١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم. وهذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة والخجالة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء. ومنه يقال للمكان الواسع: البراز لظهوره، وقيل في قوله: { أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } تفسير : [الكهف: 47] أي ظاهرة لا يسترها شيء، وامرأة برزة إذا كانت تظهر للناس. ويقال: برز فلان على أقرانه إذا فاقهم وسبقهم، وأصله في الخيل إذا سبق أحدها. قيل: برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر. إذا عرفت هذا فنقول: ههنا أبحاث: البحث الأول: قوله: {وَبَرَزُواْ } ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله: { أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 50]. البحث الثاني: قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه: الأول: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية. الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه. الثالث: وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله. البحث الثالث: قال أبو بكر الأصم قوله: {وَبَرَزُواْ للَّهِ } هو المراد من قوله في الآية السابقة: { أية : وَمِن وَرآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } تفسير : [إبراهيم: 17]. واعلم أن قوله: {وَبَرَزُواْ للَّهِ } قريب من قوله: { أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } تفسير : [الطارق: 9، 10] وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم والأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية، وأحوالهم العلوية، ووجوههم المشرقة، وأرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال؛ ويعظم فيها إشراق عالم القدس، فما أجل تلك الأحوال وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة، ومنازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة، ومذلة الفضيحة، وموقف المهانة والفزع، نعوذ بالله منها. ثم حكى الله تعالى أن الضعفاء يقولون للرؤساء: هل تقدرون على دفع عذاب الله عنا؟ والمعنى: أنه إنما اتبعناكم لهذا اليوم، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزي والعجز والذل. قالوا: {سَوآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } ومن المعلوم أن اعتراف الرؤساء والسادة والمتبوعين بمثل هذا العجز والخزي والنكال يوجب الخجالة العظيمة والخزي الكامل التام، فكان المقصود من ذكر هذه الآية: استيلاء عذاب الفضيحة والخجالة والخزي عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع العذاب والعقاب نعوذ بالله منها، والله أعلم. المسألة الثانية: كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف، والسبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو، ونظيره علماء بني إسرائيل. المسألة الثالثة: الضعفاء الأتباع والعوام، والذين استكبروا هم السادة والكبراء. قال ابن عباس: المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله تعالى: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أي في الدنيا. قال الفراء وأكثر أهل اللغة: التبع تابع مثل خادم وخدم وباقر وبقر وحارس وحرس وراصد ورصد قال الزجاج: وجائز أن يكون مصدراً سمي به، أي كنا ذوي تبع. واعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال: المراد منها التبعية في الكفر، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ } أي هل يمكنكم دفع عذاب الله عنا. فإن قيل: فما الفرق بين من في قوله: {مّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ } وبينه في قوله: {مِن شَىْء }. قلنا: كلاهما للتبعيض بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو عذاب الله أي بعض عذاب الله وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } وفيه وجوه الأول: قال ابن عباس: معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم، قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال، لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب «الكشاف»: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: { أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } تفسير : [المجادلة: 18]. واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخه فلا يقبل منه، الثاني: قال صاحب «الكشاف»: يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف، لأن ذلك قد فعله الله تعالى. والثالث: أن يكون المعنى لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم، والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى. ثم قال: {سَوَآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنآ أَمْ صَبَرْنَا } أي مستو علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية ونظيره: {أية : ٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ } تفسير : [الطور: 16] ثم قالوا: ما لنا من محيص، أي منجي ومهرب، والمحيص قد يكون مصدراً كالمغيب والمشيب، ومكاناً كالمبيت والمضيق، ويقال حاص عنه وحاض بمعنى واحد، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} أي برزوا من قبورهم، يعني يوم القيامة. والبُرُوز الظّهور. والبَرَاز المكان الواسع لظهوره؛ ومنه ٱمرأة بَرْزة أي تظهر للناس؛ فمعنى، «بَرَزُوا» ظهروا من قبورهم. وجاء بلفظ؛ الماضي ومعناه الاستقبال، وٱتصل هذا بقوله: «وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ» أي وقاربوا لما ٱستفتحوا فأهلكوا، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعاً لا يسترهم عنه ساتر. «لِلَّهِ» لأجل أمر الله إِياهم بالبروز. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} يعني الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} وهم القادة. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} يجوز أن يكون تَبعٌ مصدراً؛ التقدير: ذوي تبع. ويجوز أن يكون جمع تابع؛ مثل حارس وحَرَس، وخادم وخَدَم، وراصد ورَصَد، وباقر وبَقَر. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ} أي دافعون {عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي شيئاً، و «مِن» صلة؛ يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} أي لو هدانا الله إلى الإِيمان لهديناكم إليه. وقيل: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. وقيل؛ لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} هذا ابتداء خبره «أَجَزِعْنَا» أي: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي من مهرب وملجأ. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر، وبمعنى الاسم؛ يقال: حَاصَ فلان عن كذا أي فرّ وزاغ يَحِيص حَيْصاً وحُيُوصاً وحَيَصَاناً؛ والمعنى: ما لنا وجه نتباعد به عن النار. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول أهل النار إذا ٱشتدّ بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هَلُمَّ فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا «سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ».تفسير : وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: ذُكِر لنا أن أهل النار يقول بعضهم لبعض: يا هؤلاء! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلمّ فلنصبر؛ فلعلّ الصّبر ينفعنا كما صبر أهل الطّاعة على طاعة الله فنفعهم الصّبر إذ صبروا؛ فأجمعوا رأيهم على الصّبر فصبروا، فطال صبرهم فجزعوا، فنادوا: «سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيص» أي مَنجَى، فقام إبليس عند ذلك فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} يقول: لست بمغنٍ عنكم شيئاً {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} الحديث بطوله، وقد كتبناه في كتاب «التذكرة» بكماله. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. ومعنى: «لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ» أي حُصِّل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، على ما يأتي بيانه في «مريم» عليها السلام. {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب العاصي فصدَقكم وعدَه، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم. وروى ابن المبارك من حديث عُقْبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: «حديث : فيقول عيسى أدلّكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فَيثُور مجلسي من أطيب ريح شَمَّها أحدٌ حتى آتي ربي فيشفِّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكافرون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فَيثُور مجلسه من أنتن ريح شَمَّها أحدٌ ثم يَعظُم نَحِيبُهم ويقول عند ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : الآية. «وَعْدَ الْحَقِّ» هو إضافة الشيء إلى نعته كقولهم: مسجد الجامع؛ قال الفرّاء قال البصريون: وعدكم وعد اليوم الحقّ أو وعدكم وعد الوعد الحقّ فصدَقكم؛ فحذف المصدر لدلالة الحال. {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من حجة وبيان؛ أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم وزيّنته لكم في الدنيا، {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} أي أغويتكم فتابعتموني. وقيل: لم أقهركم على ما دعوتكم إليه. «إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ» هو ٱستثناء منقطع؛ أي لكن دعوتكم بالوسواس فٱستجبتم لي باختياركم، {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. وقيل: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي على قلوبكم وموضع إيمانكم لكن دعوتكم فاستجبتم لي؛ وهذا على أنه خَطَب العاصيَ المؤمنَ والكافَر الجاحد؛ وفيه نظر؛ لقوله: «لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ» فإنه يدلّ على أنه خَطَب الكفّار دون العاصين الموحِّدين؛ والله أعلم. {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} إِذا جِئتمونيِ من غير حجة. {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي بمغيثكم. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي بمغيثيّ. والصّارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النُّصرة والمعاونة، والمُصْرِخ هو المغِيث. قال سَلاَمة بن جَنْدَل: شعر : كنّا إِذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كَان الصُّراخُ له قَرْعُ الظَّنَابِيب تفسير : وقال أُميّة بن أبي الصَّلْت: شعر : ولا تَجَزعوا إنّي لكم غيرُ مُصْرِخٍ وليس لكم عندي غَنَاءٌ ولا نَصْرُ تفسير : يقال: صَرَخ فلان أي ٱستغاث يَصرُخ صَرْخاً وصُرَاخاً وصَرْخة. وٱصطرخ بمعنى صَرَخ. والتَّصرخ تَكلُّف الصُّراخ. والمُصْرِخْ المُغِيث، والمستصرِخ المستغيث؛ تقول منه: ٱستصرخني فأصرخته. والصَّرِيخ صوت المستصرِخ. والصّرِيخ أيضاً الصارِخ، وهو المغِيث والمستغِيث، وهو من الأضداد؛ قاله الجوهري. وقراءة العامة «بِمُصْرِخِيَّ» بفتح الياء. وقرأ الأعمش وحمزة «بِمصِرخيِ» بكسر الياء. والأصل فيها بمصرخيين فذهبت النون للإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصب فلأجل التضعيف، ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعيّن فيها الفتح مثل: هَوايَ وعَصايَ، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان، مثل: غلامِيَ وغلامَتِي، ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة. وقال الفرّاء: قراءة حمزة وَهَمٌ منه، وقَلَّ مَن سلِم منهم عن خطأ. وقال الزجّاج: هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال قُطْرُب: هذه لغة بني يَرْبُوع يزيدون على ياء الإضافة ياء. القُشَيريّ: والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيحٌ أو رديءٌ، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح. {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة؛ فـ «ـما» بمعنى المصدر. وقال ابن جريج: إني كفرت اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشّرك بالله تعالى. قتادة: إني عصيت الله. الثوريّ: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وفي هذه الآيات ردّ على القَدَرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم؛ ٱنظر إلى قول المتبوعين: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} وقول إبليس: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات النار؛ كما قال في موضع آخر: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} تفسير : [الملك: 8] إلى قوله: {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} واعترافهم في دَرَكات لَظًى بالحقّ ليس بنافع، وإنما ينفع الاعترافُ صاحبَه في الدنيا؛ قال الله عز وجل: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 102] و «عَسَى» من الله واجبة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَبَرَزُواْ} أي: برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار، أي: اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحداً {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} عن عبادة الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل، قالوا لهم: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: مهما أمرتمونا، ائتمرنا وفعلنا {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ} أي: فهل تدفعون عنا شيئاً من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه، أو جزعنا منه. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله عز وجل، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا أنه لا ينفعهم، قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبراً لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا} الآية، قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } تفسير : [غافر:47-48] وقال تعالى: {أية : قَالَ ٱدْخُلُواْ فِىۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِى ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَـٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } تفسير : [الأعراف:38-39]، وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيرًا} تفسير : [الأحزاب:67-68] وأما تخاصمهم في المحشر، فقال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِىۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [سبأ:31-33].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَبَرَزُواْ } أي الخلائق والتعبير فيه وفيما بعده بالماضي لتحقيق وقوعه {لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ } الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } المتبوعين {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } جمع (تابع) {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ } دافعون {عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْء } «من» الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض {قَالُواْ } أي المتبوعون {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } لدعوناكم إلى الهدى {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن } زائدة {مَّحِيصٍ } ملجأ.
