١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا وفي الآخرة، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة، بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران أما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران، فلا جرم قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ } والغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة إلى المعبود، والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ } وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته، لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن كونه غنياً يوجب كونه واجب الوجود في ذاته، وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته، كان أيضاً واجب الوجود بحسب جميع كمالاته، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل، فحينئذ لا يكون غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته، وإذا كان الأمر كذلك كان حميداً لذاته، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنياً حميداً يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين، ولا ينتقص بكفران الكافرين، فلهذا المعنى قال: {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ } وهذه المعاني من لطائف الأسرار. واعلم أن قولنا: {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا } سواء حمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله. ثم إنه تعالى قال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } وذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطاباً من موسى عليه السلام لقومه والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى، والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم. واعلم أنه تعالى ذكر أقواماً ثلاثة، وهم: قوم نوح وعاد وثمود. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } وذكر صاحب «الكشاف» فيه احتمالين: الأول: أن يكون قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً. والثاني: أن يقال قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } معطوف على قوم نوح وعاد وثمود وقوله: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } فيه قولان: القول الأول: أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله، لأن المذكور في القرآن جملة فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل. والقول الثاني: أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلاً كذبوا رسلاً لم نعرفهم أصلاً، ولا يعلمهم إلا الله والقائلون بهذا القول الثاني طعنوا في قول من يصل الأنساب إلى آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد، وعن ابن عباس: بين عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون، ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 38] وقوله: { أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } تفسير : [غافر: 78] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن أدد. وقال: « حديث : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق » تفسير : قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع على مقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت، لأنه إن أمكن ذلك لم يبعد أيضاً تحصيل العلم بالأنساب الموصولة. فإن قيل: أي القولين أولى؟ قلنا: القول الثاني عندي أقرب، لأن قوله تعالى: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } نفى العلم بهم، وذلك يقتضي نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة، وكان المجهول هو مدد أعمارهم وكيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم، ولما كان ظاهر الآية دليلاً على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور: أولها: قوله: {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } وفي معناه قولان: الأول: أن المراد باليد والفم الجارحتان المعلومتان، والثاني: أن المراد بهما شيء غير هاتين الجارحتين وإنما ذكرهما مجازاً وتوسعاً. أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون الضمير في {أَيْدِيَهُمْ } و {أَفْوَاهِهِمْ } عائداً إلى الكفار، وعلى هذا ففيه احتمالات: الأول: أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } تفسير : [آل عمران: 119] وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى، وهو اختيار القاضي. والثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك فوضع يده على فيه، والثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث، وهذا مروي عن الكلبي. والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به، أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه، وليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله: {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ }. الوجه الثاني: أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام وفيه وجهان: الأول: أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. الثاني: أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاماً عند قوم وأنكروه وخافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكرم ألبتة. الوجه الثالث: أن يكون الضمير في أيديهم يرجع إلى الكفار وفي الأفواه إلى الرسل وفيه وجهان: الأول: أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام ونصائحهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم ورداً عليهم. والثاني: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعاً لهم من الكلام، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك. أما على القول الثاني: وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه: الوجه الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج وذلك لأن أسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يداً. يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفاً، وقد يذكر اليد. المراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد، وأيضاً العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي، وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت، ونظيره قوله تعالى: { أية : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوٰهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [النور: 15] فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع رداً في الأفواه، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه. الوجه الثاني: نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله: {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب، رد يده في فيه وتقول العرب كلمت فلاناً في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال: إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ }. الوجه الثالث: المراد من الأيدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة والإبطال فقوله: {رَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } أي ردوا نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم ولا يبعد حمل «في» على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع إقامة بعضها مقام بعض. النوع الثاني: من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } والمعنى: إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا. واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام وحاولوا إسكات الأنبياء عن تلك الدعوى، وهذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة. والنوع الثالث: قولهم: {وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {تَدْعُونَا } بادغام النون {مُرِيبٍ } موقع في الريبة أو ذي ريبة من أرابه، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر. فإن قيل: لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم؟ قلنا: كأنهم قالوا إما أن نكون كافرين برسالتكم أو أن ندع هذا الجزم واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي لا يلحقه بذلك نقص، بل هو الغني. «الْحَمِيدُ» أي المحمود. قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} النبأ الخبر، والجمع الأنباء؛ قال:شعر : أَلَمْ يَأْتِيـكَ وَٱلأنبـاءُ تَنْمِـي تفسير : ثم قيل: هو من قول موسى. وقيل: من قول الله؛ أي وٱذكر يا محمد إذ قال ربك كذا. وقيل: هو ٱبتداء خطاب من الله تعالى. وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور قصه الله في كتابه. وقوله: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يعرف نسبهم إلا الله؛ والنّسابون وإن نَسَبوا إلى آدم فلا يدّعون إحصاء جميع الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويمسِكون عن نسب البعض؛ حديث : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع النّسابين ينسبون إلى معدّ بن عدنان ثم زادوا فقال: «كذب النسابون إن الله يقول: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}»تفسير : . وقد رُوي عن عُرْوة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان وإسمعيل. وقال ٱبن عباس: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ: «لاَ يعلمهُمْ إِلاَّ اللَّه»: كذب النّسابون. {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج والدلالات. {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليَعضُّوها غيظاً مما جاء به الرسل؛ إذ كان فيه تَسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم؛ قاله ابن مسعود، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد، وقرأ: «أية : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظ} تفسير : [آل عمران:119] وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال أبو صالح: كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم: أَنِ ٱسكت، تكذيباً له، وردًّا لقوله؛ وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. والضميران للكفار؛ والقول الأول أصحها إسناداً؛ قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحق عن أبي الأحوص (عن) عبد الله في قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} قال: عَضُّوا عليها غيظاً؛ وقال الشاعر: شعر : لو أنّ سَلْمَى أَبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ودِقَّةً في عظمِ ساقي ويَدي وبُعْدَ أَهْليِ وجَفَاءَ عُوَّدِي عَضّتْ من الْوَجْدِ بأطرافِ اليدِ تفسير : وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران» مجوّداً، والحمد لله. وقال مجاهد وقَتَادة: ردّوا على الرسل قولهم وكذّبوهم بأفواههم؛ فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار. وقال الحسن وغيره: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم؛ فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل. وقيل معناه: أَوْمأوا للرسل أن يسكتوا. وقال مقاتل: أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. وقيل: ردّ الرسل أيدي القوم في أفواههم. وقيل: إن الأيدي هنا النِّعم؛ أي ردّوا نِعم الرسل بأفواههم، أي بالنطق والتكذيب؛ ومجيء الرسل بالشرائع نِعَمٌ؛ والمعنى: كذّبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل. و «في» بمعنى الباء؛ يقال: جلست في البيت وبالبيت؛ وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض. وقال أبو عبيدة: هو ضرب مَثَل؛ أي لم يُؤْمنوا ولم يُجيبوا؛ والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد ردّ يده في فيه؛ وقاله الأخفش أيضاً. وقال القُتَبيّ: لم نسمع أحداً من العرب يقول: ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى: عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً؛ لقول الشاعر:شعر : تَرُدّون في فِيهِ غِشَّ الْحَسُو دِ حتى يَعَضَّ عليّ الأَكُفَّا تفسير : يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعضّ على أصابعه وكفّيه. وقال آخر:شعر : قَد أَفْنَى أنَامِلَهُ أَزْمَةً فأضحَى يَعَضُّ عليَّ الْوَظِيفَا تفسير : وقالوا: - يعني الأمم للرسل ـ {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي بالإرسال على زعمكم، لا أنهم أقرّوا أنهم أُرسلوا. {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ} أي في ريب ومِرية. {مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ} من التوحيد. {مُرِيبٍ} أي موجب للرّيبة؛ يقال: أربته إذ فعلت أمراً أوجب ريبة وشكًّا؛ أي نظنّ أنكم تطلبون الملك والدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى } لقومه {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ } عن خلقه {حَمِيدٌ } محمود في صنعه بهم.
