Verse. 1763 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لِرُسُلِہِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ اَرْضِنَاۗ اَوْ لَتَعُوْدُنَّ فِيْ مِلَّتِنَا۝۰ۭ فَاَوْحٰۗى اِلَيْہِمْ رَبُّہُمْ لَنُہْلِكَنَّ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۳ۙ
Waqala allatheena kafaroo lirusulihim lanukhrijannakum min ardina aw lataAAoodunna fee millatina faawha ilayhim rabbuhum lanuhlikanna alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنَّ» لتصيرن «في ملتنا» ديننا «فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين» الكافرين.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا: {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا. والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة. فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها. قلنا: الجواب من وجوه: الوجه الأول: أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد وكانوا من تلك القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا }. الوجه الثاني: أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه. الوجه الثالث: لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال: إنهم كانوا قبل ذلك لوقت على دين أولئك الكفار. الوجه الرابع: قال صاحب «الكشاف»: العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب. الوجه الخامس: لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة. الوجه السادس: لا يبعد أن يكون المعنى: أو لتعودن في ملتنا، أي إلى ما كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل، والله أعلم. واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ } قال صاحب «الكشاف»: {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه، وقرأ أبو حيوة: {ليهلكن الظالمين وليسكننكم} بالياء اعتباراً لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن، والمراد بالأرض {أَرْضُ ٱلْظَّـٰلِمِينَ وَدِيَـٰرَهُمْ } ونظيره قوله: { أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } تفسير : [الأعراف: 137]. { أية : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 27] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من آذى جاره أورثه الله داره » تفسير : واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ } فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه: الأول: المراد موقفي وهو موقف الحساب، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، ونظيره قوله: { أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } تفسير : [النازعات: 40] وقوله: { أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 46] الثاني: أن المقام مصدر كالقيامة، يقال: قام قياماً ومقاماً، قال الفراء: ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله: { أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33]. الثالث: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف ألبتة. الرابع: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول، الخامس: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي لم خافني، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال: سلام الله على المجلس الفلاني العالي والمراد: سلام الله على فلان فكذا ههنا. ثم قال تعالى: {وَخَافَ وَعِيدِ } قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعاداً وهو التهديد. قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب. واعلم أنه تعالى ذكر أولاً قوله: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } ثم عطف عليه قوله: {وَخَافَ وَعِيدِ } فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايراً للخوف من وعيد الله، ونظيره: أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق. ثم قال: {وَٱسْتَفْتَحُواْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: للاستفتاح ههنا معنيان: أحدهما: طلب الفتح بالنصرة، فقوله: {وَٱسْتَفْتَحُواْ } أي واستنصروا الله على أعدائهم، فهو كقوله: { أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } تفسير : [الأنفال: 19]. والثاني: الفتح الحكم والقضاء، فقول ربنا: {وَٱسْتَفْتَحُواْ } أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله: { أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 89]. إذا عرفت هذا فنقول: كلا القولين ذكره المفسرون. أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم: { أية : قَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] وقال موسى: { أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ } تفسير : [يونس: 88] الآية. وقال لوط: { أية : رَبّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [العنكبوت: 30] وأما على القول الثالث: وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، ومنه قول كفار قريش: { أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32]. وكقول آخرين { أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [العنكبوت: 29]. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قوله: {وَٱسْتَفْتَحُواْ } معطوف على قوله: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } وقرىء واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله: {لَنُهْلِكَنَّ } أي أوحى إليهم ربهم، وقال لهم: {لَنُهْلِكَنَّ } وقال لهم {استفتحوا}. ثم قال تعالى: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إن قلنا: المستفتحون هم الرسل، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وهم قومهم؛ وإن قلنا: المستفتحون هم الكفرة، فكان المعنى: أن الكفار استفتحوا على الرسل ظناً منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل. المسألة الثانية: الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته. ومنه قوله تعالى: { أية : وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } تفسير : [مريم: 14] قال أبو عبيدة عن الأحمر: يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة، وحكى الزجاج: الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء. قال الواحدي: فهي ثمان لغات في مصدر الجبار، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أمراً فأبت عليه فقال: « حديث : دعوها فإنها جبارة » تفسير : أي مستكبرة، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه، قال النضر بن شميل: العنود الخلاف والتباعد والترك، وقال غيره: أصله من العند وهو الناحية يقال: فلان يمشي عنداً، أي ناحية، فمعنى عاند وعند. أخذ في ناحية معرضاً، وعاند فلان فلاناً إذا جانبه وكان منه على ناحية. إذا عرفت هذا فنقول: كونه جباراً متكبراً إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيداً إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق، وهو كونه مجانباً عن الحق منحرفاً عنه، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق، كان خائباً عن كل الخيرات خاسراً عن جميع أقسام السعادات. واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جباراً عنيداً، وصف كيفية عذابه بأمور: الأول: قوله: {مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } وفيه إشكال وهو أن المراد: أمامه جهنم، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام؟ وأجابوا عنه من وجوه: الأول: أن لفظ «وراء» اسم لما يوارى عنك، وقدام وخلف متوار عنك، فصح إطلاق لفظ «وراء» على كل واحد منهما. قال الشاعر: شعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب تفسير : ويقال أيضاً: الموت وراء كل أحد. الثاني: قال أبو عبيدة وابن السكيت: الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام، والسبب فيه أن كل ما كان خلفاً فإنه يجوز أن ينقلب قداماً وبالعكس، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام، ومنه قوله تعالى: { أية : وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ } تفسير : [الكهف: 79] أي أمامهم، ويقال: الموت من وراء الإنسان. الثاني: قال ابن الأنباري «وراء» بمعنى بعد. قال الشاعر: شعر : وليس وراء الله للمرء مذهب تفسير : أي وليس بعد الله مذهب. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }. ثم قال: {وَمِن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ } أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم. النوع الثاني: مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: علام عطف {وَيُسْقَىٰ }. الجواب: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد. السؤال الثاني: عذاب أهل النار من وجوه كثيرة، فلم خص هذه الحالة بالذكر؟ الجواب: يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ }. السؤال الثالث: ما وجه قوله: {مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ }. الجواب: أنه عطف بيان والتقدير: أنه لما قال: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ } فكأنه قيل: وما ذلك الماء فقال: {صَدِيدٍ } والصديد ما يسيل جلود أهل النار. وقيل: التقدير ويسقى من ماء كالصديد. وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة، وهو أيضاً يكون في نفسه صديداً، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله: { أية : وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } تفسير : [محمد: 15]. { أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } تفسير : [الكهف: 29]. السؤال الرابع: ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه. الجواب: التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار، ويقال: ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً وأساغه إساغة. واعلم أن (يكاد) فيه قولان: القول الأول: أن نفيه إثبات، وإثباته نفي، فقوله: {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول: ما كدت أقوم، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى: { أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [البقرة: 71] يعني فعلوا بعد إبطاء، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى: { أية : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ } تفسير : [الحج: 20] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة، وأيضاً فإن قوله: {يَتَجَرَّعُهُ } يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة. والقول الثاني: أن كاد للمقاربة فقول: {لاَ يَكَادُ } لنفي المقاربة يعني: ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى: { أية : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } تفسير : [النور: 40] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها. فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه. قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض وما ساغ الجميع. الثاني: أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف الكافر، إلا أن ذلك ليس بإساغة، لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه، أي لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة، والله أعلم. النوع الثالث: مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله: { وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } [إبراهيم: 17] والمعنى: أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات، ومع ذلك فإنه لا يموت وقيل من كل جزء من أجزاء جسده. النوع الرابع: قوله: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } وفيه وجهان: الأول: أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائماً غير منقطع. الثاني: أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله. قال المفضل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ} اللام لام قسم؛ أي والله لنخرجنكم. {أَوْ لَتَعُودُنَّ} أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا؛ قاله الطبريّ وغيره. قال ابن العربي: وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير؛ فإنّ «أوْ» على بابها من التخيير؛ خيّر الكفار الرسل بين أن يعودوا في مِلتهم أو يخرجوهم من أرضهم؛ وهذه سِيرة الله تعالى في رسله وعباده؛ ألا ترى إلى قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاًسُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} [الإسراء: 76] وقد تقدم هذا المعنى في «الأعراف» وغيرها. {فِي مِلَّتِنَا} أي إلى ديننا، {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ}. قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} أي مقامه بين يديّ يوم القيامة؛ فأضيف المصدر إلى الفاعل. والمقام مصدر كالقيام؛ يقال: قام قياماً ومَقَاماً؛ وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإقامة، وبالضم فعل الإقامة؛ و«ذَلِكَ لَمَنْ خَافَ مَقَامي» أي قيامي عليه، ومراقبتي له؛ قال الله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33]. وقال الأخفش: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي عذابي، «وَخَافَ وَعِيدِ» أي القرآن وزواجره. وقيل: إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} حلفوا على أن يكون أحد الأمرين، إما إخراجهم للرسل أو عودهم إلى ملتهم، وهو بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم قط، ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ومن آمن معه فغلبوا الجماعة على الواحد. