Verse. 1773 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَاُدْخِلَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْہَا بِـاِذْنِ رَبِّہِمْ۝۰ۭ تَحِيَّتُہُمْ فِيْہَا سَلٰمٌ۝۲۳
Waodkhila allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati jannatin tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha biithni rabbihim tahiyyatuhum feeha salamun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين» حال مقدرة «فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها» من الله ومن الملائكة وفيما بينهم «سلام».

23

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة، شرح أحوال السعداء، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وكونها دائمة أشير إليه بقوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } والتعظيم حصل من وجهين: أحدهما: أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره. والثاني: قوله: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } لأن بعضهم يحيي بعضاً بهذه الكلمة، والملائكة يحيونهم بها كما قال: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24] والرب الرحيم يحييهم أيضاً بهذه الكلمة كما قال: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58]. واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا وحسراتها أو فنون آلامها وأسقامها، وأنواع غمومها وهمومها، وما أصدق ما قالوا، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية والسعادة الملكية. المسألة الثانية: قرأ الحسن: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } على معنى وأدخلهم أنا، وعلى هذه القراءة فقوله: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلق بما بعده، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم. يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} أي في جنات لأن دخلت لا يتعدى، كما لا يتعدى نقيضه وهو خرجت، ولا يقاس عليه؛ قاله المهدوي. ولما أخبر تعالى بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة أيضاً. وقراءة الجماعة «أُدْخِلَ» على أنه فعل مبني للمفعول. وقرأ الحسن «وَأُدْخِلُ» على الاستقبال والاستئناف. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره. وقيل: بمشيئته وتيسيره. وقال: «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» ولم يقل: بإذني تعظيماً وتفخيماً. {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} تقدم في «يونس». والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} بإذن الله تعالى وأمره والمدخلون هم الملائكة. وقرىء {وَأُدْخِلَ} على التكلم فيكون قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} متعلقاً بقوله: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ} أي تحييهم الملائكة فيها بالسلام بإذن ربهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ } حال مقدّرة {فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا } من الله ومن الملائكة وفيما بينهم {سَلَٰمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَحِيَّتُهُمْ} ملكهم دائم السلام، ومنه التحيات لله أي الملك، أو التحية المعرفوة إذا تلاقوا سلموا بها.

