Verse. 1761 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

قَالَتْ لَہُمْ رُسُلُہُمْ اِنْ نَّحْنُ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلٰكِنَّ اللہَ يَمُنُّ عَلٰي مَنْ يَّشَاۗءُ مِنْ عِبَادِہٖ۝۰ۭ وَمَا كَانَ لَنَاۗ اَنْ نَّاْتِيَكُمْ بِسُلْطٰنٍ اِلَّا بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۭ وَعَلَي اللہِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُوْنَ۝۱۱
Qalat lahum rusuluhum in nahnu illa basharun mithlukum walakinna Allaha yamunnu AAala man yashao min AAibadihi wama kana lana an natiyakum bisultanin illa biithni Allahi waAAala Allahi falyatawakkali almuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالت لهم رسلهم إن» ما «نحن إلا بشر مثلكم» كما قلتم «ولكن الله يمنُّ على من يشاء من عباده» بالنبوة «وما كان» ما ينبغي «لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله» بأمره لأننا عبيد مربوبون «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» يثقوا به.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة، حكى عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها. أما الشبهة الأولى: وهي قولهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فجوابه: أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن الله به على من يشاء من عباده، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة. واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا: إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصاً بخواص شريفة علوية قدسية، فإنه يمتنع عقلاً حصول صفة النبوة له. وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعاً منهم، واقتصروا على قولهم: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } بالنبوة، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص، كما قال تعالى: { أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124]. وأما الشبهة الثانية: وهي قولهم: إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقاً، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم، فجوابه: عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى، لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها. وأما الشبهة الثالثة: وهي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية. فالجواب عنها: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } وشرح هذا الجواب أن المعجزة التي جئنا بها وتمسكنا بها حجة قاطعة وبينة قاهرة ودليل تام، فأما الأشياء التي طلبتموها فهي أمور زائدة والحكم فيها لله تعالى فإن خلقها وأظهرها فله الفضل وإن لم يخلقها فله العدل ولا يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية. ثم إنه تعالى حكى عن الأنبياء والرسل عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بذلك الجواب فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف والوعيد، وعند هذا قالت الأنبياء عليهم السلام: لا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على الله واعتمادنا على فضل الله ولعل الله سبحانه كان قد أوحى إليهم أن أولئك الكفرة لا يقدرون على إيصال الشر والآفة إليهم وإن لم يكن حصل هذا الوحي، فلا يبعد منهم أن لا يلتفتوا إلى سفاهتهم لما أن أرواحهم كانت مشرقة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء عالم الغيب والروح متى كانت موصوفة بهذه الصفات فقلما يبالي بالأحوال الجسمانية وقلما يقيم لها وزناً في حالتي السراء والضراء وطورى الشدة والرخاء، فلهذا السبب توكلوا على الله وعولوا على فضل الله وقطعوا أطماعهم عما سوى الله، والذي يدل على أن المراد ما ذكرناه قوله تعالى حكاية عنهم: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا } يعني أنه تعالى لما خصنا بهذه الدرجات الروحانية، والمعارف الإلهية الربانية فكيف يليق بنا أن لا نتوكل على الله، بل اللائق بنا أن لا نتوكل إلا عليه ولا نعول في تحصيل المهمات إلا عليه، فإن من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مكان الإخلاص والمكاشفة يقبح به أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق سواء كان ملكاً له أو ملكاً أو روحاً أو جسماً، وهذه الآية دالة على أنه تعالى يعصم أولياءه المخلصين في عبوديته من كيد أعدائهم ومكرهم، ثم قالوا: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا اذَيْتُمُونَا } فإن الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، والحق لا بد وأن يصير غالباً قاهراً، والباطل لا بد وأن يصير مغلوباً مقهوراً، ثم أعادوا قولهم: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } والفائدة فيه أنهم أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله {وَمَا لَنَا ألاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ } ثم لما فرغوا من أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك وقالوا: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } وذلك يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولاً، ورأيت في كلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله فصلاً حسناً وحاصله: أن الإنسان إما أن يكون ناقصاً أو كاملاً أو خالياً عن الوصفين، أما الناقص فإما أن يكون ناقصاً في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره، وإما أن يكون ناقصاً ويكون مع ذلك ساعياً في تنقيص حال الغير، فالأول: هو الضال، والثاني: هو الضال المضل، وأما الكامل فإما أن يكون كاملاً ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء، وإما أن يكون كاملاً ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام: « حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » تفسير : ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب الكمية والكيفية، لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال والنقصان، فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل، والنبي هو الإنسان الكامل المكمل، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب الآخرة، وذلك مثل روح محمد صلى الله عليه وسلم، فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءاً من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ومن النصارى وهم حلولية ومن المجوس وقبح مذاهبهم ظاهر ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد، ومن التجسيم إلى التنزيه، ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة، فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَمَا لَنَا ألاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ } إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم، وقولهم في آخر الأمر، وعلى الله فليتوكل المتوكلون، إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن، فمن نظر في علم القرآن وكان غافلاً عنها كان محروماً من أسرار علوم القرآن والله أعلم، وفي الآية وجه آخر وهو أن قوله: {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } المراد منه أن الذين يطلبون سائر المعجزات وجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله تعالى لا عليها، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها. وأما قوله في آخر الآية: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } المراد منه الأمر بالتوكل على الله في دفع شر الناس الكفار وسفاهتهم، وعلى هذا التقدير فالتكرار غير حاصل لأن قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ } وارد في موضعين مختلفين بحسب مقصودين متغايرين، وقيل أيضاً: الأول: ذكر لاستحداث التوكل. والثاني: للسعي في إبقائه وإدامته، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي في الصورة والهيئة كما قلتم. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي يتفضّل عليه بالنبوّة. وقيل؛ بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبد الله: بتلاوة القرآن وفهم ما فيه. قلت: وهذا قول حسن؛ وقد خرّج الطبريّ من حديث ابن عمر قال قلت لأبي ذرّ: يا عمّ أوصني؛ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: «حديث : ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمنّ بها على من يشاء من عباده وما منّ الله تعالى على عباده بمثل أن يُلهمهم ذِكره». تفسير : {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ} أي بحجة وآية. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمشيئته، وليس ذلك في قدرتنا؛ أي لا نستطيع أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته؛ فلفظه لفظ الخبر، ومعناه النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه. {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تقدّم معناه. قوله تعالى: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} «ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء، و «لَنَا» الخبر، وما بعدها في موضع الحال؛ التقدير: أيّ شيء لنا في ترك التوكل على الله. {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته. {وَلَنَصْبِرَنَّ} لام قسم؛ مجازه: والله لنصبرن {عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} به، أي من الإهانة والضرب، والتكذيب والقتل، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.]