ابن عطية
تفسير : {برزوا} معناه، صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة كالبراح والقواء والخبار فاستعير ذلك لجمع يوم القيامة. وقولهم {تبعاً} يحتمل أن يكون مصدراً، فيكون على نحو قولهم: قول عدل، وقوم حرب، ويحتمل أن يكون جمع تابع، على غائب وغيب، وهو تأويل الطبري. وفسر الناس {الضعفاء} بالأتباع، و"المستكبرين" بالقادة وأهل الرأي، وقولهم {مغنون} من الغناء، وهي المنفعة التي تكون من الإنسان للآخر في الدفاع وغيره، وقوله: {أجزعنا} ألف التسوية، وليست بألف استفهام، بل هي كقوله: {أية : آنذرتهم أم لم تنذرهم} تفسير : [البقرة: 6] و"المحيص" المفر والملجأ، مأخوذ من حاص يحيص إذا نفر وفر ومنه في حديث هرقل: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، وروي عن ابن زيد وعن محمد بن كعب: أن أهل النار يقولون: إنما نال أهل الجنة الرحمة بالصبر على طاعة الله، فتعال فلنصبر، فيصبرون خمسمائة سنة، فلا ينتفعون، فيقولون هلم فنجزع، فيضجون ويصيحون ويبكون خمسمائة سنة أخرى، فلا ينتفعون، فحينئذ يقولون هذا القول الذي في الآية، وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في موقف العرض وقت البروز بين يدي الله تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ} ظهروا بين يديه في القيامة، والضعفاء: الأتباع والذين استكبروا: قادتهم. {تَبَعاً} في الكفر {مُّغْنُونَ} دافعون، أغنى عنه دفع عنه الأذى وأغناه أوصل إليه نفع {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ} إلى الإيمان لهديناكم إليه، أو إلى الجنة لهديناكم إليها، أو لو نجّانا من العذاب لنجيناكم منه. {مَّحِيصٍ} ملجأ ومنجى يقول بعضهم لبعض: إن قوماً جزعوا وبكوا ففازوا فيجزعون ويبكون، ثم يقولون: إن قوماً صبروا في الدنيا ففازوا فيصبرون فعند ذلك يقولون: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} الآية.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} الآية لما ذكر عذاب الكفار وبطلان أعمالهم ذكر هنا كيفية حجتهم عند تمسك أتباعهم، وكيفية افتضاحهم عندهم. و"بَرَزَ" معناه في اللغة: ظَهَرَ بَعْدَ الخفاءِ، ومنه يقال للمكانِ الواسع البرَازُ لظهوره. وقيل: في قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً}تفسير : [الكهف:47] أي: ظاهرة لا يسترها شيء وامْرأةٌ بَرْزَةٌ: إذا كانت تظهر للنَّاس، ويقال: فلانٌ برز على أقرانه، إذا فاقهم وسبقهم، وأصله في الخيل إذا سبق أحدهما قيل: بَرَزَ عَليْهَا كأنَّهُ قد خرج من غُمارها. وورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال؛ لأنَّ كل ما أخبر الله عنه فهو حقٌّ وصدق، فصار كأنه قد حصل، ودخل في الوجود، كقوله تعالى: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف:50]. فصل البُرُوزُ في اللغة قد تقدَّم أنه بمعنى الظُّهور بعد الاستِتَارِ وهذا في حق الله محالٌ، فلا بد من التأويل، وهو من وجوه: الأول: أنهم كانوا يستترون من الغير عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك يخفى على الله ـ تعالى ـ فإذا كان يوم القيامة انكشفوا عند الله ـ تعالى ـ وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية. والثاني: أنَّهم خرجوا من قبورهم، فبرزوا لحساب الله ـ تعالى ـ قالت الحكماءُ: إنَّ النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء، وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله ـ تعالى ـ. ثم حكى أن الضعفاء يقولون للرؤساء "إنّا كنا لكم تبعاً" أي: إنما اتبعناكم لهذا اليوم "فَهلْ أنتُم مُّغنُونَ" دافعون: {عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}. و"تَبَعاً" يجوز أن يكون جمع تابع، كخَادِم وخَدَم، وغَائِب وغَيَب ونَافِر ونَفَر، وحَارِس وحَرَس، ورَاصِد ورَصَد. ويجوز أن يكون مصدراً، نحو: قَوْمٌ عَدْلٌ، ففيه التأويلات المشهورة. قوله: {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} في "مِنْ" و "مِنْ" [أربعة] أوجه: أحدها: أنَّ "مِنْ" الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، تقديره: مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله، قاله الزمشخريُّ. قال أبو حيان: هذا يقتضي التقديم في قوله: "مِنْ شيءٍ" على قوله: "من عذاب الله"؛ لأنه جعل "من شيء" هو المبين بقوله: "من عذاب الله" و"من" التبيينية مقدم عليها ما تبينه ولا يتأخر. قال شهاب الدِّين: كلام الزمخشري صحيح من حيث المعنى؛ فإن "من عذاب الله" لو تأخر عن "شيء" كان صفة له، ومبيناً، فلما تقدم انقلب إعرابه من الصفة إلى الحال، وأما معناه وهو البيان فباق لم يتغير. الثاني: أن يكونا للتبعيض معاً، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله؛ أي: بعض بعض عذاب الله، قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وهذا يقتضي أن يكون بدلاً، فيكون بدل عام من خاص، وهذا لا يقال؛ فإن بعضية الشيء مطلقة، فلا يكون لها بعض. قال شهاب الدين: لا نزاع أنه يقال: بعض البعض، وهي عبارة متداولة، وذلك البعض المتبعض هو كل لأبعاضه بعض لكله، وهذا كالجنس المتوسط، هو نوع لما فوقه، جنس لما تحته. الثالث: أن "مِنْ" في "مِنْ شَيءٍ" مزيدة، و"مِنْ" في "مِنْ عذابِ" فيها وجهان: أحدهما: أن تتعلق بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفة لـ"شيء" فلما تقدمت نصبت على الحال. والثاني: أنها تتعلق بنفس "مغنون" على أن يكون "من شيء" واقعاً موقع المصدر، أي: غناء، ويوضح هذا ما قاله أبو البقاء ـ رحمه الله تعالى ـ قال: و"من" زائدة أي شيئاً كائناً من عذاب الله سبحانه وتعالى، ويكون محمولاً على المعنى، تقديره: هل تمنعون عنا شيئاً؟ ويجوز أن يكون "شيء" واقعاً موقع المصدر، أي غناء، فيكون "من عذاب الله" متعلقاً بـ"مغنون"، و"من" في "من شيء" لاستغراق الجنس زائدة للتوكيد. فصل هذه التبعية يحتمل أن يكون المراد منها التبعية في الكفر، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا، فعند ذلك قال الذين استكبروا للضعفاء: "لو هدانا الله لهديناكم" قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم. قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال؛ لأن الله تعالى أضلهم فلم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى. قال الزمخشري: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ}تفسير : [المجادلة:18]. واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب على أهل القيامة، فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخه، فلا يقبل. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف، فلطف بنا ربنا فهدانا إلى الإيمان لهديناكم إلى الإيمان. وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف؛ لأن ذلك قد فعله الله تعالى. وقيل: لو خلصنا الله من العذاب، وهدانا إلى طريق الجنة، لهديناكم؛ بدليل أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه. قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} إلى آخره فيه قولان: أحدهما: أنه من كلام المستكبرين. والثاني: أنه من كلام المستكبرين والضعفاء معاً، وجاءت كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلاًّ من المعاني مستقل بنفسه كافٍ في الإخبار، وقد تقدَّم الكلام في التسوية والهمزة بعده في أول البقرة. والجَزَعُ: عدمُ احتمالِ الشدَّة، قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3206ـ جَزِعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البيْنِ مَجْزَعاً وعَزَّيْتُ قلْباً بالكَواعِبِ مُولعَا تفسير : وقال الراغب: "أصلُ الجَزْعِ: قطعُ الحَبْلِ، يقال: جَزعْتهُ فانْجَزعَ ومنه: جِزْعُ الوادي لمنقطعه، ولانقطاع اللون بتغيره. وقيل للخرز المتلون: جِزْع، واللحم المُجَزَّعُ: ما كان ذا لونين والبسرة المجزعة: أن تبلغ الأرطاب نصفها، والجَاذِعُ: خشبة تجعل في وسط البيت فتلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وصور الجزعة لما حمل عليه من العبء أو لقطعه بطوله وسط البيت". والجَزَع أخص من الحزن، فإن الجزع حزنٌ يصرف الإنسان عما هو بصدده. والمَحِيصُ: يكون مصدراً كالمَغِيب والمَشِيب، ويكون اسم مكان، كالمَبِيت والمَضِيق ويقال: حَاصَ عنه وحَاضَ بمعنى واحد، ويقال: خاض ـ بالضاد المعجمة، وجصنا بها بالجيم. والمعنى: ما لنا من ملجأ ولا مهرب. فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}. قوله: {وَعْدَ ٱلْحَقِّ} يجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف لصفته، كقوله تعالى: {أية : وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ}تفسير : [ق:9] ومسجد الجامع، أي: الوعد الحق، وأن يراد بـ"الحقِّ" صفة الباري ـ تعالى ـ، أي: وعدكم الله وعده الحق، وأن يراد بـ"الحَقِّ" البعث، والجزاء على الأعمال، فتكون إضافة صريحة. وقيل: وعدكم الحق ثمَّ ذكر المصد تأكيداً، وفي الكلام إضمارٌ من وجهين: الأول: التقدير: أن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فـأخلفتكم وحذف لدلالة الحال على صدق ذلك الوعد؛ لأنهم شاهدوه. والثاني: قوله: ووعدتكم فأخلفتكم الوعد، يقتضي مفعولاً ثانياً، وحذف للعلم به تقديره: ووعدتكم أن لا جنّة، ولا نار، ولا حشر، ولا حساب. فصل لما [ذكر] الله ـ سبحانه وتعالى ـ المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وأتباعه فقال: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} قال المفسرون: إذا استقر أهلُ الجنَّة في الجنَّة، وأهل النَّار في النَّار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه، فيقوم فيما بينهم خطيباً، فيقول: "إنَّ اللهَ وعدَكُمْ وعْدَ الحقِّ ووَعدتُّكُمْ فأخْلفَتُكُمْ". وقيل: المراد من قوله تعالى: {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لما انقضت المحاسبة والمراد من الشيطان: إبليس لعنه الله!. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي: قدرة وتسلط، وقهر فأقهركم على الكفر والمعاصي. قوله: {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء منطقع؛ لأنَّ دعاءه ليس من جنس السُّلطان، وهو الحجة البينة فهو كقولكم: ما تَحِيَّتُم إلاَّ الضرب. والثاني: أنه متصل؛ لأن القدرة على حمل الإنسان على الشر تارة تكون بالقهر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوسوسة في قلبه، فهو نوع من التسلُّط. وقرىء "فَلا يَلُومُونِي" بالياء من تحت الالتفات، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس:22]. ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على صرع الإنسان وتعويج أعضائه وجوارحه وإزالة عقله كما يقوله العوام. ومعنى الآية: ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة وأنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله؛ فكان من الواجب أن لا تغتروا بقولي، ولا تلتفتوا إليَّ، فلما رجحتم الوسوسة على الدلائل الظاهرة كان اللََّوم عليكم لا عليَّ. قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أشياء: أحدها: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله ـ تعالى ـ لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا تلوموا أنفسكم فإنَّ الله ـ تعالى ـ قضى عليكم بالكفر، وأجبركم عليه. والثاني: أن ظاهر هذه الآية يدلُّ على أنَّ الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان، ولا على تعويج أعضائه وإزالة عقله. والثالث: يدل على أنَّ الإنسان لا يجوز لومه، وذمه، وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم. وأجاب بعضهم عن هذه الوجوه: بأن هذا قول الشيطان، فلا يجوز التمسك به. وأجاب الخصم عنه: بأنه لو كان هذا القول منه باطلاً لبينه الله ـ تعالى ـ وأظهر إنكاره، فلا فائدة من ذلك اليوم في ذكر الكلام الباطل، والقول الفاسد. ألا ترى أن قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} كلام حق، وقوله {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} قول حق بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}تفسير : [الحجر:42]. قال ابن الخطيب ـ رحمه الله ـ: دلت هذه الآية على أنَّ الشيطان [الأصلي] هو النفس؛ لأن الشيطان بين أنَّه ما أتى إلاَّ بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة، والغضب، والوهم، والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتَّة، فدل على أنَّ الشيطان الأصلي هو النفس. فإن قيل: لِمَ قال الشيطان: "فَلا تَلُومونِي ولُومُوا أنْفُسكمْ" وهو ملوم بسبب وسوسته؟. فالجواب: أراد لا تلوموني على فعلكم: "ولوموا أنفسكم" عليه؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية الله ـ تعالى ـ لكم. قوله تعالى: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} العامَّة على فتح الياءِ؛ لأن الياء المدغم فيها تفتح أبداً، لا سيما وقبلها كسرتان. وقرأ حمزة بكسرها، وهي لغة بني يربوع، وقد اضطربت أقوال النَّاسِ في هذه القراءة اضطراباً شديداً، فمن مجترىء عليها، ملحن لقارئها، ومن مجوِّز لها من غير ضعف قال: إنَّها لغة بني يربوع، والأصل: بمُصرخينَ لي [فحذفت] النون للإضافة وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، ومن مجوِّز لها بضعف. قال حسين الجعفيُّ ـ رحمه الله ـ: سألت أبا عمرو عن كسر الياء؛ فأجازه وهذه الحكايةُ تحكى عنه بطرق كثيرة منها ما تقدَّم. ومنها: سألت أبا عمرو، قلت: إنَّ أصحاب النحو يلحنوننا فيها، فقال: هي جائزة أيضاً، إنَّما أراد تحريك الياء، فلست تبالي إذا حركتها إلى أسفل أم إلى فوق. وعنه: من شاء فتح، ومن شاء كسر. ومنها: أنه قال: بالخفض حسنة، وعنه قال: قدم علينا أبو عمرو بن العلاءِ فسألته عن القرآن، فوجدته به عالماً، فسألته عن شيء قرأ به الأعمش، [واستقرأ] به: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} بالجر، فقال: هي جائزة، فلما أجازها وقرأ بها الأعمش أخذت بها. وقد أنكر أبو حاتم على أبي عمرو تحسينه لهذه القراءة، ولا التفات إليه؛ لأَنَّه علم من أعلام القرآن، واللغة، والنحو، واطلع على ما لم يطلع عليه من فوق السجستاني: [البسيط] شعر : 3207ـ وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرنٍ لمْ يَسْتطِعْ صَوْلةَ البُزْلِ القَناعِيسِ تفسير : ثم ذكر العلماء في ذلك توجيهات: منها: أن الكسر على أصل التقاء الساكنين، وذلك أنَّ ياء الإعراب ساكنة وياء المتكلم أصلها السُّكون، فلما التقيا كسرت؛ لالتقاء الساكنين. الثاني: أنها تشبه هاء الضمير في أنَّ كلاًّ منهما