١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: هذا من تمام قول موسى لقومه، يعني: وتذكيره إياهم بأيام الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل، وفيما قال ابن جرير نظر، والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصصه عليهم، لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة، والله أعلم، وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات، وقال ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله: أنه قال في قوله: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}: كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يعرف ما بعد معد بن عدنان. وقوله: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِىۤ أَفْوَاهِهِمْ} اختلف المفسرون في معناه، قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله عز وجل. وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيباً لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل. وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: معناه أنهم كذبوهم، وردوا عليهم قولهم بأفواههم. قال ابن جرير: وتوجيهه أن (في) هنا بمعنى الباء، قال: وقد سمع من العرب: أدخلك الله بالجنة، يعنون: في الجنة، وقال الشاعر:شعر : وأَرْغَبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطِهِ ولكنَّني عن سِنْبسٍ لَسْتُ أرغبُ تفسير : يريد: أرغب بها. قلت: ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام {وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} فكأن هذا والله أعلم تفسير لمعنى {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِىۤ أَفْوَاهِهِمْ}. وقال سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِىۤ أَفْوَاهِهِمْ} قال: عضوا عليها غيظاً. وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة بن مريم، عن عبد الله: أنه قال ذلك أيضاً. وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ووجهه ابن جرير مختاراً له بقوله تعالى عن المنافقين {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} تفسير : [آل عمران: 119]. وقال العوفي عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله، عجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، الآية، يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به، فإن عندنا فيه شكاً قوياً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } استفهام تقرير {نَبَؤُاْ } خبر {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ } قوم هود {وَثَمُودُ } قوم صالح {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ } لكثرتهم؟{جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَٰتِ } بالحجج الواضحة على صدقهم {فَرَدُّواْ } أي الأمم {أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } أي إليها ليعضوا عليها من شدّة الغيظ {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } في زعمكم {وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } موقع في الريبة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{... والذين من بعدهم لا يَعْلمُهم إلا الله}فيها وجهان: أحدهما: يعني بعد من قص ذكره من الأمم السالفة قرون وأمم لم يقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمهم إلا الله عالم ما في السموات والأرض. الثاني: ما بين عدنان وإسماعيل من الآباء. قال ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون. وكان ابن مسعود يقرأ: لا يعلمهم إلا الله كذب النسّابون. {جاءَتهم رسلهم بالبينات}أي بالحجج. {فردُّوا أيديهم في أفواههم}فيه سبعة أوجه: أحدها: أنهم عضوا على أصابعهم تغيظاً عليهم، قاله ابن مسعود واستشهد أبو عبيدة بقول الشاعر: شعر : لو أن سلمى أبصرت تخدُّدي ودقةً في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاءَ عُوَّدي عضت من الوجد بأطراف اليد تفسير : الثاني: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا منه ووضعوا أيديهم على أفواههم، قاله ابن عباس. الثالث: معناه أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم إني رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم بأن اسكت تكذيباً له ورداً لقوله، قاله أبو صالح. الرابع: معناه أنهم كذبوهم بأفواههم، قاله مجاهد. الخامس: أنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل رداً لقولهم، قاله الحسن. السادس: أن الأيدي هي النعم، ومعناه أنهم ردوا نعمهم بأفواههم جحوداً لها. السابع: أن هذا مثل أريد به أنهم كفوا عن قبول الحق ولم يؤمنوا بالرسل، كما يقال لمن أمسك عن الجواب رَدّ في فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْبَيِّنَاتِ} الحجج. {فَرَدُّواْ} عضوا الأصابع غيظاً على الرسل، أو كذبوهم بأفواهم، أو عجبوا لما سمعوا كتاب الله ـ تعالى ـ ووضعوا أيديهم في أفواهم"ع"، أو أشاروا بذلك إلى رسولهم لما أدعى الرسالة بأن يسكت تكذيباً له ورداً لقوله، أو وضعوا أيديهم على أفواه الرسل رداً لقولهم "ح"، أو الأيدي النعم ردوها بأفواههم جحوداً، أو عبّر بذلك عن ترك قبولهم للحق يقال لمن أمسك عن الجواب: رد يده في فيه.
ابن عادل
تفسير : ثم قال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية النَّبأ: الخبر، والجمع الأنباء؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3196ـ ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي ........................ تفسير : قال أبو مسلم: "يحتمل أن يكون خطاباً من موسى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [لقومه، يخوفهم بمثل هلاك من تقدمهم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعال على لسان موسى ـ عليه السلام ـ] لقومه: يذكرهم أمر القرون الأولى؛ ليعتبروا بأحوال المتقدمين". روي عن عبد الله ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قرأ هذه الآية ثمَّ قال: "كَذبَ النَّسَّابُونَ". وعن عبد الله بن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: بين إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبين عدنان ثلاثون [أباً] لا يعلمهم إلا الله وكان مالك ابن أنس ـ رضي الله عنه ـ يكره أن ينسب الإنسانت [نفسه أباً أباً] إلى آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وكذلك في حق النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ؛ لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله تعالى، ونظيره: قوله تعالى {أية : وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً}تفسير : [الفرقان:38] وقوله: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}تفسير : [غافر:78] وكان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في نسبه لا يجاوز معد بن عدنان. وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : تَعلَّمُوا من أنْسَابِكُم ما تصلُونَ بِه أرحَامَكُمْ وتعلمُوا مِنَ النُّجُوم ما تَسْتدِلُّونَ بِهِ على الطَّريقِ ". تفسير : وقيل: المراد بقولهم: "لا يَعْلمُهمْ" أي: عددهم، وأعمارهم، وكيفياتهم. وقال عروة بن الزبير: "ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان، وإسماعيل". قوله: "قَوم نُوحٍ" بدل، أو عطف. قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} "يجوز أن يكون عطفاً من الموصول الأول، أو على المبدل منه، وأن يكون مبتدأ خبره: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}، {جَآءَتْهُمْ} خبر آخر وعلى ما تقدم يكون: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} حالاً من "الَّذينَ" أو من الضمير في: "مِنْ بعْدِهمْ" لوقوعه صلة". وهذا عَنَى أبو البقاءِ بقوله: حال من الضمير في: "مِن بَعْدهِمْ" ولا يريد به الضمير المجرور؛ لأنَّ مذهبه منع الحال من المضاف، وإن كان بعضهم جوزه في صوره وجوز أيضاً هو والزمخشري أن يكون استئنافاً. وقال الزمخشري: "والجملة من قوله: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} اعتراض". ورد عليه أبو حيان: بأن الاعتراض إنما يكون بين جزءين، أحدهما يطلب الآخر. ولذلك لما أعرب الزمخشريُّ: "والَّذينَ" مبتدأ، و"لا يَعْلمُهُمْ" خبره، قال: "والجملة من المبتدأ، والخبر اعتراض"، واعترضه أبو حيَّان أيضاً بما تقدَّم. ويمكنُ أن يجاب عنه في الموضعين: بأن الزمخشري يمكن أن يعتقد أن: "جَاءَتْهُم" حال مما تقدَّم، فيكون الاعتراض واقعاً بين الحال وصاحبها، وهو كلامٌ صحيحٌ. قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} يجوز أن تكون الضمائر للكفار، أي: فردّ الكفار أيديهم في أفواههم من الغيظ، لقوله: {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ }تفسير : [آل عمران:119] قاله أبن عباس، وابن مسعود، والقاضي. قال القرطبيُّ: وهذا أصح الأقوال، قال الشاعر: [الرجز] شعر : 3197ـ لَوْ أنَّ سَلْمَى أبْصرَتْ تَخَدُّدِي ودِقَّةً في عَظْمِ سَاقِي ويَدِي وبُعْدَ أهْلِي وجَفَاءَ عُوَّدِي عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بأطْرافِ اليَدِ تفسير : وقد مضى هذا المعنى في آل عمران [119] فـ"في" على بابها من الظرفية، أي: فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكاً، واستهزاء، فـ"فِي" بمعنى "عَلَى" وأشاروا إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كَفرنا، فـ"عَنْ" بمعنى "إلى" ويجوز أن يكون المرفوع للكفار، والأحزان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أن يراد بالأيدي: النّعم، أي: ردوا نعم الرسل وهي مصالحهم في أفواه الرسل؛ لأنهم إذا كذبوها كأنهم رجعوا بها من حيث جاءت على سبيل المثال، ويجوز أن يراد المعنى، والمراد بالأيدي: الجوارح، ويجوز أن يكون الأولان للكفَّار، والأخير للرسل، فرد الكفار أيديهم في أفواههم أي في أفواه الرسل، أي أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت، أو وضعوها على أفواههم يمنعونهم بذلك من الكلامِ. وقيل: "في" هنا بمعنى الباء. قال الفراء: "قد وجدنا من العرب من يجعل "في" موضع الباء، يقال: أدخلتُ بالجنَّة، أدخلت في الجنَّة" وأنشد: [الطويل] شعر : 3198ـ وأرْغَبُ فِيهَا عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطهِ ولكنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لسْتُ أرْغَبُ تفسير : أي: أرغب بها. وقال أبو عبيد ـ رحمه الله ـ: هذا ضرب مثل يقوله العربُ: رد يده إلى فيه إذا ترك ما أمره به. ورد عليه: بأن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ. وقال أبو مسلم: المراد باليدِ: ما نطقت به الرُّسل من الحجج؛ لأنَّ إسماع الحجَّة إنعام عظيم، والإنعام يسمى يداً، يقال لفلان عندي يد، إذا أولاه معروفاً وقد يذكر اليد والمراد منها صفقة البيع والعقد، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح:10] فالبينات التي ذكرها الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وقرَّروها لهم نعم وأياد، وأيضاً: العهود التي أتوا بها مع القوم أيادي. وجمع اليد في القلة: أيْدِي، وفي الكثرة أيَادِي. وإذا ثبت أنَّ بيانات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وعهودهم يصح تسميتها بالأيدي والنصائح، والعهود إنَّما تظهر من الفمِ، فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع ردًّا في الأفواه. ونقل محمد بن جرير عن بعضهم: أنَّ معنى قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} أي: سكتوا عن الجواب، يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب: ردَّ يدهُ في فيه، إذ لم يجبه، ثمَّ زيف هذا الوجه وقال: إنَّهم أجابوا بالتَّكذيب وقالوا: إنَّا بما أرسلتم به كافرون وقالوا: "إنَّا كَفرْنَا بِمَا أرْسِلْتُم بِهِ" قوله تعالى: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} قرأ طلحة: "تَدعُونَّا" بإدغام نون الرفع في نون الضمير كما يدغم في نون الوقاية، والمعنى: في شكِّ مريب موقع في الريبة أي: ذي ريبة من أرابه، والريبة: لقلق النفس، وألاّ [تطمئن] إلى