Verse. 1774 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

اَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللہُ مَثَلًا كَلِمَۃً طَيِّبَۃً كَشَجَرَۃٍ طَيِّبَۃٍ اَصْلُہَا ثَابِتٌ وَّفَرْعُہَا فِي السَّمَاۗءِ۝۲۴ۙ
Alam tara kayfa daraba Allahu mathalan kalimatan tayyibatan kashajaratin tayyibatin asluha thabitun wafarAAuha fee alssamai

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» تنظر «كيف ضرب الله مثلا» ويبدل منه «كلمة طيبة» أي لا إله إلا الله «كشجرة طيبة» هي النخلة «أصلها ثابت» في الأرض «وفرعها» غصنها «في السماء».

24

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء، ذكر مثالاً يبين الحال في حكم هذين القسمين، وهو هذا المثل. وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها. فالصفة الأولى: لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً. أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل. وثانيها: كونها طيبة الرائحة. وثالثها: كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة. ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها، ويجب حمل قوله: شجرة طيبة، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب. والصفة الثانية: قوله: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ } أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به. والصفة الثالثة: قوله: {وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ } وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين: الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق. والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب. والصفة الرابعة: قوله: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } والمراد: أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة، وهي أن ثمرتها لا بد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي يكون ثمارها حاضراً في بعض الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فإنه لايجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها. إذا عرفت هذا فنقول: معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع. أما الصفة الأولى: وهي كونها طيبة فهي حاصلة، بل نقول: لا طيب ولا لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن، فلأجل حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة وههنا الملائم لجوهر النفس النطقية والروح القدسية، ليس إلا معرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جداً، بل نقول: اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالاً من اللذة الحاصلة بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة الله وبيان هذا التفاوت من وجوه: الوجه الأول: أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقي سطح المحسوس فقط، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما ههنا فمعرفة الله تعالى وذلك النور وذلك الإشراق صار سارياً في جوهر النفس متحداً به وكأن النفس عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا فرق عظيم بين البابين. والوجه الثاني: في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة الذائقة، والمحسوس هو الطعم المخصوص وههنا المدرك هو جوهر النفس القدسية، والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله، وصفات جلاله وإكرامه، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر. الوجه الثالث: في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت زالت في الحال، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير، أما كمال الحق وجلاله فإنه ممتنع التغير والتبدل واستعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضاً ممتنع التغير، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه. واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيهاً للعقل السليم على سائرها. وأما الصفة الثانية وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل، فهذه الصفة في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكمل، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية، وهذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء، وأيضاً مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال الله تعالى، وهذا التجلي من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور، وذلك مما يمتنع عقلاً زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته، وواجب الوجود في جميع صفاته والتغير والفناء والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة. الصفة الثالثة: لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء. واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني. وأما النوع الأول: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: « حديث : التعظيم لأمر الله » تفسير : ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم الأرواح، وفي عالم الأجسام، وفي أحوال عالم الأفلاك والكواكب، وفي أحوال العالم السفلي، ويدخل فيه محبة الله تعالى والشوق إلى الله تعالى والمواظبة على ذكر الله تعالى والاعتماد بالكلية على الله تعالى، والانقطاع بالكلية عما سوى الله تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية. وأما النوع الثاني: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: « حديث : والشفقة على خلق الله » تفسير : ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الذنوب، والسعي في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ومقابلة الإساءة بالإحسان. وهذه الأقسام أيضاً غير متناهية وهي فروع ثابتة من شجرة معرفة الله تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلاً في معرفة الله تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل. وأما الصفة الرابعة: فهي قوله تعالى: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية، لأن شجرة المعرفة موجبة لهذه الأحوال ومؤثرة في حصولها والسبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظره بالعبرة كما قال: { أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } تفسير : [الزمر: 18] ونطقه بالصدق والصواب كما قال: { أية : كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } تفسير : [النساء: 135] وقال عليه السلام: « حديث : قولوا الحق ولو على أنفسكم » تفسير : وهذا الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأكمل، كان ظهور هذه الآثار عنده أكثر، وربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لاحظ شيئاً لاحظ الحق فيه، وربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى شيئاً إلا وقد كان قد رأى الله تعالى قبله. فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } وأيضاً فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية والملكات الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة ولمحة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل، كثمرة هذه الشجرة. وأما قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهَا } ففيه دقيقة عجيبة، وذلك لأن عند حصول هذه الأحوال السنية، والدرجات العالية، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي، وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث هي هي، وإنما يفرح بها من حيث إنها من المولى، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال، ولذلك قال بعض المحققين: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني، ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره الله تعالى في هذا الكتاب مثال هادٍ إلى عالم القدس، وحضرة الجلال، وسرادقات الكبرياء، فنسأل الله تعالى مزيد الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب، وذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاماً لا بأس به، فقال: إنما مثل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وأغصان عالية. كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، والله أعلم. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: في نصب قوله: {كَلِمَةً طَيّبَةً } وجهان: الأول: أنه منصوب بمضمر والتقدير: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً }. الثاني: قال ويجوز أن ينتصب مثلاً. وكلمة بضرب، أي ضرب كلمة طيبة مثلاً بمعنى جعلها مثلاً، وقوله: {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هي كشجرة طيبة. الثالث: قال صاحب «حل العقد» أظن أن الأوجه أن يجعل قوله: {كَلِمَةَ } عطف بيان، والكاف في قوله: {كَشَجَرَةٍ } في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة. المسألة الثالثة: قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين. وقال صاحب «الكشاف»: إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان، وأراد بشجرة طيبة الثمرة، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت، وفرعها أي أعلاها في السماء، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء {تُؤْتِى } أي هذه الشجرة {أُكُلُهَا } أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين، فقال: الحين ستة أشهر، وتلا قوله تعالى: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } وقال مجاهد وابن زيد: سنة، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة. وقال سعيد بن المسيب: شهران، لأن مدة إطعام النخلة شهران. وقال الزجاج: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت، والمراد من قوله: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلاً أو نهاراً أو شتاء أو صيفاً. قالوا: والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة. وأقول: هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، واختلافهم في تفسير الحين أيضاً من هذا الباب، والله أعلم بالأمور. ثم قال: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب. وأما قوله تعالى: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ }. فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله، فإنه أول الآفات وعنوان المخافات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة: الصفة الأولى: أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة، وقيل: إنها الكراث. وقيل: إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل: إنها شجرة الشوك. واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد تكون بحسب الطعم، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر وقد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعاً في المطلوب. والصفة الثانية: قوله: {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ } وهذه الصفة في مقابلة قوله: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ } ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الإجتثاث أخذ الجثة كلها، وقوله: {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ } معناه: ليس لها أصل ولا عرق، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة. والصفة الثالثة: قوله ما لها من قرار، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية، والمعنى أنه ليس لها استقرار. يقال: قر الشيء قراراً كقولك: ثبت ثباتاً، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت. واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال، وذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة، وخالية عن كل المنافع أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله: {خَبِيثَةٍ } وأما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله: {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مالَهَا مِن قَرَارٍ } والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} لما ذكر تعالى مَثَل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، ذكر مَثَل أقوال المؤمنين وغيرها، ثم فسّر ذلك المَثَل فقال: {كَلِمَةً طَيِّبَةً} الثّمر، فحذف لدلالة الكلام عليه. قال ابن عباس: الكلمة الطيبة لا إله إلا الله والشجرة الطيبة المؤمن. وقال مجاهد وابن جريج: الكلمة الطيبة الإيمان. عطية الْعَوْفيّ والرّبيع بن أنَس: هي المؤمن نفسه. وقال مجاهد أيضاً وعِكْرمة: الشّجرة النَّخلة؛ فيجوز أن يكون المعنى: أصل الكلمة في قلب المؤمن ـ وهو الإيمان ـ شبّهه بالنخلة في الْمنْبِت، وشّبه ارتفاع عمله في السماء بارتفاع فروع النّخلة، وثواب الله له بالثّمر. وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن مَثَل الإيمان كمثل شجرة ثابتةٍ الإيمان عُروقُها والصلاةُ أصلُها والزكاةُ فروعُها والصيامُ أغصانُها والتأذي في الله نباتُها وحسنُ الخُلُقِ ورقُها والكفُّ عن محارم الله ثمرتُها»تفسير : . ويجوز أن يكون المعنى: أصل النّخلة ثابت في الأرض؛ أي عروقُها تشرب من الأرض وتسقيها السماء من فوقها، فهي زاكية نامية. وخرّج الترمذيّ من حديث أَنَس بن مالك قال: اتيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقِناع فيه رُطَب، فقال: «حديث : مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرةَ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فيِ السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ـ قال ـ هي النخلة وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْض مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ـ قال ـ هي الحنظل»تفسير : . وروي عن أنس قوله (وقال): وهو أصح. وخرج الدَّارقُطْنيّ حديث : عن ٱبن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هي» فوقع في نفسي أنها النّخلةتفسير : . قال السُّهَيليّ ولا يصح فيها ما روي عن عليّ بن أبي طالب أنها جَوْزة الهند. لمِا صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «حديث : إنّ من الشجرة شجرةً لا يسقط ورقها وهي مِثْلُ المؤمن خبِّروني ما هي ـ ثم قال ـ هي النخلة» تفسير : خرّجه مالك في «الموطأ» من رواية ابن القاسم وغيره إلاّ يحيـى فإنه أسقطه من روايته. وخرجه أهل الصحيح وزاد فيه الحارث بن أسامة زيادة تساوي رِحلة؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : وهي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة». تفسير : فبيّن معنى الحديث والمماثلة. قلت: وذكر الغَزْنَويّ عنه عليه السلام: «حديث : مَثَلُ المؤمن كالنّخلة إن صاحبتَه نفعَك وإن جالستَه نفعَك وإن شاورتَه نفعك كالنخلة كل شيء منها ينتفع به»تفسير : . وقال: «كُلُوا من عَمَّتكم» يعني النخلة خلقت من فَضْلة طينة آدم عليه السلام، وكذلك أنها برأسها تَبقى، وبقلبها تَحيا، وثمرها بامتزاج الذّكر والأنثى. وقد قيل: إنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شُبّهت به؛ وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها، والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهبت أصلاً؛ ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح لأنها لا تحمل حتى تُلْقَح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير المال سِكّة مَأْبُورَة ومُهْرَة مأمورة»تفسير : . والإبّار اللقاح وسيأتي في سورة «الحجر» بيانه. ولأنها من فضلة طينة آدم. ويقال: إن الله عز وجل لما صوّر آدم من الطّين فَضَلت قطعة طين فصوّرها بيده وغرسها في جنّة عَدْن. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «أكرموا عَمّتكم» قالوا: ومن عمتنا يا رسول الله؟ قال: «النخلة»تفسير : . {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} قال الربيع: «كُلِّ حِينٍ» غدوة وعِشية كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره؛ وقاله ابن عباس. وعنه {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} قال: هو شجرة (جوزة) الهند لا تتعطل من ثمرة، تحمل في كل شهر، شبّه عمل المؤمن لله عز وجل في كل وقت بالنخلة التي تؤتي أكلها في أوقات مختلفة. وقال الضحاك: كل ساعة من ليل أو نهار شتاء وصيفاً يؤكل في جميع الأوقات، وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها. وقال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة، لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذّ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره، وأنشد الأصمعيّ بيت النّابغة:شعر : تَنَاذَرها الرَّاقُونَ مِن سُوءِ سمّها تُطَلِّقُه حِيناً وحِيناً تُرَاجِعُ تفسير : فهذا يبيّن لك أن الحين بمعنى الوقت، فالإيمان ثابت في قلب المؤمن، وعمله وقوله وتسبيحه عالٍ مرتفع في السماء ارتفاع فروع النخلة، وما يكسب من بركة الإيمان وثوابه كما يُنال من ثمرة النّخلة في أوقات السنة كلها، من الرطب والبُسْر والبلح والزَّهْو والتّمر والطلع. وفي رواية عن ابن عباس: إن الشجرة شجرة في الجنة تثمر في كل وقت. و «مَثَلاً» مفعول بـ «ـضَرَبَ»، «وكَلمَةً» بدل منه، والكاف في قوله: «كَشَجَرَةٍ» في موضع نصب على الحال من «كَلمة» التقدير: كلمة طيبة مشبهة بشجرة طيبة. الثانية: قوله تعالى: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} لما كانت الأشجار تؤتي أكلها كل سنة مرة كان في ذلك بيان حكم الحين؛ ولهذا قلنا: من حلف ألاّ يكلّم فلاناً حيناً، ولا يقول كذا حيناً إن الحين سنة. وقد ورد الحين في موضع آخر يراد به أكثر من ذلك لقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ}تفسير : [الإنسان:1] قيل في «التفسير»: أربعون عاماً. وحكى عِكرمة أن رجلاً قال: إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حُرٌّ، فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله، فسألني عنها فقلت: إن من الحين حيناً لا يدرك، قوله: {أية : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأنبياء: 111] فأرى أن تُمسك ما بين صِرَام النّخلة إلى حَمْلها، فكأنه أعجبه؛ وهو قول أبي حنيفة في الحين أنه ستة أشهر اتباعاً لعكرمة وغيره. وقد مضى ما للعلماء في الحين في «البقرة» مستوفى والحمد لله. {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي الأشباه {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ويعتبرون؛ وقد تقدم.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} كيف اعتمده ووضعه. {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً}، ويجوز أن تكون {كَلِمَةَ} بدلاً من {مَثَلاً} و {كَشَجَرَةٍ} صفتها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي {كَشَجَرَةٍ}، وأن تكون أول مفعولي ضرب إجراء له مجرى جعل وقد قرئت بالرفع على الابتداء. {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الأرض ضارب بعروقه فيها. {وَفَرْعُهَا } وأعلاها. {فِى ٱلسَّمَاءِ} ويجوز أن يريد وفروعها أي أفنائها على الاكتفاء بلفظ الجنس لاكتسابه الاستغراق من الإضافة. وقرىء «ثابت أصلها» والأول على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} شهادة أن لا إله إلا الله {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} وهو المؤمن، {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، {وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ} يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل، لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء، وهكذا رواه السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: هي النخلة، وشعبة عن معاوية بن قرة عن أنس: هي النخلة. وحماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقناع بسر، فقرأ: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} قال: هي «حديث : النخلة» تفسير : وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفاً، وكذا نص عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد ابن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم. وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أخبروني عن شجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفاً ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» تفسير : قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هي النخلة»تفسير : ، فلما قمنا، قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تتكلم؟ قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليَّ من كذا وكذا. وقال أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً، واحداً، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بُجمَّار، فقال: «حديث : من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم» تفسير : فأردت أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فسكتُّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هي النخلة»تفسير : ، أخرجاه. وقال مالك وعبد العزيز عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: «حديث : إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن»تفسير : . قال: فوقع الناسُ في شجر البوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هي النخلة»تفسير : ، أخرجاه أيضاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، يعني: ابن زيد العطار، حدثنا قتادة: أن رجلاً قال: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فقال: «حديث : أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضه على بعض، أكان يبلغ السماء؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟» تفسير : قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: «حديث : تقول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء»تفسير : . وعن ابن عباس: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} قال: هي شجرة في الجنة. وقوله: {تُؤْتِىۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} قيل: غدوة وعشياً، وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين. وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة، والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين {بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي: كاملاً حسناً كثيراً طيباً مباركاً {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. وقوله تعالى: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هذا مثل كفر الكافر، لا أصل له ولا ثبات، مشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان، رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك: أنها شجرة الحنظل. وقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس، أحسبه رفعه، قال: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} قال: هي النخلة، {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} قال: هي الشريان، ثم رواه عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة، عن معاوية عن أنس موقوفاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، هو ابن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي الحنظلة» تفسير : فأخبرت بذلك أبا العالية، فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به. ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا، فقال: حدثنا غسان عن حماد عن شعيب، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقناع عليه بسر، فقال: { مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ تُؤْتِىۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} فقال: «حديث : هي النخلة» تفسير : { وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} قال: «حديث : هي الحنظل» تفسير : قال شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية، فقال: كذلك كنا نسمع. وقوله: {ٱجْتُثَّتْ} أي: استؤصلت {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر، لا أصل له ولافرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } ويبدل منه {كَلِمَةً طَيّبَةً } أي (لا إلٰه إلا الله) {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } هي النخلة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ } في الأرض {وَفَرْعُهَا } غصنها {فِى ٱلسَّمَاء }؟

