١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي وٱستنصروا؛ أي أذِن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقد مضى في «البقرة». ومنه الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر. وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء كما قالت قريش: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية. وروي عن ابن عباس. وقيل قال الرسول: «إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحاً» وقالت الأمم: إن كان هؤلاء صادقين فعذّبنا، عن ابن عباس أيضاً؛ نظيره {أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [العنكبوت: 29] {أية : ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 77]. {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} الجبار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً؛ هكذا هو عند أهل اللغة، ذكره النحاس. والعنيد المعاند للحق والمجانب له، عن ٱبن عباس وغيره؛ يقال: عَنَد عن قومه أي تباعد عنهم. وقيل: هو من العَنَد، وهو الناحية وعاند فلان أي أخذ في ناحية مُعْرِضاً؛ قال الشاعر:شعر : إذا نزلتُ فٱجعلوني وَسَطَا إنّي كبيرٌ لا أُطِيقُ الْعُنَّدَا تفسير : وقال الهَرَويّ قوله تعالى: {جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي جائر عن القصد؛ وهو العَنُود والعَنِيد والعانِد؛ وفي حديث ٱبن عباس وسئِل عن المستحاضة فقال: إنه عِرْقٌ عانِدٌ. قال أبو عبيد: هو الذي عَنَد وبَغَى كالإنسان يعانِد؛ فهذا العِرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته. وقال شَمِر: العاند الذي لا يرقأ. وقال عمر يذكر سِيرته: أَضُمُّ العَنُود؛ قال الليث: العنود من الإبل الذي لا يخالطها إنما هو في ناحية أبداً؛ أراد من هَمَّ بالخلاف أو بمفارقة الجماعة عطفتُ به إليها. وقال مقاتل: العنِيد المتكبر. وقال ابن كَيْسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: العَنُود والعَنِيد الذي يتكبر على الرسل ويذهب عن طريق الحق فلا يسلكها؛ تقول العرب: شر الإبل العنود الذي يخرج عن الطريق. وقيل: العنيد العاصي. وقال قتادة: العنيد الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد، وإن كان اللفظ مختلفاً، وكل متباعد عن الحق جبار وعنيد أي متكبر. وقيل: إن المراد به في الآية أبو جهل؛ ذكره المهدويّ. وحكى الماورديّ في كتاب «أدب الدنيا والدين» أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوماً في المصحف فخرج له قوله عز وجل: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} فمزق المصحف وأنشأ يقول:شعر : أتُوعِدُ كلَّ جَبَّارٍ عَنِيدِ فها أنا ذاكَ جبَّارٌ عَنِيدُ إذا ما جِئتَ ربَّكَ يوم حَشْرٍ فَقُلْ يا رَبِّ مَزَّقنيِ الوليِدُ تفسير : فلم يلبث (إلا) أياماً حتى قُتل شرّ قِتلةٍ، وصُلِب رأسه على قصره، ثم على سُور بلده. قوله تعالى: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} أي من وراء ذلك الكافر جهنم، أي من بعد هلاكه. ووراء بمعنى بعدُ؛ قال النابغة:شعر : حَلَفتُ فلم أتركْ لِنفسكَ رِيبةً وليس وراءَ اللَّهِ للمرء مذهبُ تفسير : أي بعد الله جلّ جلالُه، وكذلك قوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي من بعده، وقوله تعالى: {أية : وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} تفسير : [البقرة: 91] أي بما سواه؛ قاله الفراء. وقال أبو عبيد: بما بعده. وقيل: «مِنْ وَرَائِهِ» أي من أمامه، ومنه قول الشاعر:شعر : ومِنْ ورائِكَ يومٌ أنتَ بالِغُه لا حاضرٌ مُعِجزٌ عنه ولا بادِي تفسير : وقال آخر:شعر : أَتَرْجُو بنو مروانَ سمعِي وطاعتِي وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا تفسير : وقال لبيد: شعر : أليس ورائِي إنْ (تَراختْ) منِيَّتيِ لُزومُ العَصَا تُحنَى عليها الأصابعُ تفسير : يريد أمامي. وفي التنزيل: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} تفسير : [الكهف: 79] أي أمامهم؛ وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وأبو عليّ قُطُرب وغيرهما. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك، أي سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان أي في طلبه وسأصل إليه. وقال النحاس: في قوله «مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ» أي من أمامه، وليس من الأضداد ولكنه من توارى؛ أي ٱستتر. وقال الأزهري: إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد، وقاله أبو عبيدة أيضاً، واشتقاقهما مما توارى واستتر، فجهنم تَوَارَى ولا تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى؛ حكاه ابن الأنباري وهو حسن. قوله تعالى: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي من ماء مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه. وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم. وقال محمد بن كعب القُرَظيّ والربيع بن أنَس: هو غسَالة أهل النار، وذلك ماء يسيل من فروج الزناة والزواني. وقيل: هو من ماء كرهته تَصدّ عنه، فيكون الصديد مأخوذاً من الصدّ. وذكر ابن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عُبيد الله بن بُسْر عن أبي أُمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} قال: «حديث : يُقرَّب إلى فِيهِ فيكرهه فإذا أدني منه شَوَى وجهه ووقعت فَرْوة رأسه فإذا شربه قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله:{وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] ويقول الله:{وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} [الكهف: 29]» تفسير : خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وعُبيد الله بن بُسْر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله بن بُسْر. {يَتَجَرَّعُهُ} أي يَتَحَسَّاه جُرَعاً لا مرة واحدة لمرارته وحرارته. {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يبتلعه؛ يقال: جرع الماء وٱجترعه وتجرعه بمعنى. وساغ الشَّرابُ في الحلق يسوغ سوغاً إذا كان سَلِساً سهلاً، وأساغه اللَّهُ إساغةً. و «يَكَادُ» صلة؛ أي يسيغه بعد إبطاء، قال الله تعالى: {أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [البقرة: 71] أي فعلوا بعد إبطاء؛ ولهذا قال: {أية : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ} تفسير : [الحج: 20] فهذا يدلّ على الإساغة. وقال ابن عباس: يجيزه ولا يمر به. {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} قال ابن عباس: أي يأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدّامه وخلفه، كقوله: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر: 16]. وقال إبراهيم التيمي: يأتيه من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره؛ للآلام التي في كل مكان من جسده. وقال الضحّاك: إنه ليأتيه الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه. وقال الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتاً، وهي من أعظم الموت. وقيل: إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكِّل به نوع من العذاب؛ لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة؛ إما حية تَنهشه، أو عقرب تَلسبه، أو نار تَسفعه، أو قيد برجليه، أو غُلّ في عنقه، أو سلسلة يقرن بها، أو تابوت يكون فيه، أو زقّوم أو حميم، أو غير ذلك من العذاب. وقال محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتاتٍ، فإذا دنا منه مات موتاتٍ، فإذا شرب منه مات موتاتٍ؛ فذلك قوله: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}. قال الضحّاك: لا يموت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق رُوحه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة؛ ونظيره قوله: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} تفسير : [طه: 74]. وقيل: يخلق الله في جسده آلاماً كل واحد منها كألم الموت. وقيل: «وَمَا هُوَ بِميِّتٍ» لتطاول شدائد الموت به، وٱمتداد سكراته عليه؛ ليكون ذلك زيادة في عذابه. قلت: ويظهر من هذا أنه يموت، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36] وبذلك وردت السنة؛ فأحوال الكفار أحوال من ٱستولى عليه سكرات الموت دائماً، والله أعلم. {وَمِن وَرَآئِهِ} أي من أمامه. {عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي شديد متواصل الآلام من غير فتور؛ ومنه قوله: {أية : وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة} تفسير : [التوبة: 123] أي شدة وقوة. وقال فُضَيل بن عِياض في قول الله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} قال: حبس الأنفاس.