الأمر. فإن قيل: لما ذكروا أنهم قالوا: إنَّا كافرون برسالتكم، وإن لم ندع هذا الجزم واليقين، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم وعلى هذا التقدير فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. قوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ} الآية لما قالوا للرُّسلِ: وإنا لفي شك، قالت لهم رسلهم وهل تشكون في الله، وهو فاطر السموات، والأرض وفاطر أنفسنا، وأرواحنا، وأرزاقنا إنَّا لا ندعوكم إلا لعبادة هذا الإله المنعم، ولا نمنعكم إلا من عبادة غيره، وهذه المعاني يشهد لها العقل بصحتها، فكيف قلتم: وإنَّا لفي شكٍّ؟. قوله: {أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ} استفهام بمعنى الإنكار، وفي "شكٌّ" وجهان: أظهرهما: أنه فاعل بالجار قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره الجار، والأولى أولى؛ بل كان ينبغي أن يتعين؛ لأنه يلزم من الثاني الفصل بين الصفة، والموصوف بأجنبيّ، وهو المبتدأ وهذا بخلاف الأوَّل، فإن الفاصل ليس أجنبيًّا، إذ هو فاعله، والفاعل كالجزء من رافعه. ويدلُّ على ذلك تجويزهم: "مَا رَأيْتُ رجلاً أحْسنَ في عَيْنهِ الكُحْلُ مِنهُ في عَيْنِ زيْدٍ" بنصب "أحْسَنَ" صفة ورفع "الكُحْلُ" فاعلاً بـ"أفعل" ولم يضر الفصل به بين "أفْعَلَ" وبين "مِنْ" لكونه كالخبر من رافعه ولم يجيزوا رفع: "أحْسَن" خبراً مقدماً، و"الكُحْلُ" مبتدأ مؤخر لئلا يلزم الفصل بين "أفعل" وبين "من" بأجنبي. ووجه الاستشهاد في هذه المسألة: أنَّهم جعلوا المبتدأ أجنبيًّا بخلاف الفاعل ولهذه المسألة موضع غير هذا. وقرأ العامة "فاطِرِ" بالجر وفيه وجهان: النعت والبدلية. قال أبو البقاء وفيه نظر؛ لأنَّ الإبدال بالمشتقات يقلّ ولو جعله عطف بيان كان أسهل. قال الزمخشريُّ: "أدخلت همزة الإنكار على الظرف؛ لأنَّ الكلام ليس في الشكِّ إنَّما هو في المشكوك فيه، وأنَّه لا يحتمل الشَّك لظهور الأدلَّة، وشهادته عليه". قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ} اللام متعلقة بالدُّعاءِ، أي: لأجل غفران ذنوبكم؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 3199ـ دَعَوْتُ لمَّا نَابَنِي مِسْوراً فَلبَّى فَلَبَّيْ يدي مِسْورِ تفسير : ويجوز أن تكون اللام معدية كقولك: "دعوتك لزيد"، وقوله: "إذا تدعون إلى الإيمان"، والتقدير: يدعوكم إلى غفران ذنوبكم. لما استفهم بعمنى نفي ما اعتقدوه، أردفه بالدلائل الدالة على وجود الصانع المختار، فقال: {فاطر السموات والأرض}: أي خالق السماوات والأرض {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} أي: ذنوبكم و"من" صلة، وقيل: "من" تبعيضية، وقيل: بمعنى البدل، أي: بدل عقوبة ذنوبكم كقوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [التوبة:38] وسيأتي الكلام على هذه الوجوه. {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} إلى حين استيفاء أجلكم، ولا يعاجلكم بالعذاب، قال بعض العلماء: إن الفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار قبل الوقوف على الدلائل، وذلك من وجوه: الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم وجه صبي لطمة، فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى وجود التكليف، وعلى وجود دار الجزاء، وعلى وجود النبي صلى الله عليه وسلم. أما دلالتها على وجود الصانع؛ فإن الصبي العاقل إذا لطم يصيح ويقول من ذا الذي لطمني؟ وما ذاك إلا أن فطرته شاهدة بأن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فعل فاعلها، فلما شهدت فطرته الأصلية بافتقار ذلك الحادث الحقير إلى الفاعل، فبأن تشهد جميع حوادث العالم بالافتقار إلى الفاعل أولى. وأما دلالتها على وجود التكليف؛ فبأن الصبي يصيح ويقول: ضربني ذلك الضارب، وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي، ومندرجة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق ليفعل ما اشتهى. وأما دلالتها على وجود دار الجزاء فهو: أن ذلك الصبي يطلب بطبعة الجزاء على تلك اللَّطمة ولا يتركه، فلما شهدت فطرته الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل، فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع العباد والأعمال أولى. وأما دلالتها على وجوب النبوة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فإنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم مقدار العقوبة الواجبة في تلك الجناية، كم هي؟ ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي قدر هذه ويبين هذه الأحكام؛ فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأربعة. الوجه الثاني في أنَّ الإقرار بوجود الصَّانع بديهي: وهو أنَّ الفطرة شاهدة بأن حدوث دار بنقوش عجيبة، وتركيبات لطيفة موافقة للحكمة، والمصلحة تستحيلُ إلاَّ من نقاش عالم، وبانٍ حكيمٍ، ومعلوم أنَّ آثار الحكمة في العالم العلوي، والسفلي أكثر من الآثار الموجودة في تلك الدار المختصرة، فلمَّا شهدت الفطرة الأصليَّة بافتقار النَّقش إلى النَّقاش، والبناء إلى البَاني، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم أولى. الوجه الثالث: أنَّ الإنسان إذا وقع في محنة شديدة، فإنه بأصل فطرته، وخلقته يتضرَّع إلى من يخلصه منها، وما ذاك إلاَّ شهادة فطرته بالافتقار إلى الصَّانع القادر المدبر. الرابع: أن الموجود إمَّا أن يكون غنيًّا عن المؤثر، أو لا يكون، فإن كان غنياً عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته؛ لأنه لا معنى للواجب لذاته إلاَّ الموجود الذي لا حاجة له إلى غيره، وإن لم يكن غنيًّا عن المؤثر فهو محتاج، والمحتاجُ لا بد له من المحتاج إليه، وذلك هو الصَّانع المختار. الوجه الخامس: أن الاعتراف بوجود الصانع المختار المكلف وبوجود المعاد أحوط فوجب المصير إليه، أما كون الإقرار بوجود الصَّانع أحوط لأنه لو لم يكن موجوداً فلا ضرر في الإقرار بوجوده، وإن كان موجوداً ففي إنكاره أعظم المضار. وأمَّا كون الإقرار بكونه فاعلاً مختاراً أحوط، فلأنه إن لم يكن موجوداً فلا خير في الإقرار بكونه مختاراً. أمَّا لو كان موجوداً ففي إنكار كونه مختاراً أعظم المضار. وأما كان كون الإقرار بكونه مكلفاً لعباده أحوط، فلأنه لو لم يكلف أحداً من عبيده شيئاً فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد ففي إنكار التكاليف أعظم المضار. وأمَّا كون الإقرار [بوجود] المعاد أحوط؛ فلأنه إن كان الحق أن لا معاد؛ فلا ضرر في الإقرار بوجود المعاد فإنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية، وهي منقضية فانية، فإن كان الحق وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار، فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه، لأن بديهة العقل حاكمة بوجوب دفع الضرر عن النَّفس بقدر الإمكان، والله أعلم. فصل لما استدلّ بكونه فاطر السموات والأرض وصف نفسه بكمال الرحمة والكرم، والجود من وجهين: الأول: قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}. قال الزمخشريُّ ـ رحمه الله ـ: "لو قال قائل: ما معنى التبعيض في قوله تعالى: {مِّن ذُنُوبِكُمْ}"؟. ثم أجاب: فقال ما جاء هكذا إلاَّ في خطاب الكفار، كقوله تعالى {أية : وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}تفسير : [نوح:3، 4]، و{أية : يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}تفسير : [الأحقاف:31] وقال في الخطاب للمؤمنين: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الصف:10] إلى أن قال: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}تفسير : [الصف:12] قال: والاستقراء يدلُّ على صحَّة ما ذكرناه. ثم قال: وكان ذلك للتَّفرقة بين الخطابين لئلا يسوَّى بين الفريقين في المعاد. وقيل: أريد به: يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم. وقال الواحدي: قال أبو عبيدة: "مِنْ" زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها وإذا قلنا: ليست بزائدة، ففيها وجهان: أحدهما: أنه ذكر البعض ههنا، وأراد الجمع توسعاً. والثاني: أن "مِنْ" ههنا للبدل، أي: لتكون المغفرة بدلاً من الذُّنوبِ فدخلت "مِنْ" لتضمن المغفرة معنى إبدالها من الذُّنوبِ. وقال القاضي: ذكر الأصم أنَّ كلمة "مِنْ" ههنا تفيد التبعيض، أي: أنكم إذا [تبتم] يغفر لكم الذُّنوب التي هي من الكبائر، وأمَّا التي تكون من الصغائر، فلا حاجة إلى غفرانها؛ لأنها في أنفسها مغفورة. قال القاضي: وقد أبعد في هذا التأويل؛ لأنَّ الكفار صغائرهم، ككبائرهم لا تغفر إلا بالتَّوبة، وإنما تكون الصَّغائر مغفورة من الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابهم فأمَّا من لا ثواب له أصلاً، فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرة، فلا يغفر له شيء، ثم قال: وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته، وإيمانه؛ فلا يغفر له شيء من ذنوبه، فلا تكون المغفرة إلا لما ذكره وتاب عنه. فصل قال ابن الخطيب: دلت الآية على أنه ـ تعالى ـ يغفر الذنوب من غير توبة في حق المؤمن، لأنه قال {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} وعد بغفران الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة؛ فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقاً من غير التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه ـ تعالى ـ لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان؛ فوجب أن يكون البعض الذي يغفر من غير التوبة ما عدا الكفر من الذنوب. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن كلمة "مِنْ" صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول: المراد منه تمييز خطاب المؤمن عن الكافر على ما قاله الزمخشريُّ، أو نقول: المراد تخصيص الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم، أو نقول: المراد منه الذنوب التي ذكرها الكافر عند إسلامه، كما قاله القاضي. فنقول هذه الوجوه بأسرها ضعيفة، أمَّا كونها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بأنَّها عبثٌ والعاقل لا يجوز له المصير إليه من غير ضرورة. وأما قوله الواحدي: المراد من كلمة "مِنْ" ههنا الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة؛ لأن حاصله أنَّ قوله تعالى ـ جل ذكره ـ {لِيَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: يغفر لكم ذنوبكم، وهذا عينُ ما نقله عن أبي عبيدة، وحكى عن سيبويه إنكاره. وأما قوله: المراد منه إبدال السيئة بالحسنة، فليس في اللغة أنَّ كلمة "مِنْ" تفيد الإبدال. وأما قول الزمخشري: المراد تمييز خطاب المؤمنين من خطاب الكافرين بمزيد التشريف فهو من باب الطاعات، لأن هذا التبعيض إن حصل، فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسداً. وأما قول الأصم، فقد سبق بطلانه. وأمَّا قول القاضي: فجوابه أنَّ الكافر إذا أسلم؛ غُفِرَت ذُنوبُه بأسرها، لقوله ـ عليه السلام ـ: "التّائِبُ مِنَ الذنبِ كَمنْ لا ذَنْبَ لَهُ". وقال تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال:38] فثبت أنَّ جميع ما ذكروه من التأويلات ضعيف ساقط، بل المراد ما ذكرناه هو أنَّه يغفر بعض ذنوبه من غير توبةٍ؛ بشرط أن يأتي بالإيمان، فبأن تحصل هذه الحال للمؤمن أولى. قال تعالى: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى}. قيل: المعنى: إن آمنتم، أخر الله موتكم إلى أجل مسمى، وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. وقال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: يمنعكم في الدُّنيا باللذات إلى الموت. فِإن قيل: أليس قال: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الأعراف:34]. فكيف قال هنا: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى}؟. قلنا: تقدَّم الكلام في هذه المسألة في قوله: {أية : ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى}تفسير : [الأنعام:2] في الأنعام. ولما ذكر الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ هذا الكلام للكفار قالوا: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} وهذا الكلام يشتمل على ثلاثة