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار، وأنها كرماد اشتدّت به الريح، ثم ذكر نعيم المؤمنين، وما جازاهم الله به من إدخالهم الجنة خالدين فيها، وتحية الملائكة لهم ذكر تعالى ها هنا مثلاً للكلمة الطيبة، وهي كلمة الإسلام، أي: لا إلٰه إلاّ الله، أو ما هو أعمّ من ذلك من كلمات الخير، وذكر مثلاً للكلمة الخبيثة، وهي كلمة الشرك، أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الشرّ، فقال مخاطباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مخاطباً لمن يصلح للخطاب: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } أي: اختار مثلاً وضعه في موضعه اللائق به، وانتصاب {مثلاً} على أنه مفعول ضرب، و{كلمة} بدل منه، ويجوز أن تنتصب الكلمة على أنها عطف بيان لـ {مثلاً}، ويجوز أن تنتصب الكلمة بفعل مقدّر، أي: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وحكم بأنها مثلها، ومحل {كشجرة} النصب على أنها صفة لكلمة، أو الرفع على تقدير مبتدأ، أي: هي كشجرة، ويجوز أن تكون {كلمة} أوّل مفعولي {ضرب}، وأخرت عن المفعول الثاني، وهو {مثلاً} لئلا تبعد عن صفتها، والأوّل أولى، و{كلمة}وما بعدها تفسير للمثل، ثم وصف الشجرة بقوله: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ } أي: راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها {فِى ٱلسَّمَاء} أي: أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء. ثم وصفها سبحانه بأنها {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} كل وقت {بِإِذْنِ رَبّهَا } بإرادته ومشيئته، قيل: وهي النخلة. وقيل غيرها. وقيل: والمراد بكونها {تؤتي أكلها كل حين} أي: كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف. وقيل: المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين؛ وقيل: كل غدوة وعشية، وقيل: كل شهر. وقيل: كل ستة أشهر. قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة؛ لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلاّ من شذّ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره، وأنشد الأصمعي قول النابغة:شعر : تطلقه حيناً وحيناً تراجع تفسير : قال النحاس: وهذا يبين لك أن الحين بمعنى الوقت. وقد ورد الحين في بعض المواضع يراد به: أكثر كقوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ }تفسير : [الإنسان: 1]. وقد تقدّم بيان أقوال العلماء في الحين في سورة البقرة في قوله: {أية : وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ }تفسير : [البقرة: 36]. وقال الزجاج: الحين: الوقت طال أم قصر. {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتفكرون أحوال المبدأ والمعاد. وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته، وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني. {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } قد تقدّم تفسيرها. وقيل: هي الكافر نفسه، والكلمة الطيبة: المؤمن نفسه. {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} أي: كمثل شجرة خبيثة، قيل: هي شجرة الحنظل. وقيل: هي شجرة الثوم. وقيل: الكمأة؛ وقيل: الطحلبة. وقيل: هي الكشوث بالضم وآخره مثلثة، وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض. قال الشاعر:شعر : وهي كشوث فلا أصل ولا ثمر تفسير : وقرىء "ومثلاً كلمة" بالنصب عطفاً على كلمة طيبة {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأرْضِ } أي: استؤصلت واقتلعت من أصلها، ومنه قول الشاعر:شعر : هو الجلاء الذي يجتث أصلكم تفسير : قال المؤرج: أخذت جثتها وهي نفسها، والجثة: شخص الإنسان، يقال: جثَّه: قلعه، واجتثه: اقتلعه. ومعنى {من فوق الأرض}: أنه ليس لها أصل راسخ، وعروق متمكنة من الأرض {ما لَهَا مِن قَرَارٍ } أي: من استقرار على الأرض. وقيل: من: ثبات على الأرض، كما أن الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه، ولا خير يأتي منه أصلاً، ولا يصعد له قول طيب ولا عمل طيب. {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ } أي: بالحجة الواضحة، وهي الكلمة الطيبة المتقدّم ذكرها، وقد ثبت في الصحيح أنها كلمة الشهادة: «شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله وأن محمداً رسول الله» وذلك إذا قعد المؤمن في قبره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فذلك قوله تعالى: {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ }"تفسير : . وقيل: معنى تثبيت الله لهم: هو أن يدوموا على القول الثابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة:شعر : يثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا تفسير : ومعنى {في الحياة الدنيا} أنهم يستمرّون على القول الثابت في الحياة الدنيا. قال جماعة: المراد بالحياة الدنيا في هذه الآية: القبر؛ لأن الموتى في الدنيا حتى يبعثوا. ومعنى {وَفِي ٱلآخِرَةِ } وقت الحساب. وقيل: المراد بالحياة الدنيا: وقت المساءلة في القبر، وفي الآخرة: وقت المساءلة يوم القيامة: والمراد: أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ولا تردّد ولا جهل، كما يقول: من لم يوفق: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي: يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم، ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا. قيل: والمراد بالظالمين هنا: الكفرة. وقيل: كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة، فإنه لا يثبت في مواقف الفتن، ولا يهتدي إلى الحق. ثم ذكر سبحانه أنه يفعل ما يشاء من التثبيت والخذلان لا رادّ لحكمه، ولا يسأل عما يفعل. قال الفراء: أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما يفعل، والإظهار في محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة كما قيل: والله أعلم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً } قال: شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } وهو المؤمن {أَصْلُهَا ثَابِتٌ } يقول: لا إلٰه إلاّ الله ثابت في قلب المؤمن {وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَاء } يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } وهي الشرك {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } يعني: الكافر {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ لَهَا مِن قَرَارٍ} يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملاً. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. وأخرج الترمذي، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر فقال: {مَثَلُ كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} حتى بلغ: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا } قال: "هي النخلة" {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } حتى بلغ: {ما لها مِن قَرَارٍ } قال: "هي الحنظلة". وروي موقوفاً على أنس، قال الترمذي: الموقوف أصح. وأخرج أحمد وابن مردويه. قال السيوطي بسند جيد عن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} قال: «حديث : هي التي لا ينقص ورقها قال: هي النخلة»تفسير : . وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: "حديث : إن شجرة من الشجر، لا يطرح ورقها مثل المؤمن" قال: فوقع الناس في شجر البوادي. ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة"»تفسير : . وفي لفظ للبخاري قال: «حديث : أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحاتّ ورقها وتؤتي أكلها كل حين»تفسير : فذكر نحوه. وفي لفظ لابن جرير وابن مردويه من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل تدرون ما الشجرة الطيبة؟"، "ثم قال: هي النخلة"»تفسير : وروي نحو هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا } قال: كل ساعة بالليل والنهار والشتاء والصيف، وذلك مثل المؤمن يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء والصيف. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: يكون أخضر ثم يكون أصفر. وأخرج عنه أيضاً في قوله: {كُلَّ حِينٍ } قال: جذاذ النخل. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } قال: تطعم في كل ستة أشهر. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً قال: الحين هنا: سنة. وأخرج البيهقي عنه أيضاً قال: الحين: قد يكون غدوة وعشية. وقد روي عن جماعة من السلف في هذا أقوال كثيرة. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إلٰه إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله سبحانه: {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ }»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي عن البراء بن عازب في قوله: {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية قال: التثبيت في الحياة الدنيا إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر فقالا: من ربك؟ فقال: ربي الله، قال: وما دينك؟ قال: ديني الإسلام. قال: ومن نبيك؟ قال نبيـي محمد صلى الله عليه وسلم. فذلك التثبيت في الحياة الدنيا. وأخرج البيهقي عن ابن عباس نحوه. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن أبي سعيد في الآية قال: في الآخرة القبر. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية. قال: "هذا في القبر"»تفسير : . وأخرج البيهقي من حديثها نحوه. وأخرج البزار عنها أيضاً قالت: «حديث : قلت: يا رسول الله، تبتلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ قال: {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية»تفسير : وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت في قبره، وفي جوابه عليهم وفي عذاب القبر وفتنته، وليس هذا موضع بسطها، وهي معروفة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ألم تَرَ كَيْفَ ضرب اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ}في الكلمة الطيبة قولان: أحدهما: أنها الإيمان، قاله مجاهد وابن جريج. الثاني: أنه عنى بها المؤمن نفسه، قاله عطية العوفي والربيع بن أنس. وفي الشجرة الطيبة قولان: أحدهما: أنها النخلة، وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر وأنس بن مالك. الثاني: أنها شجرة في الجنة، قاله ابن عباس. وحكى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة: الإيمان، والشجرة الطيبة: المؤمن. {أصلها ثابت} يعني في الأرض. {وفرعها في السماء} أي نحو السماء. {تؤتي أكُلَها} يعني ثمرها. {كلَّ حين بإذن ربها}والحين عند أهل اللغة: الوقت. قال النابغة: شعر : تناذرها الرّاقون من سُوءِ سُمِّها تُطلِّقُه حيناً وحيناً تُراجع تفسير : وفي{الحين} ها هنا ستة تأويلات: أحدها: يعني كل سنة، قاله مجاهد، لأنها تحمل كل سنة. الثاني: كل ثمانية أشهر، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنها مدة الحمل ظاهراً وباطناً. الثالث: كل ستة أشهر، قاله الحسن وعكرمة، لأنها مدة الحمل ظاهراً. الرابع: كل أربعة أشهر، قاله سعيد بن المسيب لأنها مدة يرونها من طلعها إلى جذاذها. الخامس: كل شهرين، لأنها مدة صلاحها إلى جفافها. السادس: كل غدوة وعشية، لأنه وقت اجتنائها، قاله ابن عباس. وفي قوله تعالى{في الحياة الدنيا وفي الآخرة}وجهان: أحدهما: أن المراد بالحياة الدنيا زمان حياته فيها، وبالآخرة المساءلة في القبر، قاله طاوس وقتادة. الثاني: أن المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر أن يأتيه منكر ونكير فيقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: إن اهتَدَى: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. {ويضلُّ اللهُ الظالمين}فيه وجهان: أحدهما: عن حجتهم في قبورهم، كما ضلوا في الحياة الدنيا بكفرهم. الثاني: يمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا. {ويفعل الله ما يشاء} فيه وجهان: أحدهما: مِن إمهال وانتقام. الثاني: من ضغطة القبر ومساءلة منكر ونكير. وروى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منه سعد بن معاذ، ولقد ضم ضَمّةً ". تفسير : وقال قتادة: ذكر لنا أنّ عذاب القبر من ثلاثة: ثلثٌ من البول. وثلثٌ من الغيبة، وثلثٌ من النميمة. وسبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف مساءَلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت قال عمر: يا رسول الله أيكون معي عقلي:؟ قال: "نعم" قال. كُفيت إذن، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله عز وجل:{ومثل كلمة خبيثة}فيها قولان: أحدهما: أنها الكفر. الثاني: أنها الكافر نفسه. {كشجرة خبيثةٍ}فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها شجرة الحنظل، قاله أنس بن مالك. الثاني: أنها شجرة لم تخلف، قاله ابن عباس. الثالث: أنها الكشوت. {اجتثت من فوق الأرض}أي اقتلعت من أصلها، ومنه قول لقيط: شعر : هو الجلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مِثل ذا يوماً ومَنْ سمعا تفسير : {ما لها من قرار}فيه وجهان: أحدهما: ما لها من أصل. الثاني: ما لها من ثبات. وتشبيه الكلمة الخبيثة بهذه الشجرة التي ليس لها أصل يبقى، ولا ثمر يجتنى أن الكافر ليس له عمل في الأرض يبقى، ولا ذكر في السماء يرقى.