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } أي إلى رسلهم. {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} على إضمار القول، أو إجراء الايحاء مجراه لأنه نوع منه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم؛ من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم؛ كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: {أية : لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ} تفسير : [الأعراف: 88] الآية. وكما قال قوم لوط: {أَخْرِجُوۤاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ} الآية، وقال تعالى إِخباراً عن مشركي قريش: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء:76]. وقال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] وكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصاراً وأعواناً وجنداً يقاتلون في سبيل الله تعالى، ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض، حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان، ولهذا قال تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} وكما قال: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [الصافات:171-173]، وقال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21]، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [الأنبياء: 105] الآية، و {أية : قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128]، وقال تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرٰءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} تفسير : [الأعراف: 137] وقوله: {ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ} أي: وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي، وهو تخويفي وعذابي؛ كما قال تعالى: { أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات:37-39] وقال: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]. وقوله: {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي: استنصرت الرسل ربها على قومها، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها؛ كما قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] ويحتمل أن يكون هذا مراداً، وهذا مراداً؛ كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر، واستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [الأنفال: 19] الآية، والله أعلم، {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: متجبر في نفسه، عنيد معاند للحق؛ كقوله تعالى: { أية : أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّـٰعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} تفسير : [ق:24-26] وفي الحديث: «حديث : إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد» تفسير : الحديث، أي: خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر. وقوله: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} وراء هنا بمعنى أمام؛ كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79] وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أمامهم ملك) أي: من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي له بالمرصاد، يسكنها مخلداً يوم المعاد، ويعرض عليها غدواً وعشياً إلى يوم التناد {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: {أية : هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَٰجٌ} تفسير : [ص:57-58] وقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم. وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم. وفي حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت: يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال: «حديث : صديد أهل النار»تفسير : . وفي رواية: «حديث : عصارة أهل النار»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بُسر، عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} قال: «حديث : يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوىٰ وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» تفسير : يقول الله تعالى: {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 15] ويقول: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوجُوهَ} تفسير : [الكهف: 29] الآية، وهكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن المبارك به. ورواه هو وابن أبي حاتم من حديث بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو به. وقوله: {يَتَجَرَّعُهُ} أي: يتغصصه ويتكرهه، أي: يشربه قهراً وقسراً، لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}تفسير : [الحج: 21] {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: يزدرده؛ لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه. قال عمرو بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق. وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره، وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة، أي: من جسده، حتى من أطراف شعره. وقال ابن جرير: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: من أمامه وخلفه، وفي رواية: وعن يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله، ومن سائر أعضاء جسده. وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت؛ لأن الله تعالى قال: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36] ومعنى كلام ابن عباس رضي الله عنه: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه، لو كان يموت، ولكنه لا يموت؛ ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}. وقوله: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي: وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ، أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ فَإِنَّهُمْ لاََكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:64-68] فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذاً بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} تفسير : [الرحمن:43-44]، وقال تعالى: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } تفسير : [الدخان:43-50]، وقال: {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ * فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} تفسير : [الواقعة:41-44]، وقال تعالى: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَٰجٌ } تفسير : [ص:55-58] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه، وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله عز وجل جزاءً وفاقاً {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ } لتصيرنَّ {فِى مِلَّتِنَا } ديننا {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هؤلاء القائلون هم طائفة المتمرّدين عن إجابة الرسل، واللام في لنخرجنكم هي الموطئة للقسم، أي: والله لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا، لم يقنعوا بردهم لما جاءت به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترءوا عليهم بهذا، وخيروهم بين الخروج من أرضهم، أو العود في ملتهم الكفرية. وقد قيل: إن «أو» في {أو لتعودنّ} بمعنى حتى، أو يعني: إلا أن تعودوا كما قاله بعض المفسرين، وردّ بأنه لا حاجة إلى ذلك، بل "أو" على بابها للتخيير بين أحد الأمرين، وقد تقدّم تفسير الآية في سورة الأعراف. قيل: والعود هنا بمعنى الصيرورة لعصمة الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها. وقيل: إن الخطاب للرسل ولمن آمن بهم فغلب على أتباعهم {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } أي: إلى الرسل {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي قال لهم: لنهلكن الظالمين. {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ} أي أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوا من الإخراج أو العود، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا }تفسير : [الأعراف: 137]. وقال: {أية : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ }تفسير : [الأحزاب: 27] وقرىء "ليهلكن"، "وليسكننكم" بالتحتية في الفعلين اعتباراً بقوله {فأوحى}، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم {لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي: موقفي، وذلك يوم الحساب، فإنه موقف الله سبحانه، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة. وبالضم فعل الإقامة، وقيل: إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام، أي: لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي له، كقوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33]. وقال الأخفش: {ذلك لمن خاف مقامي} أي: عذابي {وَخَافَ وَعِيدِ } أي: خاف وعيدي بالعذاب. وقيل: بالقرآن وزواجره. وقيل: هو نفس العذاب، والوعيد الاسم من الوعد. {وَٱسْتَفْتَحُواْ } معطوف على {أوحى}، والمعنى: أنهم استنصروا بالله على أعدائهم، أو سألوا الله القضاء بينهم، من الفتاحة وهي الحكومة ومن المعنى الأوّل قوله: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } تفسير : [الأنفال: 19] أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. ومن المعنى الثاني قوله: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 19] أي: احكم، والضمير في {استفتحوا} للرسل. وقيل: للكفار. وقيل: للفريقين {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } الجبار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة، والعنيد المعاند للحق والمجانب له، وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، أي: أخذ في ناحية معرضاً. قال الشاعر:شعر : إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا تفسير : قال الزجاج: العنيد الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي، وقال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى. وقال ابن كيسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: المراد به العاصي. وقيل: الذي أبى أن يقول لا إلٰه إلاّ الله. ومعنى الآية: أنه خسر وهلك من كان متصفاً بهذه الصفة {مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي: من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه على أن وراءها ها هنا بمعنى بعد، ومنه قول النابغة:شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب تفسير : أي: ليس بعد الله، ومثله قوله: {ومن مِنَ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي: من بعده. كذا قال الفراء. وقيل: من ورائه أي: من أمامه، قال أبو عبيد: هو من أسماء الأضداد، لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قول الشاعر:شعر : ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا بادي تفسير : وقال آخر:شعر : أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : أي: أمامي، ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } تفسير : [الكهف: 79]. أي: أمامهم، ويقول أبي عبيدة هذا قاله قطرب. وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا الأمر من ورائك، أي: سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان، أي: في طلبه. وقال النحاس: من ورائه، أي: من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى، أي: استتر فصارت جهنم من ورائه؛ لأنها لا ترى، وحكى مثله ابن الأنباري. {وَيُسْقَىٰ مِن مَّاء صَدِيدٍ } معطوف على مقدّر جواباً عن سؤال سائل، كأنه قيل: فماذا يكون إذن؟ قيل: يلقى فيها ويسقى، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار، واشتقاقه من الصدّ، لأنه يصدّ الناظرين عن رؤيته، وهو دم مختلط بقيح، والصديد صفة لماء. وقيل: عطف بيان منه {ويتجرعه} في محل جر على أنه صفة لماء، أو في محل نصب على أنه حال. وقيل: هو استئناف مبنيّ على سؤال. والتجرع التحسي أي: يتحساه مرة بعد مرّة لا مرّة واحدة لمرارته وحرارته {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي: يبتلعه، يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً: إذا كان سهلاً، والمعنى: ولا يقارب إساغته، فكيف تكون الإساغة؟ بل يغص به فيطول عذابه بالعطش تارة، ويشربه على هذه الحال أخرى. وقيل: إنه يسيغه بعد شدة وإبطاء، كقوله: {أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [البقرة: 71] أي: يفعلون بعد إبطاء، كما يدلّ عليه قوله تعالى في آية أخرى {أية : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ }تفسير : [الحج: 20] {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ } أي: تأتيه أسباب الموت من كل جهة من الجهات. أو من كل موضع من مواضع بدنه. وقال الأخفش: المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتاً لشدّتها {وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } أي: والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح. وقيل: تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا، ومثله قوله تعالى: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } تفسير : [الأعلى: 13]، وقيل: معنى {وما هو بميت} لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} وقوله: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا }تفسير : [فاطر: 36] {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي من أمامه، أو من بعده عذاب شديد. وقيل هو الخلود. وقيل حبس النفس. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } قال سيبويه: مثل مرتفع على الابتداء، والخبر مقدّر، أي: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا وبه قال الزجاج. وقال الفراء: التقدير {مثل} أعمال الذين كفروا فحذف المضاف. وروي عنه أنه قال بإلغاء مثل. والتقدير الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وقيل هو: أعني {مثل} مبتدأ وخبره {أعمالهم كرماد} على أن معناه الصفة، فكأنه قال صفتهم العجيبة أعمالهم كرماد. والمعنى: أن أعمالهم باطلة غير مقبولة، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشيء، ضرب الله سبحانه هذه الآية مثلاً لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف، ومعنى اشتدّت به الريح: حملته بشدّة وسرعة، والعصف شدّة الريح، وصف به زمانها مبالغة كما يقال: يوم حار ويوم بارد، والبرد والحر فيهما لا منهما {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَىْء } أي: لا يقدر الكفار مما كسبوا من تلك الأعمال الباطلة على شيء منها، ولا يرون له أثراً في الآخرة يجازون به ويثابون عليه، بل جميع ما عملوه في الدنيا باطل ذاهب كذهاب الريح بالرماد عند شدة هبوبها. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما دلّ عليه التمثيل أي: هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } عن طريق الحقّ المخالف لمنهج الصواب، لما كان هذا خسراناً لا يمكن تداركه سماه بعيداً. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَا } الآية، قال كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويقهرونهم، ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسوله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما وعدهم. واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده فقال: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 46] وإن لله مقاماً هو قائمه، وإن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ودأبوا الليل والنهار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَٱسْتَفْتَحُواْ } قال: للرسل كلها يقول استُنصروا، وفي قوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } قال: معاند للحقّ مجانب له. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: استنصرت الرسل على قومها {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } يقول: عنيد عن الحق معرض عنه، أبى أن يقول لا إلٰه إلاّ إلٰه. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: العنيد الناكب عن الحق. وأخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : {وَيُسْقَىٰ مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ } قال: "يقرب إليه فيتكرهه"، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. يقول الله تعالى: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ}"تفسير : [محمد: 15]. وقال: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوجُوهَ } تفسير : [الكهف: 29]. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس في قوله: {مِن مَّاء صَدِيدٍ } قال: يسيل من جلد الكافر ولحمه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: {مِن مَّاء صَدِيدٍ } هو القيح والدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ } قال: أنواع العذاب، وليس منها نوع إلاّ الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ } تفسير : [فاطر: 36]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ } قال: من كلّ عظم وعرق وعصب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي قال: من موضع كل شعرة في جسده {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } قال: الخلود. وأخرج ابن المنذر عن الفضيل بن عياض {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } قال: حبس الأنفاس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } الآية قال: مثل الذين عبدوا غيره فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم، ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ذلك لمن خاف مقامي}أي المقام بين يدّي، وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به: والفرق بين المقام بالفتح وبين المقام بالضم أنه إذا ضم فهو فعل الإقامة، وإذا فتح فهو مكان الإقامة. {وخاف وعيد} فيه وجهان: أحدهما: أنه العذاب. والثاني: أنه ما في القرآن من زواجر. {واستفتحوا} فيه وجهان: أحدهما: أن الرسل استفتحوا بطلب النصر، قاله ابن عباس. الثاني: أن الكفار استفتحوا بالبلاء، قاله ابن زيد. وفي الاستفتاح وجهان: أحدهما: أنه الإبتداء. الثاني: أنه الدعاء، قاله الكلبي. {وخاب كلُّ جبار عنيد}في {خاب}وجهان: أحدهما: خسر عمله. الثاني: بطل أمله. وفي{جبار} وجهان: أحدهما: أنه المنتقم. الثاني: المتكبر بطراً. وفي{عنيد}وجهان. أحدهما: أنه المعاند للحق. الثاني: أنه المتباعد عن الحق، قال الشاعر: شعر : ولست إذا تشاجر أمْرُ قوم بأَوَّلِ مَنْ يخالِفهُم عَنيدا تفسير : قوله عز وجل:{مِن ورائه جهنم}فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه من خلفه جهنم. قال أبو عبيدة: وراء من الأضداد وتقع على خلف وقدام. جميعاً. الثاني: معناه أمامه جهنم، ومنه قول الشاعر: شعر : ومن ورائك يومٌ أنت بالغه لا حاضرٌ معجز عنه ولا بادي تفسير : الثالث: أن جهنم تتوارى ولا تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى حكاه ابن الأنباري. الرابع: من ورائه جهنم معناه من بعد هلاكه جهنم، كما قال النابغة: شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراءَ الله للمرْءِ مذهب تفسير : أراد: وليس بعد الله مذهب. {ويسقى من ماءٍ صديد}فيه وجهان: أحدهما: من ماء مثل الصديد كما يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل الأسد. الثاني: من ماء كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذاً من الصد. قوله عز وجل:{... ويأتيه الموت مِنْ كل مكان}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره، قاله إبراهيم التيمي، للآلام التي في كل موضع من جسده. الثاني: تأتيه أسباب الموت من كل جهة، عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه، قاله ابن عباس. الثالث: تأتيه شدائد الموت من كل مكان، حكاه ابن عيسى. {وما هو بميتٍ}لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه ليكون ذلك زيادة في عذابه. {ومن ورائه عذاب غليظ}فيه الوجوه الأربعة الماضية. والعذاب الغليظ هو الخلود في جهنم.

ابن عطية

تفسير : قوله: {أو لتعودن في ملتنا} قالت فرقة: {أو} هنا بمعنى: "إلا أن" كما هي في قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : فقلت له لا تبك عيناك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا تفسير : قال القاضي أبو محمد: وتحمل {أو} في هذه الآية أن تكون على بابها لوقوع أحد الأمرين، لأنهم حملوا رسلهم على أحد الوجهين، ولا يحتمل بيت امرىء القيس ذلك، لأنه لم يحاول أن يموت فيعذر، فتخلصت بمعنى إلا أن، ولذلك نصب الفعل بعدها. وقالت فرقة هي بمعنى "حتى" في الآية، وهذا ضعيف، وإنما تترتب كذلك في قوله: لألزمنك أو تقضيني حقي، وفي قوله: لا يقوم زيد أو يقوم عمرو، وفي هذه المثل كلها يحسن تقدير إلا أن. و"العودة" أبداً إنما هي إلى حالة قد كانت، والرسل ما كانوا قط في ملة الكفر، فإنما المعنى: لتعودن في سكوتكم عنا وكونكم أغفالاً، وذلك عند الكفار كون في ملتهم. وخصص تعالى {الظالمين} من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذي قالوا المقالة ناس، فإنما توعد بالإهلاك من خلص للظلم. وقوله: {لنسكننكم} الخطاب للحاضرين، والمراد هم وذريتهم، ويترتب هذا المعنى في قوله: {أية : ويؤخركم إلى أجل مسمى} تفسير : [إبراهيم: 10] أي يؤخركم وأعقابكم. وقرأ أبو حيوة: "ليهلكن" و"ليسكننكم" بالياء فيهما. وقوله: {مقامي} يحتمل أن يريد به المصدر من القيام على الشيء بالقدرة، ويحتمل أن يريد به الظرف لقيام العبد بين يديه في الآخرة، فإضافته - إذا كان مصدراً - إضافة المصدر إلى الفاعل، وإضافته - إذا كان ظرفاً - إضافة الظرف إلى حاضره، أي مقام حسابي، فجائز قوله: {مقامي} وجائز لو قال: مقامه، وجائز لو قال: مقام العرض والجزاء، وهذا كما تقول: دار الحاكم ودار الحكم ودار المحكوم عليهم. وقال أبو عبيدة: {مقامي} مجازه، حيث أقيمه بين يدي للحساب، و"الاستفتاح" طلب الحكم، والفتاح: الحاكم، والمعنى: أن الرسل استفتحوا، أي سألوا الله تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، وقيل: بل استفتح الكفار، على نحو قول قريش {أية : عجل لنا قطنا} تفسير : [ص: 16] وعلى نحو قول أبي جهل في بدر اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة. هذا قول أبي زيد. وقرأت فرقة "واستفتِحوا" بكسر التاء، على معنى الأمر للرسل، قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن. و {خاب} معناه: خسر ولم ينجح، و"الجبار": المتعظم في نفسه، الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، وقيل: معناه الذي يجبر الناس على ما يكرهون. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المفهوم من اللفظ، وعبر قتادة وغيره عن "الجبار" بأنه الذي يأبى أن يقول: لا إله إلا الله. و"العنيد" الذي يعاند ولا ينقاد، وقوله: {من ورائه} ذكر الطبري وغيره من المفسرين: أن معناه: من أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى {أية : وكان وراءهم ملك} تفسير : [الكهف: 79] وأنشد الطبري: شعر : أتوعدني وراء بني رياح كذبت لتقصرن يداك دوني تفسير : قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر كما ذكر، و"الوراء" هنا على بابه، أي هو ما يأتي بعد في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء إنما هو بالزمان، وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد، كما تقول في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، والقرآن وراءهما على هذا، وما تأخر في الزمان فهو وراء المتقدم، ومنه قولهم لولد الولد، الوراء، وهذا الجبار العنيد وجوده وكفره وأعماله في وقت ما، ثم بعد ذلك في الزمان يأتيه أمر جهنم. قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا أن يشبه الزمان بطريق تأتي الحوادث من جهته الواحدة متتابعة، فما تقدم فهو أمام، وما تأخر فهو وراء المتقدم، وكذلك قوله: {أية : وكان وراءهم} تفسير : [الكهف: 79] أي غصبه وتغلبه يأتي بعد حذرهم وتحفظهم. وقوله: {ويسقى من ماء} وليس بماء لكن لما كان بدل الماء في العرف عندنا عد ماء، ثم نعته بـ {صديد} كما تقول: هذا خاتم حديد، و"الصديد" القيح والدم، وهو ما يسيل من أجساد أهل النار، قاله مجاهد والضحاك. وقوله: {يتجرعه ولا يكاد يسيغه} عبارة عن صعوبة أمره عليهم، وروي أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه وسقطت فيها فروة رأسه فإذا شربها قطعت أمعاءه. قال القاضي أبو محمد: وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله. وقوله: {ويأتيه الموت من كل مكان}، أي من كل شعرة في بدنه، قاله إبراهيم التيمي، وقيل من جميع جهاته الست، وقوله: {وما هو بميت} أي لا يراح بالموت، وباقي الآية كأولها، ووصف "العذاب بالغليظ" مبالغة فيه، وقال الفضيل بن عياض: العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وقيل: إن الضمير في {ورائه} هنا هو للعذاب المتقدم.