-11-12] يعني في الدنيا والآخرة {أية : ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً}تفسير : [نوح: 12] يا سفيان، إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره، فأكثر من لا حول ولا قوّة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من أعطيهن لم يمنع من الله أربعاً: من أعطي الدعاء لم يمنع الاجابة، قال الله {ادعوني استجب لكم} ومن أعطي الاستغفار لم يمنع المغفرة، قال الله تعالى {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً} ومن أعطي الشكر لم يمنع الزيادة، قال الله {لئن شكرتم لأزيدنكم} ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، قال الله {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} [الشورى: 25] . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة؛ لأن الله تعالى يقول {لئن شكرتم لأزيدنكم} ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول؛ لأن الله يقول {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخ والضياء المقدسي في المختارة، عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أُلْهِمَ خمسة لم يحرم خمسة، من ألهم الدعاء لم يحرم الاجابة؛ لأن الله يقول {ادعوني استجب لكم} ومن ألهم التوبة لم يحرم القبول؛ لأن الله يقول {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة؛ لأن الله تعالى يقول {لئن شكرتم لأزيدنكم} ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة؛ لأن الله تعالى يقول {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً} ومن ألهم النفقة لم يحرم الخلف؛ لأن الله تعالى يقول {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 29] .

التستري

تفسير : قوله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}[7] قال: شكر العلم العمل، وشكر العمل زيادة العلم، فهو أبداً في هذا، وهذه حاله. وقال: الشكر أن تريد المزيد، وإلا شكر مطعون. قال: وحقيقة العجز الاعتراف به. وقد حكي أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك، وشكري إياك تجديد مِنّة منك عليّ؟ قال الله تعالى: الآن شكرتني.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [الآية: 7]. سئل عنها ابن عطاء فقال: إذا رددت الأشياء إلى مصادرها من غير حضور منك لها فقد تم الشكر للإسلام. قال الجوزجانى: لئن شكرتم للإسلام لأزيدنكم الإيمان ولئن شكرتم للإيمان لأزيدنكم الإحسان، ولئن شكرتم للإحسان لأزيدنكم المعرفة، ولئن شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة، ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم القرب، ولئن شكرتم القرب لأزيدنكم الأنس. قال الجريرى: كمال الشكر فى مشاهدة العجز عن الشكر. روى أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك وشكرى لك تجديد منةٍ لك علىَّ، قال يا داود الآن شكرتنى. قال أبو بكر الوراق: شكر النعمة مشاهدةُ المنة. قال حمدون: شُكر النعمة زيادة نعمة، ومن شَكَر المنعم زاده أن ترى نفسك فيه طفيليًا. سئل بعضهم عن الشكر فقال: أن لا تتقووا بنعمه على معاصيه. قال بعضهم: من شكر النعمة زاده نعمة، ومن شكر المنعم زاده معرفة به ومحبة له. قال ابن عطاء: لئن شكرتم: هدايتى، لأزيدنكم: خدمتى، ولئن شكرتم: خدمتى لأزيدنكم: مشاهدتى، ولئن شكرتم: مشاهدتى، لأزيدنكم: ولايتى، ولئن شكرتم: ولايتى، لأزيدنكم رؤيتى.

القشيري

تفسير : إن شكرتم لأزيدنكم من إنعامي وإِكرامي، وإن كفرتم بإحساني لأعذبنكم اليوم بامتحاني، وغداً بفراقي وهجراني. لئن عرفتم وصالي لأزيدنكم من وجود نوالي إلى شهود جمالي وجلالي. ويقال لئن شكرتم وجوده توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة. ويقال لئن شكرتم شهود المَكَافِي لأزيدنكم بشهود أوصافي. ويقال لئن شكرتم صنوف إنعامي لأزيدنكم بشهود إكْرَامِي ثم إلى شهود إِقْدَامي. ويقال لئن شكرتم مختص نعمائي لأزيدنكم مُنْتَظرَ آلائي. ويقال لئن شكرتم مخصوصَ نِعَمي لأزيدنكم مأمول كَرَمِي. ويقال لئن شكرتم ما خَوَّلناكُم من عطائي لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائي. ويقال لئن شكرتم ما لَوَّحْتُ في سرائركم زِدْناكُم ما أَلْبسْنَا من العصمة لظواهركم. ويقال لئن