Verse. 1760 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

قَالَتْ رُسُلُہُمْ اَفِي اللہِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ يَدْعُوْكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوْبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ اِلٰۗى اَجَلٍ مُّسَمًّى۝۰ۭ قَالُوْۗا اِنْ اَنْتُمْ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا۝۰ۭ تُرِيْدُوْنَ اَنْ تَصُدُّوْنَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ اٰبَاۗؤُنَا فَاْتُوْنَا بِسُلْطٰنٍ مُّبِيْنٍ۝۱۰
Qalat rusuluhum afee Allahi shakkun fatiri alssamawati waalardi yadAAookum liyaghfira lakum min thunoobikum wayuakhkhirakum ila ajalin musamman qaloo in antum illa basharun mithluna tureedoona an tasuddoona AAamma kana yaAAbudu abaona fatoona bisultanin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالت رسلهم أفي الله شك» استفهام إنكار لا شك في توحيده لدلائل الظاهرة عليه «فاطر» خالق «السماوات والأرض يدعوكم» إلى طاعته «ليغفر لكم من ذنوبكم» من زائدة. فإن الإسلام يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد «ويؤخركم» بلا عذاب «إلى أجل مسمى» أجل الموت «قالوا إن» ما «أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا» من الأصنام «فأتونا بسلطان مبين» حجة ظاهرة على صدقكم.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل { أية : وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } تفسير : [إبراهيم: 9]. قالت رسلهم: وهل تشكون في الله، وفي كونه فاطر السموات والأرض وفاطراً لأنفسنا وأرواحنا وأرزاقنا وجميع مصالحنا وإنا لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم ولا نمنعكم إلا عن عبادة غيره وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها، فكيف قلتم: وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب؟ وهذا النظم في غاية الحسن. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } استفهام على سبيل الإنكار، فلما ذكر هذا المعنى أردفه بالدلالة الدالة على وجود الصانع المختار، وهو قوله: {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن وجود السموات والأرض كيف يدل على احتياجه إلى الصانع المختار الحكيم مراراً وأطواراً فلا نعيدها ههنا. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك، وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه: الوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، ولأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى، وأما دلالتها على وجوب التكليف، فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربني ذلك الضارب؟ وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى، وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال كان أولى، وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام، فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة. الوجه الثاني: في التنبيه على أن الإقرار بوجود الصانع بديهي هو أن الفطرة شاهد بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة، مبنية على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم والمصلحة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم، وبان حكيم، ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي والسفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى النقاش، والبناء إلى الباني، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى. الوجه الثالث: أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة وبلية قوية لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد، فكأنه بأصل خلفته ومقتضى جبلته يتضرع إلى من يخلصه منها ويخرجه عن علائقها وحبائلها وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالإفتقار إلى الصانع المدبر. الوجه الرابع: أن الموجود إما أن يكون غنياً عن المؤثر أو لا يكون، فإن كان غنياً عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته، فإنه لا معنى للواجب لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة به إلى غيره. وإن لم يكن غنياً عن المؤثر فهو محتاج، والمحتاج لا بد له من المحتاج إليه وذلك هو الصانع المختار. الوجه الخامس: أن الاعتراف بوجود الإله المختار المكلف، وبوجود المعاد أحوط، فوجب المصير إليه فهذه مراتب أربعة: أولها: أن الإقرار بوجود الإله أحوط، لأنه لو لم يكن موجوداً فلا ضرر في الإقرار بوجوده وإن كان موجوداً ففي إنكاره أعظم المضار. وثانيها: الإقرار بكونه فاعلاً مختاراً لأنه لو كان موجباً فلا ضرر في الإقرار بكونه مختاراً. أما لو كان مختاراً ففي إنكار كونه مختاراً أعظم المضار. وثالثها: الإقرار بأنه كلف عباده، لأنه لو لم يكلف أحداً من عبيده شيئاً فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد، أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك التكاليف أعظم المضار. ورابعها: الإقرار بوجود المعاد فإنه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر في الإقرار بوجوده، لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية وهي حقيرة ومنقوصة وإن كان الحق هو وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان. المسألة الثالثة: لما أقام الدلالة على وجود الإله بدليل كونه فاطر السموات والأرض وصفه بكمال الرحمة والكرم والجود وبين ذلك من وجهين، الأول: قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } قال صاحب «الكشاف»: لو قال قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم، ثم أجاب فقال: ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله: { أية : أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [نوح: 3، 4]. { أية : يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذنوبكم } تفسير : [الأحقاف: 31] وقال في خطاب المؤمنين: { أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الصف: 10] إلى أن قال: { أية : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 31] والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه، ثم قال: وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوي بين الفريقين في المعاد، وقيل: إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم. هذا كلام هذا الرجل، وقال الواحدي في «البسيط»، قال أبو عبيدة (من) زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب، وإذا قلنا إنها ليست زائدة فههنا وجهان: أحدهما: أنه ذكر البعض ههنا وأريد به الجميع توسعاً. والثاني: أن (من) ههنا للبدل والمعنى لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة، وقال القاضي: ذكر الأصم أن كلمة (من) ههنا تفيد التبعيض، والمعنى أنكم إذا تبتم فإنه يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر، فأما التي تكون من باب الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة، قال القاضي: وقد أبعد في هذا التأويل، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وإنما تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابها فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا يكون شيء منها مغفوراً. ثم قال وفيه وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه فهذا جملة أقوال الناس في هذه الكلمة. المسألة الرابعة: أقول هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقاً من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لإنعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال كلمة (من) صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول: المراد من البعض ههنا هو الكل على ما قاله الواحدي. أو نقول: المراد منها إبدال السيئة بالحسنة على ما قاله الواحدي أيضاً أو نقول: المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب «الكشاف» أو نقول: المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم. أو نقول: المراد منه الذنوب التي يذكرها الكافر عند الدخول في الإيمان على ما قاله القاضي، فنقول: هذه الوجوه بأسرها ضعيفة أما قوله: إنها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد، والعاقل لا يجوز المصير إليه من غير ضرورة، فأما قول الواحدي: المراد من كلمة (من) ههنا هو الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } هو أنه يغفر لكم ذنوبكم وهذا عين ما نقله عن أبي عبيدة، وحكي عن سيبويه إنكاره، وأما قوله: المراد منه إبدال السيئة بالحسنة فليس في اللغة أن كلمة من تفيد الإبدال، وأما قول صاحب «الكشاف»: المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسداً، وأما قول الأصم فقد سبق إبطاله، وأما قول القاضي فجوابه: أن الكافر إذا أسلم صارت ذنوبه بأسرها مغفورة لقوله عليه السلام: « حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له » تفسير : فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة وهو ما عدا الكفر، وأما الكفر فهو أيضاً من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره إلا بالتوبة، وإذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال والله أعلم بحقيقة الحال. النوع الثاني: مما وعد الله تعالى به في هذه الآية قوله: {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وفيه وجهان: الأول: المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. الثاني: قال ابن عباس: المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات إلى الموت. فإن قيل: أليس إنه تعالى قال: { أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف: 34] فكيف قال ههنا: {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى }. قلنا: قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله: { أية : ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } تفسير : [الأنعام: 2] ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين}. واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه: فالشبهة الأولى: أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد، وهو أن يكون الواحد منهم رسولاً من عند الله مطلعاً على الغيب مخالطاً لزمرة الملائكة، والباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضاً كانوا يقولون: إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة، وفي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا }. والشبهة الثانية: التمسك بطريقة التقليد، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم وكبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان. قالوا ويبعد أن يقال: إن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين، وأن الرجل الواحد عرف فساده ووقف على بطلانه، والعوام ربما زادوا في هذا الباب كلاماً آخر، وذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف كلام بعض المتقدمين قالوا له إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين، أما المناظرة مع الميت فسهلة، فهذا كلام يذكره الحمقى والرعاع وأولئك الكفار أيضاً ذكروه، وهذه الشبهة هي المراد من قوله: {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا }. والشبهة الثالثة: أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلاً، وإن كانوا سلموا على أن المعجز يدل على الصدق، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور معتادة، وأنها ليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، وإلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله: {فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ} ٱستفهام معناه الإنكار؛ أي لا شك في الله، أي في توحيده؛ قاله قَتَادة. وقيل: في طاعته. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أفي قدرة الله شك؟ٰ لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها؛ يدلّ عليه قوله: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خالقها ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم، لينبه على قدرته فلا تجوز العبادة إلا له. {يَدْعُوكُمْ} أي إلى طاعته بالرسل والكتب. {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} قال أبو عبيد: «مِنْ» زائدة. وقال سيبويه: هي للتبعيض؛ ويجوز أن يذكر البعض والمراد منه الجميع. وقيل: «مِن» للبدل وليست بزائدة ولا مُبعِّضَة؛ أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب. {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} يعني الموت، فلا يعذبكم في الدنيا. {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ} أي ما أنتم. {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} في الهيئة والصورة؛ تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، ولستم ملائكة. {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} من الأصنام والأوثان {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة ظاهرة؛ وكان هذا مِحالاً منهم؛ فإن الرسل ما دعوا إلا ومعهم المعجزات.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاؤوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: {أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ} وهذا يحتمل شيئين: (أحدهما): أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا الله هو خالق كل شيء وإلاهه ومليكه. (والمعنى الثاني) في قولهم: {أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ} أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى، وقالت لهم رسلهم: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: في الدار الآخرة {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} أي: في الدنيا؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} تفسير : [هود: 3] الآية، فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول، وحاصل ما قالوه: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي: كيف نتبعكم بمجرد قولكم، ولما نر منكم معجزة؟ {فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي: خارق نقترحه عليكم {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي: صحيح أنّا بشر مثلكم في البشرية {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: بالرسالة والنبوة {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ} على وفق ما سألتم {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: بعد سؤالنا إِياه، وإِذنه لنا في ذلك {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: في جميع أمورهم، ثم قالت الرسل: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} أي: وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها؟ {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} أي: من الكلام السيىء والأفعال السخيفة {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ }؟ استفهام إنكار أي لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه {فَاطِرِ } خالق {ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ يَدْعُوكُمْ } إلى طاعته {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } «من» زائدة، فإن الإسلام يُغْفَر به ما قبله، أو تبعيضية لإِخراج حقوق العباد {وَيُؤَخِّرَكُمْ } بلا عذاب {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أجل الموت {قَالُواْ إِنْ } ما {أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُون أَن، تَصُدُّنَا عَمَّا كَان يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا } من الأصنام {فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ } حجة ظاهرة على صدقكم.

