Verse. 1767 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

يَّتَجَرَّعُہٗ وَلَا يَكَادُ يُسِيْغُہٗ وَيَاْتِيْہِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَّمَا ہُوَبِمَيِّتٍ۝۰ۭ وَمِنْ وَّرَاۗىِٕہٖ عَذَابٌ غَلِيْظٌ۝۱۷
YatajarraAAuhu wala yakadu yuseeghuhu wayateehi almawtu min kulli makanin wama huwa bimayyitin wamin waraihi AAathabun ghaleethun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يتجرعه» يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته «ولا يكاد يسيغه» يزدرده لقبحه وكراهته «ويأتيه الموت» أي أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب «من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه» بعد ذلك العذاب «عذاب غليظ» قوي متصل.

17

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ } يتكلف جرعه وهو صفة لماء، أو حال من الضمير في {يُسْقَىٰ } {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } ولا يقارب أن يسيغه فكيف يسيغه بل يغص به فيطول عذابه، والسوغ جواز الشراب على الحلق بسهولة وقبول نفس. {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } أي أسبابه من الشدائد فتحيط به من جميع الجهات. وقيل من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجله. {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} فيستريح. {وَمِن وَرَائِهِ} ومن بين يديه. {عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي يستقبل في كل وقت عذاباً أشد مما هو عليه. وقيل هو الخلود في النار. وقيل حبس الأنفاس. وقيل الآية منقطعة عن قصة الرسل نازلة في أهل مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنيهم التي أرسل الله تعالى عليهم بدعوة رسوله، فخيب رجاءهم فلم يسقهم ووعد لهم أن يسقيهم في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي مثل في الغرابة، أو قوله {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } وهو على الأول جملة مستأنفة لبيان مثلهم. وقيل {أَعْمَـٰلَهُمْ } بدل من الـ {مَثَلُ } والخبر {كَرَمَادٍ }. {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ } حملته وأسرعت الذهاب به وقرأ نافع «الرياح». {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة كقولهم: نهاره صائم وليله قائم، شبه صنائعهم من الصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها هباء منثوراً، لبنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والتوجه بها إليه، أو أعمالهم للأصنام برماد طيرته الريح العاصف. {لاَّ يَقْدِرُونَ} يوم القيامة. {مِمَّا كَسَبُواْ} من أعمالهم. {عَلَىٰ شَىْءٍ } لحبوطه فلا يرون له أثراً من الثواب وهو فذلكة التمثيل. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون. {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق. {أَلَمْ تَرَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته. وقيل لكل واحد من الكفرة على التلوين. {أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} والحكمة والوجه الذي يحق أن تخلق عليه، وقرأ حمزة والكسائي «خالق السموات». {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} يعدمكم ويخلق خلقاً آخر مكانكم، رتب ذلك على كونه خالقاً للسموات والأرض استدلالاً به عليه، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم ثم كونهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع قدر أن يبدلهم بخلق آخر ولم يمتنع عليه ذلك كما قال: {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } بمتعذر أو متعسر فإنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن كان هذا شأنه كان حقيقاً بأن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفاً من عقابه يوم الجزاء. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } أي يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر الله تعالى ومحاسبته، أو {لِلَّهِ } على ظنهم فإنهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش ويظنون أنها تخفى على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم، وإنما ذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاء } الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف الرأي، وإنما كتبت بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } لرؤوسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} في تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم، وهو جمع تابع كغائب وغيب، أو مصدر نعت به للمبالغة أو على إضمار مضاف. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا} دافعون عنا. {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِنْ شَىْءٍ} من الأولى للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله، ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء هو بعض عذاب الله، والإِعراب ما سبق ويحتمل أن تكون الأولى مفعولاً والثانية مصدراً، أي فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإِغناء. {قَالُواْ} أي الذين استكبروا جواباً عن معاتبة الأتباع واعتذاراً عما فعلوا بهم. {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} للإيمان ووفقنا له. {لَهَدَيْنَاكُمْ} ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم كما عرضناكم له، لكن سد دوننا طريق الخلاص. {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} مستويان علينا الجزع والصبر. {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} منجى ومهرب من العذاب، من الحيص وهو العدل على جهة الفرار، وهو يحتمل أن يكون مكاناً كالمبيت ومصدراً كالمغيب، ويجوز أن يكون قوله {سَوَاء عَلَيْنَا} من كلام الفريقين ويؤيده ما روي أنهم يقولون: تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون {سَوَاء عَلَيْنَا}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ } يبتلعه مرّة بعد مرّة لمرارته {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } يزدرده لقبحه وكراهته {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ } أي أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب. {مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَائِهِ } بعد ذلك العذاب {عَذَابٌ غَلِيظٌ } قويّ متصل.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِن كُلِّ مَكَانٍ} من جسده لشدة آلامه، أو يأتيه أسباب الموت عن يمين وشمال وفوق وتحت وقدام وخلف "ع"، أو تأتيه شدائد الموت من كل مكان. {وَمِن وَرَآئِهِ} فيه الوجهان المذكوران. {عَذَابٌ غَلِيظٌ} الخلود في النار.