كفرتم نِعْمَتِي بأَنْ توهمتم استحقاقَها لَجَرَّعْنَاكم ما تَسْتَمِرُّون مذاقها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} علق زيادة نعمه عليهم بزيادة شكر لهم ولا علة لفضله وكرمه ولا تعلق لفيضه بكسب عباده وشكرهم وصبرهم بل شكرهم وصبرهم من توفيقه لهم اى من عرف عجزه عن شكرى لازيدن معرفته بى ولعجزه عن ادراك حقيقة معرفتى وحقيقة شكرى يكون عبدا شاكرا وهذا كقول الحسين حين قال الهى عجزت عن موضع شكرك فاشكر عنى فانه الشكر لا غير وهذا اعتراف داؤد عليه السلام فقال الهى لكل شكر شكر لانه يكون بتوفيقك فعجزت عن شكرك فقال سبحانه الان شكرتنى يا داؤد وايضا لئن شكرتم اصطفائيتى لكم بمعرفتى فى الازل وتعرفون حقيقتها لازيدنكم بكشف مشاهدتى لكم حتى تعاينوننى وتبصروننى بعيون المعرفة والقلوب الخالصة والارواح العاشقة والعقول المتحيرة فى جلالى قال حمدون شكر النعمة ان ترى فضلك فيه طفيلا قال بعضهم من شكر النعمة زاده من النعمة ومن شكر المنعم زاده معرفة به ومحبة له وقال ابن عطا لئن شكرتم هدايتى لازيدنكم خدمتى ولئن شكرتم خدمتى لازيدنكم مشاهدتى ولئن شكرتم مشاهدتى لازيدنكم ولايتى ولئن شكرتم ولايتى لازيدنكم رؤيتى وسئل ابن عطا عن قوله لئن شكرتم لازيدنكم قال اذا === الاشياء الى مصادرها من غير حضور منك لها فقد تم الشكر وقال الجوزجانى لئن شكرتم الاسلام لازيدنكم الايمان ولئن شكرتم الايمان لازيدنكم الاحسان ولئن شكرتم الاحسان لازيدنكم المعرفة ولئن شكرتم المعرفة لازيدنكم الوصلة ولئن شكرتم الوصلة لازيدنكم القرب ولئن شكرتم القرب لازيدنكم المعرفة ولئن شكرتم المعرفة لازيدنكم الوصلة ولئن شكرتم الوصلة لازيدنكم القرب ولئن شكرتم القرب لازيدنكم الانس وقيل انى خلقتكم لازيدنكم الانس بعد الوحشة والقرب بعد البعد والحضور بعد الغيبة قال الواسطى ذكر الزيادة حجبهم عن الحقيقة ثم كشف الحقيقة لاقوام متواجدين فقال واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الاية بالغداة والعشى يريدون وجهه لا الزيادة وفضله ولا حنته وبره بل للحصول مع الملك فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ويقال لئن شكرتم وجود الطافى لازيدنكم شهود اوصافى ثم بين سبحانه استغناءه عن شكر الشاكرين وصبر الصابرين وايمان المومنين وكفران الكافرين بقوله تعالى {إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} وصف تنزيهه وغناه وحمده وفيه اشارة اى ما دام انا مستغن عن الاكوان والحدثان فلا ابالى بغفرانهم وان ادخلهم جميعا فى بحار بحمتى فانى حميد حمدت نفسى قبل وجود خلقى لانى علمت عجز خلقى عن حمدى قال ابو صالح الغنى على الحقيقة من لم يزل غنيا ولا يزال غنيا ما زاده ايجاد الخلق غنى بل خلقهم على حد الافتقار وهو الغنى الحميد وقال الواسطى ليس الايمان بمقرب الى الحق ولا الكفر بمبعد عنه ولكن جرى ما جرى به الامر فى الازل بالسعادة والشقاء فظاهر الكفر والايمان اعلام لا حقائق والحقائق القضا الذى سبق الدهور والازمان.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ تأذن ربكم} من جملة مقال موسى لقومه معطوف على نعمة اى اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن وتأذن بمعنى آذان اى اعلم اعلاما بليغا لا يبقى معه شائبة شبهة اصلا لما فى صيغة التفعل من معنى التكلف المحمول فى حقه تعالى على غايته التى هى الكمال. وقال الخليل تأذن لكذا اوجب الفعل على نفسه. والمعنى اوجب ربكم على نفسه {لئن شكرتم} اللام لام التوطئة وهى التى تدخل على الشرط تقدم القسم لفظا او تقديرا لتؤذن ان الجواب له لا للشرط وهو مفعول تأذن على انه اجرى مجرى قال لانه ضرب من القول او مقول قول محذوف. والمعنى واذ تأذن ربكم فقال لئن شكرتم يا بنى اسرائيل نعمة الانجاء واهلاك العدو وغير ذلك وقابلتموها بالثبات على الايمان والعمل الصالح {لازيدنكم} نعمة الى نعمة ولاضاعفن لكم ما آتيتكم واللام ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا. قال الكاشفى [شيخ عبد الرحمن سلمى قدس سره از ابو على جرجانى قدس سره اكر شكر كنيد برنعمت اسلام زياده كنم آنرا بايمان واكر سباس دارى كنيد برايمان افزون كردانم باحسان واكر بران شكر كوييد زياده سازم آنرا بمعرفت واكربرآن شاكر باشيد برسانم بمقام