ضمير على حرف واحد و"هاء" الضمير توصل بواو إذا كانت مضمومة، وبياء إذا كانت مكسورة، وتكسر بعد الكسرة والياء ساكنة؛ فتكسر كما تكسر الهاء في: "عَليْهِ"، وبنو يربوع يصلونها بياء كما يصل ابن كثير نحو "عليهي" بياء، فحمزة كسر هذه الياء من غير صلة، إذ أصله يقتضي عدمها. وزعم قطربٌ أنها لغة بني يربوع. قال: يزيدون على ياء الإضافة ياء؛ وأنشد: [الرجز] شعر : 3208ـ مَاضٍ إذَا ما هَمَّ بالمُضِيِّ قَال لهَا: هَلْ لَكِ يَا تَافِيِّ تفسير : وأنشده الفراء وقال: فإن يك ذلك صحيحاً، فهو مما يلتقي من الساكنين فنخفض الآخر منها. وقال أبو علي: قال الفرَّاءُ في كتاب التصريف له: زعم القاسم بن معنٍ أنه صواب، وكان ثقة بصيراً. وممن طعن عليها أبو إسحاق قال: هذه القرءاة عند جميع النحويين رديئةٌ مرذولة، ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال أبو جعفر: "صار هذا إدغاماً، ولا يجوز أن يحمل كتاب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ على الشذوذ". وقال الزمخشري: هي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول: [الرجز] شعر : 3209ـ قَال لهَا: هَلْ لكِ يَا تَافيِّ قالتْ لهُ: مَا أنْتَ بالمَرْضِيِّ تفسير : وكأن قدر ياء الإضافة ساكنة، وقبلها ياء ساكنة فحركها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح؛ لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف نحو: عَصَاي، فما بالها وقبلها ياء؟. فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل. قلت: هذا قياس حسنٌ، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات. قال أبو حيان ـ رحمه الله تعالى ـ: "أما قوله: واستشهدوا لها ببيت مجهول، فقد ذكر غيره أنه للأغلب العجلي، وهي لغة باقية في أفواه كثير من النَّاس إلى اليوم، يقولون: ما فيِّ أفعلُ كذا بكسر الياء". قال شهابُ الدِّين: الذي ذكره صاحب هذا الرجز هو الشيخ أو شامة قال ورأيته أنا في أوَّل ديوانه، وأول هذا الرجز: شعر : 3210ـ أقْبَلَ فِي ثَوْبٍ مَعَافِريِّ عِنْدَ اختلاطِ اللَّيْلِ والعَشِيِّ تفسير : ثم قال أبو حيان: وأما التقدير الذي ذكره فهو توجيه الفراء نقله عن الزجاج وأما قوله: في غضون كلامه حيثُ قبلها ألف، فلا أعلم "حيث" يضاف إلى الجملة المصدرة بالظرف، نحو: "قعد زيد حيث أمام عمرو بكر، فيحتاج هذا التركيب إلى سماع". قال شهابُ الدين ـ رحمه الله ـ: "إطلاق النحاة قولهم: إنها تضاف إلى الجمل كاف في هذا، ولا يحتاج تتبع كلَّ فرد فرد مع إطلاقهم القوانين الكلية". ثم قال: وأما قوله: لأن ياء الإضافة إلى آخره، قد روي بسكون الياء بعد الألف، وقد قرأ بذلك القراء، نحو: {أية : وَمَحْيَايَ}تفسير : [الأنعام:162]. قال شهاب الدين: مجيء السُّكون في هذه الياء لا يفيده ههنا، وإنَّما كان يفيده لو جاء بها مكسورة بعد الألف فإنه محل البحث، وأنشد النحاة بيت الذبياني بالكسر والفتح، وهو قوله: [الطويل] شعر : 3211ـ عَليَّ لِعمْرٍو نِعْمةٌ بَعْدَ نِعْمةٍ لِوالِدهِ ليْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ تفسير : وقال الفراء في كتاب "المَعانِي" له: "وقد خفض الياء من "مصرخي" الأعمش ويحيى بن وثاب جميعاً حدّثني بذلك القاسم بن معنٍ عن الأعمش، ولعلها من وهم القراء فِإنه قلَّ من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أنَّ الياء في {بِمُصْرِخِيَّ} خافضة للفظ كله، والياء للمتكلم خارجة عن ذلك، قال: ومما [نرى] أنهم وهموا فيه قوله {أية : نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ}تفسير : [النساء:115] بالجزم في الهاء"، ثمَّ ذكر غير ذلك. وقال أبوعبيدٍ: أمَّا الخفض فإنا نراه غلطاً؛ لأنَّهم ظنوا أنَّ الياء تكسر كل ما بعدها، وقد كان في القراء من يجعله لحناً، ولا أحبُّ أن أبلغ به هذا كله، ولكن وجه القراءة عندنا غيرها. وقال الأخفش: "ما سمعت بهذا من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين". قال النحاس: فصار هذا إجماعاً، ولا يجوز، فقد تقدَّم ما حكاهُ النَّاس من أنها لغة ثابتة لبعض العرب. وقد انتدب لنصرة هذه القراءة أبو علي الفارسي قال في حجَّته: "وجه ذلك أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما وكالكاف في "أكْرَمْتُكَ" وهذا لك، فكما أنَّ الهاء قد لحقها الزيادة في "هذا لهو، وضربهو"، ولحق الكاف أيضاً الزيادة في قول من قا ل: "أعْطَاكهُ" و"أعْطَيْتكَهُ" فيما حكاهُ سيبويه وهما أختا الياء، ولحقت الياء الزيادة في قول الشاعر: [الهزج] شعر : 3212ـ رَمَيْتِيهِ فأصْمَيْتِ ومَا أخْطَأتِ [في] الرَّميَه تفسير : كذلك الحقوا الياء الزائدة من المد، فقالوا: فيِّ، ثمَّ حذفت الياء الزائدة على الياء كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال: [الطويل] شعر : 3213ـ........................ ...................... لَهْ أرِقَانِ تفسير : وزعم أبو الحسن: أنَّها لغة". ومراد أبي علي بالتنظير بالبيت في قوله: "له أرِقَانِ" حذف الصلة، واتفق أن في البيت أيضاً حذف الحركة ولو مثل بنحو "عَليْهِ" و"فِيهِ" لكان أولى. ثمَّ قال الفارسي: كما حذفت الزيادة من الكاف فقيل: أعطيتكه، وأعطيتكيه كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختها، وأقرت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرِ. قال: فإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغةِ، وإن كان من غيرها أفشى منها، وعضده من القياس ما ذكرنا ما لم يجز. لقائل أن يقول: إنَّ القراءة بذلك لحن، [لاستقامة] ذلك في السَّماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحناً، وهذا [التوجيه] يوضح التوجيه الثاني الذي تقدَّم ذكره، وأما التوجيه الأول فأوضحه الفراء أيضاً. قال الزجاج: "أجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر؛ لأن أصل التقاء الساكنين الكسر". قال الفراء: "ألا ترى أنهم يقولون: مذُ اليوم، ومُذِ اليوم، والرفع في الذال هو الوجه؛ لأنه أصل حركة "مُذْ" والخفض جائز، فكذلك الياء من "مُصرخِيِّ" خفضت ولها أصل في النصب". قال شهاب الدين: تشبيه الفراء المسألة بـ"مُذُ اليَوْم" فيه نظر؛ لأن الحرف الأول صحيح لم يتوالى قبله كسر، بخلاف ما نحن فيه، وهذا هو الذي عناه الزمخشريُّ بقوله المتقدم: فكأنَّها وقعت بعد حرف صحيح، وقد اضطرب النقل عن الفراء في هذه المسألة كما ترى من [نقل] بعضهم عنه، التخطئة مرة [والتصويب] أخرى، ولعل الأمر كذلك فإنَّ العلماء يسألون فيجيبون مما يحضرهم حال السؤال، وهي مختلفة التوجيه. الثالث: أن الكسر للإتباع لما بعدها، وهو كسر الهمزة من "إنِّي" كقراءة "الحَمْدِ للهِ" وكقولهم: بِعِير وشِعِير، وشِهِيد، بكسر أوائلها إتباعاً لما بعدها وهو ضعيف جدًّا. التوجيه الرابع: أنَّ المسوغ لهذا الكسر في الياء، وإن كان مستقلاً أنها لما أدغمت فيها التي قبلها قويت بالإدغام، فأشبهت الحروف الصحاح فاحتملت الكسر لأنه إنما يستثقل فيها إذا حذفت، وانكسر ما قبلها، ألا ترى أن حركات الإعراب تجري على المشدد، ما ذاك إلا إلحاقه بالحروف الصحاح. والمُصْرِخ: المُغِيثُ: يقال: استصرختُه فأصرخني، أي: فأغَاثِني فكأن همزه للسكت، أي: أ زَالَ صُراخِي. والصَّارخُ: هو المُسْتَغِيثُ، قال: [الطويل] شعر : 3214ـ فَلاَ تَجْزَعُوا إنِّي لَكُمْ غَيْرُ مُصْرِخٍ ولَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي غَنَاءُ ولا نَصْر تفسير : ويقال: صَرَخَ يَصْرخُ صَرْخاً وصرخة؛ قال: [البسيط] شعر : 3215ـ كُنَّا إذَا مَا أتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قرْعَ الظَّنَابِيبِ تفسير : يريد: كان بدل [الصراخ]، فحذف المضاف، وأقام المصدر الثلاثي مقام المصدر الرباعي، نحو {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17]. والصَّريخُ: القومُ المُسْتَصرخُونَ، قال: [الكامل] شعر : 3216ـ قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رأيْتهُمْ مَا بَيْنَ مُلْجمِ مُهرهِ أو سَافِعِ تفسير : والصَّريخُ: أيضاً: المعينون، فهو من الأضداد، وهو محتملٌ أن يكون [وصفاً] على "فَعِيل" كالخليطِ، وأن يكون مصدراً في الأصل، قال "فَلا صَريخَ لَهُمْ"، فهذا يحتمل، وأن يكون فعيلاً بمعنى المفعل، أي: فلا مُصْرِخَ لهم، أي: ناصر وتصرَّخَ تكلَّف الصُّراخ. قوله: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} يجوز في"ما" وجهان: [أحدهما: أن يكون بمعنى الذي، ثمَّ في المراد بعد الموصول وجهان:] أحدهما: أنه الأصنام، تقديره: بالصَّنم الذي أشركتموني به، أي: بالصنم الذي أطعتموني كما أطعتموه، كذا قال أبو البقاء، والعائد محذوف، فقدره أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حذف يعني بعد حذف الجار، ووصول الفعل إليه، ولا حاجة إلى تقديره مجروراً بالياء؛ لأن هذا الفعل متعدّ لواحد، نحو: شركتُ زيداً، فلما دخلت همزة الفعل أكسبته ثانياً، هو العائد، تقول: أشْرَكْتُ زيْداً عَمْراً، أي جعلتهُ شريكاً له. الثاني: أنه الباري ـ تعالى ـ، أي: بما أشركتموني به، أي: بالله تعالى. قال القرطبي: المعنى: أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم، أي: أنَّ كفره كان قبل كفر أتباعه، وتكون "مَا" بمعنى "مَنْ" والكلام في العائد كما تقدَّم، إلا أن فيه إيقاع "مَا" على العاقل والمشهور أنَّها لغير العاقل. قال الزمخشري: "ونحو "مَا" هذه "مَا" في قوله: "سُبْحانَ مَا سخَّركُنَّ لنَا" ومعنى إشراكهم الشيطان بالله تعالى طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان". قال أبو حيان: "ومن منع ذلك جعل سبحان هنا علماً على معنى التَّسبيح، كما جعل "برَّة" علماً للمبرة، و"ما" مصدرية ظرفية"، أي: فيكون على حذف مضاف أي: سبحان صاحب تسخيركن؛ لأن التسبيح لا يليقُ إلا بالله ـ عزَّ وجلَّ ـ.. الوجه الثاني: أن "ما" مصدرية، اي: بإشراككم إياي مع الله، لي الطاعة. قوله "مِنْ قَبْلُ" متعلق بـ "كَفرْتُ" على القول الأوَّل؛ أي كفرت من قبل حين أبَيْتُ السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتموني وهو الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وبـ"أشْرَكْتُ" على الثاني، أي: كفرت اليوم بإشراككم إيَّاي من قبل هذا اليوم أي: في الدنيا، كقوله {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ}تفسير : [فاطر:14]، هذا قول الزمخشري ـ رحمه الله ـ. وجوَّز أبو البقاء تعلقه بـ "كَفرْتُ" وبـ"أشْرَكْتمُونِي" من غير ترتيب على كون: "مَا" مصدرية أوموصولة. فقال: و"مِنْ قَبْلُ" متعلق بـ "أشْرَكْتمُونِي"، أي: كفرت الآن بما أشركتموني من قبل. وقيل: هي متعلقة بـ"كَفرْتُ" أي: كفرت من قبل إشراككم، فلا أنفعكم شيئاً. وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في "أشْرَكْتمُونِي" وصلاً، وحذفها وقفاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً، وهنا تم كلام الشيطان. وقوله {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} من كلام الله ـ تعالى ـ، ويجوز أن يكون من كلام الشيطان. و"عَذابٌ" يجوز رفعه بالجار قبله على أنَّه الخبر، وعلى الابتداء وخبره الجار. قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية لما شرح حال الأشقياء شرح أحوال السُّعداءِ فقال ـ، عزَّ وجلَّ ـ {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قرأ العامة "أدْخِلَ" ماضياً مبنياً للمفعول، والفاعل الله أو الملائكة. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "أدخلُ" مضارعاً مستنداً للمتكلم وهو الله ـ تعالى ـ فمحل الموصول على الأولى رفع، وعلى الثانية نصبٌ. قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} في قراءة العامة يتعلق بـ "أدْخِلَ" أي: أدخلوا بأمره، وتيسيره. ويجوز تعلقه بمحذوف على أنَّه حال، أي: ملتبسين بأمر ربهم. وجوز أبو البقاء ِأن يكون من تمام: "خَالِدينَ" يعني: أنه متعلق به، وليس بممتنع، وكذا على قراءة الشَّيخين. فقال الزمخشريُّ: فإن قلت: "فَبِمَ يتعلَّق في القراءةِ الأخرى، وقولك: وأدخل أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم؟. قلت: الوجه في هذه القراءة أنَّه يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلام بإذنِ ربهم". ورد عليه أبو حيَّان هذا بأنه لا يتقدم معمول المصدر عليه. وقد علقه غير الزمخشريِّ بـ"أدْخِلَ"، ولا تنافر في ذلك؛ لأنَّ كلَّ أحد يعلم أنَّ المتكلم في قوله: "وأدْخِلَ" أنه هو الله ـ تعالى ـ. وأحسن من هذين أن يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلامٌ بإذن ربهم ورد في هذه القراءة بمحذوف على أنَّه حال كما تقدَّم تقديره. و"تَحِيَّتُهُمْ" مصدر مضاف لمفعوله، أي: يحييهم الله تعالى، أو ملائكته، ويجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أي: يحيى بعضهم بعضاً. ويعضد الأول {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد:23، 24] و{فِيهَا} متعلق به. فصل أعلم أنَّ الثَّواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فأشار بقوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} إلى المنفعة الخالصة وأشار بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} إلى دوامها، وأشار إلى كونها مقرونة بالتعظيم بقوله {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بإذن الله وأمره، وبقوله ـ عزَّ وجلَّ ـ {أية : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}تفسير : [يونس:10] أي: أنهم يحيى بعضهم بعضاً بهذه الكلمة، أو الملائكة يحيونهم بها، كما قال تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد:23، 24] والرَّب الرحيم أيضاً يحييهم [بهذه الكلمة] {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس:58] والسلام مشتق من السلامة، أي: أنهم سلموا من آفات الدنيا آمنوا من أمراضها وأسقامها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {فقال الضعفاء} قال: الأتباع {للذين استكبروا} قال: للقادة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - في قوله {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} قال: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد - رضي الله عنه - في الآية قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا نبك ونتضرع إلى الله تعالى، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله... فبكوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر... فصبروا صبراً لم ير مثله، فلما ينفعهم ذلك. فعند ذلك قالوا {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} .