النسفي

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ } يشربه جرعة جرعة {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله: {أية : لم يكد يراها}تفسير : [النور: 40] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } أي أسباب الموت من كل جهة أو من كل مكان من جسده وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكاً {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } لأنه لو مات لاستراح {وَمِن وَرَائِهِ } ومن بين يديه {عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. {مَثَلُ ٱلَّذِينَ } مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين {كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ } {الرياح} مدني {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح كقولك:«يوم ماطر»، وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف {لاَّ يَقْدِرُونَ } يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُواْ } من أعمالهم {عَلَىٰ شَيْءٍ } أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب {أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم الخطاب لكل أحد {أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } {خالق} مضافاً حمزة وعلي {بِٱلْحَقِّ } بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثاً {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلاماً بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم

الثعالبي

تفسير : وقوله: {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ }: عبارةٌ عن صعوبة أمره عليهم، وروي أنَّ الكافر يؤتَى بالشَّرْبة من شراب أهْل النَّار، فيتكَّرهها، فإِذا أدنيَتْ منه، شَوَتْ وجهه، وسقَطَتْ فيها فروة رأسِهِ، فإِذا شربها، قَطَّعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرَّق في آيات من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ }، أي: مِنْ كل شعرة في بَدَنِهِ؛ قاله إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ، وقيل: مِنْ جميع جهاته السِّتِّ، {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ }: لا يراحُ بالموت، {وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }: قال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ العذابُ الغليظ: حَبْسُ الأنفاسِ في الأجسادِ، وفي الحديث: « حديث : تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَكَلَّمُ بِلَسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلٰهاً آخَرَ، وبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وبِمَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فتنطوي علَيْهم، فتقذفُهُمْ في جهنَّم »تفسير : ، خرَّجه البزَّار، انتهى من «الكوكب الدري». وقوله: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } وصف اليوم بالعُصُوفِ، وهي من صفات الريحِ بالحقيقة؛ لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل] شعر : ....................... وَنِمْت وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ تفسير : وباقي الآية بيِّن. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا }: معناه: صاروا في البِرَازِ، وهي الأرضُ المتَّسِعَة، {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ }، وهم الأتْبَاعُ {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ }، وهم القادة وأهْلُ الرأْي، وقولهم: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } «المحيصُ»: المفرُّ وَالمَلْجَأَ مأخوذٌ منِ حَاصَ يَحيصُ؛ إِذا نفر وفر؛ ومنه في حديث هِرَقْلَ: « فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلى الأَبْوَابِ » وروي عن ابن زيدٍ، وعن محمد بن كَعْب؛ أن أهْلَ النار يقولُونَ: إِنما نال أَهْلُ الجَنَّةِ الرحْمَةَ بالصبر على طاعة اللَّه، فتعالَوْا فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فلا ينتفعونَ، فيقولُون: هلمَّ فَلْنَجْزَعْ، فَيَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ ويَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ سنة أُخرَى، فحينئذٍ يقولُونَ هذه المقَالَةَ {سَوَاءٌ عَلَيْنَا...} الآية، وظاهر الآية أنهم إِنما يقولونها في مَوْقِفِ العرْض وقْتَ البروز بين يَدَي اللَّه عزَّ وجلَّ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله {ويأتيه الموت من كل مكان} قال أنواع العذاب. وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت؛ لأن الله لا يقضي عليهم فيموتوا. وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} قال: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه، فيموت. ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة فتنفعه الحياة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران - رضي الله عنه - في قوله {ويأتيه الموت من كل مكان} قال: من كل عظم وعرق وعصب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - في قوله {ويأتيه الموت من كل مكان} قال: من كل عضو ومفصل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم التيمي - رضي الله عنه - {ويأتيه الموت من كل مكان} قال: من كل موضع شعرة في جسده {ومن ورائه عذاب غليظ} قال: الخلود. وأخرج ابن المنذر عن فضيل بن عياض في قوله {ومن ورائه عذاب غليظ} قال: حبس الأنفاس.