البيضاوي
تفسير : {وَٱسْتَفْتَحُواْ } سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم من الفتاحة كقولِه: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 89] وهو معطوف على {فَأَوْحَىٰ } والضمير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل للكفرة وقيل للفريقين. فإن كلهم سألوه أن ينصر المحق ويهلك المبطل. وقرىء بلفظ الأمر عطفاً على «ليهلكن». {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } أي ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كل جبار عات متكبر على الله معاند للحق فلم يفلح، ومعنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱسْتَفْتَحُواْ } استنصر الرسل بالله على قومهم {وَخَابَ } وخسر {كُلُّ جَبَّارٍ } متكبِّرٍ عن طاعة الله {عَنِيدٍ } معاند للحق.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاسْتَفْتَحُواْ} الرسل بطلب النصر "ع"، أو الكفار استفتحوا بالبلاء. {جَبَّارٍ} متكبر. {عَنِيدٍ} معاند للحق، أو بعيد عنه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واستفتحوا} يعني واستنصروا. قال ابن عباس: يعني الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا وقال مجاهد وقتادة: واستفتح الرسل على أممهم وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب {وخاب} يعني وخسر وقيل: هلك {كل جبار عنيد} والجبار في صفة الإنسان يقال لمن تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها وهو صفة ذم في حق الإنسان، وقيل: الجبار الذي لايرى فوقه أحداً, وقيل: الجبار المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه والعنيد المعاند للحق ومجانبه قال مجاهد. وقال ابن عباس: هو المعرض عن الحق. وقال مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله. وقيل: العنيد هون المعجب بما عنده. وقيل العنيد الذي يعاند ويخالف {من ورائه جهنم} يعني هي أمامه وهو صائر إليها قال أبو عبيدة: هو من الأضداد يعني أنه يقال: وراء بمعنى خلف وبمعنى أمام وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا الأمر من ورائك يعني أنه سيأتيك {ويسقى} يعني في جهنم {من ماء صديد} وهو ما سال من الجلد واللحم من القيح جعل ذلك شراب أهل النار. وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر وهو قوله {يتجرعه} أي يتحساه ويشربه لا بمرة واحدة بل جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته وكراهته ونتنه {ولا يكاد يسيغه} أي لا يقدر على ابتلاعه. يقال: ساغ الشراب في الحلق إذا سهل انحداره فيه. قال بعض المفسرين: إن يكاد صلة والمعنى يتجرعه ولا يسيغه وقال صاحب الكشاف: دخلت يكاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة وقال بعضهم ولا يكاد يسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول ما كدت أقوم أي قمت بعد إبطاء فعلى هذا كاد أصلها وليست بصلة، وقال ابن عباس: معناه لا يجيزه. وقيل: معناه يكاد لا يسيغه ويسيغه فيغلي في جوفه. عن أبي إمامة رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} قال: "يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره قال وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم وقال وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا""تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. قوله: وقعت فروة رأسه أي جلدة رأسه وإنما شبهها بالفروة للشعر الذي عليها. وقوله تعالى {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} يعني أن الكافر يجد ألم الموت وشدته من كل مكان من أعضائه. وقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسده وقيل يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وما هو بميت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة {ومن ورائه} يعني أمامه {عذاب غليظ} أي شديد قيل: هو الخلود في النار. قوله تعالى {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف} هذا كلام مستأنف منقطع عما قبله وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه تقديره فيما نقص، أو فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة، وقوله: أعمالهم كرماد جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقال أعمالهم كرماد. وقال المفسرون والفراء: مثل أعمال الذين كفروا بربهم فحذف المضاف اعتماداً على ما ذكره بعد المضاف إليه. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد كقولك في صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول والرماد معروف وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد إحراقه بالنار، اشتدت به الريح يعني فنسفته وطيرته ولم تبق منه شيئاً في يوم عاصف، وصف اليوم بالعصوف والعصوف من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه كقولك: يوم بارد وحار وليلة ماطرة لأن الحر والبرد والمطر توجد فيهما وقيل: معناه في يوم عاصف الريح فحذف الريح لأنه قد تقدم ذكرها وهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي لم ينتفوا بها، ووجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتذهب به وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى منها شيء وكذلك أعمال الكفار تبطل، وتذهب بسبب كفرهم وشركهم حتى لا يبقى منها شيء ثم اختلفوا في هذه الأعمال ما هي فقيل: هي ما عملوه من أعمال الخير في حال الكفر كالصدقة وصلة الأرحام, وفك الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين، ونحو ذلك من أعمال البر والصلاح فهذه الأعمال، وإن كانت أعمال بر لكنها لا تنفع صاحبها يوم القيامة بسبب كفره لأن كفره أحبطها وأبطلها كلها وقيل: المراد بالأعمال عبادتهم الأصنام التي ظنوا أنها تنفعهم فبطلت وحبطت ولم تنفعهم البتة، ووجه خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم في الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم. وقيل: أراد بالأعمال الأعمال التي عملوها في الدنيا وأشركوا فيها غير الله فإنها لا تنفعهم لأنها صارت كالرماد الذي ذرته الريح وصار هباء لا ينتفع به وهو قوله تعالى: {لا يقدرون مما كسبوا} يعني في الدنيا {عمل شيء} يعني من تلك الأعمال والمعنى أنهم لايجدون ثواب أعمالهم في الآخرة {ذلك هو الضلال البعيد} يعني ذلك: الخسران الكبير لأن أعمالهم ضلت وهلكت، فلا يرجى عودها والبعيد هنا الذي لا يرجى عوده {ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق} يعني لم يخلقهما باطلاً ولا عبثاً وإنما خلقها لأمر عظيم وغرض صحيح {إن يشأ يذهبكم} يعني أيها الناس {ويأت بخلق جديد} يعني: سواكم أطوع لله منكم. والمعنى: أن الذي قدر على خلق السموات والأرض، قادر على إفناء قوم وإماتتهم وإيجاد خلق آخر سواهم لأن القادر لا يصعب عليه شيء. وقيل هذا خطاب لكفار مكة يريد يمتكم يا معشر الكفار، ويخلق قوماً غيركم خيراً منكم وأطوع {وما ذلك على الله بعزيز} يعني بممتنع لأن الأشياء كلها سهلة على الله، وإن جلت وعظمت. قوله عز وجل {وبرزوا لله جميعاً} يعني خرجوا من قبورهم إلى الله ليحاسبهم ويجازيهم على قدر أعمالهم والبراز الفضاء، وبرز حصل في البراز وذلك أن يظهر بذاته كلها والمعنى، وخرجوا من قبورهم وظهروا إلى الفضاء وأورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر الله عنه، فهو حق وصدق. وكائن لامحالة فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود {فقال الضعفاء} يعني الأتباع {للذين استكبروا} وهم القادة والرؤساء {إنا كنا لكم تبعاً} يعني في الدين والاعتقاد {فهل أنتم} يعني في هذا اليوم {مغنون عنا} يعني دافعون عنا {من عذاب الله من شيء} من هنا للتبعيض والمعنى هل تقدرون على أن تدفعوا عنا بعض عذاب الله الذي حل بنا {قالوا} يعني الرؤساء والقادة، والمتبوعين للتابعين {لو هدانا الله لهديناكم} يعني لو أرشدنا الله لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ولكن لما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} يعني مستويان علينا الجزع والصبر. والجزع، أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده، ويقطعه عنه {ما لنا من محيص} يعني من مهرب، ولا مناجاة مما نحن فيه من العذاب. قال مقاتل: يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون: تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر فعند ذلك يقولون سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار يستغيثون بالخزنة كما قال الله وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب فردت الخزنة عليهم وقالوا ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى فردت الخزنة وقالوا ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلما يئسوا مما عند الخزنة، نادوا يا مالك ليقض علينا ربك سألوا الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً واليوم كألف سنة مما تعدون ثم يجيبهم بقوله: إنكم ماكثون فلما يئسوا مما عنده قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنصبر كما صبر أهل الطاعة لعل ذلك ينفعنا فصبروا وطال صبرهم فلم ينفعهم وجزعوا، فلم ينفعهم عند ذلك قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. قوله تعالى {وقال الشيطان} يعني إبليس {لما قضي الأمر} يعني لما فرغ منه وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. يأخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه، وتوبيخه، فيقوم فيها خطيباً قال مقاتل: يوضع له منبر في النار فيجتمع عليه أهل النار يلومونه فيقول لهم: ما أخبر الله عنه بقوله {إن الله وعدكم وعد الحق} فيه إضمار تقديره فصدق في وعده {ووعدتكم فأخلفتكم} يعني الوعد. وقيل يقول: لهم إني قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار {وما كان لي عليكم من سلطان} يعني من ولاية وقهر، وقيل: لم آتيكم بحجة فيما وعدتكم به {إلا أن دعوتكم} هذا استثناء منقطع معناه لكن دعوتكم {فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} يعني ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة، وقد سمعتم دلائل الله وجاءتكم الرسل فكان من الواجب عليكم أن لا تلتفوا إليّ ولا تسمعوا قولي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بأجابتي، ومتابعتي من غير حجة ولا دليل {ما أنا بمصرخكم} يعني بمغيثكم ولا منقذكم {وما أنتم بمصرخي} يعني بمغيثيّ ولا منقذيّ مما أنا فيه {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} يعني كفرت بجعلكم إياي شريكاً له في عبادته وتبرأت من ذلك والمعنى أن إبليس جحد ما يعتقده الكفار فيه، من كونه شريكاً لله وتبرأ من ذلك {إن الظالمين لهم عذاب أليم} روى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة، وذكر الحديث إلى قوله "حديث : فيأتوني فيأذن الله في أن أقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نوراً من رأسي إلى ظهر قدمي. ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه، فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم جهنم، ويقول عند ذلك: إن الله وعدكم وعد الحق الآية ".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }: {ٱسْتَفْتَحُواْ}: أي: طلبوا الحُكْم، و«الفَتَّاح» الحاكم، والمعنَى: أنَّ الرسل ٱستفتحوا، أيْ: سألوا اللَّه تبارَكَ وتعالَى إِنفاذَ الحُكْمِ بنصرهم. وقيل: بلِ ٱستفتَحَ الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: { أية : عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا... } تفسير : [ص:16] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فٱحْنِهِ الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ، وقرأَتْ فرقةٌ: «وَٱسْتَفْتِحُوا» - بكسر التاء -؛ على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: {وَخَابَ }: معناه: خسر ولم ينجحْ، والـــ {جَبَّارٍ }: المتعظِّم في نفسه، والــ {عَنِيدٍ }: الذي يعاند ولا يناقد. وقوله: {مِّن وَرَائِهِ }: قال الطبري وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: { أية : وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ } تفسير : [الكهف:79]، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد؛ كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، {وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ }: «الصديد»: القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار؛ قاله مجاهد والضَّحَّاك.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱسْتَفْتَحُواْ} العامة على "اسْتفْتَحُوا" فعلاً ماضياً، وفي ضميره أقوال: أحدها: أنه عائد على الرُّسلِ الكرام، ومعنى الاستفتاح: الاستنصار كقوله: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}تفسير : [الأنفال:19]. وقيل: طلب الحكم من الفتاحة، وهي الحكومة، كقوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}تفسير : [الأعراف:89]. الثاني: أن يعود على الكفار، أي استفتح أمم الرسل عليهم؛ كقوله تعالى: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال:32] وقيل: عائد على الفريقين؛ لأن كلاَّ طلب النصر على صاحبه. وقيل: يعود على قريش؛ لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف، وأما علىغيره من الأقوال فهو عطف على قوله: "فأوحى إليهم". وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن رضي الله عنهم "واستفتحوا" على لفظ الأمر أمراً للرسل بطلب النصرة، وهي تقوية لعوده في المشهورة على الرسل، والتقدير: قال لهم: لنهلكن، وقال لهم: استفتحوا. قوله: "وخاب" هو في قراءة العامة عطف على محذوف، وتقديره: استفتحوا، فنصروا، وخاب، ويجوز أن يكون عطفاً على "استفتحوا" على أن الضمير فيه للكفار، وفي غيرها على القول المحذوف وقد تقدم أنه يعطف الطلب على الخبر وبالعكس. إن قلنا: المستفتحون الرسل عليهم الصلاة والسلام، فنصروا وظفروا، وهو قول مجاهد وقتادة، وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا الله، ودعوا على قومهم بالعذاب، كما قال نوح ـ صلوات الله عليه ـ: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح:26]. وإن قلنا: المستفتحون الكفرة كان المعنى أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنًّا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل، وذلك أنهم قالوا: "اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا" نظيره: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال:32]. "وخَابَ" ما أفلح. وقيل: خسر. وقيل: هلك كل جبّار عنيد. والجبَّارُ الذي لا يرى فوقه أحداً، والجبريةُ طلب العلوْ بما لا غاية وراءه، وهذا الوصف لا يكون إلا لله ـ عزَّ وجلَّ ـ. وقيل: الجبَّار الذي يجبر الخلق على مراده، والجبَّار هنا: المتكبر على طاعة الله ـ سبحانه وتعالى ـ وعبادته، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً}تفسير : [مريم:14]. قال أبو عبيدة: "الأجْبَر يقال فيه جبريّة، وجَبرُوَّة، وجَبرُوت". وحكى الزجاج: "الجِبْرُ، والجِبْرِية، والجِبَّارة، الجِبْرِيَاءُ". قال الواحديُّ: "فهذه سبع لغات في مصدر الجبَّار، ومنه الحديث:حديث : أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمَرهَا بِأمْرٍ فأبتْ عليْهِ، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "دَعُوهَا فإنَّها جَبَّارةٌ"تفسير : أي: مستكبرة"، وأمَّا العنيد فقال أهلُ اللغة في اشتقاقه: قال البصريون: أصل العُنُود: الخلاف، والتباعد، والترك. وقال غيرهم: أصله من العَنْد وهو النَّاحية، يقال: هو يمشي عنداً، أي: ناحية فهو المُعانِدُ للحق بجانبه، قاله مجاهد. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه: هوالمعرض عن الحق. وقال مقاتلٌ: هو المتكبّر وقال قتادة: العَنِيدُ الذي أبى أن يقال: لا إلهَ إلاَّ الله. ثم ذكر كيفية عذابه فقال: "مِنْ وَرائِهِ" جملة في محلّ جر صفة لـ "جبَّارٍ" ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار، و"جهنم" فاعل به. وقوله: "ويسقى" صفة معطوفة على الصفة قبلها. عطف جملة فعلية على اسمية فإن جعلت الصفة الجار وحده، وعلقته بفعل كان من عطف فعلية على فعلية. وقيل: عطف على محذوف، أي: يلقى فيها، ويُسْقَى. و"وَرَاءِ" هنا على بابها، وقيل بمعنى أمام، فهو من الأضداد، وهذا عنى الزمخشري بقوله: "مِنْ بَيْنِ يَديْهِ" وأنشد: [الوافر] شعر : 3200ـ عَسَى الكَرْبُ الَّذي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكونُ وَراءَهُ فَرجٌ قَرِيب تفسير : وهو قول أبي عبيدة وابن السِّكيت، وقطرب، وابن جريرٍ؛ وقال الشاعر في ذلك: [الطويل] شعر : 3201ـ أيَرْجُو بنُو مَرْوان سَمْعِي وطَاعتِي وقَوْمُ تَميمٍ والفَلاةُ وَرَائِيَا تفسير : أي: قُدَّامي؛ وقال الآخر: [الطويل] شعر : 3202ـ أليْسَ وَرائِي إنْ تَراخَتْ مَنيَّتِي لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصابِعُ تفسير : وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك، أم قدامك فيصح إطلاق لفظ الوراء على الخلف وقدام، ويقال: المَوْتُ وراء كُلِّ أحدٍ، وقال تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}تفسير : [الكهف:79] أي: أمامهم. وقال ابن الأنباري: وراء بمعنى بعد، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3203ـ................... وليْسَ ورَاءَ اللهِ للْخَلْقِ مَهْرَبُ تفسير : ومعنى الآية: أنه بعد الخيبة يدخلهم جهنم. قوله: {مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} في "صَديدٍ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه نعت لـ"مَاءٍ". وفيه تأويلان: أحدهما: أنه على حذف أداة التشبيه، أي: ماء مثل صديد، وعلى هذا فليس الماء الذي تشربونه صديداً، بل مثله في النَّتنِ، والغلظ، والقذارة، كقوله تعالى: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}تفسير : [الكهف:29]. والثاني: أنَّ الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء، وليس هو بماء حقيقة، وعلى هذا فيكون يشربون نفس الصديد المشبه للماء، وهو قول ابن