Verse. 1772 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَقَالَ الشَّيْطٰنُ لَمَّا قُضِيَ الْاَمْرُ اِنَّ اللہَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُّكُمْ فَاَخْلَفْتُكُمْ۝۰ۭ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطٰنٍ اِلَّاۗ اَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ۝۰ۚ فَلَا تَلُوْمُوْنِيْ وَلُوْمُوْۗا اَنْفُسَكُمْ۝۰ۭ مَاۗ اَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَاۗ اَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ۝۰ۭ اِنِّىْ كَفَرْتُ بِمَاۗ اَشْرَكْتُمُوْنِ مِنْ قَبْلُ۝۰ۭ اِنَّ الظّٰلِـمِيْنَ لَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۲۲
Waqala alshshaytanu lamma qudiya alamru inna Allaha waAAadakum waAAda alhaqqi wawaAAadtukum faakhlaftukum wama kana liya AAalaykum min sultanin illa an daAAawtukum faistajabtum lee fala taloomoonee waloomoo anfusakum ma ana bimusrikhikum wama antum bimusrikhiyya innee kafartu bima ashraktumooni min qablu inna alththalimeena lahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الشيطان» إبليس «لما قضي الأمر» وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واجتمعوا عليه «إن الله وعدكم وعد الحق» بالبعث والجزاء فصدقكم «ووعدتكم» أنه غير كائن «فأخلفتكم وما كان لي عليكم من» زائدة «سلطان» قوة وقدرة أقهركم على متابعتي «إلا» لكن «أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولموا أنفسكم» على إجابتي «ما أنا بمصرخكم» بمغيثكم «وما أنتم بمصرخيَِّ» بفتح الياء وكسرها «إني كفرت بما أشركتمون» بإشراككم إياي مع الله «من قبل» من الدنيا قال تعالى «إن الظالمين» الكافرين «لهم عذاب أليم» مؤلم.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس فقال تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ } وفي المراد بقوله: {لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ } وجوه: القول الأول: قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم في النار فيما بينهم خطيباً ويقول ما أخبر الله عنه بقوله: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ }. القول الثاني: أن المراد من قوله: {قُضِىَ ٱلأَمْرُ } لما انقضت المحاسبة، والقول الأول أولى، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة واستقرار الكافرين في النار، ثم يدوم الأمر بعد ذلك. والقول الثالث: وهو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار ويدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله: {لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ } ذلك الوقت، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة، ولا يحصل بعده إلا دوام ما حصل قبل ذلك، وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ مفرد فيتناول الواحد وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى، لا سيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول » تفسير : . أما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } ففيه مباحث: البحث الأول: المراد أن الله تعالى وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم، وتقرير الكلام أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال: { أية : وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [الأعلى: 17]. البحث الثاني: قوله: {وَعْدَ ٱلْحَقِّ } من باب إضافة الشيء إلى نفسه كقوله: { أية : حبَّ ٱلْحَصِيدِ } تفسير : [ق: 9] ومسجد الجامع على قول الكوفيين، والمعنى: وعدكم الوعد الحق، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق. ثم ذكر المصدر تأكيداً. البحث الثالث: في الآية إضمار من وجهين: الأول: أن التقدير إن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى. الثاني: أن في قوله: {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } الوعد يقتضي مفعولاً ثانياً وحذف ههنا للعلم به، والتقدير: ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب. أما قوله: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر فاقهركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني قال النحويون: ليس الدعاء من جنس السلطان فقوله: {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب، وقال الواحدي: إنه استثناء منقطع، أي لكن دعوتكم وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة «إلا» ههنا استثناء حقيقي، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة يكون بالقهر والقسر، وتارة يكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسلط، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وجوارحه، وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوام والحشوية، ثم قال: {فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة، وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب. وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء: الأول: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. الثاني: ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما تقول الحشوية والعوام. الثالث: أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم. أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به. وأجاب الخصم عنه: بأنه لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، وأيضاً فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد. ألا ترى أن قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } كلام حق وقوله: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } قول حق بدليل قوله تعالى: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } تفسير : [الحجر: 42]. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس. فإن قال قائل: بينوا لنا حقيقة الوسوسة. قلنا: الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيباً لازماً طبيعياً وبيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك، والإقدام والإحجام، فما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل، وذلك الميل هو الإرادة الجازمة، والقصد الجازم. ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا إلى الترك، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشيء ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له أو بكونه منافراً له أو بكونه غير ملائم ولا منافر، فإن حصل الشعور بكونه ملائماً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل وإن حصل الشعور بكونه منافراً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده، بل بقي الإنسان كما كان، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل. إذا عرفت هذا فنقول: صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيراً أو تصور كونه شراً أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيراً أو تصوراً كونه شراً عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه، فلم يبق للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئاً بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام، وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى } يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر ألبتة. بقي في هذا المقام سؤالان: السؤال الأول: كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه. والجواب: للناس في الملائكة والشياطين قولان: القول الأول: أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة: المتحيز، والحال في المتحيز، والذي لا يكون متحيزاً ولا حالاً فيه، وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة وإن كانت خبيثة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين. إذا عرفت هذا فنقول: فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسماً يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شيء من تلك الأرواح أنواعاً من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية، وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالاً ثانياً، وهو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع، فهي طوائف، وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية، وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة، وعدم المبالاة بأمر من الأمور، وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة، وكالفروع المتفرعة عليها، وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها، وهو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم واليقظة. والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعباً كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضاً على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها، ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام. وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين وكانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة، وذكر بعض العلماء أيضاً فيه احتمالاً ثالثاً، وهو أن النفوس البشرية والأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدناً لتلك النفس المفارقة، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن، ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبركات كان ذلك إلهاماً وإن كان في باب الشر كان وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعاً على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية والتحيز، والقول بالأرواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأما القول الثاني: وهو أن الملائكة والشياطين لا بد وأن تكون أجساماً فنقول: إن على هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة، بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة والله سبحانه ركبها تركيباً عجيباً وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد ألا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف، ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن، أليس أن جرم النار يسري في جرم الفحم، وماء الورد يسري في ورق الورد، ودهن السمسم يجري في جسم السمسم فكذا ههنا، فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن والشياطين أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل، وأن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة، ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول: الأحق والأولى أن يقال: الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور، والشياطين مخلوقون من الدخان واللهب، كما قال الله تعالى: { أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } تفسير : [الحجر: 27] وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم. السؤال الثاني: لم قال الشيطان: {فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } وهو أيضاً ملوم بسبب اقدامه على تلك الوسوسة الباطلة. والجواب: أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم ولوموا أنفسكم عليه، لأنكم عدلتم عما توجبه هداية الله تعالى لكم. ثم قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: بمغيثكم ولا منقذكم، قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث. يقال: صرخ فلان إذا استغاث وقال: واغوثاه وأصرحته أغثته. المسألة الثانية: قرأ حمزة: بمصرخي بكسر الياء. قال الواحدي: وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب. قال الفراء: ولعلها من وهم القراء فإنه قل من سلم منهم عن الوهم ولعله ظن أن الباء في قوله {بِمُصْرِخِىَّ } خافضة لجملة هذه الكلمة وهذا خطأ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك قال، ومما نرى أنهم وهموا فيه قوله: { أية : نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [النساء: 115] بجزم الهاء ظنوا والله أعلم أن الجزم في الهاء وهو خطأ، لأن الهاء في موضع نصب وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه، ومن النحويين من تكلف في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن، والله أعلم. ثم قال تعالى حكاية عنه: {إِنِّى كَفَرْتُ بِمآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: «ما» في قوله: {إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } فيه قولان: الأول: إنها مصدرية والمعنى: كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة، والمعنى: أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون إبليس شريكاً لله تعالى في تدبير هذا العالم وكفر به، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون الله في أعمال الخير وهذا هو المراد بالإشراك. والثاني: وهو قول الفراء أن المعنى أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم، والمعنى: أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله: (ما) في هذا الموضع «من» والقول هو الأول، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول، ويمكن أن يقال أيضاً الكلام منتظم على التفسير الثاني، والتقدير كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام. أما قوله: {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فالأظهر أنه كلام الله عز وجل وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام، ولا يبعد أيضاً أن يكون ذلك من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة والإغاثة، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ} أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنّة وأهل النار النار خطيباً في الأشقياء من الثقلين. {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} وعداً من حقه أن ينجزه أو وعداً أنجزه وهو الوعد بالبعث والجزاء. {وَوَعَدتُّكُمْ } وعد الباطل وهو أن ألا بعث ولا حساب وإن كانا فالأصنام تشفع لكم. {فَأَخْلَفْتُكُمْ } جعل تبين خلف وعده كالاخلاف منه. {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّنْ سُلْطَـٰنٍ } تسلط فألجئكم إلى الكفر والمعاصي. {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } إلا دعائي إياكم إليها بتسويلي وهو ليس من جنس السلطان ولكنه على طريقة قولهم:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً. {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى} أسرعتم إجابتي. {فَلاَ تَلُومُونِى } بوسوستي فإن من صرح العداوة لا يلام بأمثال ذلك. {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث أطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم، واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله وليس فيها ما يدل عليه، إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا. {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } بمغيثكم من العذاب. {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ} بمغيثي وقرأ حمزة بكسر الياء على الأصل في التقاء الساكنين، وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه. من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع أن حركة ياء الإضافة الفتح، فإذا لم تكسر وقبلها ألف فبالحري أن لا تكسر وقبلها ياء، أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراء لها مجرى الهاء والكاف في: ضربته، وأعطيتكه، وحذف الياء اكتفاء بالكسرة. {إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } «ما» إما مصدرية و {مِنْ } متعلقة بأشركتموني أي كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ }تفسير : [فاطر: 14] أو موصولة بمعنى من نحو ما في قولهم: سبحان ما سخركن لنا، و {مِنْ} متعلقة بـ {كَفَرْتُ } أي كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها من قبل إشراككم، حين رددت أمره بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام وأشرك منقول من شركت زيداً للتعدية إلى مفعول ثان. {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله تعالى وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لعنه الله يومئذ خطيباً ليزيدهم حزناً إلى حزنهم، وغبناً إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعداً حقاً وخبراً صدقاً، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كما قال الله تعالى: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء: 120]، ثم قال: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ} أي: ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه، ولا حجة فيما وعدتكم به {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى} بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم، فصرتم إلى ما أنتم فيه {فَلاَ تَلُومُونِى} اليوم {وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} فإن الذنب لكم؛ لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ} أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال {إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} قال قتادة: أي: بسبب ما أشركتموني من قبل، وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكاً لله عز وجل، وهذا الذي قاله هو الراجح؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف:5-6]، قال: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} تفسير : [مريم: 82]. وقوله: {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: في إعراضهم عن الحق، واتباعهم الباطل، لهم عذاب أليم، والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم، وهذا لفظه، وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا؟ فيقولون، انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي، فيشفعني، ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا، فيقوم، فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم نحيبهم {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}» تفسير : وهذا سياق ابن أبي حاتم، ورواه المبارك عن رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن نعيم، عن دخين عن عقبة به مرفوعاً. وقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله: لما قال أهل النار {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [إبراهيم: 21] قال لهم إبليس: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} الآية، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم، فنودوا: {أية : لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ}تفسير : [غافر: 10] وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس، يقول الله تعالى لعيسى بن مريم: {أية : أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116] إلى قوله: {أية : قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ} تفسير : [المائدة: 119] قال: ويقوم إبليس لعنه الله فيقول: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى} الآية. ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطيبهم إبليس، عطف بمآل السعداء، فقال: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} ماكثين أبداً، لا يحولون ولا يزولون {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ}، كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ} تفسير : [الزمر: 73]، وقال تعالى: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الرعد:23-24]، وقال تعالى: {أية : وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً} تفسير : [الفرقان: 75]، وقال تعالى: {أية : دَعْوَٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [يونس: 10].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ } إبليس {لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ } وأُدخِل أهل الجنة الجنة وأهلُ النارِ النارَ واجتمعوا عليه {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ } بالبعث والجزاء فصَدَقَكَم {وَوَعَدتُّكُمْ } أنه غير كائن {فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن } زائدة {سُلْطَٰنٍ } قوّة وقدرة أقهركم على متابعتي {إِلاَّ } لكن {أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } على إجابتي {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } بمغيثكم {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } بفتح الياء وكسرها {إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ } بإشراككم إياي مع الله {مِن قَبْلُ } في الدنيا قال تعالى {إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.

الماوردي

تفسير : قوله عزوجل:{وقال الشيطان لمّا قضي الأمر} يعني إبليس. قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. {إن الله وعدكم وعد الحق} يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعذاب العاصي. {ووعدتكم} أن، لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب. {فأخلفتكم وما كان لي عليكم مِن سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ}فيه وجهان: أحدهما: معناه ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجيَّ، قاله الربيع بن أنس. الثاني: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي، قاله مجاهد. والمصرخ: المغيث. والصارخ: المستغيث. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: شعر : فلا تجزعوا إنّي لكم غير مُصْرخ فليس لكم عندي غناءٌ ولا صبر تفسير : {إني كفرتُ بما أشركتمون مِن قبل} فيه وجهان: أحدهما: إني كفرت اليوم بما كنتم في الدنيا تدعونه لي من الشرك بالله تعالى، قاله ابن بحر. الثاني: إني كفرت قبلكم بما أشركتموني من بعد، لأن كفر إبليس قبل كفرهم. قوله عز وجل:{... تحيّتُهم فيها سلامٌ} فيها وجهان: أحدهما: أن تحية أهل الجنة إذا تلاقوا فيها السلامه، وهو قول الجمهور. الثاني: أن التحية ها هنا الملك، ومعناه أن ملكهم فيها دائم السلام، مأخوذ من قولهم في التشهد: التحيات لله، أي الملك لله، ذكره ابن شجرة. وفي المحيّي لهم بالسلام ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله تعالى يحييهم بالسلام. الثاني: أن الملائكة يحيونهم بالسلام. الثالث: أن بعضهم يحيي بعضاً بالسلام. وتشبيه الكلمة الطيبة بها لأنها ثابتة في القلب كثبوت أصل النخلة في الأرض، فإذا ظهرت عرجت إلى السماء كما يعلو فرع النخلة نحو السماء فكلما ذكرت نفعت، كما أن النخلة إذا أثمرت نفعت.

