Verse. 1769 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ بِالْحَقِّ۝۰ۭ اِنْ يَّشَاْ يُذْہِبْكُمْ وَيَاْتِ بِخَلْقٍ جَدِيْدٍ۝۱۹ۙ
Alam tara anna Allaha khalaqa alssamawati waalarda bialhaqqi in yasha yuthhibkum wayati bikhalqin jadeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» تنظر يا مخاطب استفهام تقرير «أن الله خلق السماوات والأرض بالحق» متعلق بخلق «إن يشأ يذهبكم» أيها الناس «ويأت بخلق جديد» بدلكم.

19

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحارى، وقفار وبحار، وأشجار ونبات، وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [يس:77-83] وقوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} { وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي: بعظيم ولا ممتنع، بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأتي بآخرين على غير صفتكم؛ كما قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } تفسير : [فاطر:15-17] وقال: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُمُ} تفسير : [محمد: 38] وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54] وقال: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} تفسير : [النساء: 133].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر يا مخاطب استفهام تقرير {أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ }؟ متعلق بـ (خلق) {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أيها الناس {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } بدلكم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } الرؤية هنا هي القلبية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته، أو الخطاب لكلّ من يصلح له. وقرأ حمزة والكسائي {خالق السموات} ومعنى بالحقّ: بالوجه الصحيح الذي يحقّ أن يخلقها عليه ليستدلّ بها على كمال قدرته. ثم بيّن كمال قدرته سبحانه واستغناءه عن كل واحد من خلقه فقال: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين، ويهلك العصاة، ويأتي بمن يطيعه من خلقه، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان، ويحتمل أن يكون من نوع آخر {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي: بممتنع؛ لأنه سبحانه قادر على كل شيء، وفيه أن الله تعالى هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه؛ فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } أي: برزوا من قبورهم يوم القيامة، والبروز: الظهور، والبراز: المكان الواسع لظهوره، ومنه امرأة برزة، أي: تظهر للرجال، فمعنى {برزوا} ظهروا من قبورهم. وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه كما هو مقرّر في علم المعاني، وإنما قال: {وبرزوا لله} مع كونه سبحانه عالماً بهم لا تخفى عليه خافية من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا؛ لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى، فالكلام خارج على ما يعتقدونه. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاء لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } أي قال: الأتباع الضعفاء للرؤساء الأقوياء المتكبرين لما هم فيه من الرياسة: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أي: في الدنيا، فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم. والتبع جمع تابع، أو مصدر وصف به للمبالغة، أو على تقدير: ذوي تبع. قال الزجاج: جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع، فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم عن عبادة الله: إنا كنا لكم تبعاً. جمع تابع، مثل خادم وخدم، وحارس وحرس، وراصد ورصد {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } أي: دافعون عنا {من عذاب الله من شيء}، "من" الأولى للبيان، والثانية للتبعيض، أي: بعض الشيء الذي هو عذاب الله؛ يقال: أغنى عنه: إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } أي: قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين، والجملة مستأنفة بتقدير سؤال كأنه قيل: كيف أجابوا؟ أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه. وقيل: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. وقيل: لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا ما لَنَا مِن مَّحِيصٍ } أي: مستوٍ علينا الجزع والصبر، والهمزة و"أم" لتأكيد التسوية في قوله: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } تفسير : [البقرة: 6]. {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } أي: من منجى ومهرب من العذاب، يقال: حاص فلان عن كذا، أي: فرّ وزاغ، يحيص حيصاً وحيوصاً وحيصاناً، والمعنى: ما لنا وجه نتباعد به عن النار، ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين، وإن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين. {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأمْرُ} أي: قال للفريقين هذه المقالة، ومعنى {لما قضي الأمر}: لما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار على ما يأتي بيانه في سورة مريم. {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ} وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب، ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } أي: وعدتكم وعداً باطلاً، بأنه لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار، فأخلفتكم ما وعدتكم به من ذلك. قال الفراء: وعد الحق هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولهم: مسجد الجامع. وقال البصريون: وعدكم وعد اليوم الحق {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } أي: تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } أي: إلا مجرّد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان، ودعوته إياهم ليست من جنس السلطان حتى تستثنى منه، بل الاستثناء منقطع، أي: لكن دعوتكم فاستجبتم لي، أي: فسارعتم إلى إجابتي. وقيل: المراد بالسلطان هنا: القهر، أي: ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلى إجابتي. وقيل: هذا الاستثناء هو من باب: تحية بينهم ضرب وجيع. مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال: إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرّد الدعاء من السلطان، وليس منه قطعاً. {فَلاَ تَلُومُونِى } بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا الموعد {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } باستجابتكم لي بمجرّد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة، فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى، ولمارنه قطع، ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة، وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وعد الحق، ودعوته لكم إلى الدار السلام، مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل، ولا تلتبس إلاّ على مخذول، وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله سبحانه، ولما في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤثرها على ما فيهما، فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقع عليه حجة، ولا دلّ عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره، كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المتنكبين طريق الحق بسوء اختيارهم، اللهم غفرا. {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } يقال: صرخ فلان: إذا استغاث يصرخ صراخاً وصرخاً، واستصرخ بمعنى: صرخ، والمصرخ: المغيث، والمستصرخ: المستغيث. يقال: استصرخني فأصرخته، والصريخ: صوت المستصرخ، والصريخ أيضاً: الصارخ، وهو المغيث والمستغيث، وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح. قال ابن الأعرابي: الصارخ: المستغيث، والمصرخ: المغيث، ومعنى الآية: ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه، وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه؟ ومما ورد مورد هذه الأقوال من قول العرب قول أمية بن أبي الصلت:شعر : فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ وليس لكم عندي غناء ولا نفر تفسير : و{مصرخيّ} بفتح الياء في قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش وحمزة بكسر الياء على أصل التقاء الساكنين. قال الفراء: قراءة حمزة وهم منه، وقلّ من سلم عن خطأ. وقال الزجاج: هي قراءة رديئة ولا وجه لها إلاّ وجه ضعيف يعني: ما ذكرناه من أنه كسرها على الأصل في التقاء الساكنين. وقال قطرب: هذه لغة بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء، وأنشد الفراء فيما ورد على هذه القراءة قول الشاعر:شعر : قلت لها يا تاء هل لك في قالت له ما أنت بالمرضي تفسير : {إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } لما كشف لهم القناع بأنه لا يغني عنهم من عذاب الله شيئاً، ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الرّبوبية، من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكاً. ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاماً يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولاً أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها، ثم أوضح لهم ثانياً بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول، ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بدّ للعاقل منها في قبول قول غيره، ثم أوضح ثالثاً بأنه لم يكن منه إلاّ مجرّد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء، ثم نعى عليهم رابعاً ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم؛ لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت، الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل، ثم أوضح لهم خامساً بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة، ولا يستطيع لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرّاً، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة، ثم صرح لهم سادساً بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب. وإذا كان جملة {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به، فأثبت لهم الظلم، ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم، لا على قول من قال: إنه ابتداء كلام من جهة الله سبحانه. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن "ما" مصدرية في {ما أشركتمون} وقيل: يجوز أن تكون موصولة على معنى {إني كفرت} بالذي أشركتمونيه وهو الله، عزّ وجلّ، ويكون هذا حكاية لكفره بالله عند أن أمره بالسجود لآدم. {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } لما أخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة. وقرأ الجمهور {أدخل} على البناء للمفعول، وقرأ الحسن "وأدخل" على الاستقبال والبناء للفاعل، أي: وأنا أدخل الذين آمنوا، ثم ذكر سبحانه خلودهم في الجنات وعدم انقطاع نعيمهم، ثم ذكر أن ذلك بإذن ربهم، أي: بتوفيقه ولطفه وهدايته، هذا على قراءة الجمهور، وأما على قراءة الحسن فيكون {بإذن ربهم} متعلقاً بقوله: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } أي: تحية الملائكة في الجنة سلام بإذن ربهم، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة يونس. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } قال: بخلق آخر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {فقال الضعفاء} قال: الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } قال: للقادة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله: {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة. وصبروا مائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن كعب بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {سَوَاء عَلَيْنَا } الآية قال: «حديث : يقول أهل النار: هلموا فلنصبر، فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: هلموا فلنجزع، فبكوا خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}»تفسير : . والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاء لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ * قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } تفسير : [غافر: 47 - 48]. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر عن عقبة بن عامر يرفعه، وذكر فيه حديث الشفاعة، ثم قال: «حديث : ويقول الكافر عند ذلك: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلاّ إبليس فهو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم إبليس فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظهم بجهنم، ويقول عند ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ }» تفسير : الآية. وضعف السيوطي إسناده، ولعلّ سبب ذلك كون في إسناده رشدين ابن سعد عن عبد الرحمٰن بن زياد بن أنعم، عن دجين الحجزي، عن عقبة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة قام إبليس خطيباً على منبر من نار فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ } إلى قوله: {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } قال: بناصريّ {إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } قال: بطاعتكم إياي في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي في هذه الآية قال: خطيبان يقومان يوم القيامة: إبليس، وعيسى، فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول: هذا القول يعني: المذكور في الآية، وأما عيسى فيقول: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [المائدة: 117]. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } قال: ما أنا بنافعكم، وما أنتم بنافعيّ {إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } قال شركه: عبادته. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن قتادة {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } قال: ما أنا بمغيثكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } قال: الملائكة يسلمون عليهم في الجنة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وبرزوا لله جميعاً}أي ظهروا بين يديه تعالى في القيامة. {فقال الضعفاء} وهم الأتباع. {للذين استكبروا} وهم القادة المتبوعون. {إنا كُنّا لكم تبعاً}يعني في الكفر بالإجابة لكم. {فهل أنتم مغنون عَنّا مِن عذاب الله من شيء} أي دافعون عنا يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. {قالوا لو هَدانا الله لهديناكم} فيه ثلاثة أوجه أحدها: لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه. الثاني: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. الثالث: لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيصٍ} أي من منجى أو ملجأ، قيل إن أهل النار يقولون: يا أهل النار إن قوماً جزعوا في الدنيا وبكوا ففازوا، فيجزعون ويبكون. ثم يقولون: يا أهل النار إن قوماً صبروا في الدنيا ففازوا، فيصبرون. فعند ذلك يقولون{سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر الآخرة في أول السورة، ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه، ثم جرّ الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب، وأتبعه مثل أعمال الكفار في الآخرة، أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال الضلال إلا الإبطال فقال: {ألم تر أن الله} أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة {خلق السماوات} على عظمها وارتفاعها {والأرض} على تباعد أقطارها واتساعها {بالحق} بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة لا بالخيال والتمويه كالسحر، ومن المعلوم أنهما ظرف، ولا يكون المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو أعلى منه، فكيف يظن أنه يخلق شيئاً فيهما سدى بأن يكون باطلاً فلا يبطله، أو حقاً فلا يحقه، أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقاً وأعظم شأناً - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمراً وأصغر قدراً، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة، فهو بحيث {أن يشأ يذهبكم} أي بنوع من أنواع الإذهاب: الموت أو غيره {ويأت بخلق جديد} غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون - كما أنتم - خلقاً جديداً؛ والجديد: المقطوع عنه العمل في الابتداء، وأصله القطع، فالجد أب الأب، انقطع عن الولادة بالأب، والجد ضد الهزل، يقطع به المسافة حساً أو معنى {وما ذلك} الإذهاب والإتيان على عظمه {على الله} أي الملك الأعلى {بعزيز *} وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلاً عن أن يكون أعظم منه، فلا وجه لقولكم{أية : هل ندلكم على رجل ينبئكم} تفسير : [سبأ:7]، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي أسبابهم - الموجب لهلاكهم. ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت، عطف على قوله:{أية : لا يقدرون مما كسبوا على شيء}تفسير : [إبراهيم:18] قوله - بياناً لهو أن البعث عنده وسهولته عليه -: {وبرزوا} أي في ذلك اليوم، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب، فكيف بملك الملوك! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل {لله} أي الملك الأعظم {جميعاً} فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو متعارفهم، لأنه لا ساتر لهم، فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبساً به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب {فقال الضعفاء} أي الأتباع من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم، تبكيتاً لرؤسائهم وتوبيخاً، تصديقاً لقوله تعالى:{أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} تفسير : [الزخرف:67] {للذين استكبروا} أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك. {إنا كنا} أي كوناً هو كالجبلة {لكم تبعاً} أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم {فهل أنتم مغنون} أي دافعون {عنا من عذاب الله} أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه، وأبلغوا بعد التبعيض بـ"من" الأولى في التقليل، فقالوا: {من شيء} كأن العذاب كان محتاجاً إلى أخذهم فأغنوه بشيء غيرهم حتى يجاوزهم لو دفعوه عنهم، فكأنه قيل: إن ذلك لعادة الرؤساء، فماذا قالوا؟ فقيل: {قالوا} علماً منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف: لا نغني عنكم شيئاً، بل كل مجزي بما فعل، علينا إثم ضلالنا في أنفسنا وإضلالنا لكم، وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا فاستغرقنا في الضلال، ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها كما سمعناها وتركتمونا، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا، فكان ربما يكون سبباً لهدايتنا كما أنه {لو هدانا الله} أي المستجمع لصفات الكمال {لهديناكم} فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم، ولكم جزاء اهتدائكم وتقويتكم لنا على ذلك، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعاً فأضللناكم. ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: {سواء علينا} أي نحن وأنتم {أجزعنا} والجزع: انزعاج النفس بورود ما يغم {أم صبرنا} لا فائدة لنا في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه {ما لنا من محيص} يصلح للمصدر والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة، وهذا الاستفهام ليس على بابه، بل المراد به التنبيه على أنه حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد الأمر فيه لينتهي عن مثله.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ}[19] قال: خلق الأشياء كلها بقدرته، وزينها بعلمه، وحكمها بحكمته؛ فالناظر من الخلق إلى الخالق تبين له عجائب الخلقة، والناظر من الخالق إلى الخلق يكشف له عن آثار قدرته وأنوار حكمته وبليغ صنعته.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} [الآية: 19]. قال سهل: خلق الله تعالى الأشياء كلها بقدرته وزينها بعلمه، وأحكمها بحكمته، فالناظر من الخلق إلى الخالق يتبين له من الخلق عجائب الخلقة، والناظر من الخالق إلى الخلق يكشف له عن آثار قدرته وأنوار حكمته وبدائع صنعته. قال بعضهم: خلق السماوات عالية على الأرضين مرتفعة عليها وجعل عمارة الأرضين من بركات السماء وما يصل إليها منها كذلك خلق النفوس وجعل القلوب أمراء عليها، وجعل راحة النفوس فيما يصل إليها من بركات القلوب فمن طهر قلبه لاستصلاح المشاهدة أتت الفوائد والزوائد من الحق فى جميع الأوقات.

القشيري

تفسير : خَلَقَ السماواتِ والأرض بالحُكْم الحق، أي له ذلك بحقِّ ملكه، وخلقهما بقوله الحق؛ فجعل كلَّ جزءٍ منهما على وحدانيته دليلاً، ولِمَنْ أراد الوصول إلى ربِّه سبيلاً. ثم قال: إِنْ يَشَأْ يذهبكم بالإفناء، ويأتِ بِخَلْقٍ جديدٍ في الإنشاء، وليس ذلك عليه بعزيز... وأنَّى ذلك وهو على كل شيء قدير؟!.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} خلق الكون بحق ارادته القديمة والمشية السابقة التى سبقت بكون الكون فى الازل وايضا علم الكون حقا فى الازل فاظهر الكون بحق العلم والارادة والمشية اظهار الحق حقيقة ولحقوق ربوبيته وعرفانه من اهل عبوديته كانه خاطب لرؤية تلك الحقائق ثم ارتقى من رؤية الحقيقة الى رؤية عين الحقيقة بقوله الم تر ان الله ثم نزل من الذات الى الصفات ومن الصفات الى الافعال وقال خلق السموات والارض بالحق فرؤية انوار فعله للعقول ورؤية انوار صفاته للقلوب ورؤية انوار ذاته للارواح ورؤية انوار عين الحقيقة للاسرار قال سهل خلق الاشياء كلها بقدرته وزينها بعمله واحكمها بحكمه فالناظر من الخلق الى الخالق يتبين له من الخلق عجائب الخليقة والناظر من الخالق الى الخلق يكشف له عن آثار قدرته وانوار حكمته وبدائع صنعه وقال بعضهم خلق السموات عالية على الارضين مرتفعة عليها وجعل عمارة الارضين من بركات السماء وما يصل اليه منه كذلك خلق النفوس وجعل القلوب امير عليها وجعل نجاة النفوس وراحتها فيما يصل اليها من بركات القلوب فمن طهر قلبه لاستصلاح الشماهدة اتته الفوائد والزوائد من الحق فى جميع الاوقات.