البيضاوي

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم، وفيه دليل على أن النبوة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى. {وَمَا كَانَ لَنَا نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي ليس إلينا الإِتيان بالآيات ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتي بما اقترحتموه، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى فيخص كل نبي بنوع من الآيات. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } فلنتوكل عليه في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للاشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً ألا ترى قوله تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن } ما {نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } كما قلتم {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } بالنبوّة {وَمَا كَانَ } ما ينبغي {لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بأمره لأننا عبيد مربوبون {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يثقوا به.

ابن عطية

تفسير : المعنى: صدقتم في قولكم، أي بشر مثلكم في الأشخاص والخلقة لكن تبايننا بفضل الله ومنه الذي يختص به من يشاء. قال القاضي أبو محمد: ففارقوهم في المعنى بخلاف قوله تعالى: {أية : كأنهم حمر} تفسير : [المدثر: 50] فإن ذلك في المعنى لا في الهيئة. وقوله: {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} هذه العبارة إذا قالها الإنسان عن نفسه أو قيلت له فيما يقع تحت مقدوره - فمعناها النهي والحظر، وإن كان ذلك فيما لا قدرة له عليه - فمعناها نفي ذلك الأمر جملة، وكذا هي آيتنا، وقال المهدوي لفظها لفظ الحظر ومعناها النفي. واللام في قوله: {ليتوكل} لام الأمر. وقرأها الجمهور ساكنة وقرأها الحسن مكسورة، وتحريكها بالكسر هو أصلها. وتسكينها طلب التخفيف، ولكثرة استعمالها وللفرق بينها وبين لام كي التي ألزمت الحركة إجماعاً. وقوله: {ما لنا ألا نتوكل} الآية، وقفتهم الرسل على جهة التوبيخ على تعليل في أن لا يتوكلوا على الله، وهو قد أنعم عليهم وهداهم طريق النجاة وفضلهم على خلقه، ثم أقسموا أن يقع منهم الصبر على الإذاية في ذات الله تعالى. و {ما} في قوله: {ما آذيتمونا} مصدرية، وهي حرف عند سيبويه بانفرادها، إلا أنها اسم مع ما اتصل بها من المصدر، وقال بعض النحويين: "ما" المصدرية بانفرادها اسم. ويحتمل أن تكون {ما} - في هذا الموضع - بمعنى الذي، فيكون في {آذيتمونا} ضمير عائد، تقديره آذيتموناه، ولا يجوز أن تضمر به سبب إضمار حرف الجر، هذا مذهب سيبويه، والأخفش يجوز ذلك.