ابن عطية

تفسير : قوله: {ألم تر} بمعنى ألم تعلم، و {مثلاً} مفعول بضرب، و {كلمة} مفعول أول بها، و {ضرب} هذه تتعدى إلى مفعولين، لأنها بمنزلة جعل ونحوه إذ معناها: جعل ضربها. وقال المهدوي: {مثلاً} مفعول، و {كلمة} بدل منه. قال القاضي أبو محمد: وهذا على أنها تتعدى إلى مفعول واحد، وإنما أوهم في هذا قلة التحرير في {ضرب} هذه. والكاف في قوله: {كشجرة} في موضع الحال، أي مشبهة شجرة. قال القاضي أبو محمد: وقال ابن عباس وغيره: "الكلمة الطيبة" هي لا إله إلا الله، مثلها الله بـ "الشجرة الطيبة"، وهي النخلة في قول أكثر المتأولين، فكأن هذه الكلمة {أصلها ثابت} في قلوب المؤمنين، وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية والحسنة وما يتحصل من عفو الله ورحمته - هو فرعها يصعد إلى السماء من قبل العبد، ويتنزل بها من قبل الله تعالى. وقرأ أنس بن مالك "ثابت أصلها" وقالت فرقة: إنما مثل الله بـ "الشجرة الطيبة" المؤمن نفسه، إذ "الكلمة الطيبة" لا تقع إلا منه، فكأن الكلام كلمة طيبة وقائلها. وكأن المؤمن ثابت في الأرض وأفعاله وأقواله صاعدة، فهو كشجرة فرعها في السماء، وما يكون أبداً من المؤمن من الطاعة، أو عن الكلمة من الفضل والأجر والغفران هو بمثابة الأكل الذي تأتي به كل حين. وقوله عن الشجرة {وفرعها في السماء} أي في الهواء نحو السماء، والعرب تقول عن المستطيل نحو الهواء، وفي الحديث: حديث : خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً تفسير : ، وفي كتاب سيبويه: والقيدودة: الطويل في غير سماء. قال القاضي أبو محمد: كأنه انقاد وامتد. وقال أنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: "الشجرة الطيبة" في هذه الآية هي النخلة، وروي ذلك في أحاديث وقال ابن عباس أيضاً: هي شجرة في الجنة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون شجرة غير معينة إلا أنها كل ما اتصف بهذه الصفات فيدخل في ذلك النخلة وغيرها. وقد شبه الرسول عليه السلام المؤمن الذي يقرا القرآن بالأترجة، فلا يتعذر أيضاً أن يشبه بشجرتها. و"الأكل" الثمر وقرأ عاصم وحده "أكُلها" بضم الكاف. وقوله: {كل حين}: "الحين" في اللغة - القطيع من الزمن غير محدد كقوله تعالى: {أية : هل أتى على الإنسان حين} تفسير : [الإنسان: 1] وكقوله: {أية : ولتعلمن نبأه بعد حين} تفسير : [ص: 88]. وقد تقتضي لفظة الحين بقرينتها تحديداً، كهذه الآية، فإن ابن عباس وعكرمة ومجاهداً والحكم وحماداً وجماعة من الفقهاء قالوا: من حلف ألا يفعل شيئاً حيناً فإنه لا يفعله سنة، واستشهدوا بهذه الآية {تؤتي أكلها كل حين} أي كل سنة، وقال ابن عباس وعكرمة والحسن: أي كل ستة أشهر، وقال ابن المسيب: الحين شهران لأن النخلة تدوم مثمرة شهرين، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك والربيع بن أنس: {كل حين} أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها. قال القاضي أبو محمد: وهكذا يشبهها المؤمن الذي هو في جميع أيامه في عمل، أو الكلمة التي أجرها والصادر عنها من الأعمال مستمر، فيشبه أن قول الله تعالى إنما شبه المؤمن أو الكلمة بالشجرة في حال إثمارها إذ تلك أفضل أحوالها. وتأول الطبري في ذلك أن أكل الطلح في الشتاء، وإن أكل الثمر في كل وقت من أوقات العام، وهو إتيان أكل، وإن فارق النخل، وإن فرضنا التشبيه بها على الإطلاق. وهي إنما تؤتي في وقت دون وقت، فالمعنى كشجرة لا تخل بما جعلت له من الإتيان بالأكل في الأوقات المعلومة، فكذلك هذا المؤمن لا يخل بما يسر له من الأعمال الصالحة أو الكلمة التي لا تغب بركتها والأعمال الصادرة عنها بل هي في حفظ النظام كالشجرة الطيبة في حفظ وقتها المعلوم. وباقي الآية بين. قال القاضي أبو محمد: ومن قال: "الحين" سنة - راعى أن ثمر النخلة وجناها إنما يأتي كل سنة، ومن قال ستة أشهر - راعى من وقت جذاذ النخل إلى حملها من الوقت المقبل. وقيل إن التشبيه وقع بالنخل الذي يثمر مرتين في العام، ومن قال شهرين. قال: هي مدة الجني في النخل. وكلهم أفتى بقوله في الإيمان على الحين. وحكي الكسائي والفراء: أن في قراءة أبي بن كعب "وضرب الله مثلاً كلمة خبيثة"، و"الكلمة الخبيثة" هي كلمة الكفر وما قاربها من كلام السوء في الظلم ونحوه. و {الشجرة الخبيثة} قال أكثر المفسرين هي شجرة الحنظل -قاله أنس بن مالك ورواه عن النبي عليه السلام، وهذا عندي على جهة المثال. وقالت فرقة: هي الثوم، وقال الزجاج: قيل هي الكشوت. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذه الأقوال من الاعتراض: أن هذه كلها من النجم وليست من الشجر، والله تعالى إنما مثل بالشجرة فلا تسمى هذه إلا بتجوز، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثوم والبصل: من أكل من هذه الشجرة، وأيضاً فإن هذه كلها ضعيفة وإن لم تجتث، اللهم إلا أن تقول: اجتثت بالخلقة. وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله ولم يخلق هذه الشجرة على وجه الأرض. والظاهر عندي أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة إذا وجدت فيها هذه الأوصاف. فالخبث هو أن تكون كالعضاة، أو كشجر السموم أو نحوها. إذا اجتثت - أي اقتلعت، حيث جثتها بنزع الأصول وبقيت في غاية الوهاء والضعف - لتقلبها أقل ريح. فالكافر يرى أن بيده شيئاً وهو لا يستقر ولا يغني عنه، كهذه الشجرة التي يظن بها على بعد أو للجهل بها أنها شيء نافع وهي خبيثة الجني غير باقية.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَلِمَةً طَيِّبَةً} الإيمان، أو المؤمن {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} النخلة قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، أو شجرة في الجنة "ع" {ثَابِتٌ} في الأرض {وَفَرْعُهَا} نحو السماء.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً}: {أَلَمْ تَرَ}: بمعنى: ألم تعلَمْ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمة الطَّيِّبة: هي لا إِلٰه إِلا اللَّه، مَثَّلها اللَّه سبحانه بالشَّجَرة الطَّيِّبة، وهي النَّخْلة في قول أكثر المتأوِّلين، فكأنَّ هذه الكلمة أصلها ثابتٌ في قلوبِ المؤمنين، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها من الأفعال الزكيَّة وأنواعِ الحسناتِ هو فَرْعُها يَصْعُد إِلى السماء مِنْ قِبَلِ العبدِ، والحِين: القطعةُ من الزمان غيرُ مَحْدُودةٍ؛ كقوله تعالى: { أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ } تفسير : [ص:88]، وقد تقتضي لفظة «الحِينِ» بقرينتها تحديداً؛ كهذه الآية، و«الكلمةُ الخبيثةُ»: هي كلمة الكفر، وما قاربها مِنْ كلامِ السوءِ في الظلمِ ونحوه، و«الشجرة الخبيثة»: قال أكثر المفسِّرين: هي شجرة الحَنْظَل؛ ورواه أنس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهذا عندي عَلَى جهة المَثَلِ، «ٱجتثَّتْ»: أي: ٱقْتُلِعَتْ جثتها بنزع الأصولِ، وبقيَتْ في غاية الوهَنِ والضَّعْفِ، فتقلبها أقلُّ ريحٍ، فالكافر يَرَى أنَّ بيده شيئاً، وهو لا يستقرُّ ولا يُغْنِي عنه؛ كهذه الشجرة الذي يُظَنُّ بها عَلَى بُعْدِ أو للجَهْلِ بها أنها شيءٌ نافع، وهي خبيثةُ الجَنَي غير باقية.