اسماعيل حقي

تفسير : {الم تر} خطاب لرسول الله صلى الله علسه وسلم والمراد امته يذهبكم والامة امة الدعوة والرؤية رؤية القلب وفى التأويلات النجمية يخاطب روح النبى صلى الله عليه وسلم فان اول ما خلق الله روحه ثم خلق السماوات والارض وروحه ناظر مشاهد خلقتها اى ألم تعلم او لم تنظر والاستفهام للتقرير اى قد رأيت {ان الله خلق السموات والارض} قال فى بحر العلوم آثار فعل الله بالسماوات والارض وسعة الاخبار به متواترة فقامت لك فقامت لك مقام المشاهدة {بالحق} ملتبسة بالحكمة البالغة والوجه الصحيح الذى ينبغى ان يخلق عليه لا باطلا ولا عبثا {ان يشأ يذهبكم} يعدمكم بالكلية ايها الناس {ويأت بخلق جديد} اى يخلق بدلكم خلقا آخر من جنسكم آدميين او من غيره خيرا منكم واطوع لله. وفى التأويلات النجمية {ان يشأ يذهبكم} ايها الناس المستعد لقبول فيض اللطف والقهر {ويأت بخلق جديد} مستعد لقبول فيض لطفه وقهره من غير الانسان انتهى. رتب قدرته على ذلك على خلق السماوات والارض على هذا النمط البديع ارشادا الى طريق الاستدلال فان من قدر على خلق مثل هاتيك الاجرام العظيمة على كل تبديل خلق آخر بهم اقدر ولذلك قال

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألم تَرَ} يا محمد، أو أيها السامع {أن الله خلق السماوات والأرض بالحق}؛ لتدل على الحق، أو بالوجه الذي يحقَّ ان تُخلق لأجله، وهو التعريف بخالقها، وبقدرته الباهرة التي تقدر على الإيجاد والإعدام، ولذلك قال: {إن يشأ يُذهبكم ويأت بخَلْقٍ جديدٍ}، أي: إن يشأ يعدمكم ويستبدل مكانكم خلقاً آخر. فإنَّ من قدر على إيجاد صورهم، وما تتوقف عليه مادتهم، قادر على أن يبدلهم بخلق آخر؛ {وما ذلك على الله بعزيز} أي: بمتعذر، أو ممتنع؛ لأن قدرته عامة التعلق، لا تختص بمقدور دون آخر، ومن كان هذا شأنه كان حقيقاً بأن يُفرد بالعبادة والقصد؛ رجاء لثوابه، وخوفاً من عقابه يوم الجزاء، الذي أشار إليه بقوله: {وبرزوا لله...} إلخ. الإشارة: ألم تر أن الله خلق سماوات الأرواح، لشهود الحق في مقام التعريف، وأرض النفوس لعبادة الحق في مقام التكليف. الأرواح مستقرها سماء الحقائق، والأشباح مقرها أرض الشرائع. عالم الأرواح محل التعريف، وعالم الأشباح محله التكليف. والأرواح لا تنفك عن الأشباح في الصورة الخلقية، غير أنها تعرج عنها بالتصفية والذكر، حتى تترقى إلى عالم الأرواح، فلا تشهد إلا الأرواح في محل الأشباح؛ وهذا من أعظم أسرار الربوبية، التي يطلع عليها العارفون بالله، فإذا أطلعهم الله على هذا المقام، كُوشفوا بأسرار الذات العلية، وبعالم الأرواح الذي هو مظهر أرواح الأنبياء والرسل، فلا يغيبون عن الله ساعة، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن مقام أرواح الأنبياء والأولياء. وفي هذا المقام قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لي ثلاثون سنة، ما غاب عني الحق طرفة عين. وقال أيضاً: لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ما عددت نفسي من المسلمين. وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه: مما منَّ الله به عليَّ أني ما ذكرتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا خطر على قلبي إلا وجدتني بين يديه... الخ كلامه. نفعنا الله بهم. وأهل هذا المقام موجودون في كل زمان، فإن القادر في زمانهم هو القادر في زماننا، وفي قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم...} الآية، إشارة إلى هذا، أي: إن يشأ يذهبكم عن شهود أنفسكم، ويأت بخلق جديد، تُشاهدون به أسرار ربكم، وما ذلك على الله بعزيز. قال أبو المواهب التونسي رضي الله عنه: حقيقة الفناء محو واضمحلال، وذهاب عنك وزوال. هـ. فيبرزون من عالم الاشباح إلى عالم الأرواح.