اسماعيل حقي

تفسير : {يتجرعه} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا يفعل به فقيل يتجرعه وفى التفعيل تكلف ومعنى التكلف ان الفاعل يتعانى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته كتشجيع اذ معناه استعمل الشجاعة وكلف نفسه اياها لتحصل فالمعنى. لغلبته العطش واستيلاء الحرارة عليه يتكلف جرعة مرة بعد اخرى لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته ورائحته المنتنة {ولا يكاد يسيغه} اى لا يقارب ان يسيغه ويبتلعه فضلا عن الاساغة بل يغص به فيشير باللتيا والتى جرعة غب جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش واخرى بشربه على تلك الحال فان السوغ انحدار الشراب فى الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفى ما ذكر جميعا وفى الحديث "حديث : انه يقرب اليه فيتكرهه فاذا ادنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فاذا شرب قطع امعاءه حتى تخرج من دبره" تفسير : {ويأتيه الموت} اى اسبابه من الشدائد والآلام {من كل مكان} ويحيط به من الجهات الست فالمراد بالمكان الجهة او من كل مكان من جسده حتى من اصول شعره وابهام رجله وهذا تفظيع لما يصيبه من الالم لو كان ثمة موت لكان واحد منها مهلكا {وماهو ما بميت} اى والحال انه ليس بميت حقيقة فيستريح {ومن ورائه} من بين يديه اى بعد الصديد. وقال الكاشفى [ودربس اوست باجود جنين محنتى كه] {عذاب غليظ} لا يعرف كنهه اى يستقبل كل وقت عذابا اشد واشق مما كان قبله ففيه رفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتبار كما فى عذاب الدنيا. وعن الفضيل هو قطع الانفاس وحبسها فى الاجساد ولذا جاء الصلب اشد انواع العذاب نعوذ بالله. واستثنى من شدة العذاب عما النبى عليه السلام ابو لهب وابو طالب. اما ابو لهب فكان له جارية يقال لها ثويبة وهى اول من ارضعته عليه السلام بعد ارضاع امه له فبشرته بولادته عليه السلام وقالت له أشعرت آن آمنة ولدت ولدا وفى لفظ غلاما لاخيك عبدالله فاعتقها ابو لهب وقال انت حرة فجوزى بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بان يسقى ماء فى جهنم فى تلك الليلة اى ليلة الاثنين فى مثل النقرة التى بين السبابة والابهام. وفى المواهب رؤى ابو لهب بعد موته فى المنام فقيل له ما حالك قال فى النار الا انه يخفف عنى كل ليلة اثنين وامص من بين اصبعى هاتين ماء واشار برأس اصبعيه وان ذلك باعتاقى لثويبة عند ما بشرتنى بولادة النبى صلى الله عليه وسلم بارضاعها له كذا فى عيون الانسان. واما ابو طالب حديث : فقال العباس رضى الله عنه قلت يا رسول الله هل نفعت ابا طالب بشيء فانه كان يحوطك قال "نعم هو فى ضحضاح من النار ولولا انا لكان فى الدرك الاسفل من النار" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الكافر يخفف عنه العذاب بالشفاعة" تفسير : لعل هذا يكون مخصوصا بابى طالب كما فى شرح المشارق لابن الملك. قال فى انسان العيون قبول شفاعته عليه السلام فى عمه ابى طالب عدّ من خصائصه عليه السلام فلا يشكل بقوله تعالى {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم القيامة شفعت لابى وامى وعمى ابى طالب واخ لى كان فى الجاهلية" تفسير : يعنى اخاه من الرضاعة من حليمة ويجوز ان يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل احيائهما وايمانهما به وكذا لاخيه فانه كان قبل ان يسلم وقد صح ان حليمة واولادها اسلموا انتهى الكل فى الانسان وفى الحديث "حديث : يقال لاهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو ان لك ما فى الارض من شيء أكنت تفدى به فيقول نعم فيقال اردت منك اهون من هذا وانت فى صلب آدم ان لا تشرك بى شيئا فما اردت الا ان تشرك بى شيئا" تفسير : كما فى المصابيح