وصلت واكر آنرا شكر كوييد بالا برم بدرجة قربت وبشكران نعمت در آرم بخلوتكاه انس ومشاهده وازين كلام حقائق اعلام ميشود كه شكر مرقات ترقى ومعراج تصاعد بر درجاتست]: وفى المثنوى شعر : شكر نعمت نعمتت افزون كند كس زيان برشكر كفتى جون كند شكر باشد دفع علتهاى دل سود دارد شاكر از سوداى دل تفسير : وقال فى التأويلات النجمية {لئن شكرتم} التوفيق {لازيدنكم} فى التقرب الى {ولئن شكرتم} التقرب الى {لازيدنكم} فى تقربى اليكم {ولئن شكرتم} تقربى اليكم {لازيدنكم} فى المحبة {ولئن شكرتم} المحبة {لازيدنكم} فى محبتى لكم {ولئن شكرتم} محبتى {لازيدنكم} فى الجذبة الى {ولئن شكرتم} الجذبة {لازيدنكم} فى البقاء {ولئن شكرتم} البقاء {لازيدنكم} فى الوحدة {ولئن شكرتم} الوحدة {لازيدنكم} فى الصبر على الشكر والشكر على الصبر والصبر على الصبر والشكر على الشكر لتكونوا صبارا شكورا {ولئن كفرتم} اى لم تشكروا نعمتى وقابلتموها بالنسيان والكفران اى لاعذبنكم فيكون قوله {ان عذابى لشديد} تعليلا للجواب المحذوف او فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم ومن عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك باكرم الاكرمين حيث لم يقل ان عذابى لكم ونظيره قوله تعالى {أية : نبئ عبادى انى انا الغفور الرحيم وان عذابى هو العذاب الاليم } تفسير : قال سعدى المفتى ثم المعهود فى القرآن انه اذا ذكر الخير اسنده الى ذاته تعالى وتقدس واذا ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته اليه وقد جاء التركيب هنا على ذلك ايضا فقال وتقدس واذا ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته اليه وقد جاء التركيب هنا على لذك فقال فى الاول لازيدنكم وفى الثانى ان عذابى لشديد ولم يأت التركيب لاعذبنكم انتهى. ثم ان شدة العذاب فى الدنيا بسلب النعم وفى العقبى بعذاب جهنم. وفى الأويلات النجمية ان عذاب مفارقتى بترك مواصلتى لشديد فان فوات نعيم الدنيا والآخرة شديد على النفوس وفوات نعيم المواصلات أشد على القلوب والارواح. قال فى بحر العلوم لقد كفروا نعمه حيث اتخذوا العجل وبدلوا القول فعذبهم بالقتل والطاعون. وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال من رزق ستا لم يحرم ستا من رزق الشكر لم يحرم الزيادة لقوله تعالى {لئن شكرتم لأزيدنكم} ومن رزق الصبر لم يحرم الثواب لقوله تعالى {أية : انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب}تفسير : : قال المولى الجامى شعر : اكر زسهم حوادث مصيبتى رسدت درين نشمين حرمان كه موطن خطرست مكن بدست جزع خرقه صبورى جاك كه فوت اجر مصيبت مصيبت دكرست تفسير : ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى {أية : وهو الذى يقبل التوبة عن عباده} تفسير : ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى {أية : استغفروا ربكم انه كان غفارا} تفسير : ومن رزق الدعاء لك يحرم الاجابة لقوله تعالى {أية : ادعونى استجب لكم} تفسير : وذلك لان الله تعالى لا يمكن العبد من الدعاء الا لاجابته ومن رزق النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى {أية : وما انفقتم من شيء فهو يخلفه}تفسير : : وفى المثنوى شعر : كفت بيغمبر كه دائم بهر بند دو فرشته خوش منادى مى كنند كاى خدايا منفقانرا سير دار هر درمشانرا عوض ده صد هزار اى خدايا ممسكانرا در جهان تومده الا زيان اندر زيان تفسير : فعلى العاقل ان يشكر النعمة ويرجو من الله الملك القادر الخالق الرزاق ان لا يفتر القلب واللسان واليد من الفكر والذكر والانفاق. ولقد ترك بلعم بن باعورا شكر نعمة الاسلام والايمان فعوقب بالحرمان ونعوذ بالله من الخذلان اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين والمطيعين الصابرين القانعين انك انت المعين فى كل حين آمين

الطوسي