الطوسي

تفسير : آيتان في الكوفي والمدني تمام الأولى {خلق جديد} وآية عند الباقين. قرأ حمزة والكسائي {خالق السماوات} على اسم الفاعل. الباقون {خلق} على (فعل) ماض. قال ابو علي: من قرأ "خلق" فلان ذلك ماض فأخبر عنه بلفظ الماضي، ومن قرأ "خالق" جعله مثل {أية : فاطر السماوات والأرض}تفسير : بمعنى خالق. ومثله قوله {أية : فالق الإصباح وجعل الليل سكناً}تفسير : لانهما فُعلا. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ويعني به الأمة بدلالة قوله {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} ألم تعلم؛ لان الرؤية تكون بمعنى العلم، كما تكون بمعنى الادراك بالبصر وها هنا لا يمكن ان تكون بمعنى الرؤية بالبصر، لان ذلك لا يتعلق بأن الله خلق السموات والارض، وإنما يعلم ذلك بدليل. وقوله {بالحق} والحق هو وضع الشيء في موضعه على ما تقتضيه الحكمة واذا جرى المعنى على ما هو له من الاشياء فهو حق، واذا اجري على ما ليس هو له من الشيء فذلك باطل. والخلق فعل الشيء على تقدير وترتيب، والخالق الفاعل على مقدار ما تدعو الحكم اليه لا يجوز عليه غير ذلك. وقوله {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} خطاب للخلق واعلام لهم أنه قادر ان شاء ان يميت الخلق ويهلكهم ويجيء بدلهم خلقاً آخر جديداً. والاذهاب ابعاد الشيء عن الجهة التي كان عليها، ولهذا قيل للاهلاك إِذهاب، لانه ابعاد له عن حال الايجاد. والجديد المقطوع عنه العمل في ابتداء أمره قبل حال خلوّ فيه، واصله القطع يقال: جدّه يجده جدّاً إذا قطعه، والجدّ أب الأب، لانقطاعه عن الولادة بالأب، والجد ضد الهزل، والجد الحظ. {وما ذلك على الله بعزيز} اخبار منه تعالى ان إِذهابكم وإِهلاككم والاتيان بخلق جديد ليس بممتنع على الله على وجه من الوجوه. والممتنع بقدرته: عزيز، والممتنع بسعة مقدوره عزيز، والممتنع بكبر نفسه عزيز. وفي الآية دلالة على ان من قدر على الانشاء قدر على الافناء إِذ كان مما لا يتغير حكم القادر، ولا شيء مما يحتاج اليه في الفعل، لان من قدر على البناء، فهو على الهدم أقدر، فمن كان قادراً على اختراع السماء والارض وما بينهما فهو قادر على إِذهاب الخلق وإِهلاكهم.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} يا محمّد (ص) او يا من يتأتّى منه الرّؤية {أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} اى متلبّساً بالحقّ لانّه لا باطل فيه او بواسطة الحقّ الّذى هو الولاية المطلقة فلا بأس بانكارهم ولا نقص لها بذلك الانكار {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} ابرز الامر المتحقّق فى معرض المشكور تهديداً لهم لانّه يوهم الاذهاب فى الآن الحاضر والاّ فليس له شأن سوى الاذهاب والاتيان بخلقٍ جديدٍ.

اطفيش

تفسير : {ألَمْ تَرَ} خطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم والمراد أُمته أو خطاب لكل من يصلح له من الكفرة على طريق التفات العرب من الغيبة للخطاب والاستفهام التقرير {أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ} لا باطلا ولا عبثا بل بالحكمة والوجه الذى يحق أن يخلق عليه متعلق بخلق أو حال من المستتر فيه وقرأ حمزة والكسائى خالق بأَلف وضم القاف وجر السماوات والأرض {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيُّهَا الناس أو يا قريش أى يعدمكم {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}. بدلا منكم وأطوع لله كما قدر على خلق السماواتِ والأرض وما يتوقف عليه خلقكم وتبديل صوركم وتغيير طبائعكم {وَمَا ذَلِكَ} المذكور من إِذهابكم والإِتيان بخلق جديد بدل منكم {عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} ممتنع أو متعسر بل ممكن سهل لأَنه قادر بالذات لا بعارض يحل فى الذات تعالى فلا تختص قدرته بشىء من الممكنات دون شىء ومن كان هكذا حقيق بأَن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفا من عقابه.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} يا محمد، وخطاب المتبوع خطاب التابع، أَو يا من يصلح للخطاب، ولو مؤمنا، أَو يا كفار فيصلح للكفار المذكورين كلهم على طريق البدلية، وفى هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب {أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخلْقٍ جِدِيدٍ} يطيعه بدلكم بعد إِعدامكم كما خلق أُصولكم وما يترتب عليه خلقكم، وهو السموات والأَرض، وكما قدر على خلقهم أَطواراً، قدر على إِذهابهم وإِيجاد غيرهم، والحق هو كونهم بوجه حسن مع الحكمة، وبالحق متعلق بخلق؛ أَى مع الحق أَو بسببه، أَو حال من السموات والأَرض، أَو من ضمير خلق، والخطاب لأَهل مكة، أَو للكفار مطلقاً.