أنواع من الشبه: الأولى: أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد وهو أن الواحد منهم رسولاً من الله تعالى مطلعاً على الغيب، مخالطاً لزمرة الملائكة، والباقون غافلون عن هذه الأحوال أيضاً كانوا يقولون: إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة وجب أيضاً أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة، وهي الحاجة إلى الأكل، والشرب، والحديث والوقاع، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}: أي في الصورة ولستم ملائكة، وإنَّما تريدون بقولكم أن تصدُّونا عمَّا كان يعبد آباؤنا. وهذه الشبهة الثانية: وهي التمسك بالتقليد، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم مطبقين على عبادة الأوثان. قالوا: ويبعد أن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خاطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين. الشبهة الثالثة: قالوا: المعجز لا يدلُّ على الصدق؛ لأن الذي جاء به أؤلئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنَّها أمور معتادة ليست من باب المعجزات الخارجة عن قوَّة البشر؛ فلذلك قالوا: "فأتُونَا بسُلْطانٍ مُبِينٍ" أي: بحجة بينة على صحَّة دعواكم. قوله "تُرِيدُونَ" يجوز أن يكون صفة ثانية لـ "بَشرٌ" وحمل على معناه، لأنه بمنزلة القوم والرهط، كقوله: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}تفسير : [التغابن:6] وأن يكون مستأنفاً. وقوله: "أنْ تَصدُّونَا" العامة على تخفيف النون، وقرأ طلحة بتشديدها كما شدد: "تدعونّا" وفيها تخريجان: أحدهما: ما تقدَّم في نظيرتها على أن تكون هي المخففة لا النَّاصبة، واسمها ضمير الشأن، وشذّ عدم الفصل بينها، وبين الجملة الفعلية. والثاني: أنَّها ناصبة، ولكن أهملت حملاً على "مَا" المصدرية كقراء: {أية : أَن يُتِمَّ}تفسير : [البقرة:233]. برفع "يُتِمُّ" وقد تقدَّم القول فيه. قوله تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} الآية لما حكى عن الكفَّار طعنهم في النُّبوة حكى عن الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ جوابهم فقالوا: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} سلموا أنَّ الأمر كذلك لكنهم بيَّنوا أن التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض البشرِ بمنصب النبوة؛ لأنَّ هذا المنصب يمُنُّ الله به على من يشاء من عباده، وإذا كان كذلك سقطت شبهتكم. وأمَّا الجواب عن شبهة التقليد وهي قولهم: إطباقُ السلف لذلك الدين يدل على كونه حقًّا، فجوابه عين الجواب المذكور، وهو أنَّه لا يبعدُ أن يظهر للرَّجل الواحد مالم يظهر للخلق الكثير؛ لأن التمييز بين الحق، والباطل، والصدق، والكذب عطية من الله وفضل منه؛ فلا يبعد أن يخص عبده بهذه العطية، ويحرم الجمع العظيم منها. وأما الجواب عن الشبهة الثالثة وهي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة أقوى منها، فأجابوا عنها بقولهم: {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: أنَّ المعجزة التي أتينا بها حجة قاطعة قوية ودليل تام، وأمَّا الأشياء التي طلبتموها، فأمورٌ زائدة والحكم فيه لله ـ تعالى ـ فإن أظهرها فله الفضل، وإن لم يظهرها فله العدل، ولا يحكم بعد ظهور قدر الكفاية. قوله: {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ} يجوز أن يكون خبر: "كَانَ" "لَنَا"، و: "أنْ نَأيِتَكُمْ" اسمها، أي: وما كان لنا إتيانكم بسورة، و {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} حالٌ، ويجوز أن يكون الخبر {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، و"لَنا" تبيين. والظاهر أنَّ الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لما أجابوا عن شبهاتهم بهذا الجواب أخذ القوم التَّخويف، والوعيد فعند ذلك قال الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لا نخاف من تخويفكم بعد أن توكلنا على الله: {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. قوله: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} كقوله سبحانه: {أية : وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:246]. والمعنى: وما لنا أن لا نتوكل على الله، وقد عرفنا أنه لا ينال شيء إلا بقضائه وقدره: {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} بين لنا الرشد وبصرنا طريق النجاة. قوله: "ولنَصْبِرنَّ" جواب قسم، وقوله: {عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} يجوز أن تكون "مَا" مصدرية، وهو الأرجح لعدم الحاجة إلى رابط ادعي حذفه على غير قياس. والثاني: أنها موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج؛ إذ الأصل: آذيتمونا به، ثم حذف الباء فوصل الفعل إليه بنفسه وقرأ الحسن ـ رحمه الله ـ: بكسر لام الأمر في "فَليتَوكَّل" وهو الأصل. والمراد بهذا التوكل على الله في دفع شر الكفار فلا يلزم التكرار وقيل: الأول لاستحداث التوكل، والثاني طلب دوامه. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ} الآية لما حكى عن الأنبياء ـ صلوات لله وسلامه عليهم ـ توكلهم على الله في دفع شرور أعدائهم حكى عن الكفار أنهم بالغوا في لسفاهة وقالوا: {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي لا بد من أحد الأمرين. قوله: "لنخرجنكم" جواب قسم مقدر، كقوله: "ولنصبرن" وقوله: "أو لتعودن" في "أوْ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين. والثاني: أنها بمعنى "حتَّى". والثالث: أنها بمعنى "إلاَّّ" كقولهم: لألزمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي. والقولان: الأخيران مردودان، إذ لا يصح تركيب "حتَّى" ولا تركيب "إلاَّ" مع قوله "لتَعُودُن" بخلاف المثال المتقدم، والعود هنا يحتمل أن يكون على بابه أي: لترجعن و"في ملَّتنا" متعلق به، وأن يكون بمعنى الصيرورة، فيكون الجار في محل نصب خبراً لها. فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها. فالجواب من وجوه: أحدها: أن الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ إنَّما نشئوا في تلك البلاد؛ وكانوا من تلك القبائل وفي أول الأمر ما ظهروا المخالفة مع الكفار، بل كانوا ساكتين إلى حين الوحي فظن القوم أنهم كانوا على ملتهم لسكوتهم، فلهذا قالوا: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}. وثانيها: أن هذا الكلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين. وثالثها: قال الزمخشريُّ: "العَوْدُ هنا بمعنى الصِّيرورة كثير في كلام العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون: "صَارَ" ولكن عاد: ما عدت أراه، وعاد لا يكلمني ما عاد لفلان مالٍ". ورابعها: أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أنَّ المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم، فغلبوا في الخطاب الجماعة، ولا بأس أن يقال: إنهم قبل ذلك الوقت كانوا على دين أولئك الكفار. وخامسها: لعل أولئك الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ كانوا قبل إرسالهم على ملَّة من الملل، ثم إنه ـ تعالى ـ نسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي تلك الأقوام على تلك الشريعة المنسوخة مصرين عليها، وعلى هذا التقدير، فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يعودوا إلى تلك الملّة. ولما ذكر الكفَّار هذا الكلام أوحى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أليهم {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ}. قوله: "لنُهْلِكنَّ" جوب قسم مضمر، وذلك القسم وجوابه فيه وجهان: أحدهما: أنه على إضمار القول، أي: قال لنهلكن. والثاني: أنه أجرى الإيحاء مجرى القول؛ لأنه ضرب منه. وقرأ أبو حيوة "ليُهْلِكنَّ" و"ليُسْكِننَّكُمْ" بياء الغيبة مناسبة لقوله: "ربُّهُمْ" والمراد بالأرض: أرض الظالمين، وديارهم، وأموالهم وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : مَنْ أذَى جَارهُ ورَّثهُ اللهُ دارهُ"تفسير : وهذه الآية تدلُّ على أن من يتوكل على الله في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه. قوله: {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} "ذلِكَ" مبتدأ، وهو مشار به إلى توريث الأرض، ولمَنْ خَافَ" هو الخبر، و"مَقامِي" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقحم، وهو بعيد؛ إذ الأسماء لا تقحم. الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل. قال الفراء: "مَقامِي" مصدر مضاف لفاعله أي: مقامي عليه بالحفظ. الثالث: أنه اسم مكان. قال الزجاج: "مكان وقوفه بين يدي الحساب، كقوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}تفسير : [الرحمن:46] فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كقولك: نَدِمْتُ على ضَربِكَ، أي: على ضَرْبِي أيَّاك، و"خَافَ وعِيدِ" أي: عقابي، أثبت الياء هنا، وفي "ق" في موضعين: {أية : كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}تفسير : [ق:14]، {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}تفسير : [ق:45] وصلاً، وحذفها وقفاً ورش، والباقون وصلاً ووقفاً". فصل في تفسير المقام وجوه: الأول: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنَّه الذي يقف فيه العباد يوم القيامة، كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}تفسير : [النازعات:40]. الثاني: أن المقام مصدر كالقيام، يقال: قَامَ قِيَاماً، ومقَاماً، أي: لمن خاف مقامي، أي: مقام العباد عندي، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. الثالث: لمن خاف مقامي، أي: لمن خافني، وذكر المقام هنا، كقولك سلامٌ على المَجْلسِ الفُلاني، والمراد: السَّلام على فلان. قوله: {وَخَافَ وَعِيدِ} قال الواحدي: الوعيد اسمٌ من أوْعَد إيعَاداً وهو التَّهديد. قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الخوف من الله ـ تعالى ـ غير الخوف من وعيده؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرؤها "وعاداً وثموداً والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله" قال: كذب النسابون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عمرو بن ميمون - رضي الله عنه - مثله. وأخرج ابن الضريس، عن أبي مجلز - رضي الله عنه - قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أنسب الناس. قال: إنك لا تنسب الناس. قال: بلى. فقال له علي - رضي الله عنه - أرأيت قوله تعالى {أية : وعاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً}تفسير : [الفرقان: 38] اقل: أنا أنسب ذلك الكثير. قال: أرأيت قوله {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} فسكت. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معد بن عدنان. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بين عدنان وإسماعيل، ثلاثون أبا لا يعرفون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال: لما سمعوا كتاب الله، عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به، فإن عندنا فيه شكاً قوياً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - {جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم} قال: كذبوا رسلهم بما جاؤوهم من البينات، فردوه عليهم بأفواههم وقالوا {إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} وكذبوا ما في الله عز وجل شك، أفي من فطر السموات والأرض؟ وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وأظهر لكم من النعم والآلاء الظاهرة ما لا يشك في الله عز وجل. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {فردوا أيديهم في أفواههم} قال: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - {فردوا أيديهم في أفواههم} قال: عضوا عليها. وفي لفظ: عضوا على أناملهم غيظاً على رسلهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {فردوا أيديهم في أفواههم} قال أدخلوا أصابعهم في أفواههم. قال: وإذا غضب الإنسان, عض على يده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي - رضي الله عنه - في قوله {فردوا أيديهم في أفواههم} قال: هو التكذيب.