الطوسي

تفسير : قوله {يتجرعه} معناه يشرب ذلك الصديد جرعة جرعة، يقال: تجرّع تجرعاً، وجرعه يجرعه جرعاً، والتجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار. وقوله {ولا يكاد يسيغه} أي لا يقاربه، وانما يضطر اليه. قال الفراء: {لا يكاد} يستعمل فيما يقع وفيما لا يقع، فيما يقع هو هذا، وما لم يقع مثل قوله {أية : لم يكد يراها}تفسير : لان المعنى لم يرها. والاساغة إجراء الشراب في الحلق على تقبل النفس، وهذا يضطر اليه، فلذلك قال {ولا يكاد يسيغه} والمعنى فلا يقارب ان يشربه تكرهاً، وهو يشربه، تقول: ساغ يسوغ الشيء وأسغته أنا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : ما يتجرّعه يقرب اليه فيتكرّهه، فاذا أدني منه شوي وجهه ووقعت فروة رأسه, فاذا شربه قطع امعاءه حتى يخرج من دبره"تفسير : كما قال {أية : وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم}تفسير : وقال {أية : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب}. تفسير : وقوله {ويأتيه الموت من كل مكان} قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس والجبائي: من كل جهة، من عن يمينه وشماله ومن فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه. وقال ابراهيم التيمي وابن جريج: معناه {من كل مكان} من جسده حتى من أطراف شعره {وما هو بميت} اي انه مع إِتيان اسباب الموت والشدائد التي يكون معها الموت {من كل جهة} من شدة الأهوال، وأنواع العذاب، وليس هو بميت {ومن ورائه عذاب غليظ} وقيل في معناه قولان: احدهما - من أمامه. والثاني - ومن بعد عذابه هذا {عذاب غليظ}. وقوله {مثل الذين كفروا بربهم} اي فيما يتلى عليكم {مثل الذين كفروا بربهم}، فيكون رفعاً بالابتداء ويجوز ان يكون (مثل) مقحماً ويبتدىء الذين كفروا. وقوله {أعمالهم} رفع على البدل وهو بدل الاشتمال عليه في المعنى، لان المثل للاعمال، وقد أضيف الى الذين كفروا، ومثله {أية : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} تفسير : والمعنى ترى وجوههم مسودة. قال الفراء: لانهم يجدون المعنى في آخر الكلمة، فلا يبالون ما وقع على الاسم المبتدأ، ومثله قوله {أية : لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم}تفسير : فاعيدت اللام في البيوت، لانها التي يراد بالسقف. وقال المبرد: {أعمالهم} رفع بالابتداء وخبره {كرماد}، والرماد الجسم المنسحق بالاحراق سحق الغبار. ويمكن ان يجعل (مثل) صفة بغير نار في مقدور الله. وقوله {اشتدت به الريح في يوم عاصف} فالاشتداد الاسراع بالحركة على عظم القوة، يقال: اشتد به الوجع من هذا، لانه أسرع اليه على قوة ألم والعصف شدة الريح، {يوم عاصف} أي شديد الريح، وجعل العصف صفة اليوم، لانه يقع فيه، كما يقال: ليل نائم، ويوم ماطر، أي يقع فيه النوم والمطر، ويجوز ان يكون المراد عاصف ريحه، وحذف الريح للدلالة عليه، ومثله حجر ضبّ خرب اي خرب حجره، ويقال: عصفت الرياح إِذا اشتدت وعصفت تعصف عصوفاً. شبه الله تعالى أعمال الكفار في انه لا محصول لها؛ ولا انتفاع بها يوم القيامة، بالرماد الذي يشتد فيه الريح العاصف، فإِنه لا بقاء لذلك الرماد، ولا لبث فكذلك أعمال الكافر لا يقدر منها على شيء، كما قال في موضع آخر {أية : وقدِمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً}تفسير : وقوله {ذلك هو الضلال البعيد} اي من وصفناه فهو الذي ضل عن الحق والخير ضلالاً بعيداً.