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته الذين بعث إليهم، وقيل: خطاب لكل واحد من الكفرة لقوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} والرؤية رؤية القلب، وقوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ساد مسد مفعوليها أي ألم تعلم أنه تعالى خلقهما {بِٱلْحَقّ } أي ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق/ أن يخلق عليه. وقرأ السلمي {أَلَمْ تَرَ } بسكون الراء ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، قال أبوحيان: وتوجيه آخر وهو أن {تَرَى} حذفت العرب ألفها في قولهم: قام القوم ولو تر ما زيد كما حذفت ياء لا أبالي وقالوا لا أبال فلما دخل الجازم تخيل أن الراء هي آخر الكلمة فسكنت للجازم كما قالوا في لا أبال لم أبل، تخيلوا اللام آخر الكلمة، والمشهور التوجيه الأول. وقرأ الأخوان {خالق السموات والأرض} بصيغة اسم الفاعل والإضافة وجر {الأرض}. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يعدمكم أيها الناس كما قاله جماعة أو أيها الكفرة كما روي عن ابن عباس بالمرة {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي يخلق بدلكم خلقاً مستأنفاً لا علاقة بينكم وبينهم، والجمهور على أنه من جنس الآدميين، وذهب آخرون إلى أنه أعم من أن يكون من ذلك الجنس أو من غيره، أورد سبحانه هذه الشرطية بعد أن ذكر خلقه السمٰوات والأرض إرشاداً إلى طريق الاستدلال فإن من قدر على خلق مثل هاتيك الأجرام العظيمة كان على إعدام المخاطبين وخلق آخرين بدلهم أقدر ولذلك قال سبحانه: {وَمَا ذٰلِكَ...}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني ناشىء عن جملة {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} فإن هلاك فئة كاملة شديدة القوة والمرة أمر عجيب يثير في النفوس السؤال: كيف تهلك فئة مثل هؤلاء؟؟ فيجاب بأن الله الذي قدر على خلق السماوات والأرض في عظمتها قادر على إهلاك ما هو دونها، فمبدأ الاستئناف هو قوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد}. وموقع جملة {ألم تر أن الله خلق السمٰوات والأرض بالحق} موقع التعليل لجملة الاستئناف، قدم عليها كما تجعل النتيجة مقدمة في الخطابة والجِدال على دليلها. وقد بيناه في كتاب «أصول الخطابة». ومناسبة موقع هذا الاستئناف ما سبقه من تفرق الرماد في يوم عاصف. والخطاب في {ألم تر} لكل من يصلح للخطاب غير معيّن، وكل مَن يظن به التساؤل عن إمكان إهلاك المشركين. والرؤية: مستعملة في العلم الناشىء عن النظر والتأمل، لأن السماوات والأرض مشاهدة لكل ناظر، وأما كونها مخلوقة لله فمحتاج إلى أقل تأمل لسهولة الانتقال من المشاهدة إلى العلم، وأما كون ذلك ملتبساً بالحق فمحتاج إلى تأمل عميق. فلمّا كان أصل ذلك كله رؤية المخلوقات المذكورة علق الاستدلال على الرؤية، كقوله تعالى: { أية : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } تفسير : [سورة يونس: 101]. والحق هنا: الحكمة، أي ضد العبث، بدليل مقابلته به في قوله تعالى: { أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } تفسير : [سورة الدخان: 38، 39]. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف {خلق السمٰوات والأرض} بصيغة اسم الفاعل مضاف إلى {السمٰوات} وبخفض {والأرض}. والخطاب في {يذهبكم} لجماعة من جملتهم المخاطب بــــ {ألم تر}. والمقصود: التعريض بالمشركين خاصة، تأكيداً لوعيدهم الذي اقتضاه قوله: {لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم}، أي إن شاء أعدم الناس كلهم وخلق ناساً آخرين. وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجاً للتعليم بالوعيد وإظهاراً لعظيم القدرة. وفيه إيماء إلى أنه يذهب الجبابرة المعاندين ويأتي في مكانهم في سيادة الأرض بالمؤمنين ليمكنهم من الأرض. وجملة {وما ذلك على الله بعزيز} عطف على جملة {إن يشأ يذهبكم} مؤكد لمضمونها، وإنما سلك بهذا التأكيد ملك العطف لما فيه من المغايرة للمؤكد في الجملة بأنه يفيد أن هذا المَشيء سهل عليه هين، كقوله: { أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } تفسير : [سورة الروم: 27]. والعزيز على أحدٍ: المتعاصي عليه الممتنع بقوته وأنصاره.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (19) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِ الأَبْدَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحِكْمَةِ عَلَى أَكْمَلِ صُورَةٍ، وَأَحْسَنِ خَلْقٍ، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ، أَفَلَيْسَ الذِي قَدَرَ عَلَى خَلْقِ كُلِّ مَا فِي هذا الكَوْنِ العَظِيمِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، قَادِراً عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِ البَشَرِ مِنْ جَدِيدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ النَّاسَ إِنْ شَاءَ، وَعَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه يُعلمنا هنا أنه خلق السماوات والأرض بميزان الحقِّ؛ فلا تأتي السماء وتنطبق على الأرض، فسبحانه القائل: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ...} تفسير : [الحج: 65]. وأنت كلما سِرْتَ وجدتَ الشمس من فوقك، وهي مرفوعة بنظام هندسيّ دقيق. وهكذا أراد الحق سبحانه أن يُؤكِّد قضية كونية مُحسَّة مشهودة؛ وبدأ بقوله: {أَلَمْ تَرَ ..