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} الآية لما شرح أحوال الأشقياء، وأحوال السعداء ذكر مثالاً للقسمين وفي "ضَرَبَ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعد لواحد بمعنى اعتمد مثلاً ووضعه، و"كَلِمةً" على منصوبة بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله: "ضَربَ اللهُ مَثلاً" كقولك: شَرفَ الأمير زيْداً كَساهُ حُلَّةً، وحمله على ضربين، وبه بدأ الزمخشريُّ. قال أبو حيان ـ رحمه الله ـ: "وفيه تكلف إضمار، ولا ضرورة تدعو إليه". قال شهاب الدين: "بل معناه محتاج إليه فيضطر إلى تقديره محافظة على لمح هذا المعنى الخاص". الثاني: أنَّ "ضَرَبَ" متعدية لاثنين؛ لأنها بمعنى "صَيَّرَ" لكن مع لفظ المثل خاصة، وقد تقدَّم تقرير هذا أوَّل الكتاب، فيكون "كَلمَةٌ" مفعولاً أول، و"مَثلاً" هوالثاني مقدم. الثالث: أنَّه متعدٍّ لواحد، وهو "مَثَلاً"، و"كَلمَةً" بدل منه، و"كَشجَرةٍ" خبر مبتدأ مضمر، أي: هي كشجرة طيبة وعلى الوجهين قبله يكون "كَشجَرةٍ" نعتاً لـ: "كَلِمَةً". وقرىء "كَلِمةٌ" بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو، أي: المثل كلمة طيبة، ويكون "كَشجَرة" على هذا نعتاً لـ"كَلِمَةٍ". والثاني: أنَّها مرفوعة بالابتداء، و"كَشجَرةٍ" خبر. وقرأ أنس بن مالكٍ ـ رضي الله عنه ـ "ثَابِتٌ أصْلُهَا". قال الزمخشريُّ: فإن قلت: أي فرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى؛ لأنَّ قراءة أنس أجرت الصفة على الشجرة، ولو قلت: مررتُ برجُلٍ أبُوهُ قَائِمٌ، فهو أقوى من "رَجُل قَائِم أبوهُ"؛ لأنَّ المخبر عنه إنَّما هو الأب، لا "رجل". والجملة من قوله: "أصْلُهَا ثَابتٌ" في محلِّ جرٍّ نعتاً لـ"شَجَرةٍ". وكذلك "تُؤتِي أكلها" ويجوز فيهما أن يكونا مستأنفين، وجوز أبو البقاء في "تُوتِي" أن يكون حالاً من معنى الجملة التي قبلها، أي: ترتفع مؤتية أكلها، وتقدم الخلاف في "أكُلَهَا". فصل المعنى: ألم تعلم، والمثل: قول سائر كتشبيه شيء بشيء: "كَلِمة طَيِّبةً" هي قول: لا إله إلا الله "كَشجَرةٍ طَيِّبةٍ" وهي النَّخلةُ يريد: كشجرة طيبة الثمر. وقال أبو ظبيان عن ابن عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ: هي شجرة في الجنَّة أصلها ثابت في الأرض، وفرعها أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة، والتصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر:10]. ووصف الشجرة بكونها طيبة وذلك يشمل طِيبَ الصورة والشكل والمنظر، والطعم، والرائحة والمنفعة ويكون أصلها ثابت، أي: راسخٌ آمن من الانقطاع، والزوال ويكون فرعها في السماء؛ لأن ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، وأنَّها متى ارتفعت كانت بعيدة عن عفونات الأرض، فكانت ثمارها نقيّة طاهرة عن جميع الشَّوائبِ، ووصفها أيضاً بأنها: "تُؤتِي أكلها كُلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها" والحين في اللغة هو الوقت، والمراد أنَّ ثمار هذه الشجرة تكون أبداً حاضرة دائمة في كلِّ الأوقات ولا تكون مثل الأشجار التي تكون ثمارها حاضرة في بعض الأوقات دون بعض. وقال مجاهد وعكرمة: والحين: سنة كاملة؛ لأنَّ النخلة تثمر كلَّ سنةٍ. وقال سعيد بن جبير، وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى حين صرامها وروي ذلك عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه. وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين أن يؤكل منها إلى الصرام. وقال الربيع بن أنس ـ رضي الله عنه ـ: كل حين، أي: كل غدوة، وعشية، لأن ثمرة النخل تؤكل أبداً ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاء إما تمراً رطباً أو بسراً، كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركة إيمانه لا تنقطع أبداً، بل تتصل في كلِّ وقت. والحكمةٌ في تمثيل الإيمان بالشجرة، وهي أن الشجرة لا تكون إلا ثلاثة أشياء: عِرقٌ رَاسخٌ، وأصلٌ قَائِمٌ، وفَرعٌ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأبدان. ثم قال تعالى ـ جل ذكره ـ {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام، وتذكير وتصوير للمعاني. وقوله: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} قرىء بنصب "مثَل" عطفاً على: "مَثلَ" الأوَّلِ. و"اجْتُثَّتْ" "صفة لـ"شَجَرَةٍ"، ومعنى: "اجْتُثَّتْ" قلعت جثتها، أي: شخصها والجثة شخص الإنسان قاعداً أو قائماً ويقال: اجتث الشيء أي اقتلعه، فهو افتعال من لفظ الجثة، وجَثَثْتُ الشيء: قلعتهُ. قال لقيط الإيادي: [البسيط] شعر : 3217ـ هذَا الجَلاءًُ الَّذي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ فمَنْ رأى مِثْلَ ذَا يَوْماً ومنْ سَمِعَا تفسير : وقال الراغب: "جُثَّةٌ الشيء: شخصه النَّاتىء، والمُجَثَّةُ: ما يجثُّ بِهِ والجَثِيثَةُ لما بَانَ جُثَّتهُ بعد طَبْخهِ، والجَثْجَاثُ: نَبْتٌ". و"مِنْ قرارٍ" يجوز أن يكون فاعلاً بالجار قبله لاعتماده على النَّفي، وأن يكون مبتدأ، والجملة المنفية إمَّا نعت لـ"شَجَرةٍ" وإمَّا حال من ضمير: "اجْتُثَّتْ". فصل في المراد بالشجرة الخبيثة الكلمة الخبيثة هي الشرك: "كَشجَرةٍ خَبِيثةٍ" وهي الحنظلُ وقيل: هي الثوم. وقيل: هي الكشوث وهل العسَّة، وهي شجرةٌ لا ورق لها، ولا عروق في الأرض. [قال الشاعر:] [البسيط] شعر : 3218ـ.......................... وهيَ كَشُوثٌ فلا أصْلٌ ولا ثَمَر تفسير : وعن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ أنَّها شجرة لم تخلق على وجهِ الأرض. "اجْتُثَّت" اقتلعت من فوق الأرض "مَا لهَا من قرارٍ" ثابت، أي: ليس لها أصلٌ ثابتٌ في الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك الكافر لا خير فيه، ولا يصعد له قولٌ طيب، ولا عمل صالح. فصل قوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} كلمة التوحيد، وهي قوله: لا إله إلا الله {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني قبل الموت، {وَفِي ٱلآخِرَةِ} يعني في القبر هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} في القبر عند السؤال {وَفِي ٱلآخِرَةِ} عند البعث، والأول أصح، لما روى البراء بن عازب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المُسْلِمُ إذَا سُئِلَ في القَبْرِ يَشهَدُ أنَّ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وأنَّ مُحمَّداً رَسُولُ اللهِ، فذَلِكَ قولهُ سُبحانَهُ {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} قال حين يُقالُ لَهُ: مَن ربُّكَ؟ ومَا دِينُكَ؟ ومَنْ نَبيُّكَ؟ فيقول: الله ربِّي، ودينِي الإسلامُ، ونَبِيِّي مُحمَّدٌ"تفسير : . واالمشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر، فيلقّن الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، ويثبته على الحق. ومعنى "الثَّابِتِ" هو أنَّ الله ـ تعالى ـ إنَّما يثبتهم في القبر لمواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول. قوله: "بالقَوْلِ" فيه وجهان: أحدهما: تعلقه بـ "يُثَبِّتُ". والثاني: أنه متعلق بـ"آمنُوا". وقوله تعالى: {فِي ٱلْحَيَاةِ} متعلق بـ "يُثَبِّتُ" ويجوز أن يتعلق بـ "الثَّابتِ". ثمَّ قال تعالى: {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} أي: لا يهدي المشركين للجواب بالصواب في القبر {وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من التوفيق والخذلان والتثبيت، وترك التثبيت.