القشيري
تفسير : استفهام في معنى التقرير. أخبره أنه لما جاءتهم الرسلُ قابلوهم بالكنود. وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم في أفواههم، وحَذَوْا سبيل أمثالهم في الكفر، وبنوا على الشك والريبة قواعدَهم، وأسسوا على الشِّرْكِ والغَيِّ مذاهبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم يأتكم} من كلام موسى استفهم عن انتفاء الاتيان على سبيل الانكار فافاد اثبات الاتيان وايجابه فكانه قبل أتاكم {نبؤا الذين من قبلكم} اى اخباركم {قوم نوح} اغرقوا بالطوفان حيث كفروا ولم يشكروا نعم الله وقوم نوح بدل من الموصول {وعاد} اهلكوا بالريح معطوف على قوم نوح {وثمود} اهلكوا بالصيحة {والذين من بعدهم} من بعد هؤلاء المذكورين من قوم ابراهيم واصحاب مدين والمؤتفكات وغير ذلك وهو عطف على قوم نوح وما عطف عليه {لا يعلمهم الا الله} اعتراض اى لا يعلم عدد تلك الامم لكثرتهم ولا يحيط بذواتهم وصفاتهم واسمائهم وسائر ما يتعلق بهم الا الله تعالى فانه انقطعت اخبارهم وعفت آثارهم وكان مالك بن أنس يكره ان ينسب الانسان نفسه أبا أبا الى آدم وكذا فى حق النبى عليه السلام لان اولئك الآباء لا يعلم احد الا الله وكان ابن مسعود رضى الله عنه اذا قرأ هذه الآية قال كذب النسابون يعنى انهم يدعون علم الانساب وقد نفى الله علمها عن العباد. وقال فى التبيان النسابون وان نسبوا الى آدم فلا يدعون احصاء جميع الامم انتهى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما بين عدنان واسماعيل ثلاثون ابا اى قرنا لا يعرفون وقيل اربعون وقيل سبعة وثلاثون. وفى النهر لابى حيان ان ابراهيم عليه السلام هو الجد الحادى والثلاثون لنبينا عليه السلام. قال فى انسان العيون كان عدنان فى زمن موسى عليه السلام وهو النسب المجمع عليه لنبينا عليه السلام وفيما قبله الى آدم اختلاف سبب لاختلاف فيما بين عدنان وآدم ان قدماء العرب لم يكونوا اصحاب كتب يرجعون اليها وانما كانوا يرجعون الى حفظ بعضهم من بعض. والجمهور علىان العرب قسمان قحطانية وعدنانية والقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنية شعبان ربيعة ومضر واما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم ينسبونها الى قحطان وبعضهم الى عدنان. ثم ان الشيخ عليا السمرقندى رحمه الله قال فى تفسير الموسوم ببحر العلوم لقائل ان يقول يشكل بالآية قول النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله تعالى قد رفع الى الدنيا فانا انظر اليها والى ما هو كائن فيها الى يوم القيامة كما انظر الى كفى هذه" تفسير : جليا جلاها الله لنبيه كما جلاها للنبيين قبل لدلالته صريحا على ان جميع الكوائن الى يوم القيامة مجلى ومكشوف كشفا تاما للانبياء عليهم السلام والحديث مسطور فى معجم الطبرانى والفردوس. يقول الفقير ان الله تعالى اعلم حبيبه عليه السلام ليلة المعراج جميع ما كان وما سيكون وهو لا ينافى الحصر فى الآية لقول تعالى فى آية اخرى {أية : فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول} تفسير : يعنى به جنابه عليه السلام ولئن سلم فالذى علمه انما هو كليات الامور لا جزئياتها وكلياتها جميعا من هذا المقام وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم فصح الحصر والله اعلم فاعرف هذه الجملة {جاءتهم رسلهم} ملتبسين {بالبينات} وقال الكاشفى [آوردند] فالباء للتعدية اى بالمعدزات الواضحة التى لا شبهة فى حقيقتها قبين كل رسول لامته طريق الحق وهو استيناف لبيان نبأهم {فردوا ايديهم فى افواههم} اى اشاروا بها الى السنتهم وما نطقت به من قولهم انا كفرنا بما ارسلتم به اى هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره اقناطا لهم من التصديق اوردوا ايديهم فى افواه انفسهم اشارة بذلك الى الرسل ان انكفوا عن مثل هذا الكلام فانكم كذبة ففى بمعنى على كما فى الكواشى. وقال قتادة كذبوا الرسل وردوا ما جاؤا به يقال رددت قول فلان فى فيه اى كذبته {وقالوا انا كفرنا بما ارسلتم به} على زعمكم من الكتب والرسالة. قال المولى ابو السعود رحمه الله هى البينات التى اظهروها حجة على رسالاتهم ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم {وانا لفى شك} عظيم {مما تدعوننا اليه} من الايمان بالله والتوحيد. قال سعدى المفتى المراد اما المؤمن به او صحة الايمان اذلا معنى لشكهم فى نفس الايمان. فان قلت الشك ينافى الجزم بالكفر بقولهم انا كفرنا. قلت متعلق الكفر هو الكتب والشرائع التى ارسلوا بها ومتعلق الشك وهو ما يدعونهم اليه من التوحيد مثلا والشك فى الثانى لا ينافى القطع فى الاول {مريب} موقع فى الريبة وهى قلق النفس وعدم اطمئنانها بالشيء وهو علامة الشر والسعادة [يعنى كمانى نفس را مضطرب ميسازد ودلرارا آم نمى دهد وعقل را شوريده كرداند] وهو صفة توكيدية لشك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (شك): فاعل بالمجرور، و(فاطر): نعت له. يقول الحق جل جلاله: حاكياً عن نبيه موسى عليه السلام في تذكير قومه، أو من كلامه؛ تذكيراً لهذه الأمة {ألم يأتكم نبأ الذين مِن قبلكم}: ما جرى عليهم حين عصوا أنبياءهم؛ {قوم نوح وعادٍ وثمود والذين من بعدهم} كقوم شعيب، وأمم كثيرة {لا يعلمهم إلا اللهُ}؛ لكثرة عددهم، واندراس آثارهم. ولذلك قال ابن مسعود: كذب النسَّابُون. {جاءتهم رسلهم بالبيناتِ}؛ بالمعجزات الواضحات، {فرَدُّوا أيديَهُمْ في أفواههم}؛ ليعضوا عليها؛ غيظاً مما جاءت به الرسل كقوله {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ}تفسير : {آل عمران: 119}. أو: وضعوها عليها؛ تعجباً منهم، أو: استهزاءً بهم، كمن غلب عليه الضحك. أو إسكاتاً للأنبياء، وأمراً لهم بإطباق الأفواه، أو: ردوها في أفواه الأنبياء، يمنعونهم من التكلم، أو: ردوا أيديهم، أي: نِعَم الأنبياء عليهم، وهي: مواعظهم والشرائع التي أتوهم بها من عند الله، ردوها في أفواه الأنبياء حيث كذبوها، ولم يعملوا بها، كما تقول لمن لم يمتثل أمرك: ترك كلامي في فمي وذهب. {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتُمْ به} على زعمكم، {وإنا لفي شكٍّ مما تدعوننا إليه} من التوحيد والإيمان، {مُريب}: مُوقع في الريبة، أو: ذي ريبة، وهو: قلق النفس بحيث لا تطمئن إلى شيء. فإجابهم الرسل عن دعواهم الشك في الربوبية، {قالت رُسُلُهم أفي الله شكٌّ}: أفي وجوده شك، أو في ألوهيته، أو في وحدانيته شك؟ قال البيضاوي: أُدخلت همزة الإنكار على الظرف؛ لأن الكلام في المشكوك فيه، لا في الشك، أي: إنما ندعوكم إلى الله، وهو لا يحتمل الشك؛ لكثرة الأدلة، وظهور دلالتها عليه. هـ. وأشار إلى ذلك بقوله: {فاطر السماواتِ والأرض} أي: خالقهما ومبدعهما على هذا الشكل الغريب، والإتقان العجيب؛ إذ لا يصدر إلا من إله عظيم القدرة، باهر الحكمة، واحد في ملكه؛ {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22]، وهو {يدعوكم} إلى الإيمان والتوحيد ببعثه إيانا، والتصديق بنا، {ليغفر لكم من ذُنُوبكم} إن آمنتم، أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهو ما تقدم قبل الإسلام، ويبقى ما يُذنب بعده في المشيئة، أو: ما بينكم وبينه دون المظالم. والجمهور: أنه يغفر للكافر ما سلف مطلقاً، وقيل: "من": زائدة، على غير مذهب سيبويه. قال البيضاوي: وجيء بمن، في خطاب الكفرة، دون المؤمنين في جميع القرآن، تفرقةً بين الخطابين، ولعل المعنى فيه أن المغفرة، حيث جاءت في خطاب الكفار، مرتبة على الإيمان، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة، والتجنب عن المعاصي، ونحو ذلك، فيتناول الخروج عن المظالم. هـ. {ويُؤخّرَكُم إلى أجلٍ مسمّى}: إلى وقت سماه الله، وجعله آخر أعماركم. وقال الزمخشري تبعاً للمعتزلة: يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا على قولهم بالأجلين. وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم، والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار أفضل عبادة الأبرار، وفي الحديث: "حديث : تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة"تفسير : . فيتفكر العبد فيما سلف قبله من القرون الماضية والأمم الخالية، كيف رحلوا عن ديارهم المشيدة، وفروشهم الممهدة، واستبدلوها بضيق القبور، وافتراش التراب تحت الجُنوب، وجاءهم الموت وهم غافلون، وتجرعوا كأسها وهم كارهون، فلا ما كانوا أمّلوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا قدِموا على ما قدَّموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفع الندم وقد جف القلم، فيوجب هذا التفكرُ الانحياش إلى الله، والمسارعة إلى طاعة الله، والزهد في هذه الدار الفانية، والتأهب للسفر إلى الدار الباقية؛ فيفوز فوزاً عظيماً. وفي تكذيب الصادقين تسلية للعارفين، وللمتوجهين من المريدين، إذا قُوبلوا بالإيذاء والتكذيب، وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر ما أصاب به الكفار رسلهم
الطوسي