الماوردي

تفسير : قوله عزوجل: {قالت رسلهم أفي الله شك}فيه وجهان: أحدهما: أفي توحيد الله شك؟ قاله قتادة. الثاني: أفي طاعة الله شك؟ ويحتمل وجهاً ثالثاً: أفي قدرة الله شك؟ لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها. {فاطر السموات والأرض}أي خالقهما، لسهوهم عن قدرته. {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} أي يدعوكم إلى التوبة ليغفر ما تقدمها من معصية. وفي قوله تعالى:{من ذنوبكم} وجهان: أحدهما: أن {من} زائدة، وتقديره، ليغفر لكم ذنوبكم، قاله أبو عبيدة. الثاني: ليست زائدة، ومعناه أن تكون المغفرة بدلاً من ذنوبكم، فخرجت مخرج البدل. {ويؤخركم إلى أجل مسمى}يعني إلى الموت فلا يعذبكم في الدنيا. قوله عز وجل:{قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم} يحتمل وجهين: أحدهما: أن ينكر قومهم أن يكونوا مثلهم وهم رسل الله إليهم. الثاني: أن يكون قومهم سألوهم معجزات اقترحوها. وفي قوله تعالى: {ولكن الله يمنّ على مَنْ يشاء من عباده} ثلاثة أوجه: أحدها: بالنبوة. الثاني: بالتوفيق والهداية. الثالث: بتلاوة القرآن وفهم ما فيه، قاله سهل بن عبدالله. {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بكتاب. الثاني: بحجة. الثالث: بمعجزة.

ابن عطية

تفسير : قوله: {أفي الله} مقدر فيه ضمير تقديره عند كثير من النحويين أفي إلوهية الله شك؟ وقال أبو علي الفارسي: تقديره: أفي وحدانية الله شك؟. قال القاضي أبو محمد: وزعم بعض الناس: أن أبا علي إنما فزع إلى هذه العبارة حفظاً للاعتزال وزوالاً عما تحتمله لفظة الألوهية من الصفات بحسب عمومها، ولفظة الوحدانية مخلصة من هذا الاحتمال. و"الفاطر" المخترع المبتدي، وسوق هذه الصفة احتجاج على الشاكين يبين التوبيخ، أي أيشك فيمن هذه صفته؟ فساق الصفة التي هي منصوبة لرفع الشك. وقوله: {من ذنوبكم} ذهب بعض النحاة إلى أنها زائدة، وسيبويه يأبى أن تكون زائدة ويراها للتبعيض. قال القاضي أبو محمد: وهو معنى صحيح، وذلك أن الوعد وقع بغفران الشرك وما معه من المعاصي، وبقي ما يستأنفه أحدهم بعد إيمانه من المعاصي مسكوتاً عنه ليبقى معه في مشيئة الله تعالى، فالغفران إنما نفذ به الوعد في البعض، فصح معنى {من}. وقوله: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} قد تقدم القول فيه في سورة الأعراف، في قوله: {أية : ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} تفسير : [الأعراف: 34] وجلبت هذه هناك بسبب ما يظهر بين الآيتين من التعارض. ويليق هنا أن نذكر مسألة المقتول: هل قطع أجله أم ذلك هو أجله المحتوم عليه؟. فالأول هو قول المعتزلة، والثاني قول أهل السنة. فتقول المعتزلة: لو لم يقتله لعاش، وهذا سبب القود. وقالت فرقة من أهل السنة، لو لم يقتله لمات حتف أنفه. قال أبو المعالي: وهذا كله تخبط، وإنما هو أجله الذي سبق في القضاء أنه يموت فيه على تلك الصفة، فمحال أن يقع غير ذلك، فإن فرضنا أنه لو لم يقتله وفرضنا مع ذلك أن علم الله سبق بأنه لا يقتله، بقي أمره في حيز الجواز في أن يعيش أو يقتل، وكيفما كان علم الله تعالى يسبق فيه. وقول الكفرة {إن أنتم إلا بشر مثلنا} فيه استبعاد بعثة البشر، وقال بعض الناس: بل أرادوا إحالته، وذهبوا مذهب البراهمة أو من يقول من الفلاسفة: إن الأجناس لا يقع فيها هذا التباين. قال القاضي أبو محمد: وظاهر كلامهم لا يقتضي أنهم أغمضوا هذا الإغماض، ويدل على ما ذكرت أنهم طلبوا منهم الإتيان بآية، و {سلطان مبين}، ولو كانت بعثتهم عندهم محالاً لما طلبوا منهم حجة، ويحتمل أن طلبهم منهم السلطان إنما هو على جهة التعجيز، أي بعثتكم محال وإلا {فأتونا بسلطان مبين}، أي إنكم لا تفعلون ذلك أبداً، فيتقوى بهذا الاحتمال منحاهم إلى مذهب الفلاسفة.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَفِى اللَّهِ} أفي توحيده، أو طاعته، {مِّن ذُنُوبِكُمْ} من زائدة، أو يجعل المغفرة بدلاً من ذنوبكم، {وَيُؤَخِّرَكُمْ} إلى الموت فلا يعذبكم في الدنيا.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ}: التقدير: أفي إِلاهية اللَّه شَكٌّ أو: أفي وحدانيَّة اللَّهِ شكٌّ، و«ما»؛ في قوله {مَا ءَاذَيْتُمُونَا } مصدريَّة، ويحتملُ أنْ تَكُونَ موصولةً بمعنى «الذي»، قال الداودي: عن أبي عُبَيْدةً {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي}: مجازه حيثُ أَقيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ للحسابِ انتهى. قال عبد الحقِّ في «العاقبة» قال الربيع بن خَيْثَمٍ: مَنْ خافَ الوعيدَ، قَرُبَ عليه البعيد، ومَنْ طال أمله، ساء عمله. انتهى، وباقي الآية بيِّن.

البقاعي

تفسير : ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه، وكان أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكاً في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكّم عقله مجرداً عن الهوى، ساغ الإنكار وإيراد الكلام على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله: {* قالت رسلهم} ولما كان ما شكوا فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب، أنكروا أن يكون فيه شك، لأن ذلك يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا: {أفي الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {شك}. ولما كان الجواب عاماً لا يخص ناساً دون ناس، لم يأت بصلة فقال بخلاف قوله: {إن نحن إلا بشر} ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة من وجود الصانع وتفرده وظهوره في قولهم: {فاطر السماوات} ولما كان المقام لادعاء أنه في غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل، فقال: {والأرض} أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال، الجميل العوائد، والمتسق الفصول؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم، إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة، فقالوا: {يدعوكم} أي على ألسنتنا {ليغفر لكم}. ولما كان الكافر إنما يدعى أولاً إلى الإيمان، وكان الإيمان إنما يجب ما كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم، قال: {من ذنوبكم} ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلاً {و} لا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم، بل {يؤخركم} وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم {إلى أجل مسمى} عنده سبق علمه به، وهو آجالكم على حسب التفريق، ولا يستأصلكم بالعذاب في آن واحد كما فعل بمن ذكر من الأمم. فلما بين لهم الأصيل بدليله فروع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه عليهم، علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن {قالوا} عناداً {إن} أي ما {أنتم} أي أيها الرسل {إلا بشر} وأكدوا ما أرادوا من نفي الاختصاص فقالوا: {مثلنا} يريدون: فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ثم كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ فقالوا: {تريدون أن تصدونا} أي تلفتونا وتصرفونا {عما كان} أي كوناً هو كالجبلة، وأكدوا هذا المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع فقالوا: {يعبد آباؤنا} أي أنكم - لكونكم من البشر الذين يقع بينهم التحاسد - حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعاً {فأتونا} أي فتسبب - عن كوننا لم نر لكم فضلاً وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعاً - أن نقول لكم: ائتونا لنتيعكم {بسلطان مبين *} أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه عليكم، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به كائناً ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به، فكأنه قيل: فما كان جواب الرسل؟ فقيل: {قالت}. ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا، قيد بقوله: {لهم رسلهم} مسلمين أول كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب {إن} أي ما {نحن إلا بشر مثلكم} ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل؛ والمثل: ما يسد مسد غيره حتى لو شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله فضلنا عليكم لأنه {يمن على من يشاء} أي أن يمن عليه {من عباده} رحمة منه له، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون، فلم يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة، ولم يخصوا أنفسهم بمنّ الله بل أدرجوها في عموم من شاء الله، كل ذلك تواضعاً منهم واعترافاً بالعبودية؛ والمن: نفع يقطع به عن بؤس، وأصله القطع، ومنه {غير ممنون}، والمنة قاطعة عن الدنيا. ولما بينوا وجه المفارقة، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا: {وما} أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه، وما {كان} أي صح واستقام {لنا أن نأتيكم بسلطان} مما تقترحونه تعنتاً، وهو البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي يثبت بها النبوة {إلا بإذن الله} أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه، فنحن نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو خالفتم {وعلى الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه وحده {فليتوكل} أي بأمر حتم {المؤمنون *} فكيف بالأنبياء؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل بقولهم: {وما} أي وأي شيء {لنا} في {ألاّ نتوكل على الله} أي ذي الجلال والإكرام {و} الحال أنه {قد هدانا سبلنا} فبين لنا كل ما نأتي وما نذر، فلا محيص لنا عن شيء من ذلك،فلنفعلن جميع أوامره، ولننتهين عن جميع مناهيه {ولنصبرن} أكدوا لإنكار أن يصبر الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم {على ما} وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر، فقال: {آذيتمونا} أي في ذلك الذي أمرنا به كائناً فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه {وعلى الله} أي الذي له جميع صفات الكمال وحده {فليتوكل المتوكلون *} الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو لا، فوكلوا أمراً من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه، فإنه محيط العلم كامل القدرة، وكل من عداه عاجز، والصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات المطلق من الكرب، والحق لا بد وأن يصير غالباً قاهراً، والباطل لا بد وأن يصير مغلوباً مقهوراً وإن طال الابتلاء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ويؤخركم إلى أجل مسمى} قال: ما قد خط من الأجل، فإذا جاء الأجل من الله لم يؤخر. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - مرفوعاً: إذا آذاك البرغوث، فخذ قدحاً من ماء واقرأ عليه سبع مرات {وما لنا ألا نتوكل على الله ...} الآية، ثم ترش حول فراشك. وأخرج المستغفري في الدعوات، عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا آذاك البرغوث، فخذ قدحاً من ماء واقرأ عليه سبع مرات {وما لنا ألا نتوكل على الله ...} الآية. فإن كنتم مؤمنين، فكفوا شركم وأذاكم عنا، ثم ترشه حول فراشك، فإنك تبيت آمنا من شرها .

