Verse. 1768 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

مَثَلُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِرَبِّہِمْ اَعْمَالُہُمْ كَرَمَادِۨ اشْـتَدَّتْ بِہِ الرِّيْحُ فِيْ يَوْمٍ عَاصِفٍ۝۰ۭ لَا يَقْدِرُوْنَ مِمَّا كَسَبُوْا عَلٰي شَيْءٍ۝۰ۭ ذٰلِكَ ہُوَالضَّلٰلُ الْبَعِيْدُ۝۱۸
Mathalu allatheena kafaroo birabbihim aAAmaluhum karamadin ishtaddat bihi alrreehu fee yawmin AAasifin la yaqdiroona mimma kasaboo AAala shayin thalika huwa alddalalu albaAAeedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«مثل» صفة «الذين كفروا بربهم» مبتدأ ويبدل منه «أعمالهم» الصالحة كصلة وصدقة في عدم الانتفاع بها «كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» شديد هبوب الريح فجعلته هباءً منثورا لا يقدر عليه والمجرور خبر المبتدأ «لا يقدرون» أي الكفار «مما كسبوا» عملوا في الدنيا «على شيء» أي لا يجدون له ثوابا لعدم شرطه «ذلك هو الضلال» الهلاك «البعيد».

18

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً، وذلك هو الخسران الشديد. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في ارتفاع قوله: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ } وجوه: الأول: قال سيبويه: التقدير: وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم، وقوله: {كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقيل: أعمالهم كرماد. الثاني: قال الفراء: التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله: {أَعْمَـٰلُهُمْ } ومثله قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } تفسير : [السجدة: 7] أي خلق كل شيء، وكذا قوله: { أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } تفسير : [الزمر: 60] المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. الثالث: أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون، وماله مبذول. الرابع: أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } والتقدير: مثل أعمالهم وقوله: {كَرَمَادٍ } هو الخبر. الخامس: أن يكون المثل صلة وتقديره: الذين كفروا أعمالهم. المسألة الثانية: اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه: الوجه الأول: أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم، ولولا كفرهم لانتفعوا بها. والوجه الثاني: أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيماناً وطريقاً إلى الخلاص، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم. والوجه الثالث: أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضاً وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ }. المسألة الثالثة: قرىء الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة، وإنما السكور لريحها قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف، وإن شئت قلت: في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكوراً قبل ذلك، وقرىء في يوم عاصف بالإضافة. المسألة الرابعة: قوله: {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَىْء } أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد، وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسباً لأفعاله. واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: {خَـٰلِقٌ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } على اسم الفاعل على أنه خبر أن والسموات والأرض على الإضافة كقوله: { أية : فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [إبراهيم: 10]. { أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } تفسير : [الأنعام: 95]. و { أية : جَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً } تفسير : [الأنعام: 96] والباقون خلق على فعل الماضي: {ٱلسَّمَواتِ وٱلأَرْضِ } بالنصب لأنه مفعول. المسألة الثالثة: قوله: {بِٱلْحَقِّ } نظير لقوله في سورة يونس: { أية : وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [يونس: 5] ولقوله في آل عمران: { أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191] ولقوله في ص: { أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } تفسير : [صۤ: 27] أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وأما المعتزلة فيقولون: إلا بالحق، أي لم يخلق ذلك عبثاً بل لغرض صحيح. ثم قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } والمعنى: أن من كان قادراً على خلق السموات والأرض بالحق، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادراً على الأسهل الأضعف أولى. قال ابن عباس: هذا الخطاب مع كفار مكة، يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم. ثم قال: {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} اختلف النحويون في رفع «مَثَلُ» فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر مضمر؛ التقدير: وفيما يُتلى عليكم أو يُقَصّ «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ» ثم ابتدأ فقال: «أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ» أي كمثل رماد {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ}. وقال الزجاج: أي مَثَل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالُهم كرماد، وهو عند الفرّاء على إلغاء المَثَل، التقدير: والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وعنه أيضاً أنه على حذف مضاف؛ التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد؛ وذكر الأول عنه المهدويّ، والثاني القُشَيريّ والثّعلبيّ ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال: صفة فلان أسمر؛ فـ «مَثَلُ» بمعنى صفة. ويجوز في الكلام جر «أعمالهم» على بدل الاشتمال من «الَّذِينَ» وٱتصل هذا بقوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} والمعنى: أعمالهم مُحْبَطة غير مقبولة. والرماد ما بقي بعد ٱحتراق الشيء؛ فضرب الله هذه الآية مثلاً لأعمال الكفّار في أنه يمحقها كما تمحق الرّيحُ الشديدة الرّمادَ في يوم عاصف. والعَصْفُ شدة الريح؛ وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى. وفي وصف اليوم بالعُصُوف ثلاثة أقاويل: أحدها ـ أن العُصُوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الرّيح تكون فيه، فجاز أن يقال: يوم عاصف، كما يقال: يوم حارّ ويوم بارد، والبرد والحرّ فيهما. والثاني ـ أن يريد {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} الرّيح؛ لأنها ذكرت في أول الكلمة، كما قال الشاعر:شعر : إذا جـاء يـومٌ مُظْلِـمُ الشَّمسِ كـاسِفُ تفسير : يريد كاسف الشمس فحذف؛ لأنه قد مرّ ذكره؛ ذكرهما الهَرَويّ. والثالث ـ أنه من نعت الريح؛ غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل: جُحْرُ ضَبٍّ خرِبٍ؛ ذكره الثعلبيّ والماورديّ. وقرأ ٱبن (أبي) إسحق وإبراهيم بن أبي بكر «في يومِ عاصفٍ». {لاَّ يَقْدِرُونَ} يعني الكفار. {مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ} يريد في الآخرة؛ أي من ثواب ما عمِلوا من البِرّ في الدنيا، لإحباطه بالكفر. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي الخسران الكبير؛ وإنما جعله كبيراً بعيداً لفوات ٱستدراكه بالموت. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} الرؤية هنا رؤية القلب؛ لأن المعنى: ألم ينته علمك إليه؟. وقرأ حمزة والكسائي ـ «خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ». ومعنى «بِالْحَقِّ» ليستدلّ بها على قدرته. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها الناس؛ أي هو قادر على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء؛ فلا تعصوه فإنكم إن عصيتموه {يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أفضل وأطوع منكم؛ إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال. {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي منيع متعذر.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت، وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} أي: مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء، فلم يجدوا شيئاً، ولا ألفوا حاصلاً، إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أي: ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]، وقوله تعالى: {أية : مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 117]، وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]، وقوله في هذه الآية: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَثَلُ } صفة {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } مبتدأ ويبدل منه {أَعْمَٰلَهُمْ } الصالحة كصلة وصدقة في عدم الانتفاع بها {كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } شديد هبوب الريح فجعلته هباء منثوراً لا يُقْدَرُ عليه والجار والمجرور خبر المبتدأ {لاَّ يَقْدِرُونَ } أي الكفار {مِمَّا كَسَبُواْ } عَمِلُوا في الدنيا {عَلَىٰ شَىْءٍ } أي لا يجدون له ثواباً لعدم شرطه {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ } الهلاك {ٱلْبَعِيدُ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{مثل الذين كفروا بربّهم أعمالُهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف} وهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكافر في أنه لا يحصل على شيء منها، بالرماد الذي هو بقية النار الذاهبة لا ينفعه، فإذا اشتدت به الريح العاصف: وهي الشديدة: فأطارته لم يقدر على جمعه، كذلك الكافر في عمله. وفي قوله{في يوم عاصف} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه، كما يقال يوم بارد، ويوم حار، لأن البرد والحر يكونان فيه. الثاني: أن المراد به في يوم عاصف الريح، فحذف الريح لأنها قد ذكرت قبل ذلك. الثالث: أن العصوف من صفة الريح المقدم ذكرها، غير أنه لما جاء بعد اليوم ابتع إعرابه. {لا يقدرون مما كسَبَوا على شيءٍ}يحتمل وجهين: أحدهما: لا يقدرون في الآخرة على شيء من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا لإحباطه بالكفر. الثاني: لا يقدرون على شيء مما كسبوه من عروض الدنيا، بالمعاصي التي اقترفوها، أن ينتفعوا به في الآخرة. {ذلك هو الضلال البعيد}وإنما جعله بعيداً لفوات استدراكه بالموت.