} [إبراهيم: 19]. رغم أنه لا يوجد مع العَيْن أيْن؛ ذلك أن الشمس واضحة أمام كُلِّ البشر، وهكذا نجد أن معنى {أَلَمْ تَرَ} هنا تكون بمعنى "ألم تعلم". وجاء سبحانه بـ {أَلَمْ تَرَ} هنا لِيدلّنا على أن ما يُعلمنا الله به من حَقٍّ أصدق مما تُعلِمنا به العين؛ فإذا قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ} فهي تعني: ألم تعلم عِلْماً مُؤكَّداً؛ لأن عينيك ربما تَخُونك في الرؤيا، أو تخدعك بالإبصار، ولكن إذا قال لك الله {أَلَمْ تَرَ} فاعلم أنه علم موثوق به. وحين يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى رؤية السماوات والأرض؛ فكان لا بُدَّ لنا أن نعلم أنها لم تَكُنْ لِتُوجَد إلا بخَلْق الله لها؛ وهو الذي أخبرنا أنها من خَلْقه؛ ولم يدّعَها أحدٌ لنفسه؛ وبذلك تثبت له قضية خَلْقها إلى أنْ يقولَ آخر أنه خلقها؛ ولم يَقُلْ لنا أحدٌ ذلك أبداً. وسبق أن قال سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57]. والبشر كما نعلم لا يعيش فرد منهم مِثْلما تعيش السماء؛ فالفرد يموت ويُولَد غيره؛ وكُلُّ البشر يأتون ويذهبون، والشمس باقية، وكذلك الأرض. ومن عجيب الخَلْق الرحماني أن الله خلق كُلّ ذلك تسخيراً لأمر الإنسان؛ فلا يشذّ كائن من تلك المُسخرات عن أمر الإنسان. وما طُلِب منك أيُّها الإنسان تكليفاً مُخيَّر فيه إنْ شئتَ آمنتَ، وإنْ شئْتَ كَفرتَ؛ وإنْ شئتَ أطعتَ، وإن شئتَ عصيتَ. ولكن المخلوق المُسخَّر لخدمتك ليست له هذه المشيئة. وهو سبحانه الحق القائل: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. وقد أعلمنا هذا القولُ الكريم بأن الرحمانية سبقتْ لنا نحن البشر من قبل خَلْقنا، وأقدمتنا رحمانية الله على وجود مُهيَّأ لنا. ومن العجيب أن الكونَ المخلوق لنا استبقاءً لحياتنا واستبقاءً لنوعنا يتركز في أشياء لا دَخْل لنا فيها، ولا تتغير أبداً؛ وهي الأشياء العليا كالشمس والقمر والأرض. وهناك أشياء أخرى يكون التغيير فيها على نوعين: قسم يتغير ويأتي بدلاً منه شيء جديد، كالنبات الذي يذهب ويصير حصيداً، وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت. وهناك خَلْق يتغير مع إبقاء عناصره، وإنْ تغيّرتْ مادته، كالجمادات التي نراها - الجبال والأرض وعناصرها - ونكتشف منها كُلَّ يوم جديداً. إذن: فالمخلوقات التي استقبلتْ الوجود الإنساني نوعان: نوع لا دَخْل للأغيار فيها؛ ونوع آخر فيه دَخْل للأغيار مع بقاء مادتها وهي الجمادات؛ ونوع تتغير أنواعه وأجناسه. كُلُّ هذه الأشياء تدلُّنا على أن الحقَّ سبحانه وتعالى له صِفَتان: صفة القدرة والقهر؛ وهو سبحانه يقهر ما يشاء على ما يشاء؛ ولا يتغير. وصفة الاختيار التي أوجدها في الإنسان. وأثبتت صفة القدرة التي سخَّر بها سبحانه الأشياء لخدمة الإنسان مُطْلق سلطانه سبحانه على كُلِّ ما خلق؛ فلا شيءَ يخرج عن مراده أبداً. وأراد سبحانه بصفة الاختيار التي وهبها للإنسان أنْ يأتيه عبده الإنسان محباً متبعاً لتكاليفه الإيمانية، فالذي يطيع الله وهو قادر على أنْ يعصيه إنما يدلُّ بذلك على أنه مُحِبٌّ لله؛ ويُثبِت له صفة المحبوبية. وهنا يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ ..} [إبراهيم: 19]. ولنا أن نلحظ أن كلمة "بالحق" وردتْ في مواقع كثيرة من القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال، نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ..} تفسير : [الحجر: 85]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} تفسير : [الدخان: 38]. وهذا يدلُّ على أن السماوات والأرض مخلوقة على هيئة ثابتة، وقد جعل ذلك مدارسَ الفلسفة تستقبل تلك القضية استقبالين؛ استقبالَ مَنْ يريد أنْ يؤمن؛ واستقبال مَنْ يريد أنْ يكفرَ. وانقسم مَنْ أرادوا الكفر إلى فريقين. الفريق الأول: أخذ من ثبات قوانين الشمس والقمر والأرض دليلاً على أنه لا يوجد خالق لهذا الكون، وقالوا: لو أن هناك خالقاً له لغيّر من هيئة السماوات والأرض، ولكن كُل من تلك الكواكب تدير نفسها بآلية ذاتية مُحْكمة. والفريق الثاني مِمَّن أرادوا الكفر قال: إن الشذوذ في الكون ووجود خَلَلٍ وعيوب خَلقية في بعض من المخلوقات والأنواع؛ دليلٌ على أنه لا يوجد إله. فكيف يخلق إلهٌ مخلوقاً أعمى؛ وآخر أعرجَ؛ وثالثاً بعين واحدة؟ وهكذا أخذ هذا الفريق من أهل الكفر وجود الشذوذ في الكون كدليل على عدم وجود إله. ومن العجيب أن الفريق الذي أراد التغيير في هيئة السماوات والأرض؛ أراد ذلك كدليل على وجود خالق، والفريق الذي رأى أن هناك شذوذاً في بعض المخلوقات أخذ ثبات الخَلْق على هيئة واحدة كدليل على وجود إله. كل ذلك يدُّلنا على أن الفريقين قد أخذَا من قضيتين متعارضتين دليلاً على الكفر، ولم يتفق الفريقان على قضية واحدة، وهذا يوضح التناقض بينهما. ولو أمعن كل من الفريقين النظر لَعلِم كلٌّ منهما أن الإيمان ضرورة أساسية لِفهْم هذا الكون على ثباتَ ما فيه؛ وعلى وجود بعضٍ من الشذوذ فيه. فأنت يا مَنْ تنتظر ثباتاً في الأكوان خُذْ ثبات آلية الحركة في السماوات والأرض والشمس والقمر دليلاً على الإيمان بوجود خالق إله قادر. وأنت يا مَنْ تأخذ التغيُّر في الخلق دليلاً على