عطية، وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره. وفيه نظرٌ، إذ ليس بمشتق إلاَّ على من فسَّره بأنه صديدٌ بمعنى مصدود، أخذه من الصَّدِّ، وكأنه لكراهته مصدودٌ عنه، أي: يمتنع عليه كل أحد. الثاني: أنه عطف بيان لـ"مَاءٍ"، وإليه ذهب الزمخشري، وليس مذهب البصريين [جريانه] في النكرات إنَّما قال به الكوفيون وتبعهم الفارسي أيضاً. الثالث: أن يكون بدلاً، وأعرب الفارسي "زَيْتُونةٍ" من قوله تعالى {أية : مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ}تفسير : [النور:35] عطف بيان أيضاً. واستدلّ من جوَّز كونه عطف بيان، ومتبوعه نكرتين بهاتين الآيتين. والصَّديد: ما يسيلُ من أجسادِ أهلِ النَّار. وقيل: ما حَالَ بين الجلدِ واللَّحمِ من القَيْحِ. قوله: "يتَجرَّعهُ" يجوز أن تكون الجملة صفة لـ "مَاءٍ" وأن تكون حالاً من الضمير في "يُسْقَى"، وأن تكون مستأنفة، وتجرَّع: "تَفعَّل" وفيه احتمالات: أحدها: أنه مطاوع لـ"جَرَّعْته" نحو "علَّمتهُ فتعلَّمَ". والثاني: أنه يكون للتكلف، نحو "تحَلَّم"، أي: يتَكلَّف جرعهُ، ولم يذكر الزمخشري غيره. الثالث: أنه دالٌّ على المهلة، نحو تفهَّمتهُ، أي: يتناوله شيئاً فشيئاً بالجرع كما يفهم شيئاً فشيئاً بالتفهيم. الرابع: أنه بمعنى جرع المجرد، نحو: عَددْتُ الشيء وتعَدَّيتُه. والمعنى: يتحسَّاه ويشربه لا بمرة واحدة، بل يجرعهُ لِمرارَتهِ وحَرارَتهِ. قوله: {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} في "يَكادُ" قولان: أحدهما: أن نفيهُ إثبات، وإثباتهُ نفيٌ، فقوله: {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: يسيغه بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقومُ أي: قمتُ بعد إبطاءٍ، قال تعالى: {أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [البقرة:71] أي: فعلوا بعد إبطاء، ويدلّ على حصول الإساغة قوله: {أية : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ}تفسير : [الحج:20] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة. وقوله: "يَتجرَّعهُ" يدل على أنهم ساغوا الشيء بعد الشيء. والقول الثاني: أنَّ "كَادَ" للمقاربة، فقوله "وَلا يَكادُ" لنفي المقاربة يعني ولم يقارب أن يسيغه، فكيف تحصل الإساغة؟. كقوله تعالى: {أية : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}تفسير : [النور:40]، أي: لم يقرب من رؤياها، فكيف يراها؟. فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على الإساغة، فكيف يجمع بين القولين؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ المعنى: ولا يسيغ جميعه. والثاني: أنَّ الدَّليل الذي ذكرتم إنَّما دلَّ على وصول بعض ذلك الشَّراب إلى جوف الكافر، إلاَّ أن ذلك ليس بإساغة؛ لأنَّ الإساغة في اللغة: إجراء الشرب في [الحلق] بقبول النفس، واستطابة المشروب، والكافر يتجرّع ذلك الشرب على كراهية ولا يسيغه، أي: لا يستطيبه ولا يشربه شرباً مرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل: "لا يَكَادُ" على نفي المقاربة. قوله: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي: أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات. واعلم أن الموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة. فمنها: ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، كقوله تعالى: {أية : يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}تفسير : [الحديد:17]. ومنها: زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، كقوله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ}تفسير : [الأنعام:122] {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل:80]. ومنها: الحزن والخوف المكدران للحياة، كقوله تعالى: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم:17]. ومنها: النوم، كقوله تعالى ـ عزَّ وجلَّ ـ{أية : وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا}تفسير : [الزمر:42]. وقد قيل: النوم: الموتُ الخفيف، والموتُ: النوم الثقيل، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل، والسؤال، والهرم، والمعصية، وغير ذلك، ومنه الحديث "أوَّل من مَاتَ إبليسُ لأنَّهُ أوَّلُ من عَصَى". وحديث موسى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حين قال له ربه: "[أمَا] تَعْلَمْ أنَّ مَنْ أفْقرتُهَ فقَدْ أمَتُّهُ". ولنرجع إلى التفسير، فنقول: قيل: بحدوث ألم الموت من كل مكان من أعضائه. وقيل: يأتيه الموت من الجهات السّت {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} فيستريح. قال ابن جريج: تعلق روحه عند حنجرته، ولا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيستريح فَتَنْفَعهُ الحياة، نظيره: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ}تفسير : [طه:74]. قوله: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} في الضمير وجهان: أظهرهما: أنه عائد على "كُلِّ جبَّارٍ". والثاني: أنه عائد على العذاب المتقدم. قيل: العذاب الغليظ: الخلود في النار. وقيل: إنَّهُ في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله، وتقدم الكلام على معنى "مِن وَرائهِ".
ابو السعود
تفسير : {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى: { أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ} تفسير : [الأنفال: 19] أو استحكموا وسألوه القضاءَ بـينهم من الفتاحة وهي الحكومةُ كقوله تعالى: { أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ} تفسير : [الأعراف: 89] فالضميرُ للرسل، وقيل: للفريقين فإنهم سألوا أن يُنصَر المحِقُّ ويهلَك المبطل، وهو معطوفٌ على أوحىٰ إليهم وقرىء بلفظ الأمرِ عطفاً على لنهلكن الظالمين، أي أوحىٰ إليهم ربهم لنُهلِكَنّ، وقال لهم: استفتِحوا {وَخَابَ} أي خسِر وهلك {كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} متّصفٍ بضد ما اتصف به المتقون، أي فنُصروا عنداستفتاحِهم وظفِروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كلُّ جبارٍ عنيد، وهم قومُهم المعاندون فالخيبةُ بمعنى مطلقِ الحِرمان عن المطلوب، أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعُمون أنهم على الحق، أو استفتح الكفارُ على الرسل وخابوا ولم يُفلحوا، وإنما قيل: وخاب كلُّ جبار عنيد ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالتجبّر والعِناد لا أن بعضَهم ليسوا كذلك وأنه لم يُصبْهم الخيبةُ، أو استفتحوا جميعاً فنُصر الرسلُ وأُنجِز لهم الوعدُ وخاب كلّ عاتٍ متمردٍ، فالخيبةُ بمعنى الحرمان غِبَّ الطلب، وفي إسناد الخيبةِ إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة. {مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} أي بـين يديه فإنه مُرصَدٌ لها واقفٌ على شفيرها في الدنيا مبعوثٌ إليها في الآخرة، وقيل: من وراء حياتِه وحقيقتِه ما توارى عنك {وَيُسْقَىٰ} معطوف على مقدر جواباً عن سؤال سائلٍ، كأنه قيل: فماذا يكون إذن؟ فقيل: يلقى فيها ويُسقى {مِن مَّاء} مخصوصٍ لا كالمياه المعهودة {صَدِيدٍ} وهو قيحٌ أو دمٌ مختلط بمِدّة يسيل من الجرح، قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهلِ النار، وهو عطفُ بـيانٍ لما أُبهم أولاً ثم بُـيّن بالصديد تهويلاً لأمره وتخصيصُه بالذكر من بـين عذابِها يدور على أنه من أشدّ أنواعِه. {يَتَجَرَّعُهُ} قيل: هو صفةٌ لماءٍ أو حالٌ منه والأظهر أنه استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال، كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه، أي يتكلف جَرْعه مرة بعد أخرى لغلبة العطشِ واستيلاء الحرارة عليه {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن الإساغة بل يغَصّ به فيشربُه بعد اللتيا والتي جرعةً فيطول عذابُه تارةً بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحالِ، فإن السَّوغَ انحدارُ الشراب في الحلق بسهولة وقَبولِ نفس، ونفيُه لا يوجب نفيَ ما ذكر جميعاً، وقيل: لا يكاد يدخُله في جوفه، وعبّر عنه بالإساغة لما أنها المعهودةُ في الأشربة وهو حالٌ من فاعل يتجرّعه أو من مفعوله أو منهما جميعاً {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ} أي أسبابُه من الشدائد {مّن كُلّ مَكَانٍ} ويُحيط به من جميع الجهات أو من كل مكان من جسده حتى من أصول شعرِه وإبهامِ رجله {وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ} أي والحالُ أنه ليس بميت كما هو الظاهرُ من مجيء أسبابِه لا سيما من جميع الجهاتِ حتى لا يتألمُ بما غشِيه من أصناف المُوبقات {وَمِن وَرَائِهِ} من بـين يديه {عَذَابٍ غَلِيظٍ} يستقبل كلَّ وقت عذاباً أشدَّ وأشق مما كان قبله، ففيه دفعُ ما يُتوهم من الخِفّة بحسب الاعتيادِ كما في عذاب الدنيا، وقيل: هو الخلودُ في النار، وقيل: هو حبسُ الأنفاس، وقيل: المرادُ بالاستفتاح والخيبةِ استسقاءُ أهلِ مكةَ في سِنيهم التي أرسلها الله تعالى عليهم بدعوته عليه الصلاة والسلام وخيبتهم في ذلك، وقد وعَد لهم بدلَ ذلك صديدَ أهل النار.