ابن عطية

تفسير : المراد هنا بـ {الشيطان} إبليس الأفذم نفسه، وروي في حديث عن النبي عليه السلام - من طريق عقبة بن عامر - أنه قال: "حديث : يقوم يوم القيامة خطيبان: أحدهما إبليس يقوم في الكفرة بهذه الألفاظ، والآخر عيسى ابن مريم يقوم بقوله: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} [المائدة: 117]تفسير : ، وقال بعض العلماء: يقوم إِبليس خطيب السوء، الصادق بهذه الآية. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الرواية يكون معنى قوله: {قضي الأمر} أي حصل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، وهو تأويل الطبري. قال القاضي أبو محمد: و {قضي} قد يعبر عنها في الأمور عن فعل كقوله تعالى: {أية : وقضي الأمر واستوت على الجودي} تفسير : [هود: 44] وقد يعبر بها عن عزم على أن يفعل، كقوله: {أية : قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} تفسير : [يوسف: 41]. و {الوعد} في هذه الآية على بابه في الخير، أي إن الله وعدهم النعيم إن آمنوا، ووعدهم إبليس الظفر والأمل إن كذبوا، ومعلوم اقتران وعد الله بوعيده، واتفق أن لم يتبعوا طلب وعد الله فوقعوا في وعيده، وجاء من ذلك كأن إبليس أخلفهم. والـ {سلطان} الحجة البينة، وقوله: {إلا أن دعوتكم} استثناء منقطع، و {أن} في موضع نصب، ويصح أن تكون في موضع رفع على معنى: إلا أن النائب عن السلطان، إن دعوتكم فيكون هذا في المعنى كقول الشاعر: [الوافر] شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : ومعنى قوله: {فاستجبتم لي} أي رأيتم ما دعوتكم إليه ببصيرتكم واعتقدتموه الرأي وأتى نظركم عليه. قال القاضي أبو محمد: وذكر بعض الناس أن هذا المكان يبطل منه التقليد، وفي هذه المقالة ضعف على احتمالها، والتقليد وإن كان باطلاً ففساده من غير هذا الموضع. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بـ "السلطان" في هذه الآية الغلبة والقدرة والملك، أي ما اضطررتكم ولا خوفتكم بقوة مني، بل عرضت عليكم شيئاً، فأتى رأيكم عليه. وقوله: {فلا تلوموني} يريد بزعمه إذ لا ذنب لي {ولوموا أنفسكم} في سوء نظركم وقلة تثبتكم فإنكم إنما أتيتم اتباعي عن بصيرة منكم وتكسب. و"المصرخ" المغيث، والصارخ: المستغيث. ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قطع الظنابيب تفسير : فيقال: صرخ الرجل، وأصرخ غيره، وأما الصريخ فهو مصدر بمنزلة البريح، ويوصف به، كما يقال: رجل عدل ونحوه. وقرأ حمزة والأعمش وابن وثاب "بمصرخي" بكسر الياء تشبيهاً لياء الإضمار بهاء الإضمار في قوله: مصرخيه، ورد الزجاج هذه القراءة، وقال ردية مرذولة، وقال فيها القاسم بن معن: إنها صواب، ووجهها أبو علي وحكى أبو حاتم: أن أبا عمرو حسنها، وأنكر أبو حاتم على أبي عمرو. وقوله: {بما أشركتمون} أي مع الله تعالى في الطاعة لي التي ينبغي أن يفرد الله بها، فـ "ما" مصدرية، وكأنه يقول: إني الآن كافر بإشراككم أيأي مع الله قبل هذا الوقت. قال القاضي أبو محمد: فهذا تبر منه، وقد قال الله تعالى: {أية : ويوم القيامة يكفرون بشرككم} تفسير : [فاطر: 14] ويحتمل أن يكون اللفظ إقراراً على نفسه بكفره الأقدم، فتكون "ما" بمعنى الذي، يريد الله تعالى، أي خطيئتي قبل خطيئتكم، فلا إصراخ عندي، وباقي الآية بين. وقرأ الجمهور "وأُدخلَ" على بناء الفعل للمفعول، وقرأ الحسن: "وأُدخِلُ" على فعل المتكلم، أي يقولها الله عز وجل، وقوله: {من تحتها} أي من تحت ما علا منها، كالغرف والمباني والأشجار وغيره. و"الخلود" في هذه الآية على بابه في الدوام، و"الإذن" هنا عبارة عن القضاء والإمضاء، وقوله: {تحيتهم} مصدر مضاف إلى الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول أي تحييهم الملائكة، وجائز أن يكون الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضاً. و {تحيتهم} رفع بالابتداء، و {سلام} ابتداء ثان، وخبره محذوف تقديره عليكم، والجملة خبر الأول، والجميع في موضع الحال من المضمرين في {خالدين} أو يكون صفة لـ {جنات}.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَالَ الشَّيْطَانُ} يقوم إبليس خطيباً يوم القيامة فيسمعه الخلائق جميعاً {قُضِىَ الأَمْرُ} بحصول أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. {وَعْدَ الْحَقِّ} الجنة والنار والبعث والثواب والعقاب. {وَوَعَدتُكُمْ} بأن لا بعث ولا ثواب ولا عقاب {بِمُصْرِخِىَّ} بمنجي أو بمغيثي {إِنِّى كَفَرْتُ} قبلكم {بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ} من بعدي لأن كفره قبل كفرهم.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ } حكم بالجنة والنار لأهليهما وفرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ورُوي أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً. على منبر من نار فيقول لأهل النار {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ } وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {وَوَعَدتُّكُمْ } بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء {فَأَخْلَفْتُكُمْ } كذبتكم {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } من تسلط واقتدار {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني والاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السلطان {فَٱسْتَجَبْتُمْ} فأسرعتم إجابتي {فَلاَ تَلُومُونِي } لأن من تجرد للعداوة لا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح مع أن الرحمن قد قال لكم: {أية : لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ تفسير : { [الأعراف: 27] {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان وقول المعتزلة هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين باطل لقوله: لو هدانا الله أي إلى الإيمان{أية : لهديناكم}تفسير : [إبراهيم: 21] كما مر {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ الإغاثة {بمصرخيِّ} حمزة اتباعاً للخاء غيره بفتح الياء لئلا تجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين وهو جمع مصرخ فالياء الأولى يا الجمع والثانية ضمير المتكلم {إِنّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ } وبالياء بصري و«ما» مصدرية {مِن قَبْلُ } متعلق بـ {أشركتموني} أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا كقوله {أية : ويوم القيامة يكفرون بشرككم}تفسير : [فاطر: 14] ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له كقوله: {أية : أَنَاْ بَرَاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ }تفسير : [الممتحنة: 4] أو من قبل متعلق {بكفرت} و«ما» موصولة أي كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل. تقول: أشركني فلان أي جعلني له شريكاً، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وهذا آخر قول الشيطان وقوله: {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قول الله عز وجل. وقيل: هو من تمام إبليس وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفاً للسامعين .

الثعالبي

تفسير : وقوله عزَّ وجلَّ: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ }: المراد هنا بـــ «الشَّيْطَان» إِبليسُ الأَقْدَمُ، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من طريق عُقْبَة بنِ عَامِرٍ، أَنه قال: يقوم يومَ القيَامَةِ خَطيبَان؛ أَحدهما: إِبليسْ يقوم في الكَفَرة بهذه الأَلْفَاظِ، والثاني: عيسَى ابنُ مَرْيَمَ يقومُ بقوله: { أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ... } تفسير : الآية [المائدة:117]، وروي في حديث؛ أنَّ إِبليس إِنما يقوم بهذه الألفاظ في النَّار علَى أهلها عند قولهم: { أية : مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } تفسير : [إبراهيم:21] في الآية المتقدِّمة؛ فعلى هذه الرواية، يكون معنى قوله: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ }، أي: حصل أهْلُ النار في النَّار، وأهْلُ الجنة في الجنة، وهو تأويلُ الطبريِّ. وقوله: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ}: أي: من حجة بيِّنة، و{إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ}؛ ٱستثناءٌ منقطعٌ، ويحتملُ أنْ يريد بـــ «السُّلْطان» في هذه الآية: الغلبة والقُدْرة والمُلْك، أي: ما ٱضْطَررتُكُم، ولا خوَّفتكم بقُوَّة منِّي، بلْ عرضْتُ عليكم شيئاً فأَتَى رأْيُكُمْ عليه. وقوله: {فَلاَ تَلُومُونِي}: يريد: بزعمه؛ إِذ لا ذَنْبَ لي، {وَلُومُواْ أَنفُسَكُم}، أي: في سوء نَظَركم في ٱتِّباعي، وقلَّةِ تثبُّتكم؛ {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ }: «المُصْرِخُ»: المغيث، والصَّارِخُ: المستغيث، وأما الصَّريخ، فهو مصدَرٌ بمنزلة البَريح، وقوله: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ}: «ما» مصدريةٌ، وكأنه يقول: إِني الآن كافرٌ بإِشراككم إِيَّايَ مع اللَّه قَبْلَ هذا الوَقْتِ، فهذا تَبَرٍّ منه، وقد قال تعالى: { أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } تفسير : [فاطر:14]. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}: «الإِذن»؛ هنا: عبارةٌ عن القضاء والإِمضاء.