النسفي

تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } عطف على {برزوا} {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلق بـ {أدخل} أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة أو تسليم الملائكة عليهم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } أي وصفه وبينه {كَلِمَةً طَيّبَةً } نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } وهو تفسير لقوله: {ضرب الله مثلاً} نحو شرف الأمير زيداً كساه حلة وحمله على فرس، أو انتصب {مثلا}ً و{كلمة} بـ {ضرب} أي ضرب كلمة طيبة مثلاً يعني جعلها مثلاً ثم قال {كشجرة طيبة} على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ } أي في الأرض ضارب بعروقه فيها {وَفَرْعُهَا } وأعلاها ورأسها {فِي ٱلسَّمَاءِ } والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملاً فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملاً ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الأثمار. والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «حديث : إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟»تفسير : فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا إنها النخلة»تفسير : فقال عمر: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} لما شرح الله عز وجل حال الكفار الأشقياء بما تقدم من الآيات الكثيرة، شرح أحوال المؤمنين السعداء، وما أعد لهم في الآخرة من الثواب العظيم الجزيل، وذلك أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم والمنفعة الخالصة إليها الإشارة دائمة بقوله: وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وكونها دائمة أشير إليه بقوله {خالدين فيها} والتعظيم حصل من وجهين أحدهما قوله: {بإذن ربهم} لأن تلك المنافع إنما كانت تفضلاً من الله بإنعامه الثاني قوله {تحيتهم فيها سلام} فيحتمل أن بعضهم يحيي بعضاً بهذا الكلمة أو الملائكة تحييهم بها أو الرب سبحانه وتعالى يحييهم، ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا الجنة سلموا من جميع الآفات لأن السلام مشتق من السلامة. قوله عز وجل {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً} لما شرح الله عز وجل أحوال الأشقياء وأحوال السعداء، ضرب مثلاً فيه حكم هذين القسمين فقال تعالى: ألم تر أي بعين قلبك فتعلم علم يقين بإعلامي إياك فعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه غيره فيه ويحتمل أن يكون الخطاب فيه لكل فرد من الناس، فيكون المعنى ألم تر أيها الإنسان كيف ضرب الله مثلاً يعني بين شبهاً، والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولاً في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر ويتصور. وقيل: هو قول سائر لتشبيه شيء بشيء آخر {كلمة طيبة} هي قول لا إله إلا الله في قول ابن عباس وجمهور المفسرين: {كشجرة طيبة} يعني كشجرة طيبة الثمرة وقال ابن عباس: هي النخلة. وبه قال ابن مسعود وأنس ومجاهد وعكرمة والضحاك (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أخبروني عن شجرة شبه الرجل أو قال كالرجل المسلم لا يتحات ورقها تؤتي أكلها كل حين" قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه سلم "هي النخلة" قال: فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة فقال ما منعك أن تتكلم؟ فقلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً فقال عمر لأن تكون قلته أحب إلي من كذا وكذا تفسير : وفي رواية: "حديث : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله ابن عمر ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت أن أتكلم ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله قال "هي النخلة""تفسير : وفي رواية عن ابن عباس، أنها شجرة في الجنة وفي رواية أخرى عنه أنها المؤمن. قوله {أصلها ثابت} يعني في الأرض {وفرعها} يعني أعلاها {في السماء} يعني ذاهبة في السماء {تؤتي أكلها} يعني ثمرها {كل حين بإذن ربها} يعني بأمر ربها والحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير واختلفوا في مقداره هذا وقال مجاهد وعكرمة: الحين هنا سنة كاملة لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة واحدة. وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر يعني من وقت طلعها إلى حين صرامها، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر يعني أن مدة حملها باطناً وظاهراً ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران يعني من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. وقال الربيع بن أنس: كل حين يعني غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل أبداً ليلاً ونهاراً وصيفاً وشتاءً، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب فأكلها دائم في كل وقت. وقال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل هذه الكلمة التي هي كلمة الإخلاص وأصل الإيمان بالنخلة حاصل من أوجه: أحدها: أن كلمة الإخلاص شديدة الثبوت في قلب المؤمن كثبوت أصل النخلة في الأرض. الوجه الثاني: أن هذه الكلمة ترفع عمل المؤمن إلى السماء. كما قال تعالى: {أية : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}تفسير : [فاطر: 10] وكذلك فرع النخلة الذي هو عال في السماء. الوجه الثالث: أن ثمر النخلة يأتي في كل حين ووقت وكذلك ما يكسبه المؤمن من الأعمال الصالحة في كل وقت وحين ببركة هذه الكلمة، فالمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله صعدت إلى السماء وجاءته بركتها وثوابها وخيرها ومنفعتها. الوجه الرابع: أن النخلة شبيهة بالإنسان في غالب الأمر لأنها خلقت من فضلة طينة آدم وأنها إذا قطع رأسها تموت كالآدمي بخلاف سائر الشجر فإنه إذا قطع نبت، وأنها لا تحمل حتى تلقح بطلع الذكر. الوجه الخامس: في وجه الحكمة في تمثيل الإيمان بالشجر على الإطلاق لأن الشجرة لا تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل ثابت، وفرع قائم، وكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، وقوله سبحانه وتعالى: {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} يعني أن في ضرب الأمثال زيادة في الأفهام وتصويراً للمعاني وتذكيراً ومواعظ لمن تذكر واتعظ. قوله تعالى {ومثل كلمة خبيثة} وهو الشرك {كشجرة خبيثة} يعني الحنظل قاله أنس بن مالك ومجاهد: وفي رواية عن ابن عباس إنها الكشوت وعنه أيضاً أنها الثوم وعنه أيضاً أنها الكافر لأنه لا يقبل عمله فليس له أصل ثابت ولا يصعد إلى السماء {اجتثت} يعني استؤصلت وقطعت {من فوق الأرض ما لها من قرار} يعني ما لهذه الشجرة من ثبات في الأرض، لأنها ليس لها أصل ثابت في الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء كذلك الكافر لا خير فيه ولا يصعد له. قول طيب ولا عمل صالح ولا لاعتقاده أصل ثابت، فهذا وجه تمثيل الكافر بهذه الشجرة الخبيثة. عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رطب فقال:"حديث : مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها قال: هي النخلة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار قال هي الحنظلة"تفسير : أخرجه الترمذي. مرفوعاً وموقوفاً، وقال الموقوف أصح. قوله سبحانه وتعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} والقول الثابت: هي الكلمة الطيبة وهي شهادة أن لا إله إلا الله، في قول جمهور المفسرين. ولما وصف الكلمة الخبيثة في الآية المتقدمة بكلمة الشرك قال: في هذه الآية ويضل الله الظالمين يعني بالكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك في قول جميع المفسرين وقوله: {في الحياة الدينا} يعني في القبر عند السؤال {وفي الآخرة} يعني يوم القيامة عند البعث والحساب وهذا القول واضح ويدل عليه ما روي عن البراء بن عازب. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة قال: نزلت في عذاب القبر زاد في رواية يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم" تفسير : أخرجه البخاري ومسلم (ق). عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "حديث : إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وأنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فيراهما جميعاً" قال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره, ثم رجع إلى حديث أنس وأما المنافق وفي رواية وأما الكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه. فيقال: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين"تفسير : لفظ البخاري ولمسلم بمعناه زاد في رواية "حديث : أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، ويملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون"تفسير : وأخرجه أبو داود عن أنس قال: وهذا لفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن المؤمن إذا وضع قبره أتاه ملك فيقول: ماكنت تعبد؟ فإن هداه الله، قال: كنت أعبد الله فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول هو عبد الله ورسوله فلا يسأل عن شيء بعدها فينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقال له: هذا كان مقعدك ولكن عصمك الله فأبدلك به بيتاً في الجنة فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وإن الكافر والمنافق إذا وضع في قبره، أتاه ملك فينهضه فيقول ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت ولا تليت فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول كنت أقول ما يقول الناس فيه فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين"تفسير : وأخرجه النسائي. أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قبر الميت أو قال إذا قبر أحدكم آتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: كنت أقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، ثم ينور له فيه ثم يقال له: ثم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه، ذلك وإن كان منافقاً فيقول سمعت الناس يقولون قولاً فقلت مثلهم لا أدري فيقولان: قد كنا نعلم أنك كنت تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك"تفسير : أخرجه الترمذي. "حديث : عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهت إلى القبر، ولما يلحد بعد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤؤسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه صلى الله عليه وسلم فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً زاد في رواية قال: إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولو مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربك وما دينك ومن نبيك وفي رواية يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله فيقولان له وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت، زاد في رواية فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ثم لقناه قال فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره وإن كان الكافر فذكر موته قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولا ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن قد كذب عبدي فافرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باباً في النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه في رواية ثم يقبض له أعمى أبكم أصم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبلاً لصار تراباً فيضربه بها ضربة، يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير تراباً ثم تعاد فيه الروح" تفسير : أخرجه أبو داود. عن عثمان بن عفان قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل""تفسير : أخرجه أبو داود. عن عبد الرحمن بن ثمامة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت فبكى بكاء طويلاً، وحول وجهه إلى الجدر وجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وذكر الحديث بطوله وفيه "حديث : فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ما أراجع به رسل ربي"تفسير : . أخرجه مسلم بزيادة طويلة فيه قيل المراد من التثبيت بالقول الثابت هو أن الله تعالى إنما يثبتهم في القبر بسبب كثرة مواظبتهم على شهادة الحق في الحياة الدنيا وحبهم لها، فمن كانت مواظبته على شهادة الإخلاص أكثر كان رسوخها في قلبه أعظم فينبغي للعبد المسلم أن يكثر من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله في جميع حالاته، من قيامه وقعوده ونومه ويقظته وجميع حركاته وسكناته، فلعل الله عز وجل أن يرزقه ببركة مواظبته على شهادة الإخلاص التثبيت في القبر، ويسهل عليه جواب الملكين بما فيه خلاصه من عذاب الآخرة، نسأل الله التثبيت في القبر، وحسن الجواب وتسهيله بفضله ومنه وكرمه وإحسانه، إنه على كل شيء قدير وقوله تعالى: {ويضل الله الظالمين} يعني أن الله تعالى لا يهدي المشركين إلى الجواب الصواب في القبر {ويفعل الله ما يشاء} يعني من التوفيق، والخذلان والهداية والإضلال والتثبيت، وتركة لا اعتراض عليه في جميع أفعاله لا يسئل عما يفعل وهم يسألون.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {تحيتهم فيها سلام} قال: الملائكة يسلمون عليهم في الجنة.