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ } {سبْلنا} {لرسْلهم} أبو عمرو {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا } من ديارنا {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم وحلفوا على ذلك والعود بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن معه فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } القول مضمر أو أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ } أي أرض الظالمين وديارهم. في الحديث: «حديث : من آذى جاره ورثه الله داره»تفسير : {ذٰلِكَ } الإهلاك والإسكان أي ذلك الأمر حق {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي } موقفي وهو موقف الحساب أو المقام مقحم أو خاف قيامي عليه بالعلم كقوله: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }تفسير : [الرعد: 33] والمعنى أن ذلك حق للمتقين {وَخَافَ وَعِيدِ } {عذابي} وبالياء يعقوب {وَٱسْتَفْتَحُواْ } واستنصروا الله على أعدائهم وهو معطوف على أوحى إليهم {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ } وخسر كل متكبر بطر {عَنِيدٍ } مجانب للحق. معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم وقيل: الضمير للكفار ومعناه واستفتح الكفار على الرسل ظناً منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه {مِّن وَرَآئِهِ } من بين يديه {جَهَنَّمُ } وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث ويوقف {وَيُسْقَىٰ } معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى {مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ } ما يسيل من جلود أهل النار، و{صديد} عطف بيان لماء لأنه مبهم فبين بقوله {صديد}

البقاعي

تفسير : ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم والعلم والحكمة، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد، وكان في الكلام ما ربما أشعر بانقضائه، ابتدأ تعالى عنهم محاورة أخرى، عاطفاً لها على ما مضى، فقال: {وقال الذين كفروا لرسلهم} مستهينين بمن قصروا التجاءهم عليه، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة الله عن أوليائه لقولهم: والذي يحلف به! ليكونن أحد الأمرين: {لنخرجنكم من أرضنا} أي التي لنا الآن الغلبة عليها {أو لتعودن في ملتنا} بأن تكفوا عن معارضتنا كما كنتم دعوى الرسالة، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل{أية : جعلوا أصابعهم في آذانهم}تفسير : [نوح:7] وهو مجاز مرسل، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلاً على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله {فأوحى إليهم} أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم، مختصاً لهم بذلك {ربهم} المحسن إليهم الذي توكلوا عليه، تسكيناً لقلوبهم وتسلية لنفوسهم، وأكد لما - لمن ينظر كثرة الكفار وقوتهم - من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافراً، قائلاً: {لنهلكن} بما لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر؛ والإهلاك: إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس {الظالمين *} أي العريقين في الظلم، وربما تبنا على بعض من أخبرنا عنه بأنه كفر، وهو من لم يكن عريقاً في كفره الذي هو أظلم الظلم {ولنسكننكم} أي دونهم {الأرض} أي مطلقها وخصوص أرضهم، وأشار إلى عدم الخلود بالجار فقال: {من بعدهم} بأن نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا، فكأنه قيل: هل ذلك خاص بهم؟ فقيل: لا، بل {ذلك} أي الأمر العالي المرام {لمن خاف مقامي} أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه: ماذا تكون عاقبته فيه، وهو أبلغ من: خافني، {وخاف وعيد *} لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده، فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى {واستفتحوا} على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا {وخاب كل جبار عنيد} فأهلكناهم كلهم، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله؛ والعناد: الامتناع من الحق مع العلم به كبراً وبغياً، من عند عن الحق عنوداً، والجبرية: طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر، وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها. ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقاً، بني للمفعول قوله: {ويسقى} أي فيها {من ماء صديد} وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم {يتجرعه} أي يتكلف بلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدره إلا الله {ولا يكاد يسيغه} ولا يقرب من إساغته، فإن الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس {ويأتيه الموت} أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات {من كل مكان} والمكان: جوهر مهيأ للاستقرار، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته {وما هو بميت} أي بثابت له الموت أصلاً. لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه، والموت: عرض يضاد الإدراك في البنية الحيوانية {ومن ورائه} أي هذا الشخص، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله {عذاب غليظ *} يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه أخذ ما يكون من وراء، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذاباً آخر، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ. فلما فرغ من محاوراتهم، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من بطشه شيء، ضرب لهم في ذلك مثلاً فقال: {مثل} وهو مستعار هنا للصفة التي فيها غرابة {الذين كفروا} مستهينين {بربهم} مثل من قصد أمراً ثم لم ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق، فأبعد كل البعد حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام، ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ضياعاً. ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل، ذكر ما علم منه أن المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما مثلهم؟ فقال: {أعمالهم} أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء الأسرى والجود ونحو ذلك، في يوم الجزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانياً - كما قال الحوفي وابن عطية. وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأنه نفس المثل الذي معناه الصفة {كرماد} وهو ما سحقه الاحتراق سحق الغبار {اشتدت به الريح} أي أسرعت بالحركة على عظم القوة؛ والريح: جسم رقيق مثبت في الجو من شأنه الهبوب، والرياح خمس: شمال وجنوب وصباً ودبور ونكباء {في يوم عاصف} أي شديد الريح، فأطارته في كل صوب، فصاروا بحيث {لا يقدرون} أي يوم الجزاء؛ ولما كان الأمر هنا متمحصاً للأعمال، قدم قوله: {مما كسبوا} في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم {على شيء} بل ذهب هباء منثوراً لبنائه على غير أساس، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد، بل {ذلك} أي الأمر الشديد الشناعة {هو} أي خاصة {الضلال البعيد *} الذي لا يقدر صاحبه على تداركه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم وعدهم واستَفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} قال: وعدهم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. فبين الله تعالى من يسكنها من عباده، فقال {أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان}تفسير : [الرحمن: 46] وإن لله مقاماً هو قائمه، وإن أهل الإِيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا، ودأبوا الليل والنهار. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حديث : لما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} [التحريم: 6] تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات ليلة، فخر فتى مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده، فإذا هو يتحرك، فقال:"يا فتى. قل لا إله إلا الله. فقالها. فبشره بالجنة. فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال: أما سمعتم قوله تعالى {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا، عن عبد العزيز بن أبي رواد - رضي الله عنه - قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {أية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} تفسير : [التحريم: 6] ولفظ الحكيم، حديث : لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية، تلاها على أصحابه وفيهم شيخ. ولفظ الحكيم، فتى. فقال: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا. فوقع مغشياً عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي، فناداه فقال: قل لا إله إلا الله. فقالها، فبشره بالجنة: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ فقال: نعم، يقول الله عز وجل {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}". تفسير : وأخرج الحاكم من طريق حماد بن أبي حميد، عن مكحول عن عياض بن سليمان - رضي الله عنه - وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى، قوم يضحكون جهراً في سعة رحمة ربهم، ويبكون سراً من خوف عذاب ربهم، يذكرون ربهم بالغداة والعشي في البيوت الطيبة والمساجد، ويدعونه بألسنتهم رغباً ورهباً، ويسألونه بأيديهم خفضاً ورفعاً، ويقبلون بقلوبهم عوداً وبدءاً، فمؤنتهم على الناس خفيفة، وعلى أنفسهم ثقيلة. يدبّون في الليل حفاة على أقدامهم كدبيب النمل، بلا مرح ولا بذخ، يقرؤون القرآن ويقربون القربان ويلبسون الخلقان، عليهم من الله تعالى شهود حاضرة وعين حافظة، يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة، ليس لهم هم إلا أمامهم. أعدوا الجواز لقبورهم والجواز لسبلهم، والاستعداد لمقامهم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}" تفسير : قال الذهبي - رضي الله عنه - هذا حديث عجب منكر، وأحسبه أدخل علي بن السماك - رضي الله عنه - يعني شيخ الحاكم الذي حدثه به. قال: ولا وجه لذكره في هذا الكتاب - يعني المستدرك - قال: وحماد ضعيف. ولكن، لا يحتمل مثل هذا، ومكحول مدلس وعياض لا يدري من هو. انتهى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {واستفتحوا} قال للرسل كلها. يقول: استنصروا. وفي قوله {وخاب كل جبار عنيد} قال: معاند للحق، مجانب له. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {واستفتحوا} قال: استنصرت الرسل على قومها {وخاب كل جبار عنيد} يقول: بعيد عن الحق، معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في قوله {عنيد} قال: هو الناكب عن الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب - رضي الله عنه - قال: يجمع الله الخلق في صعيد واحد يوم القيامة: الجن والإِنس والدواب والهوام، فيخرج عنق من النار فيقول: وكلت بالعزيز الكريم والجبار العنيد، الذي جعل مع الله إلهاً آخر. قال: فيلقطهم كما يلقط الطير الحب فيحتوي عليهم، ثم يذهب بهم إلى مدينة من النار، يقال لها: كيت وكيت، فيثوون فيها ثلثمائة عام قبل القضاء. وأخرج الترمذي وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصوّرين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج عنق من النار يوم القيامة، فيتكلم بلسان طلق ذلق، له عينان يبصر بهما ولسان يتكلم به، فيقول: إني أمرت بكل جبار عنيد، ومن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير نفس، فتنضم عليهم فتقذفهم في النار قبل الناس بخمسمائة سنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حق على الله أن يسكنه كل جبار ". تفسير : وأخرج الطستي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {كل جبار عنيد} قال: الجبار، العيار، والعنيد الذي يعند عن حق الله تعالى. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : مصر على الحنث لا تخفى شواكله يا ويح كل مصر القلب جبار تفسير : وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} قال: "حديث : يقرب إليه فيتكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره"تفسير : . يقول الله تعالى {أية : وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم} تفسير : [محمد: 15] وقال {أية : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه}تفسير : [الكهف: 29]. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {من ماء صديد} قال: ما يسيل بين جلد الكافر ولحمه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {ويسقى من ماء صديد} قال: القيح والدم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور، عن مجاهد في قوله {من ماء صديد} قال: دم وقيح. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ويسقى من ماء صديد} قال: ماء يسيل من بين لحمه وجلده. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن - رضي الله عنه - قال: لو أن دلواً من صديد جهنم دلي من السماء فوجد أهل الأرض ريحه، لأفسد عليهم الدنيا.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لعل هؤلاء القائلين بعضُ المتمردين العاتين الغالين في الكفر من أولئك الأممِ الكافرة التي نُقِلت مقالاتُهم الشنيعة دون جميعهم كقوم شعيبٍ وأضرابِهم ولذلك لم يُقل وقالوا {لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} لم يقنَعوا بعصيانهم الرسلَ ومعاندتهم الحقَّ بعد ما رأوا البـيناتِ الفائتةَ للحصر حتى اجترأوا على مثل هاتيك العظيمةِ التي لا يكاد يحيط بها دائرةُ الإمكانِ فحلفوا على أن يكون أحدُ المُحالَيْن، والعَودُ إما بمعنى مطلق الصيرورة أو باعتبار تغليبِ المؤمنين على الرسل، وقد مر في الأعراف وسيأتي في الكهف { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} تفسير : أي إلى الرسل {رَّبُّهُمْ} مالكِ أمرهم عند تناهي كفرِ الكفرة وبلوغِهم من العتو إلى غاية لا مطمَعَ بعدها في إيمانهم {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} على إضمار القولِ أو على إجراء الإيحاءِ مُجراه لكونه ضرباً منه. {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ} أي أرضَهم وديارَهم عقوبةً لهم بقولهم: لنُخرجَنّكم من أرضنا كقوله تعالى: { أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا} تفسير : [الأعراف: 137] {مّن بَعْدِهِمْ} أي من بعد إهلاكِهم، وقرىء ليُهلكَن وليُسكِنَنّكم بالياء اعتباراً لأوحىٰ، كقولهم: حلف زيد ليخرُجَنّ غداً {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الموحىٰ به وهو إهلاكُ الظالمين وإسكانُ المؤمنين ديارَهم أي ذلك الأمرُ محققٌ ثابت {لِمَنْ خَافَ مَقَامِى} موقفي، وهو الموقفُ الذي يقف فيه العبادُ يوم يقومُ الناسُ لرب العالمين، أو قيامي عليه وحفظي لأعماله، وقيل: لفظُ المقام مُقحَمٌ {وَخَافَ وَعِيدِ} وعيدي بالعذاب أو عذابـيَ الموعودَ للكفار، والمعنى أن ذلك حقٌّ للمتقين كقوله: {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}. تفسير : [الأعراف: 128].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ}. لما عجز الأعداءُ عن معارضة الأنبياء عليهم السلام في الإتيان بمثل آياتهم أخذوا في الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن الأوطان، والتشريد في البلدان, وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلَّهم من الأمر، ومَكَّن لهم من مساكن أعدائهم بما قَوَّى قلوبهم على الصبرعلى مقاساة بلائهم فقال: {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ}، وقال: {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. {وَخَافَ وَعِيدِ}: أي خاف مقامه في محل الحساب غداً فأناب إلى نفسه على وجه التخصيص. ويقال خاف مقامي أي هاب إطلاعي عليه، فالأول تذكير المحاسبة في الآجل، والثاني تحقيق المراقبة في العاجل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ارضنا} من مدينتنا وديارنا {او لتعودن فى ملتنا} عاد بمعنى صار والظرف خبر اى لتصيرن فى اهل ملتنا فان الرسل لم يكونوا فى ملتهم قط الا انهم لما يظهروا المخالفة لهم وقبل الاصطفاء اعتقدوا انهم على ملتهم فقالوا ما قالوا على سبيل التوهم او بمعنى رجع والظرف صلة الخطاب لكل رسول ومن آمن به فغلبوا فى الخطاب الجماعة على الواحد اى لتدخلن فى ديننا وترجعن الى ملتنا وهذا كله تعزية للنبى عليه السلام ليصبر على اذى المشركين كما صبر من قبله من الرسل {فاوحى اليهم} اى الى الرسل {ربهم} مالك امرهم عند تناهى كفر الكفرة بحيث انقطع الرجاء عن ايمانهم وقال {لنهلكن الظالمين} اى المشركين فان الشرك لظلم عظيم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (واستفتحوا): معطوف على (أوحى)؛ إن كان الضمير للرسل، واستئناف إن كان للكفار. و(يسْقى): معطوف على محذوف، أي: يلقى فيها ويسْقى، و(صديد): عطف بيان لماء، و(يتجرعه): صفة لماء، أو حال من ضمير (يسقى). يقول الحق جل جلاله: {وقال الذين كفروا لِرُسُلهم}؛ تخويفاً لهم: والله {لنُخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودُنَّ في ملَّتنا}، حلفوا ليكونن أحد الأمرين؛ إما إخراج الرسل من ديارهم، أو عودهم إلى ملتهم، والعود هنا بمعنى الصيرورة؛ لأنهم لم يكونوا على ملتهم، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول، ولمن آمن معه، فغلّب الجماعة على الواحد، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم: لنخرجنك، أو لتعودَن في ملتنا. {فأوحى إليهم ربُّهم} أي: إلى رسلهم، مجتمعين أو متفرقين ـ على القولين ـ وقال في إيحائه: والله {لَنُهلكنَّ الظالمين} فتخلى بلادهم، {ولَنُسْكِنَنكُم الأرضَ من بَعدهم} أي: أرضهم وديارهم، لقوله: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا &#1649}تفسير : [الأعراف: 137]. {ذلك} الميراث والإسكان {لمن خاف مقامِي} أي: قيامه للحساب بين يدي في القيامة، أو قيامي على عبادي، وحفظي لأعمالهم، واطلاعي على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي وجلالي، {وخاف وعيد} أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار. {واستفتحوا} أي: استفتح الرسل: طلبوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، كقوله: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89]؛ واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، أي: أهلكه. أو: استفتح الفريقان معاً، فكل واحد منهما سأل الله أن يُهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: بكسر التاء؛ على الأمر للرسل بطلب الفتح. {وخاب}: خسر {كلُّ جبارٍ}: متكبر على الله، {عنيدٍ}: معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم، وهو: خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين. ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله: {من ورائه جهنمُ} أي: أمامه وبين يديه، فإنه مرْصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها، {ويُسقى من ماءٍ صديد}، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. {يتجرَّعُه}: يتكلف جرعه، أي: زهوقه في حلقه. رُوي: "أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدْنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه". فيتجرعه {ولا يكادُ يُسيغُه} أي: لا يقارب أن يُسيغه، أي: يبتلعه بصعوبة فكيف يُسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه؛ لأن نفي "كاد" يقتضي الوقوع. والسوغ: جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه. {ويأتيه الموتُ} أي: أسباب الموت {من كل مكانٍ}؛ من أجل الشدائد التي تُحيط به من جميع الجهات. أو: من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. {وما هو بميت} فيستريح، {ومن ورائهِ}: من بين يديه {عذابٌ غليظ} أي: يستقبل في كل وقت عذاباً أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل: قوله: {واستفتحوا}: كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم ـ بَدَلاً من سقياهم المطر ـ صديدَ أهل النار. قال معناه البيضاوي. الإشارة: ما خوَّفت الكفارُ به، رسلَهم خوفت به العوام فقراءَهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال: ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وأنَّ غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سُطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المُحب والمبغض، والمسلّم والمنتقد. ثم قال: فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أُخْرِجَ أبو زيد البسطامي من بسطام مراراً، ورُفِع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضُيِّقَ على الفقراء، وقُبض على الحلاج، وضُرب، ومُثَّل به، على أنه ساحر زنديق. هـ. المراد منه. قلت: وقد وقع بنا في مدينة تِطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خُوفنا بالضرب مراراً، وسُجِنا وأُخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبُهُم: والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له: حبّاً وكرامة، ولعلّنا نُذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية: {وقال الذين كفروا لرسلهم...} الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مُسلماً. وبالله التوفيق. ثمَّ ضرب مثلاً لعمل الكفار.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن الكفار انهم قالوا لرسلهم {لنخرجنكم من أرضنا} وبلادنا إِلا ان تدخلو في أدياننا، ومذاهبنا، فحينئذ اوحى الله تعالى الى رسله إِنا نهلك هؤلاء الظالمين الكافرين، ونسكنكم الارض بعدهم ذلك جزاء {لمن خاف مقامي} اي حيث يقيمه الله بين يديه، وأضافه الى نفسه، كما قال {أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}تفسير : اي رزقي اياكم قال الفراء: والعرب تضيف افعالها الى انفسها والى ما وقعت عليه، يقولون سررت برؤيتك، وسررت برؤيتي إِياك، وندمت على ضربك وضربي اياك، وخاف وعيدي وعقابي، وانما قالوا {أو لتعودن في ملتنا} وهم لم يكونوا على ملتهم قط لامرين: احدهما - انهم توهموا - ذلك على غير حقيقة - انهم كانوا على ملتهم. الثاني - انهم ظنوا بالنشوء انهم كانوا عليها دون الحقيقة. واللام في قوله {ولنخرجنكم} لام القسم والتي في قوله {أو لتعودن} ايضاً مثل ذلك إِلا ان فيه معنى الجزاء، لان التقدير لنخرجنكم من ارضنا إِلا ان تعودوا أو حتى ان تعودوا، وهو مثل قول القائل: والله لا أكلمك او تدعوني. والمعنى إِلا أن، او حتى تدعوني.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ذكر العود لاعتقادهم انّ رسلهم (ع) قبل اظهار الرّسالة كانوا على دينهم {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} تقوية لتوكّلهم وصبرهم {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} هذا الخطاب لجميع الرّسل فى العوالم الانسانيّة واسكانهم فى الارض الصّغيرة الانسانيّة وكان لبعض الرّسل فى العالم الكبير {ذٰلِكَ} الاهلاك او الاهلاك واسكان الرّسل (ع) {لِ} انتفاع {مَنْ خَافَ} او ذلك الاهلاك والاسكان كما يكون للرّسل فهو ثابت لمن خاف {مَقَامِي} وموقفى للحساب {وَخَافَ وَعِيدِ وَٱسْتَفْتَحُواْ} اى الرّسل (ع) او الامم المنكرة او الجميع لانّ كلاّ استفتحوا من الله والمعنى طلبوا الفتح على اعدائهم او الفتاحة والحكومة بينهم وبين اعدائهم {وَخَابَ} فى ذلك الاستفتاح {كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} متكّبر معاندٍ للحقّ منكر له.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا} مجازاة ولئلا يتبعهم الناس {أوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} أى لا بد من أحد الأَمرين إِما الإِخراج من الأَرض، وإِما العود فى ملة الكفرة وهى دينهم وأخروه لأَنه ليس مما يفعلونه بالرسل قهراً بخلاف الإِخراج فقدموه ليفسدوا أنفسهم منه بالعود فى ملتهم وإِنما قالوا أو لتعودن مع أنهم لم يكونوا قط فى دين الكفر، لأَن العود هنا بمعنى الصيرورة أى لا تصيرن فى ملتنا وذلك كثير أو لأَنهم خاطبوا به الرسل ومن آمن بهم فغلبوا من آمن فصح التعبير بالعود على ظاهره لأَن من آمن كان فى الكفر وإِذا كفر بعد إِيمانه فقد عاد فى الكفر، وإِنما غلبوا من آمن لأَنه جماعة أو عبروا بالعود لأَنهم ظنوا أن الرسل قبل البعثة كانوا فى ملتهم إِذ لم يظهروا قبلها مخالفتهم وإِن قلت كيف أجزت أن يكون الخطاب للرسل ومن آمن بهم ولم يذكروا الله سبحانه إِلا الرسل، قلت ذكر الرسل لا بطريق الحصر فجاز أن يكون المراد: وقال الذين كفروا لرسلهم وللمؤمنين بهم، حذف المؤمنين بقرينة ذكر العود فى الملة إِذ هم الذين كانوا فيها ثم انتقدوا واقتصر على ذكر الرسل لأَنهم الأَصل فى الإِيمان والمعتبر كما يقتصر على ذكر الملك والمراد هو ورعيته، قيل عدى بفى لتضمن معنى المدخول وإِلا تعدى بإِلى والله أعلم. {فَأَوْحَى إِليْهم} إلى الرسل {رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} لأَنفسهم وغيرهم بالشرك والمعاصى والاعتداء وهم الذين كفروا القائلون لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا وجملة لنهلكن والقسم مقدر لمقول لأَوحى لأَنه بمعنى القول أو مقول القول بمحذوف أى فقال لنهلكن الظالمين.