النسفي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ } يا بني إسرائيل {وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } والناس كلهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ } عن شكركم {حَمِيدٌ } وإن لم يحمده الحامدون وأنتم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } من كلام موسى لقومه أو ابتداء خطاب لأهل عصر محمد عليه السلام {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً، أو عطف {الذين من بعدهم} على {قوم نوح} و{لا يعلمهم إلا الله} اعتراض، والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بين عدنان وإسمٰعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. ورُوى أنه عليه السلام قال عند نزول هذه الآية: كذب النسابون {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجباً أو عضوا عليها تغيظاً، أو الثاني يعود إلى الأنبياء أي رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا بما أرسلوا به {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } من الإيمان بالله والتوحيد {مُرِيبٍ } موقع في الريبة {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وهو جواب قولهم {أية : وإنا لفي شك}تفسير : {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ } إِلَى الإيمان {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } إِذا آمنتم ولم تجيء مع «من» إلا في خطاب الكافرين كقوله: {أية : وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ} تفسير : [نوح:4،3] {أية : يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ} تفسير : [الاحقاف:31] وقال في خطاب المؤمنين: {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ } إلى أن قال: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ }تفسير : [الصف: 11،10] وغير ذلك مما يعرف بالاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد {وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت قد سماه وبين مقداره. {قَالُواْ } أي القوم {إِنْ أَنتُمْ } ما أنتم {إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } يعني الأصنام {فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } بحجة بينة وقد جاءتهم رسلهم بالبينات، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجا
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ} نِعمَه تعالى ولم تشكروها {أَنتُمْ} يا بني إسرائيلَ {وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} من الخلائق {جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ} عن شكركم وشكرِ غيرِكم {حَمِيدٌ} مستوجِبٌ للحمد بذاته لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم يحمَدْه أحد، أو محمودٌ يحمَده الملائكةُ بل كلُّ ذرةٍ من ذرات العالم ناطقةٌ بحمده، والحمدُ حيث كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدلَّ على كماله سبحانه، وهو تعليلٌ لما حُذف من جواب إن، أي إن تكفروا لم يرجِعْ وبالُه إلا عليكم فإن الله تعالى لغنيٌّ عن شكر الشاكرين، ولعله عليه الصلاة والسلام إنما قاله عندما عاين منهم دلائلَ العِناد ومخايلَ الإصرار على الكفر والفساد وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيبُ ولا التعريضُ بالترهيب، أو قاله غِبَّ تذكيرِهم بما ذكر من قول الله عز سلطانه تحقيقاً لمضمونه وتحذيراً لهم من الكفران ثم شرَع في الترهيب بتذكير ما جرى على الأمم الخالية فقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} ليتدبروا ما أصاب كلَّ واحد من حزبـي المؤمن والكافر فيُقلعوا عما هم عليه من الشر ويُنيبوا إلى الله تعالى، وقيل: هو ابتداءُ كلامٍ من الله تعالى خطاباً للكفرة في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم فيختصّ تذكيرُ موسى عليه الصلاة والسلام بما اختص ببني إسرائيلَ من السراء والضراء، والأيامُ بالأيام الجاريةِ عليهم فقط، وفيه ما لا يخفى من البعد، وأيضاً لا يظهر حينئذ وجهُ تخصيصِ تذكيرِ الكفار الذين في عهد النبـي عليه الصلاة والسلام بما أصاب أولئك المعدودين مع أن غيرهم أسوةٌ لهم في الخلوّ قبل هؤلاء {قَوْمُ نُوحٍ} بدل من الموصول أو عطفُ بـيان {وَعَادٌ} معطوفٌ على قوم نوح {وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هؤلاء المذكورين عطفٌ عامٌ على قوم نوح وما عطف عليه وقوله تعالى: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} اعتراضٌ أو الموصولُ مبتدأٌ ولا يعلمهم إلى آخره خبرُه، والجملةُ اعتراضٌ، والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددَهم إلا الله سبحانه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بـين عدنانَ وإسماعيلَ ثلاثون أباً لا يُعرفون. وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذَب النسّابون يعني أنهم يدّعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمَها عن العباد {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم} استئنافٌ لبـيان نَبئِهم {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} بالمعجزات الظاهرةِ والبـيناتِ الباهرة فبـيّن كلُّ رسول لأمته طريقَ الحق وهداهم إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ} مشيرين بذلك إلى ألسنتهم وما يصدُر عنها من المقالة اعتناءً منهم بشأنها وتنبـيهاً للرسل على تلقّيها والمحافظةِ عليها وإقناطاً لهم عن التصديق والإيمان بإعلام أن لا جوابَ سواه. {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي على زعمكم وهي البـيناتُ التي أظهروها حجةً على صحة رسالاتِهم كقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا}، تفسير : [هود: 96] ومرادُهم بالكفر بها الكفرُ بدِلالتها على صحة رسالاتِهم، أو فعضّوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله تعالى: { أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} تفسير : [آل عمران: 119] أو وضعوها عليها تعجباً منه واستهزاءً به كمن غلبه الضِّحْكُ أو إسكاتاً للأنبـياء عليهم السلام وأمراً لهم بإطباق الأفواه، أو رَدّوها في أفواه الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام يمنعونهم من التكلم تحقيقاً أو تمثيلاً، أو جعلوا أيديَ الأنبـياء في أفواههم تعجباً من عُتوّهم وعِنادهم كما ينبىء عنه تعجّبهم بقولهم: { أية : أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ}، تفسير : [ابراهيم: 10] وقيل: الأيدي بمعنى الأيادي عبر بها عن مواعظهم ونصائِحهم وشرائِعهم التي هي مدارُ النعم الدينية والدنيوية لأنهم لما كذّبوها فلم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه {وَإِنَّا لَفِى شَكّ} عظيم {مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ} من الإيمان بالله والتوحيد فلا ينافي شكُّهم في ذلك كفرَهم القطعيَّ بما أرسل به الرسل من البـينات فإنهم كفروا بها قطعاً حيث لم يعتدوا بها ولم يجعلوها من جنس المعجزات ولذلك قالوا: فأتونا بسلطان مبـين، وقرىء تدّعون بالإدغام {مُرِيبٍ} مُوقعٍ في الريبة من أرابه، أو ذي ريبة من أراب الرجلُ وهي قلقُ النفس وعدم اطمئنانها بالشيء.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [الآية: 8]. قال حمدون: الغنى فى الحقيقة من لم يزل غنيًا ولا يزال غنيًا ما زاده إيجاد الخلق غنًى، بل خلقهم على حَدِّ الافتقار إليه وهو الغنى الحميد. قال الواسطى: ليس الإيمان بمقرب إلى الحق ولا الكفر بمبعد عنه ولكن جرى ما جرى به الأمر فى الأزل، فالشقاوة والسعادة والكفر والإيمان، أعلام لا حقائق، والحقائق القضاء الذى سبق فى الدهور بل جرى فى سابق علمه أن لا يكرم بالسعادة إلا مَنْ أهله لقربه بفضله، ولا يهين بالشقاء إلا من أبعده، ثم جعل الكفر علمًا لأهل الشقاء وحلية لهم، بل الإيمان عين الكرامة، وشاهد الكفر عين الهوان وشاهد البعد اللعنة والله أعلم.