النسفي

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تسليم قولهم إنهم بشر مثلهم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } بالإيمان والنبوة كما منّ علينا {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } جواب لقولهم: {فأتونا بسلطان مبين} والمعنى أن الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم ألا ترى إلى قوله: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ } معناه وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين قال أبو تراب: التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والشكر عند العطاء والصبر عند البلاء {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا } جواب قسم مضمر أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يمسكوا عن دعائهم {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } أي فليثبت المتوكلون على توكلهم حتى لا يكون تكرارا .

ابو السعود

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ} مجاراةً معهم في أول مقالتِهم وإنما قيل لهم لاختصاص الكلامِ بهم حيث أريد إلزامُهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوعِ الشكِّ في الله سبحانه فإن ذلك عامٌ وإن اختص بهم ما يعقُبه {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} كما تقولون {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ} بالنبوة {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} يعنون أن ذلك عطيةٌ من الله تعالى يعطيها من يشاء من عباده بمحض الفضلِ والامتنان من غير داعيةٍ توجبه، قالوه تواضعاً وهضماً للنفس أو ما نحن من الملائكة بل نحن بشرٌ مثلُكم في الصورة أو في الدخول تحت الجنس، ولكن الله يمن بالفضائل والكمالاتِ والاستعدادات على من يشاء المنَّ بها وما يشاء ذلك إلا لعلمه باستحقاقه لها، وتلك الفضائلُ والكمالاتُ والاستعدادات هي التي يدور عليها فلكُ الاصطفاء للنبوة {وَمَا كَانَ} وما صح وما استقام {لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ} أي بحجة من الحجج فضلاً عن السلطان المبـين بشيء من الأشياء وسببٍ من الأسباب {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فإنه أمرٌ يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا فلا {وَعَلَى ٱللَّهِ} وحده دون ما عداه مطلقاً {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أمرٌ منهم للمؤمنين بالتوكل ومقصودُهم حملُ أنفسِهم عليه آثرَ ذي أثيرٍ، ألا يُرى إلى قوله عز وجل: {وَمَا لَنَا} أيُّ عذرٍ لنا {أَن لا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} أي في أن لا نتوكل عليه، ولإظهار النشاطِ بالتوكل عليه والاستلذاذِ بذكر اسمِه تعالى وتعليلِ التوكل {وَقَدْ هَدَانَا} أي والحالُ أنه قد فعل بنا ما يوجبه ويستدعيه حيث هدانا {سُبُلَنَا} أي أرشد كلاًّ منا سبـيله ومنهاجَه الذي شرَع له وأوجب عليه سلوكهَ في الدين، وحيث كانت أذيةُ الكفار مما يوجب القلقَ والاضطرابَ القادح في التوكل، قالوا على سبـيل التوكيد القسميِّ مظهرين لكمال العزيمة: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا اذَيْتُمُونَا} بالعِناد واقتراحِ الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه {وَعَلَى ٱللَّهِ} خاصة {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكّلُونَ} فليثبُت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل، والمرادُ هو المرادُ مما سبق من إيجاب التوكلِ على أنفسهم، والمرادُ بالمتوكّلين المؤمنون، والتعبـيرُ عنهم بذلك لسبق ذكرِ اتصافِهم به ويجوز أن يُرادَ وعليه فليتوكل مَنْ توكل دون غيره.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ}[11] يعني بتلاوة كتابه والفهم فيه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الآية: 11]. قال أبو عثمان: منَّ الله تعالى على خواص عباده، فإن الإحصاء والعدد، فأول منةٍ له عليهم التوحيد ثم المعرفة ثم أن بعث فيهم الرسل ثم أن سماهم عباده، ثم له عليهم فى كل نَفَسٍ نعمة عرفوها، أو لم يعرفوها. قال سهل: يمُنُّ على من يشاء من عباده بتلاوة كلامه والفهم منه. وقال بعضهم: يمُنُّ على من يشاء بالمعرفة. قال ابن عطاء: يمُنُّ على من يشاء بالهداية والتوفيق.