ابو السعود

تفسير : {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} استئنافٌ مبنىٌّ على سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل: فماذا قالت لهم رسلُهم؟ فأجيب بأنهم قالوا منكرِين عليهم ومتعجّبـين من مقالتهم الحمقاءِ: {أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ} بإدخال الهمزةِ على الظرف للإيذان بأن مدارَ الإنكار ليس نفسَ الشك بل وقوعُه فيما لا يكادُ يتوهّم فيه الشكّ أصلاً، منقادين عن تطبـيق الجوابِ على كلام الكفرةِ بأن يقولوا: أأنتم في شك مريب من الله تعالى؟ مبالغةً في تنزيه ساحةِ السّبحان عن شائبة الشك وتسجيلاً عليهم بسخافة العقول، أي أفي شأنه سبحانه من وجوده ووحدتِه ووجوبِ الإيمان به وحده شك وهو أظهرُ من كل ظاهر وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قِبله في شك مريب، وحيث كان مقصِدُهم الأقصى الدعوةَ إلى الإيمان والتوحيد وكان إظهارُ البـينات وسيلةً إلى ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قول الكفرةِ: إنا كفرنا بما أرسلتم به، واقتصروا علي بـيان ما هو الغايةُ القصوى ثم عقّبوا ذلك الإنكارَ بما يوجبه من الشواهد الدالّةِ على انتفاء المنكَر فقالوا: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي مُبدعُهما وما فيها من المصنوعات على نظام أنيقٍ شاهد بتحقق ما أنتم منه في شك، وهو صفةٌ للاسم الجليل أو بدلٌ منه وشكٌّ مرتفعٌ بالظرف لاعتماده على الاستفهام، وجعلُه مبتدأً على أن الظرف خبرُه يُفضي إلى الفصل بـين الموصوف والصفةِ بالأجنبـي، أعني المبتدأَ والفاعلَ ليس بأجنبـي مِنْ رافعه وقد جوز ذلك أيضاً {يَدْعُوكُمْ} إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسِنا كما يوهمه قولُكم مما تدعوننا إليه {لِيَغْفِرَ لَكُمْ} بسببه أو يدعوكم لأجل المغفرة، كقولك: دعوتُه ليأكلَ معي {مّن ذُنُوبِكُمْ} أي بعضَها وهو ما عدا المظالمَ مما بـينهم وبـينه تعالى فإن الإسلام يجُبّه، قيل: هكذا وقع في جميع القرآنِ في وعد الكفرةِ دون وعد المؤمنين تفرقةً بـين الوعدين، ولعل ذلك لما أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفرةِ مرتبةً على محض الإيمان وفي شأن المؤمنين مشفوعةً بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فيتناول الخروجَ من المظالم، وقيل: المعنى ليغفرَ لكم بدلاً من ذنوبكم {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى وقت سماه الله تعالى وجعله منتهى أعمارِكم على تقدير الإيمان. {قَالُواْ} استئناف كما سبق {إِنْ أَنتُمْ} أي ما أنتم {إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} من غير فضل يؤهّلكم لما تدّعونه من النبوة {تُرِيدُونَ} صفةٌ ثانية لبشرٌ حملاً على المعنى كقوله تعالى: { أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن: 6] أو كلامٌ مستأنفٌ أي تريدون بما تتصدَّوْن له من الدعوة والأرشاد {أَن تَصُدُّونَا} بتخصيص العبادةِ بالله سبحانه {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا} أي عن عبادة ما استمر آباؤُنا على عبادته من غير شيءٍ يوجبه وإلا {فَأْتُونَا} أي وإن لم يكن الأمرُ كما قلنا بل كنتم رسلاً من جهة الله تعالى كما تدّعونه فأتونا {بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} يدل على فضلكم واستحقاقِكم لتلك الرتبة، أو على صحة ما تدّعونه من النبوة حتى نترُك ما لم نزل نعبُده أباً عن جد. ولقد كانوا آتَوهم من الآيات الظاهرةِ والبـينات الباهرة ما تخرّ له صُمّ الجبال، ولكنهم إنما يقولون من العظائم مكابرةً وعِناداً وإراءةً لمن وراءهم أن ذلك ليس من جنس ما ينطلق عليه السلطانُ المبـين.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} [الآية: 10]. قال الثورى: دعا الله الخلق بنفسه إلى نفسه وذكر من أسمائه فاطر، لئلا يتعلقوا بشىء من الأكوان فقال: فاطر السماوات والأرض، إن أردتم ما فيهما فهو عندى، وإن أردتمونى فلا تلتفتوا إليهما. وارجعوا منهما إلىَّ. قال بعضهم: ما دعا الله تعالى إليه ولا الأنبياء وإنما دعا من دعا بحظوظهم؛ قال الله تعالى: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ} [الآية: 10].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى}. استفهام والمراد منه توبيخ ونفي. سبحانه لا يتحرك نَفَسٌ إلا بتصريفه. وكيف يبصر جلالَ قَدْرِهِ إلا من كَحَّله بنور بِرِّه؟ ثم قال: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}: ليس العجب ممن تكلف لسيده المشاق وتحمل ما لا يطاق، وأَلاَّ يهربَ من خدمةٍ أو يجنحَ إلى راحة.. إنما العَجَبُ من سيدٍ عزيزٍ كريمٍ يدعو عَبْدَه ليغفرَ له وقد أخطأ، ويعاملَه بالإحسان وقد جفا. والذي لا يَكُفُّ عن العناد، ولا يؤثر رضاءَ سيده على راحة نفسه لا يُحْمَلُ هذا إلا على قِسمةٍ بالشقاء سابقة.. وإن أحكام الله بردِّه صادقة. ثم أخبر أنهم قالوا لِرُسُلُهِم: قوله جلّ ذكره: {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}. نظروا إلى الرسل من ظواهرهم، ولم يعرفوا سرائرهم، ومالوا إلى تقليد أسلافهم، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} علم الحق سبحانه ان لا عين يرى بها القدم صرفا فنصب اعلام قدرته لتراه عين الحدث بواسطة القدرة فقال فاطر السماوات والارض فطرها بقدرته وابدعها بعزته والبسها انوار جلاله وهيبته يدعوكم من نفوسكم الى === جماله فى اياته فتنظروا اليها بابصار نافذة وقلوب حاضرة ثم رقاهم الى اعلى الدرجات من رؤية == وقدرته فى خلقه الى مشاهدة عيان ذاته وذلك قوله يدعوكم ليغفر لكم وقع الغفران على ==== بواسطة اياته واى ذنب اعظم من طلبه بواسطة من الكون حار الوجود فى جوده وغاب جوده فى === فضلا عما اوجده فى الوجود وايضا يدعوكم الى معرفته لتعرفوا بمعرفته نفوسكم وذنوبكم واذ === عنكم ارتفعت ذنوب تقصيركم فى طاعته وادراك === قا لانورى فى هذه الاية قال دعى الخلق بنفسه الى نفسه وذكر من اسمائه فاطرا لئلا يتعلقوا بشئ من الاكوان وقال انا فاطر السموات والارض ان اردتم ما فيهما فهو عندى وان اردتمونى فلا تلتفتوا اليهما وارجعوا منهما الى وقال بعضهم ما دعى الله احد اليه ولا الانبيا وانما دعى من دعى لحظوظهم قال الله يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالت رسلهم} استئناف بيانى اى قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء {أفى الله شك} أى أفى شأنه سبحانه من وجوده ووحدته ووجوب الايمان به وحده شك ما وهو اظهر من كل ظاهر حتى تكونوا من قبله فى شك مريب اى لا شك فى الله ادخلت همزة الانكار على الظرف لان الكلام فى المشكوك فيه لا فى الشك انما ندعوكم الى الله وهو لا يحتمل الشك لكثرة الادلة وظهور دلالتها عليه واشاروا الى ذلك بقوله {فاطر السموات والارض} صفة للاسم الجليل اى مبدعهما وما فيهما من المصنوعات فهما تدلان على كون فاطر فطرهما فان كينونتهما بلا كون مكون واجب الكون محال لانه يؤدى الى التسلسل والتسلسل محال وذلك المكون هو الله تعلا [روزى امام اعظم رحمه الله در مسجد نشسته بود جماعتى اززنادقه در آمدند وقصد هلاك او كردند امام كفت يك سؤال راجوب دهيد بعد ازان تيغ ظلم را آب دهيد كفتند مسئله جيست كفت من سفينة ديدم بربار كران برروى دريا روان جنانكه هيج ملاحى محافظت نميكرد كفتند اين محالست زيرا كه كشتى بى ملاح بريك نسق رفتن محال باشد كفت سبحان الله سير جمله افلاك وكواكب ونظام عالم علوى وسفلى از سيريك سفينة عجب تراست همه ساكت كشتند واكثر مسلمان شدند] {يدعوكم} الى طاعته بالرسل والكتب {ليغفر لكم من ذنوبكم} اى بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد مما بينهم وبينه تعالى فان الاسلام يجبه اى يقطعه ومنع سيبويه زيادة من فى الايجاب واجازه ابو عبيدة. وفىالتأويلات النجمية {يدعوكم} من المكونات الى الكون لا لحاجته اليكم بل لحاجتكم اليه {ليغفر لكم} بصفة الغفارية {من ذنوبكم} التى اصابتكم من حجب ظلمات خلقية السماوات والارض فاحتجبتم بها عنه {ويؤخركم الى اجل مسمى} الى وقت سماه الله وجعله آخر اعماركم يبلغكموه ان آمنتم والا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت فهو مثل قوله عليه السلام "حديث : الصدقة تزيد فى العمر" تفسير : فلا يدل على تعدد الاجل كما هو مذهب اهل الاعتزال {قالوا} للرسل وهو استئناف بيانى {ان انتم} اى ما انتم فى الصورة والهيآت {الا بشر} آدميون {مثلنا} من غير فضل يؤهلكم ما تدعون من النبوة فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو شاء الله ان يرسل الى البشر رسلا لارسل من جنس افضل منهم وهم الملائكة على زعمهم من حيث عدم التدنس بالشهوات وما يتبعها {تريدون} بدعوى النبوة {ان تصدونا} تصرفونا بتخصيص العبادة بالله {عما كان يعبد آباؤنا} اى عن عبادة ما استمر آباؤنا على عبادته وهو الاصنام من غير شيء يوجبه وان لم يكن الامر كما قلنا بل كنتم رسلا من جهة الله كما تدعونه {فائتونا} [بس بياريد] {بسلطان مبين} ببرهان ظاهر على صدقكم وفضلكم واستحقاقكم لتلك الرتبة حتى تترك ما لم نزل نعبده ابا عن جد كأنهم لم يعتبروا ما جاءت به رسلهم من الحجج والبينات واقترحوا عليهم آية اخرى تعنتا ولجاجا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: وقال الذين كفروا لرسلهم: {إنْ أنتم إلا بشرٌ مثلُنا} لا فضل لكم علينا، فَلِمَ تختصون بالنبوة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث رسلاً إلى البشر لأرسلهم من جنس أفضل، كالملائكة، أو: ما أنتم إلا بشر، والبشر لا يكون رسولاً. قال ابن جزي: يحتمل أن يكون استبعاداً لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر؛ لطلبهم البرهان بقولهم: {فأتونا بسلطان مبينٍ}، ولقول الرسل: {ولكن الله يَمُنُّ على من يشاءُ من عباده}. هـ. ثم قالوا للرسل: {تُريدون أن تَصدُّونَا عما كان يعبدُ آباؤُنا} من الأصنام بهذه الدعوى، {فأتونا بسلطانٍ مبين}: ببرهان بيِّن يدل على فضلكم، واستحقاقكم لهذه المرتبة التي هي مرتبة النبوة، كأنهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج، فاقترحوا عليهم آية أخرى، تعنتاً ولجاجاً. {قالت لهم رُسُلهم إن نحن}: ما نحن {إلا بشر مثلُكم ولكن الله يَمُنُّ على من يشاءُ من عباده} بالنبوة والرسالة، فمَنَّ علينا بذلك، وإن كنا بشراً مثلكم، سلّموا لهم مشاركتهم في الجنس، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومَنَّهُ عليهم. وفيه دليل على ان النبوة مواهب عطائية لا كسبية. ثم أجابوا عما اقترحوا بقولهم: {وما كان لنا أن نأتيَكم بسلطانٍ إلا بإذنِ الله}، فليس لنا الإتيان بآيات، ولا في قدرتنا أن نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله، يخص من يشاء بها، على ما تقتضيه حكمته وسابق إرادته. {وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون}، فلنتوكل نحن عليه، في الصبر على معاناتكم ومعاداتكم. عمموا الأمر بذكر المؤمنين؛ للإشعار بأن الإيمان موجب للتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً، ألا ترى قولهم: {وما لنا ألا نتوكل على الله} أي: أيُّ عذر لنا في ترك التوكل على الله؟ {وقد هَدَانَا سُبُلنا} أي: طرقنا التي نعرفه بها، فنوحده، ونعلم أن الأمور كلها بيده، {ولَنصْبِرَنَّ على ما آذيتمونا}: على أذاكم حتى يحكم الله بيننا، وهو جواب عن قسم محذوف، أكدوا به توكلهم، وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} أي: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم، المسبب عن إيمانهم. قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري. قال ابن جزي: إن قيل: لِمَ كرر الأمر بالتوكل؟ فالجواب عندي: أن قوله: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار: {فأتونا بسلطان مبين} أي: حجة ظاهرة، فتوكل الرسل في ورود ذلك إلى الله. وأما قوله: {فليتوكل المتوكلون} فهو راجع إلى قولهم: (ولنصْبرنَّ على ما آذيتمونا) أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم. هـ. وهو حسن، لكن التعبير بالمتوكلين يقتضي أن التوكل حاصل، والمطلوب الدوام عليه، وقد يقال: إنما عبَّر ثانياً بلفظ المتوكلين؛ كراهية إعادة اللفظ بعينه، أي: من كان متوكلاً على الله فإنه الحقيق بذلك. وقال في القوت: أي: ليتوكل عليه في كل شيء مَنْ توكل عليه في شيء. وهذا أحسن وجوهه. قال في الحاشية: والوجه الآخر: وعليه فليتوكّل، في توكله مَنْ تَوكَّل عليه من الأشياء؛ لأن الوكيل في كل شيء واحد، فينبغي أن يكون التوكل في كل شيء واحد. هـ. الإشارة: سر الخصوصية مستور بأوصاف البشرية، ولا فرق بين خصوصية النبوة، والولاية. سترها الحق تعالى غيرةً عليها أن يعرفها من لا يعرف قدرها؛ فلا يطلع عليها إلا من سبقت له من الله العناية، وهبت عليه ريح الهداية. وفي الحِكَم: "سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية. وقال أيضاً: "سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه". قال في لطائف المنن: فأولياء الله أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم، ولقد سمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول: معرفة الولي أصعب من معرفة الله؛ فإن الله معروف بكماله وجماله، وحتى متى تعرف مخلوقاً مثلك، يأكل كما تأكل، ويشرب كما تشرب؟ قال فيه: وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته، وأشهدك وجود خصوصيته. هـ. قلت: ومعنى "طوى عنك وجود بشريته" هو: عدم الوقوف مع أوصافها اللازمة للنقائص، بل تنفذ منها إلى شهود خصوصيته، التي هي محل الكمالات. فأوصاف البشرية الذاتية للبشر لا تزول عن الولي، ولا عن النبي كالأكل والشرب، والنوم والنكاح، والضعف والفقر، وغير ذلك من نعوت البشر؛ لأنها في حقهم رداء وصون لستر خصوصيتهم؛ صيانةً لها أن تتبدل بالإظهار، وينادى عليها بلسان الاشتهار، ولذلك اختفوا عن كثير من الخلق. وإلى هذا أشار في الحِكَم بقوله: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم البشرية". وقال صاحب كتاب (أنوار القلوب): لله سبحانه عباد ضنَّ بهم عن العامة، وأظهرهم الخاصة، فلا يعرفهم إلا شكل، أو محب لهم، ولله عباد ضنَّ بهم عن الخاصة والعامة، ولله عباد يُظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية، ولله عباد يسترهم في البداية ويُظهرهم في النهاية، ولله عباد لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم إلى الحفظة فمن سواهم، حتى يلقوه بما أودعهم منه في قلوبهم، وهم شهداء المكلوت الأعلى، والصفْح الأيمنِ مِنَ العرش؛ الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده، فتطيب اجسادهم به، فلا يعدوا عليها الثرى، حتى يُبعثوا بها مشرقةً بنور البقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. هـ. وقال أبو يزيد رضي الله عنه: أولياء الله تعالى عرائس، ولا يرى العرائس إلا من كان مَحرماً لهم، وأما غيرهم فلا. وهم مخبأون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة. هـ. وجميع ما أجاب به الأنبياءُ قومَهم يجيب به الأولياءُ من أنكر عليهم، من قوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا}، من التعلق بالأسباب والانهماك في الحظوظ، ومتابعة الهوى، وحب الدنيا، ومن قولهم: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} إلى تمام ما أجابوا به. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر تخويف الكفار للرسل باخراجهم من الديار