القشيري
تفسير : إن اجتمعتم أنتم ومن عَاضَدَكُم، وكل من غاب عنكم وحضركم، والذين يقتفون أثركم - على أن تكفروا بالله جميعاً، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعاً - ما أوجهتم لِعزِّنا شَيْنا، كما لو شكرتم ما جعلتم بِمُلْكِنا زَيْنا. والحقُّ بنعوته ووصف جبروته عَلِيٌّ وعن العالَمِ بأَسْرِه غنيٌّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال موسى ان تكفروا} نعمة الله ولم تشكروها {انتم} يا بنى اسرائيل {ومن فى الارض} من الثقلين {جميعا} حال من المعطوف والمعطوف عليه {فان الله} تعليل للجواب المحذوف اى ان تكفروا لم يرجع وباله الا عليكم فان الله {لغنى} على شكركم وشكر غيركم {حميد} محمود فى ذاته وصفاته وافعاله لا تفاوت له بايمان واحد ولا كفره. قال الكاشفى [ذرات مخلوقات بنعمت او ناطق والسنة جميع اشيا بتسبيح وحمداو جارى] شعر : بذكرش جمله ذرات كويا همه اورا زروى شوق جويا تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : بذكرش هرجه بينى درخروشست دلى داند درين معنى كه كوشست نه بلبل بركلش تسبيح خوانيست كه هر خارى بتوحيدش زبانيست
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ} فلا يحصل له حاجة بكفركم {حَمِيدٌ} لا ينقص من محموديّته بترككم حمده.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} لقومه {إِن تَكْفُرُوا أنتُمْ وَمَن فِى الأَرْضِ جِمِيعاً} من الإِنس والجن، وجواب الشرط محذوف تقديره فإِن وبال ذلكم عليكم أو منعتم الخير الذى لا غنى بكم عنه وناب عنه التعليل بقوله {فإِنَّ اللهَ لَغَنِىٌّ} عن شكركم وشكر سائر الخلق وعن كل شئ {حَمِيدٌ} مستحق للحمد فى ذاته أو مستوجب للحمد فى صنعه جميعاً لأَنه متفضل عادل كثير النعم وإِن لم يحمده الحامدون أو محمود عند الملائكة وعند سائر الخلق ممن لم يكفر من عاقل وغيره وحيوان وجماد.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} لهم: {إِن تَكْفُرُواْ} نعمه سبحانه ولم تشكروها {أَنتُمْ} يا بني إسرائيل {وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} من الناس وقيل من الخلائق {جَمِيعاً} لم يتضرر هو سبحانه وإنما يتضرر من يكفر {فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ } عن شكركم وشكرهم {حَمِيدٌ } مستوجب للحمد بذاته تعالى لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم يحمده أحد أو محمود تحمده الملائكة عليهم السلام بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده، والحمد حيث كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدل على كماله جل وعلا، وهو تعليل لما حذف من جواب {إِن تَكْفُرُواْ } كما أشرنا إليه، ثم إن موسى عليه السلام بعد أن ذكرهم أولاً بنعمائه تعالى عليهم صريحاً وضمنه بذكر ما أصابهم من الضراء، وأمرهم ثانياً بذكر ما جرى منه سبحانه من الوعد بالزيادة على الشكر والوعيد بالعذاب على الكفر وحقق لهم مضمون ذلك، وحذرهم من عند نفسه عن الكفران ثالثاً لما رأى منهم ما يوجب ذلك شرع في الترهيب بتذكير ما جرى على الأمم الدارجة فقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ...}