البقاعي

تفسير : ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه، وأن الباطل ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول أو فعل، وأنه لا يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل{ أية : إن الله لا يصلح عمل المفسدين} تفسير : [يونس:81]، {أية : ويحق الله الحق بكلماته} تفسير : [يونس:82]، { أية : ليحق الحق ويبطل الباطل}تفسير : [الأنفال:8]، وقص سبحانه كلام أوليائه الذي هو من كلامه، فهو أثبت الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة، وكلام أعدائه الذي هو من كلام الشيطان، فهو أبطل الأشياء وأخبثها، قرب سبحانه ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال: {ألم تر} أي يا من لا يفهم عنا هذا المثل حق الفهم سواه! {كيف ضرب الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {مثلاً} أي سيره بحيث يعم نفعه؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول؛ ثم بينه بقوله: {كلمة طيبة} أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء من الخبث، وتلك الكلمة {كشجرة طيبة}. ولما كانت لا تسر إلا بالثبات، قال: {أصلها ثابت} أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها {وفرعها} عالٍ صاعد مهتز {في} جهة {السماء *} لحسن منبتها وطيب عنصرها؛ فالآية من الاحتباك: ذكر "ثابت" أولاً دال على عال صاعد ثانياً، وذكر "السماء" ثانياً دال على الأرض أولاً. ولما ذكر حالها، ذكر ثمرتها فقال: {تؤتي أكلها} أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريّها {كل حين} على أحسن ما يكون من الإيتاء، لأن علوها منعها من عفونات الأرض وقاذورات الأبنية، فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس. ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال: {بإذن ربها} فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل النفوس؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [....]، تؤتي أكلها كل حين، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا ". تفسير : ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم، فقال: {ويضرب الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال للناس} أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم، لأن في ضربها زيادة إفهام وتصوير للمعاني، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت في الحس والخيال والوهم، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب {لعلهم يتذكرون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار، فهذا مثل كلام الأولياء، فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها، وهي أصل كل سعادة راسخة في قلوبهم، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح، فصارت كلما هزت اجتنى الهازّ ثمراتها التي لا نهاية لها، عالماً بأنها من فتح مولاه لا صنع له فيها بوجه، بل له سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما أن الشجر لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل قائم وفروع عالية، فكذلك الإيمان لا يتم إلا بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل الأركان، ثم أتبعه مثل حال الأعداء فقال: {ومثل كلمة خبيثة} أي عريقة في الخبث لا طيب فيها {كشجرة خبيثة}. ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أيّ حالة كانت، بنى للمفعول قوله: {اجتثت} أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها {من فوق الأرض} برأي كل من له رأي؛ ثم علل ذلك لقوله: {ما لها} وأعرق في النفي بقوله: {من قرار *} أي عند من له أدنى لب، لأنه لا نفع لها بل وجودها ضار ولو بشغل الأرض، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلاً وإن علت وقتاً، لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة} شهادة أن لا إله إلا الله {كشجرة طيبة} وهو المؤمن {أصلها ثابت} يقول: لا إله إلا الله {ثابت} في قول المؤمن {وفرعها في السماء} يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء {ومثل كلمة خبيثة} وهي الشرك {كشجرة خبيثة} وهي الكافر {اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر، ولا برهان له ولا يقبل الله مع الشرك عملاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً ...} الآية. قال: يعني بالشجرة الطيبة، المؤمن. ويعني بالأصل الثابت في الأرض وبالفرع في السماء، يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم، فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} يقول: يذكر الله كل ساعة من الليل والنهار. وفي قوله {ومثل كلمة خبيثة} قال: ضرب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر، يقول: إن الشجرة الخبيثة {اجتثت} من فوق الأرض {ما لها من قرار} يعني أن الكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في الدنيا ولا في الآخرة. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله {كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت} في الأرض، وكذلك كان يقرؤها. قال: ذلك المؤمن ضرب مثله. قال: الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له {أصلها ثابت} قال: أصل عمله ثابت في الأرض {وفرعها في السماء} قال: ذكره في السماء {تؤتي أكلها كل حين} قال: يصعد عمله أوّل النهار وآخره {ومثل كلمة خبيثة} قال: هذا الكافر، ليس له عمل في الأرض ولا ذكر في السماء {اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} قال: أعمالهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وأخرج ابن جرير، عن عطية العوفي في قوله {ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة} قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إليه {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} قال: ذلك مثل الكافر، لا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح. وأخرج ابن جرير عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله {كشجرة طيبة ...} إلى قوله {تؤتي أكلها كل حين} قال: تجتمع ثمرتها كل حين. وهذا مثل المؤمن، يعمل كل حين وكل ساعة من النهار وكل ساعة من الليل، وفي الشتاء وفي الصيف بطاعة الله. قال: وضرب الله مثل الكافر {كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليست لها ثمرة وليست فيها منفعة. كذلك الكافر، ليس يعمل خيراً ولا يقوله، ولم يجعل الله تعالى فيه بركة ولا منفعة له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - قال: إن الله جعل طاعته نوراً، ومعصيته ظلمة. إن الإِيمان في الدنيا هو النور يوم القيامة، ثم إنه لا خير في قول ولا عمل ليس له أصل ولا فرع، وإنه قد ضرب مثل الإِيمان فقال: {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة ...} إلى قوله {وفرعها في السماء} وإنما هي الأمثال في الإِيمان والكفر. فذكر أن العبد المؤمن المخلص، هو الشجرة. إنما ثبت أصله في الأرض وبلغ فرعه في السماء. إن الأصل الثابت، الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، ثم إن الفرع، هي الحسنة. ثم يصعد عمله أول النهار وآخره، فهي {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} ثم هي أربعة أعمال إذا جمعها العبد: الاخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وخشيته وحبه وذكره. إذا جمع ذلك فلا تضره الفتن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور. فقال: أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها إلى بعض، أكان يبلغ السماء؟... أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله عشر مرات في دبر كل صلاة. فذلك أصله في الأرض وفرعه في السماء ". تفسير : وأخرج الترمذي النسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أنس - رضي الله عنه - قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر، فقال:"{مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ...} حتى بلغ {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} قال: هي النخلة {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ...} حتى بلغ {ما لها من قرار} قال: هي الحنظلة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والرامهرمزي في الأمثال، عن شعيب بن الحجاب - رضي الله عنه - قال: كنا عند أنس فأتينا بطبق عليه رطب، فقال أنس - رضي الله عنه - لأبي العالية - رضي الله عنه - كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشجرة التي ذكر الله في كتابه "ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ثابت أصلها" قال: هكذا قرأها يومئذ أنس. قال الترمذي - رضي الله عنه -: هذا الموقوف أصح. وأخرج أحمد وابن مردويه بسند جيد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {كشجرة طيبة} قال:حديث : هي التي لا ينقص ورقها. هي النخلة ". تفسير : وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، حديث : عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أخبروني بشجرة مثل الرجل المسلم، لا يتحات ورقها ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قال عبد الله - رضي الله عنه -: فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم. وثم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - فلما لم يتكلما بشيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون أي شجرة هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي النخلة. قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فقلت: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد وقع في نفسي أنها النخلة، ولكني كنت أصغر القوم، لم أحب أن أتكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هل تدرون ما الشجرة الطيبة؟ قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: فأردت أن أقول هي النخلة، فمنعني مكان عمر. فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود في قوله {كشجرة طيبة} قال: هي النخلة. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {كشجرة طيبة} قال: هي النخلة {تؤتي أكلها كل حين} قال: بكرة وعشية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {كشجرة طيبة} قال: هي النخلة. وقوله {كشجرة خبيثة} قال: هي الحنظلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والرامهرمزي، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله {كشجرة طيبة} قال: هي النخلة، لا يزال فيها شيء ينتفع به، إما ثمرة وإما حطب. قال: وكذلك الكلمة الطيبة، تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {تؤتي أكلها كل حين} قال: كل ساعة، بالليل والنهار، والشتاء والصيف. وذلك مثل المؤمن، يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء والصيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {تؤتي أكلها} قال: يكون أخضر، ثم يكون أصفر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {تؤتي أكلها كل حين} قال جذاذ النخل. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {تؤتي أكلها كل حين} قال: تطعم في كل ستة أشهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة - رضي الله عنه - أنه سئل عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين، فقال: إن من الحين حيناً يدرك، ومن الحين حيناً لا يدرك. فالحين الذي لا يدرك، قوله {أية : ولتعلمن نبأه بعد حين} تفسير : [ص: 88] والحين، الذي يدرك {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} وذلك من حين تصرم النخلة إلى حين تطلع، وذلك ستة أشهر. وأخرج ابو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني حلفت أن لا أكلم أخي حيناً. فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أوقتَّ شيئاً. قال: لا. قال: فإن الله تعالى يقول {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} فالحين، سنة. وأخرج البيهقي في سننه، عن علي - رضي الله عنه - قال: الحين ستة أشهر. وأخرج البيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الحين قد يكون غدوة وعشية. وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن رجل حلف لا يكلم أخاه حيناً. قال: الحين، ستة اشهر. ثم ذكر النخلة ما بين حملها إلى صرامها ستة أشهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عكرمة قال: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - الحين، حينان: حين يعرف، وحين لا يعرف. فأما الحين الذي لا يعرف، فقوله {أية : ولتعلمن نبأه بعد حين} تفسير : [ص: 88] وأما الحين الذي يعرف، فقوله {تؤتي أكلها كل حين} وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {كل حين} قال: كل سنة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس، إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا حيناً، فما الحين الذي يعرف به؟ فقلت: إن من الحين حيناً لا يدرك، ومن الحين حين يدرك. فأما الحين الذي لا يدرك، فقول الله {أية : هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} تفسير : [الإِنسان: 1] والله ما ندري كم أتى له إلى أن خلق، وأما الذي يدرك، فقوله {تؤتي أكلها كل حين} فهو ما بين العام إلى العام المقبل، فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت!... وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن سعيد بن المسيب قال: الحين يكون شهرين والنخلة إنما يكون حملها شهرين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - {تؤتي أكلها كل حين} قال: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف. وأخرج البيهقي عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {تؤتي أكلها كل حين} قال: في كل سبعة أشهر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {تؤتي أكلها كل حين} قال: هو شجر جوز الهند، لا يتعطل من ثمرة، يحمل في كل شهر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {كشجرة طيبة} قال: هي شجرة في الجنة. وفي قوله {كشجرة خبيثة} قال: هذا مثل ضربه الله، لم يخلق الله هذه الشجرة على وجه الأرض. وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله قلب العباد ظهراً وبطناً، فكان خير العرب قريشاً. وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه {مثل كلمة طيبة} يعني القرآن {كشجرة طيبة} يعني بها قريشاً {أصلها ثابت} يقول: أصلها كبير {وفرعها في السماء} يقول: الشرف الذي شرفهم الله بالإِسلام الذي هداهم الله له وجعلهم من أهله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق حيان بن شعبة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله {كشجرة خبيثة} قال: الشريان. قلت لأنس: وما الشريان؟ قال: الحنظل. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر حميد بن زياد الخراط في الآية قال: الشجرة الخبيثة، التي تجعل في المسكر. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: حديث : قعد ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا هذه الآية {اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} فقالوا: "يا رسول الله، نراه الكمأة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {اجتثت من فوق الأرض} قال: استؤصلت من فوق الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: اعقلوا عن الله الأمثال. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: أن رجلاً لقي رجلاً من أهل العلم فقال: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة. وأخرج ابن جرير من طريق قتادة رضي الله عنه، عن أبي العالية: "حديث : أن رجلاً خالجت الريح رداءه فلعنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنها؛ فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة على صاحبها" ".