القشيري
تفسير : الاستفتاح طلب الفتح، والفتح القضاء، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] وغيره فلما نزل بهم البلاء، وتحقق لهم الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم، ولم تُقْبَلْ منهم صدقتُهم وفداؤهم، وندموا حين لا ندامة، وجزعوا بعدما عَدِموا السلامة. ويقال: {وَٱسْتَفْتَحُواْ}: بغير الرسل، ولما وجد الرسل إصرارَ قومهم سألوا النصرة عليهم من الله كقول نوح - عليه السلام: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26]، وقول موسى عليه السلام: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [يوسف: 88] فأجابهم الله بإهلاكهم. ويقال إذا اشتد البلاءُ وصَدَقَ الدعاءُ قَرُبَ النَّجاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {واستفتحوا} معطوف على فاوحى والضمير للرسل اى استنصروا الله وسألوه الفتح والنصرة على اعدائهم او للكفار {وخاب كل جبار عنيد} اى فنصروا عند استفتاحهم وظفروا بما سألوا وافلحوا وخسر عند نزول العذاب قومهم المعاندون فالخيبة بمعنى مطلق الحرمان دون الحرمان من المطلوب وان كان الاستفتاح من الكفرة فهى بمعنى الحرمان من المطلوب غير الطلب وهو واقع حيث لم يحصل ما توقعوه لانفسهم الا لاعدائهم وهذا كمال الخيبة التى عدم نيل المطلوب وانما قيل {وخاب كل جبار عنيد} ذما لهم وتسجيلا عليهم بالتجبر والعناد لا ان بعضهم ليسوا كذلك وانه لم تصبهم الخيبة والجبار الذى يجبر الخلق على مراده والمتكبر عن طاعة الله والمتعظم الذى لا يتواضع لامر الله. والعنيد بمعنى المعاند الذى يأبى ان يقول لا اله الا الله او المجانب للحق المعادى لاهله. وقال الكاشفى [نوميد ماند وبى بهره كشت از خلاص هركردنكشى كه ستيزنده شود باحق يا معرض از طاعت او]. قال الامام الدميرى فى حياة الحيوان حكى الماوردى فى كتاب ادب الدنيا والدين ان الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما فى المصحف فخرج قوله تعالى رواستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} فمزق المصحف وانشأ يقول شعر : أتوعد كل جبار عنيد فها انا ذاك جبار عنيد اذا ما جئت الى ربك يوم حشر فقل يا رب مزقنى الوليد تفسير : فلم يلبث اياما حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده انتهى. قال فى انسان العيون مروان كان سببا لقتل عثمان رضى الله عنه وعبد الملك ابنه كان سببا لقتل عبد الله بن الزبير رضى الله عنه ووقع من الوليد بن يزيد بن عبد الملك الامور الفظيعة انتهى. يقول الفقير حديث : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى امية فى صورة القردة فلعنهم فقال "ويل لبنى امية" ثلاث مرات تفسير : ولم يجيئ منهم الخير والصلاح الا من اقل القليل وانتقلت دولتهم بمعاونة ابى مسلم الخراسانى الى آل العباس وقد رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاورون منبره فسره ذلك وتفصيله فى كتاب السير والتواريخ
الطوسي
تفسير : قوله {واستفتحوا} معناه استنصروا وهو طلب الفتح بالنصر، ومنه قوله {أية : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}تفسير : اي يستنصرون وقال ابن عباس: هو استفتاح الرسل بالنصر على قومهم، وبه قال مجاهد وقتادة. وقال الجبائي: هو سؤالهم ان يحكم الله بينهم وبين اممهم، لان الفتح الحكم، ومنه قولهم: الفتاح الحاكم. وقال ابن زيد: هو استفتاح الكفار بالبلاء والخيبة خلاف ما قدروه من المنفعة، يقال: خاب يخيب خيبة وخيب تخيباً، وضده النجاح، وهو ادراك الطلبة. والجبرية طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الوصف، فاذا وصف العبد بأنه جبّار كان ذمّاً، واذا وصف الله به كان مدحاً، لان له علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة. والعنيد: هو المعاند إِلا ان فيه مبالغة، والعناد الامتناع من الحق مع العلم به، كبراً وبغياً، يقال: عند يعند عنوداً، وعانده معاندة وعناداً قال الشاعر: شعر : اذا نزلت فاجعلاني وسطاً اني كبير لا أطيق العندا تفسير : والوراء والخلف واحد، وهو جهة مقابلة لجهة القدام، وقد يكون وراء بمعنى أمام، وقيل: إنه يحتمل ذلك - ها هنا - وذكروا أنه يجوز في الزمان على تقدير انه كان خلفهم، لأنه يأتي فيلحقهم قال الشاعر: شعر : اتوعدني وراء بني رياح كذبت لتقصرن يداك دونى تفسير : وقال آخر: شعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب تفسير : وقوله {ويسقى من ماء صديد} يعني يسقى الجبار العنيد صديداً، وهو قيح يسيل من الجرح اخذ من انه يصد عنه تكرهاً له. والقيح دم مختلط بمدة. وقوله {صديد} بيان للماء الذي يسقونه، فلذلك اعرب بإِعرابه، قال الزجاج: والوراء ما توارى عنك، وليس من الاضداد. قال الشاعر: شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب تفسير : أي ليس بعد مذاهب الله للمرء مذهب.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاسْتَفْتَحُوا} يعني الرسل كلهم في تفسير مجاهد؛ دعوا على قومهم فاستجاب لهم. وفي تفسير الكلبي: لما دعا عليهم الرسل قال قومهم: اللهم إن كان رسلنا صادقين فيما يقولون فأهلكنا، وإن كانوا كاذبين فأهلكهم. قال بعضهم: استنصرت الرسل على قومها حين استيقنوا أنهم لا يؤمنون. قال الله: {وَخَابَ} أي: وخسر { كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} وهو المشرك. قال مجاهد: معاند للحق مجتنبه. قوله: {مِّن وَرَائِهِ} أي: من بعد هذا العذاب الذي كان في الدنيا { جَهَنَّمُ} أي: عذاب جهنم. {وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ} والصديد غسالة أهل النار، أي: ما يسيل من جلودهم من القيح والدم. وقال بعضهم: هو ما يسيل من بين جلده ولحمه. { يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: من كراهيته له؛ وهو يسيغه، لا بد له منه، فتتقطع أمعاؤه. { وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} وهي النار لشدة ما هم فيه، ولكن الله عزّ وجلّ قضى عليهم ألا يموتوا. هذا تفسير الحسن. وبعضهم يقول: حيات وعقارب تنهشه من كل ناحية. { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} كقوله: (أية : فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً).تفسير : [النبأ:30]. ذكروا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال: لما ذكر الله النار قلت: ابن آدم ضعيف، فإنما تكفيه لذعة من النار حتى يقضي. ثم أنزل الله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ} و (أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى) تفسير : [سورة طَهَ: 74] فقلت: الآن حين أخذ الله نقمته من أعدائه. ذكروا عن عبدالله بن مسعود قال: غلظ جلد الكافر سبعون ذراعاً، وضرسه مثل أُحُد، وفخذه مسيرة يومين، وزاد فيه بعضهم عن ابن مسعود: وإني لأظنه يشغل من جهنم مثل ما بيني وبين المدينة. وبلغنا عن بعضهم قال: أهل النار يعظمون لها ولولا ذلك لألهبتهم كما تلهب الذبّان.