البقاعي

تفسير : ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: {وقال} أول المتبوعين في الضلال {الشيطان} الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ببعده واحتراقه {لما قضي الأمر} بتعين قوم للجنة وقوم للنار، جواباً لقول الأتباع مذعناً حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمناً حيث فات نفع الإيمان: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {وعدكم وعد الحق} بأن أرسل إليكم رسلاً وأنزل معهم براهين وكتباً أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين، وبشر من أجاب، وحذر من أبى، بما هو قادر أتم القدرة، فكل ما قاله طابقه الواقع - كما ترون - فصدقكم فيه ووفى لكم {ووعدتكم} أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد الباطل {فأخلفتكم} فلم أقل شيئاً إلا كان زيغاً، فاتبعتموني مع كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم؛ فالآية من الاحتباك: ذكر { وعد الحق} أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، و {أخلفتكم} ثانياً دليلاً على حذف "صدقكم" أولاً. ولما بين غروره، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: {وما كان} لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان {لي عليكم} وأبلغ في النفي فقال: {من سلطان} أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء {إلا أن} أي بأن {دعوتكم} بالوسوسة التي كانت سبباً لتقوية دواعيكم إلى الشر {فاستجبتم} أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها، راغب فيها {لي} محكمين الشهوات، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من الظلام السادّ لها، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى، وساقه على صورة الاستثناء - وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء - لأن السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه، وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان مبين، مع تهديدهم بما هو قادر على عليه وضربهم ببعضه، وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه {فلا} أي فاذ قد تقرر هذا تسبب عنه أني أقول لكم: لا {تلوموني ولوموا أنفسكم} لأنكم مؤاخذون بكسبكم، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير، وعلم منه قطعاً أن كلاًّ منا مشغول عن صاحبه بما جزي به، فعلم أني {ما أنا بمصرخكم} أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه {وما أنتم بمصرخي} فيما يخصني منه لتقطع الأسباب، بما دهى من العذاب، ثم علل ذلك بقوله: {إني كفرت} مستهيناً {بما أشركتمون} أي باتخاذكم لي شريكاً مع الله. ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان، أتى بالجار فقال: {من قبل} لأن ذلك ظلم عظيم، ثم علل هذه العلة بقوله: {إن الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف {لهم عذاب أليم *} مكتوب لكم منهم مقداره، لا يغني أحد منهم عن الآخر شيئاً، بل كل مقصور على ما قدر له، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض اليد. ولما ذكر الظالمين. أتبعه ذكر المؤمنين، فقال بانياً للمفعول لأن الدخول هو المقصود بالذات: {وأدخل} والإدخال: النقل إلى محيط - هذا أصله {الذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان {وعملوا الصالحات} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {جنات تجري} وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار فقال: {من تحتها الأنهار} فهي لا تزال ريّاً، لا يسقط ورقها ولا ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلاً {خالدين فيها}. ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال: {بإذن ربهم} الذي أذن لهم - بتربيته وأحسانه - في الخروج من الظلمات إلى النور، وقرىء "وأدخل" على التكلم فيكون عدل عن أن يقول "بإذني" إلى {بإذن ربهم} للإعلام بالصفة المقتضية للرحمة كما قال تعالى{ أية : إنا أعطيناك الكوثر* فصل لربك} تفسير : [الكوثر:1-2] ولم يقل: لنا - سواء، ومن شكله{ أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله} تفسير : [الفتح:1-2] فلا تنبغي المسارعة إلى إنكار شي يمكن توجيهه، بل يتعين إمعان النظر، فإن الأمر كما قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في توجيه{ أية : لما يهبط من خشية الله} تفسير : [البقرة:74] أن كلام العرب لمن عرفه - ومن الذي يعرفه؟ - ألطف من السحر، وأنقى ساحى من مشوف الفكر، وأشد تساقطاً بعضاً على بعض، وأمسّ تسانداً نفلاً إلى فرض {تحيتهم} أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم؛ والتحية: التلقي بالكرامة في المخاطبة، فهي إظهار شرف المخاطب {فيها سلام *} أي عافية وسلامة وبقاء، وقول من كل منهم للآخر: أدام الله سلامتك، ونحو هذا من الإخبار بدوام العافية، كما أن حال أهل الباطل في النار عطب وآلام.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف، عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين وقضى بينهم وفرغ من القضاء، يقول المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا وفرغ من القضاء، فمن يشفع لنا إلى ربنا؟ فيقولون: آدم، خلقه الله بيده وكلمه. فيأتونه فيقولون: قد قضى ربنا وفرغ من القضاء، قم أنت فاشفع إلى ربنا. فيقول: ائتوا نوحاً، فيأتون نوحاً عليه السلام فيدلهم على إبراهيم عليه السلام، فيأتون إبراهيم عليه السلام فيدلهم على موسى عليه السلام، فيأتون موسى عليه السلام فيدلهم على عيسى عليه السلام، فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: أدلكم على العربي الأمي، فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط... حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي. ويقول الكافرون عند ذلك: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، ما هو إلا إبليس... فهو الذي أضلنا. فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم إبليس فيثور مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم لجهنم ويقول عند ذلك {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم...}" تفسير : الآية. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي - رضي الله عنه - في قوله {وقال الشيطان لما قضي الأمر ...} الآية. قال: قام إبليس يخطبهم فقال {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ...} إلى قوله {ما أنا بمصرخكم ...} يقول: بمغن عنكم شيئاً {وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل} قال: فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم فنودوا {أية : لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم}تفسير : [غافر: 10] الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن - رضي الله عنه - قال: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيباً على منبر من نار فقال {إن الله وعدكم وعد الحق ...} إلى قوله {وما أنتم بمصرخي} قال: بناصري {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} قال: بطاعتكم إياي في الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الشعبي - رضي الله عنه - في هذه الآية، قال: خطيبان يقومان يوم القيامة، إبليس وعيسى ابن مريم، فاما إبليس، فيقوم في حزبه فيقول هذا القول. وأما عيسى عليه السلام فيقول {أية : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} تفسير : [المائدة: 117]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: إن من الناس، من يذللـه الشيطان كما يذلل أحدكم قعوده من الإِبل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ} قال: ما أنا بنافعكم وما أنتم بنافعي {إني كفرت بما اشركتمون من قبل} قال: شركة عبادته. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {ما أنا بمصرخكم} قال: ما أنا بمغيثكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله: {بمصرخيّ} قال: بمغيثيّ. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} يقول: عصيت الله فيكم.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ} الذي أضل كِلا الفريقين واستتْبعَهما عندما عتَباه بما قاله الأتباعُ للمستكبرين {لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ} أي أُحكم وفُرغ منه، وهو الحسابُ ودخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النارَ خطيباً في محفِل الأشقياء من الثقلين {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ} أي وعداً من حقه أن يُنجَز فأنجزه، أو وعداً أنجزه وهو الوعدُ بالبعث والجزاء {وَوَعَدتُّكُمْ} أي وعْدَ الباطلِ وهو أن لا بعثَ ولا جزاء، ولئن كان فالأصنامُ شفعاؤُكم ولم يصرِّح ببطلانه لما دل عليه قولُه: {فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي موعدي على حذف المفعولِ الثاني أي نقضتُه، جَعل خُلفَ وعده كالإخلاف منه كأنه كان قادراً على إنجازه وأنّىٰ له ذلك {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ} أي تسلّطٍ أو حجةٍ تدل على صدقي {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} إلا دعائي إياكم إليه وتسويلُه، وهو وإن لم يكن من باب السلطان لكنه أبرزه في مبروزه على طريقة شعر : [وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ] تحيةٌ بـينِهم ضربٌ وجيع تفسير : مبالغةً في نفي السلطان عن نفسه كأنه قال: إنما يكون لي عليكم سلطانٌ إذا كان مجردُ الدعاء من بابه، ويجوز كونُ الاستثناء منقطعاً {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى} فأسرعتم إجابتي {فَلاَ تَلُومُونِى} بوعدي إياكم حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر والإلجاءِ كما يدل عليه الفاء، وقرىء بالياء على وجه الالتفاتِ كما في قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22] {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} حيث استجبتم لي باختياركم حين دعوتُكم بلا حجةٍ ولا دليل بمجرد تزيـينٍ وتسويل ولم تستجيبوا ربكم إذْ دعاكم دعوةَ الحق المقرونةَ بالبـينات والحجج، وليس مرادُه التنصّلَ عن توجه اللائمةِ إليه بالمرة بل بـيانُ أنهم أحقُّ بها منه وليس فيه دَلالةٌ على استقلال العبدِ في أفعاله كما زعمت المعتزلة، بل يكفي في ذلك أن يكون لقدرته الكاسبةِ التي عليها يدور فلكُ التكليف مدخلٌ فيه، فإنه سبحانه إنما يخلُق أفعالَه حسبما يختاره وعليه تترتب السعادةُ والشقاوة، وما قيل من أنه يستدعي أن يقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإن الله قضى عليكم الكفرَ وأجبركم عليه مبنيٌّ على عدم الفرق بـين مذهب أهلِ الحقِّ وبـين مسلك الجبرية {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي بمُغيثكم مما أنتم فيه من العذاب {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ} مما أنا فيه، وإنما تعرّض لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمالِ مبالغةً في بـيان عدم إصراخِه إياهم وإيذاناً بأنه أيضاً مبتلىً بما ابتُلوا به ومحتاجٌ إلى الإصراخ فكيف من إصراخِ الغير، ولذلك آثرَ الجملةَ الاسميةَ فكأن ما مضى كان جواباً منه عن توبـيخهم وتقريعِهم، وهذا جوابٌ عن استغاثتهم واستعانِتهم به في استدفاع ما دهِمهم من العذاب وقرىء بكسر الياء. {إِنّى كَفَرْتُ} اليوم {بِمَا أشْرَكتمون مِن قَبْلُ} أي بإشراككم إياي بمعنى تبرأتُ منه واستنكرتُه كقوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} تفسير : [فاطر: 14] يعني أن إشراكَكم لي بالله سبحانه هو الذي يَطمِعكم في نُصرتي لكم بأن كان لكم عليّ حقٌّ حيث جعلتموني معبوداً وكنت أوَد ذلك وأرغب فيه، فاليوم كفرتُ بذلك ولم أحمَدُه ولم أقبله منكم بل تبرأتُ منه ومنكم فلم يبقَ بـيني وبـينكم علاقةٌ، أو كفرتُ من قبل حين أبـيتُ السجودَ لآدمَ بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى كما في قوله: سبحان ما سخرّكن لنا، فيكون تعليلاً لعدم إصراخِه فإن الكافرَ بالله سبحانه بمعزل من الإغاثة والإعانة سواءٌ كان ذلك بالمدافعة أو الشفاعة، وأما جعلُه تعليلاً لعدم إصراخِهم إياه فلا وجهَ له إذ لا احتمالَ له حتى يُحتاج إلى التعليل، ولأن تعليلَ عدم إصراخِهم بكفره يوهم أنهم بسبـيل من ذلك لولا المانعُ من جهته. {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تتمةُ كلامِه، أو ابتداءُ كلامٍ من جهة الله عز وجل وفي حكاية أمثالِه لطفٌ للسامعين وإيقاظٌ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبّروا عواقبَهم.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [الآية: 22]. قال محمد بن حامد: النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على الدوام، ورضى عنها بحال من الأحوال فقد أهلكها. قال بعضهم: لا تلومونى، فإنى لم أجبركم على المعاصى وإنما دعوتكم فأجبتم لى، فلوموا أنفسكم: لإجابة دعائى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} اخبر الحق عن كمال شرك ابليس حيث نسى الله بنعت اسقاط قدرة كل قادر غيرة فى مقام المواخذة بقوله فلا تلومونى ولوموا انفسكم فسقوط النظر عن نفسه مع رؤية الغير فى البين شرك ولو كان فى مقام على حد تحقيق التوحيد ما لام احد اولا نفسه وما راى فى البين غير الله الا ترى الى قول الواسطى من لام نفسه فقد اشرك ومقام الملامة مقام المريدين لاموا انفسهم بميلها الى هواها وتكاسلها عن عبادة خالقها وذلك === من طريق الايمان والارادة ليرغبوها الى المجاهدة والرياضة والندامة على ما سلف من تقصيرها فى عباده بها لا من طريق المعرفة والتوحيد وافراد القدم عن الحدوث لان هناك تسقط الوسائط وتندرس الرسوم وتنطمس طرق الاسباب قال محمد بن حامد النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على الدوام ورضى عنها فى حال من الاحوال فقد اهلكها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الشيطان} الذى اضل الضعفاء والمستكبرين {لما قضى الامر} اى احكم وفرغ منه وهو الحساب ودخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار اوامر اهل السعادة بالسعادة وامر اهل الشقاوة بالشقاوة. قال الكاشفى {تمامت دوزخيان مجتمع شده زبان ملامت بر ابليس دراز كنند ابليس برمنبر آتشين برآيد وكويد باشقياء انس كه اى ملامت كنندكان] {ان الله وعدكم وعد الحق} [وعده راست ودرست كه حشر وجزا خواهد بود] فوفى لكم بما وعدكم {ووعدتكم} اى وعد الباطل وهو ان لا بعث ولا حساب ولئن كان فالاصنام شفعاؤكم ولم يصرح ببطلانه لما دل عليه قوله {فاخلفتكم} اى موعدى على حذف المفعول الثانى اى نقضته والاخلاف حقيقة هو عدم انجاز من يقدر على انجاز وعده وليس الشيطان كذلك فقوله اخلفتكم يكون مجازا جعل تبين خلف وعده كالاخلاف منه كأنه كان قادرا على انجازه وانى له ذلك [يعنى امروز ظاهر شدكه من دروغ كفته بودم] {وما كان لى عليكم من سلطان} اى تسلط وقهر فالجئكم الى الكفر والمعاصى. قال فى بحر العلوم لقائل ان يقول قول الشيطان هذا مخالف لقوله الله انما سلطانه على الذين يتولونه فما حكم قول الشيطان احق هوام باطل على انه لا طائل تحته فى النطق بالباطل فى ذلك المقام انتهى. يقول الفقير جوابه ان نفى السلطان بمعنى القهر والغلبة لا ينافى اثباته بمعنى الدعوة والتزيين فالشيطان ليس له سلطان بالمعنى الاول على المؤمنين والكافرين جميعا وله ذلك بالمعنى الثانى على الكفار فقط كما دل عليه قوله تعالى {أية : انما سلطانه على الذين يتولونه} تفسير : واما المؤمنون وهم اولياء الله فيتولون الله بالطاعة فهم خارجون عن دائرة الاتباع بوسوسته اذ هو يجرى فى عالم الصفات وهو عالم الافعال واما عالم الذات فيخلص للمؤمن فأنى للشيطان سبيل اليه ولو كان لآمن فافهم هداك الله {الا ان دعوتكم} الا دعائى اياكم الى طاعتى بوسوسة وتزيين وهو ليس من جنس السلطان والولاية فى الحقيقة {فاستجبتم لى {اجبتم لى طوعا} واختيارا {فلا تلومونى} فيما وعدتكم بالباطل لانى خلقت لهذا ولانى عدو مبين لكم وقد حذركم الله عداوتى كما قال {أية : لا تعبدوا الشيطان} تفسير : لا يفتننكم الشيطان ومن تجرد للعداوة لا يلام اذا دعا الى امر قبيح {ولوموا انفسكم} يعنى باختياركم المعصية وحبكم لها صدقتمونى فيما كذبتكم وكذبتم الله فيما صدقكم وذلك لان مقالى كان ملائما لهوى انفسكم وكلام الحق مخالف لهواها ومر على مزاق النفوس اى فانتم احق باللوم منى {ما انا بمصرخكم} بمغيثكم مما انتم فيه من العذاب {وما انتم بمصرخى} مما انا فيه يعنى لا ينجى بعضنا بعضا من عذاب الله والا صراخ الاغاثة والمصرخ بالفارسية [فرياد رس] وانما تعرض لذلك مع انه لم يكن فى حيز الاحتمال مبالغة فى بيان عدم اصراخه اياهم وايذانا بانه ايضا مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج الى الاصراخ فكيف من اصراخ الغير {انى كفرت} اليوم {بما اشركتمون} باشراككم اياى الله فى الطاعة. وبالفارسية [بانجه شريك مى كرديد مرا باخداى تعالى درفرمان بردارى] {من قبل} اى قبل هذا اليوم اى فى الدنيا بمعنى تبرأت منه واستنكرته [يعنى بيزاز شدم از شرك شما]. قال فى الارشاد يعنى ان اشراككم لى بالله هو الذى يطمعكم فى نصرتى لكم بان كان لكم على حق حث جعلتمونى معبودا وكنت اودّ ذلك وارغب فيه فاليوم كفرت بذلك ولم احمده ولم اقبله منكم بل تبرأت منه ومنكم فلم يبق بينى وبينكم علاقة {ان الظالمين لهم عذاب اليم} تتمة كلامه اوابتداء كلام من الله تعالى. والظالمون هم الشيطان ومتبعوه من الانس لان الشيطان وضع الدعوة الى الباطل فى غر موضعها وانهم وضعوا الاتباع فى غير موضعه وفى حكاية امثاله لطف للسامعين وايقاظ لهم حتى يحاسبوا انفسهم ويتدبروا عواقبهم شعر : هركه نقص خويش راديد وشناخت اندرا استكمال خودده اسب تاخت هركه آخر بين تر او مسعود تر هركه آخور بين تر او مبعود تر تفسير : ثم اخبر عن حال المؤمنين ومآلهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إلا أن دعوتُكم): الاستثناء منقطع، ويجوز الاتصال، و(بما أشركتمون): مصدرية، أو موصولة اسمية، و(من قبل): يتعلق بأشركتمون، وعلى الثاني: بكفرت. يقول الحق جل جلاله: {وقال الشيطانُ}، أي إبليس الأقدم {لمَّا قُضِي الأمرُ} أي: أمر الحساب، وفرغ منه، ودخل أهل الجنةِ الجنة، وأهلُ النارِ النارَ. رُوي أنه يُنصب له منبر من نار، فيقوم خطيباً في النار على أهل النار، يعني على الأشقياء من الثقَلين، فيقول في خطبته: {إن الله وعدكم وعدَ الحق}، أي: وعداً حقاً أنجزه لكم، وهو وعد البعث والجزاء، {ووعدتكم} وعد الباطل، وهو: ألاَّ بعث ولا حساب، وإن كان واقعاً شيء من ذلك فالأصنام تشفع لكم، {فأخْلَفتكم}، أي: فظهر خلاف ما وعدتكم، جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه، مجازاً. {وما كان لِيَ عليكم من سلطان}؛ من تسلط، فألجئكم إلى الكفر والمعاصي، {إلا أن دعوتُكم}؛ إلا دعائي إياكم بتسويل وتزيين، {فاستجبْتمْ لِي}، وهو ليس من جنس التسلط، لكنه تهكم بهم، على طريقة قوله: شعر : تَحِيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، أي: ما تسلطت عليكم بالقهر، لكن دعوتكم فأسرعتم إجابتي، {فلا تلوموني}؛ فإنَّ من اشتهر بالعداوة لا يُلام على أمثال ذلك، {ولُوموا أنفسكم}؛ حيث أطعتموني حين دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم. ولا حجة للمعتزلة في الآية على أن العبد يخلق أفعاله؛ لأن كسب العبد مقدر في ظاهر الأمر، لقيام عالم الحكمة، وهو رداء لعالم القدرة، فالقدرة تبرز، والحكمة تستر، وهو ما يظهر من اختيار العبد، ولا اختيار له في الحقيقة؛ قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} تفسير : [الأنعام: 112] {أية : {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ}}تفسير : [الإنسان: 30، التكوير: 29]. ثم قال لهم: {ما أنا بمُصْرخِكُم} : بمغيثكم من العذاب، {وما أنتم بمُصْرخِيَّ}: بمغيثي، {إني كفرت بما أشركتمونِ من قبلُ}، أي: إني كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم في دار الدنيا، بمعنى: تبرأت منه واستنكرته، كقوله تعالى {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} تفسير : [فاطر: 14]. أو: أني كفرت بالله الذي أشركتموني معه في طاعته من قبل، حين امتنعْت من السجود. والأول أظهر. قال تعالى: {إنَّ الظالمين لهم عذابٌ أليم}. ويحتمل أن يكون من تتمة خطبة الشيطان، قال البيضاوي: وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين، وإيقاظ لهم، حتى يُحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. هـ. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد الصالح الناصح لنفسه ان تصغي بسمع قلبك إلى هذه المقالة، التي تصدر من الشيطان عند فوات الأوان، فتبادر إلى خلاص نفسك ما دمت في قيد حياتك، قبل حلول رمسك، قبل أن تزل بك القدم، حيث لا ينفعك الندم، فتحاسب نفسك، وتتدبر في عواقب أمرك، وتصحح عقائد توحيدك، وتعمل جهدك في طاعة ربك، وتجتنب مواقع غرور الشيطان، وتعتمد على فضل الكريم المنان، وتجعل الموت نصب عينيك، وما هو مستقبل تجعله حاصلاً، وما هو متوقع تجعله واقعاً؛ فكل ما هو آت قريب، و{أية : إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [الأنعام: 134]. وفي الحِكَم: "لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة عليها". وبالله التوفيق. ثمَّ تشفع بأضداد من غرهم الشيطان