تفسير : وهذه الآية عطف على الاولى، والتقدير واذكروا {إِذ تأذن ربكم} اي أعلمكم وقد يستعمل (تفعَّل) بمعنى (أفعل) كقولهم اوعدته وتوعّدته، وهو قول الحسن والفراء، قال الحرث بن حلزة: شعر : آذنتنا ببينها أسماء رُبَّ ثاوٍ يملُّ منه الثواءُ تفسير : والمعنى أعلم ربكم. وقوله {لئن شكرتم لأزيدنكم} التقدير أعلمكم أنكم متى شكرتموني على نعمي، واعترفتم بها زدتكم نعمة الى نعمة {ولئن كفرتم} أي جحدتم نعمتي وكفرتموها {إن عذابي لشديد} لمن كفر نعمتي. ثم أخبر ان موسى قال لقومه {إن تكفروا} نعم الله وتجحدونها {أنتم} وجميع {من في الأرض} من الخلق فإِنه لا يضر الله. وإِنما يضركم ذلك، بأن تستحقوا منه العذاب والعقاب {فإن الله لغني حميد} اي غني عن شكركم حميد في أفعاله. والغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، والحميد الكبير لاستحقاق الحمد بعظم إِنعامه، وهي صفة مبالغة في الحمد، وقد يكون كفر النعمة بأن يشبه الله بخلقه أو يجوّر في حكمه، أو يرّد على نبي من انبيائه، أو كان بمنزلة واحد منها في عظم الفاحشة، لان الله تعالى منعم بجميع ذلك من حيث أقام الادلة الواضحة على صحة جميع ذلك وغرضه بالنظر في جميعها الثواب الجزيل، فلذلك كان منعماً بها إِن شاء.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ} علم {رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ} نعمة الانجاء {لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ} بالطّغيان وترك العمل بطاعته {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وقد فسّر الشّكر بمعرفة القلب انّ النّعمة من الله ويقول الحمد لله.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} قال بعضهم: وإذ قال ربكم. وقال الحسن: {تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} يقول: أعلمكم ربكم {لَئِن شَكَرْتُمْ} أي: آمنتم {لأََزِيدَنَّكُمْ} أي: في النعم { وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أي: الآخرة. وهو كقوله: (أية : وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) تفسير : [سورة هود:52]. وكقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقُوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} أي: إذا لأعطتهم السماء مطرها والأرض نباتها. (أية : وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) تفسير : [الأعراف:96] أي يعملون، يخوِّفهم ما أهلك به الأمم السالفة. قوله: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: خبر الذين من قبلكم { قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ} أي: كيف أهلكهم. وقوله: {والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} كقوله: (أية : وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً) تفسير : [الفرقان:38-39] أي: دمرنا تدميراً. قوله: { جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: جعلوا أيديهم في أفواههم، أي: في أفواه الأنبياء، تكذيباً لهم بما جاءوا به من عند الله. وقال بعضهم: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: بأفوههم [أي: بألسنتهم] فكذبوهم. وقال بعضهم: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: عضّوا أناملهم، أي: غيظاً عليهم؛ مثل قوله في المنافقين (أية : وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ)تفسير : [آل عمران:119]. { وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} عطف على إِذ الثانية أو على نعمة وهو من كلام موسى من نفسه أو بالإِيحاء إِليه {تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} أعلم علماً بليغا والمبالغة تفيدها زيادة تاء والتشديد ووزنه تفعل كتقدس من أذن بمعنى أعلم والجملة بعده مع القسم المقدر قبلها مفعول له لأَن فيه معنى القول لأَن الإِعلام بالوحى والوحى كلام كما يدل له تفسير بعضهم إِياه بالقول وقراءة ابن مسعود وإِذ قال ربكم، أو مقول لقول محذوف أى وإِذ تأَذن ربكم قائلا أو فقال {لَئِن شَكَرْتُمْ} يا بنى إِسرائيل ما أنعم به عليكم من الإِنجاء وغيره بالإِيمان والعمل الصالح {لأَزِيدَنَّكُمْ} من النعم الدنيوية أو منها ومن الأخروية. وقال بعض العلماء الزيادة على الشكر ليست فى الدنيا وإِنما هى من نعم الآخرة والدنيا أهون من ذلك، قلت هو ضعيف بل هو سبب لنعم الدنيا كما هو سبب لنعم الآخرة قبل شكر الموجود صيد المفقود وعن الحسن لأَزيدنكم من طاعتى وكذا عن سفيان وضعفه الطبرى قال عياض بل هو قوى حسن قيل إِنه وجه تضعيفه أنه خصص والأَصل التعميم قلت بل وجهه أن الأَصل فى الجزاء أن يكون من غير جنسه المجازى إِليه وإِنه ليس كل أحد يصل درجة اعتقادات زيادة الطاعة أعظم جزاء وحقيقته الاعتراف بالنعم مع تعظيم المنعم واستعمال الجوارح والقلب فى الطاعة المخلوق لأَجلها، ويتوصل إِليه بالاشتغال بتعديدها ولو كان لا طاقة على استقصائها وأعلى من هذه الدرجة الاشتغال بحب المنعم عن الالتفات إلى النعم وأصله تصور النعمة وإِظهارها. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : من أعطى الشكر لم يحرم الزيادة لأَن الله تعالى قال لئن شكرتم لأَزيدنكم" تفسير : {وَلَئِن كَفَرْتُم} جحدتم النعمة بالكفر والمعصية وجواب القسم محذوف تقديره لأعذبنكم عذاباً شديداً وكنى عنه بقوله {إِنَّ عَذَابِى} فى الآخرة أو فى الدارين {لَشَدِيدٌ} للكافر ومن عادة أكرم الأَكرمين أن يصرح بالوعد كما قال لأزيدنكم ويكنى عن الوعيد كما رأيت.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} هذا وما بعده من كلام موسى عليه السلام لقومه للجمع والخطاب فى قوله: {تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} أَى نعمه فإِن الشكر يقتضى تقدم نعمة تشكر {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِى لَشَدِيدٌ} والعطف على نعمة الله، والمعنى اذكروا نعمة الله عليكم، اذكروا القصة الواقعة حين تأَذن ربكم، أَو على إذا أنجاكم من آل إِلخ، فأَعاد إذ للتشبيه على استقلاله، أَى واذكروا نعمته عليكم فى الوقتين، فإِن التأّذن أيضاً نعمة من ربهم عليهم لأَنه سبب لتنشيط الشكر الموجب لزيادة النعمة، ومسبب لمجانبة الكفر الموجب للنقمة، ويجوز أن يكون ذلك من كلام الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيقدر، واذكروا إِذ تأَذن ربكم بالجمع، ويجوز الإِفراد فيكون كقوله تعالى: "أية : يا أَيها النبى إِذا طلقتم النساء"تفسير : [الطلاق: 1] وفى التأَذن مبالغة لأَن من المعانى الموضوعة للتفعل التكلف والعلاج تعالى الله عنهما، والجملة مقول لمحذوف حال أَى قائِلا: لئِن شكرتم يا بنى إِسرائِيل ما أَنعمت به عليكم من الإِنجاءِ وغيره، أَو قائلا لئن شكرتم يا أَهل مكة ما أَنعمت عليكم به من رحلة الشتاءِ والصيف، ومن جعل مكة حرما آمنا وغير ذلك، بالإِيمان والعمل الصالح لأَزيدنكم نعم الدنيا ونعم الآخرة والدين، وقيل: نعم الدنيا، والعموم أولى، ومنه زيادة العبادة، وإِن كان الخطاب لمؤْمنى بنى إِسرائِيل، فالمراد بقيتم على الشكر، أَو زدتم فيه ولئِن كفرتم بقيتم على الشرك، أَو الفسق، أَو لئِن كفرتم بعد نزول هذه الاية إن عذابى لشديد، فخافوا أَن ينزل عليكم، أَو مفعول به لتأَذن لتضمنه معنى قال أَو معنى أَعلم، ومقتضى الظاهر، ولئِن كفرتم لأَعذبنكم عذاباً شديداً، وعبر عن ذلك بقوله: إِن عذابى لشديد؛ لأَن من عادة الله عز وجل أَن يصرح بالوعد كما قال: لأَزيدنكم، ويعرض بالوعيد تعريضاً، ولأَن من عادته تعالى إِسناد الخير إِليه دون الشر، ومن ذلك النوع أَن رحمته سبقت غضبه، ومنافع الشكر ومضار الكفر إِنما تعود إلى الشاكر والكافر، وأَما الله عز وجل فلا يلحقه نفع ولا ضر، كما قال: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِى الأَرْضِ جَمِيعاً} من المكلفين {فَإِن اللهَ لَغِنِىٌّ حَمِيدٌ} لا يحتاج إلى شكرهم ولا إلى أَن يتركوا الكفر وهو محمود لنعمه، ولا نعمة إِلا منه وممدوح لذاته وصفاته، وهى هو فما شكرتم إِلا لأَنفسكم، وما كفرتم إلا عليها، وفى الآية إرشاد لأَهل مكة إلى أَن يتأَثروا بقول موسى هذا، وزاد تهديداً لهم بقوله {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأٌ} تقرير وتوبيخ بأَن لم ينتفعوا بخبر من قبلهم {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ} قوم هود، سموا باسم جدهم عاد {وَثَمُودَ} قوم صالح سموا كذلك {وَالَّذِينَ} عطف على قوم أَو على الذين {مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ} لكثرتهم، كما قال ابن مسعود: كذب النسابون، فلا يعلم أحد عمر الدنيا، ولا كم سنة من آدم، ولا الأَنساب إليه قال الله - عز وجل: "أية : وقرونا بين ذلك " تفسير : [الفرقان: 38] " أية : ومنهم من لم نقصص عليك" تفسير : [غافر: 78] وجملة لا يعلمهم إلا الله حال من الذين أَو من المستتر فيمن بعدهم، أَو الذين مبتدأٌ خبره لا يعلمهم إِلخ، عن ابن عباس: بين عدنان وإِسماعيل ثلاثون أَبا لا يعرفون {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبَيِّنَاتِ} تفسير للنبإِ وكأَنه قيل: ما شأْنهم؟ فقال جاءَتهم إلخ، وخبر ثان للذين الأَخير، وقوله: أَلم يأْتكم من كلام الله تعالى لأَهل مكة، وقيل: من كلام موسى، والأَول أَولى لأَنه اعتيد تهديد أَهل مكة بالأُمم قبلهم لا تهديد موسى لقومه بمن قبلهم،، ولأَن الكثرة تزيد بأَن يكون الخطاب لهم، وتنقص بأَن يكون من موسى لقومه، والبينات، البراهين {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ} إلى أَفواههم أَو كما يقال: رد الشىءَ فى موضعه بمعنى أَثبته فيه، والضمائِر فى قوله: جاءَتهم إلى قوله: أَفواههم عائِدة إِلى الذين من قبلهم والذين من بعدهم، ومعنى رد الأَيدى إمالتها إلى ما لم تكن فيه لا ردها إلى موضع كانت فيه فنزعت عنه بأَن عضوا عليها بعد إِمالتها إلى الفم غيظاً من رؤية الرسل ومما جاءَت به الرسل لتسفيه دينهم من عبادة الأَصنام وسائِر معاصيهم كقوله تعالى: " أية : عضوا عليكم الأَنامل من الغيظ"تفسير : [آل عمران: 119] ولما كان لازماللعض عبر به عن العض، وذلك لفرط حميتهم، والأَيدى على ظاهره، أَو الأَنامل كالآية المذكورة، أَو الرد وضعها على أَفواههم تعجيبا عظيماً كأَنهم أَراد أَن يفحشوا بالكلام فمنعوا أَنفسهم، أَو استهزاءً، أَو الرد غير حقيقى بل هو مجاز عن التعجب، أَو الاستهزاءِ أَو الرد فى الأَفواه منهم أَنفسهم عن الضحك بوضع الأَيدى على الأَفواه، كما يفعل ذلك من خاف الضحك من نفسه، أَو الرد وضعها على أَفواههم إِشارة إلى الرسل أَن اسكتوا، أَو إِشارة إلى أَلسنتهم بأَن جوابكم بها هو قولنا: إِنا كفرنا بما، إِلخ، أَو قالوا هذا وأَشاروا إِليها بعد القول، أَو الرد فى أَفواه الأَنبياءِ على أَن الهاءَ للأَنبياءِ أَمسكوا أَفواههم لئلا يتكلموا، وذلك حقيقة أو استعارة تمثيلية بأَن يشبه قصد الأَنبياءِ الكلام وعدم قبول الكفار له وزجرهم للأنبياءِ عن الكلام بقصد أَحد الكلام وكراهة غيره للكلام ومنعه عنه بإِمساك فمه، أَو الأَيدى النعم، وهى نعم الأَنبياءِ، وهى ما جاءُوا به من الوحى فالهاءُ أَيضاً للأَنبياءِ، ومعنى ردها عدم قبولها، وكأَنهم ردوها حيث جاءَت، وهذا أَيضاً تمثيلية، ويقال هاءُ أَيديهم للكفار، وهاءُ أَفواههم للرسل، والأَيدى، النعم، ويقال: الأَول للرسل والثانى للكفار، ويقال: الهاءان الكفار، {وقَالُوا إِنَّا كفرْنا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} على زعمكم أنكم أرسلتم به، أَو ذكروا الإرسال استهزاءً، أَو أَرادوا بما أُرسلتم به من غير الله، ولا يجوز أَن تكون أَنا إن المخففة من الثقيلة مثل: أَن قد صدقتنا بل التقت ثلاث نونات فحذفت ثانية أَن أَو نون نا ويدل لذلك ورود إننا بلا حذف {وإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} موقع فى الريبة من أَرابك فلان بمعنى أَوقعك فى الريبة، أًو مريب ذو ريبة من أراب بمعنى صار ذا ريبة، والشك هنا غير الريبة، والريبة هى قلق النفس بعد الشك، وقد يسمى بها الشك لأَنه سببها وملزومها، والجملة تأَكيد لما قبلها بوجه بليغ، إِذ جعلوا أَنفسهم محاطة بالشك المريب إحاطة الظرف بالمظروف وصح إِطلاق الشك عليهم بعد إِطلاق الجزم بالكفر لأَن الشاك كافر لأَنه إِنما يخرج عن الشرك بالجزم بالتوحيد فلا إِيمان للشاك فهو كالمنكر، أَو الواو بمعنى، أَو أَى إِما أَن نكفر جزماً أَن نشك، أَو الواو بمعنى أَو التنويعية، بعض يجزم بالكفر وبعض يشك أَو كفرنا بالمعجزات والبينات وشككنا فى التوحيد، وقرىء تدعونا وتصدونا بالإِدغام فالتقاءُ الساكنين إِذا كان الأَول حرف مد جائِز وارد ولو كان حرف المد والساكن بعده ليسا من كلمة واحدة، وقد جمعت قراءَات من ذلك فى شرح جامع حرف ورش.