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَفْتَحُوا} أى الكفار بمعنى طلبوا الفتاحة بالضم وهو الحكومة ظنوا أنهم على الحق وأن الرسل على الباطل فقالوا: اللهم أهلك المبطل مما كذا ظهر لى فى مرجع الضمير، ثم رأيت عن ابن عباس أن الأُمم قالوا اللهم إِن كان هؤلاء صادقين فعذبنا وإِن كانوا كاذبين فعذبهم وكذا قال ابن يزيد، وذلك كقول قريش اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك الخ فآتنا بما تعدنا الخ. فأَسقط علينا كسفاً وعجل لنا قطنا، وقول أبى جهل يوم بدر اللهم اقطع عنا الرحم وآتنا بما لا نعرف فاحنه الغداة قال الكلبى لما دعا عليهم قال قومهم اللهم إِن كانوا صادقين فأَهلكنا أو كاذبين فأَهلكهم {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أى وخابوا يعنى هؤلاء الكفار المستفتحون وعبر عنهم بالظاهر فى موضع المضمر تشنيعاً عليهم باسم جبار عنيداً وإِيذاناً بأَن موجب خيلتهم كونهم جبارين معاندين وإِن الخيبة جزء من اتصف بالجبارية والعنيدية والخيبة عدم فوزهم بما ظنوا من بطلان الرسل وهلاكهم وخسارتهم إِذ كانوا هم الخاسرين الهالكين لبطلانهم دون الرسل وهنا حذف ففتح لهم وخاب كل جبار عنيد وأفلح الرسل والمؤمنون والجبار العاتى المتكبر عن طاعة الله وقيل الذى يجبر نقصه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها وهذا فى الإِنسان وهو صفة ذم فيه وقيل من لا يرى فوقه أحداً وقيل المتعظم فى نفسه المتكبر عن أقرانه والمعاند من ينكر الحق ولا ينقاد له ويعرض عنه وقيل المعجب بما عنده وقيل المتكبر وقيل الضمير فى استفتحوا عائد إلى الرسل أى طلبوا من الله أن يفتح لهم على أعدائهم من الفتح ويحكم بينهم وبين أعدائهم من الفتاحة وهى الحكومة كما مر وذلك أنهم لما أيسوا من إِيمان أُممهم دعوا عليها بالعذاب والهلاك وذلك قول مجاهد وقتادة وقيل الضمير للرسل وأممهم لأَن الرسل استفتحوا على الأمم والأمم استفتحوا على الرسل وقوله استفتحوا معطوف على أوحى، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن واستفتحوا بكسر التاء الأَخيرة على الأَمر فيكون معطوفا على لنهلكن والقسم المقدر وذلك بإِرادة اللفظ كأَنه قيل قال لهم ربهم لنهلكن الخ وقال لهم استفتحوا بكسر التاء واستفتحوا بفتحها ففتح وخاب كل جبار عنيد.
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَفْتَحُوا} طلب الكفار من الله التحكم بينهم وبين المسلمين طامعين فى أَن ينصروا على المسلمين كقوله تعالى ربنا: "أية : فاحكم بيننا"تفسير : [ص: 22] الآية، وقوله: "أية : رب إِن قومى كذبون"تفسير : [الشعراء: 117] الآية، أَو طلب المسلمين على المسلمين كقوله تعالى: "أية : إِن تستفتحوا"تفسير : [الأنفال: 19] الآية، أَو طلبوا النصر لما أَيسوا من إِيمانهم كقول نوح: "أية : رب لا تذر"تفسير : [نوح: 26] إلخ، وموسى: "أية : ربنا اطمس"تفسير : [يونس: 88] إِلخ، ولوط: انصرنى فى القوم المفسدين، أَو طلب الكفار العذاب لأَنفسهم إِن كان المسلمون على الحق كما قالت قريش: "أية : فأَمطر علينا"تفسير : [الأنفال: 32] إلخ وكما قال غير قريش: " أية : ائْتنا بعذاب الله"تفسير : [العنكبوت: 29] إِلخ، أًو طلب المؤمنون النصر على الكفار والكفار النصر عليهم، أَو طلب كل منهم الحكم، فالواو للفريقين، والعطف على أَوحى أَو قال، أَو الواو لقريش طلبوا الأَمطار فى سنى القحط وخابوا {وَخَابِ كُلُّ جبَّارٍ عِنِيدٍ} ومقتضى الظاهر على أًن الواو للكفار وخابوا فوضع الظاهر ليصفهم بالتكبر وعناد الحق، والمعنى ففتح لهم فأَفلح المؤمنون وخاب الكفار، أَى خسروا ولو ينالوا مطلوبهم.
الالوسي
تفسير : {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي استنصروا الله تعالى على أعدائهم كقوله تعالى: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } تفسير : [الأنفال: 19] ويجوز أن يكون من الفتاحة أي الحكومة أي استحكموا الله تعالى وطلبوا منه القضاء بينهم كقوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 89] والضمير للرسل عليهم السلام كما روي عن قتادة وغيره، والعطف على {أَوْحَىٰ} ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن {واستفتحوا} بكسر التاء أمراً للرسل عليهم السلام معطوفاً على {ليهلكن} [إبراهيم: 13] فهو داخل تحت الموحى، والواو من الحكاية دون المحكي، وقيل: ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أن مذهب بعضهم تجويزه، وأخر على القراءتين عن قوله تعالى: {لنهلكن} [إبراهيم: 13] أو ـ أوحى إليهم ـ على ما "الكشف"/ دلالة على أنهم لم يزالوا داعين إلى أن تحقق الموعود من إهلاك الظالمين، وذلك لأن {لنهلكن} [إبراهيم: 13] وعد وإنما حقيقة الإجابة حين الإهلاك، وليس من تفويض الترتيب إلى ذهن السامع في شيء ولا ذلك من مقامه كما توهم. وقال ابن زيد: الضمير للكفار والعطف حينئذ على {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [إبراهيم: 13] أي قالوا ذلك واستفتحوا على نحو ما قال قريش: {أية : عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } تفسير : [ص: 16] وكأنهم لما قوي تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة ظنوا أن ما قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء كقول قوم نوح: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } تفسير : [الأعراف: 70] وقوم شعيب {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً } تفسير : [الشعراء: 187] إلى غير ذلك، وقيل: الضمير للرسل عليهم السلام ومكذبيهم لأنهم كانوا كلهم سألوا الله تعالى أن ينصر المحق ويهلك المبطل، وجعل بعضهم العطف على {أُوحِىَ} على هذا أيضاً بل ظاهر كلام بعض أن العطف عليه على القراءة المشهورة مطلقاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى احتمال آخر في الضمير ذكره الزمخشري. {وَخَابَ} أي خسر وهلك {كُلّ جَبَّارٍ} متكبر عن عبادة الله تعالى وطاعته، وقال الراغب: ((الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، ولا يقال إلا على طريق الذم)) {عَنِيدٍ} معاند للحق مباه بما عنده، وجاء فعيل بمعنى مفاعل كثيراً كخليط بمعنى مخالط ورضيع بمعنى مراضع، وذكر أبو عبيدة أن اشتقاق ذلك من العند وهو الناحية، ولذا قال مجاهد: العنيد مجانب الحق، قيل: والوصف الأول: إشارة إلى ذمه باعتبار الخلق النفساني والثاني: إلى ذمه باعتبار الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً منحرفاً عن الحق، وفي الكلام إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة والمعطوف عليه أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم المعاندون؛ فالخيبة بمعنى مطلق الحرمان دون الحرمان عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على الحق، هذا إذا كان ضمير {ٱسْتَفْتَحُواْ} للرسل عليهم السلام، وأما إذا كان للكفار فالعطف كما في «البحر» على {ٱسْتَفْتَحُواْ} أي استفتح الكفار على الرسل عليهم السلام وخابوا ولم يفلحوا، وإنما وضع {كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} موضع ضميرهم ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة، ويقدر إذا كان الضمير للرسل عليهم السلام وللكفرة استفتحوا جميعاً فنصر الرسل وخاب كل عات متمرد، والخيبة على الوجهين بمعنى الحرمان غب الطلب، وفي إسناد الخيبة إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة.