ابو السعود

تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ} أي بأمره أو بتوفيقه وهدايته، وفي التعرض لوصف الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ مزيدِ اللطفِ بهم والمُدْخِلون هم الملائكةُ عليهم السلام، وقرىء على صيغة المتكلم فيكون قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} متعلقاً بقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ} أي يحيّـيهم الملائكةُ بالسلام بإذن ربهم. {أَلَمْ تَرَ} الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم وقد عُلّق بما بعده من قوله تعالى: {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} أي كيف اعتمده ووضعه في موضعه اللائق به {كَلِمَةً طَيّبَةً} منصوبٌ بمضمر أي جعل كلمةً طيبة هي كلمةُ التوحيد أو كلَّ كلمة حسنةٍ كالتسبـيحة والتحميدة والاستغفارِ والتوبة والدعوة {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} أي حكَم بأنها مثلُها لا أنه تعالى صيّرها مثلَها في الخارج وهو تفسير لقوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} كقولك: شرّف الأميرُ زيداً كساه حُلةً وحمله على فرس، ويجوز أن يكون (كلمة) بدلاً من مثلاً وكشجرة صفتُها، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هي كشجرة وأن يكون أولَ مفعوليْ ضرب إجراءً له مُجرى جعل قد أُخّر عن ثانيهما، أعني مثلاً لئلا يبعُد عن صفته التي هي كشجرة، وقد قرئت بالرفع على الابتداء {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} أي ضارب بعُروقه في الأرض، وقرأ أنسُ بنُ مالك رضي الله عنه كشجرة طيبة ثابتٍ أصلُها، وقراءةُ الجماعة أقوى سبكاً وأنسبُ بقرينته أعني قوله تعالى: {وَفَرْعُهَا} أي أعلاها {فِى ٱلسَّمَاء} في جهة العلو ويجوز أن يراد وفروعُها على الاكتفاء بلفظ الجنس عن الجمع.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [الآية: 23]. قال بعضهم: تحيات أهل الجنة وسلامهم على ضروب: فأهل الصفوة والقربة تحيتهم من ربهم وسلامهم منه على قوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. ولأهل الطاعات والدرجات تحية الملائكة وسلامهم. قال الله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23، 24].

القشيري

تفسير : ذلك الذي مضى ذِكْرُ صفةُ الكفار والأعداء. وأمَّا المؤمنون والأولياء، فقال: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} والإيمان هو التصديق، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تحقيق التصديق. ويدخل في جملة الأعمال الصالحة ما قلَّ أو كَثُرَ من وجوه الخيرات حتى القَذَر تميطه عن الطريق. و{تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} - وكذلك قال تعالى: {أية : لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ}تفسير : [الأنعام: 127]، فالوصفُ العام والتحيةُ لهم من الله السلامُ. ويقال إن أحوالهم متفاوتة في الرتبة؛ فقومُ سَلِمُوا من الاحتراق ثم من الفراق ثم من العذاب ثم من الحجاب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} السلام اسم من الطف اسمائه لانه محل التنزيه من === من العارفين يدعونه بهذا الاسم لوجدانهم مشاهدته بنعت العوافى من الحجاب فاذا ارادوا تحية بعضهم على بعض فيشيرون بعضهم بعضا سلام اى هذا هو مشاهدة السلام كانهم فى ترامى مشاهدته ليشير بعضهم على بعض الى جماله وجلاله واذا حيوا بهذه التحية فحيا الله باحسن من تحيتهم بانه حياهم بخطابه وسلمهم بكلامه فكل من رآه فان الحق سبحانه يسلم عليه بالبديهة قبل ثنائه عليه بقوله سلام قولا من رب رحيم تجديد العهد الاول حين رأوه بالارواح وسمعوا كلامه وسلامه باذان الاسرار فى ميثاق الانوار وما اطيب هذا السلام من السلام لاهل السلام شعر : اشاروا بتسليم فجدنا بانفس تسيل من الاماق والسم ادمع تفسير : وقال بعضهم تحيات الجنة وسلامها على ضروب فاهل الصفوة والقربة تحيتهم من ربهم وسلامتهم منه على قوله سلام قولا من رب رحيم ولاهل الطاعات والدرجات تحية الملائكة وسلامهم قال الله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم.