اطفيش

تفسير : {وقَالَ الَّذِينَ كَفرُوا لِرُسُلِهِمْ} هم الكفرة المتمردون المؤذون للرسل القائلون إِن أَنتم إِلا بشر إِلخ، أَو الكفار مطلقا فإِن ضعفاءَهم راضون بالقول فكأَنهم قالوا لرسلهم {لَنُخْرِجنَّكُمْ} لمخالفتكم ملتنا {مِنْ أَرْضِنَا} لكثرة الكفرة ومعاضدتهم وقبحهم ينسبون الأَرض لأَنفسهم مع أَنها مشتركة بينهم وبين المسلمين، والمسلمون أَحق بها كما قال كفار قريش يوم الحديبية: ارجع العام لئَلا يتحدث الناس أَنك دخلت مدينتنا وأَرضنا بغير إِذننا {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} لتصيرن فى ملتنا، أَو لتدخلن فى ملتنا، وإِلا فليسوا فيها، قيل: فعبر بالمطلق عن المقيد الذى هو الكون فى الشىءِ بعد الانصراف عنه، أَو هو على ظاهره، توهموا أَن الرسل أَشركوا، قيل: لأَنهم نشأُوا معهم فى أَرض الشرك، إِذا ربما لم ينهوا المتمردين قبل الإِرسال لعدم قدرتهم، ولو نهوا غيرهم، أَو الخطاب لمجموع الرسل، ومن آمن بعد إِشراكه من أَتباع، فغلبوا على الرسل لأَنهم أَكثر وقد كانوا فى الشرك، وغلبوا الرسل عليهم فى الخطاب على أَن أَتباعهم غير حاضرين فى حال الخطاب، حصروا أَمرهم فى أَحد أَمرين: مقدور لهم وهو الإِخراج، وغير مقدور، فروعى المقدور عليه فكفى عن غيره وهو الكون فى ملتهم، أَو ادعوا القدرة على إِجبارهم إلى الملة، والمراد على الأَول، إِن لم تدخلوها أَخرجناكم، ويدل على أَن الخطاب للرسل خطابهم شعيبا بقولهم أَو لتعودن {فَأَوْحى} بعد هذه المحاورة بسببها {إِلَيْهِم رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمينَ} هؤلاءِ الكفرة المتمردين وأَهلكهم بعضا بالغرق وبعضا بالريح وبعضا بالصيحة وبعضا بالبعوض وهكذا، ولم يقل لنهلكنهم ليحضر فى اللفظ موجب الإِهلاك، وهو الظلم بالإِشراك، وظلم غيرهم {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} بعد إِهلاكهم، وهى شاملة للديار والأَُصول، والأَرض هى المذكورة التى قالوا فيها: لنخرجنكم، وجملة القسم وجوابه مفعول لأَوحينا لتضمنه معنى قلنا، أَو يقدر القول، والذى لا محل له أَبدا هو الجواب لا مع القسم، وهذا الخطاب للرسل وأَتباعهم كقوله تعالى:" أية : وأَورثنا القوم"تفسير : [الأعراف: 137] الاية، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من آذى جاره أَورثه الله داره"تفسير : قال فى الكشاف: كان لى خال يظلمه عظيم القرية التى أَنا منها ويؤذينى فيه، فمات، فملكنى الله ضيعته، فنظرت يوما إِلى أَبناءِ خالى يترددون فيها، ويدخلون فى دورها ويأْمرون وينهون، فذكرت لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجدنا شكرا لله تعالى {ذلِكَ} أَى ما ذكر من الإِهلاك والإِسكان، أَو ذلك الإسكان {لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ} نهلك له الظالمين ونسكنه كما فعلنا بمن ذكر قبل هذه الأُمة، أَو المراد من ذكر على معنى التقابل أَى لأَنهم خافوا مقامنا ووعيدنا ومقامى، فموقفى وهو الموقف الذى يقف فيه المكلف، وأَضافه لنفسه لا لكونه يقف فيه - حاشاه - بل لأَنه ملكه خلقه ليحكم فيه للعبد أَو عليه، أَو زمان قيامى على كل نفس بما كسبت للجزاءِ لا أَنسى ولا يفوتنى شىءٌ، أَو خاف قيامى بذلك، ويبعد أَن يكون من إِقحام الاسم أَى لمن خافنى، فزاد لفظ مقام كقوله: ثم اسم السلام، ودمشق الشام وبغداد العراق، بزيادة الشام والعراق، وإِلى حضرتكم وسلام على مجلسكم لأَن ذلك ضعيف مع احتمال بعض هذه الأَمثلة، والوعيد، الإِخبار بالشر على أَهله، أَو بمعنى موعودى السىءِ على الكفر، وكرر الخوف لمبالغتهم فى الخوف، أَو لأَن الأَول خوف إِجلال، والثانى خوف عقاب.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قيل: لعل هؤلاء القائلين بعض المتمردين في الكفر من أولئك الأمم الكافرة التي نقلت مقالاتهم الشنيعة دون جميعهم كقوم شعيب وأضرابهم ولذلك لم يقل: وقالوا، {لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} وجوز أن يكون المراد بهم أهل الحل والعقد الذين لهم قدرة على الإخراج والإدخال، ويكون ذلك عِلَّة للعدول عن قالوا أيضاً، و {أَوْ } لأحد الأمرين، ومرادهم ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم، فالمقسم عليه في وسع المقسم، والقول بأنها بمعنى حتى أو إلا أن قول من لم يمعن النظر كما في "البحر" فيما بعدها إذ لا يصح تركيب ذلك مع ما ذكر كما يصح في لألزمنك أو تقضيني حقي، والمراد من العود الصيرورة والانتقال من حال إلى أخرى وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى، فيندفع ما يتوهم من أن العود يقتضي أن الرسل عليهم السلام كانوا وحاشاهم في ملة الكفر قبل ذلك. واعترض في "الفرائد" بأنه لو كان العود بمعنى الصيرورة لقيل إلى ملتنا فتعديته بفي يقتضي أنه ضمن معنى الدخول أي لتدخلن في ملتنا. ورده الطيبـي بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان {فِى مِلَّتِنَا} صلة الفعل إما إذا جعل خبراً له لأن صار من أخوات كان فلا يرد كما في نحو صار زيد في الدار. نعم يفهم مما ذكره وجه آخر وهو جعله مجازاً بمعنى تدخلن لا تضميناً لأنه على ما قرروه يقصد فيه المعنيان فلا يدفع المحذور. وفي "الكشف" أن {فِى} أبلغ من إلى لدلالته على الاستقرار والتمكن كأنهم لم يرضوا بأن يتظاهروا أنهم من أهل ملتهم، وقيل: المراد من العود في ملتهم سكوتهم عنهم وترك مطالبتهم بالإيمان وهو كما ترى، وقيل: هو على معناه المتبادر والخطاب لكل رسول ولمن آمن معه من قومه فغلبوا الجماعة على الواحد، فإن كان الجماعة حاضرين فالأمر ظاهر وإلا فهناك تغليب آخر في الخطاب، وقيل: لا تغليب أصلاً والخطاب للرسل وحدهم بناء على زعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل إظهار الدعوة كقول فرعون عليه اللعنة لموسى عليه السلام: {أية : وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 19] وقد مر الكلام في مثل ذلك فتذكر. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } أي إلى الرسل عليهم السلام بعد ما قيل لهم ما قيل {رَّبُّهُمْ} مالك أمرهم سبحانه {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي المشركين المتناهين في الظلم وهم أولئك القائلون، وقال ابن عطية: خص سبحانه الظالمين من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة ناس فالتوعد بإهلاك من خلص للظلم، و {أَوْحَىٰ } يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإيحاء فلا مفعول له {ولنهلكن} على إضمار القول أي قائلاً لنهلكن، ويحتمل أن يكون جارياً مجرى القول لكونه ضرباً منه {ولنهلكن} مفعوله.