الأعقم

تفسير : {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} يعني أفي توحيده وعدله وصفاته وعبادته، قيل: هم مشركو العرب كانوا يقرون بالله ويعبدون الأصنام فأزال الشك بقوله تعالى: {فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم} أي يدعوكم إلى الايمان والطاعة واجتناب المعاصي {من ذنوبكم}، قيل: جميع ذنوبكم فتكون من زائدة ويحتمل أن تكون من للتبعيض أي ما سلف من ذنوبكم، وقيل: يغفر من ذنوبه ما يتذكر ويتوب عنه، وقيل: ما ينسى لأنه إذا لم يخطر بباله يكون مغفوراً {ويؤخركم إلى أجل مسمى}، قيل: يزيد في أعماركم، وقيل: لا ينقص من عذاب الاستئصال {قالوا ان أنتم إلاَّ بشر مثلنا} في الصورة والهيئة فكيف خصصتم بالنبوءة {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} وذلك أنهم سلكوا طريقة التقليد {فأتونا بسلطان مبين} أي بحجة بينة وقد جاءت رسلهم بالبينات وبالحجج وإنما أرادوا بالسلطان المبين أنه قد اقترحوها {قالت لهم رسلهم ان نحن إلاَّ بشر مثلكم} في الصورة والهيئة {ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده} أي ينعم على من يشاء بالنبوة {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} بحجة {إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يعني بالتوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى {وما لنا ألاَّ نتوكل على الله}، قيل: تقديره في أن لا نتوكل على الله فحذف الحال {وقد هدانا سبلنا} يعني: أمور الدين {لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} أي إما أخرجناكم وإما عدتم إلينا {فأوحى اليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض} يعني أرضهم وديارهم من بعد إهلاكهم وهذا غاية الإنعام بأن أهلك الكفرة وأسكن المؤمنين أرضهم وديارهم وأورثهم أموالهم وهكذا من توكل على الله واستعان به {ذلك لمن خاف مقامي} مقام الحساب {وخاف وعيد} أي القرآن {واستفتحوا} واستنصروا الله على أعدائهم، يعني أن الرسل استنصروا بالله سبحانه على أعدائهم من الأمم لما استيأس من إيمانهم دعوا عليهم بالهلاك، وقيل: أراد به الرسل والأمم تحاكموا إلى الله تعالى ودعا الفريقان أن يقضي بينهم {وخاب كل جبار عنيد}، قيل: هلكوا، وقيل: خابوا من رحمة الله تعالى {من ورائه} قيل: من بين يديه {جهنم}، وقيل: من بعد العذاب في الدنيا عذاب جهنم، وقيل: من خلفه {ويسقى من ماء صديد} أشد العذاب يعني ما يشبه الصديد في نتنه وكراهته، وقيل: هو القيح وهو ما يسيل من جلود أهل النار {يتجرعه} أي يتكلف دخلوه {ولا يكاد يسيغه} كاد صلة معناه لا يسيغه، وقيل: يسيغه بعد بطاء وغصص {ويأتيه الموت من كل مكان} يعني أسباب الموت أحاطت به من الجهات الست، وقيل: من كل مكان من جسده حتى ابهام رجله، وقيل: في أصل كل شعرة {وما هو بميت} فيستريح {ومن ورائه عذاب غليظ} أي بين يديه.

الهواري

تفسير : قوله: { قَالَتْ رُسُلُهُمْ} أي: قالت لهم رسلهم { أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: خالق السماوات والأرض أنه لا إله غيره. وهو على الاستفهام. أي: إنه ليس في شك أنه خالق السماوات والأرض وأنه لا إله غيره. فأنتم تقرون أنه خالق السموات والأرض فكيف تعبدون غيره؟. قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: إن آمنتم. { وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى آجالهم بغير عذاب إن آمنوا، فلا يكون موتهم بالعذاب. { قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي: لا يوحى إليكم {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} يعنون الأوثان { فأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: بالنبوة فيوحي إليه. {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ} أي: بحجة { إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} أي: إلا بأمر الله {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}. {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي: سبل الهدى { وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا ءَاذَيْتُمُونَا} يعنون قولهم للأنبياء: إنكم سحرة، وإنكم كاذبون. قال الله: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ}. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ} أي: الذين أرسلوا إليهم { لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} وهذا حيث أذن الله للرسل فدعوا عليهم فاستجاب لهم. {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد إهلاكهم. قال [بعضهم] وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة. {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. والمقام في تفسير الحسن المقام بين يدي الله للحساب. وفي تفسير مجاهد: من خاف الله أنه قائم عليه بعمله. قال: مثل قوله: (أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) تفسير : [الرعد:33].