اسماعيل حقي

تفسير : بقوله {وادخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جمعوا بين الايمان والعمل الصالح والمدخلون هم الملائكة {جنات} [در بهشتهاى كونا كون كه] {تجرى من تحتها الانهار} [ميرود اززير درختان جويها] {خالدين فيها} [در حالتى كه جاويدان باشنددران] {باذن ربهم} متعلق بادخل اى بامره او بتوفيقه وهدايته وفيه اشارة الى ان الانسان اذا خلى وطبعه لا يؤمن ولا يعمل الصالحات والجنات ان لم تكن العناية لا يبقى احد فى جنة القلب ساعة كما لم يبق آدم فى الجنة خالدا كما فىالتأويلات النجمية {تحيتهم فيها سلام} التحية دعاء بالتعمير واضافتها الى الضمير من اضافة المصدر الى المفعول اى تحيتهم الملائكة فى الجنات بالسلام من الآفات او يحيى المؤمنون بعضهم بعضا بالسلام والسلام تحية المؤمنين فى الدنيا ايضا. واصله صدر من ابينا آدم عليه السلام على ما روى وهب بن منبه ان آدم لما رأى ضياء نور نبينا صلى الله عليه وسلم سأل الله عنه فقال هو نور النبى العربى محمد من اولادك فالانبياء كلهم تحت لوائه فاشتاق آدم الى رؤيته فظهر نور النبى عليه السلام فى انملة مسبحة آدم فسلم عليه فردّ الله سلامه من قبل النبى عليه السلام فمن هنا بقى السلام سنة لصدوره عن آدم وبقى رده فريضة لكونه عن الله تعالى. ونظيره ركعات الوتر فانه عليه السلام لما ام الانبياء فى بيت المقدس اوصاه موسى عليه السلام ان يصلى له ركعة عند سدرة المنتهى قال الله تعالى {أية : فلا تك فى مرية من لقائه} تفسير : اى لقاء موسى ليلة المعراج فلما صلى ركعة ضم اليها ركعة اخرى لنفسه فلما صلاهما اوحى الله تعالى اليه ان صل ركعة فلذلك صار وترا كالمغرب فلما قام اليها ليصليها غشاه الله بالرحمة والنور فانحل يداه بلا اختيار منه فلذلك كان رفع اليد سنة واليه اشار النبى عليه السلام بقومه "حديث : ان الله زادكم صلاة ألا وهى الوتر" تفسير : وقيل لما صلى الركعة الثانية وقام الى الثالثة رأى والديه فى النار ففزع وانحل يداه ثم جمع قلبه فكبر وقال "حديث : اللهم انا نستعينك" تفسير : الخ كما فى التقدمة شرح المقدمة فما صلاه عليه السلام لنفسه صار سنة وما صلاه لموسى صار واجبا وما صلاه لله تعالى صار فريضة ولما كان اصل هذه الصلاة وصية موسى اطلق عليها الواجب. وقال الفقهاء يقول فى الوتر نويت صلاة الوتر للاختلاف فى وجوبه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وأدخل الذين آمنوا}، أي: أدخلهم الله على أيدي الملائكة {جنات تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها}، فيدخلونها {بإذن ربهم}؛ بأمره، فيأذن للملائكة أن تُدخلهم حين يقضي بينهم. {تحيتُهم فيها سلامٌ} أي: تحييهم الملائكة، أو الخدام، حين يتلقونهم يسلمون عليهم، ويهنئونهم، على ما في الحديث. الإشارة: في ذكر هذه الآية بعد خطبة الشيطان تنبيه على وجه الخلاص منه، حتى لا يكون من أهل خطبته، وهو تصحيح الإيمان وتقوية مواده، وهو ما ذكرنا قبل في مواد طمأنينة أهل الإيمان، وإن أسعده الله بصحبة عارف رقَّاه إلى شهود العيان، فلا يكون للشيطان ولا لغيره عليه سلطان، لتحقيق عبوديته، وارتقائه إلى شهود عظمة ربوبيته؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر: 42]، وهم الذين رسخت في قلوبهم شجرة الإيمان، وارتفعت أغصانها إلى الرحمن. الذي استشار إليها بقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ...}