التستري

تفسير : وسئل سهل عن معنى قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}[24] قال: حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يذكرون الشجرة الطيبة فقال: "ذلك المؤمن أصله في الأرض وفرعه في السماء"تفسير : ، يعني عمله مرفوع إلى السماء مقبول. فهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فقال: {كَلِمَةً طَيِّبَةً}[24] يعني كلمة الإخلاص {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} [24] يعني النخلة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}[24] يعني أغصانها مرفوعة إلى السماء، فكذلك أصل عمل المؤمن كلمة التوحيد، وهو أصل ثابت، وفرعه وهو عمله مرفوع إلى السماء مقبول. إلا أن فيه خللاً وإحداثاً، ولكن لا يزول أصل عمله، وهو كلمة التوحيد، كما أن الرياح تزعزع أغصان النخلة، ولا يزول أصلها.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} [الآية: 24]. قال ابن عطاء: الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله على التحقيق، والشجرة الطيبة هى تظهر أسرار الموحدين عن دنس الأطماع بالثقة بالله والانقطاع إليه عما سواه. قال محمد بن على: الشجرة الطيبة الإيمان أثبتها الله فى قلوب أودَّائه وجعل أرضها التوفيق وأوراقها الولاية وسماءها العناية وماءها الرعاية وأغصانها الكفاية، وأوراقها الولاية وثمارها الوصلة وظلها الأنس، فأغصانها ثابتة فى قلب الولى وفروعها ثابتة فى السماء بالمزيد من عند الجبار، فالأصل يرعى الفرع بدوام الإشفاق والمراقبة، والفرع يهدى إلى الأصل ما يجتنيه من محل المشاهدة والقرب هكذا أبدا قلب المؤمن وفؤاده. سمعت محمد بن عبد الله الدمشقى يقول: سمعت ابن المولد يقول: قال أبو سعيد الخراز: خزائن الله تعالى فى السماء الغيوب وخزائنه فى الأرض القلوب لأن الله تعالى خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ثم أرسل ريحًا فهبت فيه نُكْتَةٌ من الكفر والشرك والنفاق والغش ثم أنشأ سحابة فأمطرت فيه ثم أنبت فيه شجرة فأثمرت الرضا والمحبة والشكر والصفوة والإخلاص والطاعة وهو قوله: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}. وقال بعضهم: كل شجرة فى الدنيا إذا لم يكن لها حظ من الماء تجف، والشجرة التى فى قلبك تجف إذا لم تسقها بماء التوبة وبماء الندامة ثم بماء الحسرة، ثم بماء الشوق، ثم يأتى سحاب المنَّة فتمطر على قلبك مطر الرحمة حتى يكون ماء الخدمة من تحت وماء الرحمة من فوق فيكون طريًا شهيًا ثم يأتيه ثلاثة أشياء طريق العبودية فى النفس، وطريق الصحابة فى القلب، وطريق الذكر فى السر، فخدمة النفس الطاعة، وخدم القلب النية، وخدمة السر المراقبة على الدوام ثم يمطر عليه أمطارًا على النفس مطر الهداية، وعلى اللسان مطر اللطافة، وعلى القلب مطر العظمة، وعلى السرّ مطر المنّة وعلى الروح مطر الكرامة، فينبت من مطر اللسان الشكر والثناء ومن مطر النفس الطاعة والوفاء، ومن مطر القلب الصدق والصفاء، ومن مطر السر الشوق والحياء، ومن مطر الروح الرؤية واللقاء.

القشيري

تفسير : هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلُها كل حين. وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين. وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي. والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه. وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة. وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين. وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين... إلى ما لا يفي بشرحه نطقٌ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ. وذكرٍ من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل: شعر : طوارق أنوار تلوح إذا بدت فتُظْهِرُ كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع تفسير : ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة. وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ}تفسير : [الواقعة: 33] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة، ولا محجوبة، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة. وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر. ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية، وللرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص. والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت. ثم لا بدَّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تُورِقُ بالكفاية، وتَتَوَرَّدُ بالهداية. ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع. ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه. والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شُبَهٍ واهية وأصول فاسدة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} اشار سبحانه الى كلمة القديمة التى تكلم بها فى اصطفائيته اهل معرفته طابت كلمته وهى اطيب الطيبات باصطفائية اهل الولاية وتلك الكلمة القديمة شجرة الصفات اصلها ثابت فى القدم وفرعها فى سماء البقاء وتلك الشجرة منزهة عن تغائر الحدثان وعن التبديل بطوارق القهريات قال تعالى الا تبديل لكلمات الله مياه تلك الشجرة من بحار حسن العناية الازلية والرادة القديمة تؤتى اكلها ثمرات تجليها لارواح المحبين والعارفين والموحدين كل حين تفيض فيض انوارها على افئدة الصديقين وعقول المقربين فاكل تلك الشجرة ثمرات تجلى جميع الصفات والذات تربى بها قلوب الاولياء والصديقين فثمرة مشاهدة الذات يورث لقلوب الموحدين التوحيد والتفريد والفناء والبقاء والصحو والمحو والحيرة والوله وثمرات الصفات يورث لقلوب العارفين على قدر تجليها فكل صفة يورث لها حقيقة من تلك الصفة فميراث صفة العظمة الهيبة والخوف والاجلال وميراث الكبرياء البهته والمجل والحياء وميراث الجلال الخشية والخضوع وميراث الجمال المحبة والشوق والعشق وميراث العلم المعرفة بالعلوم اللدنية وميراث القدرة الكرامات وميراث نور السمع استماع اصوات هواتف الغيب وميراث نور البصر الفراسات الصادقة وسماؤية الغيب وغيب الغيب وميراث نور الخطاب والكلام الاطلاع على الاسرار والوله والهيمان فى الانس والمناجاة وميراث الحيوة حيوة القلب بالربّ وحيوة العقل بنور القلب وحيوة الروح بروح الوصال وميراث رؤية القدم والبقاء الزفرات والعبرات والمواجيد والصعقات وميراث رؤية انوار فعله الحكمة ببطون الافعاليات ودقائق المقامات وحقائق المعاملات وادراك نور شواهد الايات فى كل ذرة فى مرائى الافاق وميراث ثمرة الارادة صدق العبودية واخلاص المحبة ويسهل له جميع المرادات ما دام متصفا بالارادة ومن اكل ثمرا من ثمار تلك الشجرة يحيى بحيوة الابدية ويبقى فى انوار الازلية لا يطرأ عليه بعد ذلك طوارق الفناء وايضا الكلمة الطيبة كلمة الهمت فى قلوب احبائه وتلك الكلمة شجرة المعرفة وصلها ثابت فى ارض القلوب وفرعها فى سماء الارواح ومياه تلك الشجرة من بحر كشف المشاهدة توتى اكلها كل حين باذن ربها من انواع المقامات والحالات والكشوفات والكرامات والفراسات وترسى فى بستان الوصلة من جائحات الوسواس والهواجس وايضا تلك الشجرة الطيبة كلمة التوحيد التى غرسها الحق فى ارض بساتين الارواح واصلها هناك ثابت بالتوفيق وفرعها فى سما ءالقربة وسقاها من سواقى العناية وساقها المعرفة واغصانها المحبة واوراقها الشوق وثمرها العشق وحارسها الرعاية ومزرعها الكفاية ونهارها الانس توتى اكلها كل حين فى جميع الانفاس من لطائف العبودية وعرفان انوار الربوبية مساكن ظلنا العقول وظلها من ظلال الجمال وهذه الثمرات فى اوان كما لها مرفوعة على خوان المشاهدة والقربة قال تعالى اليه يصعد الكلم الطيب قال ابن عطا الكلمة الطيبة قوله لا اله الا الله على التحقيق والشجرة الطيبة هى التى تظهر اسرار الموحدين عن دنس الاطماع بالثقة بالله والانقطاع اليه عما سواه قال محمد بن على الشجرة الطيبة الايمان اثبتها الله فى قلوب اوليائه وجعل ارضها التوفيق وسماءها العناية وماءها الرعاية واغصانها الكفاية واوراقها الولاية وثمارها الوصلة وظلها الانس فاصلها ثابت فى قلب الولى وفرعها فى السماء ثابتة بالمريد من عند الجبار فالصل يربى الفرع بدوام الاشتقاق والمراقبة والفرع يهدى الى الاصل ما يجتنبه من محل المشاهدة والقرب هكذا ابدا قلب المؤمن وفواده قال ابو سعيد الحراز خزائن الله فى السماء الغيوب وخزائنه فى الارض القلوب لان الله خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ثم ارسل ريحا فهبت فيه فكنسته من الكفر والشرك والنفاق ثم انشأ سحابة فامطرت فيه ثم انبتت شجرا فاثمرت الرضا والمحبة و الشكر والصفوة والاخلاص والطاعة وهو قوله كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها فى السماء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر} ألم تشاهد بنور النبوة يا محمد كما فىالتأويلات النجمية. وقال الكاشقى [آيا نديدى وندانستى اى بنده بينا ودانا كه براى تفهيم شما] {كيف ضرب الله مثلا} بين شبها ووضعه فى موضعه اللائق به وكيف فى محل النصب بضرب لا بألم لما فى كيف من معنى الاستفهام فلا يتقدم عليه عامله {كلمة طيبة} منصوب بمضمر والجملة تفسير لقوله {ضرب الله مثلا} كقولك شرف الامير زيدا كساه حلة وحمله على فرس اى جعل كلمة طيبة وهى كلمة التوحيد اى شهادة ان لا اله الا الله ويدخل فيها كل كلمة حسنة كالقرآن والتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة الى الاسلام ونحوها مما اعرب عن حق او دعا الى صلاح {كشجرة طيبة} اى حكم بانها مثلها لا انه تعالى صيرها مثلها قال عليه السلام "حديث : مثل المؤمنين الذى يقرأ القرآن مثل الا ترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمر لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" تفسير : والحنظل بالفارسية [هندوانه ابو جهل] ثم ان النخلة اكرم الاشجار على الله فانها خلقت من فضلة طينة آدم وولدت تحتها مريم كما ورد فى احاديث المقاصد الحسنة ولذا جاء ثمرتها احلى واطيب من سائر الثمار {اصلها ثابت} اى اسفلها ذاهب بعروقه فى الارض متمكن فيها {وفرعها} اى اعلاها ورأسها {فى السماء} فى جهة العلو