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة وحده {بمصرخيّ} بكسر الياء. الباقون بفتحها. قال ابو علي: قال الفراء - في كتابه في التصريف: قرأ به الاعمش، ويحيى ابن وثاب، قال وزعم القاسم بن معن أنه صواب، وكان ثقة بصيراً، وزعم قطرب أنه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الاضافة ياء وانشد: شعر : ماض اذا ما همّ بالمضيّ قال لها هل لك يا ماميّ تفسير : وانشد ذلك الفراء، وقال الزجاج: هذا الشعر لا يلتفت اليه، ولا هو مما يعرف قائله، قال الرماني: الكسر لا يجوز عند اكثر النحويين، واجازه الفراء على ضعف، قال ابو علي: وجه جوازه من القياس أن الياء ليست تخلو: أن تكون في موضع نصب او جر، فالياء في النصب والجر كالهاء في (هما) وكالكاف في اكرمتك وهذا لك، فكما ان (الهاء) قد لحقتها الزيادة في هداكه وضربه، ولحق الكاف الزيادة في قولهم اعطيتكه او اعطيتكاه فيما حكاه سيبويه، وهما اختا الياء كذلك ألحقوا الياء الزيادة، فقالوا: فيِّ، ثم حذفت الياء الزيادة على الياء، كما حذفت الزيادة من (الهاء) في قول من قال: له أرقان. قال ابو الحسن هي لغة، فكما حذفت الزيادة من الكاف، فقال في (اعطيتكيه، اعطيتكه) كذلك حذفت الياء اللاحقة الياء، كما حذفت من اختيها، وأقرت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة، وكما لحقت الكاف والهاء الزيادة، كذلك لحقت الياء الزيادة، فلحاق الياء الزيادة نحو ما أنشد من قول الشاعر: شعر : رميتيه فأصميت وما أخطأت الرمية تفسير : فاذا كانت هذه الكسرة في الياء على هذه اللغة. وإِن كان غيرها أفشى منها. وعضده من القياس ما ذكرنا لم يجز لقائل ان يقول: إِن قراءة القراء بذلك لحن يجوز، لاستقامة ذلك سماعاً وقياساً. اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الشيطان يوم القيامة يقول لأوليائه الذين اتبعوه: {إن الله وعدكم وعد الحق} من الثواب والعقاب {ووعدتكم} انا بالخلاص من العقاب بارتكاب المعاصي، وقد خالفت وعدي {وما كان لي عليكم من سلطان} اي لم يكن لي عليكم حجة، ولا برهان اكثر من ان دعوتكم الى الضلال وأغويتكم، فأجبتموني واتبعتموني {فلا تلوموني} في ذلك {ولوموا أنفسكم} بارتكاب المعاصي وخلافكم الله وترككم ما امركم به {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} يقال: استصرخني فأصرخته، اي استغاثني فأغثته، فالاصراخ الاغاثة. والمعنى ما انا بمغيثكم وما انتم بمغيثيّ {إِني كفرت بما اشركتموني من قبل} حكاية عن قول الشيطان لأوليائه انه يقول لهم {إني كفرت} بشرككم بالله ومتابعتكم لي قبل هذا اليوم. ثم اخبر تعالى {إِن الظالمين} الكافرين {لهم عذاب اليم} مؤلم شديد الالم، ويصح ان يلوم الانسان نفسه على الاساءة، كما يصح حمدها على الاحسان قال الشاعر: شعر : صحبتك إِذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها تفسير : قال الجبائي: وفي الآية دلالة على ان الشيطان لا يقدر على الاضرار بالإنسان اكثر من إِغوائه ودعائه الى المعاصي، فأما بغير ذلك فلا يقدر عليه، لأنه اخبر بذلك، ويجب ان يكون صادقاً، لأن الآخرة لا يقع فيها من احد قبيح لكونهم ملجئين الى تركه.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} اى امر الدّنيا، {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} انّ الله بلسان مظهر محمّد (ص) وعلىّ (ع) وعدكم وعد الحقّ {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} تسلّط واجبار {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} استثناء منقطع اى دعوتكم وزيّنت لكم الكفر والعصيان {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي} فانّى كنت عدوّاً لكم وما كان عداوتى مخفيّة عليكم ومن قبل قول العدو يلام، وعلى انّ المدعوّ الى الشّرّ او الى ما لا يعلم ضرّه ونفعه ملوم فى اجابته {وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} اى تبرّأت من اشراككم ايّاى بالله فى الطّاعة او اشراككم ايّاى بعلىّ (ع) فى الولاية {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} من تتمّة كلامه او استيناف من الله وحكاية امثال هذه انّما هى للتّنبيه على انّ اهل الدّنيا فى الحقيقة هم اهل النّار لانّهم كلّما اتّفقوا على امر ولا يقضون منه مرامهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرّء بعضهم من بعض ويرمى بذلك الامر بعضهم بعضاً.