ابن عاشور
تفسير : أعيد فعل القول في عطف بعض كلام موسى ــــ عليه السلام ــــ على بعض لِئَلا يتوهّم أن هذا مما تأذّن به الرب وإنما هو تنبيه على كلام الله. وفي إعادة فِعل القول اهتمام بهذه الجملة وتنويه بها حتى تبرز مستقلة وحتى يصغي إليها السامعون للقرآن. ووجه الاهتمام بها أن أكثر الكفار يحسبون أنهم يحسنون إلى الله بإيمانهم، وأن أنبياءهم حين يلحّون عليهم بالإيمان إنما يبتغون بذلك تعزيز جانبهم والحرصَ على مصحلتهم. فلمّا وعدهم على الشكر بالزيادة وأوعدهم على الكفر بالعقوبة خشي أن يحسبوا ذلك لانتقام المثيب بما أثاب عليه، ولتضرّره مما عاقب عليه، فنبّههم إلى هذا الخاطر الشيطاني حتى لا يسري إلى نفوسهم فيكسبهم إدْلاَلاً بالإيمان والشكر والإقلاع عن الكفر. و{أنتم} فصل بين المعطوف والمعطوف عليه إذ كان هذا المعطوف عليه ضميراً متّصلاً. و{جميعاً} تأكيد لمن في الأرض للتنصيص على العموم. وتقدم نظيره ونصبه غيرَ بعيد. والغنيّ: الذي لا حاجة له في شيء، فدخل في عموم غناه أنه غني عن الذين يكفرون به. والحميد: المحمود. والمعنى: أنه محمود من غيركم مستغن عن حمدكم؛ على أنهم لو كفروا به لكانوا حامدين بلسان حالهم كرهاً، فإنّ كل نعمة تنالهم فيحمدونها فإنما يحمدون الله تعالى، كقوله تعالى: { أية : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } تفسير : [سورة الرعد: 15]. وهذه الآية تضمنت ما في الفقرات (30 إلى 33) من الإصحاح (32) من سفر الخروج}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8- وقال موسى لقومه - حينما عاندوا وجحدوا -: إن تجحدوا نعم الله ولا تشكروها بالإيمان والطاعة، أنتم وجميع من فى الأرض، فإن ذلك لن يضر الله شيئا، لأن الله غنى عن شكر الشاكرين، مستوجب الحمد بذاته، وإن لم يحمده أحد. 9- ألم يصل إليكم خبر الذين مَضوْا من قبلكم، قوم نوح وعاد وثمود، والأمم الذين جاءوا من بعدهم، وهم لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم، وقد جاءتهم رسلهم بالحُجج الواضحة على صدقهم، فوضعوا أيديهم على أفواههم استغراباً واستنكاراً، وقالوا للرسل: إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والأدلة، وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه من الإيمان والتوحيد، لأننا لا نطمئن إليه ونشك فيه. 10- قالت الرسل لأقوامهم - منكرين عليهم شكهم فى وجود الله ووحدانيته، متعجبين من ذلك - أفى وجود الله وألوهيته - وحده - شك، وهو خالق السموات والأرض على غير مثال يحتذيه، وهو يدعوكم ليغفر لكم بعض ذنوبكم التى وقعت منكم قبل الإيمان، ويؤخركم إلى انتهاء آجالكم؟! قالت الأقوام لرسلهم تعنتاً: ما أنتم إلا بشر مثلنا، لا فضل لكم علينا يؤهلكم للرسالة.. تريدون أن تمنعونا بما تدعوننا إليه عمَّا كان عليه آباؤنا من العبادة، فأتونا بحُجة واضحة مما نقترحه عليكم. 11- قالت لهم رسلهم: ما نحن إلا بشر مثلكم كما قلتم، ولكن الله يصطفى من يشاء من عباده فيخصهم بالنبوة والرسالة، وما كان فى قدرتنا أن نأتيكم بحُجة مما تقترحون إلا بتيسير منه، وعلى الله - وحده - فليتوكل المؤمنون ولنتوكل عليه بالصبر على معاندتكم.