الجنابذي

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ} يتكلّفه جرعة جرعة لغاية كراهته له {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} بحسب اسبابه لانّه يحيط به اسبابه من جميع جهاته {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} فيستريح {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} اعاذنا الله بمنّه وفضله وقدم احسانه، وقد فسّر العذاب الغليظ الّذى له بعد ذلك العذاب بحميم تغلى به جهنّم منذ خلقت كالمهل يشوى الوجوه بئس الشّراب وسائت مرتفقاً.

اطفيش

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ} أى ينكف بلعه مرة أخرى ويجبر على بلعه والجملة حال من الضمير فى يسقى أو نعت لماء، {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} لا يقارب أن يبلغه بسهولة وقبول نفس فضلا عن أن يبلعه بل يغص به فيطول عذابه ولا يخفى ما فى ذلك من المبالغة فإِن نفى مقاربة الوقوع الشىء أبلغ من معنى وقوعه ويجوز أن يراد بالسوغ مجرد البلع أى لا يقارب بلعه فضلا عن أن يقع البلع أو لا يبلغه إِلا بعد بطء تقول العرب ما كدت أفعل أى فعلت بعد بطء، وهذا الأَوجه هى التى تقبل فى الصناعة والمعنى لا ما قيل أن يكاد زائد والأَصل لا يسيغه ولا ما قيل أن الأَصل ويكاد لا يسيغه فقدمت لا وخرج أحمد واستغربه والترمذى والنسائى والحاكم وصححه وغيرهم عن أبى أمامه أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال فى قوله تعالى: "حديث : {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} يقرب إليه فيستكرهه فإِذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه أى جلدته فإِذا شربه قطع أمعَاءه حتى تخرج من دبره يقول الله وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم وقال: إِن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه تفسير : ، {وَيَأْتِيهِ الموْتُ} أى أسبابه من حيات وعقارب وأوجاع وجوع وعطش وغير ذلك، {مِن كُلِّ مَكَانٍ} من كل جهة من الجهات الست أو ما يأْتيه ألم الموت من كل موضع من جسده حتى إِبهام رجله. قال إِبراهيم التيمى حتى أصل كل شعرة. {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} فيستريح، {وَمِن وَرَائِهِ} أى خلفه، {عَذَابٌ غَلِيظٌ} أى يستقبله فى كل وقت عذاب أشد مما هو فيه والشىء المستقل لما لم يكن غير حاضر صح وصفه بأَنه خلف لأَنه لم يشعر به ولم ير فهو كالشىء خلف الإِنسان، وفسر أيضاً بأمامه وقيل العذاب الغليظ الخلود فى النار، وعن الفضيل ابن عياض: حبس الأَنفاس فى الأَجساد، قال رجل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ابن آدم ضعيف إِنما تكفيه لدغة من نار، فأنزل الله كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، وعن ابن مسعود غلظ جلد الكافر سبعون ذراعاً وضرسه مثل أحد وفخذه مسيرة يومين وتشتعل فيه مثل ما بينى وبين المدينة، وعن بعضهم لولا ذلك للهبتهم كما تلهب الذباب، وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : يخرج عنق من النار يكلم بلسان طليق له عينان يبصر بهما ولها لسان تكلم به وتقول إِنى أمرت بمن جعل مع الله إِلهاً آخر وبكل جبار عنيد وبمن قتل نفسا بغير نفس فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام فيطوى سلبهم فيقذفهم فى جهنم"تفسير : . وانتهى كلام موسى فى قوله المتوكلون حكى لقومه ما قالت الرسل لأُممهم وما قالت أُممهم لهم ثم ذكر الله جل وعلا ما قالت أيضا الأُمم لرسلهم وما أوحى إِلى الرسل وذكر الاستِفتاح وما يتصل به إِلى غليظ، ويجوز أن ينتهى كلام موسى إِلى غليظ، قيل ويجوز أن يكون قوله واستفتحوا مستأنفا فى أهل مكة بمعنى استمطروا والفتح المطر فى سنى القحط التى أُرسلت عليهم بدعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يسقوا فذكر الله سبحانه ذلك وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى فى جهنم بدل سقياه ماء آخر وهو صديد أهل النار ومن فى زرعه دود أو جراد أو فأَر فليكتب: وقال الذين كفروا لرسلهم إِلى غليظ فى أربعة ألواح من خشب الزيتون صبح الأَربعاء قبل طلوع الشمس ويدفن فى كل ركن لوحا ويقرأ ذلك عند الدفن ثلاثا.