القشيري

تفسير : قالت لهم الرسلُ ما نحن إلا أمثالكم، والفرق بيننا أنه - سبحانه - مَنَّ علينا بتعريفه، واسْتخلَصنا بما أَفْرَدَنا به من تشريفه. والذي اقترحتم علينا من ظهور الآيات فليس لنا إلى الإتْيَانِ به سبيلٌ إلاَّ أن يُظْهِرَه الله علينا إذا شاء بما شاء - وهو عليه قدير.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} ووقعت التسوية على السواد والخيال ولكن يختار برسالته ونبوته وولايته من يشاء من عباده الذين سبقت لهم حسن العناية فى الازل بما وهب لهم من خلع استعداد معرفته وقبول عبوديته ورؤية مشاهدته الاول تعريف التواضع والاخر تشريف الحقائق قال ابو عثمان من الله على خواص عباده بافات الاحصار والعد فاول منة له عليهم التوحيد ثم المعرفة ثم ان بعث فيهم الرسل ثم ان سماهم عباده ثم له عليهم فى كل نفس نعمة عرفوها او لم يعرفوها وقال سهل يمن على من يشاء من عباده بتلاوة كلامه والفهم فيه وقال الاستاد ما نحن الا امثالكم والفرق بيننا انه مَنّ علينا بتعريفه واستخلصنا افردنا به من تشريف.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالت لهم رسلهم} زاد لفظ لهم لاختصاص الكلام بهم حيث اريد الزامهم بخلاف ما سلف من انكار وقوع الشك فى الله فان ذلك عام وان اختص بهم ما يعقبه اى قالوا لهم معترفين بالبشرية ومشيرين الى منة الله عليهم {ان} ما {نحن الا بشر مثلكم} كما تقولون لا ننكره {ولكن الله يمن} ينعم بالنبوة والوحى {على من يشاء من عباده} وفيه دلالة على ان النبوة عطائية كالسلطنة لا كسبية كالولاية والوزارة {وما كان} وما صح وما استقام {لنا ان نأتيكم بسلطان} اى بحجة من الحجج فضلا عن السلطان المبين بشيء من الاشياء وسبب من الاسباب {الا باذن الله} فانه امر متعلق بمشيئة الله ان شاء كان والا فلا تلخيصه انما نحن عبيد مربوبون شعر : ناتوانى وعجز لازم ماست قدرت وآختار ازان خداست كارهارا بحكم راست كند اوتواناست هرجه خواست كند تفسير : {وعلى الله} دون ما عداه مطلقا {فليتوكل المؤمنون} وحق المؤمنين ان لا يتوكلوا على غير الله فليتوكل على الله فى الصبر على معاندتكم ومعاداتكم

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى في هذه الآية ما أجابت به الرسل الكفار، فإنهم قالوا لهم ما {نحن إِلا بشر مثلكم} ولسنا ملائكة، كما زعمتم {ولكن الله} من علينا فاصطفانا وبعثنا أنبياء وهو {يمن على من يشاء من عباده} ولم يكن لنا ان نجيئكم {بسلطان} اي بحجة على صحة دعوانا إِلا بأمر الله واطلاقه لنا في ذلك {وعلى الله} يجب ان يتوكل {المتوكلون} المؤمنون المصدقون به وبأنبيائه. ثم اخبر انهم قالوا ايضاً {وما لنا أن لا نتوكل على الله} اي ولم لا نتوكل على الله {وقد هدانا} الى سبل الايمان ودلنا على معرفته ووفقنا لتوجيه العبادة اليه، ولا نشرك به شيئاً، وضمن لنا على ذلك جزيل الثواب، {ولنصبرن على ما أذيتمونا} من تكذيبنا وشتمنا في جنب طاعته وابتغاء مرضاته وطلب ثوابه {وعلى الله} يجب ان يتوكل المتوكلون الواثقون بالله دون من كان كافراً، فان وليه الشيطان. و {المنّ} اصله القطع يقال: حبل منين اي منقطع عن بلوغ المنية، والمنيّة لانها تقطع عن امر الدنيا. {أية : ولهم أجر غير ممنون}تفسير : اي غير مقطوع، والاذى ضرر يجده صاحبه في حاله يقال: آذاه يؤذيه أذى وتأذى به تأذياً، واكثر ما يقال في الضرر القليل، ويقال ايضاً آذاه أذى عظيماً، والمثل ما سد مسد صاحبه فيما يرجع الى ذاته. والهدى الدلالة على طريق الحق من الباطل، والرشد من الغي، هداه يهديه الى الدين هدى. والسلطان الحجة التي يتسلط بها على الطالب مذهب المخالف للحق. وقيل في قوله {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} قولان: احدهما - قال ابو علي الجبائي: انهم سألوا آية مخصوصة غير ما اتتهم به الرسل، كما سأله قريش، فقالوا {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً...} تفسير : والثاني - ان ما اتيناكم به بإِذن الله، لأنه مما لا يقدر عليه البشر، ونحن بشر.