ابن عطية

تفسير : اختلف في الشيء الذي ارتفع به قوله: {مثل}، فمذهب سيبويه رحمه الله أن التقدير: فيما يتلى عليكم أو يقص: {مثل الذين كفروا}. ومذهب الكسائي والفراء: أنه ابتداء خبره {كرماد} والتقدير عندهم: مثل أعمال الذين كفروا كرماد، وقد حكي عن الفراء: أنه يرى إلغاء {مثل} وأن المعنى: الذين كفروا أعمالهم كرماد، وقيل: هو ابتداء و {أعمالهم} ابتداء ثان، و {كرماد} خبر الثاني، والجملة خبر الأول، وهذا عندي أرجح الأقوال وكأنك قلت: المتحصل مثالاً في النفس للذين كفروا هذه الجملة المذكورة، وهي: {أعمالهم كرماد}. وهذا يطرد عندي في قوله تعالى: {أية : مثل الجنة} تفسير : [الرعد: 35، محمد: 15]. وشبهت أعمال الكفرة ومساعيهم في فسادها وقت الحاجة وتلاشيها بالرماد الذي تذروه الريح، وتفرقه بشدتها حتى لا يبقى أثر، ولا يجتمع منه شيء، ووصف "اليوم" بـ "العصوف" - وهي من صفة الريح بالحقيقة - لما كانت في اليوم، ومن هذا المعنى قول الشاعر [جرير]: شعر : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : يومين غيمين ويوماً شمساً تفسير : فأعمال الكفرة لتلاشيها لا يقدرون منها على شيء. وقرأ نافع وحده وأبو جعفر "الرياح" والباقون "الريح" بالإفراد وقد تقدم هذا ومعناه مستوفى بحمد الله. وقوله: {ذلك} إشارة إلى كونهم بهذه الحال، وعلى مثل هذا الغرور، و {الضلال البعيد} الذي قد تعمق فيه صاحبه وأبعد عن لاحب النجاة. وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر "في يوم عاصف" بإضافة يوم إلى عاصف، وهذا بين، وقرأ السلمي: "ألم تر" بسكون الراء، بمعنى ألم تعلم من رؤية القلب. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: "خلق السماوات" وقرأ حمزة والكسائي "خالق السماوات" فوجه الأولى: أنه فعل قد مضى، فذكر كذلك، ووجه الثانية: أنه كـ {أية : فاطر السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام: 14 يوسف: 101 إبراهيم: 10 الزمر: 46 الشورى: 11] و {أية : فالق الإصباح} تفسير : [الأنعام: 96]. وقوله: {بالحق} أي بما يحق في جوده، ومن جهة مصالح عباده، وإنفاذ سابق قضائه، ولتدل عليه وعلى قدرته. ثم توعد تبارك وتعالى بقوله: {إن يشأ يذهبكم} أي يعدمكم ويطمس آثاركم. وقوله: {بخلق جديد} يصح أن يريد: من فرق بني آدم، ويصح غير ذلك، وقوله: {وما ذلك على الله بعزيز} أي بممتنع.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّثَلُ} أعمال {الَّذِينَ كَفَرُواْ} في حبوطها وبطلانها وأنه لا يحصل منها على شيء بالرماد المذكور {عَاصِفٍ} شديدة وصف اليوم بالعصوف لوقوعه فيه كما يقال يوم حار ويوم بارد أو أراد عاصف الريح فحذف لتقدم ذكر الريح، أو العصوف من صفة الريح المذكورة فلما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {الرياح} على الجمع: أبو جعفر ونافع. الباقون على التوحيد {خالق السموات والأرض} بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف. الباقون بلفظ الفعل. {سبلنا} بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو {لي عليكم} بفتح الياء: حفص. {بمصرخي} بكسر الياء: حمزة. الآخرون بالفتح {أشركتموني} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل {البوار} ممالة: أبو عمرو وعلي: {ليضلوا} بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بضمها. {لعبادي الذين} مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى. الباقون بالفتح. {من كل} بالتنوين: يزيد وعباس. الباقون بالإضافة. الوقوف: {عاصف} ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم {على شيء} ط {البعيد} ه {بالحق} ط {جديد} ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام {بعزيز} ه {من شيء} ط {لهديناكم} ط {محيص} ه {فأخلفتكم} ط {فاستجبتم لي} ج لاختلاف الجملتين {أنفسكم} ط لابتداء النفي {بمصرخي} ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: {إني كفرت} قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان {من قبل} ط {أليم} ه {بإذن ربهم} ط {سلام} ه {في السماء} ه لا {ربها} ط {يتذكرون} ه {من قرار} ط {وفي الآخرة} ج لتكرار اسم الله تعالى في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: {ويفعل الله} لأنه في المعنى بيان قوله: {ويضل الله} {وما يشاء} ه {البوار} لا {جهنم} ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل {أحلوا} أو مم مفعوله أو من كليهما {يصلونها} ط {القرار} ه{عن سبيله} ط {إلى النار} ه {ولا خلال} ه {رزقاً لكم} ط {بأمره} ج {الأنهار} ج {دائبين} ج {والنهار} ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر {سألتموه} ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام {لا تحصوها} ط {كفار} ه. التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم. فقال: {مثل الذين} وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم. وقوله: {أعمالهم كرماد} جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم. وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا. وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً. وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا {أعمالهم كرماد} كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون {أعاملهم} بدلاً والخبر {كرماد} وحده. والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف. قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر". قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة. وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام. ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً. ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به. وقوله: {مما كسبوا على شيء} القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: {ذلك هو الضلال البعيد} أي عن الحق والثواب. ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟ فقال: {ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق} مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه سبحانه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو. ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: {إن يشأ يذهبكم} وقد مر مثله في سورة النساء. {وما ذلك على الله بعزيز} بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور. فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: {إن يشأ يذهبكم} فما فائدة قوله: {ويأت بخلق جديد} وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟ قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه. وللحكيم أن يستدل بقوله: {يذهبكم} على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض. والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور. وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: {وبرزوا} بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل {أية : وسيق}تفسير : [الزمر: 73] {أية : ونادى}تفسير : [الأعراف: 48] والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم. ومعنى بروزهم لله وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله. فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه. قال أبو بكر الأصم: قوله: {وبرزوا لله} هو المراد من قوله: {ومن ورائه عذاب غليظ} وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال. وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة. كتب {الضعفواء} بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: {أية : علماء بني إسرائيل}تفسير : [الشعراء: 197] والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته تعالى فضلوا وأضلوا. قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس. وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية {فهل أنتم مغنون} هل يمكنكم دفع عذاب الله {عنا} ومن في {من عذاب الله} للتبيين وفي {من شيء} للتبعيض. والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله {قالوا لو هدانا الله لهديناكم}. عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى. وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: {أية : يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم}تفسير : [المجادلة: 18] واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الآية: 23] وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وزيف بأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف فقد فعله. وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} وإعرابه كقوله: {أية : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}تفسير : [البقرة: 6] أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر. وجوز في الكشاف أن يكون قوله: {سواء علينا} الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: {أية : ذلك ليعلم أني لم أخنه}تفسير : {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف. ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن. ومعنى {قضي الأمر} قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة. والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة. وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار. يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: {إن الله وعدكم وعد الحق} وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول"تفسير : . ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال. وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم. الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد. ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك. ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: {وما كان لي عليكم من سلطان} من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي {إلا أن دعوتكم} قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط. {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله تعالى عليه حجة. هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره. قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره. وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟ جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله سبحانه ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر. وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة. هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام. وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة. ثم حكى الله سبحانه عن الشيطان أنه قال: {ما أنا بمصرخكم} قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم. قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث. صرخ فلان إذا استغاث. وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته. وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: {وما أنتم بمصرخيّ} لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء. وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره. قوله: {إني كفرت بما أشركتموني} إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه. ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة. أما قوله: {إن الظالمين لهم عذاب أليم} فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته. ثم شرع في أحوال السعداء وقال: {وأدخل} على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: {بإذن ربهم} متعلق بـ {أدخل} أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره. وقرأ الحسن {وأدخل} على لفظ المتكلم. قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: {بإذن ربهم} بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم. وقد تقدم معنى قوله: {تحيتهم فيها سلام} في أول سورة يونس. ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً. قال في الكشاف {كلمة طيبة} نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة {كشجرة طيبة} وهو تفسير لقوله: {ضرب الله مثلاً} أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً. ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة. وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: {كلمة} عطف بيان، وقوله: {كشجرة} مفعول ثانٍ. عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. والشجرة الطيبة شجرة في الجنة. وعن ابن عمر: هي النخلة. وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك. وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن. أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: {أصلها ثابت} راسخ آمن من الانقطاع. ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله. والثالثة {وفرعها في السماء} أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ. ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات. قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس. الصفة الرابعة {تؤتي أُكلها كل حين} أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها. وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر. وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة. وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر. والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً {بإذن ربها} بتيسير خالقها وتكوينه. قال المحققون: معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس. أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به. ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد. وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً. وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار {أية : فاعتبروا يا أولي الأبصار} تفسير : [الحشر: 2] وسمعه للحكمة {أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}تفسير : [الزمر: 18] ونطقه بالصدق والصواب {أية : وقولوا قولاً سديداً}تفسير : [الأحزاب: 70] وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء. وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات. وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: {تؤتي أكلها كل حين}. وفي قوله: {بإذن ربها} إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة. و{ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان. وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى {أية : كلمة من الله}تفسير : [آل عمران: 39]. وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما. فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك. ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها {ما لها من قرار} أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات. وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة. قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل. والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل. والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين. وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران. ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال. هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا. عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها. وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك. والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار. وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة. فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت. وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة. ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: {في الحياة الدنيا} متعلقاً بقوله: {ويثبت} أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله سبحانه: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}تفسير : [النحل: 97] {ويضل الله الظالمين} الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري. {ويفعل الله ما يشاء} من التثبيت والإضلال. ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة. ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله} أي شكر نعمته {كفراً} أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر. وذلك أنه تعالى أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} أي الهلاك. وقوله {جهنم} عطف بيان {وبئس القرار} أي المقر مصدر سمى به. قوله: {ليضلوا} من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية. وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. {قل تمتعوا} أمر وعيد وتهديد. قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة. والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة {فإن مصيركم إلى النار} وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب. ومن الذين نزل فيهم؟ روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه. ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: {قل لعبادي الذين} المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام. وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز. والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله. ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: {أية : لا بيع فيه ولا خلة} تفسير : [الآية: 254] لا ينافي إثباتها في قوله: {أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين}تفسير : [الزخرف: 67] لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح. ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: {الله} وهو مبتدأ خبره {الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو. وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه. {وسخر لكم الفلك} كقوله في أواسط البقرة {أية : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس}تفسير : {الآية: 164] وقد مر. ومعنى {بأمره} بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا. ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن". {وسخر لكم الأنهار} وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى {وسخر لكم الشمس والقمر} أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس. وقوله: {دائبين} نصب على الحال. والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: {وسخر لكم الليل والنهار} أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه. ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} أي بعض جميع ما سألتموه. ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال. ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها. قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع. ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله تعالى على عباده. وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب. وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة. قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها. أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر. وإذا كانت نعم الله تعالى في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟ إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك {إن الإنسان} أي هذا الجنس {لظلوم} يظلم النعمة بإغفال شكرها {كفار} شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها. وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع. واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: {إن الله لغفور رحيم} وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء. التأويل: {وبرزوا} من القشور الفانية {لله جميعاً} من القويّ والضعيف {فقال الضعفاء} وهم المقلدة {للذين استكبروا} من المبتدعين {إني كفرت بما أشكرتموني} آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها {وأدخل} فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته {جنات} القلوب {تجري من تحتها} أنهار الحكمة {خالدين فيها بإذن ربهم} أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}تفسير : [الفرقان: 63] {ألم تر} أي ألم تشاهد بنور النبوّة {كيف ضرب الله مثلاً} للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته {كلمة طيبة} هي كلمة التوحيد {كشجرة طيبة} عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم {أصلها ثابت} في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها {وفرعها} في سماء القلوب {تؤتي أكلها} من أنوار المشاهدات والمكاشفات {كل حين} يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه {ويضرب الله الأمثال للناس} لمن نسي العهد الأوّل {لعلهم يتذكرون} الحالة الأولى فيسعون في إدراكها {ومثل كلمة} تتولد من خباثة النفس {اجتثت من فوق} أرض البشرية {ما لها من قرار} لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات. {يثبت الله الذين آمنوا} يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً. {وأحلوا قومهم} أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة {الله الذي خلق} سموات القلوب وأرض النفوس {وأنزل من} سماء القلوب {ماء} الحكمة {فأخرج به} ثمرات الطاعات {رزقاً} لأرواحكم {وسخر لكم} فلك الشريعة {لتجري في} بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى {وسخر لكم} أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية {وآتاكم من كل ما سألتموه} من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله {إن الإنسان لظلوم} بإفساد استعداده {كفار} لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله تعالى:

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} الآية لما ذكر أنواع عذابهم بين بعده أن سائر أعمالهم تصير ضائعة باطلة، وذلك هو الخسران الشديد. وفي ارتفاع: "مَثَلُ" أوجه: أحدها: وهو مذهب سيبويه أنَّه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ربهم، وتكون الجملة من قوله: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} مستأنفة جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: كيف مثلهم؟ فقيل: كَيْتَ وكَيْتَ "والمثل: مستعار للصفة التي فيها غرابة، كقوله: صِفةٌ زيدٍ عِرْضهُ مصُونٍ، ومالهُ مَبْذولٍ". الثاني: أن يكون "مثل" مبتدأ، و"أعمالهم" مبتدأ ثان، و"كَرمَادٍ" خبر الثاني، والثاني وخبره خبر المبتدأ الأوَّل. قال ابن عطيَّة: "وهذا عندي أرجحُ الأقوال، وكأنك قلت: المتحصل في النفس مثالاً للذين كفروا هذه الجملة المذكورة" وإليه نحا الحوفي. قال أبو حيان: "وهو لا يجوز؛ لأن الجملة التي وقعت خبراً للمبتدأ لا رابط فيها يربطها بالمبتدأ، وليست نفس المبتدأ فيستغنى عن رابط". قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: "بل الجملة نفس المبتدأ، فإن نفس مثلهم هو "أعْمَالهُمْ كَرمَادٍ" في أنَّ كلاًّ منهما لا يفيد شيئاً، ولا يبقى له أثر، فهو نظير قولك: "هِجِّيرى أبي بكرٍ لا إلهَ إلاَّ اللهُ" وإلى هذا الوجه ذهب الزمخشري أيضاً؛ فإنه قال: "أي صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك: "صفةٌ زيْدٍ عرضهُ مصُون ومالهُ مَبذُول" فنفس عرضه مصون هو نفس صفة زيد". الثالث: أنَّ "مَثَلُ" زائدة، قاله الكسائي والفراء، أي: الذين كفروا أعمالهم كرماد، فـ"الَّذينَ" مبتدأ، و"أعْمالهُمْ" مبتدأ ثان و"كَرَمادٍ" خبره، وزيادة الأسماء ممنوعة. الرابع: أن يكون "مثلُ" مبتدأ، و"أعْمَالهُم" بدل منه على تقدير: مثل أعمالهم و"كَرمَادٍ" الخبر، قاله الزمخشري. وعلى هذا فهو بدل كلِّ من كلِّ على حذف مضاف كما تقدم. الخامس: أنه يكون "مثل" مبتدأ، و"أعمالهم" بدلٌ منه بدل اشتمال و"كرماد" الخبر. كقول الزباءِ: [الرجز] شعر : 3204ـ مَا لِلْجمَالِ مَشْيهَا وَئيدَا أجَنْدَلاً يَحْملنَ أمْ حَديدَا تفسير : السادس: أن يكون التقدير: مثل أعمال الذين كفروا، أو هذه الجملة خبراً لمبتدأ، قال الزمخشريُّ. السابع: أن يكون "مَثَلُ" مبتدأ، و"أعْمَالهُم" خبره، أي: مثل أعمالهم فحذف المضاف، و"كَرمَادٍ" على هذا خبر مبتدأ محذوف. وقال أبو البقاءِ حين ذكر وجه البدل: "ولو كان في غير القرآن لجاز إبدال "أعْمالهُمْ" من: "الَّذينَ"، وهو بدل اشتمال". يعنى أنَّه كان يقرأ "أعْمَالهُمْ" مجرورة لكنَّه لم يقرأ به. "والرَّمادُ معروف وهو ما سحقته النار من الأجرام، وجمعه في الكثرة على رمُدٍ وفي القلة على أرْمِدةٍ، كجَمادٍ وجُمُد وأجْمِدَة، وجمعه على أرْمِدَاء شاذ". والرَّمادُ: الشبه المحكم، يقال: أرْمدَ الماءُ، أي: صار بلونِ الرَّمادِ. والأرْمَدُ: مَا كَانَ على لَونِ الرَّمادِ، وقيل للبعوض: رمدٌ لذلك، ويقال: رمادٌ رَمْددٌ، أي: صار هباء. قوله تعالى: {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ} في محل جر صفة لـ"رَمَادٍ"، و "فِي يَوْمٍ" متعلق بـ "اشْتَدَّتْ" وفي "عَاصِفٍ" أوجه: أحدها: أنه على تقرير: عاصف ريحه، أو عاصف الريح، ثم حذف الريح وجعلت الصفة لـ"يَوْم" مجازاً، كقولهم: يَومٌ ماطرٌ، وليْلٌ قَائمٌ. قال الهرويُّ: فحذفت لقتدم ذكرها، كما قال: [الطويل] شعر : 3205ـ إذَا جَاءَ يَومٌ مُظلِمُ الشَّمسِ كَاسفٌ .................... تفسير : أي: كاسف الشمس. الثاني: أنه عائد على النِّسب، أي: ذي عصوف، كلابن وتامر. الثالث: أنه خفض على الجوار، أي: كان الأصل أن يتبع العاصف الريح في الإعراب، فيقال: اشتدت به الريحُ العاصفة في يومٍ، فلمَّا وقع بعد اليوم أعرب بإعرابه، كقولهم: "جُحْرُ ضَبٍّ خربٍ". وفي جعل هذا من باب الخفض على الجوار نظر؛ لأنَّ من شرطه أني يكون بحيث لو جعل صفة لما قطع عن إعرابه ليصحَّ كالمثال المذكور، وهنا لو جعلت صفة للريح لم يصحَّ لتخالفها تعريفاً، وتنكيراً في هذا [التركيب] الخاص. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: ["يَوْمٍ عَاصفٍ"] وهني على حذف الموصوف، أي: في يوم ريح عاصف، فحذف لفهم المعنى الدال على ذلك. ويجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته عند من يرى ذلك نحو: "البَقْلةُ الحَمْقَاء". ويقال: ريحٌ عاصفٌ ومُعْصِفٌ، وأصله من العصف، وهو ما يكبر من الزرع، فقيل ذلك للريح الشديد؛ لأنَّها تعصف، أي: تكسر ما تمرُّ به, قوله: "لاَ يَقدِرُونَ" مستأنف، ويضعف أن يكون صفة بـ"يَوْمٍ" على حذف العائدِ أي: لا يقدرون فيه، و"ممَّا كَسبُوا" متعلق بمحذوف لأنه حالٌ من "شَيءٍ" إذ لو تأخر لكان صفة، والتقدير: على شيء مما كسبوا. فصل وجه المشابهة بين هذا المثل وبين أعمالهم: هو أنَّ الريح العاصفة تُطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر، فكذا كفرهم يبطل أعمالهم ويحبطها بحيث لا يبقى من أعمالهم معه أثرٌ. واختلفوا في المراد بتلك الأعمال، فقيل: ما عملوه من أعمال البرِّ كالصدقة، وصلة الرحم، وبر الواليدن، وإطعام الجائع، فتبطل وتحبط بسبب كفرهم بالله، ولولا كفرهم لانتفعوا بها. وقيل: المراد بتلك الأعمال عبادتهم الأصنام، وكفرهم الذي اعتقدوه إيماناً وطريقاً لخلاصهم، وأتعبوا أبدانهم دهراً طويلاً لينتفعوا بها، فصارت وبالاً عليهم. وقيل: المراد من أعمالهم كلا القسمين؛ لأنَّ أعمالهم التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت، والأعمال التي اعتقدوها خيراً، وأفنوا فيها أعمالهم بطلت أيضاً، وصارت في أعظم الموجبات لعذابهم، ولا شك أنَّه يعظم حسرتهم وندامتهم ولذلك قال: {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}. قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} الآية لما بين بطلان أعمالهم بسبب كفرهم، وإعراضهم عن قبول الحق، وأنَّ الله ـ تعالى ـ لا يبطل أعمال المخلصين ابتداءً، وكيف يليق بالحكمة أن يفعل ذلك والله تعالى ما خلق هذا العالم إلا لرعاية الحكمة والصواب. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} قرأ أبو عبد الرحمن رحمه الله تعالى: بسكون الراء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه أجرى الوصل مُجْرَى الوقف. والثاني: أنَّ العرب حذفت لام الكلمة عند عدم الجازم، فقالوا: "ولوْ تَرَ مَا الصِّبْيَان" فلما دخل الجازم تخيلوا أنَّ الراء محل الجزم، ونظيره "لَمْ أبَلْ" فإن أصله: أبالِي، ثم حذفوا لامه رفعاً، فلمَّا جزموه لم يعتدوا بلامه، وتوهموا الجزم في اللام، والرُّؤية هنا قلبية فـ "أنَّ" في محل المفعولين، أو أحدهما على الخلاف. وقرأ الأخوان هنا: "(خالق السماوات والأرض) "خَالِقُ" اسم فاعل مضاف لما بعده فلذلك خفضوا ما عطف عليه، وهو "الأرض"، وفي "النور": "خالقُ كُلِّ دابّةٍ" [أية:45] اسم فاعل مضاف لما بعده، والباقون: "خَلَقَ" فعلاً ماضياً، ولذلك نصبوا: "الأرْضَ" و{أية : كُلَّ دَآبَّةٍ}تفسير : [النور:45] وكسر "السَّمواتِ" في قراءة الأخوين خفض، وفي قراءة غيرهما نصب، ولو قيل: في قراءة الأخوين: يجوز نصب "الأرْضَ" على أحد وجهين، إمَّا على المحل وإمَّا على حذف التنوين لالتقاء الساكنين، فتكون "السَّموات" منصوبة لفظاً وموضعاً لم يمتنع ولكن لم يقرأ به. و"بِالحقِّ" متعلق به "خَلَقَ" على أنَّ الباء سببيَّة، أو بمحذوف على أنَّها حالية إمَّا من الفاعل، أي: محقَّا، أو من المفعول، أي: متلبسة بالحق. قوله "بالحَقِّ" تقدم نظيره في يونس {أية : مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [يونس:5] أي: لم يخلق ذلك عبثاً بل لغرض صحيح. ثم قال ـ عزَّ وجلَّ ـ {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} والمعنى: من كان قادراً على خلق السموات والأرض بالحق، فبأن يقدر على [إفناء] قوم إماتتهم وعلى إيجاد آخرين أولى؛ لأنَّ القادر على الأصعب الأعظم؛ يقدر على الأسهل الأضعف بطريق الأولى. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: هذا الخطاب مع كفَّار مكَّة يريد أميتكم يا معشر الكفَّار، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم. {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي: ممتنع لما ذكرنا من الأولوية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد} قال: الذين كفروا بربهم عبدوا غيره، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي - رضي الله عنه - في الآية قال: مثل أعمال الكفار كرماد ضربته الريح فلم ير منه شيء، فكما لم ير ذلك الرماد ولم يقدر منه على شيء، كذلك الكفار لم يقدروا من أعمالهم على شيء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {كرماد اشتدت به الريح} قال: حملته الريح. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ويأت بخلق جديد} قال: بخلق آخر.

ابو السعود

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ} أي صفتُهم وحالُهم العجيبةُ الشأنِ التي هي كالمثل في الغرابة، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} كقولك: صفةُ زيدٍ عرضُه مهتوكٌ ومالُه منهوب، وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال من قال: ما بالُ أعمالِهم التي عمِلوها في وجوه البرِّ من صلة الأرحامِ، وإعتاقِ الرقاب، وفداءِ الأسارى، وإغاثةِ الملهوفين، وقِرىٰ الأضياف، وغير ذلك مما هو من باب المكارم حتى آل أمرُهم إلى هذا المآل؟ فأجيب بأن ذلك كرماد {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ} حملتْه وأسرعتْ الذهاب به {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} العصْفُ اشتدادُ الريحِ وصف به زمانُها مبالغةً، كقولك: ليلةٌ ساكرةٌ وإنما السكورُ لريحها شُبّهت صنائعُهم المعدودةُ لابتنائها على غير أساسٍ من معرفة الله تعالى والإيمان به والتوجّه بها إليه تعالى برماد طيّرته الريحُ العاصفةُ، أو استئنافٌ مسوقٌ لبـيان أعمالِهم للأصنام، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ كما هو رأيُ سيبويه أي فيما يتلى عليك مَثلُهم، وقوله: أعمالُهم بدلٌ من مَثَلُ الذين، وقوله: كرماد خبرُه {لاَّ يَقْدِرُونَ} أي يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُواْ} من تلك الأعمال {عَلَىٰ شَىْء} ما، أي لا يرَوْن له أثراً من ثواب أو تخفيفِ عذابٍ كدأب الرماد المذكور، وهو فذلكةُ التمثيل، والاكتفاءُ ببـيان عدمِ رؤيةِ الأثر لأعمالهم للأصنام ـ مع أن لها عقوباتٍ هائلةً ـ للتصريح ببطلان اعتقادِهم وزعمِهم أنها شفعاءُ لهم عند الله تعالى وفيه تهكّمٌ بهم {ذٰلِكَ} أي ما دل عليه التمثيلُ دَلالةً واضحةً من ضلالهم مع حُسبانهم أنهم على شيء {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} عن طريق الصواب أو عن نيل الثواب. {أَلَمْ تَرَ} خطابٌ للرسول صلى الله عليه وسلم والمرادُ به أمتُه، وقيل: لكل أحد من الكفرة لقوله تعالى: {يُذْهِبْكُمْ} والرؤيةُ رؤيةُ القلب وقوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} سادٌّ مسدَّ مفعوليها، أي ألم تعلمْ أنه تعالى خلقهما {بِٱلْحَقّ} ملتبسةً بالحكمة والوجهِ الصحيح الذي يحِق أن تخلَقَ عليه، وقرىء خالقُ السموات والأرض {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يُعدمْكم بالمرة {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي يخلُق بدلكم خلقاً آخرَ مستأنَفاً لا علاقة بـينكم وبـينهم، رتب قدرتَه تعالى على ذلك على قدرته تعالى على خلق السموات والأرض على هذا النمط البديعِ إرشاداً إلى طريق الاستدلالِ فإن من قدَر على خلق مثلِ هاتيك الأجرامِ العظيمةِ كان على تبديل خلق آخرَ بهم أقدر ولذلك قال: {وَمَا ذٰلِكَ} أي إذهابُكم والإتيانُ بخلق جديد مكانكم {عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} بمتعذر أم متعسر فإنه قادرٌ بذاته على الممكِنات لا اختصاصَ له بمقدور دون مقدورٍ، ومَنْ هذا شأنُه حقيقٌ بأن يؤمَنَ به ويُرجىٰ ثوابُه ويُخشى عقابه. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا} أي يبرُزون يوم القيامة، وإيثارُ صيغة الماضي للدَّلالة على تحقق وقوعِه كما في قوله سبحانه: { أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 44] أو لأنه لا مُضِيَّ ولا استقبالَ بالنسبة إليه سبحانه، والمرادُ بروزُهم من قبورهم لأمر الله تعالى ومحاسبته، أو لله على ظنهم فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابِهم الفواحشَ سراً أنها تخفىٰ على الله سبحانه، فإذا كان يومُ القيامة انكشفوا لله عند أنفسِهم {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاء} الأتباعُ جمع ضعيف، والمرادُ ضعفُ الرأي، وإنما كتب بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغوَوْهم {إِنَّا كُنَّا} في الدنيا {لَكُمْ تَبَعًا} في تكذيب الرسل عليهم السلام والإعراضِ عن نصائحهم، وهو جمعُ تابع كغيب في جمع غائب، أو مصدر نُعت به مبالغةً، أو على إضمار أي ذوي تبع {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ} دافعون {عَنَّا} والفاء للدِلالة على سببـية الاتباعِ للإغناء، والمرادُ التوبـيخُ والعتابُ والتقريعُ والتبكيت {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْء} من الأولى للبـيان واقعةٌ موقعَ الحال، والثانية للتبعيض واقعةٌ موقعَ المفعول، أي بعضُ الشيء الذي هو عذابُ الله تعالى ويجوز كونُهما للتبعيض أي بعضَ شيءٍ هو بعضُ عذاب الله والإعراب كما سبق ويجوز أن تكون الأولى مفعولاً والثانية مصدراً أي فهل أنتم مغنون عنا بعضَ العذاب بعضَ الإغناء، ويعضُد الأولَ قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ}. {قَالُواْ} أي المستكبرون جواباً عن معاتبة الأتباعِ واعتذاراً عما فعلوا بهم {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي للإيمان ووفّقنا له {لَهَدَيْنَاكُمْ} ولكن ضَلَلْنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، أو لو هدانا الله طريقَ النجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم كما عرّضناكم له، ولكن سُدّ دوننا طريقُ الخلاص ولاتَ حينَ مناص {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا} مما لقِينا {أَمْ صَبَرْنَا} على ذلك أي مستوٍ علينا الجزَعُ والصبرُ في عدم الإنجاء، والهمزةُ وأم لتأكيد التسويةِ كما في قوله تعالى: { أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} تفسير : [البقرة: 6] وإنما أسندوهما ونسبوا استواءَهما إلى ضمير المتكلم المنتظِمِ للمخاطبـين أيضاً مبالغةً في النهي عن التوبـيخ بإعلام أنهم شركاءُ لهم فيها ابتُلوا به وتسليةً لهم، ويجوز أن يكون قوله: {سَوَاء عَلَيْنَا} الخ، من كلام الفريقين على مِنوال قوله تعالى: { أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ} تفسير : [يوسف: 52] ويؤيده ما روي (أنهم يقولون: تعالَوا نجزَعْ فيجزعون خمسَمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالَوا نصبِرْ فيصبِرون كذلك فلا ينفعهم فعند ذلك يقولون ذلك)، ولما كان عتابُ الأتباع من باب الجزَعِ ذيّلوا جوابَهم ببـيان أن لا جدوى في ذلك فقالوا: {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} من منجى ومهربٍ من العذاب، من حاص الحمارُ إذا عدل بالفرار، وهو إما اسمُ مكان كالمبـيت والمَصيف، أو مصدرٌ كالمغيب والمشيب وهي جملةٌ مفسِّرة لإجمال ما فيه الاستواءُ فلا محل لها من الإعراب، أو حالٌ مؤكدة، أو بدلٌ منه.