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ...}. لم يكونوا عن الحقِّ - سبحانه - متسترين حتى يظهروا له، ولكن معناه صارت معارفهم ضرورية فحصلوا في مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم، فصاروا كأنهم ظهروا لله. فقال الضعفاء للذين استكبروا:{إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} توهماً أن يرفعوا عنهم شيئاً من العناء، فأجابهم المتكبرون: إنَّا جميعاً في العذاب مشتركون، ولو أمكننا أَنْ ترفعَ عنكم من العذاب، وقدرنا على أن نهديَكُم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم، وأجبناكم إلى ما سألتم، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين، ولا نحن لكم بمغيثين، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين... فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، ولات حين ملام! إنما ينفع لومُ النَّفْس فيما تتعاطاه من الإساءة في زمان المُهْلَةِ وأوقات التكليف؛ فإنَّ أبوابَ التوبةِ مفتوحة، ولكن لمن لم ينزع روحَه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وبرزوا} اى برز الموتى من قبورهم يوم القيامة الى ارض المحشر اى يظهرون ويخرجون عند النفخة الثانية حين تنتهى مدة لبثهم فى بطن الارض قال الله تعالى {أية : ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون} تفسير : وايثار صيغة الماضى للدلالة على تحقق وقوعه {لله} اى لامر الله ومحاسبته فاللام تعليلية وصلة برزوا محذوفة اى برزوا من القبور الموتى {جميعا} اى جميعهم من المؤمنين والكافرين كما فى تفسير الكاشفى او القادة والاتباع اجتمعوا للحشر والحساب وهذا كقوله {أية : وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا} تفسير : كما فى تفسير ابى الليث {فقال الضعفاء} الاتباع والعوام جمع ضعيف والضعف خلاف القوة وقد يكون فى النفس وفى البدن وفى الحال وفى الرأى والمناسب للمقام هو الاخير فانه لو كان فى رأيهم قوة لما اتبعوهم فى تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم. يقول الفقير فى هذه الشرطية نظر لانه ربما يكون الرجل قوة راى وجودة فكر مع انه لا يستقل به لكونه ضعيف الحال خائفا من سطوة المتغلبة من اهل الكفر والضلال فالاولى ان يكون الضعيف بمعنى المستذل المقهور كما فى قوله تعالى {والمستضعفين} {للذين استكبروا} اى لرؤسائهم المستكبرين الخارجين عن طاعة الله {انا كنا} فى الدنيا {لكم تبعا} جمع تابع كخدم جمع خادم وهو المستنّ بآثار من يتبعه اى تابعين فى تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم مطيعين لكم فيما امرتمونا به {فهل انتم} [بس هيج هستيد شما] {مغنون} دافعون {عنا من عذاب الله من شيء} من الاولى للبيان واقعة موقع الحال قدمت على صاحبها لكونه نكرة والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول اى بعض الشيء الذى هو عذاب الله والفاء للدلالة على السببية الاتباع للاغناء. والمراد التوبيخ والعتاب لانهم كانوا يعلمون انهم لا يغنون عنهم شيئا مما هم فيه {قالوا} اىالمستكبرون جوابا عن معاتبة الاتباع واعتذارا عما فعلوا بهم يا قوم {لو هدانا الله} الى الايمان ووفقنا له {لهديناكم} ولكن ضللنا فاضللناكم اىاخترنالكم ما اخترناه لانفسنا. وقال الكاشفى [اكر خداى تعالى نمودى طريق نجات را ازعذاب هر آيينه مانيز شمارا راه مينموديم بدان اما طرق خلاصى مسدود است وشفاعت ما درين دركاه مرود]. وفى التأويلات النجمية {قالوا} يعنى اهل البدع للمتقلدة {لو هدانا الله} الى طريق اهل السنة والجماعة وهو الطريق الى الله وقربته {لهديناكم} اليه وفيه اشارة الى ان الهداية والضلالة من نتائج لطف الله وقهره ليس الى احد من شيء فمن شاء جعله مظهرا لصفات لطفه ومن شاء جعله مظهرا لصفات قهره: قال الحافظ شعر : درين جمن نكنم سرزنش بخودرويى جنانكه برورشم ميدهند ميرويم تفسير : {سواء علينا أجزعنا} فى طلب النجاة من ورطة الهلاك والعذاب والجزع عدم الصبر على البلاء {ام صبرنا} على ما لقينا انتظارا للرحمة اى مستو علينا الجزع والصبر فى عدم الانجاء ففيه اقناط الضعفاء والهمزة وام لتأكيد التسوية ونحوه اصبروا اولا تصبروا سواء عليكم ولما كان عتاب الاتباع من باب الجزع ذيلوا جوابهم ببيان ان لا جدوى فى ذلك فقالوا {ما لنا من محيص} من منجى ومهرب من العذاب. وبالفارسية [كريز كاهى وبناهى] من الحيص وهو العدول على جهة الفرار يقال حاص الحمار اذا عدل بالفرار. وفى التأويلات {ما لنا من محيص} من مخلص للنجاة لانه ضاع منا آلة النجاة واوانها ويجوز ان يكون قوله سواء علينا كلام الضعفاء والمستكبرين جميعا ويؤيده انهم يقولون تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم فيقولون تعالوا نصبر اى رجاء ان يرحمهم الله بصبرهم على العذاب كما رحم المؤمنين بصبرهم على الطاعات فيصبرون كذلك فلا ينفعهم [يعنى ازهيج يك فائده نمى رسد] فعند ذلك يقولون ذلك: قال السعدى قدس سره شعر : فراشو جو بينى در صلح باز كه ناكه درتوبه كردد فراز توبيش ازعقوبت در عفو كوب كه سودى نداردفغان برجوب كنون كردبايد عمل را حساب نه روزى كه منشور كردد كتاب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (تَبعاً): جمع تابع، أو مصدر نُعت به؛ للمبالغة على حذف مضاف، أي: كنا لكم ذا تبع، و(من عذاب الله من شيء): من، الأولى؛ لبيان، والثانية: زائدة، هذا المختار. وـ عليه الصلاة والسلام ـ و(محيص): إما مصدر، أو اسم مكان. يقول الحق جل جلاله: {وبرزوا لله} أي: لأمر الله {جميعاً}، فيبرزون من قبورهم يوم القيامة حفاةً عراةً، لفصل القضاء، أو: برزوا لله على ظنهم؛ فإنهم كانوا يرتكبون الفواحش خفية، ويظنون أنها تخفى على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم. وإنما عبَّر بالماضي؛ لتحقق وقوعه. فيقول حينئذٍ {الضعفاءُ} وهم: الأتباع، لضعف رأيهم عندهم، {للذين استكبروا} وهم الرؤساء الذين استتبعوهم وغووهم: {إنا كنا لكم تَبَعاً} في الكفر، وتكذيب الرسل، والإعراض عن نصحهم، {فهل أنتم مُغْنون عنا من عذابِ الله من شيء} أي: فهل أنتم دافعون عنا شيئاً من عذاب الله؟. {قالوا}، أي: رؤساؤهم، في جوابهم واعتذارهم: {لو هدانا الله لهديناكم} أي: لو هدانا الله للإيمان، ووفقنا إليه لهديناكم ولكن ضللنا فأضللناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا، ولو هدانا الله لطريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم، لكن سُدَّ دوننا طريق الخلاص، {سواءٌ علينا أجزِعْنَا أمْ صَبَرنا}، أي: مستوٍ علينا الجزع والصبر، {ما لنا من محيص}: من مهرب ومنجى، ويحتمل أن يكون قوله: {سواءٌ علينا...} إلخ، من كلام الفريقين معاً، ويؤيده ما رُوي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك، ثم يقولون: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}. نسأل الله العصمة بمنَّه وكرمه. الإشارة: إذا ترقى العارفون، ومن تعلق بهم، عن عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وبرزوا لشهود الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وعند كل شيء، وتنزهوا في حضرة الأسرار، ورُفعوا يوم القيامة مع المقربين الأبرار، بقي ضعفاء اليقين؛ الذين تعوقوا عن صُحبتهم، في غم الحجاب، وتعب الحس والخواطر، مسجونين في سجن الأكوان، فيقولون لمن عَوَّقهم عن صحبة العارفين من أهل الرئاسة والجاه: إنا كنا لكم تبعاً، فهل تمنعون شيئاً مما نحن فيه من غم الحجاب، وسقوط الدرجة؟ فيقولون: لو هدانا الله لصحبتهم لهديناكم. فإذا نظروا يوم القيامة إلى ارتفاع درجاتهم ضجوا، وفزعوا على ما فاتهم، فلا ينفعهم ذلك؛ فما لهم من محيص عن تخلفهم عن مقام المقربين. رُوي أن أهل عليين إذا أشرفوا على الأسفلين تشرق منازلهم من أنوار وجوههم. وسيأتي ـ إن شاء الله ـ الحديث عند قوله: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة: 17]. ثم ذكر خطبة الشيطان على أهل النار فقال: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ...}
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى ان الخلق يبرزون يوم القيامة لله اي يظهرون من قبورهم والبروز خروج الشيء عما كان ملتبساً به الى حيث يقع عليه الحشر في نفسه، يقال: برز للقتال إِذا ظهر له. {فقال الضعفاء} اي يقول الناقص القوة، لان الضعفاء جمع ضعيف، والضعف نقصان القوة، يقال: ضعف يضعف ضعفاً، واضعفه الله إِضعافاً؛ والضعف ذهاب مضاعفة القوة {للذين استكبروا} اي للذين طلبوا التكبر. والاستكبار والتكبر والتجبر واحد، وهو رفع النفس فوق مقدارها في الوصف. والمعنى يقول التابعون للمتبوعين من ساداتهم وكبرائهم {إنا كنا لكم تبعاً} اي طلبنا اللحاق بكم، واعتمدنا عليكم، وهو جمع تابع، كقولهم: غائب وغيّب. قال الزجاج: ويجوز ان يكون مصدراً وصف به {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} اي هل تقدرون على ان تدفعوا عنا ما لا نقدر على دفعه عن أنفسنا، يقال: أغنى عني إِذا دفع عني، وأغناني بمعنى نفى الحاجة عني بما فيه كفاية. فأجابهم المستكبرون بأنه {لو هدانا الله} الى طريق الخلاص من العقاب والوصول الى النعيم والجنة {لهديناكم} اليه {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} أي الجزع والصبر سيان مثلان، ليس لنا من محيص أي مهرب من عذاب الله تعالى يقال: حاص يحيص حيصاً وحيوصاً وحيصاناً، وحاد يحيد حيداً ومحيداً، والحيد الزوال عن المكروه. والجزع انزعاج النفس بورود ما يغم، ونقيضه البر قال الشاعر: شعر : فان تصبرا فالصبر خير مغبة وان تجزعا فالأمر ما تريان
الجنابذي
تفسير : {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} يعنى يوم القيامة، أتى بالماضى للدّلالة على تحقّق وقوعه او لانّ الخطاب لمحمّد (ص) وامر القيامة مشهود له {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} اى الاتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} اى المتبوعين وقد فسّر على الاستكبار بترك الطّاعة لمن امروا بطاعته والتّرفّع على من ندبوا الى متابعته {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} استغاثوا بهم كما ظنّوا فى الدّنيا انّهم يغيثونهم فى الآخرة لانّ المراد بالرّؤساء هم المترئّسون فى الدّين صورة لا رؤساء الدّنيا واستعطفوهم بذكر تبعيّتهم لهم {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا} دافعون عنّا {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ} فى جوابهم {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} فى الدّنيا وههنا الى طريق النّجاة علّقوا تقصيرهم على عدم هداية الله كما هو ديدن النّساء بعد ما اعترفن بسوء فعلهنّ، او المراد بهذا الشّرط الشّرط فى الاستقبال يعنى ان هدينا الله ههنا الى طريق الخلاص {لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} يعنى عليكم وعلينا {أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} منجى ومهرب.