ابن عاشور

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ}. تغيير أسلوب الحكاية بطريق الإظهار دون الإضمار يؤذن بأن المراد بــــ {الذين كفروا} هنا غير الكافرين الذين تقدمت الحكاية عنهم فإن الحكاية عنهم كانت بطريق الإضمار. فالظاهر عندي أن المراد بــــ {الذين كفروا} هنا كفار قريش على طريقة التوجيه. وأن المراد بــــ {رُسُلِهم} الرسولُ ــــ محمّد صلى الله عليه وسلم أجريت على وصفه صيغة الجمع على طريق قوله: { أية : الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون } تفسير : في سورة غافر (70). فإن المراد المشركون من أهل مكة كما هو مقتضى قوله: فسوف يعلمون وقوله: { أية : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } تفسير : [سورة الحديد: 25] إلى قوله: { أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } تفسير : [سورة الحديد: 25]، فإن المراد بالرسل في الموضعين الأخيرين الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لأنه الرسول الذي أنزل معه الحديد، أي القتال بالسيف لأهل الدعوة المكذبين، وقوله: { أية : فكذبوا رسلي } تفسير : في سورة سبأ (45) على أحد تفسيرين في المراد بهم وهو أظهرهما. وإطلاق صيغة الجمع على الواحد مجاز: إما استعارة إن كان فيه مراعاة تشبيه الواحد بالجمع تعظيماً له كما في قوله تعالى: { أية : قال رب ارجعون } تفسير : [سورة المؤمنون: 99]. وإما مجاز مرسل إذا روعي فيه قصد التعمية، فعلاقته الإطلاق والتقييد. والعدول عن الحقيقة إليه لقصد التعمية. فلا جرم أن يكون المراد بـ {الذين كفروا} هنا كفار مكة ويؤيده قوله بعد ذلك {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} فإنه لا يعرف أن رسولاً من رسل الأمم السالفة دخل أرض مكذّبيه بعد هلاكهم وامتلكها إلا حديث : النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع «منزلُنا إن شاء الله غداً بالخَيْف خَيْفَ بني كنانة حيثُ تقاسموا على الكفر» تفسير : . وعلى تقدير أن يكون المراد بــــ {الذين كفروا} في هذه الآية نفس المراد من الأقوام السالفين فالإظهار في مقام الإضمار لزيادة تسجيل اتصافهم بالكفر حتى صار الخصلة التي يعرفون بها. وعلى هذا التقدير يكون المراد من الرسل ظاهرَ الجمع فيكون هذا التوعد سنة الأمم ويكون الإيماء إليهم به سنة الله مع رسله. وتأكيد توعدهم بالإخراج بلام القسم ونون التوكيد ضراوة في الشر. و(أو) لأحد الشيئين، أقسموا على حصول أحد الأمرين لا محالة، أحدهما من فعل المقسمين، والآخر من فعل مَن خوطب بالقسم، وليست هي {أو} التي بمعنى {إلى} أو بمعنى {إلاّ}. والعود: الرجوع إلى شيء بعد مفارقته. ولم يكن أحد من الرسل متبعاً ملّة الكفر بل كانوا منعزلين عن المشركين دون تغيير عليهم، فكان المشركون يحسبونهم موافقين لهم، وكان الرسُل يتجنبون مجتمعاتهم بدون أن يشعروا بمجانبتهم، فلما جاءُوهم بالحق ظنّوهم قد انتقلوا من موافقتهم إلى مخالفتهم فطلبوا منهم أن يعودوا إلى ما كانوا يحسبونهم عليه. والظرفية في قوله: {في ملتنا} مجازية مستعملة في التمكن من التلبس بالشيء المتروك فكأنه عاد إليه. والملّة: الدين. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً } تفسير : في آخر سورة الأنعام (161)، وانظر قوله: { أية : فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً } تفسير : في أوائل سورة آل عمران (95). وتفريع جملة {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} على قول الذين كفروا لرسلهم {لنخرجنكم من أرضنا} [سورة إبراهيم: 13] الخ تفريع على ما يَقتضيه قول الذين كفروا من العزم على إخراج الرسل من الأرض، أي أوحى الله إلى الرسل ما يثبت به قلوبهم، وهو الوعد بإهلاك الظالمين. وجملة {لنهلكن الظالمين} بيان لجملة (أوحى..). وإسكان الأرض: التمكين منها وتخويلها إياهم، كقوله: { أية : وأورثكم أرضهم وديارهم } تفسير : [سورة الأحزاب: 27]. والخطاب في {لنسكننكم} للرسل والذين آمنوا بهم، فلا يقتضي أن يسكن الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون، كما مكن الله لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها. {ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ}. {ذلك} إشارة إلى المذكور من الإهلاك والإسكان المأخوذين من {لنهلكن}، و{لنسكننكم}. عاد إليهما اسم الإشارة بالإفراد بتأويل المذكور، كقوله: { أية : ومن يفعل ذلك يلق آثاماً } تفسير : [سورة الفرقان: 68]. واللام للملك، أي ذلك عطاء وتمليك لمن خاف مقامي، كقوله تعالى: {أية : ذلك لمن خشي ربه} تفسير : [سورة البينة: 8]. والمعنى: ذلك الوعد لمن خاف مقامي، أي ذلك لكم لأنكم خفتم مقامي، فعدل عن ضمير الخطاب إلى {من خاف مقامي} لدلالة الموصول على الإيماء إلى أن الصلة علة في حصول تلك العطية. ومعنى {خاف مقامي} خافني، فلفظ {مقام} مقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله، كقوله تعالى: { أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان } تفسير : [الرحمٰن: 46]، لأن المقام أصله مكان القيام، وأريد فيه بالقيام مطلق الوجود لأن الأشياء تعتبر قائمة، فإذا قيل {خاف مقامي} كان فيه من المبالغة ما ليس في (خافني) بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه. كما يقال: قصّر في جانبي. ومنه قوله تعالى: { أية : على ما فرطت في جنب الله } تفسير : [سورة الزمر: 56]. وكل ذلك كناية عن المضاف إليه كقول زياد الأعجم: شعر : إن السماحة والمروءة والندى في قُبة ضُربت على ابن الحشرج تفسير : أي في ابن الحشرج من غير نظر إلى وجود قبة. ومنه ما في الحديث إن الله لما خلق الرحم أخذت بساق العرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، أي هذا العائذ بك القطيعة. وخوف الله: هو خوف غضبه لأن غضب الله أمر مكروه لدى عبيده. وعطف جملة {وخاف وعيد} على {خاف مقامي} مع إعادة فعل {خاف} دون اكتفاء بعطف {وعيدي} على {مقامي} لأن هذه الصلة وإن كان صريحها ثناءً على المخاطبين فالمراد منها التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله، ولولا ذلك لكانت جملة {خاف مقامي} تغني عن هذه الجملة، فإن المشركين لم يعبأوا بوعيد الله وحسبوه عبثاً، قال تعالى: { أية : ويستعجلونك بالعذاب } تفسير : [سورة الحج: 47]، ولذلك لم يجمع بينهما في سورة البينة (8) { أية : ذلك لمن خشي ربه }، تفسير : لأنه في سياق ذكر نعيم المؤمنين خاصة. وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم فكان المقام للفريقين، فجمع في جزاء المؤمنين بإدماج التعريض بوعي الكافرين، وفي الجمع بينهما دلالة على أن من حق المؤمن أن يخاف غضب ربه وأن يخاف وعيده، والذين يخافون غضب الله ووعيده هم المتقون الصالحون، فآل معنى الآية إلى معنى الآية الأخرى { أية : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } تفسير : [سورة الأنبياء: 105]. وقرأ الجمهور {وعيد} بدون ياء وصلاً ووقفاً. وقرأه ورش عن نافع ــــ بدون ياء ــــ في الوقف وبإثباتها في الوصل. وقرأه يعقوب ــــ بإثبات الياء ــــ في حالي الوصل والوقف. وكل ذلك جائز في ياء المتكلم الواقعة مضافاً إليها في غير النداء. وفيها في النداء لغتان أخريان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}. بين الله تعالى في هذه الكريمة أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي وقد نص في آيات أخر أيضاً على بعض ذلك مفصلاً كقوله من قوم شعيب {أية : لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ}تفسير : [الأعراف: 88 - 89] الآية وقوله عن قوم لوط {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [النمل: 56] وقوله عن مشركي قريش {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 76] وقوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى رسله أن العاقبة والنصر لهم على أعدائهم وأنه يسكنهم الأرض بعد إهلاك أعدائهم وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171 - 173] وقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [المجادلة: 21] وقوله {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [غافر: 51] الآية. وقوله: {أية : قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128] وقوله: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}تفسير : [الأعراف: 137] إلى غير ذلك من الآيات.