د. أسعد حومد
تفسير : (8) - وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ حِينَمَا عَانَدُوا وَجَحَدُوا: إِنْ كَفَرْتُمْ نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ، أَنْتُمْ وَجَمِيعُ مَنْ فِي الأَرْضِ، فَإِنَّ ذلِكَ لَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً، وَإنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ عِبَادِهِ لَهُ، وَهُوَ الحَمِيدُ المَحْمُودُ، وَإِنْ كَفَرَهُ مَنْ كَفَرَهُ، وَإِنَّكُمْ لاَ تَضُرُّونَ، بِالكُفْرِ وَالجُحُودِ، إِلاَّ أَنْفُسَكُمْ لأَِنَّكُمْ تَحْرمُونَهَا بِذلِكَ مِنْ مَزِيدٍ مِنَ الإِنْعَامِ، وَتُعَرِّضُونَهَا لِعَذابِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد قال موسى ذلك كي لا يظنّ ظَانٌّ من قومه أن الله في حاجة إلى شكرهم؛ وأنه سيعاقبهم بالعذاب إنْ كفروا بشكره؛ فأراد أنْ ينسخَ هذا الظنَّ من أذهان مَنْ يسمعونه. وأوضح لهم أن الحق سبحانه لن يزيده إيمانكم شيئاً؛ ولن يضيف هذا الإيمانُ منهم ومعهم أهل الأرض كلهم لِمُلْكه شيئاً؛ لأن مُلْك الله إنما أبرزه سبحانه بصفات الكمال فيه، وهو ناشىء عن كمال موجود. ولذلك يأتي قوله الحق: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما فرغ عن التعديد والتذكير {قَالَ} لهم {مُوسَىۤ} قولاً ناشئاً عن محض الحكمة والرزانة على مقتضى نور النبوة والولاية: {إِن تَكْفُرُوۤاْ} أيها الغافلون عن كمال استغناء الله وعلو شأنه وسمو سلطانه {أَنتُمْ} بأجمعكم، بل {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} لا يزن في جنب استغنائه سبحانه مقدار جناح بعوضة {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء {لَغَنِيٌّ} في ذاته عما سواه من أظلاله مطلقاً {حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] بمقتضيات أوصافه وأسمائه وأسمائه. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أيها التائهون في تيه الغفلة والغرور {نَبَأُ ٱلَّذِينَ} مضو {مِن قَبْلِكُمْ} لمثل {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} من الأمم الهالكة {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} المطلع لجميع ما كان ويكون، لا يعزب عن حيطة حضرة علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء حين {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ} المبعوثون إليهم {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} الواضحات، والمعجزات الباهرات المثبتة لرسالاتهم، فدعوهم إلى الإيمان والتوحيد وأمروهم بالمعروفات ونهوهم عن المنكرات {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ} مشيرين إليها من غاية إنكارهم واستهزائهم {وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا} أي: اعترفنا بالكفر بأفواهنا، كأنهم أخبروا عن كفرهم بالجملة الماضية تحقيقاً وتقريراً لما هم عليه من الكفر والطغيان {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} من عند ربكم وكيف نؤمن لكم {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ} عظيم {مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ} من الإله الواحد، الأحد الصمد المتصف بجميع صفات الكمال، الموجد المظهر للكائنات {مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] موقع للريب المؤدي إلى الإنكار؛ إذ المتصف بهذه الصفات لا بدَّ أن يكون أظهر من الشمس، مع أنه أخفى من كل شيء، بل لا وجود له أصلاً. {قَالَتْ} لهم {رُسُلُهُمْ} على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَفِي ٱللَّهِ} الظاهر المتجلي في الآفاق بالاستقلال والاستحقاق {شَكٌّ} وتردد مع كونه {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: موجدهما ومظهرهما من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة، إنما {يَدْعُوكُمْ} إلى توحيده بإرسال الرسل وإنزال الكتب {لِيَغْفِرَ لَكُمْ} بعضاً {مِّن ذُنُوبِكُمْ} وهو ما بينكم وبينه سبحانه؛ إذ حق الغير لم يسقط ما لم يعف صاحب الحق عنه {وَ} بعد دعوتكم {يُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} هو يوم الجزاء؛ ليهيئ كل منكم زاد يومه هذا على الوجه المأمور المبين في الكتب المنزلة على الرسل، وبعدما سمعوا من الرسل ما سمعوا {قَالُوۤاْ} مستنكرين عليه، مستهزئين لهم: {إِنْ أَنتُمْ} أي: ما أنتم {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تأكلون وتشربون وتفعلون جميع ما نفعل {تُرِيدُونَ} بأمثال هذه الحيل والتزويرات الباطلة {أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} وأسلافنا من الآلهة والأصنام، وإن صدقتم في دعواكم {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [إبراهيم: 10] أي: بحجة واضحة لائحة نقترحها منكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):