الطوسي

تفسير : ثلاث آيات في الكوفي والبصري تمام الثانية {في السماء} وآيتان في الباقي. اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين يؤمنون به، ويصدقون بوحدانيته، ويعترفون بنبوّة انبيائه ويعملون بما دعاهم اليه من الطاعات والاعمال الصالحات يدخلهم الله يوم القيامة جنات من صفتها انها تجري من تحتها الانهار، لان الجنة البستان الذي يجنه الشجر، فالانهار تجري من تحت الاشجار، وقيل انهار الجنة في اخاديد في الارض {خالدين فيها} اي مؤبدين فيها دائمين, ونصبه على الحال من حيث انها تدوم لهم {بإِذن ربهم} اي بأمر ربهم واطلاقه، يخلدون فيها, ويكون تحية بعضهم لبعض في الجنة {سلام}. والتحية التلقي بالكرامة في المخاطبة، كقولك احياك الله حياة طيبة، سلام عليك، وما أشبه ذلك تبشيراً لهم بدوام السلامة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} انما ضرب المثل بالكلمة الطيبة للدعاء اليها في كل باب يحتاج الى العمل عليه، وفي كل باب من ابواب العلم. ومعنى {فرعها في السماء} مبالغة له في الرفعة، فالأصل سافل، والفرع عال، إِلا أنه من الأصل يوصل الى الفرع. والاصل في باب العلم مشبه بأصل الشجرة التي تؤدي الى الثمرة التي هي فرع ذلك الاصل، ويشبه بأصل الدرجة التي يترقى منها الى اعلى مرتبة. وروي انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الشجرة الطيبة هي النخلة. وقال ابن عباس: هي شجرة في الجنة. وقوله {تؤتي أكلها} اي تخرج هذه الشجرة الطيبة - وهي النخلة - ما يؤكل منها في كل حين. وقال ابن عباس - في رواية - يعني ستة اشهر الى صرام النخل، وهو المروي عن ابي جعفر وابى عبد الله (ع)، وبه قال سعيد بن جبير، والحسن. وقال مجاهد وابن زيد: كل سنة. وقال سعيد بن المسيب: الحين شهران. وفي رواية اخرى عن ابن عباس: غدوة وعشية، وقال قوم: من اكل النخلة: الطلع والرطب والبسر والتمر، فهو دائم لا ينقطع على هذه الصفة، وأهل اللغة يذهبون الى ان الحين هو الوقت، قال النابغة: شعر : يبادرها الراقون من سوء سمها تطلقه حيناً وحيناً تراجع تفسير : كذا رواه الاصمعي و {مثلاً} منصوب بـ {ضرب} والتقدير ضرب الله كلمة طيبة مثلاً {بإِذن ربها} اي يخرج هذا الأكل في كل حين بأمر الله وخلقه اياه {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} اخبار منه تعالى انه يضرب المثل للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في البادية والعاقبة، لكي يتذكروا ويتفكروا فيه ويعتبروا به، فيؤديهم ذلك الى دخول الجنة وحصول الثواب. وفائدة الآية ان الله ضرب للايمان مثلاً وللكفر مثلاً، فجعل مثل المؤمن الشجرة الطيبة التي لا ينقطع نفعها وثمرها، وهي النخلة ينتفع بها في كل وقت، لا ينقطع نفعها البتة، لأنه ينتفع بطلعها، وبسرها، ورطبها، وتمرها، وسعفها، وليفها، وخوصها، وجذعها. ومثل الكافر بالشجرة الخبيثة وهي الحنظلة. وقيل الاكشوث لا إِنتفاع به، ولا قرار له ولا أصل، فكذلك الكفر لا نفع فيه ولا ثبات.

الجنابذي

تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} علىّ (ع) ودعوته هو الكلمة الطّيبّة {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} من حيث الاثمار لا يتضرّر احد بثمرها، ومن حيث الرّيح والظّلّ والمنظر {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} لا يتحرّك ولا ينقل من مكانه {وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} فى الصّيف والشّتاء والخريف والرّبيع {بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} لانّهم لا يدركون المعقولات الاّ بالصّور المحسوسة {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} عن الصّادق (ع) انّه سئل عن الشّجرة فى هذه الآية فقال: رسول الله (ص) اصلها، وامير المؤمنين (ع) فرعها، والائمّة من ذرّيّتهما اغصانها، وعلم الائمّة (ع) ثمرتها، وشيعتهم المؤمنون ورقها، والاخبار بهذا المضمون كثيرة.

الأعقم

تفسير : {تحيتهم فيها سلام} يعني في الجنة يحي بعضهم بعضاً بالسلام والملائكة تحييهم بالسلام {ألم تر} ألم تعلم {كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبةً كشجرة طيبة} أراد كلمة التوحيد، وقيل: كلمة حسنة كالتسبيح والتحميد والاستغفار والتوبة والدعوة، وعن ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمر وشجرة التين والعنب والرمان، وعن ابن عباس: هي شجرة في الجنة {أصلها ثابت} في الأرض {وفرعها} ثابت {في السماء}، وقيل: معناه في جهة العلو والصعود {تؤتي أكلها} مأكولها {كل حين}، قيل: ستة أشهر إلى صرام النخلة يعني تعطي ثمرها كل وقت وقّته الله تعالى لإِثمارها {بإذن ربها} وخالقها، وقيل: بأمره، وقيل: كل حين كل ساعة ليلاً ونهاراً كذلك المؤمن يطيع الله كل حين، وقيل: يؤكل من النخلة الطلع والبسر والرطب والتمر وهو دائم لا ينقطع كذلك أعمال المؤمن تصعد في كل وقت، فشبّه كله الدين في ثباتها بالأدلة التي لا فساد فيها بقرار الشجرة التي أصلها على نهاية الثبات، وشبّه ما يحصل من الرفعة في الدين والظهور بفروعها في السماء وشبّه ما يحصل من الثواب الدائم بثمرة هذه الشجرة رواه الحاكم، قوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} أراد كلمة الشرك، وقيل: كلمة قبيحة، فأما الشجرة الخبيثة فكل ثمرة لا يطيب ثمره كشجرة الحنظل والكشوث وهو أنه لا قرار لها في الأرض وهي شجرة في الماء لا عروق لها تميل مع الرياح {يثبت الله الذين آمنوا} أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كما يثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود الذين نشروا بالمناشير {بالقول الثابت في الحياة الدنيا} قيل: هي الكلمة الطيبة والتوحيد، وقيل: قول لا إله إلا الله {وفي الآخرة} في القبر، وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر، وعن البراء ابن عازب (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر قبض روح المؤمن فقال: "حديث : ثم يعود روحه في جسده، فيأتياه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولون له: من ربك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الاسلام ونبيي محمد فينادى من السماء صدق عبدي"تفسير : ، فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} {ويضل الله الظالمين} الذين لم يتمسكوا بحججه في دينهم، وقيل: يضل يعاقب {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} الآية نزلت في كفار أهل بدر عن علي (عليه السلام) وابن عباس، وقيل: نزلت في القادة من أهل مكة أنعم الله عليهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكفروا به، وقيل: في أبي جهل وأصحابه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بأمر ربهم {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي: تحيّيهم الملائكة عن الله بالسلام، فتستأذن عليهم حتى تدخل عليهم بالتحيّة من عند الله والكرامة والهدية، وبأن الله عنهم راضٍ، ويسلّم أهل الجنة بعضهم على بعض بالسلام، وهو تحيّة أهل الجنة. وذكر بعضهم أن طوبى شجرة في الجنة، وقد وصفناها قبل هذا الموضع. وهي مجلس من مجالس أهل الجنة ومتحدثهم فيما بينهم. فبينما هم في ظلها ذات يوم يتحدّثون إذ أتتهم الملائكة بنوق بُخْتٍ، مزمومة بسلاسل الذهب، كأنما وجوهها المصابيح من حسنها، ذلِّلن من غير مهانة، نُجُبٍ من غير رياضة، عليها رحائل الذهب، وكسوتها سندس وإستبرق، حتى تدفع إليهم، تم يسلّمون عليهم ويقولون: إن ربكم بعث إليكم بهذه الرواحل لتركبوها وتتفسحوا في الجنة، وتنظروا إلى ما أعدّ الله لكم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد مثله. قالِ: ويتحوّل كل رجل منهم على راحلته، ثم يسيرون صفّاً في الجنة؛ الرجل منهم إلى جنب أخيه، لا تجاوز أذنُ ناقة منها أذنَ صاحبتها، ولا ركبة ناقة منها ركبةَ صاحبتها. وإنهم ليمرّون بالشجرة من شجر الجنة فتتأخر من مكانها، فيرسل إليهم ربهم الملائكة بالسلام؛ فيقولون: ربنا أنت السلام، ومن عندك السلام، ولك حق الجلال والإِكرام، فيقول لهم: وعليكم السلام مني، وعليكم رحمتي ومحبّتي. مرحباً بعبادي الذين أطاعوني بالغيب، وحفظوا وصيتي. فيقولون: لا وعزّتك، ما قدرناك حقّ قدرك، وما أدَّينا إليك كلّ حقِك، إيذن لنا يا ربّنا أن نسجد لك. فيقول: وعزتي وجلالي إني وضعت عنكم مؤونة العبادة، وقد أفضيتم إلى كرامتي، وبلغ الموعد الذي وعدتكم، تمنّوا، فإن لكل إنسان منكم ما تمنّى... وقد بقي من هذا الحديث شيء كثير، وهو في أحاديث الجنّة.