القشيري

تفسير : أي وفيما يُتْلَى عليكَ - يا محمد - مَثَلٌ لأعمال الكفار في تلاشيها، وكيف أنه لا يُقبَلُ شيءٌ منها كَرَمَادٍ في يومٍ عاصف، فإنه لا يَبْقَى منه شيء - كذلك أعمالُهم. ومَنْ كان كذلك فقد خاب في الدارين، وحلَّ عليه الويل.

اسماعيل حقي

تفسير : {مثل الذين كفروا بربهم} اى صفتهم وحالهم العجيبة الشأن التى هى كالمثل فى الغرابة وهو مبتدأ خبره قوله تعالى {اعمالهم كرماد} كقولك صفة زيد عرضه مهتوك وماله منهوب او خبره محذوف اى فيما يتلى عليكم مثلهم وقوله اعمالهم جمل مستانفة مبنية على سؤال من يقول كيف مثلهم فقيل اعمالهم كرماد {اشتدت به الريح} الاشتداد هنا بمعنى العدو والباء للتعدية اى حملته واسرعت فى الذهاب به. وقال الكاشفى [همجوحا كستريست كه سخت بكذردبروباد] {فى يوم عاصف} ريحه اى شديد قوى فحذفت الريح ووصف اليوم بالعصوف مجازا كقولك يوم ماطر وليلة ساكنة وانما السكون لريحها {لا يقدرون} يوم القيامة {مما كسبوا} فى الدنيا اعمال الخير {على شيء} ما اى لا يرون له اثرا من ثواب وتخفيف عذاب كما لا يرون اثرا من الرماد المطير فى الريح {ذلك} اى ما دل عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم. يعنى كفرهم واعمالهم المبينة عليه وعلى التفاخر والرياء مع حسبانهم محسنين وهو جهل مركب وداء عضال حيث زين لهم سوء اعمالهم فلا يستغفرون منها ولا يتوبون بخلاف عصاة المؤمنين ولذا قال {هو الضلال البعيد} صاحبه عن طريق الحق والصواب بمراحل او عن نيل الثواب فاسند البعد الذى هو من احوال الضال الى الضلال الذى هو فعله مجازا مبالغة شبه الله صنائع الكفار من الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب وفك الاسير واغاثة الملهوفين وعقر الابل للاضياف ونحو ذلك مما هو من باب المكارم فى حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير اساس من معرفة الله والايمان به وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف [يعنى مانند توده خاكسترست كه بادسخت بران وزد بهوا برده در اطراف براكنده سازد وهيج كس برجمع آن قادر نبود وازان نفع نكيرد فكما لا ينتفع بذلك الرماد المطير كذلك لا ينتفع بالاعمال المقرونة بالكفر والشرك. ففيه رد اعمال الكفار واعمال اهل البدع والاهواء لاعتقادهم السوء فدل على ان الاعمال مبنية على الايمان وهو على الاخلاص كرنباشد نيت خالص جه حاصل از عمل روى الطبرانى حديث : عن ام سلمة رضى الله عنها ان الحارث ابن هشام رضى الله عنه اى اخا ابى جهل بن هشام اتى النبى صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقال يا رسول الله انك تحث على صلة الرحم والاحسان الى الجار وايواء اليتيم واطعام الضيف واطعام المسكين وكل هذا ما يفعله هشام يعنى والده فما ظنك به يا رسول الله فقال عليه السلام "كل قبر لا يشهد صاحبه ان لا اله الا الله فهو جذوة من النار وقد وجدت عمى ابا طالب فى طمطام من النار فاخرجه الله لمكانه منى واحسانه الىّ فجعله فى ضحضاح من النار" تفسير : اى مقدار ما يغطى قدميه وهذا مخصوص بابى طالب كما سبق - حكى - ان عبد الله بن جدعان وهو ابن عم عائشة رضى الله عنها كان فى ابتداء امره صعلوكا وكان مع ذلك شريرا فاتكا يجنى الجنايات فيعقل عنه ابوه وقومه حتى ابغضته عشيرته فخرج هائما فى شعاب مكة يتمنى الموت فرأى شقا فى جبل فلما قرب منه مل عليه ثعبان عظيم له عينان تتقدان كالسراجين فلما تأخر انساب اى رجع عنه فلا زال كذلك حتى غلب على ظنه ان هذا مصنوع فقرب منه وامسك بيده فاذا هو من ذهب وعيناه ياقوتتان فكسره ثم دخل المحل الذى كان الثعبان على بابه فوجد فيه رجالا من الملوك ووجد فى ذلك المحل اموالا كثيرة من الذهب والفضة جواهر كثيرة من الياقوت والؤلؤ والزبرجد فاخذ منه ما اخذ ثم اعلم ذلك الشق بعلامة وصار ينقل منه شيئا فشيئا ووجد فى ذلك الكنز لوحا من رخام فيه انا نفيلة بن جرهم بن قحطان بن هود نبى الله عشت خمسمائة عام وقطعت غور الارض ظاهرها وباطنها فى طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك منجيا من الموت شعر : جهان اى بسر ملك جاويد نيست زدنيا وفارادى اميد نيست نه بر باد رفتى سحر كاه وشام سرير سليمان عليه السلام بىخر نديدى كه برباد رفت خنك آنكه بادانش وداد رفت تفسير : ثم بعث عبدالله بن جدعان الى ابيه بالمال الذى دفعه فى جناياته ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبى فغرق اى مات حديث : قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ينفعه ذلك يوم القيامة فقال "لا لانه لم يقل يوما يا رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين" تفسير : اى لم يكن مسلما لانه ممن ادرك البعثة ولم يؤمن كما فى انسان العيون - وروى - حديث : لما اتى عليه السلام بسبايا طىّ وقعت جارية فى السبى فقالت يا محمد ان رأيت ان تخلى عنى ولا تشمت بى احياء العرب فانى بنت سيد قومى وان ابى كان يحمى الذمار ويفك العانى ويشبع الجائع ويطعم الطعام ويفشى السلام ولم يرد طالب حاجة قط انى بنت حاتم طى فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان ابوك مسلما لترحمنا عليه وقال خلوا عنها فان اباها كان يحب مكارم الاخلاق " تفسير : قال فى انيس الوحدة وجليس الخلوة قيل لما عرج النبى عليه السلام اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخاته وجوده: قال السعدى شعر : كنون بر كف دست نه هرجه هست كه فردا بدندان كزى بشت دست مكردان غريب ازدرت بى نصيب مبادا كه كردى بدرها غريب نه خواهنده بر در ديكران بشكران خواهنده از در مران بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه دردست تست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (مثل): مبتدأ، والخبر محذوف عند سيبويه، أي: فيما يتلى عليكم مثلهم. وقال الفراء: الخبر ما بعده، وهو جملة: (أعمالهم كرمادٍ)، أو (أعمالهم): بدل، والخبر: (كرماد)، وعلى قول سيبويه تكون جملة: (أعمالهم): مستأنفة لبيان مثلهم. يقول الحق جل جلاله: {مَّثلُ} أعمال {الذين كفروا بربهم}؛ في عدم الانتفاع بها وذهابها: {كرمادٍ اشتدت به الريحُ} في الهوى بسرعة {في يومٍ عاصفٍ}: شديد ريحه. والعصْف: اشتداد الريح. وصف به زمانه؛ للمبالغة، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم. شبه صنائعهم؛ من الصدقة، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وعتق الرقاب، ونحو ذلك من مكارمهم؛ في حبوطها ـ لبنائها على غير أساس من الإيمان بالله، والتوجه بها إليه ـ بغبار طارت به الريح العاصفة {في يوم عاصفٍ، لا يقْدرونَ} يوم القيامة {مما كسبوا} من أعمالهم {على شيءٍ} من الانتفاع بها؛ لحبوطها، وتلاشيها، فلا يقدرون منها على شيء، ولا يجدون ثوابها، وحيل بينهم وبين النفع، كما حالت الرياح بينك وبين ما تنسفه، فهو كما قيل: فذلكة التمثيل. {ذلك}؛ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون، {هو الضلال البعيد} أي: هو الغاية في البُعد عن طريق الحق. الإشارة: العمل الذي يثبت لصاحبه هو الذي يصحبه الإخلاص في أوله، والإسرار في آخرِه، والتبري فيه من الحول والقوة، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ الإبقَاءَ عَلَى العمل أشَدُّ مِنَ العمل، وإنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ العمل فيُكتب له عَمَلٌ صالحٌ، معمول به في السر، يضعِّف أجره بسبعين ضِعفاً، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويُعْلنه، فيكتب علانيته، ويمحى تضعيف أجره كله، ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويُحب أن يُحمد عليه، فيُمحى من العلانية، ويكتب رياء، فاتقى الله امرؤ صان دينه، وإن الرياء شرك" تفسير : . رواه البيهقي. وبهذا تظهر فضيلة عمل القلوب، كعبادة التفكر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، أو نية صالحة وهدى صالح، أو زهد في القلب، وورع وصبر، وشكر وحلم، وغير ذلك من أعمال القلوب، التي لا يطلع عليها ملك فيكتبه، ولا شيطان فيُفسده، بل يتولى جزاءه أكرمُ الأكرمين. ولذلك قيل: ذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة" تفسير : ولهذا أمر به ـ أي: بالتفكُّر ـ. بعد ضرب المثل للعمل الظاهر.

الجنابذي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} اى حكايتهم وشأنهم فى احوالهم واعمالهم وقبولها وردّها {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ} حملته واسرعت الّذهاب به {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} اى عاصفٍ ريحه فانّ العصف شدّة الرّيح تعريض بمنافقى الامّة لانّهم اغترّوا بما عملوه فى الاسلام من العبادات والانفاقات والاعتاقات وتركوا الولاية وكفروا به فكفروا بمحمّد (ص) فكفروا بالله وان فسّر ربهم بالرّبّ المضاف فالمعنى واضح {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ} فى الاسلام {عَلَىٰ شَيْءٍ} يعنى لا يصلون الى جزاء شيءٍ ممّا كسبوا فانّ سلب القدرة كثيراً ما يستعمل فى عدم وصول اليد {ذٰلِكَ} التّعب فى العمل وعدم القدرة على شيءٍ من جزائه مع حسبان انّهم يحسنون صنعاً {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} نسبة البعد الى الضّلال مجاز.

الأعقم

تفسير : {مثل الذين كفروا بربهم} أي مثل {أعمالهم كرماد} الخبر {اشتدت به الريح} أي حملته الريح عند هبوبها {في يوم عاصف} يقال: عصفت الريح إذا اشتدت {لا يقدرون} يوم القيامة من أعمالهم {مما كسبوا} من أعمالهم {على شيء} أي لا يرون له أثراً من الثواب كما لا يقدرون من الرماد المطير في الرياح على شيء {ذلك هو الضلال البعيد} إشارة إلى بعد ضلالتهم عن طريق الحق {ألم تر} أي ألم تعلم يا محمد أو أيها السامع {أن الله خلق السماوات والأرض بالحق}، قيل: الحق هو الدين والعبادة يعني يعبدونه، وقيل: خلقهما للجزاء يوم القيامة {ان يشأ يذهبكم} أي يهلككم أيها الكفار {ويأت بخلق جديد} سواكم من بني آدم أطوع منكم، وقيل: من غير بني آدم ذكره في الغرائب والعجائب ومعنى الجديد القريب العهد، قوله تعالى: {وما ذلك على الله بعزيز} أي ممتنع متعذر {وبرزوا لله جميعاً} أي وبرزوا لله يوم القيامة وإنما جيء بلفظ الماضي لأن ما أخبر به تعالى كأنه قد كان وَوُجِد لصدقه سبحانه ونحوه {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} ونظائر ذلك، ومعنى بروزهم لله عز وجل والله سبحانه لا يتوارى عنه شيء حتى يبرزوا له، إنهم كانوا يتوارون ويستترون عن العيون عند ارتكابهم الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، وخرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه {فقال الضعفاء} هم الأتباع والعوام {للذين استكبروا} ساداتهم الذين صدوهم عن الاستماع للأنبياء وأتباعهم {انا كنا لكم تبعاً} تابعين لما قلتم {فهل أنتم مغنون عنا} دافعون عنا العذاب الذي نزل بنا {قالوا} يعني القادة للاتباع {لو هدانا الله لهديناكم} أي لو خلصنا الله من العذاب وأدخلنا الجنة للثواب لهديناكم لخلصناكم من العذاب لكن لا مطمع فيه لنا ولكم {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} روي أن أهل النار يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمس مائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك فلا ينفعهم فيقولون: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا {ما لنا من محيص} أي منجا ومهرب {وقال الشيطان لما قضي الأمر} هو إبليس، وقوله لما قضي الأمر قطع وفرغ منه وهو الحساب بين الخلائق، قيل: إنما يقول ذلك عند وصول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وروي أن الشيطان عند ذلك يقوم خطيباً في الأشقياء من الجن والانس فيقول: {إن الله وعدكم وعد الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {ووعدتكم} خلاف ذلك {فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان} أي من تسليط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها {إلا أن دعوتكم} أي إلاَّ دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني ولم يكن لي عليكم قدرة غير ذلك {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} حيث اغتررتم وأطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، هذا دليل على أن الانسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلهما لنفسه، وليس من الله تعالى إلاَّ التمكين ولا من الشيطان إلاَّ التزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، تعالى الله عن ذلك {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} يعني لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه، والإِصراخ: الإِغاثة {إني كفرت بما أشركتمون} الآن بإشراككم إياي {من قبل} هذا اليوم وهو يوم القيامة مثل قوله تعالى: {ويوم القيامة يكفرون} بشرككم.