الهواري

تفسير : {وَقالَ الشَّيْطَانُ } يعني إبليس { لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} أي: لما حكم وفصل بين العباد، وقضي بينهم بالقسط، فأبان الله أهل الجنة من أهل النار، قام إبليس خطيباً بإذن الله، وبئس الخطيب، يريد الله بذلك توبيخ أهل النار، فيسمع الخلق كلهم فقال: { إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ} أي: وعدكم الجنة على التّمسك بدينه، والحفظ لحدوده {وَوَعَدتُّكُمْ} أنا { فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} أستكرهكم به { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} أي: بالوسوسة { فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أي: ما أنا بمغيثكم من عذاب الله { وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ} أي: بمغيثي من عذاب الله {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي: في الدنيا أي: عصيت الله قبلكم. وقال بعضهم: {بِمَا أشْرَكْتُمُونِ} أي: مع الله في الطاعة لي في الشرك به. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا إلى ربنا. قالوا: فانطلِقوا إلى آدم عليه السلام، فإنه أبونا، وخلقه الله بيده وكلمه. فيأتونه ويكلمونه أن يشفع لهم، فيقول آدم: عليكم بنوح. فيأتون نوحاً، فيدلّهم على إبراهيم عليه السلام. ثم يأتون إبراهيم فيدلّهم على موسى عليه السلام، ثم يأتون موسى فيدلّهم على عيسى، صلى الله عليه، ثم يأتون عيسى فيقول: أدلكم على النبي الأمّيّ محمد صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والرسل، فيأذن الله لي أن أقوم. فأثني عليه، وأقوم فيفور من مجلسي أطيب ريح شمّها أحد، حتى أقوم المقام المحمود الذي وعدني ربي أن أقومه، وأسأل ربي الشفاعة للمؤمنين فيشفّعني، ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون عند هذا: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيفور من مجلسه أنتن ريح شمّها أحد ثم يعظهم بجهنم، ويقول عند ذلك {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ...} تفسير : إلى آخر الآية. قوله: { إِنَّ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الشَّيْطَٰنُ} إِبليس خطيبا فى أشقياء الإِنس والجن قيل يسمع خطبته كل أحد {لَمَّا قُضِىَ الأَمْرُ} فرغ منه بأن دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة وقد اجتمع بالأَشقياء فى النار روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أنه يقوم بهذه الأَلفاظ التى ذكر الله سبحانه عنه خطيبا فى النار على أهلها عدد قولهم ما لنا من محيص"تفسير : ، وظاهر رواية عقبة بن عامر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال "حديث : يقوم يوم القيامة خطيبان أحدهما إِبليس يقوم فى الكفرة بهذه الأَلفاظ والثانى عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ يقوم بقوله ما قلت لهم إِلا ما أمرتنى به" تفسير : الآية إِنه يقول تلك الأَلفاظ قبل دخول النار ويجمع بينهما بأَن المراد بيوم القيامة ما يعم قبل الدخول وما بعده وزعم مقاتل أنه يوضع منبر فيجتمع له أهل النار فيقول ما ذكر الله جل وعلا عنه بقوله {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} وعدا صادقا حقيقا بالوفاء وهو الوعد بالبعث والجزاء فيوفى به {وَوَعَدتُّكُمْ} وعدا باطلا كاذبا وهو أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار وإِن كانا شفعت لكم الأَصنام {فَأَخْلَفْتُكُمْ} سمى ظهور خلاف ما وعدهم اختلافا منه على طريق التجوز أو أرهم فى هذا الوقت أنه فى وقت الوعد فمعتقد للوفاء وقادر عليه لكنه أخلفهم وهذا على طريق الكذب فإِنه فى وقت الوعد عالم بأَنه لا طاقة له بالوفاء {وَمَا كَانَ لِىَ} وفتح الياء حفص {عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} قوة قهرتكم بها على الكفر والمعاصى كالعصى والسيف والإِحراق والسجن فالاستثناء فى قوله {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} منقطع وإِن مصدرية أى الادعاء فى إِياكم أو الكفر والمعاصى بالوسوسة والتزيين ويجوز أن يكون متصلا بطريق الادعاء وإِن دعاءك إِياه جملة فى مكان السلطان وكأَنه من جنسه أى إِن كان الدعاء من جنس السلطان فقد اقتصرت عليه كقولك قرى الكافر رمح وتحيته ضرب عنقه بالسيف والأول أظهر فكأَنه قال لكن دعوتكم إلى الكفر والمعاصى {فَاسْتَجَبْتُمْ} أجبتم {لِى} دعائى قبل أن تنظروا فى دلائل الرسل بلا مهلة {فَلاَ تَلُومُونِى} على دعائى إِياكم فإِن من أظهر العداوة لا يلام على مثل ذلك وقرئ فلا يلومونى بالتحتية على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة {وَلُومُوا أنفُسَكُم} إِذا اتبعتمونى تقليدا أو عصيتم ربكم مع دلائله وبراهينه والحق عندنا معشر الاّباضية والشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى مكسوبة لنا فمن حيث أنها مكسوبة لنا قال إِبليس ـ لعنه الله تعالى ـ للأشقياء لوموا أنفسكم أى إذ كسبتم باختياركم ما يوجب الشقاوة فبكل قول المعتزلة أن الآية دليل على أن العبد مستقل بأَفعاله وليس قولنا بأَنها مخلوقة لله تعالى قولا بالجبر، بل هى كسب لنا وليس كلام الزمخشرى نصا فى الاستقلال فإِن حاصله أن الإِنسان يختار الشقاوة والسعادة ويحصلها لنفسه أى يختار موجبها ويحصله وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين وأنه لو كان مجتبرا لقال فلا تلومونى ولأنفسكم فإِن الله قضى عليكم الكفر، وأجبركم عليه وأنه لو كان قول الشيطان فى ذلك باطلا لبينه الله تعالى وأنكره بل لا طائل له فى النطق بالباطل فى ذلك المقام ألا تروا أنه حذف فى قوله أن الله وعدكم وعد الحق الخ انتهى بل يحتمل مذهبنا {مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} مغيثكم من العذاب {وَمَآ أنتُم بِمُصْرِخِىَّ} قال أبو عمرو الدانى قول حمزة بكسر الباء وهو لغة حكاها الفراء وقطرب وأجاز عمرو والباقون بفتحها انتهى وكذا قال أبو حيان: أنه لغة وبها قرأ يحيى بن وثاب والأَعمش، ووجه الكسر أنه قدر أن باء الإضافة ساكنة وقبلها ياء الجمع ساكنة فكسر ياء الإِضافة على أصل التخلص من التقاء الساكنين وذلك ضعيف لأَن حركة ياء الإِضافة الفتح ولو بعد الأَلف على الأَفصح فكيف بعد الباء والاجتماع ياءين وثلاث كسرات وليس الساكن الذى هو حرف صحيح واقع قبل ياء الإضافة بأَولى من ياء ساكنة قبلها فى ذلك فضلا عما قد يقال إن الباء الأُولى جارية مجرى الجر والصحيح الساكن لإِدغامها فساغ كسر الياء بعدها على الأَصل، ويجوز أن يكون ذلك على لغة من يزيد ياء بعد ياء الإِضافة فحذفت لئلا تجتمع ثلاث ياءات ودلت عليها الكسر كما تزاد ياء بعد كاف المؤنث وتاء وألف بعد كاف المذكر فى لغة {إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} ما مصدرية ومن متعلقة بأَشرك أى كفرت بإِشراككم إِياى بالله فى الطاعة من قبل هذا اليوم فى الدنيا ومعنى الكفر بإِشراكهم التبرؤ منه واستنكاره أو ما اسم موصول مستعمل للعالم كما قيل فى والسماء وما بناها ومن متعلقه بكفر أى كفرت بالله الذى أشركتمونيه بطاعتكم إِياى فيما أدعوكم إِليه من عبادة غير الله من قبل إِشراككم حين أمرنى بالسجود لآدم فامتنعت، وعليه فالرابط محذوف هو هاء كما رأيت وتعدى أشرك لاثنين بإِدخال همزة التعدية، تقول شرك زيد خالدا وأشركته إِياى أى جعلته شريكا له وأثبت أبو عمرو الياء فى أشركتمونى فى الوصل {إِنَّ الظَّالِمِينَ} المشركين والمنافقين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هذا من كلام الله جل جلاله ويحتمل أن يكون تتمة لكلام اللعين إبليس وإِنما حكى الله سبحانه وتعالى كلامه الذى سيقوله لتقشعر عنه قلوب الناس فيستعدوا لذلك الوقت ويحاسبوا أنفسهم. روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أنه إِذا فرغ الله من القضاء بين الخلق قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا إِلى ربنا قالوا انطلقوا إِلى آدم فذكر أن كل من آتوه من الأَنبياء ردهم للآخر قال ويأتون عيسى فيقول أدلكم على النبى الأُمى فيأتونى فيأذن الله لى أفأثنى عليه فأَقوم فيفور من مجلسى أطيب ريح شمها أحد وأسأَل ربى الشفاعة فيشفعنى ويجعل لى نورا من شعر رأسى إِلى ظهر قدمى ويقول الكافرون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إِلا إبليس هو الذى أضلنا فيَأتونه فيقولون قد وجد المؤمنون من شفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم فيفور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم جهنم ويقول عند ذلك إن الله وعدكم وعد الحق" تفسير : الآية ذكره الشيخ هود ـ رحمه الله ـ مبسوطا بلا مسند وذكره البغوى بسند عن عقبة بن عامر ويأتى كلام فى ذلك إِن شاء الله فى تفسير المقام المحمود.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الشَّيْطَانُ} إِبليس لأَهل النار فيها {لَمَّا قُضِىَ الأَمْرُ} حوسب المكلفون من الثقلين وأُدخل أَهل الجنة الجنة، وأَهل النار النار، واجتمعوا عليه فيها، وقد وضع له منبر من النار فيها ليخطبهم فعاتبوه على إِغوائِه إِياهم وسأَلوه أَن يشفع لهم بإِزالة عذابهم أَلبتة، أَو يعذب مكانهم؛ لأَنه هو الذى أَضلهم {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} بالبعث للجزاءِ بالثواب على العمل الصالح والتقوى، ولم يخلفكم، وحذف لعملهم به معاينة، وبقوله: فأَخلفتكم، والحق ضد الباطل، لأَنه وعد أُنجز ومن شأْنه الإِنجاز ضد وعد الشيطان، أَو الوعد الحق فأُضيف الموصوف للصفة، أَو وعد الله فوضع الظاهر موضع المضمر، أَوالوعد البعث والجزاء {وَوَعَدتُّكُمْ} وعد الباطل بتحليل المحرمات، وتحريم المحللات، وبأَنه لا بعث ولا ثواب ولا عقاب، وإِن كان ذلك شفعت لكم الأَصنام {فأَخْلَفْتُكُمْ} وعدى، تبين لكم إِخلافى بمشاهدة البعث وما بعده، شبه ظهور الإِخلاف بالإِخلاف، ووجه الشبه انتفاءُ ترتب الموعود به، ولا استعارة فى وعدتكم لأَنه لا يشترط فى لفظ الوعد الصدق، والداعى إِلى الاستعارة أَن الإِخلاف إِنما هو فيما يسعه مقدرة الواعد، أَو ذكر الإِخلاف بدل مسببه وهو ظهوره {ومَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ} ما كان لى عليكم قوة أَقهركم بها على المعاصى والشرك {إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ} إِليها بالكذب والتزيين، والمصدر بدل من سلطان، والاستثناءُ متصل، على أَنه عد الوسوسة قاهرة، وإِن لم يعدها إِذ لم تكن شنقا أَو خنقا أَو نحوه فهو منقطع، وأَولى من ذلك أَن تعد الوسوسة سلطانا على طريق تأْكيد الشىءِ بضده فإٍنه لا يشترط المدح والذم، وقد مر هذا فى قوله عز وجل: "أية : كباسط كفيه إِلى الماءِ"تفسير : [الرعد: 14] وقد يكون مع ذلك تهكم من إِبليس عليهم، ولو كان الحال لا يرتضيه، ولكن لفرط غفلتهم تهكم عليهم بأَن الوسوسة قهر، وذلك كله جائِز أَيضا إِذا فسرنا السلطان بالحجة والبينة {فَاسْتَجَبْتُمْ لِى} بالغتم فى إِجابتى بالسرعة، فإٍن الاستجابة أَبلغ من الإِجابة؛ لأَنه على صيغة الطلب، والإِسراع فى الشىءِ إِنما يكون لكونه مطلوبا، والإِسراع من لوزام الطلب، ولو كان طلب الإِنسان من نفسه، والفاءُ للاتصال وهو مبالغة أَيضا - {فَلاَ تَلُومُونِى} على إِضلالكم لأَنها ما كانت إِلا بالكذب والتزيين {وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} على إِهمال عقولكم الصحيحة عن التدبر وعن النظر فيما جعل الله لكم من الدلائِل، قيل: على وثوقكم بى مع تصريحى لكم بالعداوة، وفيه أَنه لم يصرح لهم، وإِن أُريد قوله - عز جل -: " أية : لأَقعدن لهم" تفسير : [الأعراف: 16]و " أية : لأُزينن لهم" تفسير : [الحجر: 39] "أية : ولأَغوينهم"تفسير : [الحجر: 39] الآيات لم يتم؛ لأَنهم لم يسمعوا حين قال، ولم يؤمنوا بالقرآن الذاكر ذلك عنه والعياذ بالله منه، نعم لم يؤمنوا بالقرآن فيتدبروها {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} بمجيب صريخكم أَى صياحكم إلى مستغيثين، وهو اسم فاعل أَصرخ بهمزة السلب، أَى لا أُزيل صراخكم بالإِجابة والاستغاثة {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِىَّ} مثل ما ذكر، والحاصل لا أُغيثكم ولا تغيثوننى، وذلك إِقناط كل من معاونة أَهل النار بعضهم بعضا، وهو جمع حذفت نونه للإِضافة فأُدغمت ياؤه فى ياءِ المتكلم {إِنِّى كَفَرْتُ} الآن {بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} بإِشراككم إِياى مع الله فى الدنيا بالعبادة لى بترك ما أَمر الله به وفعل ما نهى عنه وبعبادة الأَصنام فإِنها للشيطان إِذ أَمر بها والله نهى عنها، أَو شبه انقيادهم إلى عبادته إِذ أِمرهم بها بالإشراك فى العبادة، فاستعار له لفظ الإشراك، تركت ذلك كله الآن، وقلت: لا إله إلا الله، وما جاءَت به الرسل حق من الله، وهنا انتهت خطبته فى جهنم على منبر فيها نارى، وفى هذا المنبر وخطبته لهم بما ذكر زيادة تغييظ وإِقناط، والمشهور ما ذكر القرطبى أَنهم يقولون: اشفع لنا فإِنك خطبته فى قوله: {إِنَّ الظََالِمينَ} الكافرين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ} اليوم فى النار، وهو داخل فى الظالمين، وعلى أَنه من كلام الله يكون المعنى: لهم عذاب أَليم إِذا جاءَ يوم القيامة، وأَجاز بعض أَن تكون ما بمعنى الله نحو: سبحان ما سخركن لنا، أَى كفرت قبلكم بالله الذى أشر كتمونيه إِذ لم أَسجد لآدم، ويجوز جعلها مصدرية فى المثال على حذف مضاف أَى سبحن مسخركن لنا أَى ذى تسخيركن لنا، وكأَنه قال: كيف تطمئنون إلى وأَنا أَول عاص، ومعنى أشركتمونيه جعلتمونى شريكه، ونكتة التعبير بذكر الإِشراك التلويح إِلى وصف، أَى بالمعبود الذى لا معبود بحق سواه.