اطفيش

تفسير : {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أى أدخلهم الملائكة أو أدخلهم الله كما قرأ الحسن وعمرو بن عبيد وأدخل بهمزة التكلم والرفع هو دليل على أن هذا من كلام الله تعالى {جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} حال مقدرة {فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} بأَمره متعلق بادخل وإِما على قراءة الحسن وعمر وفقيل متعلق بما بعده من الجملة أى بنسبة الخبر إلى المبتدأ، قلت هذا عندى ضعيف لأَن نسبة الخير إِلى المبتدأ عامل معنوى فلا يتقدم معمولها عليهما بل يتعلق بادخل والأَصل أدخلهم بإِذنى أى بمشيئتى وإِرادتى ووضع الظاهر وهو اسم الرب موضع المضمر وهو ياء إذنى بكسر الهمزة فلزم من ذلك الالتفات من التكلم للغيبة لأَن الظاهر من قبيل الغيبة {تَحِيَّتُهُمْ} من الله ومن الملائكة وفيما بينهم {فِيهَا سَلاَمٌ} أى تهنئة بالسلامة من الآفات ويحتمل أن يكون المعنى أن تحيتهم فيها السلامة منها، وليس بكلام من غيرهم لهم ولا من بعض لبعض، كما تقول لحبيبك تحيتك لحم وسمن تريدان له ذلك والأَول أظهر وأشهر ويدل له ما روى أنه بينما هم فى ظل شجرة طوبى يتحدثون تحتها إِذ أتتهم الملائكة بنوق مزمومة بسلاسل الذهب كأَن وجوهها المصابيح من حسنها منقادة عليها رحائل الذهب المكسوة بسندس وإِستبرق وتدفع إِليهم ثم يسلمون عليهم ويقولون إِن ربكم بعث إِليكم بهذه الرواحل لتركبوها وتتفسحون فى الجنة وتنظرون إِلى ما وعد لكم فيها مما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب أحد فيركبونها ويسيرون صفا لا تجاوز ناقة أُخرى بإِذنها ويمرون بالشجرة فتتأَخر عن مكانها فيرسل إِليهم ربهم السلام فيقولون ربنا أنت السلام ومن عندك السلام ولك حق الجلال والإِكرام فيقول لهم وعليكم السلام منى وعليكم رحمتى ومحبتى مرحبا بعبادى الذين أطاعونى بالغيب وحفظوا وصيتى ويقولون لا وعزتك ما قدرناك حق قدرك وما أدينا إِليك كل حقك ائذن لنا يا ربنا أن نسجد لك فيقول إنى وضعت عنكم مؤنة العبادة وقد أفضيتم إلى كرامتى وبلغ الوعد الذى وعدتكم تمنوا فإِن لكل إِنسان منكم ما تمنى.