اطفيش
تفسير : {وَبَرَزُوا} أى ظهروا من قبورهم بالبعث {لِلَّهِ جَمِيعاً} أى إِلى الله بالحساب، والبراز القضاء ويبرز حصل فيه وذلك أنهم يظهرون من القبور إلى الفضاء أو برزوا منها يوم القيامة لأَمر الله وحسابه أو ظهروا لله يوم القيامة بعد أن خفوا عنه فى زعمهم وذلك أنهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش ويظنون بأَنها تخفى عنه وأصل يبرزون يوم القيامة وعبر بالماضى لأَن يوم القيامة واقع قطعاً فكأَنه قد وقع {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ} الأَتباع وسماهم ضعفاء بالنسبة للرؤساء أو لضعف رأيهم والموجود فى خط المصاحف المغربية هكذا الضعفاء بأَلف حمراء وهمزة على الواو بعدها ألف. وقيل هو فى مصحف عثمان بهمزة بعد الواو على لفظ من يفخم الأَلف قبل الهمزة فيميلها إِلى الواو ومثل ذلك علماء بنى إِسرائيل وسباتهم وغير ذلك. وقال أبو عمرو الدانى وغيره بأَن الهمزة على الواو فى ذلك لا بعدها وأن ذلك تسهيل للهمزة فى النطق وتقوية لها فى الحنك وإِنما وجد ذلك فى الهمزة المضمومة بعد ألف فى مواضع مذكورة فى فناها {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} الذين تناولوا الكبر وادعوه وهم سادتهم الذين صدوهم عن الإِيمان {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} فى الكفر جمع تابع كغايب وغيب وخادم وخدم أو مصدر نعته مبالغة أو بتأويله بالوصف أى تابعين أو بتقدير مضاف أو ذوى تبع {فَهَلْ أنتُم مُّغْنُونَ} دافعون {عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ} من للبيان متعلقة بمحذوف حال من شىء فى قوله {مِن شَىْءٍ} ولو كان مجروراً لأَن تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف زائد جائز فإِن شيئا مفعول به، أى فهل أنتم دافعون عنا شيئا هو عذاب الله الواقع علينا وإِنما زيدت من لتقدم الاستفهام هذا ما ظهر لِى فى ولاية، إِن شاء الله خال من تكلف وقيل من الأَولى كما ذكر والثانية للتبعيض غير زائدة اسما بمعنى بعض مفعول به مضاف لعذاب أى دافعون بعض شىء هو عذاب الله أو كلتاهما للتبعيض أى بعض شىء هو بعض عذاب الله، ولزم عليهما تقديم الحال على صاحبه المجرور بغير زائد وإِما حملا للآية على القليل غير المقيس وإِما اعتقاد القياس ذلك وعلى حرفية من التبعيضية والإِعراب كذلك تعلق بمحذوف نعت مفعول به محذوف أى شيئاً ثابتا من شىء هو عذاب الله. قيل ويجوز كونها للتبعيض والأُولى مفعول به والثانية مفعول مطلق أى فهل أنتم بعض العذاب بعض الاغناء على اسمية من البيانية وإِما على حرفيتها أو الإِعراب على هذا الطريق متعلق بمحذوف نعت لمفعول محذوف مثل ما مر والصحيح حرفية من التبعيضية والبيانية وإِنما قال الضعفاء ذلك توبيخا وعتابا وتبكيتا لأَنهم علموا أنهم لا يغنون عنهم {قَالُوا} أى الذين استكبروا جوابا لمعاتبة الضعفاء لهم وإِعتذارا عن إِغوائهم إياهم {لَوْ هَدَانَا اللهُ} وفقنا للإِيمان {لَهَدَيْنَاكُمْ} لدللناكم عليه ولكن ضللنا فاخترنا لكم ما اخترنا لأنفُسنا من الضلال وذلك إِما على حمل ذنوبهم على الله بادعاء الجبر عليه ولا ذنب أعظم من ادعاء ذلك كما قالوا فى الدنيا لو شاء الله ما أشركنا وإِما اعتراف بأَنه لا خير فيهم وأنه لو كان فينا خير وهو للطف الله بنا بالهداية لصدر منا لكم خير وهو الدلالة على الإِيمان لا شر وهو الإِضلال كما تقول لو كنت من أهل الخير لفعلت كذا ويجوز أن يكون المعنى لو دفعنا الله لطريق النجاة من عذابه لدللناكم عليها فتنجون باتباعنا ولما كان عتاب الضعفاء لهم جزعا وندما لا ينفعان قالوا لهم قبل دخول النار كما أن العتاب قبله كما هو ظاهر الآية {سَوَآءٌ عَلَيْنَا} أى معشر المستكبرين ومعشر الضعفاء لاجتماعهم فى عقاب المعصية والكفر {أَجَزِعْنَا} الهمزة للتسوية والفعل بعدها يؤول بالمصدر بلا حرف مصدر وقيل همزة التسوية حرف مصدر لكن الجزع أبلغ من الحزن لأَنه يصرف الإِنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه {أَمْ صَبَرْنَا} أى الجزع والصبر مستويان فى شأَننا فى عدم الفائدة أو لما قالوا لو وفقنا الله لطريق النجاة من عذابه لدللناكم عليها اتبعوه الأَقباط مما ينجيهم من صبر أو جزع كما رأيت وغيرهما كما قال عنهم {مَا لَنَا} أى معشر المستكبرين والضعفاء {مِن} صلة فى المبتدأ أو فى فاعل الظرف اعتماده على النفى {مَّحِيصٍ} مصدر ميمى أى هروب ونجاة أو اسم مكان أى موضع نلتجىء إِليه ويجوز أن يكون سواء علينا أجزعنا الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين تكلموا به قبل دخول النار وبعد دخولها ويدل على أنه منهم جميعا بعد دخولها ما خرجه ابن أبى حاتم والطبرانى وابن مردويه عن كعب ابن مالك رفعه إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكره ابن زيد ومحمد ابن كعب ومقاتل أن أهل النار يقولون هلموا فلنصبر فيصبرون خمس مائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا هلموا فلنجزع فيبكون ويصيحون خمس مائة عام فلما راوا ذلك لا ينفعهم قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص زاد ابن زيد ومحمد بن كعب أنهم يقولون: إنما نال أهل الجنة الرحمة بالصبر على الطاعة، ذكروا ذلك قبل أن يذكرا قولهم هلموا وذكر محمد بن كعب أنهم يسأَلون خازن النار الموت كما قال الله تعالى عنهم ليقض علينا ربك فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ثلاث مائة وستون يوما واليوم كأَلف سنة ثم يجيبهم إِنكم ماكثون ولما يئسوا مما عنده قالوا تعالوا نصبر كما صبر أهل الطاعة لعل ذلك ينفعنا فصبروا فطال صبرهم فلم ينفعهم فقالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص.
الالوسي
تفسير : {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا} أي يبرزون يوم القيامة، وإيثار الماضي لتحقق الوقوع أو لأنه لا مضي ولا استقبال بالنسبة إليه سبحانه، والمراد ببروزهم لله ظهورهم من قبورهم للرائين لأجل حساب الله تعالى، فاللام للتعليل وفي الكلام حذف مضاف، وجوز أن تكون اللام صلة البروز وليس هناك حذف مضاف، ويراد أنهم ظهروا له عز شأنه عند أنفسهم وعلى زعمهم فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابهم الفواحش سراً أنها تخفى على الله تعالى فإذا كان يوم القيامة انكشفوا له تعالى عند أنفسهم وعلموا أنه لا تخفى عليه جل شأنه خافية، وقال ابن عطية: معنى برزوا صاروا بالبراز وهي الأرض المتسعة فاستعير ذلك لمجمع يوم القيامة، وهذا ميل إلى التعليل والحذف. ونقل الإمام عن الحكماء في تأول البروز أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء وبقيت مجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله تعالى وهو كلام تعده العرب من الأحاجي ولذا لم يلتفت إليه المحدثون. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {وبرزوا} مبنياً للمفعول وبتشديد الراء، والمراد أظهرهم الله تعالى وأخرجهم من قبورهم لمحاسبته. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاء } جمع ضعيف، والمراد بهم ضعاف الرأي وهم الأتباع، وكتب في المصحف العثماني بواو قبل الهمزة، ووجه ذلك بأنه على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو، ونظيره {أية : عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 197]. ورد ذلك الجعبـري قائلاً: إنه ليس من لغة العرب ولا حاجة للتوجيه بذلك لأن الرسم سنة متبعة، وزعم ابن قتيبة أنه لغة ضعيفة، ولو وجه بأنه اتباع للفظه في الوقف فإن من القراء من يقف في مثل ذلك بالواو كان حسناً صحيحاً كذا ذكر فليراجع. ولعل من أنصف لا يرى أحسن من ترك التوجيه. {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم {إِنَّا كُنَّا } في الدنيا {لَكُمْ تَبَعًا } في تكذيب الرسل عليهم السلام والإعراض عن نصائحهم وهو جمع تابع كخادم وخدم وغايب وغيب أو/ اسم جمع لذلك ولم يذكر كونه جمعاً في «البحر». أو هو مصدر نعت به مبالغة أو بتأويل أو بتقدير مضاف أي تابعين أو ذوي تبع؛ وبه على سائر الاحتمالات يتعلق الجار والمجرور، والتقديم للحصر أي تبعاً لكم لا لغيركم. وقيل: المعنى: إنا تبع لكم لا لرأينا ولذا سماهم الله تعالى ضعفاء، ولا يلزم منه كون الرؤساء أقوياء الرأي حيث ضلوا وأضلوا، ولو حمل الضعف على كونهم تحت أيديهم وتابعين لهم كان أحسن وليس بذاك. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } استفهام أريد به التوبيخ والتقريع، والفاء للدلالة على سببية الاتباع للإغناء، وهو من الغناء بمعنى الفائدة وضمن معنى الدفع ولذا عدي بعن أي إنا اتبعناكم فيما كنتم فيه من الضلال فهل أنتم اليوم دافعون عنا {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْء } أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى بناء على ما قيل: إن {مِنْ } الثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول للوصف السابق والأولى للبيان وهي واقعة موقع الحال من مجرور الثانية لأنها لو تأخرت كانت صفة له وصفة النكرة إذا قدمت أعربت حالاً، واعترض هذا الوجه بأن فيه تقديم من البيانية على ما تبينه وهو لا يجوز، وكذا تقديم الحال على صاحبها المجرور. وأجيب بأن في كل من هذين الأمرين اختلافاً، وقد أجاز جماعة تقديم {مِنْ } البيانية وصحح ذلك لأنه إنما يفوت بالتقديم الوصفية لا البيانية، وكذا أجاز كثير كابن كيسان وغيره تقديم الحال على صاحبها المجرور فلعل الذاهب إلى هذا الوجه في الآية يرى رأي المجوزين لكل من التقديمين. وقال بعض المدققين: جاز تقديم هذه الحال لأنها في الحقيقة عما سد مسده من شيء أعني بعض لا عن المجرور وحده، وفيه من البعد ما لا يخفى، وجوز أن تكون الأولى والثانية للتبعيض، والمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله تعالى؛ والإعراب كما سبق، واختار بعضهم على هذا كون الحال عما سد مسده من شيء إذ لو جعل حالاً عن المجرور لآل الكلام إلى هل أنتم مغنون عنا بعض بعض عذاب الله تعالى ولا معنى له، وفيه أنه يفيد المبالغة في عدم الغناء كقولهم: أقل من القليل فنفي المعنى لا معنى له، ولا يصح الإلغاء إذ لا يصح أن يتعلق بفعل ظرفان من جنس دون ملابسة بينهما تصحح التبعية، وجعل الثاني بدلاً من الأول يأباه ـ كما في «الكشف» ـ اللفظ والمعنى؛ وقد تعقب أبو حيان توجيه التبعيض في المكانين كما سمعت بأن ذلك يقتضي البدلية فيكون بدل عام من خاص لأن {مِن شَىْء } أعم من قوله: {مِنْ عَذَابِ } وهذا لا يقال: لأن بعضية الشيء مطلقة فلا يكون لها بعض، ومما ذكرنا يعلم ما فيه. وجوز أن تكون الأولى مفعولاً والثانية صفة مصدر سادة مسده، والشيء عبارة عن إغناء ما أي فهل أنتم مغنون عنا بعض عذاب الله بعض الإغناء. وتعقب بأنه يلزم على هذا أن يتعلق بعامل ظرفان إلى آخر ما سمعت آنفاً، وفيه نظر لأن لكون أحدهما في تأويل المفعول به والآخر في تأويل المفعول المطلق صح التعلق ولم يكونا من جنس واحد، وقد يقال: إن تقييد الفعل بالثاني بعد اعتبار تقييده بالأول فليس العامل واحداً. ونص الحوفي وأبو البقاء على أن {مِنْ } الثانية زائدة للتوكيد وسوغ زيادتها تقدم الاستفهام الذي هو هنا في معنى النفي، و {عَذَابِ ٱللَّهِ} أما متعلق ـ بمغنون ـ أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من {شَىْء } أي شيئاً كائناً من عذاب الله تعالى أو مغنون من عذاب الله تعالى غناء ما. {قَالُواْ } أي المستكبرون جواباً عن توبيخ الضعفاء وتقريعهم واعتذاراً عما فعلوا بهم: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ } إلى الايمان ووفقنا له {لَهَدَيْنَاكُمْ } ولكن/ ضللنا فضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا، وحاصله على ما قيل: إن ما كان منا في حقكم هو النصح لكن قصرنا في رأينا، وقال الزمخشري: إنهم وركوا الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله تعالى وكذبوا في ذلك، ويدل على وقوع الكذب من أمثالهم يوم القيامة قوله تعالى حكاية عن المنافقين: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْء } تفسير : [المجادلة: 18] وقد خالف في ذلك أصول مشايخه لأنهم لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فلا يقبل منه، وجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان، ونقل ذلك القاضي وزيفه كما ذكره الإمام، وقيل: المعنى لو هدانا الله تعالى إلى الرجعة إلى الدنيا فنصلح ما أفسدناه لهديناكم وهو كما ترى، وقال الجياني وأبو مسلم: المراد لو هدانا الله تعالى إلى طريق الخلاص من العقاب والوصول إلى النعيم والثواب لهديناكم إلى ذلك، وحاصله لو خلصنا لخلصناكم أيضاً لكن لا مطمع فيه لنا ولكم، قال الإمام: والدليل على أن المراد من الهدي هو هذا أنه الذي طلبوه والتمسوه. {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا } مما لقينا {أَمْ صَبَرْنَا } على ذلك و {سَوَآء } اسم بمعنى الاستواء مرفوع على الخبرية للفعل المذكور بعده لأنه مجرد عن النسبة والزمان فحكمه حكم المصدر والهمزة و {أَمْ } قد جردتا عن الاستفهام لمجرد التسوية ولذا صارت الجملة خبرية فكأنه قيل: جزعنا وصبرنا سواء علينا أي سيان، وإنما أفرد الخبر لأنه مصدر في الأصل، وقال الرضي في مثله: إن {سَوَآء } خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء ثم بين الأمران بقولهم: {أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } وما قيل: من أن {سَوَآء } خبر مبتدأ والجملة جزاء للجملة المذكورة بعد لتضمنها معنى الشرط، وإفادة همزة الاستفهام معنى إن لاشتراكهما في الدلالة على عدم الجزم، والتقدير إن جزعنا أم صبرنا فالأمران سيان فتكلف كما لا يخفى، والجزع حزن يصرف عما يراد فهو حزن شديد. وفي "البحر" هو عدم احتمال الشدة فهو نقيض الصبر، وإنما أسندوا كلاً من الجزع والصبر واستوائهما إلى ضمير المتكلم المنتظم للمخاطبين أيضاً مبالغة في النهي عن التوبيخ بإعلامهم أنهم شركاء لهم فيما ابتلوا به وتسلية لهم. وجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين فهو مردود إلى ما سيق له الكلام وهم الفريقان، ولا نظر إلى القرب كما قيل في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يوسف: 52] وأيد ذلك بما أخرجه ابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه عن كعب بن مالك رفعه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فيما يظن أنه قال: حديث : «يقول أهل النار: هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: هلموا فلنجزع فيبكون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } الآيةتفسير : ، وإلى كون هذه المحاورة بين الضعفاء والمستكبرين في النار ذهب بعضهم ميلاً لظواهر الأخبار. واستظهر أبو حيان أنها في موضع العرض وقت البروز بين يدي الله تعالى، وقول الأتباع: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } جزع منهم، وكذا جواب الرؤساء باعترافهم بالضلال، واحتمال أنه من كلام الأولين فقط خلاف الظاهر جداً. وقوله تعالى: {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } جملة مفسرة لإجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الإعراب أو حال مؤكدة أو بدل منه، والمحيص من حاص حاد وفر، وهو إما اسم مكان كالمبيت والمصيف أو مصدر ميمي كالمغيب والمشيب، والمعنى ليس لنا محل ننجوا فيه من عذابه أو لا نجاة لنا من ذلك.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : إن يشأ يذهبكم } تفسير : [إبراهيم: 20] باعتبار جواب الشرط وهو الإذهاب، وفي الكلام محذوف، إذ التقدير: فأذْهَبهم وبرزوا لله جميعاً، أي يوم القيامة. وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ويبرزون لله، فعدل عن المضارع إلى الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع، مثل قوله تعالى: { أية : أتى أمر الله } تفسير : [سورة النحل: 1]. والبروز: الخروج من مكان حاجب من بيت أو قرية. والمعنى: حشروا من القبور. و{جميعاً} تأكيد ليشمل جميعهم من سادة ولفيفٍ. وقد جيء في هذه الآية بوصف حَال الفرق يوم القيامة، ومجادلة أهل الضلالة مع قادتهم، ومجادلة الجميع للشيطان، وكون المؤمنين في شغل عن ذلك بنُزل الكرامة. والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات. فالمقصود: التحذير مما يفضي إلى سوء المصير. واللام الجارة لاسم الجلالة معدية فعل {برزوا} إلى المجرور. يقال: برز لفلان، إذا ظهر له، أي حضر بين يديه، كما يقال: ظهر له. والضعفاء: عوامّ الناس والأتباع. والذين استكبروا: السادة، لأنهم يتكبرون على العموم وكان التكبر شعار السادة. والسين والتاء للمبالغة في الكبر. والتَبع: اسم جمع التابع مثل الخَدَم والخَوَل، والفاء لتفريع الاستكبار على التبعية لأنها سبب يقتضي الشفاعة لهم. وموجب تقديم المسند إليه على المسند في {فهل أنتم مغنون عنا} أن المستفهم عنه كون المستكبرين يغنون عنهم لا أصل الغَناء عنهم، لأنهم آيسون منه لما رأوا آثار الغضب الإلهي عليهم وعلى سادتهم. كما تدلّ عليه حكاية قول المستكبرين {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}، فعلموا أنهم قد غروهم في الدنيا، فتعيّن أن الاستفهام مستعمل في التورّك والتوبيخ والتبكيت، أي فأظهروا مكانتكم عند الله التي كنتم تدعونها وتغروننا بها في الدنيا. فإيلاء المسند إليه حرف الاستفهام قرينة على أنه استفهام غير حقيقي، وبينه ما في نظيره من سورة غافر (47، 48) { أية : وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد } تفسير : و{مِنْ} في قوله: {من عذاب الله} بدلية، أي غناء بدلاً عن عذاب الله.. و{مِنْ} في قوله: {من شيء} مزيدة لوقوع مدخولها في سياق الاستفهام بحرف هل. و{شيء} في معنى المصدر، وحقه النصب على أنه مفعول مطلق فوقع جرّه بحرف الجر الزائد. والمعنى: هل تغنون عنا شيئاً. وجواب المستكبرين اعتذار عن تغريرهم بأنهم ما قصدوا به توريط أتباعهم كيف وقد ورّطوا أنفسهم أيضاً، أي لو كنا نافعين لنفعنا أنفسنا. وهذا الجواب جار على معنى الاستفهام التوبيخي العتابي إذ لم يجيبوهم بأنا لا نملك لكم غناء ولكن ابتدأوا بالاعتذار عما صدر منهم نحوهم في الدنيا علماً بأن الضعفاء عالمون بأنهم لا يملكون لهم غناء من العذاب. وجملة {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} من كلام الذين استكبروا. وهي مستأنفة تبيين عن سؤال من الضعفاء يستفتون المستكبرين أيصبرون أم يجزعون تطلباً للخلاص من العذاب، فأرادوا تأييسهم من ذلك يقولون: لا يفيدنا جزع ولا صبر، فلا نجاة من العذاب. فضمير المتكلم المشارك شامل للمتكلمين والمجابين، جمعوا أنفسهم إتماماً للاعتذار عن توريطهم. والجزع: حزن مشوب باضطراب، والصبر تقدم. وجملة {ما لنا من محيص} واقعة موقع التعليل لمعنى الاستواء، أي حيث لا محيص ولا نجاة فسواء الجَزع والصبر. والمحيص: مصدر ميمي كالمغيب والمشيب وهو النجاة. يقال: حاص عنه، أي نجا منه. ويجوز أن يكون اسمَ مكان من حاص أيضاً، أي ما لنا ملجأ ومكان نَنْجو فيه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}. هذه المحاجة التي ذكرها الله هنا عن الكفار بينها في مواضع أخر كقوله: {أية : وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} تفسير : [غافر: 47 - 48] كما تقدم إيضاحه.