اطفيش

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ} يعالج أَن يبلعه لحرصه على الشراب، ولا ينفعه أَو يجبر على بلعه مرة بعد أُخرى، أَو يطاوع التجريع أَو يتمهل فى الجرع شيئاً فشيئاً، والجرع حال من ضمير يسقى، أَو نعت لماءِ أَو حاله، أَو نعت لصديد، أَو مستأْنف للبيان كأَنه قيل: ما حاله مع مرارته وحرارته ونتنه وخبثه؟ فقال: يتجرعه. {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} يجيزه فى حلقه بالبلع، فهو يشربه بالقهر مع بعد ذلك فى الطبع يغصه فى حلقه ثم يصل بطنه ويذيب أمعاءَه، كما قيل: يعرض عليه ولا يشربه، وقد قيل: المعنى يكاد لا يسيغه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى الآية:"حديث : يقرب إٍلى فيه فيكرهه، فإِذا أُوتى منه شوى وجهه، ووقعت جلدة رأَسه، فإِذا شربه قطع أَمعاءَه حتى تخرج من دبره"، "أية : وسقوا ماءً حميماً فقطع أَمعاءَهم" تفسير : [محمد: 15] " أية : وإِن يستغيثوا "تفسير : [الكهف: 29] الاية "أية : يصهر به ما فى بطونهم"تفسير : [الحج: 20] فذلك دليل على وصوله أَو وصول بعضه جوفه بالإِساغة قهراً، أَو يؤول لا يسيغه بلا يستطيبه كما قيل: لأَن انتفاءَ الاستطابة متعين، وانتفاءَ قربها متعين، أَو الإِساغة، البلع مع استطابة {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ} أَسباب الموت من الغص فى حلقه وإِذابة أَمعائه فيطول عذابه بلا انقطاع {مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} من كل نوع من أَنواع العذاب التى لو كانت فى الدنيا لمات، أو تحيط به من جميع الجهات الست، أو من كل مكان من جسده من كل شعرة ومن إِبهام رجليه إلى شعر رأسه، والتعميم أَولى، ومنه أَن يعلق نفسه من حلقومه فلا تخرج من فيه فيستريح ولا ترجع لموضعها فيهنأَ بها {ومَا هُوَ بِمَيِّتٍ} مع وجود أَسباب الموت كلها فلا استراحة لهم {وِمنْ وَرَائِهِ} خلفه أَو قدامه أَو بعد حاله، ويجوز رد الضمير للماءِ {عَذَابٌ غَلِيظٌ} من ضرب بمقامع من نار والإِحراق بالنار والزمهرير والجوع ووجع الأَسنان، وعذاب بعد عذاب بلا نهاية، وازدياد العذاب أَبدا والخلود، وقيل: حبس النفس فى الحلق، وقيل: قوله: واستفتحوا إِلى هنا فى قريش طلبوا السقى فى سنى المجاعة كما مر فخابوا، وعوضهم صديد النار وأَنواع عذابها.