اطفيش

تفسير : {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحتِهَا الأَنْهَارُ} أَى وأَدخل الله الذين آمنوا، كما قال يدخلهم ربهم، أَو أَدخل الملائِكة الذين آمنوا وعلموا الصالحات، وهم كالبواب يقول ادخل بإِذن مالك البيت فسمى الإِذن إِدخالا لأنه سبب للدخول، عقب شأْن أَهل النار بشأْن أَهل الجنة {خَالِدِينَ فِيهَا} أَى ناوين الخلود؛ لأَن الإِدخال سابق على الخلود {بإِذْنِ رَبِّهِمْ} متعلق بأدخل، ولو قيل: التقدير أَدخل الله الذين لأَن لفظ الجلالة غير مذكور بل لو ذكر لكان من وضع الظاهر موضع المضمر تلويحا بالتعرض لوصف الربيوبية إلى مزيد اللطف والرحمة لهم، وفى ذلك أَن الجنة بفضل الله لا بالإِيمان والعمل، ولو كانا سببا داعيا {تَحِيَّتْهُمْ فِيَها سَلامٌ} الجملة حال ثانية، أَو من ضمير خالدين، أَو مستأَنفة، ووجه اتصالها بمن قبل هذا أَن من شأْن المتخالطين السلام بينهم، وهاءُ الجمع لداخلى الجنة أَى تحتهم التى تأْتيهم، أَو يوقعها الملائِكة عليهم، أَو بعض على بعض، قال الله عز وجل عن الملائِكة: "أية : سلام عليكم بما صبرتم" تفسير : [الرعد: 24].