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ} الذي أضل كلا الفريقين واستتبعهما عندما عتباه وقرعاه على نمط ما قاله الأتباع للرؤساء {لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ } أي/ أحكم وفرغ منه وهو الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خطيباً في محفل الأشقياء من الثقلين. أخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة قام إبليس خطيباً على منبر من نار فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ} إلى آخره، وعن مقاتل أن الكفار يجتمعون عليه في النار باللائمة فيرقى منبراً من نار فيقول ذلك، وفي بعض الآثار ما هو ظاهر في أن هذا في الموقف، فقد أخرج الطبراني وابن المبارك في "الزهد" وابن جرير وابن عساكر لكن بسند ضعيف من حديث عقبة بن عامر يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن الكفار حين يروا شفاعة النبـي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين يأتون إبليس فيقولون له قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد فيقول ما قص الله تعالى»تفسير : . ومعنى {وَعْدَ ٱلْحَقِّ} وعداً من حقه أن ينجز أو وعداً نجز وهو الوعد بالبعث والجزاء، وقيل: أراد بالحق ما هو صفته تعالى أي أن الله تعالى وعدكم وعده الذي لا يخلف، والظاهر أنه صفة الوعد، وفي الآية على الأول إيجاز أي أن الله سبحانه وعدكم وعد الحق فوفاكم وأنجزكم ذلك {وَوَعَدتُّكُمْ } وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا حساب ولئن كانا فالأصنام تشفع لكم {فَأَخْلَفْتُكُمْ} موعدي أي لم يتحقق ما أخبرتكم به وظهر كذبه، وقد استعير الإخلاف لذلك ولو جعل مشاكلة لصح. {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } أي تسلط أو حجة تدل على صدقي {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة، وهذا وإن لم يكن من جنس السلطان حقيقة لكنه أبرزه في مبرزه وجعله منه ادعاء فلذا كان الاستثناء متصلاً، وهو من تأكيد الشيء بضده كقوله:شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : وهو من التهكم لا من باب الاستعارة أو التشبيه أو غيرهما على ما حقق في موضعه، فإن لم يعتبر فيه التهكم والادعاء يكون الاستثناء منقطعاً على حد قوله:شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : وإلى الانقطاع ذهب أبو حيان وقال: إنه الظاهر، وجوز الإمام القول بالاتصال من غير اعتبار الادعاء؛ ووجه ذلك بأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه وذلك بإلقاء الوسواس إليه وهذا نوع من أنواع التسلط فكأنه قال: ما كان لي تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب ونحوه {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } أي أسرعتم إجابتي كما يؤذن بذلك الفاء، وقيل: يستفاد الإسراع من السين لأن الاستجابة وإن كانت بمعنى الإجابة لكن عد ذلك من التجريد وأنهم كأنهم طلبوا ذلك من أنفسهم فيقتضي السرعة وفيه بعد. {فَلاَ تَلُومُونِى } بوعدي إياكم حيث لم يكن على طريق القسر والإلجاء كما يدل عليه الفاء، وقيل: بوسوستي فإن من صرح بالعداوة وقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16] لا يلام بأمثال ذلك. وقرىء {فَلا يلوموني} بالياء على الالتفات {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} حيث استجبتم لي باختباركم الناشيء عن سوء استعدادكم حين دعوتكم بلا حجة ولا دليل بل بمجرد تزيين وتسويل ولم تستجيبوا لربكم إذ دعاكم دعوة الحق المقرونة بالبينات والحجج، وليس مراد اللعين التنصل عن توجه اللائمة إليه بالمرة بل بيان أنهم أحق بها منه. وفي «الكشاف» أن في هذه الآية دليلاً على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة والسعادة/ ويحصلهما لنفسه وليس من الله تعالى إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله تعالى قد قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وليس قوله المحكي باطلاً لا يصح التعلق به وإلا لبين الله سبحانه بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل [له] في النطق بالباطل في ذلك المقام، ألا ترى كيف أتى بالصدق الذي لا ريب فيه في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ } إلى آخره. وقوله: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ } إلى آخره اهـ. واعترض قوله: وإلا لبين سبحانه بطلانه بأنه ينقلب عليه في قول المستكبرين {أية : لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 21] إذ لم يعقب بالبطلان على وجه التوريك الذي ادعاه، وكذلك قوله: على أنه لا طائل إلى آخره. والجواب أن الأول غير متعين لذلك الوجه كما سمعت، ومع ذلك قد عقب بالبطلان في مواضع عديدة، ويكفي حكاية الكذب عنهم في ذلك الموطن، وذلك في الموطن على توهم أنه نافع كما حكى الله تعالى عنهم، أما بعد قضاء الأمر ودخول أهل الجنة الجنة والنار النار فلا يتوهم لذلك طائل البتة؛ لا سيما والشيطان لا غرض له في ذلك فافترقا قائلاً وموطناً وحكماً، بل الجواب أن أهل الحق لا ينكرون توجه اللائمة عليهم وأن الله تعالى مقدس عن ذلك وحجته البالغة وقضاؤه سبحانه الحق، حيث أثبتوا للعبد القدرة الكاسبة التي يدور عليها فلك التكليف وجعلوا لها مدخلاً في ذلك فإنه سبحانه إنما يخلق أفعاله حسبما يختاره، وسلبهم التأثير الذاتي عن قدرته لا ينفي اللوم عنهم كما بين في محله، وما ذكره من أنه لو كان الأمر إلى آخره مبني على عدم الفرق بين مذهب أهل الحق الملقبين عنده بالمجبرة وبين مسلك المجبرة في الحقيقة والفرق مثل الصبح ظاهر. هذا واستدل بظاهر الآية على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان أو تعويج أعضائه وجوارحه أو على إزالة عقله لأنه نفى أن يكون له تسلط إلا بالوسوسة. وأجاب من زعم القدرة على نحو ذلك بأن المقصود في الآية نفي أن يكون له تسلط في أمر الإضلال إلا بمحض الوسوسة لا نفي أن يكون له تسلط أصلاً والسياق أدل قرينة على ذلك. وانتزع بعضهم من الآية إبطال التقليد في الاعتقاد، قال ابن الفرس: وهو انتزاع حسن لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه ولم يطلبوا منه برهاناً فحكى ذلك متضمناً لذمهم، ثم الظاهر أن هذه الدعوة من الشيطان ـ أعني إبليس ـ بلا واسطة، وهي إن كانت في وقت واحد لمتعددين مما يعسر تصوره، ولا يبعد أن يقال: إن له أعواناً يفعلون كما يفعل لكن لما كان ذلك بأمره تصدى وحده لما تصدى ونسبت الدعوة إليه، وللإمام الرازي في الآية كلام طويل ساقه لبيان كيفية الدعوة وإلقاء الشيطان الوسوسة في قلب الإنسان، وأكثره عند المحدثين والسلف الصالحين أشبه شيء بوساوس الشياطين، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ذلك بعون الله تعالى القادر المالك. {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، يقال: استصرخني فأصرخته أي استغاثني فأغثته، وأصله من الصراخ وهو مد الصوت، والهمزة للسلب كأن المغيث يزيل صراخ المستغيث. {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } مما أنا فيه، وفي تعرضه لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمال مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم وإيذان بأنه أيضاً مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف له بإصراخ الغير ولذلك آثر الجملة الاسمية، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، وكذا يقال في التأكيد فكان ما مضى جواباً منه عن توبيخهم وتقريعهم وهذا جواب استغاثتهم واستعانتهم به في دفع ما دهمهم من العذاب. وقرأ يحيـى بن وثاب والأعمش/ وحمزة {بمصرخي } بكسر الياء على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وذلك أن الأصل بمصرخين لي فأضيف وحذفت نون الجمع للإضافة فالتقت ياء الجمع الساكنة وياء المتكلم والأصل فيها السكوت فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت. وطعن في هذه القراءة كثير من النحاة، قال الفراء: لعلها من زعم القراء فإنه قل من سلم منهم من الوهم. وقال أبو عبيد نراهم غلطوا، وقال الأخفش: ما سمعت هذا الكسر من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين، وقال الزجاج: إنها عند الجميع رديئة مرذولة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال الزمخشري: هي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:شعر : قال لها هل لك يا تافي قالت له ما أنت بالمرضي تفسير : وكأنهم قدروا ياء الإضافة ساكنة فحركوها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف نحو عصاي فما بالها وقبلها ياء والقول بأنه جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل ذهاب إلى القياس وهو قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات اهـ. وقد قلَّد هؤلاء الطاغين جماعة، وقد وهموا طعناً وتقليداً فإن القراءة متواترة عن السلف والخلف فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة، وقد نقل جماعة من العلماء أنها لغة لكنه قل استعمالها. ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع فإنهم يكسرون ياء المتكلم إذا كان قبلها ياء أخرى ويصلونها بها كعليه ولديه، وقد يكتفون بالكسرة وذلك لغة أهل الموصل وكثير من الناس اليوم، وقد حسنها أبو عمرو وهو إمام لغة وإمام نحو وإمام قراءة وعربـيّ صحيح، ورووا بيت النابغة:شعر : عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب تفسير : بكسر ياء ـ على ـ فيه، وأنشدوا لذلك أيضاً البيت السابق وهو للأغلب العجلي، وجهل الزمخشري به كالزجاج لا يلتفت إليه، وقوله: إن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة إلى آخره مردود بأنه روى سكون الياء بعد الألف، وقرأ به القراء في {محياي} [الأنعام: 162] وما ذكره أيضاً قياس مع الفارق فإنه لا يلزم من كسرها مع الياء المجانسة للكسرة كسرها مع الألف الغير المجانسة لها ولذا فتحت بعدها للمجانسة وكون الأصل في هذه الياء الفتح في كل موضع غير مسلم كيف وهي من المبنيات والأصل في المبنى أن يبني على السكون ومن الناس من وجه القراءة بأنها على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراءً لها مجرى هاء الضمير وكافة، فإن الهاء قد توصل بالواو إذا كانت مضمومة كهذا لهو وضربهو، وبالياء إذا كانت مكسورة نحو بهى، والكاف قد تلحقها الزيادة فيقال أعطيتكاه وأعطيتكيه إلا أنه حذفت الياء هنا اكتفاءً بالكسرة. وقال البصير: كسر الياء ليكون طبقاً لكسر الهمزة في قوله: {إِنّى كَفَرْتُ } لأنه أراد الوصل دون الوقف والابتداء بذلك والكسر أدل على الوصل من الفتح وفيه نظر، وبالجملة لا ريب في صحة تلك القراءة وهي لغة فصيحة، وقد روي أنه تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث بدء الوحي وشرح حاله عليه الصلاة والسلام لورقة بن نوفل رضي الله تعالى عنه فإنكارها محض جهالة، وأراد بقوله: {إِنّى كَفَرْتُ } إني كفرت اليوم {بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا اليوم ـ يعني في الدنيا ـ. / و {مَا } مصدرية و {مِنْ } متعلقة بأشركتموني أي كفرت بإرشراككم إياي لله تعالى في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله تعالى أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه، والكفر مجاز عن التبري كما في قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } تفسير : [فاطر: 14] ومراد اللعين أنه إن كان إشراككم لي بالله تعالى هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم وخيل إليكم أن لكم حقاً علي فإني تبرأت من ذلك ولم أحمده فلم يبق بيني وبينكم علاقة، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر فيكون الكلام محمولاً على إنشاء التبري منهم يوم القيامة. وجوز النسفي أن يكون إخباراً عن أنه تبرأ منهم في الدنيا فيكون {مِن قَبْلُ } متعلقاً ـ بكفرت ـ أو متنازعاً فيه. وجوز غير واحد أن تكون {مَا } موصولة بمعنى من كما قيل في قولهم: سبحانه ما سخركن لنا، والعائد محذوف و {مِن قَبْلُ } متعلق ـ بكفرت ـ أي إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتمونيه أي جعلتموني شريكاً له بالطاعة وهو الله عز وجل، فأشرك منقول من شركت زيداً للتعدية إلى مفعول ثان، والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره وبيان لأن خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه فهو في المعنى تعليل لعدم إصراخه إياهم. وزعم الإمام أنه لنفي تأثير الوسوسة كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله: {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } إلى آخره ولا يظهر لتأخيره نكتة يهش لها الخاطر. ومنهم من جعله تعليلاً لعدم إصراخهم إياه وهو مما لا وجه له إذ لا احتمال لذلك حتى يحتاج إلى التعليل، وقيل: لأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته. واعترض بأن نحو هذا الإيهام جار في الوجه الأول وهم الكفرة الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين. وتعقب في «البحر» القول بالموصولية بأن فيه إطلاق {مَا } على الله تعالى والأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم، و {مَا } في سبحان ما سخركن يجوز أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخيركن لنا. وقال الطيبـي: إن {مَا } لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه والمثال على ذلك أي سبحان العظيم الشأن الذي سخركن للرجال مع مكركن وكيدكن، وكون {مَا } موصولة عبارة عن الصنم أي إني كفرت بالصنم الذي إشركتمونيه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الظاهر أنه من تمام كلام إبليس قطعاً لأطماع الكفار من الإغاثة والإعانة، وحكى الله تعالى عنه ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون تنبيهاً للسامعين وحثاً لهم على النظر في عاقبتهم والاستعداد لما لا بد منه وأن يتصوروا ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول فيخافوا ويعملوا ما ينفعهم هناك، وقيل: إنه من كلام الخزنة يوم ذاك، وقيل: إنه ابتداء كلام من جهته تعالى، وأيد بأنه قرأ الحسن وعمرو بن عبيد {أدخل} في قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ...}.