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} داخل في مقول موسى عليه السلام لا كلام مبتدأ، وهو معطوف على {أية : نِعْمَةَ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم: 6] أي اذكروا نعمة الله تعالى عليكم واذكروا حين تأذن ربكم أي آذن إيذاناً بليغاً وأعلم إعلاماً لا يبقى معه شبهة لما في صيغة التفعل من معنى التكلف المحمول في حقه تعالى لاستحالة حقيقته عليه سبحانه على غايته التي هي الكمال، وجوز عطفه على {إِذْ أَنجَاكُمْ} أي اذكروا نعمته تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذن أيضاً نعمة من الله تعالى عليهم لما فيه من الترغيب والترهيب الباعثين إلى ما ينالون به خيري الدنيا والآخرة، وفي قراءة ابن مسعود {وإذ قال ربكم}. {لَئِن شَكَرْتُمْ} ما خولتكم من نعمة الإنجاء من إهلاك وغير ذلك وقابلتموه بالإيمان أو بالثبات عليه أو الإخلاص فيه والعمل الصالح {لأَزِيدَنَّكُمْ} أي نعمة إلى نعمة فإن زيادة النعمة ظاهرة في سبق نعمة أخرى، وقيل: يفهم ذلك أيضاً من لفظ الشكر فإنه دال على سبق النعم فليس الزيادة لمجرد الإحداث، والظاهر ـ على ما قيل ـ إن هذه الزيادة في الدنيا، وقيل: يحتمل أن تكون في الدنيا وفي الآخرة وليس ببعيد، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لئن وحدتم وأطعتم/ لأزيدنكم في الثواب، وعن الحسن. وسفيان الثوري أن المعنى لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من طاعتي، والكل خلاف الظاهر. وذكر الإمام ((أن حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وبيان زيادة النعم به أن النعم منها روحانية ومنها جسمانية والشاكر يكون أبداً في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه وذلك يوجب تأكد محبة الله تعالى المحسن عليه بذلك ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يكون حبه للمنعم شاغلاً له عن الالتفات إلى النعمة وهذه أعلى وأغلى فثبت من هذا أن الاشتغال بالشكر يوجب زيادة النعم الروحانية، وكونه موجباً لزيادة النعم الجسمانية فللاستقراء الدال على أن كل من كان اشتغاله بالشكر أكثر كان وصول النعم إليه أكثر)) وهو كما ترى. {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} ذلك وغمطتموه ولم تشكروه كما تدل عليه المقابلة، وقيل: المراد بالكفر ما يقابل الإيمان كأنه قيل: ولئن أشركتم {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ} فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم، ومن عادة الكرام غالباً التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين، فلذا لم يقل سبحانه: إن عذابـي لكم لأعذبنكم كما قال جل وعلا: {لأَزِيدَنَّكُمْ}. وجوز أن يكون المذكور تعليلاً للجواب المحذوف أي لأعذبنكم، وبين الإمام وجه كون كفران النعم سبباً للعذاب أنه لا يحصل الكفران إلا عند الجهل بكون تلك النعمة من الله تعالى؛ والجاهل بذلك جاهل بالله تعالى والجهل به سبحانه من أعظم أنواع العذاب. والآية مما اجتمع فيها القسم والشرط فالجواب ساد مسد جوابيهما، والجملة إما مفعول ـ لتأذن ـ لأنه ضرب من القول أو مفعول قول مقدر منصوب على الحال ساد معموله مسده أي قائلاً لئن شركتم الخ، وهذان مذهبان مشهوران للكوفية والبصرية في أمثال ذلك. واستدل بالآية على أن شكر المنعم واجب وهو مما أجمع عليه السنيون والمعتزلة إلا أن الأولين على وجوبه شرعاً والآخرين على وجوبه عقلاً، وهو مبني على قولهم بالحسن والقبح العقليين، وقد هد أركانه أهل السنة، على أنه لو قيل به لم يكد يتم لهم الاستدلال بذلك في هذا المقام كما بين في محله.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {إذ أنجاكم من آل فرعون} فهو من كلام موسى ــــ عليه السلام ــــ والتقدير: واذكروا نعمة الله عليكم إذ تأذّن ربكم لئن شكرتم الخ، لأن الجزاء عن شكر النعمة بالزيادة منها نعمةٌ وفضل من الله، لأن شكر المنعم واجب فلا يستحق جزاءً لولا سعة فضل الله. وأما قوله: {ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} فجاءت به المقابلة. ويجوز أن يعطف {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} على {نعمة الله عليكم}. فيكون التقدير: واذكروا إذ تأذن ربكم، على أن {إذ} منصوبة على المفعولية وليست ظرفاً وذلك من استعمالاتها. وقد تقدم عند قوله تعالى في سورة الأعراف (167): { أية : وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم } تفسير : وقوله: { أية : واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم } تفسير : [سورة الأعراف: 86]. ومعنى {تأذن ربكم} تكلّم كلاماً عَلَناً، أي كلم موسى ــــ عليه السلام ــــ بما تضمنه هذا الذي في الآية بمسمع من جماعة بني إسرائيل. ولعل هذا الكلام هو الذي في الفقرات (9 ــــ 20) من