الواحدي
تفسير : {وبرزوا لله جميعاً} خرجوا من قبورهم إلى المحشر {فقال الضعفاء} وهم الأتباع لأكابرهم الذين {استكبروا} عن عبادة الله: {إنَّا كنَّا} في الدُّنيا {لكم تبعاً فهل أنتم مغنون} دافعون {عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم} أَيْ: إنَّما دعوناكم إلى الضَّلال لأنَّا كنَّا عليه، ولو أرشدنا الله لأرشدناكم. {وقال الشيطان} يعني: إبليس {لما قضي الأمر} فصار أهل الجنَّة في الجنَّة، وأهل النَّار في النَّار، وذلك أنَّ أهل النَّار حينئذٍ يجتمعون باللائمة على إبليس، فيقوم خطيباً ويقول: {إنَّ الله وعدكم وعد الحق} يعني: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده {ووعدتكم} أنَّه غير كائنٍ {فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان} أَيْ: ما أظهرت لكم حجَّةً على ما وعدتكم {إلاَّ أن دعوتكم} لكن دعوتكم {فاستجبتم لي} فصدَّقتموني {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} حيث أجبتموني من غير برهانٍ {ما أنا بمصرخكم} بمغيثكم {وما أنتم بمصرخي إني كفرتُ بما أَشْرَكْتُمونِ من قبل} بإشراككم إيَّاي مع الله سبحانه في الطَّاعة، إنَّي جحدت أن أكون شريكاً لله فيما أشركتموني {إنَّ الظالمين} يريد: المشركين. وقوله: {تحيتهم فيها سلام} يحييهم الله سبحانه بالسَّلام، ويحيي بعضهم بعضاً بالسَّلام.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وبرزوا لله جميعاً: أي برزت الخلائق كلها لله وذلك يوم القيامة. إنا كنا لكم تبعاً: أي تابعين لكم فيما تعتقدون وتعملون. فهل أنتم مغنون عنا: أي دافعون عنا بعض العذاب. ما لنا من محيص: أي من ملجأ ومهرب أو منجا. لما قضي الأمر: بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ما أنا بمصرخكم: أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب والكرب. تجري من تحتها الأنهار: أي من تحت قصورها وأشجارها الأنهار الأربعة: الماء واللبن والخمر والعسل. معنى الآيات: في هذه الآيات عرض سريع للموقف وما بعده من استقرار أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة يقرر مبدأ الوحي والتوحيد والبعث الآخر بأدلة لا ترد، قال تعالى: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي خرجت البشرية من قبورها مؤمنوها وكافروها صالحوها وفاسدوها {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} أي الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} أي الرؤساء والموجهون للناس بما لديهم من قوة وسلطان {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي أتباعاً في عقائدكم وما تدينون به، {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}؟ أي فهل يمكنكم أن ترفعوا عنا بعض العذاب بحكم تبعيتنا لكم فأجابوهم بما أخبر تعالى به عنهم: {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} اعترفوا الآن أن الهداية بيد الله وأقروا بذلك، ولكنا ضللنا فأضللناكم {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ} اليوم {أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي من مخرج من هذا العذاب ولا مهرب، وهنا يقوم إبليس خطيبا فيهم بما أخبر تعالى عنه بقوله: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ} أي إبليس عدو بني آدم {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} بأن أُدخل أهل الجنة الجنة وأدخل أهل النار النار {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} بأن من آمن وعمل صالحاً مبتعدا عن الشرك والمعاصي أدخله جنته وأكرمه في جواره، وأن من كفر وأشرك وعصى أدخله النار وعذبه عذاب الهون في دار البوار {وَوَعَدتُّكُمْ} بأن وعد الله ووعيده ليس بحق ولا واقع {فَأَخْلَفْتُكُمْ} فيما وعدتكم به، وكنت في ذلك كاذباً عليكم مغرراً بكم، {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من قوة مادية أكرهتكم على اتباعي ولا معنوية ذات تأثير خارق للعادة أجبرتكم بها على قبول دعوتي {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} أي لكن دعوتكم {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} إذاً {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي بمزيل صراخكم بما أغيثكم به من نصر وخلاص من هذا العذاب {وَمَآ أَنتُمْ} أيضاً {بِمُصْرِخِيَّ}، أي بمغيثيَّ {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} إذ كل عابد لغير الله في الواقع هو عابد للشيطان إذ هو الذي زين له ذلك ودعاه إليه، و{إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي المشركين لهم عذاب أليم موجع، وقوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي وأدخل الله الذين آمنوا أي صدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به رسوله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} وهي العبادات التي تَعَبَّدَ الله بها عباده فشرعها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم {جَنَّاتٍ} بساتين {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من خلال قصورها وأشجارها أنهار الماء واللبن والخمر والعسل {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يخرجون منها ولا يبغون عنها حولاً، وقوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي أن ربهم هو الذي أذن لهم بدخولها والبقاء فيها أبداً، وقوله: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي السلام عليكم يحييهم ربهم وتحييهم الملائكة ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام وهي كلمة دعاء بالسلامة من كل العاهات والمنغصات وتحية بطلب الحياة الأبدية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن التقليد والتبعية لا تكون عذراً لصاحبها عند الله تعالى. 2- بيان أن الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى إذ هو الذي دعا إلى عبادة غير الله وزينها للناس. 3- تقرير لعلم الله بما لم يكن كيف يكون إذ ما جاء في الآيات من حوار لم يكن بعد ولكنه في علم الله كائن كما هو وسوف يكون كما جاء في الآيات لا يتخلف منه حرف واحد. 4- وعيد الظالمين بأليم العذاب. 5- العمل لا يُدخل الجنة إلا بوصفه سبباً لا غير، وإلا فدخول الجنة يكون بإذن الله تعالى ورضاه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلضُّعَفَاءُ} {هَدَانَا} {لَهَدَيْنَاكُمْ} (21) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَبْرُزُ الخَلاَئِقُ كُلُّهَا لِلْوَاحِدِ القَهَّارِ، وَتَجْتَمِعُ فِي بَرَازٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ المَكَانُ الوَاسِعُ الخَالِي الذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ)، فَيَقُولُ الأَتْبَاعُ (الضُّعَفَاءُ) لِلقَادَةِ الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ: لَقَدْ كُنَّا تَابِعِينَ لَكُمْ نَأْتَمِرُ بِأَمْرِكُمْ، وَقَدْ فَعَلْنَا مَا أَمَرْتُمُونَا بِهِ، فَهَلْ تَدْفَعُونَ عَنَّا اليَوْمَ شَيْئاً مِنَ العَذَابِ {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا}؟ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمُ القَادَةُ الكُبَرَاءُ قَائِلِينَ: لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانَا لَهَدَيْنَاكُمْ مَعَنَا، وَلَكِنَّنا ضَلَلْنَا فَضَلَلْتُمْ مَعَنَا، فَحَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ، وَلا بُدَّ مِنَ الصَّبْرِ لأَِنَّ الجَزَعَ لاَ يُفِيدُ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا فَلاَ نَجَاةَ لَنَا مِنَ النَّارِ، وَلاَ مَصْرِفَ لَنَا عَنْهَا. بَرَزُوا - خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ لِلْحِسَابِ. مغْنُونَ عَنّا - دَافِعُونَ عَنَّا. مَحِيصٍ - مَنْجىً وَمَهْرَبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والبروز أن يظهر شيء كان خفياً. ويُقال "رجل بارز" أي: مرموق وقَيْد الأبصار، ولا تُفتَح الدنيا إلا عليه، ويُقال "امرأة بارزة" أي: امرأة تختلط بالرجال وغير مُستترة. ويقول سبحانه: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ..} تفسير : [الكهف: 47]. أي: سيرى كُلٌّ منا كُلّ الأرض في اليوم الآخر وهي مكتملة؛ لا جزء منها فقط كما يحدث في حياتنا الدنيوية؛ ذلك أن الحق سبحانه قد قال لنا: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22]. ويُقال أيضاً "فرس بارز" وهو ما يطلق على الحصان الذي يفوز عند التسابق مع غيره؛ ولا يستطيع فرس آخر أنْ يسبقه؛ لذلك فهو فرس تراه العين أثناء السباق بوضوح. ونعلم أن الخيْلَ في لحظات السباق تثير أثناء تسابقها غباراً - أي: تراباً يُضبِّب المرئيات - فلا يرى أحد تفاصيل الموقع الذي تجري فيه الخيول؛ أما إذا ظهر فرس يسبق الجميع فلا خيول أخرى قريبة منه تثير غباراً يمنع رؤيته بارزاً واضحاً. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً ..} [إبراهيم: 21]. ولقائل أن يسأل: وهل كانت هناك أشياء خافية عنه سبحانه ثم برزت؟ ونقول: إنه سبحانه مُنزَّه أن تَخْفى عنه خافية في الأرض أو السماء أو الكون كله، ولكن المقصود هنا أنهم يبرزون عند أنفسهم، ويرون وجودهم واضحاً أمام الحق سبحانه. وهم مِنْ قَبْل كانوا: {أية : يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} تفسير : [النساء: 108]. وكانوا قد ظَنُّوا أنهم قادرون على أن يخفوا عن ربهم ما كانوا يفعلون؛ ويُبيِّتون ويمكرون؛ ونجدهم يوم القيامة مفضوحين أمام خالقهم؛ حُكْمهم في ذلك حُكْم كل الخَلْق. أو: برز كل واحد منهم أمام نفسه، ورأى نفسه أمام الله. ونعلم أنه سبحانه قد خلق الخَلْق على لونين؛ لونٍ مقهور فيه الإنسان، ولا إرادةَ له: ولَوْنٍ مُخيّر فيه الإنسان، ونسبة ما منح فيه الإنسان الاختيار قليل، إذا ما قيس بما ليس له في اختيار. وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ لأنه علم أزلاً أن الإنسان الذي تعوّد على أنْ يتمرّد على الله؛ فهو يُوضِّح له: أنت قد أَلِفْتَ التمرد وقَوْل "لا"، وقد تُجاهِر بالكفر، وتحارب من أجله، وتريد أن تخرج عن مرادات الحق؛ فَإنْ كنت صادقاً في أن هذا الخروج ذاتيّ فيك؛ فتمرّد على القهريات التي تنتابك. ويعلم الإنسان بالتجربة أنه غَيْرُ قادر على ذلك؛ فلا الفقيرَ يستطيع أن يثرَى دون مشيئة الله؛ والمريض لا يستطيع أن يشفى دون مشيئة الله؛ والضعيف لا يستطيع أن يقوى ضد إرادة الله. وكل هذا يدل على أن ملكية الله لك لا تزال بالقهر فيك؛ وسيأتي يوم يسلب منك الاختيار. {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وأنت تبرز بكُلِّ تكوينك لحظتها أمام نفسك، وتجد الحق سبحانه أمامك. وأنت إما أن تكون بارزاً بكل تكويناتك أمام نفسك لحظة وقوفك أمام خالقك، أو يكون المقصود بقوله الحق وقوف كل الخَلْق أمامه بارزين، سواء أكانوا تابعين أو متبوعين. ولحظتها سنجد قوله الحق مُطبقاً. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ..} [إبراهيم: 21]. وهكذا نرى أن هناك حواراً بين اثنين من البشر؛ نوع مستكبر، وهم القادة السادة الذين يُلْقون أوامرهم؛ لِيُنفِّذها الضِّعاف، ثم يُفاجأ الضعاف التابعون أن رؤوسهم تساوتْ في اليوم الآخر مع هؤلاء الأقوياءالجبابرة؛ ويروْنَ ما ينتظرهم جميعاً من عذاب؛ فيسأل الضعاف أهلَ الجبروت: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [إبراهيم: 21]. وهؤلاء المستكبرون سبق لهم أن استكبروا على هؤلاء الضِّعاف بما لهم من قوة وسيادة، أو استكبروا على الرسل إيماناً كما أوضح الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وفي هذا القوْل استكبارٌ على الإيمان، وكأنهم يُعدِّلون على الله - والعياذ بالله - مشيئته وواسع علمه الذي يختار به الرسل. أو: أنهم قد استكبروا على أنفسهم فلم يؤمنوا؛ أو: أنهم قد استكبروا على الأتباع بما لهم من جاه ونفوذ فلم يقدر الأتباع على مخالفتهم؛ لذلك يقول لهم الأتباع لحظة تساوي الرؤوس: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [إبراهيم: 21]. وهذا تقريع وخِزْي وفضيحة للتابع. ونعلم أن الحق سبحانه قال في موقع آخر من القرآن على لسان التابعين: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 67-68]. وقد عرض الحق سبحانه هذه المسألة علينا لنتعلم من البداية كيف يكون ميزان التبعية؟ وإياك أن تتبع في أمر إلا إذا اقتنعتَ أنه يأتي لك بخير، وأنه يدفع عنك الشر، ولينتبه كل منا جيداً ولا يعطي زمام قيادة حركة الحياة إلا عن بينة. وليتذكر كل منا قوله الحق: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الحشر: 16]. فحين يأتيك أمر مخالف لمنهج الله؛ عليك أن تُعْلي منهج الله فوق كل أمر. وقد أوضح لنا الحق سبحانه ذلك كي ننتَبه جيداً فلا نُلْقي زمام أمورنا لمن نتبع إلا برويّة وبحكمة؛ أيدلُّنا على خير أم يدلُّنا على شر؛ وهل يستطيع أن يدرأَ عنا الشر، وأن يُنجِينا من الإصابة بمكروه؟ فليكُنْ كُلٌّ مِنَّا على بينة من أمره، وقد قال الحق سبحانه في سورة الرحمن: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 16]. والآلاء هي النعم؛ ومن أَرْقى النعم هي تلك القيم التي أوضحها لنا الحق سبحانه لنسير على هُدَاها في الحياة الدنيا كي لا نُقبِل على الحياة بجهالة؛ بل بتوضيح وتبيان لكل شيء. وهكذا يجب أن يتصرف التابع مع المتبوع كي لا يقف في موقف الخزي المشترك بين الاثنين في يوم الحساب؛ حيث يقول التابعون للمتبوعين: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ..} [إبراهيم: 21]. وهذا القَوْل القرآني يتكلم به ربُّ العالمين؛ وكُلُّ حرف فيه لهدف ومعنى. وقوله: {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ..} [إبراهيم: 21]. يعني أنهم لن يقدروا أنْ يُخفِّفوا ولو جزءً بسيطاً من عذاب الله، وكأنهم يُسهّلونها عليهم، فيطلبون منهم أن يتحمّلوا؛ أو أنْ يُخففوا عنهم ولو جزءً بسيطاً من العذاب. والمثَلُ على ذلك حين يطلب إنسان من آخر جنيهاً؛ فيقول له: ليس معي غيره، فيردُّ الطالب: إذنْ أعطني بعضاً منه، وكأنه يطلب ولو رُبْعه أو عشرة قروش منه. هكذا قال الذين اتبعوا لمن اتبعوهم؛ فماذا يكون الرد من هؤلاء الذين تأبَّوْا على الله إيماناً به؛ ها هم يردُّون على مَنْ سألوهم أنْ يُخفِّفوا ولو جزءاً قليلاً من العذاب: {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} [إبراهيم: 21]. وهكذا يتكشّف كذبهم؛ فهم يدَّعُون أن معنى الهداية هو أنْ يهبَهُم اللهُ الإيمان؛ مُتنَاسين أن معنى الهداية هو الدلالة المُوصِّلة إلى الغاية. ولنَا في قول الحق سبحانه ما يُوضِّح المعنى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى ..} تفسير : [محمد: 17]. فمَنْ يُقبِل على الإيمان بصدر مُنشرح يجد كُلّ سُبل الخير أمامه؛ أما مَنْ كفر فكيف يهديه الله، وهو قد استحبّ العمى على الهُدى؟ لن يجد بطبيعة الحال أيَّة هداية. ويقول الكافرون ذلك لِمَن اتبعوهم في يوم الحشر؛ ذلك أنهم يروْنَ رَأْي العين أن الجنةَ حَقٌّ؛ والنار حَقٌّ، والحساب حَقٌّ؛ لذلك يعترفون أمام مَنِ اتبعوهم في الدنيا بأن الحقَّ سبحانه لو أخذ بيدهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان لَقْدناكم إلى هذا الإيمان؛ وهم في ذلك أصحاب رأي مغلوط. وذلك قولهم: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ..} [إبراهيم: 21]. ونعلم أن الإنسان إذا ما وقع في مأزق أقوى من قدراته: ولا فجْوة فيه للنجاة؛ فهو يستقبل هذا المأزق بأحد استقبالين؛ الاستقبال الأول: أن يجزعَ ويتضرعَ؛ والاستقبال الثاني: أنْ يصمدَ ويصبرَ. وهنا نجد الكافرين يقولون: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} [إبراهيم: 21]. أي: أنهم سواء جَزِعوا وتضرَّعوا أو صبروا وصمدوا فلن يُنجيهم الله مِمَّا هم فيه؛ فلا مَهْرب ولا مَنْجى. و "حاص" في المكان أي: ذهب إلى هنا أو هناك، ولا يجد راحة؛ ونجد في تعبيرنا العاميّ ما يُصوّر ذلك وهو قولنا "فلان حايص" أي: لا يجد مكاناً يرتاح فيه. ولذلك يقال: "نَبَتْ بهم الأرض"؛ أي: أن كُلَّ مكان في الأرض يرفضهم؛ ويشرح الحق سبحانه هذه القضية فيقول: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 118]. وهكذا نرى مَن نَبت بهم الأرض؛ إنما لا تسعهم أنفسهم أيضاً بل تضيق عليهم؛ ونسمع مِمَّنْ يُنكّل بهم الحق في الحياة الدنيا مَنْ يقول: "أنا لا أطيق نفسي". وهذا ما يحدث بالفعل لبعض من الناس في لحظات الضيق؛ فتضيق ذات أيٍّ منهم عن حَمْل ذاته، وكأن الواحدَ منهم له ذاتان؛ وكأن الواحد منهم له صورتان؛ الصورة التي تُزيِّن الشهوة؛ وحين تزيد عن الحَدِّ يعود إلى صورة كَارِه الشهوة؛ وهو لا يسعَدُ في الحالتين؛ عشق الشهوة وكراهيتها. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَبَرَزُواْ} أي ظهروا من قبورهم إلى جزاء الله وحسابه والذين استكبروا هم رؤساؤهم وقادتهم استتبعوا الضعفاء واستغووهم واستكبروا تكبروا وأظهروا تعظيم أنفسهم أو استكبروا عن اتباع الرسل وعبادة الله تعالى وتبعاً يحتمل أن يكون اسم جمع لتابع كخادم وخدم وغائب وغيب ويحتمل أن يكون مصدراً كقوم عدل ورضا وهل أنتم مغنون عنا استفهام معناه توبيخهم إياهم وتقريعهم وقد علموا أنهم لن يغنوا شيئاً والمعنى انا تبعناكم فيما كنتم فيه من الضلال كما أمرتمونا وما أغنيتم عنا شيئاً ولذلك جاء جوابهم لو هدانا الله لهديناكم أجابوا بذلك على سبيل الاعتذار والخجل ورد الهداية إلى الله تعالى وهو كلام حق في نفسه. قال الزمخشري: من الأولى للتبيين والثانية للتبعيض كأنه قيل هل أنتم مغنون عنا بعض الشىء الذي هو عذاب الله ويجوز أن يكون للتبعيض معاً أي هل أنتم مغنون عنا بعض شىء هو بعض عذاب الله أي بعض بعض عذاب الله. "انتهى" هذا التوجيهان اللذان وجههما الزمخشري في المكانين يقتضي أولهما التقديم في قوله من شىء على قوله من عذاب الله لأنه جعل من شىء هو المبين بقوله: من عذاب الله ومن التبيينية يتقدم عليها ما نبينه ولا يتأخر والتوجيه الثاني وهو بعض شىء هو بعض العذاب يقتضي أن يكون بدلاً فيكون بدل عام من خاص لأن من شىء أعم من قوله من عذاب الله وان عنى بشىء شيئاً من العذاب فيؤول المعنى إلى ما قدر وهو بعض عذاب الله وهذا لا يقال لأن بعضية الشىء مطلقة فلا يكون لها بعض والظاهر أن قوله: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا إلى آخره داخل تحت قول المستكبرين جاءت جملاً بلا واو عطف كأن كل جملة أنشئت مستقلة غير معطوفة وان كانت مرتبطاً بعضها ببعض من جهة المعنى لأن سؤالهم هل أنتم مغنون عنا إنما كان لجزعهم مما هم فيه فقالوا لهم في ذلك سووا بينهم في ذلك لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون ما هذا الجزع والتوبيخ ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر أو لما قالوا: لو هدانا الله اتبعوا ذلك بالاقناط من النجاة فقالوا ما لنا من محيص أي منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا وتقدم الكلام في مثل هذه التسوية في البقرة والظاهر أن هذه المحاورة بين الضعفاء والرؤساء هي في موضع العرض وقت البروز بين يدي الله تعالى. {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} مناسبة هذه لما قبلها أنه لما ذكر محاورة الاتباع لرؤسائهم الكفرة ذكر محاورة الشيطان واتباعه من الانس وذلك لاشتراك الرؤساء والشيطان في التلبس بالاضلال والشيطان هنا إبليس وهو رأس الشياطين ومعنى قضي الأمر تعين قوم للجنة وقوم للنار وذلك كله في الموقف ووعد الحق يحتمل أن يكون من إضافة الموصوف إلى صفته أي الوعد الحق وان يكون الحق صفة الله أي وعده وأن يكون الحق الشىء الثابت وهو البعث والجزاء على الاعمال أي يوفى لكم بما وعدكم. {وَوَعَدتُّكُمْ} خلاف ذلك. {فَأَخْلَفْتُكُمْ} وإلا ان دعوتكم الظاهر أنه استثناء منقطع لأن دعاءه إياهم إلى الضلالة ووسوسته ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة. {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي مغيثكم. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي بمغيثي وقرأ الجمهور بمصرخي بفتح الياء وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة بكسر الياء وقد طعن ناس في هذه القراءة وما ذهبوا إليه لا يلتفت إليه لأن هذه قراءة متواترة نقلها السلف واقتفى آثارهم فيها الخلف وقد نقل جماعة من أهل العربية انها لغة لكنه قل استعمالها ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع وأنشدوا للأغلب العجلي: شعر : قال لها هل لك يا تافي قالت له ما أنت بالمرضي تفسير : وما في بما أشركتموني مصدرية ومن قبل متعلق بأشركتموني أي كفرت اليوم بإِشراككم أياي من قبل هذا اليوم أي في الدنيا. {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الظاهر أنه من تمام كلام إبليس حكى الله عنه ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون تنبيهاً للسامعين على النظر في عاقبتهم والاستعداد لما بد منه وان يتصور في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم. {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} الآية، لما جمع الفريقين في قوله وبرزوا لله جميعاً وذكر شيئاً من أحوال الكفار ذكر ما آل إليه أمر المؤمنين من إدخالهم الجنة قال الزمخشري: فإِن قلت فبم يتعلق يعني بإِذن ربهم في القراءة الأخرى وقولك فأدخلهم أنا بإِذن ربهم كلام غير ملتئم. قلت الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: بإِذن ربهم بما بعده أي تحيتهم فيها سلام بإِذن ربهم يعني أن الملائكة يحيونهم بإِذن ربهم انتهى ظاهر كلامه أن بإِذن ربهم معمول لقوله تحيتهم ولذلك قال يعني ان الملائكة يحيونهم بإِذن ربهم وهذا لا يجوز لأن تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري والفعل عليه هو غير جائز وتقدم تفسير تحيتهم فيها سلام في أوائل يونس. {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} تقدم الكلام في ضرب مع المثل في أوائل البقرة فأغني عن إعادته والكلمة الطيبة بالشجرة لا إله إلا الله قاله ابن عباس. {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} يريد بالفرع أعلاها ورأسها وإن كان المشبه به ذا فروع فيكون من باب الاكتفاء بلفظ الجنس ومعنى في السماء في جهة العلو والصعود لا المظلة ولما شبهت الكلمة الطيبة كانت الكلمة أصلها ثابت في قلوب أهل الإِيمان وما يصدر عنها من الأفعال الزكية والأعمال الصالحة هو فرعها يصعد إلى السماء إلى الله تعالى كما قال إليه يصعد الكلم الطيب وما يترتب على ذلك العمل وهو ثواب الله تعالى هو جناها ووصف هذه الشجرة بأوصاف. الأول: قوله: طيبة كريمة المنبت والأصل في الشجرة لذيذة في المطعم. الثاني: رسوخ أصلها وذلك يدل على تمكنها وان الرياح لا تقصفها. الثالث: علو فرعها وذلك يدل على تمكن الشجرة ورسوخ عروقها وعلى بعدها من عفونات الأرض وعلى صفائها من الشوائب. الرابع: ديمومة وجود ثمرتها وحضورها في كل الأوقات والحين في اللغة قطعة من الزمان والكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر. والظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة إذا وجدت منها هذه الأوصاف ومعنى اجتثت أي اقتلعت جثتها بنزع الأصول وبقيت في غاية الوهي والضعف فيقلبها أقل ريح فالكافر يرى أن بيده شيئاً وهو لا يستقر ولا يغني عنه شيئاً. {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي استقرار، يقال: قرار الشىء اثبت ثباتاً وهذا النوع من المجاز هو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} [إبراهيم: 21] أي: خرجوا من القشور الفانية المحجبة الباقية جميعاً من الضعيف والقوي {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} وهم المتقلدة لأهل البدع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} أي: للمبتدعين الزائفين عن الحق والسنة {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} بالتقليد {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} [إبراهيم: 21] عذاب البعد والانقطاع عن الله {قَالُواْ} يعني: أهل البدع {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} إلى طريق أهل السنة والجماعة، وهو الطريق إلى الله وقربه {لَهَدَيْنَاكُمْ} إليه به يشير إلى أن الهداية والضلالة من نتائج لطف الله وقهره ليس إلى أحد من ذلك شيء، فمن شاء جعله ظهراً لصفات لطفه ومن شاء جعله مظهراً لصفات قهره {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ} في طلب النجاة من ورطة الهلاك وعذاب البعد {أَمْ صَبَرْنَا} انتظار الرحمة {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} للنجاة لأنه ضاع منا آلة النجاة وأوانها. {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} [إبراهيم: 22] من أمر أهل السعادة بالسعادة وأمر أهل الشقاوة بالشقاوة {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} وهو وعد وهو حق لأهل الحق {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} فيما وعدكم ربكم وهو تكذيب اللقاء والتلاقي وهو وعد {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي} فيما وعدتكم بالباطل لأني خلقت لهاذ، ولأني عدو مبين لكم وقد حذركم الله عداوتي {وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} بأن صدقتموني فيما كذبتم وكذبتم الله فيما قصدتكم، وذلك أن مقالتي كان ملائماً لهوى أنفسكم وكلام الحق مخالف لهواها، ومر على مذاق النفوس {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} مكافياً فيما صدقتموني {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} مكافياً في الإحسان فيما أسأت إليكم من كرامة الإنسانية {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} وآمنت بوحدانية الله حين لا ينفع نفساً إيمانها {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهو الشيطان ومتبعوه من الإنس والجن إن الشيطان وضع الدعوة إلى الباطل من غير موضعه، وأنهم وضعوا الاتباع في غير موضعه. {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [إبراهيم: 23] يشير إلى أن الإنسان إذا خلا إلى طبعه لا يؤمن ولا يعمل الصالحات ولا يدخل الجنة؛ لأنه خلق ظلوماً جهولاً لا كفاراً سفلي الطبع ونفسه {أية : لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53] وأدخله بفضله في الإيمان والأعمال الصالحة والحسنات {جَنَّاتٍ} القلوب {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} من ماء الحكمة {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: لعنايته فإن لم تكن العناية لا يبقى أحد في جنة القلب ساعة، كما لم يبقَ آدم عليه السلام في الجنة خالداً {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي: تحية أهل القلوب على أهل القلوب وأهل النفوس سلام فأما على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وأما على أهل النفوس سلام من قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. {أَلَمْ تَرَ} [إبراهيم: 24] ألم تشاهد بنور النبوة يا محمد {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} مناسباً للاستعداد الإنساني القابل لفيض نور الإلهية دون سائر مخلوقاته بقوله تعالى: {كَلِمَةً طَيِّبَةً} وهي كملة لا إله إلا الله وهي كلمة القديم وصفة وحدانيته وصورة أحديته {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} وهي شجرة طيبة عن لوث الحدوث مثمرة شواهد أنوار القدم {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الحضرة الألوهية فإنها صفة قائمة بذاته تعالى {وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} سماء القلوب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):