ابن عاشور

تفسير : أفضت مجادلة الضعفاء وسادتهم في تغريرهم بالضلالة إلى نطق مصدر الضلالة وهو الشيطان؛ إما لأنهم بعد أن اعتذر إليهم كبراؤهم بالحرمان من الهدى علموا أن سبب إضلالهم هو الشيطان لأن نفي الاهتداء يرادفه الضلال، وإما لأن المستكبرين انتقلوا من الاعتذار للضعفاء إلى ملامة الشيطان الموسوس لهم ما أوجب ضلالهم، وكل ذلك بعلم يقع في نفوسهم كالوجدان. على أن قوله: {فلا تلوموني} يظهر منه أنه توجه إليه ملام صريح، ويحتمل أنه توقّعه فدفعه قبل وقوعه وأنه يتوجه إليه بطريقة التعريض، فجملة {وقال الشيطان} عطف على جملة {فقال الضعفاء}. والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا حذرهم بدفاع وسواسه لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان مليء بإضماره الشر لا لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من كيده لهم وسخريته بهم، فيورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم من قِبَله. وذلك أصل عظيم في الموعظة والتربية. ومعنى {قضي الأمر} تُمّم الشأن، أي إذن الله وحكمه. ومعنى إتمامه: ظهوره، وهو أمره تعالى بتمييز أهل الضلالة وأهل الهداية، قال تعالى: { أية : وامتازوا اليوم أيها المجرمون } تفسير : [سورة يس: 59]، وذلك بتوجيه كل فريق إلى مقره الذي استحقه بعمله، فيتصدى الشيطان للتخفيف عن الملام عن نفسه بتشريك الذين أضلهم معه في تبعة ضلالهم، وقد أنطقه الله بذلك لإعلان الحق، وشهادة عليهم بأن لهم كسباً في اختيار الانصياع إلى دعوة الضلال دون دعوة الحق. فهذا شبيه شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وقولها لهم: {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} إظهاراً للحقيقة وتسجيلاً على أهل الضلالة وقمعاً لسفسطتهم. وأخبر الله بها الناس استقصاء في الإبلاغ ليحيط الناس علماً بكل ما سيحل بهم، وإيقاظاً لهم ليتأملوا الحقائق الخفية فتصبح بينة واضحة. فقول الشيطان {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} إبطال لإفراده باللوم أو لابتداء توجيه الملام إليه في حين أنهم أجدر باللوم أو بابتداء توجيهه. وأما وقع كلام الشيطان من نفوس الذين خاطبهم فهو موقع الحسرة من نفوسهم زيادة في عذاب النفس. وإضافة {وعد} إلى {الحق} من إضافة الموصوف إلى الصفة مبالغة في الاتصاف، أي الوعد الحق الذي لانقض له. والحق: هنا بمعنى الصدق والوفاء بالموعود به. وضده: الإخلاف، ولذلك قال: {ووعدتكم فأخلفتكم} [سورة إبراهيم: 22]، أي كذبتُ موعدي. وشمل وعد الحق جميع ما وعدهم الله بالقرآن على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. وشمل الخُلْف جميعَ ما كان يعدهم الشيطان على لسان أوليائه وما يعدهم إلا غرورا. والسلطان: اسم مصدر تسلط عليه، أي غلبه وقهره، أي لم أكن مجبراً لكم على اتباعي فيما أمرتكم. والاستثناء في {إلا أن دعوتكم} استثناء منقطع لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما قبله. فالمعنى: لكني دعوتكم فاستجبتم لي. وتفرع على ذلك {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم}. والمقصود: لوموا أنفسكم، أي إذ قبلتم إشارتي ودعوتي. وقد تقدم بيانه صدْرَ الكلام على الآية. ومجموع الجملتين يفيد معنى القصر، كأنه قال: فلا تلوموا إلاّ أنفسكم، وهو في معنى قصر قلب بالنسبة إلى إفراده باللوم وحقهم التشريك فقلب اعتقادهم إفراده دون اعتبار الشركة، وهذا من نادر معاني القصر الإضافي، وهو مبني على اعتبار أجدر الطرفين بالرد، وهو طرف اعتقاد العكس بحيث صار التشريك كالملغى لأن الحظ الأوفر لأحد الشريكين. وجملة {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي}، بيان لجملة النهي عن لَومه لأن لومه فيه تعريض بأنهم يتطلبون منه حيلة لنجاتهم، فنفي ذلك عن نفسه بعد أن نهاهم عن أن يلوموه. والإصراخ: الإغاثة، اشتق من الصُراخ لأن المستغيث يصرخ بأعلى صوته، فقيل: أصرخه، إذا أجاب صُراخه، كما قالوا: أعتبه، إذا قبل استعتابه. وأما عطف {وما أنتم بمصرخي} فالمقصود منه استقصاء عدم غناء أحدهما عن الآخر. وقرأ الجمهور {بِمُصرِخيَّ} بفتح التحتية مشددةً. وأصله بمصرخِيــــيَ بياءين أولاهما ياء جمع المذكر المجرور، وثانيتهما ياء المتكلم، وحقها السكون فلما التقت الياءان ساكنتين وقع التخلص من التقاء الساكنين بالفتحة لخفة الفتحة. وقرأ حمزة وخلَف «بِمُصرِخيِّ» ــــ بكسر الياء ــــ تخلصاً من التقاء الساكنين بالكسرة لأن الكسر هو أصل التخلص من التقاء الساكنين. قال الفراء: تحريك الياء بالكسر لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، إلا أن كسر ياء المتكلم في مثله نادر. وأنشد في تنظير هذا التخلص بالكسر قول الأغلب العِجْلي: شعر : قال لها هل لكِ يا تَا فيَّ قالت له: ما أنتَ بالمرضيِّ تفسير : أراد هل لكِ فيّ يا هذه. وقال أبو علي الفارسي: زعم قطرب أنها لغة بني يربوع. وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أجاز الكسر. واتفق الجميع على أن التخلص بالفتحة في مثله أشهر من التخلص بالكسرة وإن كان التخلص بالكسرة هو القياس، وقد أثبته سند قراءة حمزة. وقد تحامل عليه الزجاج وتبعه الزمخشري وسبقهما في ذلك أبو عُبيد والأخفش بن سعيد وابن النحاس ولم يطلع الزجاج والزمخشري على نسبة ذلك البيت للأغلب العِجلي. والذي يظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يَربوع من تميم، وبنو عِجل بن لُجيم من بكر بن وائل، فقرأوا بلهجتهم أخذاً بالرخصة للقبائل أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه » تفسير : كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير، ثم نسخت تلك الرخصة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الأعوام الأخيرة من حياته المباركة ولم يثبت مما ينسخها في هذه الآية. واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف الإمام. وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة هذه كما علمت آنفاً فقصارى أمرها أنها تتنزل منزلة ما ينطق به أحد فصحاء العرب على لغة بعض قبائلها بحيث لو قرىء بها في الصلاة لصحت عند مالك وأصحابه. وجملة {إنى كفرت بما أشركتمون من قبل} استئنافُ تَنَصُّل آخر من تبعات عبادتهم إياه قصد منه دفع زيادة العذاب عنه بإظهار الخضوع لله تعالى. وأراد بقوله: {كفرتُ} شدة التبري من إشراكهم إياه في العبادة فإن أراد من مضي {كفرت} مضي الأزمنة كلها، أي كنت غير راضٍ بإشراككم إياي فهو كذب منه أظهر به التذلل؛ وإن كان مراده من المضي إنشاء عدم الرضى بإشراكهم إياه فهو ندامة بمنزلة التوبة حيث لا يقبل متاب. و{من قبل} على التقديرين متعلق بــــ {أشركتمون}. والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته. وجملة {إن الظالمين لهم عذاب أليم} من الكلام المحكي عن الشيطان. وهي في موقع التعليل لما تقدم من قوله: {ما أنا بمصرخكم}، أي لأنه لا يدفع عنكم العذاب دَافع فهو واقع بكم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}. بين في هذه الآية أن الله وعدهم وعد الحق وأن الشيطان وعدهم فأخلفهم ما وعدهم وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله في وعد الله {أية : وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً}تفسير : [النساء: 122] وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تفسير : [آل عمران: 9] وقوله في وعد الشيطان {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء: 120] ونحو ذلك من لآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 22- ويقول إبليس - حين يقضى الله الأمر بتنعيم الطائعين وتعذيب العاصين - لمن اتبعه: إن الله تعالى وعدكم وعداً حقاً بالبعث والجزاء فأنجزه، ووعدتكم وعداً باطلا بأن لا بعث ولا جزاء فأخلفتكم وعدى، وما كان لى عليكم قوة أقهركم بها على اتباعى، لكن دعوتكم بوسوستى إلى الضلالة فأسرعتم إلى طاعتى، فلا تلومونى بوسوستى، ولوموا أنفسكم على إجابتى وما أنا اليوم بمغيثكم من العذاب، وما أنتم بمغيثىَّ. إنى جحدت اليوم إشراككم إياى مع الله فى الدنيا حيث أطعتمونى كما يطيع العبد ربه. إن الكافرين لهم عذاب مؤلم. 23- وأُدخل فى الآخرة الذين صدقوا وعملوا الأعمال الصالحة جنات تجرى من تحت قصورها الأنهار خالدين فيها بإذن الله تعالى وأمره، تحيتهم فيها من الملائكة تفيد الأمن والاطمئنان. 24- ألم تعلم - ايها الإنسان - كيف ضرب الله مثلا لكلمة الحق الطيبة، وكلمة الباطل الخبيثة، فجعل الكلمة الحسنة الفائدة مثل شجرة حسنة المنفعة، أصلها ضارب بجذورها فى الأرض، وأفنانها مرتفعة إلى جهة السماء. 25- تعطى ثمرها كل وقت عيَّنه الله؛ لإثمارها بإرادة خالقها، كذلك كلمة التوحيد ثابتة فى قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى الله، وينال بركته وثوابه كل وقت، ويبيِّن الله الأمثال للناس، فيشبه المعانى بالمحسوسات ليتعظوا فيؤمنوا. 26- الكلمة الباطلة الخبيثة شبيهة بشجرة خبيثة، كأنها اقتلعت، وكأنها ملقاة على الأرض لأنها ليس لها ثبات فيها، كذلك كلمة الباطل داحضة لا ثبات لها. لأنها لم تعاضد بحُجة.