الإصحاح (19) من «سفر الخروج»، والفقرات (1 ــــ 18، 22) من الإصحاح (20) منه، والفقرات (من 20 إلى 30) من الإصحاح (23) منه. والتأذن مبالغة في الأذان يقال: أذن وتأذّن كما يقال: توعّد وأوعد، وتفضّل وأفضل. ففي صيغة تفعّل زيادة معنى على صيغة أفْعَلَ. وجملة {لئن شكرتم} موطئة للقسم والقسم مستعمل في التأكيد. والشكر مؤذن بالنعمة. فالمراد: شكر نعمة الإنجاء من آل فرعون وغيرها، ولذلك حذف مفعول {شكرتم} ومفعول {لأزيدنكم} ليقدر عاماً في الفعلين. والكفر مراد به كفر النعمة وهو مقابلة المنعم بالعصيان. وأعظم الكفر جحد الخالق أو عبادة غيره معه وهو الإشراك، كما أن الشكر مقابلة النعمة بإظهار العبودية والطاعة. واستغنى بــــ {إن عذابي لشديد} عن { أية : لأعذبنه عذاباً شديداً } تفسير : [النمل: 21] لكونه أعم وأوجز، ولكون إفادة الوعيد بضرب من التعريض أوقع في النفس. والمعنى: إن عذابي لشديد لمن كفر فأنتم إذن منهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِن} (7) - وَاذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ آذَنَكُمْ رَبُّكُمْ، وَأَعْلَمَكُمْ بِوَعْدِهِ، فَقَالَ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ مِنْهَا، وَلَئِنْ كَفَرْتُمُ النِّعَمَ وَسَتَرْتُمُوهَا وَجَحَدْتُمُوهَا، لأُعَاقِبَنَّكُمْ عِقَابا شَدِيداً عَلَى كُفْرِها، وَلأَسْلُبَنَّكُمْ إِيَّاهَا. (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى لِعِبَارَةِ: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ" هُوَ: وَإِذْ أَقْسَمَ رَبُّكُمْ بِعِزَّتِهِ وَجَلاَلِهِ وَكِبْرِيَائِهِ). تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ - أَعْلَمَ إِعْلاَماً لاَ شُبْهَةَ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ أن الآية تبدأ بكلمة "تأذَّن" وكل المادة الأَلِف والذال والنون مأخوذة من الأذن. والأذن آلة السماع، والأذان إعلام، وآذنهم أي أعلمهم. وتأذن أي: اعلم بتوكيد. وهكذا يكون معنى الآية: أني أُعلِمكم بتوكيد من ربكم أنكم إنْ شكرتم ليزيدنكم من نعمه وعطائه؛ لأن الشكر دليلُ ارتباط بالواهب؛ وأنكم سلختم أنفسكم من الاعتزاز بما أوتيتم، وعلمتم أنه هو وحده الوهاب. والحق سبحانه هو مَنْ قال: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6ـ7]. ولو كان الإنسان مربوطاً بالحق سبحانه؛ لما فصل الحقَّ عن نعمه؛ ولظل ذاكراً للحق الذي وهبه النِّعمَ. ولذلك أقول دائماً: إياك أن تشغلك النعمة عن المُنِعم؛ لأن النعمة موهوبة لك؛ وليستْ ذاتية فيك. وتأتي المقابلة من بعد ذلك مباشرة؛ فيقول: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]. وهنا يثور سؤال: هل الذي لا يشكر نعم الله يكون كافراً؟ وهنا علينا أن نعلم أن هناك فارقاً بين الكفر والكفران، ولكن لفظ الكفر جاء هنا ليغلظ من معنى عدم الشكر، ولم يأت بكلمة كُفْران وجاء بقوله: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]. والمثل في ذلك قول الحق سبحانه: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 97]. ومَنْ لم يحج فهو عَاصٍ؛ وكأن الله يريد أن يُصعِّب عدم القيام بالحج. أو: أن الآية تريد حُكْمين: الحكم الأول: الإيمان بفرضية الحج؛ والثاني: القيام بالحج فعلاً. ذلك أن الحق سبحانه قد قال: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ..} تفسير : [آل عمران: 97]. فَمنْ يؤمن بأن هذا حُكْم صحيح واجب ويؤمن به ولكنه لا يُنفِّذه؛ قد يدخل في المعصية؛ لأنه يستطيع أن يحُجَّ ولم يفعل. أما مَنْ يكفر بالحج نفسه وينكر القضية كلها؛ فهو كافر والعياذ بالله. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]. وهكذا جاء الكفر مقابل الشكر، ولا بُدَّ من عذاب للكفر؛ وعذابُ الله لا بُدَّ أن يكون شديداً؛ لأن العذاب يتناسب بقدرة المعذب، ولا أقدرَ من الله، ونعوذ به سبحانه من عذابه، فهو أمر لا يُطاَق. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} معناهُ أعْلمكُمْ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 461 : 1 : 17 - سفين ثنا بعض أصحابنا عن مجاهد في قوله {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} قال، من إطاعتي. [الآية 7].