الهواري

تفسير : قوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} يعني شدة الريح {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} أي: مما عملوا من خير على شيء في الآخرة، أي: قد جوزوا به في الدنيا، مثل الرماد الذي اشتدت به الرياح في يوم عاصف فأطارته، فلم يقدر منه على شيء، فكذلك أعمال الكفار. قال: {ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ} أي: من الهدى. قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: يصير الأمر إلى البعث والحساب والجنة والنار. كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: ألا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. (أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) تفسير : [سورة ص:27]. قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: يهلككم بعذاب فيستأصلكم { وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: آخرين. { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بَعَزِيزٍ} [اي: لا يشق عليه]. قوله: { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء} وهم السفلة والأتباع { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم الرؤساء والكبار والدعاة إلى الكفر { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} أي: بدعائكم إيانا إلى الشرك. { فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي: من مهرب ولا من معدل من عذاب الله. وقال بعضهم: إنهم يقولون إذا اشتد عليهم العذاب وجزعوا تعالوا نصبر، فيصبرون فلا ينفعهم شيئاً، فيقولون: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي: من منجاة.

اطفيش

تفسير : {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه أى مما نقص عليكم أو فى ما يتلى عليكم صفة الذين كفروا بربهم الشبيهة بما يضرب مثلا فى الغرابة وجملة قوله {أعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} مستأنف لبيان مثلهم كأنه جواب لمن قال ما مثلهم وهى الخبر ولم تحتج إِلى رابط لأَنها نفس المبتدأ فى المعنى وإِن لم تكن نفس المثل بالصفة ـ أتيناه على ظاهره وهو الكلام المشبه مضربه بمورده فمجموع أعمالهم كرماد إلخ مفرد المراد به اللفظ ويجوز كون أعمال بدل اشتمال من مثل وكرماد خبر، وعن الفراء الأَصل مثل أعمال الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد، فحذف المضاف اكتفاء بذكر مثله بعد وفى إِعرابه الأوجه غير الأَخير {اشْتَدَّتْ بِهِ} أى حملته وأسرعت به {الرِّيحُ} وقرأ غير نافع الريح بالإِفراد {فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ} شديد الهبوب وهذه من صفات الريح لكن أُسندت لليوم على طريق المجاز العقلى لأَنها تهب فيه كقولك نهاره صائم وليله قائم ويوم باردا أو حار وليلة ماطرة أو ساكنة أى لم يهب فيها ريح وذلك مبالغة كأَن اليوم فى نفسه عاصف أو يقدر مضاف أى عاصف ريحه مشبه أعمالهم المستحسنة كالصدقة وعقر الإِبل للأَضياف وصلة الرحم وعتق الرقاب وفك الأَسير وإِغاثة الملهوف وبر الوالدين ونحو ذلك برماد أطارته الرياح الشديدة فى عدم الحصول على شىء من ثوابها كما لا يقدر على جمع ذلك الرماد المطار، كما قال تعالى بيانا لوجه الشبه {لاَّ يَقْدِرُونَ} يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ} أى على ثواب شىء مما كسبوا من الأَعمال أو على شىء من ثواب ما كسبوا ولا يرون لأَعمالهم أثر ثواب لحبوطها بالشرك لعدم بنائها على أساس التوحيد والإِخلاص ولأَنهم جوزوا عليها فى الدنيا، وقيل المراد بالأَعمال عبادة الأَصنام تعبوا أبدانهم فى عبادتها أعمارهم راجين نفعها ولم يتحصلوا منها على شىء نافع بل عادت عليهم وبالا ومما متعلق بمحذوف حال من شىء على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى قلة {ذَلِكَ} أى ضلال مع حسبانهم أنهم على صواب أو ضلال أعمالهم أى ذهابها كالرماد الذى اشتدت به الريح {هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} عن الحق أو عن الثواب أى انتهى الغاية فى البعد.

اطفيش

تفسير : {مَثًلُ الَّذِينَ كفَرُوا بِربِّهِمْ} أَي صفتهم، استعير لها لفظ مثل الموضوع، شبه مضربه بمورده لجامع الغرابة، وخبره محذوف، أَي فيما يتلى عليكم بيان مثل الذين كفروا كقول سيبويه: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزانى، وحكم السارق والسارقة، وكأَنه قيل: كيف شبه مثلهم؟ فقال: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتّدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ} أَو أَعمالهم بدل اشتمال من مثل. ومثل مبتدأٌ خبره كرماد، أَو خبره فيما يتلى عليكم، وأَعمال بدله، أَو مبتدأُ خبره أَعمالهم كرماد، والرابط كونه نفس المبتدإِ في المعنى، وقال الكسائِى: مثل زائدِ فكأَنه جعل أَعمالهم مبتدأ خبره كرماد، والأَصل عدم الزيادة، ولا سيما زيادة الاسم. ومعنى اشتدت به الرياح، واليوم العاصف شديد الريح، وإِسناد العصف إِلى الريح مجاز عقلى؛ لأَن العصف بمعنى الهبوب الشديد وأُسند إِلى زمانه، أَو يقدر مضاف أَى عاصف ريحه، والمراد أَعمالهم الحسنة كالصدقة وإِغاثة الملهوف والعتق وصلة الرحم، فإِنهم لا يثابون عليها لشركهم فهي ذاهبة كذهاب الرماد بالريح الشديدة، وأَعمالهم عبادة الأَصنام وما أَنفقوا لها أَو ذلك كله {لاَ يَقْدِرُونَ} يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُوا عَلى شىءٍ} سوى الحسرة والعذاب لا يستفيدون بها مثيباً ولا يدفعون بها عقاباً، أَو تخفيفاً فيه. وهذا زيادة إِيضاح وفذلكة للتشبيه بالمراد الذي اشتدت به الرياح يذهب كله، وإِن بقي بعضه، فكما أُثيبوا في الدينا بعملهم سواء عملوا لله، أَو للأَصنام، إِلا أَن ما عملوا للأَصنام لا يثابون عليه في الدنيا ولا في الآخرة بل يعاقبون عليه، ومما كسبوا حال من شيءٍ ولتوسعهم في الظروف قدم على صاحبه المجرور. وقدم مما كسبوا هنا، لأَن المقام مقام لأَن يذكر أَن أَعمالهم كلها كرماد، وأُخر في آية أُخرى مراعاة لبيان أَن شيئاً ما منها لا ينفعهم، والله الموفق {ذَلِكَ} ما ذكر من أَعمالهم أَو اعتقاد نفعها {هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} ومعلوم أَنها ضلال فيجوز أَن يقدر ذلك الضلال هو الضلال البعيد، إذ خلطوا وظنوا أَنهم على الطريق الموصلة، فيبعد أَن يتركوه، بل يدعون إِليه، ويخطئُون من خالفهم.

الالوسي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ} مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي في الغرابة كالمثل كما ذهب إليه سيبويه، وقوله سبحانه: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة لبيان مثلهم، ورجح ابن عطية كونه مبتدأ وهذه الجملة خبره، وتعقبه الحوفي بأنه لا يجوز لخلو الجملة عما يربطها بالمبتدأ وليست نفسه في المعنى لتستغني عن ذلك لظهور أن ليس المعنى مثلهم هذه الجملة. وأجاب عنه السمين بالتزام أنها نفسه لأن مثل الذين في تأويل ما يقال فيهم ويوصفون به إذا وصفوا فلا حاجة إلى الرابط كما في قولك: صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول، قيل: ولا يخفى حسنه إلا أن المثل عليه بمعنى الصفة، والمراد بالصفة اللفظ الموصوف به كما يقال: صفة زيد أسمر أي اللفظ الذي يوصف به هو هذا، وهذا وإن كان مجازاً على مجاز لكنه يغتفر لأن الأول ملحق بالحقيقة لشهرته وليس من الاكتفاء بعود الضمير على المضاف إليه لأن المضاف ذكر توطئة له فإن ذلك أضعف من بيت العنكبوت كما علمت وذهب الكسائي والفراء إلى أن {مَثَلُ } مقحم وتقدم ما عليه وله، وقال الحوفي: هو مبتدأ و {كَرَمَادٍ } خبره وأعمالهم بدل من المبتدأ بدل اشتمال كما في قوله:شعر : ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا تفسير : وفيه خفاء، ولعله اعتبر المضاف إليه. وفي «الكشاف»: جواز كونه بدلاً من {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لكن على تقدير مثل أعمالهم فيكون التقدير مثل الذين كفروا مثل أعمالهم كرماد، قال في «الكشف»: وهو بدل الكل من الكل وذلك لأن مثلهم ومثل أعمالهم متحدان بالذات، وفيه تفخيم اهـ، وقيل: إنه على هذا التقدير أيضاً بدل اشتمال/ لأن مثل أعمالهم كونها كرماد ومثلهم كون أعمالهم كرماد فلا اتحاد لكن الأول سبب للثاني فتأمل، والمراد معروف وعرفه ابن عيسى بأنه جسم يسحقه الإحراق سحق الغبار ويجمع على رمد في الكثرة وأرمدة في القلة وشذ جمعه على أفعلاء قالوا أرمداء كذا في «البحر» وذكر في «القاموس» أن الأرمداء كالأربعاء الرماد ولم يذكر أنه جمع، والمراد بأعمالهم ما هو من باب المكارم كصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وقرى الأضياف وإغاثة الملهوفين وغير ذلك، وقيل: ما فعلوه لأصنامهم من القرب بزعمهم، وقيل: ما يعم هذا وذاك ولعله الأولى، وجيء بالجملة على ما اختاره بعضهم جواباً لما يقال: ما بال أعمالهم التي عملوها حتى آل أمرهم إلى ذلك المآل؟ إذ بين فيها أنها كرماد. {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ } أي حملته وأسرعت الذهاب به فاشتد من شد بمعنى عدا، والباء للتعدية أو للملابسة، وجوز أن يكون من الشدة بمعنى القوة أي قويت بملابسة حمله {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } العصف اشتداد الريح وصف به زمان هبوبها على الإسناد المجازي كنهاره صائم وليله قائم للمبالغة، وقال الهروي: التقدير في يوم عاصف الريح فحذف الريح لتقدم ذكره كما في قوله:شعر : إذا جـاء يوم مظلم الشمس كاسف تفسير : والتنوين على هذا عوض من المضاف إليه، وضعف هذا القول ظاهر، وقيل: إن عاصف صفة الريح إلا أنه جر على الجوار، وفيه أنه لا يصح وصف الريح به لاختلافهما تعريفاً وتنكيراً، وقرأ نافع وأبو جعفر {الرياح} على الجمع وبه يشتد فساد الوصفية، وقرأ ابن أبـي إسحٰق وإبراهيم بن أبـي بكر عن الحسن {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } على الإضافة، وذلك عند أبـي حيان من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه والتقدير في يوم ريح عاصف، وقد يقال: إنه من إضافة الموصوف إلى الصفة من غير حاجة إلى حذف عند من يرى جواز ذلك. {لاَّ يَقْدِرُونَ} أي يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُواْ} في الدنيا من تلك الأعمال {عَلَىٰ شَىْء} ما أي لا يرون له أثراً من ثواب أو تخفيف عذاب. ويؤيد التعميم ما ورد في «الصحيح» حديث : عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين هل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه لأنه لم يقل ربـي اغفر لي خطيئتي يوم الدينتفسير : ، وقيل: الكلام على حذف مضاف إي لا يقدرون من ثواب ما كسبوا على شيء ما والأول أولى، وقدم المتعلق الأول ـ للا يقدرون ـ على الثاني وعكس في البقرة لأهمية كل في آيته وذلك ظاهر لمن له أدنى بصيرة، وحاصل التمثيل تشبيه أعمالهم في حبوطها وذهابها هباء منثوراً لابتنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والإيمان به وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف وفرقته، وهذه الجملة فذلكة ذلك والمقصود منه، قيل: والاكتفاء ببيان عدم رؤية الأثر لأعمالهم للأصنام مع أن لها عقوبات للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم أنها شفعاء لهم عند الله تعالى، وفيه تهكم بهم {ذٰلِكَ } أي ما دل عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شيء {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } عن طريق الحق والصواب، وقد تقدم تمام الكلام في ذلك غير بعيد.