الجنابذي

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} لا ندّعى الاميتاز عنكم بحسب البشريّة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بالوحى والارسال الى العباد وبذلك نمتاز عنكم {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} يعنى نتوكّل ونبلّغ ولا نبالى بكم وبردّكم وقبولكم واذاكم لكنّهم علّقوا التّوكّل على وصف الايمان اشعاراً بانّ الايمان يقتضى ذلك.

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ} أى ما، {نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} سلموا أنهم مثليهم فى البشرية ولم يذكروا فضلهم تواضعاً واقتصروا على قولهم، {وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} بالنبوة لعلمه بأَنهم أهل لها دون سواهم وفى ظاهر الآية دليل على أن الرسالة اضطرارية لا اكتسابية وإِنما هى لحسب عطاء الله وتفضله وهو الصحيح عندى وكذا النبوة وعلى أن ترجيح بعض الجائزات بمشيئة الله تعالى فإِن جعل النبى غير نبى بيانا جائزا بمعنى أن من كان نبياً ليس مستحقاً بالنبوة بالذات ومن لم يكن نبياً ليس مستحقاً لعدم النبوة بالذات وكذا الرسالة فافهم ولا تقلد من قال بغير ذلك {وَمَا كَانَ} أى ما أمكن {لَنَا أَن نَّأتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} بأَمره وإِقداره إيانا على الإِتيان به وإلا فلا طاقة لنا به {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ} الفاء صلة ولذلك لم تمنع تعليق ما فبلها بما بعدها {الْمُؤْمِنُونَ} فى دفع شرور أعدائهم وعنادهم أُمر للمؤمنين كافة بالتوكل للإِشعار بما يوجب التوكل وهو الإِيمان وهم إِما داخلون فى عموم كلامهم وإِما غير داخلين لكن يدخلون فى وجوب التوكل بتلويح بوجود الإِيمان فيهم وعلى كل حال فالمراد أولا وبالذات إغراء أنفسهم على التوكل والإِخبار بأَنهم أحق به كأَنهم قالوا ومن حقنا أن نتوكل على الله فيما يجرى علينا منكم كما قال.

الالوسي

تفسير : . {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ} مجاراة لأول مقالتهم: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } كما تقولون وهذا كالقول بالموجب لأن فيه إطماعاً في الموافقة ثم كر إلى جانبهم بالإبطال بقولهم عليهم السلام: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي إنما اختصنا الله تعالى بالرسالة بفضل منه سبحانه وامتنان، والبشرية غير مانعة لمشيئته جل وعلا، وفيه دليل على أن الرسالة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئته تعالى، ولا يخفى ما في العدول عن ولكن الله من علينا إلى ما في النظم الجليل من التواضع منهم عليهم السلام، وقيل: المعنى ما نحن من الملائكة بل نحن بشر مثلكم في الصورة أو في الدخول تحت الجنس ولكن الله تعالى يمن على من يشاء بالفضائل والكمالات والاستعدادات التي يدور عليها فلك الاصطفاء للرسالة، وفي هذا ذهاب إلى قول بعض حكماء الإسلام: إن الإنسان لو لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصاً بخواص شريفة علوية قدسية فإنه يمتنع عقلاً حصول صفة النبوة فيه، وأجابوا عن عدم ذكر المرسلين عليهم السلام فضائلهم النفسانية والبدنية بأنه من باب التواضع كاختيار العموم، والحق منع الامتناع العقلي وإن كانوا عليهم السلام جميعاً لهم مزايا وخواص مرجحة لهم على غيرهم، وإنما قيل لهم كما قيل: لاختصاص الكلام بهم حيث أريد إلزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشك فيه تعالى فإنه عام وإن اختص بهم ما يعقبه. {وَمَا كَانَ لَنَا} أي ما صح وما استقام {أن تَأْتِيكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ} أي بحجة ما من الحجج فضلاً عن السلطان المبين الذي اقترحتموه بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } فإنه أمر يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا فلا {وَعَلَى ٱللَّهِ } وحده دون ما عداه مطلقاً {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل من الإيمان وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً، ويدل على ذلك قولهم: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ...}.