ابن عاشور
تفسير : جملة {واستفتحوا} يجوز أن تكون معطوفة على جملة {فأوحى إليهم ربهم}، أو معترضة بين جملة {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} وبين جملة {وخاب كل جبار عنيد}. والمعنى: أنهم استعجلوا النصر. وضمير {استفتحوا} عائد إلى الرسل، ويكون جملة {وخاب كل جبار عنيد} عطفاً على جملة {فأوحى إليهم ربهم} الخ، أي فوعدهم الله النصر وخاب الذين كفروا، أي لم يتحقق توعدهم الرسل بقولهم: {لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا}. ومقتضى الظاهر أن يقال: وخاب الذين كفروا، فعدل عنه إلى {كل جبار عنيد} للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة عنداء وأن كل جبار عنيد يخيب. ويجوز أن تكون جملة {استفتحوا} عطفاً على جملة {وقال الذين كفروا لرسلهم} ويكون ضمير {استفتحوا} عائداً على الذين {كفروا}، أي وطلبوا النصر على رسلهم فخابوا في ذلك. ولكون في قوله: {وخاب كل جبار عنيد} إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال: وخابوا، إلى قوله: {كل جبار عنيد} لمثل الوجه الذي ذكر آنفاً. والاستفتاح: طلب الفتح وهو النصر، قال تعالى: { أية : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } تفسير : [سورة الأنفال: 19]. والجبار: المتعاظم الشديد التكبر. والعنيد المعاند للحق. وتقدما في قوله: { أية : واتبعوا أمر كل جبار عنيد } تفسير : في سورة هود (59). والمراد بهم المشركون المتعاظمون، فوصف {جبار} خلُق نفساني، ووصف {عنيد} من أثر وصف {جبار} لأن العنيد المكابر المعارض للحجة. وبين {خاف وعيد} و{خاب كل جبار عنيد} جناس مصحف. وقوله: {من ورائه جهنم} صفة لــــ {جبار عنيد}، أي خاب الجبّار العنيد في الدنيا وليس ذلك حظه من العقاب بل وراءه عقاب الآخرة. والوراء: مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه، كقوله تعالى: { أية : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً } تفسير : [سورة الكهف: 79]، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم، وقول هدبة بن خشرم: شعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءَه فَرج قريب تفسير : وأما إطلاق الوراء على معنى {من بَعْد} فاستعمال آخر قريب من هذا وليس عينه. والمعنى: أن جهنم تنتظره، أي فهو صائر إليها بعد موته. والصديد: المُهلة، أي مثل الماء يسيل من الدمل ونحوه، وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء، لأن شأن الماء أن يُسْقى. والمعنى: ويسقى صديداً عوض الماء إن طلب الإسقاء، ولذلك جعل {صديد} عطفَ بيان لــــ {ماء}. وهذا من وجوه التشبيه البليغ. وعطف جملة {يسقى} على جملة {من ورائه جهنم} لأن السقي من الصديد شيء زائد على نار جهنم. والتجرع: تكلف الجَرْع، والجرع؛ بلع الماء. ومعنى {يُسيغه} يفعل سوغه في حلقه. والسوغ؛ انحدار الشراب في الحلق بدون غصة، وذلك إذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح، يقال ساغ الشراب، وشراب سائغ. ومعنى {لا يكاد يسيغه} لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن أن يسيغه بالفعل، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : وما كادوا يفعلون } تفسير : في سورة البقرة (71). وإتيان الموت: حلوله، أي حلول آلامه وسكراته، قال قيس بن الخطيم: شعر : متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها تفسير : بقرينة قوله: {وما هو بميت}، أي فيستريح. والكلام على قوله: {ومن وراءه عذاب غليظ} مثل الكلام في قوله: {من ورائه جهنم}، أي ينتظره عذاب آخر بعد العذاب الذي هو فيه. والغليظ: حقيقته الخشن الجسم، وهو مستعمل هنا في القوة والشدة بجامع الوفرة في كل، أي عذاب ليس بأخف مما هو فيه. وتقدم عند قوله: { أية : ونجيناهم من عذاب غليظ } تفسير : في سورة هود (58).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}. لم يبين هنا كيفية خيبة الجبار العنيد ولكنه أشار إلى معنى خيبته وبعض صفاته القبيحة في قوله في سورة "ق" {أية : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} تفسير : [ق: 24 - 26] والجبار المتجبر في نفسه والعنيد المعاند للحق، قاله ابن كثير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واستفتحوا: أي طلب الرسل الفتح لهم أي النصر على أقوامهم الظالمين. وخاب: أي خسر وهلك. كل جبار عنيد: أي ظالم يجبر الناس على مراده عنيد كثير العناد. من ماء صديد: أي هو ما يخرج سائلاً من أجواف أهل النار مختلطاً من قيح ودم وعرق. يتجرعه ولا يكاد يسيغه: أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته ولا يقارب ازدراده لقبحه ومراراته. ويأتيه الموت من كل مكان: أي لشدة ما يحيط به من العذاب فكل أسباب الموت حاصلة ولكن لا يموت. أعمالهم كرماد: أي الصالحة منها كصلة الرحم وبر الوالدين وإقراء الضيف وفك الأسير والفاسدة كعبادة الأصنام بالذبح لها والنذر والحلف والعكوف حولها كرماد. لا يقدرون مما كسبوا على شيء: أي لا يحصلون من أعمالهم التي كسبوها على ثواب وإن قل لأنها باطلة بالشرك. وما ذلك على الله بعزيز: أي بصعب ممتنع عليه. معنى الآيات: هذا آخر حديث ما ذكر به موسى قومه من أنباء الأمم السابقة على بني إسرائيل، قال تعالى في الإِخبار عنهم: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي واستفتح الرسل أي طلبوا من الله تعالى أن يفتح عليهم بنصر على أعدائه وأعدائهم واستجاب الله لهم، {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي خسر وهلك كل ظالم طاغ معاند للحق وأهله، وقوله: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} أي أمامه جهنم تنتظره سيدخلها بعد هلاكه ويعطش ويطلب الماء فتسقيه الزبانية {مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي وهو صديد أهل النار وهو ما يخرج من قيح ودم وعرق، {يَتَجَرَّعُهُ}، أي يبتلعه جرعة بعد أخرى لمرارته {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يدخله جوفه الملتهب عطشاً لقبحه ونتنه ومرارته وحرارته، وقوله تعالى: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي ويأتي هذا الجبار العنيد والذي هو في جهنم يقتله الظمأ فيسقى بالماء الصديد يأتيه الموت لوجود أسبابه وتوفرها من كل مكان إذ العذاب محيط به من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وما هو بميت لأن الله تعالى لم يشأ ذلك قال تعالى: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا}تفسير : [الأعلى: 13] وقال: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36] ومن وراء ذلك العذاب الذي هو فيه {عَذَابٌ} أي لون آخر من العذاب {غَلِيظٌ} أي شديد لا يطاق، وقوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أي شديد هبوب الريح فيه {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ} أي من أعمال في الدنيا {عَلَىٰ شَيْءٍ} أي من الثواب والجزاء والحسن عليها، هذا مثل أعمالهم الصالحة كأنواع الخير والبر والطالحة كالشرك والكفر وعبادة غير الله مما كانوا يرجون نفعه، الكل يذهب ذهاب رماد حملته الريح وذهبت به، مشتدة في يوم عاصف شديد هبوب الريح فيه. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي ذلك الذي دل عليه المثل هو الضلال البعيد لمن وقع فيه إذ ذهب كل عمله سدى بغير طائل فلم ينتفع بشيء منه وأصبح من الخاسرين. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} أي ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلق السماوات والأرض بالحق أي من أجل الإِنسان ليذكر الله تعالى ويشكره فإذا تنكر لربه فكفر به وأشرك غيره في عبادته عذبه بالعذاب الأليم الذي تقدم وصفه في هذا السياق لأن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض عبثاً وباطلاً بل خلقهما وخلق ما فيهما من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن ترك الذكر والشكر عذبه أشد العذاب وأدومه وأبقاه، وقوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها الناس المتمردون على طاعته المشركون به {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} غيركم يعبدونه ويوحدونه {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي بممتنع ولا متعذر لأن الله على كل شيء قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إنجاز وعد لله لرسله في قوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [إبراهيم: 13] الآية. 2- خيبة وخسران عامة أهل الشرك والكفر والظلم. 3- عظم عذاب يوم القيامة وشدته. 4- بطلان أعمال المشركين والكافرين وخيبتهم فيها إذ لا ينتفعون بشيء منها. 5- عذاب أهل الكفر والشرك والظلم لازم لأنهم لم يذكروا ولم يشكروا والذكر والشكر علة الوجود كله فلما عبثوا بالحياة استحقوا عذاباً أبدياً.