ابن عاشور

تفسير : تمثيل لحال ما عمله المشركون من الخيرات حيث لم ينتفعوا بها يوم القيامة. وقد أثار هذا التمثيل ما دلّ عليه الكلام السابق من شدة عذابهم، فيخطر ببالهم أو ببال من يسمع من المسلمين أن يسأل نفسه أن لهم أعمالاً من الصلة والمعروف من إطعام الفقراء، ومن عتق رقاب، وقِرى ضيوف، وحمالة ديات، وفداء أسارى، واعتمار، ورفادة الحجيج، فهل يجدون ثواب ذلك؟ وأن المسلمين لما علموا أن ذلك لا ينفع الكافرين تطلبت نفوسهم وجهَ الجمع بين وجود عمل صالح وبين عدم الانتفاع به عند الحاجة إليه، فضُرب هذا المثل لبيان ما يكشف جميع حتمالات. والمثل: الحالة العجيبة، أي حال الذين كفروا العجيبة أن أعمالهم كرماد الخ. فالمعنى: حال أعمالهم، بقرينة الجملة المخبر عنها لأنه مهما أطلق مَثَل كذا إلا والمراد حال خاصة من أحواله يفسرها الكلام، فهو من الإيجاز الملتزم في الكلام. فقوله: {أعمالهم} مبتدأ ثانٍ، و {كرماد} خبر عنه، والجملة خبر عن المبتدإ الأول. ولما جعل الخبر عن {مثل الذين كفروا}، {أعمالهم} آل الكلام إلى أن مَثَل أعمال الذين كفروا كرماد. شبهت أعمالهم المتجمعة العديدة برماد مكدّس فإذا اشتدت الرياح بالرماد انتثر وتفرق تفرقاً لا يُرجى معه اجتماعُه. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اضمحلال شيء كثير بعد تجمعه، والهيئة المشبهة معقولة. ووصف اليوم بالعاطف مجاز عقلي، أي عاصف ريحُه، كما يقال: يوم ماطر، أي سحابه. والرماد: ما يبقى من احتراق الحطب والفحم. والعاصف تقدم في قوله: { أية : جاءتها ريح عاصف } تفسير : في سورة يونس (22). ومن لطائف هذا التمثيل أن اختير له التشبيه بهيئة الرماد المتجمع، لأن الرماد أثرٌ لأفضل أعمال الذين كفروا وأشيعِها بينهم وهو قِرى الضيف حتى صارت كثرة الرماد كناية في لسانهم عن الكرم. وقرأ نافع وأبو جعفر {اشتدت به الرياح}. وقرأه البقية {اشتدت به الريح} بالإفراد، وهما سواء لأن التعريف تعريف الجنس. وجملة {لا يقدرون مما كسبوا على شيء} بيان لجملة التشبيه، أي ذهبت أعمالهم سدى فلا يقدرون أن ينتفعوا بشيء منها. وجملة {ذلك هو الضلال البعيد} تذييل جامع لخلاصة حالهم، وهي أنها ضلال بعيد. والمراد بالبعيد البالغ نهاية ما تنتهي إليه ماهيتُه، أي بعيد في مسافات الضلال، فهو كقولك: أقصى الضلال أو جِدَّ ضَلال، وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً } تفسير : في سورة النساء (116).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} الآية. ضرب الله تعالى لأعمال الكفار مثلاً في هذه الآية الكريمة برماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف، أي شديد الريح، فإن تلك الريح الشديدة العاصفة تطير ذلك الرماد ولم تبق له أثرأً فكذلك أعمال الكفار كصلات الأرحام وقري الضيف والتنفيس عن المكروب وبر الوالدين ونحو ذلك يبطلها الكفر ويذهبها كما تطير تلك الريح ذلك الرماد وضرب أمثالاً أخر في آيات أخر لأعمال الكفار بهذا المعنى كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور: 39] وقوله {أية : مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هِـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} تفسير : [آل عمران: 117] الآية وقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 264] وقوله: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] إلى غير ذلك من الآيات. وبين في موضع آخر أن الحكمة في ضربه للأمثال أن يتفكر الناس فيها فيفهوا الشيء بنظرة وهو قوله: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الحشر: 21] ونظيره قوله {أية : وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [إبراهيم: 25] وبين في موضع آخر أن الأمثال لا يعقلها إلا أهل العلم وهو قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 43] وبين في موضع آخر أن المثل المضروب بجعله الله سبب هداية لقوم فهموه وسبب ضلال لقوم لم يفهموا حكمته وهو قوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [البقرة: 26] وبين في موضع آخر أنه تعالى لا يستحي أن يضرب مثلاً ما ولو كان المثل المضروب بعوضة فما فوقها قيل فما هو أصغر منها لأنه يفوقها في الصغر وقيل فما فوقها أي فما هو أكبر منها وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} تفسير : [البقرة: 26] ولذلك ضرب المثل بالعنكبوت في قوله {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 41] وضربه بالحمار في قوله {أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}تفسير : [الجمعة: 5] الآية وضربه. بالكلب في قوله {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} تفسير : [الأعراف: 176] إلى غير ذلك والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 18- إن حال أعمال الخيّرين الكافرين الدنيوية وكسبهم فيها - لبنائها على غير أساس من الإيمان - كحال رماد اشتدت لتفريقه الريح فى يوم شديد العواصف، لا يقدرون يوم القيامة على شئ مما كسبوا فى الدنيا من تلك الأعمال فلا يمكنهم الانتفاع بشئ منها إذ لا يرون لها أثراً من الثواب، كما لا يقدر صاحب الرماد المتطاير فى الريح على إمساك شئ منه، وهؤلاء الضالون يحسبون أنهم محسنون، مع أن أعمالهم بعيدة أشد البعد عن طريق الحق. 19- ألم تعلم - أيها المخاطب - أن الله تعالى خلق السموات والأرض لتقوما على الحق بمقتضى حكمته، ومن قدر على هذا كان قادراً على إهلاككم أيها الكافرون والإتيان بخلق جديد غيركم يعترفون بوجوده ووحدانيته إذا شاء. 20- وما ذلك الإذهاب والإتيان على الله بمتعذر ولا بمتعسر. 21- وسيظهر الكفار جميعاً من قبورهم للرائين - لأجل حساب الله تعالى - ظهوراً لا شك فيه كأنه واقع الآن فعلا، فيقول ضعفاء الرأى من الأتباع للقادة المستكبرين: إنا كنا لكم تابعين فى تكذيب الرسل ومحاربتهم والإعراض عن نصائحهم، فهل أنتم اليوم دافعون عنا من عذاب الله بعض الشئ؟ قال المستكبرون: لو هدانا الله إلى طريق النجاة ووفقنا له لأرشدناكم ودعوناكم إليه، ولكن ضللنا فأضللناكم، أى اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، ونحن وأنتم الآن سواء علينا الجزع والصبر، ليس لنا مهرب من العذاب.

القطان

تفسير : برزوا: ظهروا جميعا يوم القيامة. تبع: جمع تابع. مغنون عنا: دافعون عنا. محيص: مهرب. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ}. مثلُ أعمالِ الكافرين التي كانوا يعملونها في الدّنيا كَمثَلِ رمادٍ حملتْهُ الريحُ في يومٍ عاصف وأسرعتْ بالذهابِ به فلم يبقَ له أثر، وهم لا يستفيدون شيئاً يوم القيامة مما عملوا في الدنيا. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}. ومثل هذا السعي والعملِ على غير أساسٍ ولا استقامة، هو الضلالُ البعيد عن الحق. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}. ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلقَ السماواتِ والأرضَ لتقومَ على الحقّ بمقتضى حكمته، ومن قَدَرَ على هذا العمل العظيم لهو قادرٌ على إهلاك الكافرين، والإتيان بخلقٍ جديد غيرهم. {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}. وليس بممتنعٍ على الله ولا متعذِّرٍ ان يستخْلِفَ قوماً مكان قوم من قريشٍ او غيرهم من المعاندين الجاحدين. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "خالق السماوات والارض" والباقون "خلق" كما هو في المصحف. {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}. هذه صورة حيّة لموقف هؤلاء المجرمين وأتباعهم والحوارِ بينهم، فحين يقفون جميعاً بين يدي الله يوم القيامة، يقول الضعفاءُ التابعون للزعماءِ المستكبرين: لقد كُنا تابعين لكم في تكذيب الرسُل ومحاربتهم، فهل تدافعون عنا اليومَ في هذا الموقف الرهيب؟ فيقول المستكبرون: لو أن الله هدانا لأرشدناكم، ولكن ليس بيدِنا أيةُ حيلة، وليس لنا مهربٌ ولا خلاصٌ مما نحن فيه جميعا، وسِيّان الجزعُ والصبر،فلا نجاةَ لنا من عذاب الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَعْمَالُهُمْ} {ٱلضَّلاَلُ} (18) - هذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لأَِعْمَالِ الخَيْرِ التِي يَعْملُهَا الكُفَّارُ، الذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللهِ غَيْرَهُ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَبَنَوْا أَعْمَالَهُمْ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ صَحِيحٍ مِنَ الإِيمَانِ وَالتَّقْوى، فَانْهَارَتْ. فَقَالَ تَعَالَى: مَثَلُ أَعْمَالِ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ مَثَلُ الرَّمَادِ الذِي لَعِبَتْ بِهِ الرِّيحُ العَاصِفَةُ الشَّدِيدَةُ فَتَبَعْثَرَ، وَأَصْبَحَ مِنَ المُسْتَحِيلِ جَمْعُهُ. كَذلِكَ أَعْمَالُ الكَافِرِينَ، فَإِنَّهَا تَتَبَدَّدُ وَتَذْهَبُ هَبَاءً، وَلاَ يَقْدِرُونَ فِي الآخِرَةِ أَنْ يُقَدِّمُوا شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِهِمْ التِي كَسَبُوهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ. وَذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى وَالصَّوَابِ. يَومٍ عَاصِفٍ - شَدِيدِ هُبُوبِ الرِّيحِ.