وجود خالق؛ فها أنت ترى اختلاف بعض المخلوقات ما يجعلك تعثر على عدم التماثل في المخلوقات دليلاً على وجود إله خالق له طلاقة القدرة. وأوضح الحق سبحانه لنا أنه لم يخلق السماوات والأرض لعبة؛ بل خلقهما بالحق، وهناك فارق بين اللعبة والحق، فاللعبة قد يتوصل إليها مَنْ يعبث بشيء؛ فتخرج له صُدْفة يستخدمها هو أو غيره كَلُعبة. يقول الحق: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 3]. أما الخلق بالحق؛ فهذا يعني أن مَنْ يخلقها إنما يفعل ذلك بموازين دقيقة مُحْكمة؛ ويصنعها على نظام ثابت له قضية تحكمه من الحكمة والحق. وما دام الكون الأعلى ثابتاً؛ فإن الحق سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض، وما دُمْتَ تريد ثباتاً في حركتك الاختيارية؛ فخُذ المنهج الذي أنزله الله بالحق؛ فتثبت قضاياك كما ثبتت القضايا العليا؛ وأنت حين تخرج عن منهج الحق تجد فساداً. وإذا أردتَ ألاَّ يوجد فساد في المجتمع من أيّ لَوْنٍ فابحث عن حكم الله الذي ضَيّعه الإنسان في مخالفة منهجه تجد أن ضياعه هو السبب في وجود الفساد؛ واقرأ قوله الحق في سورة الرحمن: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ * ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-9]. وهكذا أنت ترى الشمس - على سبيل المثال - منضبطة في شروقها وغروبها وكُسُوفها؛ وكذلك القمر في سُطوعه أو مَحاقه أو خسوفه. وكما رفع الحق سبحانه السماء ووضع الميزان؛ فعليكم أنْ تَزِنوا كُلَّ أمر بالميزان الصحيح لتنصلح أموركم، فإن اعتدال الموازين المادية والمعنوية والقيمية هي استقرار لحركة الحياة. أما إنْ ظللتُم على العِوَج فاعلموا أنه سبحانه قادر على أن يُذهِبكم وأن يأتي بخَلْق جديد: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19]. إن منطوق الآن ومفهومها ليس مراده سبحانه؛ لأن الله خلق الخَلْق، ووهبهم الاختيار لِيُقبِل الخلق على الله، رغم أنه سبحانه قد ملّكهم ألاَّ يُقبِلوا عليه. وفي موقع آخر يقول سبحانه: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]. ويقول في قضية إنكار اليهود لطريقة ميلاد المسيح عيسى بن مريم: {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} تفسير : [الزخرف: 57-60]. إذن: فطلاقة قدرة الله التي خلقته بلا أبٍ، يمكن أن تفعل تلك القدرة المطلقة ما تشاء، فلا شيء يتأبَّى على مرادات الحق ولا على قدراته. ويقول في موقع آخر: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} تفسير : [المعارج: 40-41]. فلا أحد يسبق إرادة الله أو مشيئته. ويقول الحق سبحانه مؤكداً أن قدرته على المجيء بخلق جديد ليست مسألة مستحيلة: {وَمَا ذٰلِكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} معناه أَلَمْ تَعلمْ، وَلَيسَ بِرؤيةِ عَينِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينبه تعالى عباده بأنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقَّ } أي: ليعبده الخلق ويعرفوه، ويأمرهم وينهاهم وليستدلوا بهما وما فيهما على ما له من صفات الكمال، وليعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض -على عظمهما وسعتهما- قادر على أن يعيدهم خلقا جديدا، ليجازيهم بإحسانهم وإساءتهم، وأن قدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولهذا قال: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ }. يحتمل أن المعنى: إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم يكونون أطوع لله منكم، ويحتمل أن المراد أنه: إن يشأ يفنيكم ثم يعيدهم بالبعث خلقا جديدا، ويدل على هذا الاحتمال ما ذكره بعده من أحوال القيامة. { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي: بممتنع بل هو سهل عليه جدا، {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } {أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه }. تفسير : { وَبَرَزُوا } أي: الخلائق { لِلَّهِ جَمِيعًا } حين ينفخ في الصور فيخرجون من الأجداث إلى ربهم فيقفون في أرض مستوية قاع صفصف، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ويبرزون له لا يخفى [عليه] منهم خافية، فإذا برزوا صاروا يتحاجون، وكل يدفع عن نفسه، ويدافع ما يقدر عليه، ولكن أنى لهم ذلك؟ فيقول { الضُّعَفَاءُ } أي: التابعون والمقلدون { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } وهم: المتبوعون الذين هم قادة في الضلال: { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أي: في الدنيا، أمرتمونا بالضلال، وزينتموه لنا فأغويتمونا، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } أي: ولو مثقال ذرة، { قَالُوا } أي: المتبوعون والرؤساء {أية : أغويناكم كما غوينا } تفسير : و { لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } فلا يغني أحد أحدا، { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا } من العذاب { أَمْ صَبَرْنَا } عليه، { مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } أي: من ملجأ نلجأ إليه، ولا مهرب لنا من عذاب الله.