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ} للأُمم، {رُسُلُهُمْ} رادين عليهم فى قولهم إِنَّا لفى شك {أفِى اللهِ} أى أفى أمر الله الذى أرسلنا به أو فى وحدانيته بالأُلوهية أو فى وجود الله إِن أنكروا وجوده والظاهر أنهم لم ينكروه جميعاً. {شَكٌّ} مع ظهور الأَدلة التى منها خلق السماوات والأَرض كما قال {فَاطِرِ} خالق. {السَّمَٰوَاتِ والأَرْضِ} والاستفهام إنكارى وفى الله خبر وشك مبتدأ وشك فاعل أفى الله لاعتماده على الاستفهام وإِنما قدم وأُدخلت عليه الهمزة لأَن الكلام فى المشكوك فيه لا فى الشك، أى إِنما ندعوكم إِلى الله وهو لا يحتمل الشك لظهور الأَدلة وكثرتها، وفاطر صفة لله ولو كان وصفاً لأَنه للماضى فإِضافته محضة أو بدل والأَول أولى لأَنه الأَصل فى البدل إذ لا يكون وصفاً وجملة. {يَدْعُوكُمْ} حال مِن مجرور فى أو مستأنف والمعنى يدعوكم إلى الإِيمان. {لِيَغْفِرَ لَكُم} بالامتثال {مِن ذُنُوبِكُمْ} أى شيئاً من ذنوبكم وهو الذنوب السابقة على الإِسلام سواء كانت فيما بينهم وبين الله أو فيما بينهم وبين العباد وذلك غفران مقطوع به للإِيمان ولو عصوه بعد بغير الشرك وأما المعصية بعد الإِيمان فلا تغفر بلا رد المظالم والتخلص، فلم يذكر غفرانها لهم وإِن رجعوا إِلى الشرك لم تغفر لهم الذنوب السابقة أيضاً وقيل يغفر لكم شيئاً من ذنوبكم وهى الذنوب التى فيما بينهم وبين الله بناء على أن الإِسلام لا يكون جباً لما قبله من تبعات العباد وهو ضعيف، ومن أجاز زيادة (من) فى الإِيجاب والمعرفة جعل (من) صلة للتأكيد فيكون المعنى يغفر لكم ذنوبكم كلها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى إِلى فيكون المعنى يدعوكم إِلى غفران الذنوب. ومن تتبع القرآن وجد لفظة (من) تذكر فى غفران من أسلم من الشرك ولا تذكر فى غفران من لم يكن فى الشرك ولا فى غفران ذنب صدر بعد الإِسلام من الشرك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يستوى الفريقان فى الميعاد، وخص من أسلم من الشرك لأَن الغفران الذى أريد التصريح لهم به على سبيل القطع إِنما هو غفران الذنوب التى سبقت الإِسلام وهو مترتب على مجرد الإِيمان وهى بعض ذنوبهم فى الجملة على تقدير أذنابهم بعد الإِسلام وأما ذنوب من لم يكن فى الشرك أو ذنوب الإِنسان بعد الإِسلام فحيثما ذكرت مغفرتها فإِنما هى مقيدة بالطاعة والتخلص من المعاصى وهى بهذا القيد تغفر كلها فلم تناسب من التبعيضية {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أجَلٍ مُّسَمًّى} وهو آخر أعماركم سالمين من العذاب بخلاف ما أصررتم على الكفر فإِنكم تعذبون ثم تموتون لآخر أعماركم أو تموتون لآخر أعماركم بعذاب كما مات من قبلكم بالطوفان والصيحة ونحوهما أو يجتمع عليكم عذاب قبل الموت وعذاب عنده تموتون به. {قَالُوا} أى الأُمم مجيبين لرسلهم {إِنْ} أى ما {أنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} لا فضل لكم علينا تخصون بالنبوة والرسالة لأجله ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من هو أفضل مثل إِنسان يكون جسده فى البهاء والجمال والغلظ خارجاً عن العادة فى الأَجساد مثل أن يكون عظيماً كالجبل ووجهه يتلألأَ كالقمر أو بعث غير إِنسان كالملك فإِنهم يعتقدون أنهم أفضل من الإِنسان فليس قول الزمخشرى لجعلهم من جنس أفضل منهم وهم الملائكة متعيناً فى البناء على مذهبه فى تفضيل الملك على رسل الله بل محتمل لذلك ومحتمل للبناء على معتقد الكفر كما ذكر الله عز وجل عنهم ولو شاء الله لأَنزل ملائكة {تُرِيدُونَ أن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} إلى الأَصنام بهذه الدعوة إلى عبادة واحد، {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ} حجة {مُّبِينٍ} واضح أو موضح لدعواكم أو يدل على فضلكم ومزيتكم علينا ومرادهم التعنت باقتراح آية غير الآيات التى جاءت بها الرسل.

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللهِ شَكٌ} فاعل أَفى الله أَو مغن عن خبر مبتدأَ متعلق به أَى أَثابت فى الله شك، توبيخ على شكهم، وإنكار للياقته إِذ وقع منهم مع كثرة أَدلة الوحدانية ووضوحها، ومنها خلق السماوات والأَرض كما قال {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} نعت للمعرفة ولو كان وصفا لأَنه للماضى لا يصح تنوينه، ونصب السماوات فضلا عن أَن يكون فى نية الانفصال عن الإِضافة ومن كلامهم أَن البدل فى المشتق ضعيف، وذلك جواب لقولهم: إِنا كفرنا بما اُرسلتم به، قيل: فبم أَجابهم المرسلون به؟ فقال: قالت رسلهم أَفى الله شك فاطر السماوات والأَرض وما فيها {يَدْعُوكُمْ} إلى توحيده وطاعته هو، لا نحن ندعوكم من تلقاءِ أَنفسنا كما يوهمه قولهم: مما تدعوننا، ومع ذلك يدعوكم لمصلحتكم كما قال: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّنَ ذُنُوبِكُمْ} بعض ثم بعض حتى تكفر كلها كلما أذنبتم ذنبا وتبتم بعد إسلامكم غفره لكم بعد أَن يغفر ذنوبكم التى قبل الشرك بالتوحيد، فمن للتبعيض مع حصول العموم والمضارع للتجدد الاستمرارى، أَو من للتبعيض، والبعض حقوق الله، وأَما حقوق العباد فلا تغفر إلا بقضائها؛ وكانت قبل التوحيد أَو بعده، وقيل: تغفر كلها أَيضا إن كانت قبله، أَو من للتبعيض، والبعض ما قبل التوحيد، قيل: أَو البعض الكبائر لأَن الصغائر مغفورة، قيل: أَو البعض الصغائر لأَن الكبائر تحتاج إلى الإِصلاح، فتغفر الصغائِر لمن تاب من الكبائِر، أَو من صلة والذنوب ما قبله على جواز كون من صلة فى الإِثبات والمعرفة، وجعلها بعض للبدل، أَى بدل ذنوبهم، أَو للابتداءِ على تضمين يغفر معنى يخلص، واللام للتعدية أَو للتعليل، قيل: أَو بمعنى إلى، والغالب فى القرآن من ذنوبهم مع الكفار وذنوبهم مع المؤمنين، ومن غير الغالب قل للذين كفروا إلخ، إلا أَن اعتبرنا ما ذكر فيه يغفر، وقيل "أية : يا أَيها الذين آمنوا هل أَدلكم"تفسير : [الصف: 10] ووجه ذلك أَن المغفرة للكفار مرتبة على الإِيمان، وللمؤمنين مرتبة على تجنب المعاصى وعلى الطاعة، فمن مع الكفار لإخراج المظالم، وأَما المؤمنون فلا تبعيض بل تعم للتوبة المتناولة للخروج من المظالم {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى} متمتعين باللذات إلى أَجل الموت، وإن لم تؤمنوا تنغصت حياتكم بالنقم، ولكن قد علم الله أَنكم لا تؤمنون فتصابوا بالنقم، أَو تؤمنون فلا تصابوا، أَو لكل أَحد أَجلان علمهما الله إن عمل كذا كالإيمان أَخر إِلى الأَجل الطويل، وإِلا عُوجِل بالقصير، وقد علم الله كل ما يعمل موجب القصير أَو الطويل، وهذا كما أَوجد للشقى أَزواجا وقصورا فى الجنة، لوعمل عمل السعيد لصار إليها، وقد علم أَنه لا يعمل فلا يصير إليها، وكما جعل للسعيد مكانا فى النار لو عمل عمل الشقى لصار إِليه، وقد علم أَنه لا يعمله فلا يصير إليه، وكما قضى فى الأَزل أَن عمر فلان كذا أَو كذا منه وكذا لصلة رحمه، وإِن أَجل فلان كذا لو لم يقطعها، وإذا قطعها أَو طغى فأجله دون ذلك، وهو وقت كذا وكذا، أَو كذا ما أّشبه ذلك فالأَجل واحد لا يتقدم ولا يتأَخر والفرق بين ذلك ومذهب المعتزلة أَنهم قالوا لا يتعين له أَحدهما حتى يعمل موجبه، ومن ذلك: "أية : ادخلوا الأَرض المقدسة التى كتب الله لكم"تفسير : [المائدة: 21] قد كتبها لهم ولم يدخلوها بل حرمها عليهم أَربعين سنة لأَن كتبها مقيد بالطاعة وهم عصوا، وأَوضح من ذلك أن يقال: المراد ليجمع لكم بين مغفرة الذنوب والتأْخير إلى الأَجل المسمى، وإِن لم تؤمنوا لم يكن لكم إلا التأْخير إِليه، وكأَنه قيل: فبم أَجابوا فقال: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاًَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أَكلا وشربا ونكاحا ولحما ودما وصورة وغير ذلك، فما وجه اختصاصكم بالنبوة، لو شاءَ الله رسولا لكان ملكا أَو غيره كشىءٍ يجعله أَفضل من البشر لا بشرا، ولو لم يكن الإِنسان مخصوصا بخواص شريفة لم يصح فى العقل أَن يكون نبيا {تُرِيدُونَ} بدعوى الرسالة {أَنْ تصُدُّونَا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنَا} من تلقاءِ أَنفسكم، ولم تريدوا تبليغ شىءٍ محقق من الله لعدم إرساله لكم {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} برهان ظاهر من أَبان اللازم، أَو مزيل للخفاءِ على أَنه من أَبان المتعدى يدل على صدقكم فى دعوى إِرسال الله لكم، وأَما ما آتيتمونا به فليس حجة ولا يقنعنا، وكأَنه قيل فبم أُجيبوا فقال: {قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشْرٌ مِّثْلُكُمْ} كما قلتم {وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى منْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ} بالرسالة دون أن يختص عن البشر بشرف لا يوجد نفسى أَو قدسى، وله أَن يرجح بعض الجائِزات على بعض، ولو استوت لحكمته، ولا مؤثر لشىءٍ سواه، والنبوة ليست اكتسابية تقصد، ولا اتفاق لمزيد عمل واعتقاد، ولا مانع من أَن يقال: يخصها الله - عز وجل - بمن جعل فيه خواص شريفة قدسية، وليسوا يتأَثرون بها بالقصد إلى النبوة، ولا علموا، لأَنهم لا يكونون أَنبياءَ حتى يوحى إليهم، وإِن شاءَ أَخبر بعضا أَنك ستكون نبيا، وعليه فيكون المعنى فأْتونا بسلطان مبين على أَن لكم مزية تستحقون بها الرسالة، فإٍن شاءوا أَخبروهم بها، ولكن لم يخبروا تواضعا لله - عز وجل - ولأَن الله لم يأْمرهم بالإِخبار بها كما قال: {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ} برهان على نبوتنا أَو على مزيتنا {إِلاَّ بإِذْنِ اللهِ} وقد أَتيناكم بما تفرحون به ولم يأْذن به الله، الحجج، ولا طاقة لنا أَن نأْتيكم بما تفرحون به ولم يأْذن به الله، ولك نبى نصيبه منها لا يتجاوزه {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره ثقة به {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} فى الصبر على معاداتكم لنا وأَذاكم، والفاءُ صلة، وعلى متعلق بما بعدها أَو عاطفة على محذوف هكذا وعلى الله نعتمد، ولم يقولوا وعلى الله فلنتوكل، بل عموا بالمؤمنين فيدخلون فيهم أَولا وبالذات، كما رجعوا إلى أَنفسهم على الالتفات من الغيبة إلى التكلم بقوله: {وما لنَا} لا عذر لنا أَو أَى شىءٍ لنا، على الاستفهام الإِنكارى معشر الرسل، لكن لا مانع من أَن يريدوا معشر المؤمنين عموما، فإِن سائِر المؤمنين يؤذيهم المشركون كما يؤذون الرسل {أَنْ لاَ نَتَوكَّلَ عَلَى اللهِ} فى أن لا نتوكل لا عذر لنا فى انتفاءِ التوكل مع قيام الحجة على وجوب إِثباته، ولا داعى إلى جعل أن صلة ناصبة لا مصدرية وأَن الجملة حال {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنا} حال، والهداية من الحجة فى وجوب إثبات التوكل، فعرفنا الطريق التى نعرفه بها، ونعرف أن الأَمر كله بيده {وَلنَصْبِرَنَّ} معشر الرسل {عَلَىَ مَا آذَيْتُمُونَا} معشر الكفار على إيذائِكم إيانا بالعناد والاقتراح والشتم وسائِر المضار، وليس كل نبى يقول ذلك بالجمع بل كل واحد يقول على نفسه بالإِفراد: إن أنا إِلا بشر لا أَتجاوز البشرية إلى الملكية، ومالى أن آتيكم، ومالى أَن لا أَتوكل على الله وقد هدانى سبيلى، ولأَصبرن على ما آذيتمونى، فجمعهم الله فى كل، أى قالوا ذلك وكلهم بصيغة نفسه، وقد يقول الواحد عن نفسه وعن اتباعه من أُمته فيما يمكن، ومن العجيب أن تجعل ما اسما ويقدر الرابط منصوبا على نزع الجار، فيكون حذفه كحذف الضمير المفعول به، هكذا آذيتموناه أَى به مع أَن نزع الجار خلاف الظاهر، ومع أَن الحذف خلاف الأَصل مع عدم الاحتياج إلى ذلك وأَقرب من ذلك مع المخالفة للأصل تقدير على الإِيذاءِ الذى آذيتموناه {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ} مثل ما مر، والقصر إفادة، وقصر قلب بالنظر إلى من يتوكل على غير الله خاصة، وقصر إفراد على من يتوكل عليه وعلى غيره، والمراد فليدم المتوكلون على توكلهم، أو يزيدوا منه، والتوكل مستحدث من إيمانهم، أَو يتوكل مريدو التوكل.