تفسير : آيتان في الكوفي وثلاث آيات في المدنيين والبصري تمام الأولى قوله {وثمود}. قيل فيمن يتوجه الخطاب اليه في قوله {ألم يأتكم نبؤا} قولان: احدهما - قال الجبائي: إِنه متوجه الى امة النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا بأخبار من تقدم وما جرى من قصصهم. والثاني - قال قوم: إِنه من قول موسى (ع) لأنه متصل به في الآية المتقدمة يقول الله لهم {ألم يأتكم} اي اما جاءكم اخبار من تقدمكم. والنبأ الخبر عما يعظم شأنه يقال: لهذا الامر نبؤ اي عظم شأن يقال انبأ ينبىء، ونبَّأت أنبّىء، وبنأ الله محمداً اي جعله نبياً، وتنبأ مسيلمة اي ادعى النبوة، وليس هو كذلك. و {قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم} كل ذلك مجرور بأنه بدل من الكاف والميم في قوله {قلبكم} وهو مجرور بالاضافة. وقوله {لا يعلمهم إِلا الله} اي لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما فعلوه، وفعل بهم من العقوبات، ولا عددهم {إلا الله} ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كذب النسابون ". تفسير : وقوله {جاءتهم رسلهم بالبينات} اي اتتهم رسلهم بالدلالات الواضحات {فردوا أيديهم في أفواههم} وقيل في معناه خمسة اقوال: احدها - قال عبد الله بن مسعود، وابن زيد: انهم عضوا على اناملهم تغيظاً عليهم في دعائهم الى الله، كما قال {أية : عضو عليكم الأنامل من الغيظ}. تفسير : وثانيها - قال الحسن: جعلوا أيديهم في افواه الانبياء تكذيباً لهم ورداً لما جاؤوا به. الثالث - قال مجاهد ردوا نعمتهم بأفواههم. الرابع - قال قوم: يحتمل ان يكونوا ردوا أيدي أنفسهم في أفواه نفوسهم مومئن لهم اي اسكتوا عما تدعونا إِليه، كما يفعل الواحد منا مع غيره إِذا أراد تسكيته. روي ذلك عن ابن عباس ذكره والفراء. وخامسها - قال قوم: ردوا ما لو قبلوه، لكانت نعمة عليهم في افواههم اي بأفواههم والسنتهم، كما يقولون ادخلك الله بالجنة يريدون في الجنة وهي لغة طي، قال الفراء: انشدني بعضهم: شعر : وارغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست ارغب تفسير : فقال (ارغب فيها) يريد بها يعنى بنتاً له، يريد: ارغب بها عن لقيط، ولا ارغب بها عن قبيلته. وقوله {إنا كفرنا بما أرسلتم به} حكاية ايضاً عما قالوا للرسل فإِنهم قالوا: إِنا قد كفرنا بما ارسلتم به من الدعاء الى الله وحده وتوجيه العبادة إِليه، والعمل بشرائعه {وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} والريب اخبث الشك المتهم، وهو الذي يأتي بما فيه التهمة؛ ولذلك وصفوا به الشك اي انه يوجب تهمة ما اتيتم به يقال: اراب يريب إِرابة إِذا أتى بما يوجب الريبة، فقالت لهم حينئذ رسلهم {أفي الله شك} مع قيام الأدلة على وحدانيته وصفاته، لانه الذي خلق السموات والارض يدعوكم الى عبادته ليغفر لكم من ذنوبكم اذا أطعتموه. ودخلت (من) ها هنا - في قول أبي عبيدة - زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب، وقال أبو علي: دخلت للتبعيض ووضع البعض موضع الجميع توسعاً. وقال قوم: دخلت (من) لتكون المغفرة بدلا من الذنوب، فدخلت (من) لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة {ويؤخركم إلى أجل مسمى} يعنى لا يؤاخذكم بعاجل العذاب، بل يؤخر الى الوقت الذي ضربه الله لكم ان يمسكم فيه، فقال لهم قومهم {إن أنتم إلا بشر مثلنا} اي ليس انتم الا خلق مثلنا تريدون ان تمنعونا عما كان يعبد اباؤنا من الاصنام والاوثان، فاتونا بحجة واضحة على ما تدعونه وبطلان ما نحن عليه. وفي الآية دلالة واضحة على انه تعالى اراد بخلقه الخير والايمان، لا الشر والكفر، وأنه إِنما بعث الرسل الى الكفار رحمة وتفضلا، ليؤمنوا، لا ليكفروا، لان الرسل قالت: ندعوكم الى الله ليغفر لكم، فمن قال إِن الله أرسل الرسل الى الكفار ليكفروا بهم ويكونوا سوءاً عليهم ووبالاً، وانما دعوهم ليزدادوا كفراً فقد ردّ ظاهر القرآن.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} خطاب من الله لامّة محمّد (ص) او مقول قول موسى (ع) وعلى اىّ تقدير فهو تذكير بالايّام الماضية ليعتبروا ولا يفعلوا مثل ما فعلوا {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} من الرّسل واممهم {لاَ يَعْلَمُهُمْ} عدّة وعدّة ومدّة وحيّزاً وقصّةً {إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} باحكام النّبوّة الشّاهدة على صدق الاتى بها بمضمون اعرفوا الرّسول بالرّسالة {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} كناية عن شدّة الغيظ حيث انّ المغتاظ يعض لغاية الغيظ على يده طبعاً كقلوه عضّوا عليكم الانامل من الغيظ، او كناية عن غاية التّعجّب والاستهزاء لانّ المتعجّب يضع يده على فمه طبعاً، او كناية عن الاشارة الى الانبياء (ع) بالاسكات فانّ من اراد ان يشير الى غيره بالاسكات يضع يده على فم نفسه اشارة الى اسكات المتكلّم، وقيل: ردّوها فى افواه الانبياء لمنعهم من الكلام وحنيئذٍ يحتمل ان يكون على حقيقته وان يكون تمثيلاً للمنع عن الكلام {وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} ذكروا صفة الفاطريّة والخالقيّة الّتى لا يبقى معها شكّ فيه ثمّ ذكروا انّ دعوته لمغفرتكم فى الآخرة ولطول اعماركم فى الدّنيا حتّى يرغبوا فى قبول دعوته {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} فلا امتياز لكم عنّا بانفسكم حتّى تستحقّوا بذلك اتّباعنا لكم وما نرى ممّا تدعوننا اليه شيئاً الاّ الانصراف عن آلهتنا فانتم {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حجّة موضحة لصدقكم او واضحة الحجيّة حتّى نتّبعكم بذلك.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ} خبر {الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} هذا من كلام موسى بنفسه أو بالوحى، قلت يجوز أن يكون من كلام الله جَل وعلا لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنزله عليه يخاطب به الكفار ثم رأيت القاضى أجازه {قَوْمِ نُوحٍ} بدل من الذين أو بنيان له {وَعَادٍ} قوم هود عليه السلام {وَثَمُودَ} قوم صالح عليه السلام {وَالَّذِينَ} مبتدأ {مِنْ بَعْدِهِمْ} وقوله {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ} خبره والجملة معترضة أو الذين معطوف على قوم نوح وجملة لا يعلمهم إلا الله معترضة والمعنى لا يعلم عددهم أفراداً ولا جملا إِلا الله لكثرتهم ولو علم بعض الناس بعضاً منهم، وقيل المراد أنه ما بلغهم خبرهم أصلا وكان ابن مسعود إِذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون أى فى دعواهم علم الأَنساب إِلى آدم أو دونه وقد نفى الله علمها عن العباد وكان مالك ابن أنس يكره أن ينسب الإِنسان نفسه أبا أبا إِلى آدم لأَنه لا يعلم أولئك إِلا الله، قيل قد نهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرفع نسبه فوق عدنان وقد رفعه بعضهم إِلى آدم وسجعه بعضهم من آدم عليه السلام هكذا أنه من آدم أبى البشر ذا العلا إلى حوى وصار وأول من حالها أفضل حلى وحلاثم إِلى شيث فعاد النور منه مشعلا ثم إِلى إِدريس الذى قرأ صحفاً وتلا ثم إِلى تالغ الذى فات أقرانه وما ارتكب زللا ثم إِلى ولده الذى مهلا يا بذل لأَهله من المال جملا ثم إلى نوح النبى الذى ركب الفلك وعلى ثم إِلى سام الذى ملك نعماً وخولا ثم إِلى أرفخشد الذى تبوأ عند ربه منزلا ثم إِلى هود الذى شهد بعلمه عقول العقلاء ثم إلى غابر الذى مات أبوه وقد كان نبياً مرسلا ثم إِلى أرغوى الذى له مواطن الكرم نزلا ثم إِلى شاروخ الذى كان على أخوته مفضلا ثم إلى إبراهيم الذى قال له جبريل حين ألقى فى النار ألك حاجة. قال: أما إليك فلا، ثم إِلى إسماعيل الذبيح الذى أرسل إِلى أهل الشرف والعلا ثم إِلى قيدار الذى نال البهاء والنور الجملا، ثم إِلى نبت الذى أصبح بالنور مجملا ثم إِلى الهميع الذى أصبح بالنسب مكملا ثم إلى اليسع الذى قادته الأَنوار حللا ثم إلى أرد الذى ما ابتغى العز عنه حولا ثم إلى أد الذى أضحى تاجه بالفخر مجملا ثم إِلى عدنان الذى انتهى الشرف إليه أما إِلى غيره فلا ثم إِلى معد الذى نار بنوره الظلا وانجلى ثم إلى مضر الذى رفعه الصعود إلى العلا ثم إلى نزار الذى كان بالجمال مسربلا ثم إلى الياس الذى كان سعده مسبلا، ثم إِلى مدركة، الذى أدرك شرفاً وعلى، ثم إِلى خزيمة الذى نوره يتلالى ثم إِلى كنانة الذى موطن شرفه من الفخر ما خلا، ثم إِلى النضر الذى فاق نضارة وعلا، ثم إِلى مالك الذى أصبح به النسب متصلا، ثم إلى فهر الذى قرأ آيات العلا وتلا، ثم إِلى لؤى الذى ما ابتغى غير الشرف بدلا، ثم إلى كعب الذى نوره لا يبلى، ثم إلى مرة الذى عذب منهله وحلا، ثم إِلى كلاب الذى عقد له الفخر حللا، ثم إِلى عبد مناف الذى كسته الأَنوار جملا. ثم إِلى قصى الذى ساد قومه وعلا، ثم إلى هاشم الذى له المجد والعلا، ثم إلى عبد المطلب واسمه شيبة الحمد أولا، ثم إِلى عبد الله صاحب العفاف والعلا وهو أبو سيدنا وحبيبنا وشفيعنا الصادق الأَمين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم النبيين وإمام المرسلين سيد الخلق أجمعين تفضيلا وجملا. {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} الحجج الواضحات على صدقهم {فَرَدُّوا} أى وجهوا أو وضعوا أو أدخلوا {أَيْدِيَهُمْ فى أَفْوَاهِهِمْ} إِلى أَفواههم كما قال ابن هشام ويجوز كون فى بمعنى على وبقائها على الظرفية والمعنى ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه أنفسهم فعضوا عليها غيظاً، ما جاءت به الرسل كقوله تعالى عضوا عليكم الأَنامل من الغيظ وهذا قول ابن مسعود وقال ابن عباس وضعوا: أيديهم على أفواههم تعجباً، وقيل وضعوها عليها استهزاء وضحكاً كما يفعل الذى غلبه الضحك فإنه يضع يده عفى فيهِ أو كالذى لا يريد أن يرى ضاحكاً أو مبتسماً. وقال بعضهم: ردوا يدى أنفسهم فى أفواه أنفسهم إِشارة إِلى رسلهم أن اسكتوا وأطبقوا أفواهكم وذكر الشيخ هود قولاً قوياً عن بعضهم إِيضاحه أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ} فى زعمكم أيها الرجال أنكم أرسلتم {وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا} وقرئ مما تدعونا بإِدغام نون الرفع فى نون نا {إِلَيْهِ} من الإِيمان {مُرِيبٍ} موقع فى الريبة فى قولك أن أرابه أى أوقعه فى الريبة أو ذى ريبة من قولك إرابة الرجل أى صار ذا ريبة، والهمزة على الأَول للتصيير وعلى الثانى للصيرورة، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الشىء وإِنما صح لهم الاعتراف بالشك بعد الاعتراف بالكفر لأَن الشك فيما جاءت به الرسل كفر فذكر الشك بياناً له أو المراد بالكفر الجزم بالإِنكار وبالشك أنا لم ندع الجزم فى قولنا فلا أقل من أن نكون شاكين وذلك إِقناط للرسل من الإِيمان بهم وأنه لا جواب عندنا غير ذلك، وقيل ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه أنفسهم بمعنى أنهم لم يجيبوهم إِلى ما دعوهم إِليه ولو أجابوا بالتكذيب كقولك فى عدم الجواب أصلا رد يده إلى فيه وقال الحسن والكلبى ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه الرسل يسكتونهم ولا يتركونهم يتكلمون. وهو أشنع رد وقيل ردوا أيديهم فى أفواه الرسل مشيرين لهم إلى السكوت وعلى القولين فيحتمل الكلام الحقيقة ويحتمل التمثيل لعدم القبول، وقال مجاهد وقتادة: ردوا أيدى أنفسهم فى أفواه الرسل، أى كذبوا قولهم كقولك ردد قول فلان فى فيه إذا كذبته، وقيل لأَيدى جمع يد بمعنى النعمة فالمعنى ردوا نعم الرسل وهى مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إِليهم من الشرائع فى أفواه الرسل أى لم يقبلوها عنهم فكأَنهم ردوها إِلى حيث جاءت أو ردوا نعم الرسل بافواه أنفسهم بأَن كذبوها وعليه ففى بمعنى الباء.