القطان

تفسير : ما كان لي عليكم من سلطان: من تسلط. ما انا بمصرخكم: ما انا بمغيثكم. استصرخني: استغاثني. {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}. وجاء دورُ الشيطان، كل عظَمته وحِيَله قد ذهب الآن، وهو يقف موقف الذليل ويتنصل من أتباعه. انه يعترف بصراحةٍ أنه كان كذّابا، وعد أتباعه كذباً وزوراً ويسترسل قائلا: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. ما كان لي عليكم قوةٌ أُجبِركم بها على اتّباعي، لقد دعوتُكم الى الضلال فأسرعتم الى إجابتي، فلا تلوموني بِوَسْوَستي ولوموا أنفسَكم لأنكم استجبتم لي. ثم يتبرأ منهم ويتنصّل. {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}. أنا لا أستطيع اليوم ان أُغيثكم، ولا انتم تستطيعون إغاثتي من العذاب. ثم يتبرّأ من كفرهم وإشراكهم ويكفُر بهذا الإشراك فيقول: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. فأنا لا أقبلُ أن أكونَ شريكاً لله فيما أشركتُموني فيه من قبلِ هذا اليوم، ان الكافرين لهم عذابٌ شديد مؤلم. ثم لمَّا جَمَعَ الله تعالى الخلْقَ وذكر ما لقيَ الأشقياءُ وصَفَهم بأسوأ حال، ذكر حال السّعداء، وما أعدَّ لهم من نعيمٍ مقيم في ذلك اليوم فقال: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. وهكذا يقابل الله تعالى بين حال الأشقياء والسّعداء، ويبيّن ان الذين آمنوا وصدّقوا وعملوا الأعمالَ الصحالة في جنّاته ناعمين مسرورين، خالدين فيها على أحسنِ حالٍ بإذنِ الله تعالى، تحّييهم الملائكةُ بالسلام، وهو شعارُ الإسلام. قراءات: قرأ حمزة: "وما انتم بمصرخيِّ" بكسر الياء المشددة. والباقون بفتحها. "بمصرخيَّ" كما هو في المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {سُلْطَانٍ} {ٱلظَّالِمِينَ} (22) - وَبَعْدَ أَنْ يُتِمَّ اللهُ تَعَالَى قَضَاءَهُ بَيْنَ العِبَادِ، وَيُدْخِلَ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَيُدْخِلَ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، يَقُومُ إِبْلِيسُ خَطِيباً فِي أَهْلِ النَّارِ، لِيَزِيدَهُمْ حُزْناً إِلى حُزْنِهِمْ، وَحَسْرَةً إِلى حَسْرَتِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، وَوَعَدَكُمْ بِالنَّجَاةِ وَالسَّلاَمَةِ إِنْ آمَنْتُمْ بِهِ، وَصَدَّقْتُمْ رُسُلَهُ، وَكَانَ وَعْدُهُ حَقّاً. أَمّا أَنَا فَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي دَلِيلٌ وَلاَ حُجَّةٌ فِيمَا وَعَدْتُكُمْ بِهِ، وَدَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ، وَقَدِ اسَتْجَبْتُمْ لِي بِمُجَرَّدِ أَنْ دَعَوْتُكُمْ وَوَسْوَسْتُ لَكُمْ، وَقَدْ أَقَامَتِ الرُّسُلُ عَلَيْكُمُ الحُجَجَ وَالأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاؤُوكُمْ بِهِ، فَخَالَفْتُمُوهُمْ وَاتَّبَعْتُمُونِي فَصِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذَابِ، فَلاَ تَلُومُونِي اليَوْمَ، وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ لأَِنَّ الذَّنْبَ ذَنْبُكُمْ، فَمَا أَنَا اليَوْمَ بِمِغِيثِكُمْ (مُصْرِخِكُمْ)، وَلاَ مُنْقِذِكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَمَا أَنْتُمْ بِنَافِعِيَّ وَلاَ مُنْقِذِيَّ وَلاَ مُغِيثِيَّ (مُصْرِخِيَّ) مِمَّا أَنَا فِيهِ، مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَإِنّي جَحَدْتُ (كَفَرْتُ) أَنْ أَكُونَ شَرِيكاً للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا أَشْرَكْتُمُونِي فِيهِ فِي الدُّنْيا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ إِبْلِيسُ: إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وَاتِّبَاعِهِمْ البَاطِلَ، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَقَدْ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَالُ إِبْلِيسَ مَعَ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي الدُّنيا لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهاً لَهُمْ، وَحَضّاً لَهُمْ عَلَى التَّبَصُّرِ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ. سُلْطَانٍ - تَسَلُّطٍ أَوْ حُجَّةٍ. بِمُصْرِخِكُمْ - بِمُنْقِذِكُمْ مِنَ العَذَابِ. بِمُصْرِخِيَّ - بِمُنْقِذِيَّ مِنَ العَذَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا نجد تصعيداً للحوار؛ فبعد أنْ كان من المتبوعين والتابعين؛ نجد هذا الارتقاء في الحوار ليكون بين الشيطان وبين البشر. ونلحظ أن الحق سبحانه هنا بالحال الذي يدور فيه الحوار وهو انقضاء الأمر؛ حيث تقرَّر الوَضْع النهائي لكل شيء؛ ولا نقاشَ في أيّ أمر، ولا فرصة للتراجع عما حدثَ. وقضاءُ الأمر يعني أن يذهب كل إنسان إلى مصيره، فمَنْ كان من أهل الجنة دخلها؛ ومَنْ كان من أهل النار دخلها؛ فقد وصلتْ الأمور الى حَدِّها النهائي الذي لا تتغير من بعده. ويفضح الشيطان نفسه فيقول: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ..} [إبراهيم: 22]. ووَعْد الله حَقٌّ، لأنه وَعْد مِمَّنْ يملك؛ أما وَعْد الشيطان فقد اختلف؛ لأنه وَعْد بما لا يملك؛ لذلك هو وَعْد كاذب؛ لأن الحق سبحانه هو الأمر الثابت الذي لا يتغير. وحين تَعِد أنت - الإنسان - إنساناً آخر بخير قادم؛ فهل تضمن أنْ تُواتيك ظروفك على أن تُحقِّق له هذا الأمر؟ ولذلك يوصينا الحق سبحانه أن نقول "إن شاء الله" وبذلك نردّ الوَعْد لله؛ فهو وحده الذي يمكنه أنْ يَعِدَ ويُنفِّذ ما يعِد به. وعلى الواحد منا أنْ يحميَ نفسه من الكذب، وأن يقول "إن شاء الله" فإنْ لم تستطع أنْ تحققَ ما وعدت به تكون قد حميتَ نفسك من أنْ تُلِقي اتهاماً بالكذب. ونجد الشيطان وهو يقول في الآخرة: {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ..} [إبراهيم: 22]. ذلك أن وَعْده باطل؛ والباطل لَجْلج، وحين تحكم به الآن تُثبت لك الوقائع عكسه، وتجعلك لا تصدق ما حكمتَ به. ولذلك نجد الحق سبحانه يوضح لنا المسافة بين الحق والباطل فيقول: {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. وهكذا يحاول الشيطان أن يُبرِّيء نفسه رغم عِلْمه أنه قد وعد، وهو لا يملك إنفاذ ما وعد به؛ ولذلك يحاول أن يلصق التهمة بِمَنْ اتبعوه مثله مثل أولئك الذين قالوا: {أية : لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 21]. فيقول الشيطان من بعد ذلك: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]. والسلطان - كما نعلم - إما سلطانَ قَهْر أو سلطانَ إقناع. وسلطان القَهْر يعني أن يملك أحدٌ من القوة ما يقهر به غيره على أنْ يفعلَ ما يكره، بينما يكون كارهاً للفعل. أما سلطان الحجة فهو أن يملك منطقاً يجعلك تعمل وفق ما يطلبه منك وتحب ما تفعل، وهكذا يعترف الشيطان للبشر يوم الحشر الأعظم؛ ويقول: أريد أنْ أناقشكم؛ هل كان لي سلطان قَهْريّ أقهركم به؟ هل كان لي سلطان إقناع أقنعكم به على اتباع طريقي؟ لم يكن لي في دنياكم هذه ولا تلك، فلا تتهموني ولا تجعلوني "شماعة" تُعلِّقون عليّ أخطاءكم؛ فقد غويتُ من قبلكم وخالفتُ أمر ربي؛ ولم يكن لي عليكم سلطان سوى أن دعوتُكم فاستجبتم لي. وكل ما كان لي عندكم أنِّي حرَّكْتُ فيكم نوازع أنفسكم، وتحرَّكت نوازع أنفسكم من بعد ذلك لِتُقبِلوا على المعصية. إذن: فالشيطان إما أنْ يُحرِّك نوازع النفس؛ أو يترك النفس تتحرك بنوازعها إلى المعصية؛ وهي كافية لذلك. وسبق أنْ أوضحتُ كيف تُعْرف المعصية، إن كانت من الشيطان تسويلاً استقلالياً أو تسويلاً تبعياً؛ فإنْ وقفتْ النفس عند معصية بعينها؛ وكلما أبعدها الإنسان تُلِح عليه؛ فهذا هو ما تريده النفس من الإنسان حيث تطلب معصية بعينها. أما نَزْغ الشيطان فهو أن ينتقل الشيطان من معصية إلى أخرى محاولاً غواية الإنسان؛ إنْ وجده رافضاً لمعصية ما؛ انتقل بالغواية إلى غيرها؛ لأن الشيطان يريد الإنسان عاصياً على أيِّ لَوْن؛ فالمهم أنْ يعصي فقط؛ لذلك يحاول أن يدخل الإنسان من نقطة ضعفه؛ فإنْ وجده قوياً في ناحية اتجه إلى أخرى. ويعلن الشيطان أنه ليس المَلُوم على ذلك: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} [إبراهيم: 22]. فالملُوم هنا هو مَنْ أقبل على المعصية؛ لا مَنْ أغوى بها. ويستمرالحق سبحانه في فَضْح ما يقوله الشيطان لمَنْ أغواهم في اليوم الآخر: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} [إبراهيم: 22]. هذا هو قَوْل الشيطان الذي سبق وأنْ تعالى على آدم لحظة أنْ طلب منه الحق سبحانه أن يسجدَ له مع الملائكة؛ ولكن الموقف هنا هو التساوي بين الذين أغواهم وبينه؛ فهو يعلن أنه لن ينفعهم وهم لن ينفعونه. والمُصْرِخ من مادة الصُّراخ من صرخ، وهو رَفْع الصوت بغرض أن يسمعه غيره؛ ولا يطلب مَنْ يصرخ شيئاً آخر غير المعونة فلو أن أحداً عثر على كنز تحت قدميه فلن يصرخ؛ بل يتلفَّت حوله ليرى: هل هناك مَنْ رآه أم لا؟ أما إنْ هاجمه أسد فلا بُدَّ أن يصرخ طالباً النجاة، وهكذا يكون الصراخ له مَأْرب طَلبِ المعونة؛ وهذا لا يتأتَّى إلا ممَّنْ يخاف من مُفزِع. و "مُصرِخ" يدل على الفعل "أصرخ"، وهو فعل دخلت عليه ما يُسمّى في اللغة "همزة الإزالة". والمثل هو كلمة "معجم" أي: الذي يدلُّك على معنى للفظ لِيُزيلَ إبهامه؛ فيقال "أعجم الكتاب" أي: أزال إبهامه، وهذه الهمزة التي دخلتْ تُوضِّح إزالة العُجْمة عن الكلمة. والمثل أيضاً على هذه الهمزة؛ هو كلمة "عتب" أي: لامه، وحين تدخل عليها الهمزة تصبح "أعتب" أي: أزال ما به عَتَب. ونجد في دعائه صلى الله عليه وسلم قوله الشريف: "حديث : لك العُتْبى حتى ترضى ". تفسير : أي: إذا كُنتَ يا ربّ تعتب عليَّ في أيِّ شيء؛ فأنا أدعوك أن تُزيل هذا العتب. وهكذا نجد أن الإزالة تأتي مرة بإضافة الهمزة؛ ومرة تأتي بالتضعيف؛ مثل قولنا "مرَّض الطبيب مريضه" أي: أزال عنه - بإذن من الله - مرضه. إذن: "مُصْرخ" هو مَنْ يُزيل صراخ آخر؛ فكأن هناك مَن استغاث؛ فجاءه مَنْ يُغيثه. وهكذا يعلن الشيطان في اليوم الآخر أنه ومَنْ أغواهم في مأزق؛ وأنه غَيْر قادر على إزالة سبب هذا المأزق؛ ولا هُمْ بقادرين على إزالة سبب مأزقه؛ ولن يُغيث أحدهما الآخر. ويضيف: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ..} [إبراهيم: 22]. فأنتم أشركتموني مع الله في الطاعة؛ حين استسلمتُم لغوايتي؛ ولم تكونوا من عباد الله المُخْلصين الذين أقسمتُ أنا بعزة الله ألاَّ أُغويهم؛ وكل منكم نفذ ما أغويته به؛ فناديتكم واستجبتُم؛ وناداكم الله فعصيتُم أو كفرتم. وصِرْتم مِثْلي، فقد سبق لي أن أمرني الله وعصيتُ. ويقول الحق سبحانه ما يجيء على لسان الشيطان لمَنْ كفر وعصى: {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]. وهذه قضية عامة، قضية الكفر في القمة، فكمَا أطعتُم الشيطان وجعلتموه شريكاً لله؛ فها هو الشيطان يُخبركم بتقدير هذا الموقف؛ بأنه شِرْك بالله؛ وهو يعلن الكفر بهذا؛ لأن يوم الحشر قد جاء؛ وتحقق فيه قول الله له: {أية : فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} تفسير : [الحجر: 37-38]. وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم - وهو اليوم الآخر - يندسُّ ويُوسِوس وينزغ؛ أما في ذلك اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل الكائنات أمام الواحد القهار، ولم يَعُدْ هناك ما يَخْفى عن العين. وهذا ما خدعوا به أنفسهم، وظنُّوا أنهم قادرون على أن يُخفوا ما فعلوه عن أعْيُن الله؛ ولذلك نجد الحديث القدسي يقول: "حديث : يا بني آدم، إنْ كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم، فالخَلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أَنِّي أراكم فَلِم جَعَلْتموني أهونَ الناظرين إليكم ". تفسير : وأنت في حياتك اليومية لا تجد مَنْ يسرق من آخر وجهاً لوجه: ولا أحد يحرق بيت أحدٍ أمام عينيه؛ فإنْ كنتم يا معشر البشر لا تفعلون ذلك مع بعضكم البعض؛ فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم؛ فتعصونه. وإنْ شككتُم أنه لا يراكم فالخلل في إيمانكم؛ وإنْ كنتم تعتقدون أنه يراكم فلا تجعلوه أهونَ الناظرين إليكم، لأنه لو نظر إليك إنسان فأنت لا تجرؤ على أن تصنع له ما يكرهه. ولذلك يقول الشيطان معترفاً ومُقِراً بأن الظالمين لهم عذاب أليم، والظلم في القمة هو الشرك بالله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وحين نقرأ ذلك إما أنْ نأخذه على أنه إقرار من الشيطان؛ أو نفهمه على أن الشيطان قد قال: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ..} [إبراهيم: 22] . ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة: {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]. فبعد أن تكلم سبحانه عن بروز الخَلْق والكائنات؛ ثم الحوار بين الضعفاء والسادة؛ ثم الحوار بين الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية؛ يأتي بالقضية النهائية في الحكم: {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]. والمناسبات توحي بمقابلاتها؛ لتكون النفس مُتشوِّقة ومُتقبِّلة لهذا المقابل؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13]. ويأتي بعدها بالمقابل لها: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 14]. فكما جاء بمقابل الأشقياء؛ لا بُدّ أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين سُعِدوا بالإيمان. لذلك يقول الحق سبحانه: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} معناه بِمُعينِكُم. تفسير : وقوله تعالى: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} يعني بَرئتُ مِنكُم.

الجيلاني

تفسير : {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ} أي: الأهوية الفاسدة المفسدة لهم في شأنهم الأولى مصورة على صورة الشيطان المغوي {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار: {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح المدبر لأحوال عباده {وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} هذا اليوم الذي به تؤاخذون فيه {وَوَعَدتُّكُمْ} ضلالاً وإغراء لكم بخلافه {فَأَخْلَفْتُكُمْ} ما وعد به ربكم مع أن إنجازه مقطوع به لا شك فيه أصلاً، وابتعتم قولي مع أنه غرور وإضلال لا يرجى إنجازه مني أصلاً وأنتم جازمون به {وَ} الحال أنه {مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} حجة مرجحة وأدلة ملجئة {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} أي: سوى أن دعوتكم على مقتضى أهويتكم وأمنيتكم التي تقتضيها هويتكم وماهيتكم، ومع ذلك {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} وصدقتم قولي بلا تردد ومماطلة طوعاً ورغبة. {فَلاَ تَلُومُونِي} اليوم {وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الباعثة الداعية على متابعتي مع جزمكم بمكري وعداوتي {مَّآ أَنَاْ} اليوم {بِمُصْرِخِكُمْ} أي: مغيثكم ومعينكم، وإن ادعيت فيمامضى تغريراً وتلبيساً {وَمَآ أَنتُمْ} أيضاً {بِمُصْرِخِيَّ} إذا انكشف الحال وانقطعت علاقة المحبة بيننا، وصارت كل نفس رهينة بما كسبت {إِنِّي} اليوم بعد انكشاف السرائر والضمائر {كَفَرْتُ} أي: تبرأت وأنكرت {بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ} أي: بإشراككم معي في إشراك الله الواحد الأحد الصمد، الذي لا شريك له أصلاً {مِن قَبْلُ} في دار التلبيس والتزوير والإغواء والتغرير {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضيات أوامر الله ونواهيه عداوناً وزوراً {لَهُمْ} اليوم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] مؤلم أشد الإيلام. ثم بيَّن سبحانه على مقتضى سنته المستمرة بعدما بين أحوال الهالكين المنهمكين في تيه العتو والعناد، وفظاعة أمرهم في يوم الجزاء مآل المؤمنين الناجين عن تغريرات الدنيا الدنية وتسويلات الشياطين الغوية فيها. فقال: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله وتصديق كتبه ورسله {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} التي هي نتائج الإيمان {جَنَّاتٍ} متنزهات من العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لتنبت في أراضي استعداداتهم وقابلياتهم ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من المكاشفات والمشاهدات الخارجة عن طريق البشر، ومع ذلك {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: برضاه وتوفيقه وتيسيره {تَحِيَّتُهُمْ} من قبل الحق بلسان الملائكة حتن ملاقاتهم {فِيهَا سَلاَمٌ} [إبراهيم: 23] لأنهم مسلمون منقادون مسلمون أمورهم كلها إلى الله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ } الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، مخاطبا لأهل النار ومتبرئا منهم { لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ } ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. { إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ } على ألسنة رسله فلم تطيعوه، فلو أطعتموه لأدركتم الفوز العظيم، { وَوَعَدْتُكُمْ } الخير { فَأَخْلَفْتُكُمْ } أي: لم يحصل ولن يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة. { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } أي: من حجة على تأييد قولي، { إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي } أي: هذا نهاية ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعا لأهوائكم وشهواتكم، فإذا كانت الحال بهذه الصورة { فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ } فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، { مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ } أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها { وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } كل له قسط من العذاب. { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } أي: تبرأت من جعلكم لي شريكا مع الله فلست شريكا لله ولا تجب طاعتي، { إِنَّ الظَّالِمِينَ } لأنفسهم بطاعة الشيطان { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } خالدين فيه أبدا. وهذا من لطف الله بعباده ،أن حذرهم من طاعة الشيطان وأخبر بمداخله التي يدخل منها على الإنسان ومقاصده فيه، وأنه يقصد أن يدخله النيران، وهنا بين لنا أنه إذا دخل النار وحزبه أنه يتبرأ منهم هذه البراءة، ويكفر بشركهم {أية : ولا ينبئك مثل خبير }. تفسير : واعلم أن الله ذكر في هذه الآية أنه ليس له سلطان، وقال في آية أخرى { إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } فالسلطان الذي نفاه عنه هو سلطان الحجة والدليل، فليس له حجة أصلا على ما يدعو إليه، وإنما نهاية ذلك أن يقيم لهم من الشبه والتزيينات ما به يتجرؤون على المعاصي. وأما السلطان الذي أثبته فهو التسلط بالإغراء على المعاصي لأوليائه يؤُزّهم إلى المعاصي أزّا، وهم الذين سلطوه على أنفسهم بموالاته والالتحاق بحزبه، ولهذا ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. ولما ذكر عقاب الظالمين ذكر ثواب الطائعين فقال: { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: قاموا بالدين، قولا وعملا واعتقادا { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فيها من اللذات والشهوات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } أي: لا بحولهم وقوتهم بل بحول الله وقوته { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ } أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام والتحية والكلام الطيب.

همام الصنعاني

تفسير : 1403- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ}: [الآية: 22]، قال: ما أنا بمغيثكم.