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (كلمة طيبة): يجوز أن يكون مفعولاً بمحذوف، أي: جعل كلمة، وتكون الجملة تفسيرية لضرب المثل، وأن تكون (كلمة): بدلاً من (مَثَلاً)، و(شجرة): صفة لها، أو خبر عن مضمر، أي: هي شجرة. يقول الحق جل جلاله: {ألم تَرَ} يا محمد، أو أيها السامع، {كيف ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً} لأهل "لا إله إلا الله"، وهم: أهل التوحيد، الذين رسخ التوحيد في قلوبهم، وعبّروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها، ورسخ معناها في قلوبهم {كشجرةٍ طيبةٍ}: كالنخلة مثلاً، {أصلُها ثابت} في الأرض، غائص بعروقه فيها، {وفروعها في السماء}؛ أي: أعلاها. أي: يريد الجنس، أي: فروعها وأفنانها في السماء، {تُؤتي أًكُلُها}: تُعطى ما يؤكل من ثمرها {كل حين} وقَّته الله لإثمارها، فقيل: سنة، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء، واستدلوا بها على من حلف لا يُكلم أخاه حيناً لزمه سنة، وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وغيرهما: {كل حين}؛ أي: غدوة وعشية، ومتى أريد جناها، قلت: وهذا هو الظاهر. واخْتُلف في هذه الشجرة الطيبة، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص، فقيل: غير معينة، وقيل: النخلة، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي: وقيل: جوزة الهند، فإنها ثابتة الأصل، متصلة النفع، يكون طعمها أولاً لبناً، ثم عسلاً، ثم تنعقد طعاماً، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي، ثم يكون كالخل، ثم كالخمر، ثم كالزيت، كل هذا قبل عقد الطعم، وأما النخلة فهي: ستة أشهر طلع رخص، وستة أشهر رطب طيب، فنفعه متصل. وقال ابو حنيفة: إنه ببلاد اليمن نوعٌ من التمر، يقال له: الباهين، يطعم السنة كلها. هـ. قلت: وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند، ووصفها كما قال الشطيبي، وقوله: "في النخلة ستة أشهر..." الخ، فيه نظر، وصوابه: ثلاثة، فإن المعاينة ترده. والمشبه بهذه الشجرة: المؤمن الكامل الدائم نفعه، المتصل علمه، أوقاته معمورة بذكر الله، أو تذكير عباد الله، وحركاته وسكناته في طاعة الله، حيث أراد بها وجه الله، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله. ثم قال تعالى: {ويضربُ الله الأمثال للناس لَعلهم يتذكرون}؛ لأن في ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير؛ فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس، لتفهم سريعاً. ثم ذكر ضدها فقال: {وَمَثَلُ كلمة خبيثة}؛ كلمة الكفر {كشجرة} كمثل شجرة؛ {خبيثة}؛ كالحنظلة مثلاً، {اجْتُثتْ}: استؤصلت، وأُخذت جثتها، وقُلعت {من فوق الأرض}، أي: قطعت من فوق الأرض؛ لأن عروقها قريبة منه، {ما لها من قرارٍ} استقرار. وهذا في مقابلة قوله: {أصلها ثابت}. قال البيضاوي: واختُلف في الكلمة والشجرة؛ ففُسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد ـ أي: (لا إله إلا الله)، ودعوة الإسلام والقرآن، والكلمة الخبيثة بالإشراك بالله تعالى، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق. ولعل المراد بهما ما يعم ذلك، فالكلمة الطيبة: ما أعرب عن حق، أو دعا الى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك، وفُسرت الشجرة الطيبة بالنخلة، ورُوي ذلك، مرفوعاً، وبشجرة في الجنة، والخبيثة بالحنظلة، ولعل المراد بهما أيضاً ما يعم ذلك. هـ. {يُثبت اللهُ الذين آمنوا بالقول الثابت} وهو: لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحجة الواضحة، {في الحياة الدنيا} مدة حياتهم، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، {وفي الآخرة} عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال: "حديث : ثُمَّ تُعَادُ رُوحه في جَسَدِهِ، فَيَأتيهِ مَلَكانِ، فيُجْلِسَانهِ فِي قَبْرهِ، ويَقُولاَنِ لَه: مَنْ رَبُّكَ، وَمَا دِينُكَ، وَمَنْ نَبِيكَ؟ فيقول: رَبي الله، ودِيني الإسْلاَمُ، ونَبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مُنَادٍ من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي تفسير : . فذلك قوله تعالى: {يُثَبِتُ اللهُ الذينَ آَمنُوا بِالقَولِ الثابتِ}. قلت: والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي: هو أشبه شيء بحال النائم. {ويُضِلُّ اللهُ الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن. {ويفعلُ الله ما يشاء}؛ من تثبيت بعض، وإضلال آخرين، من غير اعتراض عليه، ولا تعقيب لحكمه. الإشارة: الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو: التوحيد الثابت في القلب، وفروعها: الفرائض والواجبات، وأغصانها: السنن المؤكدات، وأوراقها: المندوبات والمستحبات، وأزهارها: الأحوال والمقامات، وأذواقها: الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها: العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجْن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئاً من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذوقها، أو مِنْ عَرْف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تُلَقَّح كانت ذَكَّاره، تورق ولا ثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أيُّ ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [المائدة: 35]. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من أنكر هذه النعمة

فرات الكوفي

تفسير : {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربّها24} فرات قال: حدّثنا إِسماعيل بن إِبراهيم معنعناً: عن عمر بن يزيد قال: حديث : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله [تبارك و. أ] تعالى: {كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} فقال: [قال] رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر]: [والله. ر، أ] أنا جذرها [ب: أصلها] و أمير المؤمنين فرعها وشيعته ورقها. فهل ترى فيها فضلاً؟ فقلت: لا . تفسير : فرات قال: حدّثنا إِسماعيل بن إبراهيم معنعناً: عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل [ر: جل ذكره]: {كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} فقال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم جذرها [ب (خ ل): أصلها] وأمير المؤمنين فرعها والأئمة من ذريتهما أغصانها وعلم الأئمة ثمرها وشيعتهم ورقها، فهل ترى فيها فضلاً؟ فقلت: لا والله [قال: والله] إِن المؤمن ليموت فيسقط ورقة من تلك الشجرة وانه ليولد فتورق بورقة منها. فقلت: قوله: {تؤتي أكلها كل حين باذن ربها} قال: يعني ما يخرج إِلى الناس من علم الامام حين يُسأل عنه. فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي مسكين السراج قال: سألت عبد الله بن الحسن [عليهما السلام. ر] عن هذه الآية: {أصلها ثابت وفرعها في السماء} قال: نحن هم، قال: قلت: {تؤتي أكلها كل حين باذن ربها} قال: يخرج [الخارج. ب، أ] منا [أ: منها] بعد حين فيقتل.