الالوسي
تفسير : . {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} ليتدبروا ما أصاب كل واحد من حزبـي المؤمن والكافر فيتم له عليه السلام مقصوده منهم. وجوز أن يكون من تتمة قوله عليه/ السلام: {أية : إِن تَكْفُرُواْ } تفسير : [إبراهيم: 8] الخ على أنه كالبيان لما أشير إليه في الجواب من عود ضرر الكفران على الكافر دونه عز وجل، وقيل: هو من كلامه تعالى جىء تتمة لقوله سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7] الخ وبياناً لشدة عذابه ونقل كلام موسى عليه السلام معترض في البين وهو كما ترى، وقيل: هو ابتداء كلام منه تعالى مخاطباً به أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما ذكر إرساله عليه الصلاة والسلام بالقرآن وقص عليهم من قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أمته ولعل تخصيص تذكيرهم بما أصاب أولئك المعدودين مع قرب غيرهم إليهم للإشارة إلى أن إهلاكه تعالى الظالمين ونصره المؤمنين عادة قديمة له سبحانه وتعالى، ومن الناس من استبعد ذلك. {قَوْمِ نُوحٍ} بدل من الموصول أو عطف بيان {وَعَادٍ} معطوف على قوم نوح {وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } أي من بعد هؤلاء المذكورين عطف على قوم نوح وما عطف عليه، وقوله تعالى: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} اعتراض أو الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره وجملة المبتدأ وخبره اعتراض، والمعنى على الوجهين أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ومعنى الاعتراض على الأول ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إن في ذلك لمعتبراً، وعلى الثاني هو ترق ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصى عددهم كأنه يقال: دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل ولذا جعله الزمخشري أول الوجهين، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بين عدنان وإسماعيل عليه السلام ثلاثون أباً لا يعرفون، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمها عن العباد أظهر فيه على ما قيل. ومن هنا يعلم أن ترجيح الطيبـي الوجه الأول بما رجحه به ليس في محله: واعترض أبو حيان القول بالاعتراض بأنه لا يكون إلا بين جزئين يطلب أحدهما الآخر وما ذكر ليس كذلك، ومنع بأن بين المعترض بينهما ارتباطاً يطلب به أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون الجملة الآتية حالاً بتقدير قد والاعتراض يقع بين الحال وصاحبها، فليس ما ذكر مخالفاً لكلام النحاة، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل المعاني وهم لا يشترطون الشرط المذكور، حتى جوزوا أن يكون الاعتراض في آخر الكلام كما صرح به ابن هشام في «المغني»، مع أن الجملة الآتية مفسرة لما في الجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى، واشتراط الارتباط الإعرابـي عند النحاة غير مسلم أيضاً فتأمل. وجعل أبو البقاء جملة {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} على تقدير عطف الموصول على ما قبل حالاً من الضمير في {مّن بَعْدِهِمْ } وجوز الاستئناف، ولعله أراد بذلك الضمير المستقر في الجار والمجرور لا الضمير المجرور بالإضافة لفقد شرط مجيء الحال منه، وجوز على تقدير كون الموصول مبتدأ كون تلك الجملة خبراً وكونها حالاً والخبر قوله تعالى: {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم} والكثير على أنه استئناف لبيان نبئهم {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} بالمعجزات الظاهرة، فبين كل رسول منهم لأمته طريق الحق وهداهم إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ} أي أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي على زعمكم، وهي البينات التي أظهروها حجة على صحة رسالتهم. / ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم أو الكتب والشرائع، وحاصله أنهم أشاروا إلى جوابهم هذا كأنهم قالوا: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا كما يقع في كلام المخاطبين أنهم يشيرون إلى أن هذا هو الجواب ثم يقررونه أو يقرونه ثم يشيرون بأيديهم إلى أن هذا هو الجواب، فضمير أيديهم وأفواههم إلى الكفار، والأيدي على حقيقتها، والرد مجاز عن الإشارة وهي تحتمل المقارنة والتقدم والتأخر، وقال أبو صالح: المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك للرسل عليهم السلام أن يكفوا ويسكتوا عن كلامهم كأنهم قالوا: اسكتوا فلا ينفعكم الإكثار ونحن مصرون على الكفر لا نقلع عنه:شعر : فكم أنا لا أصغي وأنت تطيل تفسير : فالضميران للكفار أيضاً وسائر ما في النظم على حقيقته. وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن المراد أنهم عضوا أيديهم غيظاً من شدة نفرتهم من رؤية الرسل وسماع كلامهم، فالضميران أيضاً كما تقدم، واليد والفم على حقيقتهما، والرد كناية عن العض، ولا ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل كما في قوله تعالى: {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } تفسير : [آل عمران: 119] فإن من عض موضعاً من اليد يقال حقيقة إنه عض اليد، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم تعجباً مما جاء به الرسل عليهم السلام، وهذا كما يضع من غلبه الضحك يده على فيه، فالضميران وسائر ما في النظم كما في القول الثاني، وجوز أن يرجع الضمير في {أَيْدِيهِمْ} إلى الكفار وفي {أَفْوَاهِهِمْ} إلى الرسل عليهم السلام، وفيه احتمالان. الأول أنهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل عليهم السلام أن اسكتوا، والآخر أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل عليهم السلام منعاً لهم من الكلام وروي هذا عن الحسن، والكلام يحتمل أن يكون حقيقة ويحتمل أن يكون استعارة تمثيلية بأن يراد برد أيدي القوم إلى أفواه الرسل عليهم السلام عدم قبول كلامهم واستماعه مشبهاً بوضع اليد على فم المتكلم لإسكاته. وظاهر ما في "البحر" يقتضي أنه حقيقة حيث قال: إن ذلك أبلغ في الرد وأذهب في الاستطاله على الرسل عليهم السلام والنيل منهم، وأن يكون الضمير في {أَيْدِيهِمْ} للكفار وضمير {أَفْوَاهِهِمْ} للرسل عليهم السلام. والأيدي جمع يد بمعنى النعمة أي ردوا نعم الرسل عليهم السلام التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والأحكام في أفواههم، ويكون ذلك مثلاً لردها وتكذيبها بأن يشبه رد الكفار ذلك برد الكلام الخارج من الفم فقيل: ردوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم والمراد عدم قبولها، وقيل: المراد بالأيدي النعم والضمير الأول للرسل عليهم السلام أيضاً لكن الضمير الثاني للكفار على معنى كذبوا ما جاؤوا به بأفواههم أي تكذيباً لا مستند له، {وَفِى} بمعنى الباء، وقد أثبت الفراء مجيئها بمعناها وأنشد:شعر : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب تفسير : وضعف حمل الأيدي على النعم بأن مجيئها بمعنى ذلك قليل في الاستعمال حتى أنكره بعض أهل اللغة وإن كان الصحيح خلافه، والمعروف في ذلك الأيادي كما في قوله:شعر : / سأشكر عمرا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت تفسير : وبأن الرد والأفواه يناسب إرادة الجارحة، وقال أبو عبيدة الضميران للكفار والكلام ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا سكت عن الجواب وأمسك رد يده في فيه، ومثله عن الأخفش. وتعقبه القتبي بأنا لم نسمع أحداً من العرب يقول رد فلان يده في فيه إذا سكت وترك ما أمر به، وفيه أنهما سمعا ذلك ومن سمع حجة على من لم يسمع، قال أبو حيان: وعلى ما ذكراه يكون ذلك من مجاز التمثيل كأن الممسك عن الجواب الساكت عنه وضع يده على فيه. ورده الطبري بأنهم قد أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: {إِنَّا كَفَرْنَا} إلى آخره. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون مراد القائل أنهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضي الذي يقتضيه مجيء الرسل عليهم السلام إليهم بالبينات وهو الاعتراف والتصديق، وقال ابن عطية: الضميران للكفار ويحتمل أن يتجوز في الأيدي ويراد منها ما يشمل أنواع المدافعة، والمعنى ردوا جميع مدافعتهم في أفواههم أي إلى ما قالوا بأفواههم من التكذيب، وحاصله أنهم لم يجدوا ما يدفعون به كلام الرسل عليهم السلام سوى التكذيب المحض، وعبر عن جميع المدافعة بالأيدي إذ هي موضع أشد المدافعة والمرادّة. وقيل: المراد أنهم جعلوا أيديهم في محل ألسنتهم على معنى أنهم آذوا الرسل عليهم السلام بألسنتهم نحو الإيذاء بالأيدي، والذي يطابق المقام وتشهد له بلاغة التنزيل هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوي لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل عليهم السلام كل الإنكار جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيهاً على أنهم لم يمهلوا بل عقبوا دعوتهم بالتكذيب وصدروا الجملة بإن، ويلي ذلك على ما في "الكشف" الوجه الثاني ولا يخفى ما في أكثر الوجوه الباقية فتأمل. {وَإِنَّا لَفِى شَكّ} عظيم {مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ} من الإيمان والتوحيد، وبهذا وتفسير {مَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} بما ذكر أولاً يندفع ما يتوهم من المنافاة بين جزمهم بالكفر وشكهم هذا، وقيل في دفع ذلك على تقدير كون متعلقي الكفر والشك واحداً: إن الواو بمعنى أو أي أحد الأمرين لازم وهو أنا كفرنا جزماً بما أرسلتم به فإن لم نجزم فلا أقل من أن نكون شاكين فيه؛ وأياً ما كان فلا سبيل إلى الإقرار والتصديق، وقيل: إن الكفر عدم الإيمان عمن هو من شأنه ـ فكفرنا ـ بمعنى لم نصدق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك لا ينافي الشك. وفي "البحر" أنهم بادروا أولاً إلى الكفر وهو التكذيب المحض ثم أخبروا أنهم في شك وهو التردد كأنهم نظروا بعض نظر اقتضى أن انتقلوا من التكذيب المحض إلى التردد أو هما قولان من طائفتين طائفة بادرت بالتكذيب والكفر وأخرى شكت، والشك في مثل ما جاءت به الرسل عليهم السلام كفر، وهذا أولى من قرينه، وقرأ طلحة {مّمَّا تَدْعُونَا } بادغام نون الرفع في نون الضمير كما تدغم في نون الوقاية في نحو {أية : أَتُحَاجُّوۤنِّي} تفسير : [الأنعام: 80] {مُرِيبٍ } أي موقع في الريبة من أرابني بمعنى أوقعني في ريبة أو ذي ريبة من أراب صار ذا ريبة، وهي قلق النفس وعدم اطمئنانها بالشيء، وهو صفة توكيدية.
ابن عاشور