الالوسي

تفسير : {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقام كأنه قيل: فماذا قالت لهم رسلهم حين قابلوهم بما قابلوهم به؟ فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم/ ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء: {أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } بتقديم الظرف وإدخال الهمزة عليه للإيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس الشك بل وقوعه فيمن لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلاً، ولولا هذا القصد لجاز تقديم المبتدأ، والقول بأنه ليس كذلك خطأ لأن وقوع النكرة بعد الاستفهام مسوغ للابتداء بها وهو مما لا شك فيه، وكون ذلك المؤخر مبتدأ غير متعين بل الأرجح كونه فاعلاً بالظرف المعتمد على الاستفهام كما ستعلم إن شاء الله تعالى، والكلام على تقدير مضاف على ما قيل أي أفي وحدانية الله تعالى شك، بناء على أن المرسل إليهم لم يكونوا دهرية منكرين للصانع بل كانوا عبدة أصنام، وقيل: يقدر في شأن الله ليعم الوجود والوحدة لأن فيهم دهرية ومشركين. وقيل: يقدر حسب المخاطبين وتقدير الشأن مطلقاً ذو شأن، وفي عدم تطبيق الجواب على كلام الكفرة بأن يقولوا: أأنتم في شك مريب من الله تعالى مبالغة في تنزيه ساحة الجلال عن شائبة الشك وتسجيل عليهم بسخافة العقول أي أفي شأنه تعالى شأنه من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به وحده شك ما وهو أظهر من كل ظاهر وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قبله سبحانه في شك عظيم مريب، وحيث كان مقصدهم الأقصى الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وكان إظهار البينات وسيلة إلى ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قولهم: {أية : إِنَّا كَفَرْنَا } تفسير : [إبراهيم: 9] إلى آخره واقتصروا على بيان ما هو الغاية القصوى، وقد يقال: إنهم عليهم السلام قد اقتصروا على إنكار ما ذكر لأنه يعلم منه إنكار وقوع الجزم بالكفر به سبحانه من باب أولى. {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي مبدعهما وما فيهما من المصنوعات على نظام أنيق شاهد بتحقق ما أنتم في شك منه. وفي الآية ـ كما قيل ـ إشارة إلى دليل التمانع. وجر {فَاطِرَ} على أنه بدل من الاسم الجليل أو صفة له. وحيث كان {شَكٌّ} فاعلاً بالظرف وهو كالجزء من عامله لا يعد أجنبياً فليس هناك فصل بين التابع والمتبوع بأجنبـي وبهذا رجحت الفاعلية على المبتدئية لأن المبتدأ ليس كذلك. نعم إلى الابتدائية ذهب أبو حيان وقال: إنه لا يضر الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ فيجوز أن تقول: في الدار زيد الحسنة وإن كان أصل التركيب في الدار الحسنة زيد. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {فَاطِرَ} نصباً على المدح. ثم إنه بعد أن أشير إلى الدليل الدال على تحقق ما هم في شك منه نبه على عظم كرمه ورحمته تعالى فقيل: {يَدْعُوكُمْ } أي إلى الإيمان بإرساله ايانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهم قولكم {أية : مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } تفسير : [إبراهيم: 9] {لِيَغْفِرَ لَكُمْ } بسببه، فالمدعو إليه غير المغفرة. وتقدير الإيمان لقرينة ما سبق. ويحتمل أن يكون المدعو إليه المغفرة لا لأن اللام بمعنى إلى فإنه من ضيق العطن بل لأن معنى الاختصاص ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاق الموقع فكأنه قيل: يدعوكم إلى المغفرة لأجلها لا لغرض آخر. وحقيقته أن الأغراض غايات مقصودة تفيد معنى الانتهاء وزيادة قاله في "الكشف"، وهذا نظير قوله:شعر : دعوت لما نابنـي مسوراً فلبـى فلبـي يدي مسور تفسير : / {مّن ذُنُوبِكُمْ } أي بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد على ما قيل، وهو مبني على أن الإسلام إنما يرفع ما هو من حقوق الله تعالى الخالصة له دون غيره، والذي صححه المحدثون في شرح ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الإسلام يهدم ما قبله» تفسير : أنه يرفع ما قبله مطلقاً حتى المظالم وحقوق العباد، وأيد ذلك بظاهر قوله تعالى في آية أخرى: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 71] بدون من، و من هنا ذهب أبو عبيدة والأخفش إلى زيادة {مِنْ } فيما هي فيه، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها في الموجب ولا إذا جرت المعرفة كما هنا فلا يتأتى التوفيق بذلك بين الآيتين، وجعلها الزجاج للبيان ويحصل به التوفيق، وقيل: هي للبدل أي ليغفر لكم بدل ذنوبكم ونسب للواحدي. وجوز أيضاً أن تكون للتبعيض ويراد من البعض الجميع توسعاً. ورد الإمام الأول بأن {مِنْ } لا تأتي للبدل، والثاني بأنه عين ما نقل عن أبـي عبيدة والأخفش وهو منكر عند سيبويه والجمهور وفيه نظر ظاهر، ولو قال: إن استعمال البعض في الجميع مسلم وأما استعمال من التبعيضية في ذلك فغير مسلم لكان أولى. وفي "البحر" يصح التبعيض ويراد بالبعض ما كان قبل الإسلام وذلك لا ينافي الحديث وتكون الآية وعداً بغفران ما تقدم لا بغفران ما يستأنف ويكون ذاك مسكوتاً عنه باقياً تحت المشيئة في الآية والحديث، ونقل عن الأصم القول بالتبعيض أيضاً على معنى أنكم إذا آمنتم يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر واما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في نفسها مغفورة، واستطيب ذلك الطيبـي قال: والذي يقتضيه المقام هذا لأن الدعوة عامة لقوله سبحانه: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والمعاصي إن الله تعالى يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أخباث أنجاس الذنوب فلا وجه للتخصيص أي بحقوق الله تعالى الخالصة له، وقد ورد {أية : إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] و {مَا } للعموم سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، والكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه لا في الصغائر، ويؤيده ما روي أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله تعالى لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وعبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله تعالى فنزلت {أية : قُلْ يا عِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر: 53] الآية، وقصة وحشي مشهورة، وجرح ذلك القاضي فقال: إن الأصم قد أبعد في هذا التأويل لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر وإنما تكون الصغيرة مغفورة من الموحدين من حيث إنه يزيد ثوابهم على عقابها وأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا يكون شيء منها مغفوراً، ثم قال: وفي ذلك وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسي بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور إلا ما ذكره وتاب منه اهـ. ولو سمع الأصم هذا التوجيه لأخذ ثأره من القاضي فإنه لعمري توجيه غير وجيه؛ ولو أن أحداً سخم وجه القاضي لسخمت وجهه، وقال الزمخشري: إن الاستقراء في الكافرين أن يأتي {مّن ذُنُوبِكُمْ } وفي المؤمنين {ذُنُوبَكُمْ } وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى في الميعاد بين الفريقين. وحاصلة على ما في "الكشف" أن ليس مغفرة بعض الذنوب للدلالة على أن بعضاً آخر لا يغفر فإنه من قبيل دلالة مفهوم اللقب ولا اعتداد به، كيف وللتخصيص فائدة أخرى هي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان. وفيه أيضاً أن هذا معنى حسن لا تكلف فيه. واعترض ابن الكمال بأن حديث التفرقة إنما يتم لو لم يجيء خطاب على العموم وقد جاء كذلك في سورة الأنفال [38] / في قوله سبحانه: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : وأجيب بأن هذا غير وارد إذ المراد التفرقة فيما ذكر فيه صيغة ويغفر ذنوبكم لا مطلق ما كان بمعناه ولذا أسند الأمر إلى الاستقراء، ومثل الزمخشري لا يخفى عليه ما أورد ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع المواد، وذكر البيضاوي في وجه التفرقة بين الخطابين ما حاصله لعل المعنى ذلك أنها لما ترتبت المغفرة في خطاب الكفرة على الإيمان لزمَ فيه {مِنْ } التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة، وأما في خطاب المؤمنين فلما ترتبت على الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج إلى {مِنْ } لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه، وهو مبني على خلاف ما صححه المحدثون، وينافيه ما ذكره في تفسير {مّن ذُنُوبِكُمْ } في سورة نوح عليه السلام [4]؛ ومع ذا أورد عليه قوله تعالى: {أية : يٰقَوْمِ إِنّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [نوح: 2-4] حيث ذكرت {مِنْ } مع ترتيب المغفرة على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده {ٱتَّقَوْاْ } وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ } تفسير : [الصف: 10] الآية لعدم ذكر {مِنْ } مع ترتبها على الإيمان، والجواب بأنه لا ضير إذ يكفي ترتيب ذلك على الإيمان في بعض المواد فيحمل مثله على أن القصد إلى ترتيبه عليه وحده بقرينة ذلك البعض وما ذكر معه يحمل على الأمر به بعد الإيمان أدنى من أن يقال فيه ليس بشيء، وبالجملة توجيه الزمخشري أوجه مما ذكره البيضاوي فتأمل وتذكر. {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى وقت سماه الله تعالى وجعله منتهى أعماركم على تقدير الإيمان ولا يعاجلكم بعذاب الاستئصال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت، ولا يلزم مما ذكر القول بتعدد الأجل كما يزعمه المعتزلة، وقد مر تحقيق ذلك {قَالُواْ } استئناف كما سبق آنفاً {إِنْ أَنتُمْ } ما أنتم {إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } من غير فضل يؤهلكم لما تدعون من الرسالة. والزمخشري تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك {تُرِيدُونَ } صفة ثانية ـ لبشر ـ حملاً على المعنى كقوله تعالى: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن: 6] أو كلام مستأنف أي تريدون بما أنتم عليه من الدعوة والإرشاد {أَن تَصُدُّونَا} بما تدعونا إليه من التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } عما استمر على عبادته آباؤنا من غير شيء يوجبه. وقرأ طلحة {أن تصدونا} بتشديد النون، وخرج على جعل أن مخففة من الثقيلة وتقدير فاصل بينها وبين الفعل أي أنه قد تصدونا، وقد جاء مثل ذلك في قوله:شعر : علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل تفسير : والأولى أن يخرج على أن {أن} هي الثنائية التي تنصب المضارع لكنها لم تعمل كما قيل: في قوله تعالى: {أية : لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } تفسير : [البقرة: 233] في قراءة الرفع حملا لها على أختها {مَا } المصدرية كما عملت {مَا } حملا عليها فيما ذكره بعضهم في قوله:شعر : أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحداً تفسير : {فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي إن لم يكن الأمر كما قلنا بل كنتم رسلاً من قبله تعالى كما تدعون فأتونا بما يدل على صحة ما تدعونه من الرسالة حتى نترك ما لم نزل نعبده أباً عن جد، أو على فضلكم واستحقاقكم لتلك المرتبة. قال ابن عطية: إنهم استبعدوا إرسال البشر فأرادوا حجة عليه، وقيل: بل إنهم اعتقدوا محاليته وذهبوا/ مذهب البراهمة وطلبوا الحجة على جهة التعجيز أي بعثكم محال وإلا فأتوا بسلطان مبين أي إنكم لا تفعلون ذلك أبداً. وهو خلاف الظاهر، وهذا الطلب كان بعد إتيانهم عليهم السلام لهم من الآيات الظاهرة والبينات الباهرة ما تخر له الجبال الصم أقدمهم عليه العناد والمكابرة.

ابن عاشور

تفسير : {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى}. استفهام إنكاري. ومورد الإنكار هو وقوع الشك في وجود الله، فقدم متعلق الشك للاهتمام به، ولو قال: أشك في الله، لم يكن له هذا الوقع، مثل قول القطامي: شعر : أكفرا بعد رد الموت عني وبعدَ عطائك المائةَ الرتاعا تفسير : فكان أبلغ له لو أمكنه أن يقول: أبعد رد الموت عني كفرٌ. وعلق اسم الجلالة بالشك، والاسم العَلَم يدلّ على الذات. والمراد إنكار وقوع الشك في أهم الصفات الإلهية وهي صفة التفرد بالإلهية، أي صفة الوحدانية. وأتبع اسم الجلالة بالوصف الدالّ على وجوده وهو وجود السماوات والأرض الدالُّ على أن لهما خالقاً حكيماً لاستحالة صدور تلك المخلوقات العجيبة المنظمة عن غير فاعلٍ مختار، وذلك معلوم بأدنى تأمل، وذلك تأييد لإنكار وقوع الشك في انفراده بالإلهية لأن انفراده بالخلق يقتضي انفراده باستحقاقه عبادة مخلوقاته. وجملة {يدعوكم} حال من اسم الجلالة، أي يدعوكم أن تنبذوا الكفر ليغفر لكم ما أسلفتم من الشرك ويدفع عنكم عذاب الاستئصال فيؤخّركم في الحياة إلى أجل معتاد. والدعاء: حقيقته النداء. فأطلق على الأمر والإرشاد مجازاً لأن الآمر ينادي المأمور. ويعدى فعل الدعاء إلى الشيء المدعو إليه بحرف الانتهاء غالباً وهو {إلى}، نحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون { أية : ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار } تفسير : [سورة غافر: 41]. وقد يعدّى بلام التعليل داخلةً على ما جُعل سبباً للدعوة فإن العلة تدل على المعلول، كقوله تعالى: { أية : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } تفسير : [سورة نوح: 7]، أي دعوتهم إلى سبب المغفرة لتغفر، أي دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم، وهو في هذه الآية كذلك، أي يدعوكم إلى التوحيد ليغفر لكم من ذنوبكم. وقد يعدى فعل الدعوة إلى المدعو إليه باللام تنزيلاً للشيء الذي يُدعى إلى الوصول إليه منزلة الشيء الذي لأجله يدعى، كقول أعرابي من بني أسد: شعر : دعَوْتُ لِمَا نَابني مِسْورَا فلبّى فلبيْ يديْ مسور تفسير : {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ}. أرادوا إفحام الرسل بقطع المجادلة النظرية، فنفوا اختصاص الرسل بشيء زائد في صورتهم البشرية يُعلم به أن الله اصطفاهم دون غيرهم بأن جعلهم رسلاً عنه، وهؤلاء الأقوام يحسبون أن هذا أقطع لحجة الرسل لأن المماثلة بينهم وبين قومهم محسوسة لا تحتاج إلى تطويل في الاحتجاج، فلذلك طالبوا رسلهم أن يأتوا بحجة محسوسة تثبت أن الله اختارهم للرسالة عنه، وحسبانهم بذلك التعجيز. فجملة {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} في موضع الحال، وهي قيد لما دل عليه الحصر في جملة {إن أنتم إلا بشر مثلنا} من جحد كونهم رسلاً من الله بالدّين الذي جاءوهم به مخالفاً لدينهم القديم، فبذلك الاعتبار كان موقع التفريع لجملة {فأتونا بسلطان مبين} لأن مجرّد كونهم بشراً لا يقتضي مطالبتهم بالإتيان بسلطان مبين وإنما اقتضاه أنهم جاءوهم بإبطال دين قومهم، وهو مضمون ما أرسلوا به. وقد عبّروا عن دينهم بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التنويه بدينهم بأنه متقلَّد آبائهم الذين يحسبونهم معصومين من اتباع الباطل، وللأمم تقديس لأسلافها فلذلك عدلوا عن أن يقولوا: تريدون أن تصدّونا عن ديننا. والسلطان: الحجة. وقد تقدّم في قوله: { أية : أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان } تفسير : في سورة الأعراف (71). المبين الواضح الذي لا احتمال فيه لغير ما دل عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أفي الله شك: أي لا شك في وجود الله ولا في توحيده، إذ الاستفهام إنكاري. إلى أجل مسمى: أي إلى أجل الموت. بسلطان مبين: بحجة ظاهرة تدل على صدقكم. يمن على من يشاء: أي بالنبوة والرسالة على من يشاء لذلك. وقد هدانا سبلنا: أي طرقه التي عرفناه بها وعرفنا عظيم قدرته وعز سلطانه. لنخرجنكم من أرضنا: أي من ديارنا أو لتعودون في ديننا. لمن خاف مقامي: أي وقوفه بين يدي يوم القيامة للحساب والجزاء. معنى الآيات: ما زال السياق في ما ذكر به موسى قومه بقوله: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ...} تفسير : [إبراهيم: 9] فقوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} أي قالت الرسل إلى أولئك الأمم الكافرة {أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ}؟ أي كيف يكون في توحيد الله شك وهو فاطر السماوات والأرض، فخالق السماوات والأرض وحده لا يعقل أن يكون له شريك في عبادته، أنه لا إله إلا هو وقوله: {يَدْعُوكُمْ} إلى الإِيمان والعمل الصالح الخالي من الشرك {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} وهو كل ذنب بينكم وبين ربكم من كبائر الذنوب وصغائرها أما مظالم الناس فردوها إليهم تغفر لكم وقوله: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} أي يؤخر العذاب عنكم لتموتوا بآجالكم المقدرة لكم، وقوله: {قَالُوۤاْ} أي قالت الأمم الكافرة لرسلهم {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي ما أنتم إلا بشر مثلنا، {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا} أي تصرفونا {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} من آلهتنا أي أصنامهم وأوثانهم التي يدَّعون أنها آلهة، وقولهم: {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} قال الكافرون للرسل ائتونا بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة تدل على صدقكم أنكم رسل الله إلينا فأجابت الرسل قائلة ما أخبر تعالى به عنهم بقوله: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي ما نحن إلا بشر مثلكم فما لا تستطيعونه أنتم لا نستطيعه نحن {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي إلا أن الله يمن على من يشاء بالنبوة فمن علينا بها فنحن ننبئكم بما أمرنا الله ربنا وربكم أن ننبئكم به كما نأمركم وندعوكم لا من تلقاء أنفسنا ولكن بما أمرنا أن نأمركم به وندعوكم إليه، {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بإرادته وقدرته فهو ذو الإِرادة التي لا تحد والقدرة التي لا يعجزها شيء ولذا توكلنا عليه وحده وعليه {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فإنه يكفيهم كل ما يهمهم، ثم قالت الرسل وهي تعظ اقوامها بما تقدم: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي طرقنا التي عرفناه بها وعرفنا عظمته وعزة سلطانه فأي شيء يجعلنا لا نتوكل عليه وهو القوي العزيز {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} بألسنتكم وأيديكم متوكلين على الله حتى ينتقم الله تعالى لنا منكم، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} إذ هو الكافل لكل من يثق فيه ويفوض أمره إليه متوكلاً عليه وحده دون سواه، وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} هذا إخبار منه تعالى على ما قالت الأمم الكافرة لرسلها: قالوا موعدين مهددين بالنفي والإِبعاد من البلاد لكل من يرغب عن دينهم ويعبد غير آلهتهم: {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي ديننا الذي نحن عليه وهذا أوحى الله تعالى إلى رسله بما أخبر تعالى به: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} قال لنهلكن الظالمين ولم يقل لنهلكنهم إشارة إلى علة الهلاك وهي الظلم الذي هو الشرك والإِفساد ليكون ذلك عظة للعالمين، وقوله تعالى: {ذٰلِكَ} أي الإِنجاء للمؤمنين والإِهلاك للظالمين جزاءً {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي الوقوف بين يدي يوم القيامة {وَخَافَ وَعِيدِ} على ألسنة رسلي بالعذاب لمن كفر بي وأشرك في عبادتي ومات على غير توبة إليَّ من كفره وشركه وظلمه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بطلان الشك في وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته ووجوب عبادته وحده لذلك لكثرة الأدلة وقوة الحجج، وسطوع البراهين. 2- بيان ما كان أهل الكفر يقابلون به رسل الله والدعاة إليه سبحانه وتعالى وما كانت الرسل ترد به عليهم. 3- وجوب التوكل على الله تعالى، وعدم صحة التوكل على غيره إذ لا كافي إلا الله. 4- وجوب الصبر على الأذى في سبيل الله وانتظار الفرج بأخذ الظالمين. 5- عاقبة الظلم وهي الخسران والدمار لا تتبدل ولا تتخلف وإن طال الزمن.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {آبَآؤُنَا} {بِسُلْطَانٍ} (10) - فَقَالَ الرُّسُلُ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ شَكَّهُمْ فِي وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ: أَفِي وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ شَكٌّ؟ فَإِنَّ الفِطْرَةَ شَاهِدَةٌ بِوُجُودِهِ، وَمَجْبُولَةٌ عَلَى الإِقْرَارِ بِهِ، لِذلِكَ كَانَ الاعْتِرَافُ بِهِ ضَرُورِيّاً فِي الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لِبَعْضِهَا شَكٌّ وَاضْطِرَابٌ فَتَحْتَاجُ إِلى الدَّلِيلِ المُوصِلِ إِلى وُجُودِ اللهِ، وَلِذَلِكَ لَفَتَ الرُّسُلُ نَظَرَهُمْ إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّهُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمُبْدِعُهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَهُوَ تَعَالَى يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَيُؤَخِّرَكُمْ فِي الدُّنْيا إِلى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ (مُسَمَّى). فَقَالَتِ الأُمَمُ للرُّسُلِ: كَيْفَ نَتْبَعُكُمْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِكُمْ أَنَّكُمْ رُسُلُ اللهِ، فَأَنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنَا، وَلَمْ نَرَ مِنْكُمْ مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلَى رِسَالَتِكُمْ، فَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ فَأْتُونَا بِبُرْهَانٍ وَدَلِيلٍ وَاضِحٍ عَلَى صِدْقِ مَا تَقُولُونَ. فَاطِرِ - مُبْدِعِ وَمُخْتَرِع. بِسُلْطَانٍ - حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِدْقِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله: {أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ ..} [إبراهيم: 10] هو لوْن من الخطاب الذي لا يترك لمَنْ توجه إليه الكلام أنْ يُجيب إلا كما تريد أنت. وأنت لا تفعل ذلك إلا إذا كُنْتَ واثقاً من أن مَنْ تُوجِّه إليه الكلام سيجيب - إنِ استحضرَ الحق في ذهنه - كما تريد أنت. ولذلك لم يَأْتِ الخطاب هنا بقوله "لا شك في الله" وبذلك يكون الكلام خبرياً، وقد يقول واحد: إن هذا الكلام كاذب، ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار، إلا أنه يأتي بالقضية في شكل تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يُديرون الكلام في رؤوسهم، وسيعثرون على الإجابة التي لا يمكن أنْ ينكرونها؛ وهي "ليس في الله شك". وهكذا نجد أن القائل قد سكتَ عن إعلانهم الكفرَ أولاً؛ وجاء لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه "ليس في الله شك"، ويأتي لهم بالدليل الذي لا يحتمل أيَّ شكٍّ، وهو قوله الحق: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [إبراهيم: 10]. والفاطر هو الذي خلق خَلْقاً على غير مثال سابق، مثلها مثل قوله الحق: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [البقرة: 117]. فلا أحدَ قادرٌ على أن يخلقَ مثل السماوات والأرض؛ وهي مخلوقة على غير مثال سابق. وسبحانه هو مَنْ شاء أن يكون الإنسان سيداً لكل الكائنات المخلوقة، وأن تكون تلك الكائنات مُسخَّرة لخدمته. وقد يتخيّل الإنسان أن خَلْقه أكبر من خَلْق السماوات والأرض؛ لذلك يُنبِّهه الحق سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57]. ولو نظرتَ إلى الشمس وسألتَ نفسك؛ كم من الأجيال قد استمتعوا بدفْئِها واستفادوا منها؛ فمن المؤكَّد أنك لن تعرف عدد الأجيال؛ لأن الشمس مخلوقة من قَبْل خَلْق البشر، وكل إنسان يستمتع بالشمس ويستفيد منها عددَ سنوات حياته، ثم يذهب إلى الموت. ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي يضرب المَثل الذي لا يمكن أن يُنكِره أحد، ويدلُّ على الفطرة في الإيمان، ويُوضِّح أن الحق سبحانه لم يُمهل الإنسان إلى أنْ ينضجَ عقله ليشعر بضرورة الإيمان، ويضرب المثل بطفل صغير تسلَّل، وضرب شقيقه؛ هنا لا بُدَّ أن يلتفتَ الشقيق ليكتشف مَنِ الذي ضربه؛ لأن الإنسان من البداية يعلم أنْ لا شيءَ يحدث إلا وله فاعل. وهَبْ أن طفلاً جاء ليجد شقيقه جالساً على كرسي، وهو يريد أن يجلس على نفس الكرسي؛ هنا سيقوم الطفل بشدِّ وجَذْب أخيه من على الكرسي ليجلس هو، وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين لا يمكن أن يستوعبهما حَيِّز واحد. وهكذا يتوصل الإنسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك خالقاً أوحد. وهكذا نجد قوله الحق: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [إبراهيم: 10]. هو الآية الكونية الواسعة. ويأتي من بعد ذلك بالقول: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ..} [إبراهيم: 10]. وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة والقدرة والحنان؛ وهو هنا يقول: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10]. ولم يَقُلْ: يغفر لكم ذنوبكم؛ ذلك أنه يخاطب الكفار؛ بينما يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ..} تفسير : [الصف: 10-12]. وهكذا لا يساوي الحقُّ سبحانه في خطابه بين المؤمنين والكافرين. أو: أن المقصود من قوله: {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ..} [إبراهيم: 10]. هو غفران الكبائر: ذلك أن صغائر الذنوب إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات؛ فنحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر ". تفسير : ويتابع سبحانه: {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى ..} [إبراهيم: 10]. وكلنا نعرف أن الأجلَ هو الزمن المضروب والمُقرر للحدثِ. وإن شاء الحق سبحانه الإبادة فنجد ما يدل عليه قوله الحق: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [القصص: 81]. كما فعل مع قارون. أو: أن قوله: {إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى ..} [إبراهيم: 10] مقصود به يوم القيامة. ولكن الكفار أهل لَدَد وعناد، لذلك نجد قولهم: {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [إبراهيم: 10]. وهكذا يعلن أهل الكفر لرسلهم أنهم يُفضِّلون أن يكونوا أهل تقليد للآباء، ولو أنهم فكَّروا لَعِلموا أن التقليد لو شاع في المجتمعات لَما ارتقى أحدٌ عن آبائه وأجداده، فالعالم يتطور من تمرُّد جيل على جيل سابق، فلماذا يُصِرّ هؤلاء الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الآباء والأجداد؟ وإذا كان الأبناء يتطورون في كل شيء، فلماذا يحتفظ هؤلاء الكفار بتقليد الآباء في العقائد؟ ولا يكتفي أهل الكُفْر بذلك، بل يطلبون أن يأتيَ لهم الرسل بسلطان مبين، والسلطان يُطلق مرَّة على القهر على الفعل، ويكون الفاعل المقهور كارهاً للفعل. ومرّة يُطلق على الحجة التي تُقنع بالفعل، ويكون الفاعل مُحِباً لما يَقْدُم عليه، والدين لا يمكن أن ينتشر قهراً؛ بل لا بُدَّ أن يُقبل الإنسان على الدين بقلبه، وذلك لا يأتي قهراً. لذلك نجد القول الحق: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ..} تفسير : [البقرة: 256]. وما دام الرُّشدْ قد ظهر فالإكراه لا مجالَ له؛ لأن الذي يُكْره على شيء لا يمكن له أن يعتنق ما يُكره عليه. وإذا ما دخل الإنسان الدين فعليه أن يلتزَم بما يُكلِّف به الدين؛ ولذلك فالإنسان لا يمكن أن يدخل إلى الدين مُكْرهاً، بل، لا بُدَّ أن يدخله على بصيرة. ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بما قاله الرسل رداً على قَوْل أهل الكفر: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : الإشارة في تحقيق قوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [إبراهيم: 10] أن السماوات والأرض تدلان بما كون فاطر فطرهما فإن ثبوتهما بلا كون مكون واجب الكون محال؛ لأنه يؤدي إلى التسلسل والتسلسل محال، وذلك الكون هو الله {يَدْعُوكُمْ} من المكونات إلى المكون لا لحاجته إليكم بل لحاجتكم إليه {لِيَغْفِرَ لَكُمْ} بصفة الغفارية {مِّن ذُنُوبِكُمْ} التي أصابكم من حجب ظلمات خليقة السماوات والأرض فاحتجبتم بها عنه {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} المعنى لنا أخرجكم من حجب الظلمات بصفة الغفارية يؤخركم عن السير في الصفات والذات إلى أوانه حكمة منه {قَالُوۤاْ} أي: للرسل {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تعبدون الهوى والدنيا كما كان يعبد آباؤنا {تُرِيدُونَ} بمقالتكم {أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} الدنيا وشهواتها لتتمتعوا بها دوننا {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} ببرهان يبين لنا صدق دعواكم. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ} [إبراهيم: 11] أي: كنا {مِّثْلُكُمْ} في البشرية نعبد الهوى والدنيا {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بأنهم يهديهم للإيمان وللمعرفة والمحبة؛ ليتركوا ما سواه ويطلبوه ببذل الموجود في نيل المقصود فإذا وجدوه دلوا عباده عليه وذلك {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: أتيكم بما يتسلط عليكم ليفطركم إلى الله {وَعلَى ٱللَّهِ} في الهداية إليه {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الذين يؤمنون بالوصول إليه. {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} [إبراهيم: 12] في الهداية {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} وهي الإيمان والمعرفة والمحبة فإنهما سُبل الوجد ومقاماته، فكذلك يهدي لنا إليه إذا توكلنا عليه {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} بالتكذيب ورد الدعوة والإعراض عن الله {وَعَلَى ٱللَّهِ} في الهداية إليه {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} على الله في الهداية إلى سبيله فإن للتوكل مقامات فتوكل المبتدئ قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب، وتوكل المنتهي قطع التعلق بما سوى الله للاعتصام بالله. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [إبراهيم: 13] أي: ستروا الحق بالباطل وهم النفس والهوى {لِرُسُلِهِمْ} وهو القلب والروح فإنهما محل إلهام الحق {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ} أو أرض الإنسانية {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وهي طلب الدنيا وشهواتها والتلذذ بنعيمها {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} ألهمهم {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ} أي: لنهلكن النفس والهوى بسطوات أنوار الشريعة في استعمالها بالطريقة. {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ} [إبراهيم: 14] أرض الإنسانية {مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد هلاكهم وتبدل أخلاقهم بأخلاق الروحانية والربانية {ذٰلِكَ} أي: ذلك الغلبة والتمكن والاستيلاء {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي: خاف مقام الوصول، وقال: العوام يخافون دخول النار والمقام فيها، والخواص يخافون فوات المقام في الجنة لأنها دار المقامة، واخص الخواص يخافون فوات مقام الوصول {وَخَافَ وَعِيدِ} أي: وعيد القطيعة والبعد.