ابن عاشور

تفسير : قول الرسل {إن نحن إلا بشر مثلكم} جواب بطريق القول بالموجَب في علم آداب البحث، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ببيان محل الاستدلال غيرُ تام الإنتاج، وفيه إطماع في الموافقة. ثم كرّ على استدلالهم المقصود بالإبطال بتبيين خطئهم. ونظيره قوله تعالى: { أية : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } تفسير : [سورة المنافقون: 8]. وهذا النوع من القوادح في علم الجدل شديد الوقع على المناظر، فليس قول الرسل {إن نحن إلا بشر مثلكم} تقريراً للدليل ولكنه تمهيد لبيان غلط المستدل في الاستنتاج من دليله. ومحل البيان هوالاستدراك في قوله: { أية : ولكن الله يَمنّ على من يشاء من عباده } تفسير : [سورة إبراهيم: 11]. والمعنى: أن المماثلة في البشرية لا تقتضي المماثلة في زائد عليها فالبشر كلهم عباد الله والله يمُنّ على من يشاء من عباده بنِعَم لم يعطها غيرهم. فالاستدراك رفع لما توهموه من كون المماثلة في البشرية مقتضى الاستواء في كل خصلة. وأورد الشيخ محمّد بن عرفة في التفسير وجهاً للتفرقة بين هذه الآية إذ زيد فيها كلمة {لهم} في قوله: { أية : قالت لهم رسلهم } تفسير : [سورة إبراهيم: 10] وبين الآية التي قبلها إذ قال فيها {قالت رسلهم} بوجهين: أحدهما: أن هذه المقالة خاصة بالمكذّبين من قومهم يقولونها لغيرهم إذ هو جواب عن كلام صدر منهم والمقالة الأولى يقولونها لهم ولغيرهم، أي للمصدقين والمكذبين. وثانيهما: أن وجود الله أمر نظري، فكان كلام الرسل في شأنه خطاباً لعموم قومهم، وأما بعْثة الرسل فهي أمر ضروري ظاهر لا يحتاج إلى نظر، فكأنه قال: ما قَالوا هذا إلا للمكذبين لغباوتهم وجهلهم لا لغيرهم. وأجاب الأبي أن {أفي الله شك} خطاب لمن عاند في أمر ضروري، فكأنّ المجيب عن ذلك يجيب به من حيث الجملة ولا يُقبل بالجواب على المخاطب لمعاندته فيجيب وهو مُعْرض عنه بخلاف قولهم: {إن نحن إلا بشر مثلكم} فإنه تقرير لمقالتهم فهم يُقبلون عليهم بالجواب لأنهم لم يبطلوا كلامهم بالإطلاق بل يقررونه ويزيدون فيه اهــــ. والحاصل أن زيادة {لهم} تؤذن بالدلالة على توجه الرسل إلى قومهم بالجواب لما في الجواب عن كلامهم من الدقة المحتاجة إلى الاهتمام بالجواب بالإقبال عليهم إذ اللامُ الداخلة بعد فعل القول في نحو: أقول لك، لام تعليل، أي أقول قولي لأجلك. ثم عطفوا على ذلك تبيين أن ما سأله القوم من الإتيان بسلطان مبين ليس ذلك إليهم ولكنه بمشيئة الله وليس الله بمكرَه على إجابة من يتحداه. وجملة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أمر لمَن آمن من قومهم بالتوكل على الله، وقصدوا به أنفسهم قصداً أوليّاً لأنهم أول المؤمنين بقرينة قولهم: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا} إلى آخره. ولما كان حصول إذن الله تعالى بتأييد الرسل بالحجة المسؤولة غيرَ معلوم الميقات ولا متعيّنَ الوقوع وكانت مدة ترقب ذلك مظنة لتكذيب الذين كفروا رسلَهم تكذيباً قاطعاً وتَوَقَعَ الرسلُ أذاه قومهم إياهم شأن القاطع بكذب من زَعم أنه مرسل من الله، ولأنهم قد بدأوهم بالأذى كما دل عليه قولهم: {وَلنصبرنّ على ما آذيتمونا}. أظهر الرسل لقومهم أنهم غير غافلين عن ذلك وأنهم يتلقون ما عسى أن يواجهَهُم به المكذّبون من أذى بتوكّلهم على الله هم ومن آمن معهم؛ فابتدأوا بأن أمروا المؤمنين بالتوكل تذكيراً لهم لئلا يتعرّض إيمانهم إلى زعزعة الشك حرصاً على ثبات المؤمنين، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر ــــ رضي الله عنه ــــ: « حديث : أفي شك أنت يابنَ الخطّاب » تفسير : . وفي ذلك الأمر إيذان