تفسير : هذا الكلام استئناف ابتدائيّ رجع به الخطاب إلى المشركين من العرب على طريقة الالتفات في قوله: {ألم يأتكم}، لأن الموجّه إليه الخطاب هنا هم الكافرون المعنيون بقوله: { أية : وويل للكافرين من عذاب شديد } تفسير : [سورة إبراهيم: 2]، وهم معظم المعنيّ من الناس في قوله: { أية : لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } تفسير : [سورة إبراهيم: 1]، فإنهم بعد أن أُجمل لهم الكلام في قوله تعالى: { أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } تفسير : [سورة إبراهيم: 4] الآية، ثم فُصّل بأن ضُرب المثل للإِرسال إليهم لغرض الإخراج من الظلمات إلى النور بإرسال موسى عليه السلام لإخراج قومه، وقُضي حق ذلك عقبه بكلام جامع لأحوال الأمم ورسلهم، فكان بمنزلة الحوصلة والتذييل مع تمثيل حالهم بحال الأمم السالفة وتشابه عقلياتهم في حججهم الباطلة وردّ الرسل عليهم بمثل ما رَدّ به القرآن على المشركين في مواضع، ثم ختم بالوعيد. والاستفهام إنكاري لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فأما قوم نوح فقد تواتر خبرهم بين الأمم بسبب خبر الطوفان، وأما عاد وثمود فهم من العرب ومساكنهم في بلادهم وهم يمرون عليها ويخبر بعضهم بعضاً بها، قال تعالى: { أية : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم } تفسير : [سورة إبراهيم: 45] وقال: { أية : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } تفسير : [سورة الصافات: 137]. و{الذين من بعدهم} يشمل أهل مدين وأصحابَ الرس وقومَ تُبّع وغيرَهم من أمم انقرضوا وذهبت أخبارهم فلا يعلمهم إلا الله. وهذا كقوله تعالى: { أية : وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا } تفسير : [سورة الفرقان: 38]. وجملة {لا يعلمهم إلا الله} معترضة بين {والذين من بعدهم} وبين جملة {جاءتهم رسلهم بالبينات} الواقعة حالاً من {والذين من بعدهم}، وهو كناية عن الكثرة التي يستلزمها انتفاء علم الناس بهم. ومعنى {جاءتهم رسلهم} جاءَ كلّ أمة رسولُها. وضمائر {ردّوا} و{أيديهم} و{أفواههم} عائدٌ جميعها إلى قوم نوح والمعطوفات عليه. وهذا التركيب لا أعهد سبق مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن. ومعنى {فردوا أيديهم في أفواههم} يحتمل عدة وجوه أنهاهَا في «الكشاف» إلى سبعة وفي بعضها بُعدٌ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل كراهية أن تظهر دواخل أفواههم. وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل. والردّ: مستعمل في معنى تكرير جعل الأيدي في الأفواه كما أشار إليه «الراغب». أي وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها ثم أعادوا وضعها فتلك الإعادة رَدّ. وحرف {في} للظرفية المجازية المراد بها التمكين، فهي بمعنى {على} كقوله: { أية : أولئك في ضلال مبين } تفسير : [سورة الزمر: 22]. فمعنى {ردّوا أيديهم في أفواههم} جعلوا أيديهم على أفواههم. وعطفه بفاء التعقيب مشير إلى أنهم بادروا بردّ أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة رسلهم، فيقتضي أن يكون ردّ الأيدي في الأفواه تمثيلاً لحال المتعجب المستهزىء، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة وليس المراد حقيقته، لأن وقوعه خبراً عن الأمم مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريد به إلاّ بيان عَربي. ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: { أية : وقالوا الحمد لله الذي صَدَقنا وعده وأورثنا الأرض } تفسير : [سورة الزمر: 74]، فميراث الأرض كناية عن حسن العاقبة جرياً على بيان العرب عند تنافس قبائلهم أن حسن العاقبة يكون لمن أخذ أرض عدوّه. وأكّدوا كفرهم بما جاءت به الرسل بما دلّت عليه {إنّ} وفعل المضيّ في قوله: {إنا كفرنا}. وسموا ما كفروا به مُرسلاً به تهكماً بالرسل، كقوله تعالى: { أية : وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنك لمجنون } تفسير : [سورة الحجر: 6]، فمعنى ذلك: أنهم كفروا بأن ما جاءوا به مرسل به من الله، أي كفروا بأن الله أرسلهم. فهذا مما أيقنوا بتكذيبهم فيه. وأما قولهم: {وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه} فذلك شك في صحة ما يدعونهم إليه وسداده، فهو عندهم معرض للنظر وتمييز صحيحه من سقيمه، فمورد الشك مَا يدعونهم إليه، ومورد التكذيب نسبة دعوتهم إلى الله. فمرادهم: أنهم وإن كانوا كاذبين في دعوى الرسالة فقد يكون في بعض ما يدعون إليه ما هو صدق وحقّ فإن الكاذب قد يقول حقّاً. وجعلوا الشك قوياً فلذلك عبر عنه بأنهم مَظروفون فيه، أي هو محيط بهم ومتمكن كمال التمكن. و{مريب} تأكيد لمعنى {في شك}، والمريب: المُتوقع في الريب، وهو مرادف الشك، فوصف الشك بالمريب من تأكيد ماهيته، كقولهم: لَيل ألْيَل، وشِعر شَاعر. وحذفت إحدى النونين من قوله: {إنا} تخفيفاً تجنباً للثقل الناشىء من وقوع نونين آخرين بعد في قوله: {تدعوننا} اللازم ذكرهما، بخلاف آية سورة هود (62) { أية : وإننا لفي شك مما تدعونا } تفسير : إذ لم يكن موجب للتخفيف لأن المخاطب فيها بقوله: {تدعونا} واحد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} الآية. اختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة فقال بعض العلماء معناها أن أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوا عليها غيظاً وحنقاً لما جاءت به الرسل إذ كان فيه تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم وممن قال بهذا القول عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير واستدل له بقوله تعالى {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} تفسير : [آل عمران: 119] الآية وهذا المعنى معروف في كلام العرب ومنه قول الشاعر: شعر : تردون فيه غش الحسود حتى يعض على الأكف تفسير : يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه: قال القرطبي ومنه قول الآخر أيضاً: شعر : قد أفنى أنامله أزمة فأضحى يعض على الوظيفا تفسير : أي أفنى أنامله عضاً وقال الراجز: شعر : لو أن سلمى أبصرت تحذري ودقة بعظم ساقي ويدي وبهد أهلي وجفاء عودي عضت من الوجد بأطراف اليد تفسير : وفي الآية الكريمة أقوال غير هذا منها: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب. ويروى عن ابن عباس، ومنها: أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم أن أسكت تكذيباً له ورداً لقوله. ويروى هذا عن أبي صالح ومنها: أن معنى الآية أنهم ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم فالضمير الأول للرسل والثاني للكفار، وعلى هذا القول ففي بمعنى الباء ويروى هذا القول عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب قال ابن جرير وتوجيهه أن في هنا بمعنى الباء قال وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة وقال الشاعر: شعر : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب تفسير : يريد وأرغب بها: قال ابن كثير: ويؤيد هذا القول تغيّر ذلك بتمام الكلام وهو قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9]. قال مقيده - عفا الله عنه: الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير رحمه الله تعالى، لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله، فيدل على أن المراد بقوله: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} الآية غير التصريح بالتكذيب بالأفواه والعلم عند الله تعالى. وقيل: المعنى أن الكفار جعلوا أيديهم في أفواه الرسل رداً لقولهم وعليه. فالضمير الأول للكفار والثاني للرسل، ويروى هذا عن الحسن وقيل جعل الكفار أيدي الرسل على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم ويروى هذا مقاتل وقيل رد الرسل أيدي الكفار في أفوههم وقيل غير ذلك فقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآن منها والعلم عند الله تعالى. تنبيه جمع الفم مكسراً على أفواه يدل على أن أصله فوه فحذفت الفاء والواو وعوضت عنهما الميم. قوله تعالى: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار صرحوا للرسل بأنهم كافرون بهم وأنهم شاكون فيما جاؤوهم به من الوحي وقد نص تعالى على بعضهم بالتعيين أنهم صرحوا بالكفر به وأنهم شاكون فيما يدعوهم إليه كقول قوم صالح له. {أية : أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} تفسير : [هود: 62] وصرحوا بالكفر به في قوله {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 75 - 76] ونحو ذلك من الآيات وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر عموم في آية ثم يصرح في آية أخرى بدخول بعض أفراد ذلك العموم فيه كما هنا وكما تقدم المثال له بقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 32] مع قوله: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 36] الآية.
الواحدي
تفسير : {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم} يعني: من بعد هؤلاء الذين أهلكهم الله {لا يعلمهم إلاَّ الله} لكثرتهم، ولا يعلم عدد تلك الأمم وتعيينها إلاَّ الله {جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم} أيدي أنفسهم {في أفواههم} أَيْ: ثقل عليهم مكانهم، فعضُّوا على أصابعهم من شدَّة الغيظ. {قالت رسلهم أفي الله شكٌّ} أفي توحيد الله سبحانه شكٌّ؟ وهذا استفهامٌ معناه الإنكار، أيْ: لا شكَّ في ذلك، ثمَّ وصف نفسه بما يدلُّ على وحدانيته، وهو قوله: {فاطر السموات والأرض يدعوكم} إلى طاعته بالرُّسل والكتب {ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمَّى} لا يعاجلكم بالعقوبة، والمعنى: إن لم تجيبوا عوجلتم، وباقي الآية وما بعدها إلى قوله: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} ظاهر، ومعنى: {خاف مقامي} معناه: خاف مقامه بين يدي، {وخاف وعيدِ} : ما أوعدت من العذاب. {واستفتحوا} واستنصروا الله سبحانه على قومهم، ففازوا بالنَّصر {وخاب كلُّ جَبَّار} متكبِّرٍ عن طاعة الله سبحانه {عنيدٍ} مجانب للحقَّ.
القطان
تفسير : ردوا أيديهم في أفواهم: جعلوا أيديهم على أفواههم من التعجب او الغيظ. وهذا تفعله العرب. مريب: مقلق. سلطان: حجة. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ}. ويستمر موسى في بيانه وتذكيرِه لقومه فيقول: ألم يصِلْكم خبرُ الأقوام الماضين من قبلِكم مثل قوم نوح وعاد وثمود، والأمم الذين جاؤا من بعدِهم، امم كثيرة لا يعلمها الا الله، وقد جاءتهم رسُلهم بالحجج الظاهرة والمعجزات فوضعوا أيديَهم على أفواهِهم استغراباً واستنكارا وقالوا للرسل: إنّا كفرنا بما جئتم به من أديان جديدة، وانا لَنَشُكُّ في كل ما تدعوننا اليه من الإيمان والتوحيد. {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قالت لهم رسُلهم: أفي وجودِ الله شك! إنه خالقُ السماوات والأرض على غير مثال، وهو {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} يدعوكم الى الإيمان ليغفر لكم بعضَ ذنوبكم، {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} ويؤخركم الى وقت محدَّد معلوم لديه. فردّ اولئك المنكِرون الجاحدون على الرسل بتعنّت: {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}. كيف نصدِّقكم وأنتم بشر مثلنا لا فضلَ لكم علينا، وتريدون ان تمنعونا من عبادِة الآلهة التي كان آباؤُنا يعبدونها!؟ إن كنتم صادقين في دعواكم فأْتونا بدليلٍ ظاهر واضح. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ...}. فكان جوابُ رسُلهم: نعم إننا بشر مثلكم، ولكن الله يصطفي من يشاءُ من عبادِه فيخصّهم بالنبوّة والرسالة، وليس في قُدْرَتِنا أن نأتيَكم بآيةٍ معجزة أو حُجّةٍ إلا بتَيسيرِ الله ومشيئته. {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}. لقد أجابهم الانبياءُ على أقوالهم وما فيها من عناد بأن قالوا: إنا قد أبلَغْناكم رسالتَنا، ونحن لا نخاف في سبيلها أحدا، بل نتوكّل على الله، وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التوكل عليه! لقد هدانا إلى الحق، وأنارَ لنا سبلَ الخير، وسنصبرُ على أذاكم. ثم ختموا كلامهم بمدح التوكل وبيان ان ايذاءهم لا يثنيهم عن تبليغ رسالة ربهم فقالوا: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَبَأُ} {ٱلْبَيِّنَاتِ} {ۤ أَفْوَاهِهِمْ} (9) - قَصَّ اللهُ تَعَالَى خَبَرَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالأُمَمِ الأُخْرَى المُكَذِّبَةِ، الذِينَ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالحُجَجِ، وَالبَرَاهِينِ القَاطِعَةِ عَلَى وَحْدَانِيِّةِ اللهِ، وَعَلَى تَصَرُّفِهِ المُطْلَقِ بِالكَوْنِ، وَعَلى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَقَالُوا لَهُمْ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مُثِيرٍ لِلرَّيْبِ مِمَّا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مَعْنَى {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا كَلاَمَ اللهِ عَجِبُوا، وَرَجَعُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُسْمِعَ صَوْتَهُ مَنْ هُوَ بَعيدٌ عَنْهُ، أَيْ إِنَّ هذا تَعبِيرٌ عَنْ أَنَّهُمْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ مُعْلِنِينَ كُفْرَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ). وَقِيلَ إِنَّ هَذا التَّعْبِيرَ مَثَلٌ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يَرُدُّوا جَوَاباً. (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ اسْتِغْراباً وَاسْتِنْكَاراً). (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُمْ عَضُّوا عَلَى أَنَامِلِهِمْ تَغَيُّظاً مِنَ الرُّسُلِ وَكَلاَمِهِمْ). مُريبٍ - مُوقِعٍ فِي الرّيْبَةِ وَالقَلَقِ.