الالوسي

تفسير : {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} بصيغة المضارع المسند إلى المتكلم. وأنت تعلم أنه إذا اعتبرت هذه القراءة مؤيدة لهذا القول فلتعتبر قراءة الجمهور {أدخل} بصيغة الماضي المبني للمفعول مؤيدة لما قبله فإن المدخلين الملائكة عليهم السلام فتأمل، وكأن الله تعالى/ لما جمع الفريقين في قوله سبحانه: {أية : وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } تفسير : [إبراهيم: 21] وذكر شيئاً من أحوال الكفار ذكر ما آل إليه أمر المؤمنين من إدخالهم الجنة {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} أي بأمره سبحانه أو بتوفيقه وهدايته جل شأنه، والجار والمجرور متعلق ـ بأدخل ـ على قراءة الجمهور. وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد اللطف بهم، وعلقه جماعة على القراءة الأخرى بقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ} أي يحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم. وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدري وفعل عليه وهو غير جائز لما أن ذلك في حكم تقديم جزء من الشيء المرتب الأجزاء عليه. ورد بأن الظاهر أنه هنا غير منحل إليهما لأنه ليس المعنى المقصود منه أن يحيوا فيها بسلام، ولو سلم فمراد القائل بالتعلق التعلق المعنوي فالعامل فيه فعل مقدر يدل عليه {تَحِيَّتُهُمْ} أي يحيون بإذن ربهم. وقال العلامة الثاني: الأظهر أن التقديم جائز إذا كان المعمول ظرفاً أو شبهه وهو في الكلام كثير، والتقدير تكلف، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أول به، مع أن الظرف مما يكفيه رائحة من الفعل لأن له شأناً ليس لغيره لتنزله من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها اهـ، وبالجواز أقول، وإنما لم يجعله المحققون متعلقاً ـ بأدخل ـ على تلك القراءة مع أنه سالم من الاعتراض ومشتمل على الالتفات أو التجريد وهو من المحسنات لأن قولك: أدخلته بإذني ركيك لا يناسب بلاغة التنزيل، والالتفات أو التجريد حاصل إذا علق بما بعده أيضاً. وفي "الانتصاف" ((الصارف عن هذا الوجه هو أن ظاهر {أُدْخِلَ} بلفظ المتكلم يشعر بأن إدخالهم الجنة لم يكن بواسطة بل من الله تعالى مباشرة وظاهر الإذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة فبينهما تنافر، واستحسن أن يعلق ـ بخالدين ـ والخلود غير الدخول فلا تنافر))، وتعقبه في «الكشف» بأن ذلك لا يدفع الركاكة وكأنه لما أن الإذن للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر، وكون المراد بمشيئتي وتيسيري لا يدفع ذلك عند التأمل الصادق، فما ذهب إليه ابن جني واستطيبه الشيخ الطيبـي وارتضاه ليس بشيء لمن سلم له ذوقه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {وبرزوا لله جميعاً}، وهو انتقال لوصف حال المؤمنين يومئذٍ بمناسبة ذكر حال المشركين لأن حال المؤمنين يومئذٍ من جملة الأحوال المقصودة بالوصف إظهاراً لتفاوت الأحوال، فلم يدخل المؤمنون يومئذٍ في المنازعة والمجادلة تنزيهاً لهم عن الخوض في تلك الغمرة، مع التنبيه على أنهم حينئذٍ في سلامة ودعة. ويجوز جعل الواو للحال، أي برزوا وقال الضعفاء وقال الكبراء وقال الشيطان إلخ وقد أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات، فيكون إشارة إلى أنهم فازوا بنزل الكرامة من أول وهلة. وقوله: {بإذن ربهم} إشارة إلى العناية والاهتمام، فهو إذن أخص من أمر القضاء العام. وقوله: {تحيتهم فيها سلام} تقدم نظيره في أول سورة يونس.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. بين في هذه الآية الكريمة أن تحية أهل الجنة في جنة سلام وبين في مواضع أخر أن الملائكة تحييهم بذلك وأن بعضهم يحيي بعضاً بذلك فقال في تحية الملائكة لهم: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}تفسير : [الرعد: 23 - 24] الآية وقال: {أية : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} تفسير : [الزمر: 73] الآية وقال: {أية : وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 75] وقال في تحية بعضهم بعضاً: {أية : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}تفسير : [يونس: 10] الآية كما تقدم إيضاحه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} {سَلاَمٌ} (23) - أَمَّا المُؤْمِنُونَ الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا فِي الدُّنْيَا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَأَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي المِيَاهُ فِي جَنَبَاتِهَا، لِيَكُونُوا فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا وَلا يَزُولُونَ، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ إِلى الإِيمَانِ، وَفِعْلِ الخَيْراتِ وَتُحْيِّيهِمُ المَلاَئِكَةُ فِيهَا قَائِلِينَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا جاء الفعل، ويمكن نسبته إلى ثلاث جهاتٍ. ولكل جهة مَلْحظ؛ فمرّة يُسنَد الفعل لله سبحانه، ومرّة يُنسب الفعل للملائكة الذين يتلقوْن الأمر من الله بإدخال المؤمنين الجنة؛ ومرّة للمؤمنين الذين يدخلون الجنة بإذن الله. فالله أدخلهم إذْناً؛ والملائكة المُوكَّلون فتحوا أبواب الجنة لهم؛ والمؤمنون دخلوا بالفعل. وهكذا يكون لكُلٍّ مَلْحظ. وهناك قراءة أخرى للآية توضح ذلك: "وأُدْخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة" والمتكلم هنا هو الله. ونلحظ أن الله قال هنا: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ..} [إبراهيم: 23]. لكي تضم كلمة "أدخل" أنه سبحانه أذن بدخولهم؛ لأنه قال في نفس الآية: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم: 23]. وأن الملائكة المُكلّفين بذلك فتحوا لهم أبوابها. والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن الله. ونلحظ أن كُلَّ الكلام هنا عن الجنات؛ فما هي الجنات؟ ونقول: إن الجنة في أصل اللغة هي السّتْر، ومنها الجنون أي: سَتْر العقل، والمادة هي: الجيم والنون، والجنة تستر مَنْ فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث مَنْ يمشي فيها لا يظهر؛ لأن أشجارها تستره. أو: أن مَنْ يدخلها يجلس فيها ولا يراه أحد؛ لأن كل خير فيها لا يُلجئه أن يخرج منها. وتُطلق الجنات على ما في الدنيا أيضاً؛ والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ..} تفسير : [البقرة: 266]. ولنا أن نعرف أن الجنةَ غَيْر المساكن التي في الجنة؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} تفسير : [التوبة: 72]. والجنة - ولله المثَل الأعلى - هي الحديقة الواسعة؛ وهذا الاتساع مُوزّع على كل مَرْأى عَيْن. والإنسان - بعجائب تكوينه - يُحِب أن يتخصص في مكان مرة؛ ويحب أن ينتشر في مكان مرة أخرى؛ فيستأجر شقة أو يبني لنفسه بيتاً مستقلاً "فيللا" وفي البيت أو الفيللا يحب الإنسان أن تكون له حجرة خاصة لا يدخلها غيره. والإنسان يُقيّم الأشياء على هذا الأساس؛ فينظر مَنْ يرغب في شراء قطعة أرض ليبني عليها بيتاً؛ أهي تُطِلّ على حارة أم على شارع؟ وهل سيستطيع أنْ يعلوَ بالبناء إلى عدة أدوار أم لا؟ وهل سيخصص قطعة من الأرض كحديقة أم لا؟ فإنْ كانت الأرض تُطِل على الفضاء، فحساب المتر ليس بالثمن المدفوع فيه؛ ولكن بقيمة ما يتيحه من اتساع أُفق وفضاء من مزارع أو على البحر مثلاً، حيث لن يتطفلَ عليك أحدٌ في هذا المكان. والجنات بهذا الشكل التقريبي؛ هي أماكن مُتسعة، وكل مَنْ يدخلها له فيها مساكن طيبة، تلك الجنات تجري من تحتها الأنهار. ومَنْ يدخلونها. {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ..} [إبراهيم: 23]. ذلك أن الإنسان يحب التنعُّم؛ ولكن كل تنعُّم في الدنيا هناك ما يُنغِّصه، وهل يدوم أم لا يدوم؟ وكل مِنّا رأى أُناساً عاشت في نعيم؛ ثم نُزِع منها بحكم الأغيار؛ أو تركوه بحكم الموت. أما جنة الله ونعيمها فالأمر مختلف؛ ذلك أن النعيم هناك لا يفوتُك ولا تفوته؛ لأنه على قَدْر إمكانات ربِّك. ونلحظ أن قول الحق سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا ..} [إبراهيم: 23]. يُوضِّح أن الخلودَ في الجنة دائمٌ بإذن من الله. ويتابع سبحانه: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [إبراهيم: 23]. والتحية هو ما يواجه به الإنسان أخاه إثباتاً لسروره بلقائه؛ ولذلك تأتي التحية على مقدار السرور؛ فمرّة تكون التحية بمجرد رَفْع اليد دون مُصَافحة؛ وقد لا تكتفي بذلك في حالة ازدياد المعزَّة التي لصاحبك عندك؛ فتصافحه؛ وقد تأخذه في أحضانك، وهكذا ترتقي في التحية، وهي إعلانُ السرورِ باللقاء. وتحيةُ الجنة هي السلام؛ لأن السلام أمنُ كل إنسان؛ سلامٌ مع نفسك؛ فلا تُكدِّرها بحديث النفس الذي يندم على ما فات؛ أو الحُلْم بعمل قادم، فالسلام في الجنة لن تجد فيه مُنغِّصاتٍ من الماضي أو الحاضر أو المستقبل؛ وتنسجم مع كل ما حولك في الكون؛ الجماد؛ النبات؛ البشر؛ الملائكة. ولذلك قال الحق سبحانه تذييلاً لهذه الآية: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [إبراهيم: 23]. وهذه أفضلُ نعمة، وهي الحياة في سلامٍ وأَمْن، وبعد ذلك تدخُل الملائكة عليهم مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 23-24]. ثم يُلقَّون السلام الأعلى من الله؛ وهو القائل: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القُرْب والسعادة، وأهل البُعْد والشقاء، أراد عز وجل أن يضرب لنا مثلاً يوضح فيه الفارق بين منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج الله، ومنهج الأشقياء الذين اتبعوا مناهج شتى غير منهج الله، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ...}.