د. أسعد حومد
تفسير : (15) - وَاسْتَنْصَرَ الرُّسُلُ بِرَبِّهِمْ عَلَى أَقْوَامِهِمْ، لَمَّا يَئِسُوا مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنَ اللهِ تَعَالَى النَّصْرَ عَلَى الكَافِرِينَ فَنَصَرَهُمُ اللهُ، فَرَبِحُوا، وَخَسِرَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، شَدِيدِ العِنَادِ لِلْحَقِّ. (وَقِيلَ بَلْ مَعْنَاهُ هُوَ: أَنَّ الأُمَمَ اسْتَفْتَحَتْ عَلَى نَفْسِهَا، كَمَا قَالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. تفسير : اسْتَفْتَحُوا - اسْتَنْصَرَ الرُّسُلُ بِاللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. خَابَ كُلُّ جَبَّارٍ - خَسِرَ وَهَلَكَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ مُتَعَاظِمٍ. عَنِيدٍ - مُعَانِدٍ لِلْحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و "استفتح" تعني طلب الفتح، وهناك فتح، واستفتح. وكلمة "فتح" تدل على أن شيئاً مُغْلقاً ينفتح، ومرّة يكون المقصود بالكلمة أمراً حسياً؛ وأحياناً يكون الأمر معنوياً، ومرة ثالثة يكون الفتح بمعنى الفصْل والحُكْم. والمثل على الأمر الحِسيّ قول الحق سبحانه: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ..} تفسير : [يوسف: 65]. ومرَّة يكون الفَتْح معنوياً؛ وبمعنى سابقة الخير والعلم، كقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 76]. وكذلك قول الحق سبحانه: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ..} تفسير : [فاطر: 2]. أما المَثل على الفَتْح بمعنى الفَصْل في الأمر، فالمثل هو قول الحق سبحانه: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 89]. وهكذا نجد للفتْح معاني متعددة، وكلها تدور حول المغاليق هي تٌفَضّ، ويُطلَق الفتح آخر الأمر على النصر، والمثل هو قول الحق سبحانه: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1]. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15]. وهم طلبوا الفتح بمعنى طلبوا النصر، وكانت تلك خيبةً من الكفار؛ فَهُمْ طلبوا الفتح أي النصر؛ وهم قد فعلوا ذلك مظنّة أن عندهم ما ينصرهم. وكيف ينصرهم الله وهم كافرون؟ لذلك يُخيِّب الله ظنهم ويحكم عليهم بمصير كل مَنْ عاش جباراً في الأرض، متكبراً عن عبادة ربه. ويقول سبحانه: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15]. والجبار هو مَنْ يقهر الناس على ما يريده؛ والمقصود هنا هم المُتكبِّرون عن عبادة الحق سبحانه وتعالى، ويعاندون في مسألة الإيمان به سبحانه. وماذا ينتظرهم من بعد ذلك؟ يقول الحق سبحانه: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد {وَٱسْتَفْتَحُواْ} [الآية: 15]. يعني: الرسل كلهم. يقول: استنصروا على قومهم. يقول الله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [الآية: 15]. يعني: معاند للحق مجانبه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} [الآية: 16]. يعني: القيح والدم. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ}. أَي: بمغيثكم، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [الآية: 22]. أَي: بمغيثيّ. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب عن سعيد بن جبير في قوله: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [الآية: 25]. قال: يعني كل ستة أَشهر. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد {كُلَّ حِينٍ} [الآية: 25]. يعني: كل سنة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي جريج في قوله: {بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} [الآية: 28]. ونعمة الله: محمد. والإِيمان بدلوه كفرا، وهم كفار قريش ببدر. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أَبي سلمة، عن أَبي هريرة قال: حديث : تلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} [الآية: 27]. فقال: ذاك إِذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، والإِسلام ديني، ونبيّي محمد جاءَنا بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدقت. فيقال: صدقت. على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث . تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} [الآية: 32] يعني بكل بلدة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [الآية: 34]. يقول: كل ما رغبتم إِليه فيه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم / 36و / نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {مُهْطِعِينَ}. [الآية: 43]. يعني: مُديمي النظر. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} [الآية: 43]. يعني رافعي رؤوسهم. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا إِسرائيل عن أَبي اسحق الهمذاني، عن مرة بن شراحيل في قوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} [الآية: 43]. قال: منخرقة لا تعي أَو تغني شيئاً. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} [الآية: 44] يعني: لا تموتون، لقريش. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ}. قال: تبدل أَرضاً بيضاءَ كأَنها الفضة، {وَٱلسَّمَاوَاتُ} [الآية: 48]. كذلك كأَنها الفضة. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا حماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب، عن أَنس بن مالك قال: حديث : تلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذه الآية: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ} [الآية: 24] قال: هي النخلة. وتلا: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} [الآية: 26]. فقال: الحنظلة . تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا أَبو الربيع السمان عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لو أَن إِبراهيم، خليل الرحمن، قال: فاجعَل أَفئدة الناس تهوي إِليهم. لحجه اليهود والنصارى، ولكنه قال: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 37]. فخص به المؤمنين.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} معناهُ اسْتَنْصَروا. والعَنيدُ: الناكبُ عِن الحَقِّ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَٱسْتَفْتَحُواْ} [إبراهيم: 15] أي: استنصروا القلب والروح من الله عل النفس والهوى فنصرهم {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ} وهو النفس {عَنِيدٍ} وهو لأنه عاند الحق {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} [إبراهيم: 16] أي: قدام النفس في متابعة الهوى جهنم الصفات الذميمة والأخلاق الردية {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} وهو ما يتولد عن الصفات والأخلاق من الأفعال النفسانية الحيوانية السبعية يسقى به الروح صاحب النفس الأمارة الكافرة. {يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: 17] بالتكلف {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} لأنه ليس له من شربه {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ} أسباب الموت من العقوبات {مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: من مكان كل فعل مذموم {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} يستريح من ألم العقوبات التي تتولد من الأفعال في الحال {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} وهو قطيعة البعد والحرمان. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} [إبراهيم: 18] يشير إلى أعمال الذين شتروا الحق بالباطل من أهل الأهواء والبدع {كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} وهي ريح البدعة والاعتقاد السوء {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ} من القبول {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي: المبعد عن الله. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [إبراهيم: 19] يخاطب روح النبي صلى الله عليه وسلم فإن أول ما خلق الله روحه، ثم خلق السماوات والأرض وروحه ناظر به يشاهد خقلتها {بِٱلْحقِّ} أي: بالله ونوره وأيضاً ألم تشاهد أن الله خلق السماوات بالحق مناسباً لسماوات الأرواح وأرض النفوس ليكون بقاء النفوس وفناؤها وصلاح النفوس وفسادها وسعادة النفوس وشقاوتها بتدبير الأرواح وإفاضتها لاستعدادها قبول الفيض الإلهي في اللطف والقهر، وذلك تقدير العزيز العليم {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: هذا الإنسان المستعد لقبول فيض اللطف والقهر {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} مستعد لقبول اللطف والقهر ويأت بخلق جديد مستعد لقبول لطفه وقهره من غير الإنسان {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم: 20] وأنه {أية : إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ [16] يَتَجَرَّعُهُ [17]} 283- أنا سويد بن نصر، أنا عبد الله، عن صفوان بن عمر عن عبيد الله بن يُسر، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ} قال: "حديث : يُقرِّب إليه فيتكرهه،فإذا أدنى منه شُويَ وجْهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطَّع أمعاءه، حتى يخرج من دُبره، يقول الله تعالى : {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] ويقول الله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} [الكهف: 29] ".
همام الصنعاني
تفسير : 1401- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عنْ قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَٱسْتَفْتَحُواْ}: [الآية: 15]، قال: اسْتَنْصَرَتِ الرسُل عَلَى قَوْمِهَا {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}: [الآية: 15]، عن الحق مُعْرِضاً عنه، أبَى أن يقول: لا إلَه إلا الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):