القطان

تفسير : الملة: الدين والشريعة. استفتحوا: طلبوا النصر. كل جبار عنيد: كل عال متكبر معاند. ماء صديد: ماء قبيح الطعم في جهنم. لا يكاد يسيغه: لا يستطيع ان يبلعه. عذاب غليظ: شديد. بعد ان ذكر اللهُ ما دار من الحِوار والجَدَل بين الرسُل وأَقوامهم، وبيّن الحججَ المقْنعةَ التي جاء بها الرسل الكرام، ولم يستطع الذين كفروا ان يردّوا عليها - لم يجدوا وسيلةً الا استعمال القوّة مع أنبيائهم، وتلك حجة المغلوب، فخيّروا رسُلَهم بين أمرين: الخروج من الديار، أو العودة الى ملّة الآباء والأجداد. فأوحى الله تعالى الى أنبيائه أن العاقبة لهم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ}. وقال الطغاة من زعماء الكافرين لما أعْيَتْهُم الحيلةُ، وعجزوا عن مقاومة الدليل.. قالوا لرسلهم: لكم احد امرين، إما ان نُخرجَكم من أرضِنا، أو أن تعودوا إلى عبادةِ الأوثان، ديننا القائم، فأوحى الله الى رسُله مثبتا لهم: لا تخافوا، سنُهلك الظالمين. {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. إننا سنجعلكم تسكنون ارضهم بعد اهلاكهم.. هكذا أفعل بمن خاف موقفه بين يديّ يوم القيامة، وخاف وعيدي فاتّقاني بطاعتي، فلم يفسد في الأرض، ولم يظلم الناس. ووقف الطغاة المتجبّرون، ووقف الرسُل المتواضِعون ومعهم قوة الله، ودعا كلاهما بالنصر والفتح، وكانت العاقبة للرسُل. {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}. وطلب الرسُلُ على أقوامهم من الله لما يئسوا من إيمانهم، وطلبت تلك الأقوامُ النصر لنفسِها، فنصر اللهُ رسلَه، وخسِرَ كلُّ جبار متكبر عنيد. {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ}. إن جهنم لذلك الجبَّار الخاسر بالمرصاد، سيصلاها يوم القيامة وشرابُه فيها ماء كريه. {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}. إنها صورةٌ مرعبة وخيبة أمل لهؤلاء الكفار المعاندين، يتجرّعون ذلك الماء الكريه فلا يكادون يستسيغونه لقذراته، وتحيط بهم أسبابُ الموت من كل جِهة، وما هم بميّتِين في جهنم، ولهم عذابٌ مؤلم شديد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} (13) - وَلَمَّا عَجَزَ رُؤُوسُ الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ عَنْ مُقَارَعَةِ الحُجَّةِ بِالحُجَّةِ، عَمَدُوا إِلى تَهْدِيدِ الرُّسُلِ بِالنَّفْيِ وَالإِخْراجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، إِنْ لَمْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى الرُّسُلِ: أَنَّهُ تَعَالَى سَيُهْلِكُ هؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الظَّالِمِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا نرى أن فاشية الخير حين فَشَتْ في الناس؛ يغضب منها المستفيدون من الفساد والذين يعيشون عليه؛ ويتجه تفكير المفسدين إلى ضرورة إخراج خمائر الخير من الأرض التي يعيش المفسدون على الاستفادة من أهلها. وإنْ عَزَّتْ الأرض على خمائر الخير، فعليهم أن يعلنوا عودتهم إلى ديانة الكافرين. ولا يقال: عُدْت إلى الشيء إلا إذا كنتُ في الشيء ثم خرجتُ عنه وعُدْتُ إليه. هل كان الرسل الذين يُهدِّدهم أهل الكفر بالإخراج من البلاد؛ يقبلون العودة إلى ديانة الكفر؟ طبعاً لا؛ ولذلك نفهم من قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ..} [إبراهيم: 13]. بمعنى "أو لتصيرن في ملتنا". ولم يقبل الرسل تلك المُساوَمة؛ ذلك أن الحق سبحانه وتعالى يُنزِل جنود التثبيت والطمأنينة والسكينة على قلوب رُسُله والمؤمنين؛ فلا يتأثر الرسل ومَنْ معهم بمثل هذا الكلام. وهذا ما يُعبِّر عنه قَوْل الحق سبحانه في آخر الآية: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13]. وهكذا يأتي القانون السماوي بالعدل وهو إهلاك الظالمين، وتلك قضية إيمانية باقية ودائمة أبداً. ويكمل الحق سبحانه وعده لرسله ومَنْ معهم من المؤمنين: {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: أدى أمر استكبارهم واستنكارهم وتكذيبهم إلى أن {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ} حين بالغوا في دعوتهم وإهدائهم {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ} أيها المزورون الملبسون {مِّنْ أَرْضِنَآ} إجلاء وإخراجاً على وجه الإهانة والإذلال {أَوْ لَتَعُودُنَّ} منصفين ملجئين {فِي مِلَّتِنَا} التي هي ملة آبائكم وأسلافكم {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} حين اشتد الأمر إليهم واضطروا من ظلمهم وطغيانهم، قائلاً لهم على سبيل الوعد والتبشير: لا تبالوا أيها الرسل المبلغون كلمة الحق إليهم من تهديداتهم وتشنيعاتهم، ولا تخافوا من شوكتهم وصولتهم نحن أقوى منهم {لَنُهْلِكَنَّ} بمقتضى قهرنا وجلالنا ونستأصلن {ٱلظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] الخارجين عن ربقة إطاعتكم وانقيادكم. {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ} ونقررنكم {ٱلأَرْضَ} التي هم يريدون إخراجكم منها مهانين صاغرين {مِن بَعْدِهِمْ} أي: أهلاكهم واستئصالهم {ذٰلِكَ} أي: إهلاك العدو وإيراث الأرض والديار {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي: للمؤمنين الموعدين الخائفين عن قيامي وحفظي واطلاعي لجميع أحوال عبادي، وبسبب خوفهم هذا لا يخرجون عن متقضى نهيي وأمري {وَ} مع ذلك الخوف {خَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] أي: عن وعيدي في يوم الجزاء بأنواع العذاب والنكال. ومن غاية خوفهم ورعبهم عن الوعيدات الأخروية استعدوا لها، وهيأوا أسباب النجاة منها، جعلنا الله ممن هيأ أسباب أخراه في أولاه {وَ} كيف لا ينصرهم الحق ولا يهلك عدوهم؛ إذ هم {ٱسْتَفْتَحُواْ} واستنصروا من الله، وطلبوا الفتح والنصرة على أعدائهم، مفوضين أمورهم كلها، مسلمين نفوسهم وأرواجهم على قضائه؛ لذلك فتح سبحاه عليهم ونصرهم على عدوهم {وَخَابَ} خيبة أبدية وخسر خسراناً سرمدياً {كُلُّ جَبَّارٍ} متكبر متجبر عكلى ا لله وعلى عباده {عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15] مبالغ في العتو والعناد مع أنبيائه ورسله. ومع ذلك لا يقتصر عليهم بالعذاب العاجل، بل {مِّن وَرَآئِهِ} أي: وراء العذاب الدنيوي {جَهَنَّمُ} العبد والخذلان والطرد والحرمان {وَيُسْقَىٰ} فيها حين اشتد زفرتهم {مِن مَّآءٍ} أي: مائع كالماء {صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] أي: قيح سائل من جراحات أجساد أهل النار. {يَتَجَرَّعُهُ} بتكلف واضطراب {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: لا يقارب أن يجري على حلقه؛ للزوجته وحرارته والتصاقه {وَ} لعدم إساغته وجوازه {يَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: يأتيه ويتوجه نحوه أسباب الموت من كل عضو من أعضائه؛ لوصول أثر اشتداده ورداءته وبشاعته كل جزء من أجزاء بدنه حتى أصول شعره، فتقشعر من هوله كما يشاهد عند شرب الأدوية الرديئة الكريهة الرائحة واللذة مثل: السقمونياء والحنظل وغير ذلك {وَ} مع إتيان أسباب الموت من جميع الأعضاء {مَا هُوَ بِمَيِّتٍ} حتى يخلص من العذاب، بل {وَمِن وَرَآئِهِ} أي: عقيب سقيه على هذا الوجه {عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] من أنواع العذاب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك وعدم مللهم، ذكر منتهى ما وصلت بهم الحال مع قومهم فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ } متوعدين لهم { لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } وهذا أبلغ ما يكون من الرد، وليس بعد هذا فيهم مطمع، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى بل توعدوهم بالإخراج من ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم وزعموا أن الرسل لا حق لهم فيها، وهذا من أعظم الظلم، فإن الله أخرج عباده إلى الأرض، وأمرهم بعبادته، وسخر لهم الأرض وما عليها يستعينون بها على عبادته. فمن استعان بذلك على عبادة الله حل له ذلك وخرج من التبعة، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع المعاصي، لم يكن ذلك خالصا له، ولم يحل له، فعلم أن أعداء الرسل في الحقيقة ليس لهم شيء من الأرض التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها. وإن رجعنا إلى مجرد العادة فإن الرسل من جملة أهل بلادهم، وأفراد منهم، فلأي شيء يمنعونهم حقا لهم صريحا واضحا؟! هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة بالكلية؟ ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال ما بقي حينئذ إلا أن يمضي الله أمره، وينصر أولياءه، { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } بأنواع العقوبات. { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ } أي: العاقبة الحسنة التي جعلها الله للرسل ومن تبعهم جزاء { لِمَنْ خَافَ مَقَامِي } عليه في الدنيا وراقب الله مراقبة من يعلم أنه يراه، { وَخَافَ وَعِيدِ } أي: ما توعدت به من عصاني فأوجب له ذلك الانكفاف عما يكرهه الله والمبادرة إلى ما يحبه الله. { وَاسْتَفْتَحُوا } أي: الكفار أي: هم الذين طلبوا واستعجلوا فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه فجاءهم ما استفتحوا به وإلا فالله حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } أي: خسر في الدنيا والآخرة من تجبر على الله وعلى الحق وعلى عباد الله واستكبر في الأرض وعاند الرسل وشاقهم. { مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي: جهنم لهذا الجبار العنيد بالمرصاد، فلا بد له من ورودها فيذاق حينئذ العذاب الشديد، { وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ } في لونه وطعمه ورائحته الخبيثة، وهو في غاية الحرارة. { يَتَجَرَّعُهُ } من العطش الشديد { وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ } فإنه إذا قرب إلى وجهه شواه وإذا وصل إلى بطنه قطع ما أتى عليه من الأمعاء، { وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } أي: يأتيه العذاب الشديد من كل نوع من أنواع العذاب، وكل نوع منه من شدته يبلغ إلى الموت ولكن الله قضى أن لا يموتوا كما قال تعالى: {أية : لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها }. تفسير : { وَمِنْ وَرَائِهِ } أي: الجبار العنيد { عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي: قوي شديد لا يعلم وصفه وشدته إلا الله تعالى.