الثعلبي

تفسير : {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} [إبراهيم: 18] اختلفت النحاة في رفع مثل، قال الفراء: أضاف المثل إلى الكافرين والمثل للأعمال؛ لأن العرب تقدم الأسماء؛ لأنها أعرف ثم تأتي بالخبر الذي يخبر عنه مع صاحبه، ومجاز الآية {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد}، قوله: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}تفسير : [السجدة: 7] أي أحسن خلق كل شيء وقوله {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}تفسير : [الزمر: 60]معناه يوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة سيئة، في الآية إضمار معناها ولا يمنّ عليك مثل الذين كفروا بربهم، ثم ابتدأ وأخذ يفسره فقال: أعمالهم {كَرَمَادٍ} وإن شئت جعلت المثل صفة فقلت الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح؛ لأن الريح تكون فيه كما يقال يوم بارد وحار؛ لأن البرد والحر يكونان فيه، وليل نائم ونهار صائم. قال الله {أية : وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}تفسير : [يونس: 67] ويدلّ عليه الليل والنهار. قال الشاعر: شعر : يومين غيمين ويوماً شمساً تفسير : وقال الفراء: إن شئت قلت: في يوم في عصوف وإن شئت قلت: في يوم عاصف الريح، تحذف الريح؛ لأنها قد ذكرت قبل ذلك. كقول الشاعر: شعر : إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف تفسير : أراد كاسف الشمس. وقيل هو من نعت الريح غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل [حجر ضب خرب] ونحوه، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكافر يعني هم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ لأنهم أشركوا فيها كما أنّ الرماد الذي فرّقه الريح لا ينتفع به. فذلك قوله {لاَّ يَقْدِرُونَ} يعني الكفار {مِمَّا كَسَبُواْ} في الدنيا {عَلَىٰ شَيْءٍ} في الآخرة {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}. قرأ أهل الكوفة إلاّ عامر: خالق السماوات والأرض على التعظيم. وقرأ الآخرون: خلق السماوات على الفصل {بِٱلْحقِّ} قال المفسرون: لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} يبدلكم أحسن وأفضل وأطوع منكم، {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} منيع متعذر {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} خرجوا من قبورهم وظهروا لله جميعاً، الاستقبال {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} يعني الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} يعني المتبوعين من القادة {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} جمع تابع مثل حارس وحرس، وقيل: راصد ورصد ونافر ونفر، ويجوز أن يكون تبع مصدراً سمي به أي كنا ذوي تبع. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي هل أنتم ودافعون عذاب الله عنا، قال المتبوعين {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} إلى قوله {مِن مَّحِيصٍ} مهرب ولا منجى، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر وبمعنى الإسم. يقال حاص فلان عن كذا أي فرّ وزاغ عنه يحيص حيصاً وحيوصاً وحيصاناً. قال مقاتل: إنهم يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع. يقولون تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر فحينئذ يقولون {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ} يعني إبليس {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} فرغ من الأمر فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. قال مقاتل: يوضع له منبر من نار فيرقاه ويجتمع الكفار عليه بالأئمة {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} يوفى لكم {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} ولاية ومملكة وحجة وبصيرة {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} هذا من الاستثناء المنقطع مجازه لمن يدعونكم {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان وغير برهان {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} بمعينكم {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} بمغنيّ وبمغيثي. قرأه العامة: بمصرخي بفتح الياء. وقرأ الأعمش وحمزة: بكسر الياء، والأصل فيه بمصرخيين فذهبت النون لأجل الإضافة وأُدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصب فلأجل التضعيف ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر؛ لأن الياء أُخت الكسرة {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي لا يمكن أن أكون شريكاً لله فيما أشركتموني به من طاعتكم إياي واستهزأت من ذلك {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الكافرين الواضعين للعباد الطاعة في غير موضعها {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. روى عتبة بن عامر حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: يقول عيسى (عليه السلام): ذلكم النبي الأُمي فيأتونني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي فيشفّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي. ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتون فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أضللتنا قال: فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم فيقول عند ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} . تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ} إلى قوله {فِيهَا سَلاَمٌ} يسلم الله ويسلم الملائكة عليهم {أَلَمْ تَرَ} يا محمد يعني فإن الله يعلم بإعلامي إياك {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} يعني ما بين الله شبهها {كَلِمَةً طَيِّبَةً} شهادة أن لا إله إلاّ الله {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} وهي النخلة يدل عليه حديث عتيب الحجاب قال: كان أبو العالية أميني فأتاني يوماً في منزلي بعدما صليت الفجر فانطلقت معه إلى أنس بن مالك فدخلت عليه فجيء بطبق عليه رطب. فقال أنس: كل يا أبا العالية فإنّ هذه من الشجرة التي قال الله في كتابه {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} كشجرة طيبة. ثم قال أنس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع بُسر، فقرأ هذه الآية، ومعنى الآية: كشجرة طيبة الثمرة، فترك ذكر الثمرة استغناءً بدلالة الطعام عليه. وقال أبو ظبيان عن ابن عباس: هذه شجرة في الجنة أصلها ثابت في الأرض وفرعها عال في السماء كذلك أصل هذه الكلمة راجع في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق والإخلاص. وإذا تكلم بالشهادة تذهب في السماء فلا يكتب حتى ينتهي إلى الله تعالى. قال الله {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10]. وروى مقاتل بن حيان عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ لله عموداً من نور أسفله تحت الأرض السابعة ورأسه تحت العرش، فإذا قال العبد أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله اهتز ذلك العمود، فيقول الله عزّ وجلّ: اسكن، فيقول: كيف أسكن؟ ولم تغفر لقائلها فيقول الرب: قد غفرت له فيسكن عند ذلك ". فقال النبي صلى الله عليه وسلم:أكثروا من هز ذلك العمود ". تفسير : {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا} تعطي ثمرها {كُلَّ حِينٍ} اختلفوا في الحين. فقال مجاهد وعكرمة وابن زيد: كل سنة. قال عكرمة: أرسلت إلى عمر بن عبد العزيز إني نذرت أن أقطع يد رجل من هكذا سنة وحيناً، ما عندك فيه. قال ابن عباس: فقلت له: لا تقطع يده واحبسه سنة. إنّ ابن عباس يقول: الحين حينان حين يعرف ويبدل وحين لا يعرف. فأما الحين الذي لا يعرف {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ}تفسير : [ص: 88] وأما الذي يعرف { تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} فهو ما بين العام إلى العام المقبل. فقال: أصبت يا مولى ابن عباس وأحسنت. وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: كل ستة أشهر ما بين عرامها إلى حملها. وروى طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن رجل حلف ألاّ يكلم أخاه حيناً فقال: الحين سبعة أشهر، وقرأ هذه الآية. فقال سعيد بن المسيب: الحين شهران؛ لأن النخلة لا يكون فيها أكلها إلاّ شهرين. وقال الربيع بن أنس: كل حين كل غدوة وعشية، كذلك يصعد عمل المؤمن عن أول النهار وآخره، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس. قال الضحاك: كل ساعة ليلا ونهاراً، شتاءً وصيفاً يؤكل في جميع الأوقات. كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها. وقرأ أبو الحكم في تمثيل الله الإيمان بالشجرة فهي أن الشجرة لا تكون شجرة إلاّ بثلاثة أشياء عودراسخ وأصل قائم وفرع عال. كذلك الإيمان لا يتم ولا يقوم إلاّ بثلاثة أشياء تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. يدل عليه ما روى جعفر بن محمد عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالإيمان ". تفسير : لحميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ألا إن مثل هذا الدين مثل شجرة ثابتة، الإيمان أصلها، والزكاة فرعها، والصيام عروقها، والداعي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم الله خضرتها، فكمالا يكمل هذه الشجرة إلاّ بثمر طيبة، لايكمل الإيمان إلاّ بالكف عن محارم الله ". تفسير : والحكمة في تشبهها إياه باللحنطة من بين سائر الأشجار أنها لما كانت أشبه الأشجار بالانسان شبهت به وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت بالغصون عن جوانبها والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهب أصلها؛ ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوانات في الإلقاح؛ لأنها لا تحمل حتى يلقح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير المال سكة مأبورة ومهدة مأمورة ". تفسير : ومنه "حديث : حديث ابن عمر: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه: إن شجرة من الشجر لا يطرح ورقها وهي مثل المؤمن فأخبرني ما هي؟" قال: فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت وسكت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة» فذكرت ذلك لأبي فقال: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحبّ إليّ من فضلة؛ لأنها من شجرة آدم . تفسير : يروى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "أكرموا عمتكم" فقيل ومن عمتنا يا رسول الله؟ قال: "النخلة" تفسير : وذلك أنّ الله تعالى لما خلق آدم فصلت من طينهِ فصلة فخلق منها النخلة قال الله: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} وهي الشرك {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي الحنظلة. قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله ولم يخلق هذه الشجرة على وجه الأرض. {ٱجْتُثَّتْ} اقتلعت. قال ابن عباس، والسدي: استرخت. الضحاك: استوصلت. المؤرخ: أخذت حيث ما هي يقيناً {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} كذلك الكافر لا خير فيه ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} يحقق الله إيمانهم وأعمالهم بالقول والتثبيت، وهو شهادة أن لا إله إلاّ الله { فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} يعني في القبر، وقيل: في الحياة في القبر عند الله تعالى وفي الآخرة إذا بعث. مقاتل: ذلك أنّ المؤمن إذا مات بعث الله إليه ملكاً يقال له: رومان فيدخل قبره فيقول له: إنه يأتيك الآن ملكان أسودان فيسألانك من ربك ومن نبيك وقادتك فأجبهما بما كنت عليه في حياتك، ثم يخرج فيدخل الملكان وهما منكر ونكير أسودان أزرقان فظان غليظان أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالريح العاصف معهما مهزبة، فيقعدان ويسألانه لا يشعران بدخول رومان فيقول ربي الله ونبيي محمد وديني الإسلام، فيقولان له عند الله سعيد ثم يقولان: اللهم فأرضهِ كما أرضاك، ويفتح له في قبره باب من الجنة يأتيه منها التِحَف، فإذا انصرفا عنه قال له: نَمْ نومة العروس، فهذا هو التثبيت {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} يعني يلعنهم وذلك أنّ الكافر إذا دخل عليه الملكان قالا له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ قال: لا أدري. قالا له: لا دريت ولا هديت عشت عصيا ومتّ شقياً، ثم يقولان له نم نومة المنهوس ويفتح من قبره باب من جهنم ويضربانه ضربة بتلك المرزبة فيشهق شهقة يسمعها كل حيوان إلاّ الثقلان ويعلنه كل من يسمع صوته فذلك قوله {أية : وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ}تفسير : [البقرة: 159]. روى البراء بن عازب "حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال: فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره، ويقولان من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد، وينتهرانه ويقولان الثانية من ربك وما دينك ومن نبيك؟ وهو آخر أسئلة الملكان فيثبته الله فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادي مناد في السماء أن ثبت عبدي"تفسير : فنزل قوله تعالى {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية. وقال ابن عباس في هذه الآية: إنّ المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة فإذا مات مشوا مع جنازته وصلوا عليه مع الناس، فإذا دفن جلس في قبره فيقال له من ربك؟ فيقول ربي الله. فيقال له من رسولك؟ فيقول محمد. فيقال له ما شهادتك؟ فيقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله فيوسع له في قبره حد بصره، وذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وروى أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: حديث : "يا أيها الناس إنّ هذه الأُمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن ويتفرق عنه أحباؤه جاءهُ ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. فيقول له: صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقال له: هذا منزلك كان لو كفرت بربك، فأما إذا آمنت به فإنّ الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض له فيقال له اسكن ثم يفتح له في قبره، وأما الكافر أو المنافق فيقال له ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا كان منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت فإنّ الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلاّ الثقلين". قال بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا من أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلاّ هِيْل جزعاً لذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يثبت الله الذين آمنوا" الآية . تفسير : وقال أبو هريرة: إن الميت يسمع خفق نعالهم حتى يولون عنه مدبرين وإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصيام عن يساره وفعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف فيصلي الناس عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فيقول للصلاة: أقبلي فتدخل فيؤتى من يمينه فيقول الزكاة اقبلي فتدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام قبلي يدخل صوتي من عند رجليه فيقول فعل الخيرات اقبلي فتدخل، فيقال له: اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دخل الغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك. فيقول: دعوني حتى أُصلي فيقال إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك عنه فيقول وعم تسألونني؟ فيقال أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ما نقول فيه وماذا شهد عليه، فيقول أمحمد؟ فيقال: نعم، فيقول: أشهد إنه لرسول الله قد جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح إليه في قبره سبعون ذراعاً وينوّر له فيه، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: أنظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك لو عصيته، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يجعل نسمه في النسيم الطيب، وهي طير [خضر] تعلق بشجر الجنة ويعاد جسده إلى ما بدئ منه من التراب، وذلك قوله {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إلى قوله {وَفِي ٱلآخِرَةِ}. و "حديث : عن أبي نافع قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بغدير وأنا أمشي خلفه فقال صلى الله عليه وسلم:لا هديت لا هديت ثلاثاً". قال أبو نافع قلت: يا رسول الله مالي؟ قال: ليس إياك أُريد، وإنما أُريد صاحب هذا القبر، يُسأل عني فيزعم أنه لا يعرفني فإذا هو قبر قد رشّ عليه الماء حين دفن صاحبه . تفسير : وأخبرنا أبو القاسم السلمي عن أبي الطيب محمد بن علي الخياط يقول: سمعت سهيل بن جابر العتكي يقول: رأيت يزيد بن عثمان بعد موته في المنام، فقلت له ما فعل الله بك فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان فقالا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت لهما ألمثلي يقال هذا وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة فذهبا وقالا أكتبت عن جريز بن عثمان؟ قلت: نعم. قالا: إنه كان يبغض علياً فأبغضه الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد يأتي في أذهان البعض ما يُشوِّه عقائد الإيمان، فيقول: كيف يدخل فلانُ النار وهو مَنْ أهدى البشريةَ تلك المخترعات الهائلة التي غيَّرت مسارات الحضارة، وأسعدتْ الناس؟ كيف يُعذِّب الله هؤلاء الذين بذلوا الجهد ليطوروا من العلوم والفنون، أيعذبهم لمجرد أنهم كفار؟ وأقول: نعم، يعذبهم الله على الرغم من أنه سبحانه لا يضيع عنده أَجْرُ مَنْ أحسنَ عملاً؛ وهو قادر على أنْ يَجزيهم في الدنيا بما ينالونه من مجد وشهرة وثروة؛ وهم قد عملوا من أجل ذلك. وانطبق عليه قوله: "عملتَ لِيُقال وقد قِيل" وأخذوا أجورهم مما عَمِلوا لهم؛ ذلك أنهم عملوا ولم يكُنْ في بالهم الله. وهكذا يصور القرآن مسألة الجزاء، فالواحد من هؤلاء الكفار إذا كان يَلْقى العذاب الغليظ على الكفر؛ فالحق لا يغمطه أجر ما فعل من خير؛ فينال ذلك في الدنيا ويستمتع بإطلاق اسمه على اختراعه أو اكتشافه. ونعلم جميعاً قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"تفسير : أما في الآخرة فالعذاب جزاؤه؛ لأنه عاش كافراً بالله. وهذه الأعمال التي صنعوها في الدنيا، وظنُّوا أنها أعمالٌ إنسانية وأعمالُ بِرٍّ تأتي يوم القيامة وهي رماد تهبُّ عليه الريح الشديدة في يوم عاصف لتذره بعيداً: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18]. ولن تكون لديهم عندئذ فرصة لاستئناف الحياة ليستفيدوا من التجربة؛ بل أمامهم وحولهم العذاب؛ لسان حال كل منهم يقول: {أية : رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً ..} تفسير : [المؤمنون: 99-100]. لكنه لو رُدَّ إلى الحياة لَعَاد إلى ما نُهِي عنه، مِصْداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. وهذا الكفر هو الضلال البعيد الذي جعل كل أعمالهم التي ظنُّوا أنها صالحة؛ مجردَ أعمال مُحْبطة؛ فضلُّوا بالكفر عن الطريق المُوصِّل إلى خير الآخرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى استهزاء الكفار بالرسل، وما أعدَّ لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ضرب مثلاً لأعمالهم، ثم ذكر المناظرة بين الرؤساء والأتباع، وعقّبها بالتذكير بنعم الله على العباد ليعبدوه ويشكروه. اللغَة: {عَاصِفٍ} شديد الريح {بَرَزُواْ} البروز: الظهور بعد الخفاء، والبَراز المكان الواسع لظهوره، وامرأةٌ برْزة أي تظهر للناس {مَّحِيصٍ} منجى ومهرب يقال: حاصَ عن كذا أي فرَّ وأراد الهرب منه {جَزِعْنَآ} الجزع: عدم احتمال الشدة وهو نقيض الصبر {مُصْرِخِكُمْ} مُغيثكم الصارخ المستغيث، والمُصرخ المغيث قال أمية: شعر : فلا تَجْزعوا إِني لكم غيرُ مُصْرخٍ وليس لكم عندي غناءٌ ولا نصْر تفسير : {ٱجْتُثَّتْ} اقتلعت من أصلها {ٱلْبَوَارِ} الهلاك {خِلاَلٌ} جمع خُلَّة وهي الصحبة والصَّداقة قال امرؤ القيس: شعر : صرفتُ الهَوى عنهنَّ من خشيةِ الرَّدى فلستُ بمقْليِّ الخِلال ولا قالي تفسير : {دَآئِبَينَ} الدؤب في اللغة: مرورُ الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب دؤباً. التفسِير: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ} أي مثلُ أعمالِ الكفار التي عملوها في الدنيا يبتغون بها الأجر من صدقةٍ وصلة رحم وغيرها مثلُ رمادٍ عصفت به الريح فجعلته هباءً منثوراً {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أي في يومٍ شديد هبوب الريح قال القرطبي: ضرب الله هذه الآية مثلاً لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ} أي لا يقدر الكفار على تحصيل ثواب ما عملوا من البرِّ في الدنيا لإِحباطه بالكفر، كما لا يستطيع أن يحصل الإِنسان على شيء من الرماد الذي طيَّرته الريح {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي الخسران الكبير {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} أي ألم تر أيها المخاطب بعين قلبك وتتأمل ببصيرتك أن اللهَ العظيم الجليل انفرد بالخلق والإِيجاد، وأنه خلق السماوات والأرض ليُستدلَّ بهما على قدرته؟ قال المفسرون: أي لم يخلقهن عبثاً وإِنما خلقهنَّ لأمرٍ عظيم {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي هو قادرٌ على الإِفناء كما قادر على الإِيجاد والإِحياء قال ابن عباس يريد: يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوماً غيركم خيراً منكم وأطوع {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي ليس ذلك بصعبٍ أو متعذرٍ على الله، فإنَّ القويَّ القادر لا يصعبُ عليه شيء {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} أي خرجوا من قبورهم يوم البعث، وظهروا للحساب لا يسترهم عن الله ساتر قال الإِمام الفخر: ورد بلفظ الماضي {وَبَرَزُواْ} وإِن كان معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدقٌ وحقٌ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 44] {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} أي قال الأتباع والعوام للسادة الكبراء والقادة الذين أضلوهم في الدنيا {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي كنا أتباعاً لكم نأتمر بأمركم {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي هل أنتم دافعون عنا شيئاً من عذاب الله؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} أي قال القادة معتذرين: لو هدانا الله للإيمان لهديناكم إِليه، ولكن حصل لنا الضلال فأضللناكم فلا ينفعنا العتاب ولا الجزع {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا} أي يستوي علينا الجزع والصبر قال الطبري: إن أهل النار يجتمعون فيقول بعضهم لبعض: إِنما أدركَ أهلُ الجنةِ ببكائهم وتضرعهم إلى الله فتعالوْا نبكي ونتضرع إِلى الله، فبكوا فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر فصبروا صبراً لم يُر مثلُه، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا} وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، وصبروا خمسمائة عام {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي ليس لنا من مهرب أو ملجأ {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} هذه هي الخطبة البتراء التي يخطب بها إِبليس في محفل الأشقياء في جهنم أي لمّا فُرغ من الحساب ودخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} أي وعدكم وعداً حقاً بإِثابة المطيع وعقاب العاصي فوفَّى لكم وعده {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي وعدتكم ألاّ بعث ولا ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي لم يكن لي قدرة وتسلط وقهر عليكم فأقهركم على الكفر والمعاصي {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} أي إِلا دعائي إِياكم إِلى الضلالة بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي لا ترجعوا باللوم عليَّ اليوم ولكن لوموا أنفسكم فإن الذنب ذنبكم {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي كفرت بإِشراككم لي مع الله في الطاعة {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي إِن المشركين لهم عذاب مؤلم قال المفسرون: هذه الخطبة إِنما تكون إِذا استقر أهل الجنةِ في الجنة، وأهلُ النار في النار، فيأخذ أهل النار في لوم إِبليس وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيباً بما أخبر عنه القرآن وقال الحسن: يقف إِبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبرٍ من نار يسمعه الخلائق جميعاً {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} لمّا ذكر تعالى أحوال الأشقياء، ذكر بعده أحوال السعداء، ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء أي أدخلهم الله تعالى جناتٍ تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً بأمره تعالى وتوفيقه وهدايته {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي تُحييِّهم الملائكة بالسلام مع الإِجلال والإِكرام {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} هذا مثلٌ ضربه الله لكلمة الإِيمان وكلمة الإِشراك، فمثَّل لكلمة الإِيمان بالشجرة الطيبة، ولكلمة الإِشراك بالشجرة الخبيثة قال ابن عباس: الكلمة الطيبة "لا إِله إِلا الله" والشجرة الطيبة "المؤمن" {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} أي أصلها راسخ في الأرض وأغصانها ممتدة نحو السماء {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي تعطي ثمرها كلَّ وقت بتيسير الخالق وتكوينه، كذلك كلمة الإِيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعملُه يصعد إِلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي يبيّن لهم الأمثال لعلهم يتعظون فيؤمنون {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} أي ومثل كلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحَنْظل الخبيثة {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ} أي استؤصلت من جذورها واقتعلت من الأرض لعدم ثبات أصلها {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي ليس لها استقرارٌ وثبات، كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة قال ابن الجوزي: شُبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإِيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين، فالمؤمن كلما قال "لا إِله إِلا الله" صعدت إِلى السماء ثم جاء خيرُها ومنفعتها، والكافر لا يُقبل عمله ولا يصعد إِلى الله تعالى، لأنه ليس له أصل في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي يثبتهم على كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وعلى الإِيمان في هذه الحياة فلا يزيغون ولا يُفْتنون {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي عند سؤال الملكين في القبر كما في الحديث الشريف "حديث : المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}..." الآية تفسير : {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يهديهم في الحياة ولا عند سؤال الملكين وقت الممات {وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} أي من هداية المؤمن وإِضلال الكافر لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} استفهام للتعجيب أي ألا تعجب أيها السامع من أولئك الذين غيَّروا نعمة الله بالكفر والتكذيب؟ قال المفسرون: هم كفار مكة فقد أسكنهم الله حرمه الآمن، وجعل عيشهم في السِّعة، وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، وكفروا به وكذبوه، فابتلاهم الله بالقحط والجدب {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} أي أنزلوا قومهم دار الهلاك بكفرهم وطغيانهم ثم فسَّرها بقوله {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي أحلوهم في جهنم يذوقون سعيرها وبئست جهنم مستقراً {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي جعلوا لله شركاء مماثلين عبدوهم كعبادته ليُضلوا الناس عن دين الله {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} أي استمتعوا بنعيم الدنيا فإن مردَّكم ومرجعكم إِلى عذاب جهنم، وهو وعيد وتهديد {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي قل يا محمد لعبادي الذين آمنوا فلْيقيموا الصلاة المفروضة عليهم ويؤدوها على الوجه الأكمل {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً} أي ولينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق خفيةً وجهراً {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} أي من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا صداقة، ولا فداء ولا شفاعة.. ولما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء ختم ذلك بذكر الدلائل الدالة على وجود الخالق الحكيم فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي أنزل من السحاب المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} أي أخرج بالمطر من أنواع الزروع والثمار رزقاً للعباد يأكلونه {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي ذلَّل السفن الكبيرة لتسير بمشيئته، تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إِلى بلد {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} أي الأنهار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} أي وذلَّل لكم الشمس والقمر يجريان بانتظام لا يفتران، لصلاح أنفسكم ومعاشكم {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار، هذا لمنامكم وذاك لمعاشكم {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم كل ما تحتاجون إِليه، وما يصلح أحوالكم ومعاشكم، مما سألتموه بلسان الحال أو المقال {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} أي وإِن تعدُّوا نِعَم اللهِ عليكم لا تطيقوا حصرها وعدَّها، فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها عدد {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} الإِنسان اسم جنس أي إن الإِنسان لمبالغٌ في الظلم والجحود، ظالمٌ لنفسه بتعديه حدود الله، جحودٌ لنعم الله، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفَّار في النعمة يجمع ويمنع. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- التشبيه التمثيلي {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. 2- التشبيه المرسل المجمل {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} ومثلها {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً}. 3- الطباق في {أَصْلُهَا ... وَفَرْعُهَا} وفي {طَيِّبَةً ... وخَبِيثَةٍ} وفي {يُذْهِب ... ويَأْتِيَ} وفي {سِرّاً ... وَعَلانِيَةً} وفي {أَجَزِعْنَآ ... وصَبَرْنَا}. 4- طباق السلب في {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. 5- التعجيب {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً}. 6- التهديد والوعيد {قُلْ تَمَتَّعُواْ}. 7- صيغة المبالغة {ظَلُومٌ كَفَّارٌ} لأن فعول وفعّال من صيغ المبالغة. 8- السجع المرصَّع دون تكلف مثل {ٱلْبَوَارِ ... ٱلْقَرَارُ ... ٱلنَّارِ} الخ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} يعني شَديدَ الرِّيحِ.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه كلاماً جملياً شاملاً لجميع أصحاب الضلال: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع النعم، فيكفرون النعم والمنعم جميعاً متى لم يصلوا إلى مرتبة توحيده وعرفانه، ولم يؤمنوا به حتى يصلوا بالسلوك والمجاهدة إليه، شأنهم العجيب وحالهم الغريبة فيما يتلى عليكم أنه {أَعْمَالُهُمْ} الحسنة من الصدقة والعتق والصلة وغير ذلك من الأعمال المقربة إلى الحق إن كانت غير مقروننة بالإيمان والمعرفة {كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} ذو رياح شديدة عاصفة فطار بها الرماد إلى حيثن لم يبق في مكانه أثر منه، أي: مثلهم وشأنهم في كون أعمالهم محبطة يوم القيامة كمثل ذلك الرماد بحيث {لاَّ يَقْدِرُونَ} لدى الحاجة {مِمَّا كَسَبُواْ} من الأعمال المنجية المخلصة {عَلَىٰ شَيْءٍ} قليل حقير، فكيف بالكثير العظيم منها؟! {ذٰلِكَ} الإحباط والهباء وعدم النفع {هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] بمراحل عن الهداية والفوز بالفلاح، وما ذلك إلا لعدم مقارنتها بالإيمان والعرفان، ولتكذيب الرسل المبينين لهم طريق التوحيد والإيقان. {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي المستبعد لإحباط أعمال أولئك الكفرة المعاندين مع الله ورسله {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر، المقتدر بالقدرة التامة الكاملة بحيث لا ينتهي قدرته أصلآً {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: أظهرهما وأوجدهما من كتم العدم على وجه الإبداع والاختراع {بِٱلْحقِّ} الثابت المطابق للحكمة البالغة الكاملة بحيث ما ترى فيها من فطور وفتور، يشاهد أهل البصائر والاعتبار هذا النمط البديع والنظام العجيب فينكشفوا منها إلى مُبدئها ومُنشئها، ومع ذلك {إِن يَشَأْ} سبحانه {يُذْهِبْكُمْ} أيها المائلون عن طريق لاحق الناكبون عن مقتضى حكمته بمتابعة أهوية نفوسكم ومقتيضات هوياتكم الباطلة {وَيَأْتِ} بدلكم {بِخَلْقٍ} آخر {جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19] مستبدع مستحدث؛ ليواظبوا على طاعته ويداوموا على مقتضيات حكمته. {وَ} لا تستبعدوا من الله أمثال ذلك؛ إذ {مَا ذٰلِكَ} وأمثاله {عَلَى ٱللَّهِ} المتعزز بالمجد والبهاء والعظمة والكبرياس والبسطة والاستيلاء {بِعَزِيزٍ} [إبراهيم: 20] متعذر أو متعسر؛ إذ لا يتعسر على قدرته المقدور، ولا يتعذر عليه شيء من الأمور. {وَ} كيف يتعسر أو يتعذر عليه شيء من الأشياء؛ إذ الكل {بَرَزُواْ} أي: ظهروا ورجعوا في النشأة الآخرة {لِلَّهِ} المظهر المبرز لهم من كتم العدم {جَمِيعاً} مجتمعين؛ إذ لا يخرج عن حيطته شيء {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} من ذوي الاستعدادات الضعيفة حين أُخذوا بجرائمهم {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} عليهم في النشأة الأولى بالرئاسة والعقل والتام، وإدعاء الفضل والكمال إلى حيث جعلوا نوفسهم مبتدعين لهم حيث قالوا: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} في دار الدنيا، وأنتم ناصحون لنا، آمرون بتكذيب الرسل وأنواع الفواحش والقبائح الممنوعة بألسنة الرسل {فَهَلْ أَنتُمْ} اليوم حي أُخذنا على ما أمرتمونا {مُّغْنُونَ عَنَّا} أي: دافعون مانعون {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} المنتقم منا {مِن شَيْءٍ} أي: بعض من عذابنا ونكالنا؟! {قَالُواْ} أي: المستكبرون بعدما عاتبهم الضعفاء: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} الهادي لعباده {لَهَدَيْنَاكُمْ} ولكن أضلنا باسمه المضل، فأضللناهم، فالآن نحن وأنتم ضالون ضالمون مؤاخذون {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} وعليكم {أَجَزِعْنَآ} عن شدة العذاب والنكال {أَمْ صَبَرْنَا} على مُقاساته وأحزانه {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} [إبراهيم: 21] أي: مخلص ومناص.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن أعمال الكفار التي عملوها: إما أن المراد بها الأعمال التي عملوها لله، بأنها في ذهابها وبطلانها واضمحلالها كاضمحلال الرماد، الذي هو أدق الأشياء وأخفها، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب، فإنه لا يبقى منه شيئا، ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل، فكذلك أعمال الكفار { لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ } ولا على مثقال ذرة منه لأنه مبني على الكفر والتكذيب. { ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ } حيث بطل سعيهم واضمحل عملهم، وإما أن المراد بذلك أعمال الكفار التي عملوها ليكيدوا بها الحق، فإنهم يسعون ويكدحون في ذلك ومكرهم عائد عليهم ولن يضروا الله ورسله وجنده وما معهم من الحق شيئا.