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} يعني من كان بعد قوم نوح وعاد وثمود. وكان ابن مسعود يقرأها: {وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} ثم يقول كذب النسابون {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ}. قال ابن مسعود: يعني عضوا على أيديهم غيظاً. قال ابن زيد وقرأ: {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ}تفسير : [آل عمران: 119]. ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا فرجعوا بأيديهم إلى أفواههم. مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردّوا ما حلوا به. الأخفش وأبو عبيدة: أي تركوا ما أُمروا به وكفوا عنه ولم يمضوه ولم يؤمنوا. تقول العرب للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب وسكت: قد ردّ يده في فيه. قال القيسي: إنا لم نسمع واحداً من العرب يقول ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى إنهم عضوا على الأيدي حيفاً وغيظاً. كقول الشاعر: شعر : تردون في فيه غش الحسود تفسير : يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أنامله العشر وقال الهذلي: شعر : قد أفنى أنامله أزمة فأضحى يعض على الوظيفا تفسير : الوظيف يعني الذراع والساق، واختار النحاس هذا القول؛ لقوله تعالى {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ}تفسير : [آل عمران: 119]. وأنشد شعر : لو أن سلمى أبصرت تخددي ودقة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء عودي عضت من الوجد بأطراف اليد تفسير : قال الكلبي: يعني من الأمم ردّوا بأيديهم إلى أفواههم أي في أفواه أنفسهم؛ إشارة إلى الرسل إن اسكتوا. مقاتل: فردوا أيديهم على أفواه الرسل حين يسكتونهم بذلك {وَقَالُوۤاْ} يعني الأُمم للرسل، {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} موجب الريبة موقع للتهمة {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} إلى قوله تعالى {مِّن ذُنُوبِكُمْ} من تعجله {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} يعني الموت فلا يعاجلكم بالعذاب والعقاب {قَالُوۤاْ} الرسل {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} في الصورة والهيئة ولستم بملائكة وإنما يريدون بقولكم {أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بينة على صحة دعواكم، والسلطان في القرآن على وجهين وجه ملائكة ووجه بينة كقوله {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : [إبراهيم: 22] {أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : [سبأ: 21] فصحة قوله {أية : إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : [يونس: 68] بهذا وقوله: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [إبراهيم: 10]. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بالنبوة والحكمة إلى قوله {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} بيّن لنا الرشد وبصرنا طريق النجاة، {وَلَنَصْبِرَنَّ} اللام للقسم مجازه لنصبرن {عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إلى قوله تعالى {فِي مِلَّتِنَا} يعنون الآن ترجعوا وحتى ترجعوا إلى ديننا {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هلاكهم {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي مقامه وقيامه بين يدي، فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كما يقول يذهب على ضربك أي ضربي إياك، وسوف رويتكك أي برويتي إياك. قال الله {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 82] أي رزقي إليكم فإن شئت قلت ذلك لمن يخاف قيامي عليه ومراقبتي له، مثاله قوله {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الرعد: 33]. وقال الأخفش: ذلك لمن خاف مقامي أي عذابي. {وَخَافَ وَعِيدِ * وَٱسْتَفْتَحُواْ} واستنصروا الله عليها. قال ابن عباس ومقاتل: يعني الأُمم، وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، نظيره قوله تعالى {أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [العنكبوت: 29] وقالوا {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}تفسير : [الأنفال: 32]الآية. وقال مجاهد وقتادة: يعني الرسل وذلك أنهم لما تبينوا من إيمان قومهم استنصروا عدوّهم ودعوا على قومهم بالعذاب. بيانه قوله تعالى في قصة نوح ولوط وموسى {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}. مجاهد: معاند للحق ويجانبه. وقال إبراهيم: الناكب عن الحق. ابن عباس: المعرض. وقتادة: العنيد الذي لا يقول لا إله إلاّ الله. مقاتل: المستكبر. ابن كيسان: الشامخ بالحق. ابن زيد: المخالف للحق. والعرب تقول: شر الإبل العنيد الذي يخرج من الطريق خيره، المريد العاصي، ويقال عند العرب إذا لم يرقا دمه. وقال أهل المعاني: المعاند والعنيد هو المعارض لك بالخلاف وأصله من العند وهو الناحية. قال الشاعر: شعر : إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا تفسير : {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} يعني أمامه وقدامه كما يقال: إن الموت من ورائك. قال الله {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ}تفسير : [الكهف: 79]. قال الشاعر: شعر : أتوعدني وراء بني رياح كذبت لتقصرن يداك دوني تفسير : أي قدامهم. أبو عبيدة: من الأضداد. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الآخر من ورائك أي سوف يأيتك وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه. وقال الشاعر: شعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب تفسير : وقال بعضهم إنما يجوز هذا في الأوقات؛ لأن الوقت يمر عليك فيصير إن أخرته خلفك. مقاتل: من ورائه جهنم يعني بعده. وكان أُستاذنا أبو القاسم الحبيبي يقول: الأصل في هذا أنّ كل ما ورائي عندك شيء من خلفك وقدام فهو [....]، {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ} ثم بين ذلك لنا فقال {صديد} وهو القيح والدم. قتادة: هو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه. محمد بن كعب والربيع بن أنس: هو غسالة أهل النار وذلك مايسيل من ابن الزنا يسقى الكافر {يَتَجَرَّعُهُ} يتحساه ويشربه ويجرع لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} لا يكاد أستقبله مجازه ولا يستسيغه كقوله {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] أي لم يرها. قال ابن عباس: لم يحبوه، وقيل لا يحبّونه. وروى أبو أُمامة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية يعطى إليه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فأذا شربه فقطع أمعاءه وحتى يخرج من دبرهتفسير : . يقول الله {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 15] وقال{أية : يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ}تفسير : [الكهف: 29] {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} من أعضائه فيجد ألم الموت وسقمه. وقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة في جسده. الضحاك: حتى من إبهام رجله. الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سمّاها موتاً. {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} ولا يخرج نفسه فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ولا يرجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة، نظيره قوله {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ}تفسير : [طه: 74] {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} شديد.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية الكريمة أعطتْنا تفسيراً لقوله سبحانه: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]. وكذلك قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ..} تفسير : [غافر: 78]. ونعلم أن الحق سبحانه قد أوحى لموسى - عليه السلام - أن يُبلغ قومه بقصص بعض من الأنبياء السابقين عليه. وهذا واضح في قوله الحق: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ..} [إبراهيم: 9]. ويقول سبحانه عن القوم الذين جاءوا من بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ..} [إبراهيم: 9]. أي: أن الرسل قد حملوا منهج الله، وكذلك المعجزات الدالة على صدقهم لِمَنْ جاءوا من بعد ذلك. والبينات إما أن تكون المعجزات الدالة على صدقهم؛ أو: هي الآيات المُشْتملة على الأحكام الواضحة التي تُنظِّم حركة حياتهم لِتُسْعدهم. ولكن هل قَبِلَتْ تلك الأقوامُ تلك البيناتِ؟ لا، لأن الحق سبحانه يقول عنهم: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ..} [إبراهيم: 9]. وهكذا نرى أن الكافرين هم مَنْ وضعوا أيديهم على أفواههم، وإما أنهم عَضُّوا على الأيدي بالنواجذ لأنهم لم يُطِيقوا تطبيق منهج الله؛ ولم يستطيعوا التحكُّم في أنفسهم. أو: أنهم رَدُّوا أيديهم إلى أفواههم بمعنى أن قالوا للرسل: "هس"، أصمتوا ولا تتكلموا بما جِئْتم به من بلاغ. أو: أن بعضهم قال للرسل "لا فائدة من كلامكم في هؤلاء". والثراء في القرآن يتحمّل كل هذه المعاني؛ والآية تتسِق فيها كل تلك المعاني؛ فالعبارة الواحدة في القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالات الله، وستظل كمالات القرآن موجودة يظهر بعضها لنا؛ وقد لا ندرك البعض الآخر إلى أن يُعلِمنا بها الله يوم القيامة. ويأتي قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ..} [إبراهيم: 9]. ليكشف لنا غباءهم، فَهُمْ يعترفون بأن هؤلاء رسل من السماء، وفي نفس الوقت يُنكِرون المنهج، ويُعلنون هذا الإنكار، يكشف لنا ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9]. أي: أنهم أعلنوا رأيهم في المنهج، وقالوا: إنهم مُحيَّرون ويشكُّون في هذا المنهج. ويأتي القرآن بردِّ الرسل في قول الحق سبحانه: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} معناه عَضوا عَليها. ويقال كَفُّوا عَن قَبولِ الإِيمانِ، وَلَمْ يُؤمِنوا بهِ. ويقال إِذا أَمسَكَ ولَمْ يُجبْ رَدَّ يَدهُ فِي فَمهِ. ويقالُ: إِنَّ الرَّسُولَ إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِرِسَالتِهِ قَالُوا لَهُ اسْكُتْ وأَشاروا بأَصَابِعِهِمْ إِلى أَفْواهِ أَنْفُسِهمْ رَدعاً لَهُ وَتَكْذِيباً. ويقالُ كانوا يَرُدُونَ القَولَ بِأَيْدِيهِمْ إِلى أَفواهِ الرُّسلِ. ويقال: ردُّوا بهِ لو قَبلوه كَانَتْ نعماً علَيهم، وأَيادِيَ مِن الله فِي أَفواهِهِم، معناه فِي ألسِنتِهِم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مخوفا عباده ما أحله بالأمم المكذبة حين جاءتهم الرسل، فكذبوهم، فعاقبهم بالعقاب العاجل الذي رآه الناس وسمعوه فقال: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } وقد ذكر الله قصصهم في كتابه وبسطها، { وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ } من كثرتهم وكون أخبارهم اندرست. فهؤلاء كلهم { جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي: بالأدلة الدالة على صدق ما جاءوا به، فلم يرسل الله رسولا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فحين أتتهم رسلهم بالبينات لم ينقادوا لها بل استكبروا عنها، { فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ } أي: لم يؤمنوا بما جاءوا به ولم يتفوهوا بشيء مما يدل على الإيمان كقوله {أية : يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ }. تفسير : { وَقَالُوا } صريحا لرسلهم: { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } أي: موقع في الريبة، وقد كذبوا في ذلك وظلموا. ولهذا { قَالَتْ } لهم { رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ } أي: فإنه أظهر الأشياء وأجلاها، فمن شك في الله { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } الذي وجود الأشياء مستند إلى وجوده، لم يكن عنده ثقة بشيء من المعلومات، حتى الأمور المحسوسة، ولهذا خاطبتهم الرسل خطاب من لا يشك فيه ولا يصلح الريب فيه { يَدْعُوكُمْ } إلى منافعكم ومصالحكم { لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي: ليثيبكم على الاستجابة لدعوته بالثواب العاجل والآجل، فلم يدعكم لينتفع بعبادتكم، بل النفع عائد إليكم. فردوا على رسلهم رد السفهاء الجاهلين { قَالُوا } لهم: { إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } أي: فكيف تفضلوننا بالنبوة والرسالة، { تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } فكيف نترك رأي الآباء وسيرتهم لرأيكم؟ وكيف نطيعكم وأنتم بشر مثلنا؟ { فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: بحجة وبينة ظاهرة، ومرادهم بينة يقترحونها هم، وإلا فقد تقدم أن رسلهم جاءتهم بالبينات. { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ } مجيبين عن اقتراحهم واعتراضهم: { إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } أي: صحيح وحقيقة أنا بشر مثلكم، { وَلَكِن } ليس في ذلك ما يدفع ما جئنا به من الحق فإن { اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فإذا من الله علينا بوحيه ورسالته، فذلك فضله وإحسانه، وليس لأحد أن يحجر على الله فضله ويمنعه من تفضله. فانظروا ما جئناكم به فإن كان حقا فاقبلوه وإن كان غير ذلك فردوه ولا تجعلوا حالنا حجة لكم على رد ما جئناكم به، وقولكم: { فَأتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } فإن هذا ليس بأيدينا وليس لنا من الأمر شيء. { وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } فهو الذي إن شاء جاءكم به، وإن شاء لم يأتكم به وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته، { وَعَلَى اللَّهِ } لا على غيره { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ودفع مضارهم لعلمهم بتمام كفايته وكمال قدرته وعميم إحسانه، ويثقون به في تيسير ذلك وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم. فعلم بهذا وجوب التوكل، وأنه من لوازم الإيمان، ومن العبادات الكبار التي يحبها الله ويرضاها، لتوقف سائر العبادات عليه، { وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا }. أي: أي شيء يمنعنا من التوكل على الله والحال أننا على الحق والهدى، ومن كان على الحق والهدى فإن هداه يوجب له تمام التوكل، وكذلك ما يعلم من أن الله متكفل بمعونة المهتدي وكفايته، يدعو إلى ذلك، بخلاف من لم يكن على الحق والهدى، فإنه ليس ضامنا على الله، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل. وفي هذا كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآية عظيمة، وهو أن قومهم -في الغالب- لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع كيدكم ومكركم، وجازمون بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق، فيكون هذا كقول نوح لقومه: {أية : يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون } تفسير : الآيات. وقول هود عليه السلام قال: {أية : إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون }. تفسير : { وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا } أي ولنستمرن على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى احتسابا للأجر ونصحا لكم لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير. { وَعَلَى اللَّهِ } وحده لا على غيره { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } فإن التوكل عليه مفتاح لكل خير. واعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره وهداية عبيده وإزالة الضلال عنهم وهذا أكمل ما يكون من التوكل.
همام الصنعاني
تفسير : 1399- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ}: [الآية: 9]، قال: رَدُّوا عَلَى الرُّسُلِ ما جَاءت بِهِ. 1400- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْرِيّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ}: [الآية: 9]، قال: هكذا، وردَّ يده على فِيهِ قال: غيظاً وعَضَّ يده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):