بأنهم لا يعبأون بما يضمره لهم الكافرون من الأذى، كقول السحرة لفرعون حين آمنوا { أية : لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون } تفسير : [سورة الشعراء: 50]. وتقديم المجرور في قوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} مؤذن بالحصر وأنهم لا يرجون نصراً من غير الله تعالى لضعفهم وقلة ناصرهم. وفيه إيماء إلى أنهم واثقون بنصر الله. والجملة معطوفة بالواو عطف الإنشاء على الخبر. والفاء في قوله: {فليتوكل المؤمنون} رابطة لجملة (ليتوكل المؤمنون) بما أفادهُ تقديم المجرور من معنى الشرط الذي يدل عليه المقام. والتقدير: إن عجبتم من قلة اكتراثنا بتكذيبكم أيها الكافرون، وإن خشيتم هؤلاء المُكذّبين أيها المؤمنون فليتوكل المؤمنون على الله فإنهم لن يضيرهم عدوّهم. وهذا كقوله تعالى: { أية : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } تفسير : كما تقدم في سورة العقود (23). والتوكّل: الاعتماد وتفويض التدبير إلى الغير ثقة بأنه أعلم بما يصلح، فالتوكل على الله تحقق أنه أعلم بما ينفع أولياءَه من خير الدنيا والآخرة. وقد تقدم الكلام على التوكّل عند قوله تعالى: { أية : فإذا عزمت فتوكل على الله } تفسير : في سورة آل عمران (59). وجملة {وما لنا ألا نتوكل على الله} استدلال على صدق رأيهم في تفويض أمرهم إلى الله، لأنهم رأوا بوارق عنايته بهم إذ هداهم إلى طرائق النجاة والخير، ومبادىء الأمور تدل على غاياتها. وأضافوا السبل إلى ضميرهم للاختصار لأن أمور دينهم صارت معروفة لدى الجميع فجمعها قولهم: {سبلنا}. {وما لنا ألا نتوكل} استفهام إنكاري لانتفاء توكلهم على الله، أتوا به في صورة الإنكار بناءً على ما هو معروف من استحماق الكفار إيّاهم في توكلهم على الله، فجاءوا بإنكار نفي التوكل على الله، ومعنى {وما لنا ألا نتوكل} ما ثبت لنا من عدم التوكل، فاللام للاستحقاق. وزادوا قومهم تأييساً من التأثر بالأذى فأقسموا على أن صبرهم على أذى قومهم سيستمر، فصيغة الاستقبال المستفادة من المضارع المؤكد بنون التوكيد في {ولنصبرن} دلت على أذى مستقبل. ودلّت صيغة المضي المنتزع منها المصدر في قوله: {ما آذيتمونا} على أذى مضى. فحصل من ذلك معنى نصبر على أذى متوقع كما صبرنا على أذى مضى. وهذا إيجاز بديع. وجملة {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} يحتمل أن تكون من بقية كلام الرسل فتكون تذييلاً وتأكيداً لجملة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فكانت تذييلاً لما فيها من العموم الزائد في قوله: {المتوكلون} على عموم {فليتوكل المؤمنون}. وكانت تأكيداً لأن المؤمنين من جملة المتوكلين. والمعنى: من كان متوكلاً في أمره على غيره فليتوكل على الله. ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، فهي تذييل للقصة وتنويه بشأن المتوكلين على الله، أي لا ينبني التوكل إلا عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِسُلْطَانٍ} (11) - فَقَالَتْ لَهُمْ الرُّسُلُ: صَحيحٌ أَنَّنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ يََمَنُّ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُؤْتِيهِ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ، وَلا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِمَا سَأَلْتُمُوهُ مِنَ المُعْجِزَاتِ وَالخَوَارِقِ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَأَمْرِهِ، فَهُوَ الذِي يَأْتِي بِالمُعْجِزَاتِ، وَيَأْذَنُ بِهَا، وَالمُؤْمِنُونَ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، فَلْنَتَوَكَّلْ عَليهِ بِالصَّبْرِ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَتَكْذِيبِكُمْ إِيَّانَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا أوضح الرسل لأقوامهم: نحن بشر مثلكم، والسلطان الذي نملكه هو المعجزة التي اختصَّ بها الحق سبحانه كُلَّ رسول، والحق سبحانه هو الذي يتفضَّل على عباده؛ فيختار منهم الرسول المناسب لكل قوم؛ ويرسل معه المعجزة الدالة على تلك الرسالة؛ ويقوم الرسول بتبليغ كل ما يأمر به الله. وكل رسول إنما يفعل ذلك ويُقبِل عليه بكل الثقة في أن الحق سبحانه لن يخذله وسينصره؛ فسبحانه هو القائل: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173]. ويخبرنا سبحانه بطمأنة الرسول ومَنْ معه لحظةَ أن تزلزلهم جِسَام الأحداث؛ وتبلغ قلوبهم الحناجر، ويتساءلون: {أية : مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 214]. فتأتي أخبار نَصرْ الحق سبحانه لرسله السابقين لطمأنه المؤمنين، ونجد الحق سبحانه هنا يقول: {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 11]. هكذا أعلن كل رسول لِمَنْ آمن به من قومه، فعلَى الله وحده يتوكَّل المؤمنون، ويُفوِّضون كل أمورهم إليه وحده؛ صَبْراً على معاندة الكافرين، وثِقةً في أنه سبحانه ينصر مَنْ أبلغوا رسالته ومنهجه، وينصر معهم مَنْ آمنوا بالمنهج والرسالة. وينقل لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الرسل لأقوامهم: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ} مسلمين منهم المشاركة في الجنس: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} نشارك لكم في جميع أحوال البشر وأوصافه {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} المنعم المفضل {يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بمقتضى جوده وأحسانه بفضائل مخصوصة وكرائم غير شاملة على تفاوت مراتبهم واستعدادتهم المثبتة في علم الله {وَ} أما أمر مقترحاتكم فإنه {مَا كَانَ} أي: صح وجاز {لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ} تقترحون {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: بتوفيقه ووحيه وإقداره إن تعلق إرادته بصدورها منا {وَعلَى ٱللَّهِ} لا على غيره من الأسباب والوسائل العداية {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 11] الموحدون المفوضون أمورهم كلها إلى الله أولاً وبالذات، ولا يعتقدون الحول والقوة إلا بالله المستقل في ذاته وأوصافه وأفعاله. {وَ} بعدما آيسوا عنهم وعن صلاحهم اشتغلوا إلى تزكية نفوسهم {مَا لَنَآ} أي: أي عذر عرض لنا {أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} المصلح لأحوالنا، فلِمَ لَمْ نتخذه وكيلنا وكفيلنا؟ {وَ} الحال أنه سبحانه بمقتضى لطفه وجماله {قَدْ هَدَانَا} وأوضح لنا {سُبُلَنَا} التي نسلك بها نحو توحيده وعرفانه، وإن ما جرى علينا من المنافع والمضار إنما هو من عنده وبمقتضى مشيئته وإرادته {وَ} الله بعدما تحققنا بمقام التوحيد، وتمكنا في مقر التجريد والتفريد {لَنَصْبِرَنَّ} على جميع {عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} بالرد والإنكار وغير ذلك من الاستهزاء وسوء الأدب، وكيف لا نصبر؛ إذ الكل بيده سبحانه وبحيطة حضرة قدرته وإرادته، إنما وصل إلينا ابتلاء منه سبحاه إيانا واختباراً {وَ} بعدما تحقق وبيَّن أن الكل من عنده {عَلَى ٱللَّهِ} المستقل في جميع التصرفات والأفعال في كل الأمور والأحوال {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] الموحدون، المفوضون أمورهم كلها إليه؛ لذلك بذلوا مهجهم في طريق التوحيد وإعلاء كلمته.