الالوسي

تفسير : {يَتَجَرَّعُهُ} جوز أبو البقاء كونه صفة لماء أو حالاً منه أو استئنافاً. وجوز أبو حيان كونه حالاً من ضمير {أية : يُسْقَىٰ } تفسير : [إبراهيم: 16] والاستئناف أظهر وهو مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه أي يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لغلبة العطش واستيلاء الحرارة عليه {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن الإساغة بل يغص به فيشربه بعد اللتيا والتي جرعة غب جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحالة؛ فإن السِّواغٍ انحدار الماء انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يفيد نفي ما ذكر جميعاً، وقيل: تفعل مطاوع فعل يقال: جرعه فتجرع وقيل: إنه موافق للمجرد أي جرعه كما تقول عدا الشيء وتعداه، وقيل: الإساغة الإدخال في الجوف، والمعنى لا يقارب أن يدخله في جوفه قبل أن يشربه ثم شربه على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [البقرة: 71] أي ما قاربوا قبل الذبح، وعبر عن ذلك بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة. أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم عن أبـي أمامة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: «حديث : يقرب إليه فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» تفسير : يقول الله تعالى: {أية : وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } تفسير : [محمد: 15] وقال سبحانه: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوجُوهَ } تفسير : [الكهف: 29] ويسيغه بضم الياء لأنه يقال: ساغ الشراب وأساغه غيره وهو الفصيح وإن ورد ثلاثيه متعدياً أيضاً على ما ذكره أهل اللغة، وجملة {لاَ يَكَادُ} إلى آخره في موضع الحال من فاعل {يَتَجَرَّعُهُ} أو من مفعوله أو منهما جميعاً. {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ} أي أسبابه من الشدائد وأنواع العذاب فالكلام على المجاز أو بتقدير مضاف {مّن كُلّ مَكَانٍ } أي من كل موضع، والمراد أنه يحيط به من جميع الجهات كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال إبراهيم التيمي: من/ كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره وروي نحو ذلك عن ميمون بن مهران ومحمد بن كعب، وإطلاق المكان على الأعضاء مجاز، والظاهر أن هذا الإتيان في الآخرة. وقال الأخفش: أراد البلايا التي تصيب الكافر في الدنيا سماها موتاً لشدتها ولا يخفى بعده لأن سياق الكلام في أحوال الكافر في جهنم وما يلقى فيها {وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } أي والحال أنه ليس بميت حقيقة كما هو الظاهر من مجيء أسبابه على أتم وجه فيستريح مما غشيه من أصناف الموبقات. {وَمِن وَرَائِهِ } أي من بين يدي من حكم عليه بما مر {عَذَابٌ غَلِيظٌ} يستقبل كل وقت عذاباً أشد وأشق مما كان قبله، وقيل: في {وَرَاء } هنا نحو ما قيل فيما تقدم أمامه، وذكر هذه الجملة لدفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا، وقيل: ضمير ورائه يعود على العذاب المفهوم من الكلام السابق لا على كل جبار، وروي ذلك عن الكلبـي، والمراد بهذا العذاب قيل: الخلود في النار وعليه الطبرسي، وقال الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. هذا وجوز في "الكشاف" أن تكون هذه الآية ـ أعني قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْتَحُواْ }تفسير : [إبراهيم: 15] إلى هنا ـ منقطعة عن قصة الرسل عليهم السلام نازلة في أهل مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنينهم التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيب سبحانه رجاءهم ولم يسقهم ووعدهم أن يسنيهم في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار، والواو على هذا قيل: للاستئناف، وقيل: للعطف إما على قوله تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 2] أو على خبر {أية : أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 3] لقربه لفظاً ومعنى، والوجه الأول أوجه لبعد العهد وعدم قرينة تخصيص الاستفتاح بالاستمطار ولأن الكلام على ذلك التقدير يتناول أهل مكة تناولاً أولياً فإن المقصود من ضرب القصة أن يعتبروا.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَرَآئِهِ} (17) - يَشْرَبُهُ قَسْراً وَقَهْراً، جَرْعَةً بَعْدَ جَرْعَةٍ، وَلاَ يَكَادُ يَبْتَلِعُهُ لِسُوءِ طَعْمِهِ، وَنَتْنِ رَائِحَتِهِ، وَحَرَارَتِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَعَ أَمْعَاءَهُ، وَيَأْتِيهِ العَذَابُ بِأَنْوَاعِهِ، لَيْسَ مِنْهَا نَوْعٌ إِلا يَأْتِيهِ المَوْتُ مِنْهُ، وَلكِنَّهُ لاَ يَمُوتُ لِيَخْلُدَ فِي النَّارِ وَالعَذَابِ، وَلَهُ بْعَدَ هَذِهِ الحَالَةِ عَذَابٌ آخَرَ شَدِيدٌ غَلِيظٌ أَدْهَى مِنَ الذِي قَبْلَهُ وَأَمَرُّ. يَتَجَرَّعُهُ - يَتَكَلَّفُ بَلْعَهُ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ، وَمَرَارَةِ طَعْمِهِ. لاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ - لاَ يَكَادُ يَبْتَلِعُهُ لِشِدَّةِ كَرَاهَتِهِ وَنَتْنِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويتجرعه أي: يأخذه جَرْعة جَرْعة، ومن فرط مرارته لا تكون له سيولة تُستسَاغ؛ فيكاد يقف في الحَلْق؛ والإنسان لا يأخذ الشيء جَرْعة جَرْعة إلا إذا كان لا يقدر على استمرار الجرعة؛ ولكن هذا المشروب من الصديد لا يكاد يستسيغه مَنْ يتجرعه. ويقال: استساغ الشيء. أي: ابتلعه بسهولة. وقوله سبحانه: {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ..} [إبراهيم: 17]. أي: لا يكاد يبلعه بسهولة فطعْمُه وشكله غير مقبولين. ويتابع سبحانه: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ..} [إبراهيم: 17]. أي: ينظر حوله فيجد الموت يحيط به من كل اتجاه، لكنه لا يموت، ويُفاجأ بأن العذاب يحيط به من كل اتجاه مُصدِّقاً لقول الحق سبحانه: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17]. هكذا يتعذب الجبار المتعنت في أمر الإيمان. وإذا قِسْنَا العذاب الغليظ بأهونِ عذاب يلقَاهُ إنسان من النار لوجدنا أنه عَذابٌ فوق الاحتمال؛ فها هو صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لَرجلٌ يُوضعَ في أخْمَص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ". تفسير : فمَا بالُنَا بالعذاب الغليظ، وقانا الله وإياكم شرَّه؟ ويقول سبحانه من بعد ذلك قضية كونية: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} معناه مِن تَحتِ كُلِّ شَعْرةٍ وظفرٍ. ويقال: أَنواعُ العَذابِ الذي يَحدُثُ يَومَ القِيامَةِ فِي نَارِ جَهنَّمَ، وَليسَ مِنهَا نَوعٌ إِلاَّ يَاتِيهِ المَوتُ مِنهُ. لَو كَانَ يَموتُ ولَكِنهُ لاَ يَمُوت، لأَنهُ تَبارك وتَعالى لاَ يَقضِي عَلَيهم فَيَموتُوا، وَلاَ يُخَفِّفُ عَنهم من عَذَابِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} يعني شَديداً.