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} وهي لا إله إلا الله {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وهي النخلة، وهي مثل المؤمن {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} أي: في الأرض {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} يعني طولها، وفرعها هو رأسها الذي تكون فيه الثمرة {تُؤتِي أَكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي: بأمر ربها. قال بعضهم: كل ستة أشهر. وقال بعضهم: هي النخلة تؤتي أكلها كل حين. والحين ما بين السنة إلى السنة. وهي تؤكل شتاءً وصيفاً؛ يعني الطلع والبلح والبسر والرطب والتمر، وهي مثل عمل المؤمن، هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء، وهو ثابت يُجَازَى به. وقال الحسن: إن المؤمن لا يزال من كلام طيّب وعمل صالح، كما تؤتي هذه الشجرة أكلها، أي: ثمرتها، كلَّ حين. {وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يذّكروا. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: الحين غدوة والحين عشية، وقرأ هذه الآية: (أية : فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) تفسير : [الروم:17]. وقال مجاهد: {كُلَّ حِينٍ}: كل سنة. ذكروا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فأي شجرة هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة. وكنت غلاماً أصغر القوم؛ فسكتّ. فقال رسول الله: هي النخلة

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} وقرئ بإِسكان الراء وهو ضعيف لأَن جزمه بالحذف لا بالإِسكان ولعله أجرى للوصل مجرى الوقف والمعنى ألم تعلم يا محمد أو يا أيها الإنسان {كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً} كيف وضعه، {كَلِمَةً} بدل من مثلا، {طَيِّبَةً} قال ابن عباس والجمهور هى قول لا إله إلا الله، وقيل لا إِله إلا الله محمد رسول الله، وقيل دعوة الإِسلام والقرآن عموماً، وقيل كل كلمة حسنة وأوامر المعروف أو نهياً عن منكر وتسبيحه كشجرة نعت ثانى لكلمة أو خبر لمحذوف والجملة مستأْنفة أى هى كشجرة ويجوز أن يجعل كلمة مفعولا أولا مؤخراً ومثلا مفعولا ثانياً مقدماً تنزيلاً لضرف منزلة جعل، كما قال ابن مالك إن ضرب فى المثل يتعدى لاثنين ويجوز كون كلمة مفعولا لمحذوف وكشجرة مفعولا ثانيا أى جعل كلمة طيبة {كَشَجَرَةٍ} الخ، فيكون ذلك تفسيراً لضرب الله مثلا كقولك اكرم الله جل جلاله فلاناً أعطاه المال وعلمه العلم ويدل له قراءة بعضهم برفع كلمة طيبة فيكون كشجرة خبراً لكلمة، {طَيِّبَةٍ} هى النخلة أخرج الترمذى موقوفاً مرفوعاً وصحح الموقف والنسائى والحاكم وابن حبان وصححه وغيرهم عن أنس بن مالك عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أن الشجرة الطيبة هي النخلة" تفسير : وكذا أخرج أحمد وابن مردويه بسند جيد عن ابن عمر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أنها لا ينقص ورقها وأنها النخلة"تفسير : وكذا قال ابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وذكروا عن ابن عمرانه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن وأى شجرة هى؟ فوقع الناس فى شجر البوادى فوقع فى نفسى أنها النخلة، وكنت غلاماً أصغر القوم نحن عشرة فسكتنا حياء ثم قالوا: حدثنا يا رسول الله ما هى؟ قال: هى النخلة"تفسير : . وفى رواية لما قال: "حديث : ما هى. قالوا: الله ورسوله أعلمتفسير : . وفى رواية حديث : منعتنى مكانة أبى واستحييت فذكرت ذلك لأَبى بعد ما قمت فقال يا بنى لو كنت قلتها لكانت أحب إلىَ من حمر النعمتفسير : ، وفى رواية حديث : رأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم ولما لم يقولوا شيئاً، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهى النخلة"تفسير : ، وعن ابن عباس شجرة فى الجنة، وعنه أنها المؤمن، وقيل كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجر التين والعنب والرمان. {أصْلُهَا ثَابِتٌ} راسخ فى الأرض بعروقه، كذلك الكلمة الطيبة راسخة فى قلب المؤمن وقرأ أنس بن مالك كشجرة طيبة ثابت أصلها بتقديم ثابت وجره على أنه نعت ورفع أصل على الفاعلية وقرأ الجمهور أقواى وأن المسند لم يعرف به صفة فى اللفظ لغير المسند إِليه بخلافه على قراءة أنس وكلتاهما بليغة لإفادتها بعض المعنى المراد من التشبيه فإن وجه الشبه الرسوخ كما علمت وان النخلة شبيهة بالإِنسان من حيث أنها خلقت من فضلة طينة آدم وأنها تموت بقطع رأسها بخلاف سائر الشجر وإِنها لا تحمل حتى تلقح بطلع الذكر وإن الكلمة الطيبة ترفع عمل المؤمن إلى السماء وترفع فى نفسها أيضاً كما أن فرع النخلة مرتفع فى جهة السماء كما قال الله جل جلاله {وَفَرْعُهَا} أغصانها والإِضافة للجنس بالفرع بمعنى الفروع واعتبرها فرعاً واحداً من حيث هو ناشىء عن أصل واحد، {فِى السَّمَاءِ} أى عال فى جهة السماء وأن ثواب ما يتولد عن تلك الكلمة الطيبة من الأَعمال الصالحات يوجد فى كل حين كلما عمل عملا صالحاً ثبت له ثوابه كما أن النخلة يوجد أُكلها كل حين كما قال جلا جلاله {تُؤْتِى أُكُلَهَا} أى تعطى صاحبها مأْكولها وهو ثمارها، {كُلَّ حِينٍ} كل وقت لأَنه يؤكل جمراً وطلعاً وبلحاً وبسراً ورطباً وتمراً ويدخر إلى حين الثمرة الأُخرى، وكما قال الربيع ابن أنس الحين هنا بكرة وعشى لأَن التمرة تؤكل بكرة وعشياً فى أوانه وغير أوانه، وقال مجاهد وعكرمة الحين هنا سنة لأَنها تثمر فى كل سنة فالسنة فى حقها وكل وقت فى حق العمل الصالح سواء فكأَنه قيل كل حين وقته الله لإِثمارها ومثل ذلك يقال فى قول سعيد بن جبير وقتادة والحسن: الحين ها هنا ستة أشهر من وقت طلعها إلى حين صرامها والروايتان عن ابن عباس رضى الله عنهما وفى قول على ثمانية أشهر وهى مدة حملها ظاهراً وباطناً وفى بعض أربعة من حين ظهور حملها إلى إِدراكها، وفى قول سعيد بن المسيب شهران من وقت يؤكل منها إِلى صرامها وأن الشجرة مطلقاً لا تسمى شجرة إِلا بعرق راسخ وأصل قائم وفرع عال كذلك الإيمان لا يتم إِلا بتصديق وقول وعمل، وعن ابن عمر وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مثل المؤمن كشجرة لا يسقط لها أنملة أتدرون ما هى؟ قالوا: لا. قال: هى النخلة لا يسقط لها أنملة كما لا تسقط لمؤمن دعوة" تفسير : فوجه الشبة غير ما ذكر قبل هذا وقيل هو أن أصل دين المسلم ثابت وإِنما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأَرواح مُسطاب وأنه لا يزال مستوراً بدينه ينتفع بكل ما يصدر منه حياً وميتاً قيل وإِما كون الشبه موتها بقطع رأسها وموتها بحرقها وأنها لا تحمل حتى تلقح وأن رائحة طلعها كرائحة المنى وأنها تعشق وإِنها تشرب من أعلاها فضعيف والضعف منه ما قيل أنه هو خلقها من فضله طين آدم عليه السلام فإِن الحديث فى ذلك لم يثبت. وفى رواية عن ابن عمران من الشجر لما بركته كبركة المسلم وذلك أنها تؤكل من حين طلع إِلى أن تيبس وينتفع بأجزائها كالنوى فى العلف والليف فى الحبال والجمار فى الأكل {بِإِذْنِ رَبِّهَا} بإِرادته وتكوينه {وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتذَكَّرُونَ} يتعظون فيؤمنون لأَن ضرب المثل زيادة فى الإِفهام وتصوير للمعانى وإِدناء لها من الأَشياء المحسة فتدرك كما يدرك ما تحسه العين واليد.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيبَةً} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أَولى أَن يكون لكل من يصلح لأَن الأصل فيه التعيين، ولأَن ما للنبى فى الجملة للكل، والرؤية علمية بدليل تعليقها بالاستفهام، لكن تعلق البصرية أَيضا تقول: انظر إِلى موضع كذا هل فيه كذا، فيجوز أَن تكون هنا بصرية مجازا تنزيلا للعلم منزل المحسوس مبالغة، ومثلا مفعول ثان وكلمة أَول، أَى كيف صير كلمة طيبة مثلاً، أَو متعد لواحد بمعنى وضع، وكلمة بدل أَو بيان على جوازه فى النكرة من مثلا، والمراد كالمثل فى الغرابة، والكلمة الطيبة لا إِله إِلا الله، أَو كل كلمة حسنة كالتسبيح والتحميد والاستغفار والتوبة والقرآن ودعوة الإِسلام، وكل ما أَعرب عن حق أَو دعا إلى صلاح، وقيل: المؤمن، كما أُطلق على عيسى أَنه كلمة، والأَولى ما تقدم، ووجه الشبه أَن كلمة الشهادة رسخت فى القلب كرسوخ الشجرة، ويتفرع عليها الأَعمال الصالحة كتفرع ثمار الشجرة {كَشَجَرَةٍ} نعت لكلمة أَو حال، أَو هى كشجرة أَو جعلها كشجرة، وعليهما تكون تفسيرا لضرب المثل، أَو بدل على أَن كلمة بدل أَو بيان لمثلا وكشجرة مفعول ثان، قوله: ومثل كلمة خبيثة لأَن مثل مبتداٌ وكشجرة خبر {طَيِّبَةٍ} هى النخلة كما فسرها بها صلى الله عليه وسلم بعد ما سأَلهم عنها، وفهمها عبد الله ابن عمر فلم ينطق بها حياءً، ولعلهم لم يسارعوا إِليها لتبادر اسم الشجرة إلى غيرها، أَو لأَنها لو أَريدت لم يختبر أَفهامهم بها لمشاهدتها فى البلد وكثرتها ولولا ذلك لفسر بمطلق الشجر الطيب المثمر كالنخلة وشجرة الرمان والعنب والتين، وقيل: شجرة جوز الهند، أَو شجرة طوبى كما قيل بهما {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} راسخ فى الأَرض بالعروق {وَفرْعُهَا} أَعلاهما كما لأَعلى الجبل أَنه فرعه، وإِن أُريد فروعها وهو الغصون التى هى هنا الجرائِد، فالإِضافة للحقيقة أَو للاستغراق فصح لما فوق الواحد {فِى السَّمَاءِ} فى جهة السماءِ أَو جهة العلو، أَنزل الله الآية على ما علم منا، وهو خلق له أَنا ننزع الجرائِد اليابسة وننزع الخضرة أَيضا للحاجة فيكون أَعلاها جرثومة فى الجو، ولو تركت بلا نزع لم يختص أَعلاها بذك فتكون كشجر السرو.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقيل: لمن يصلح له والفعل معلق بما بعده من قوله تعالى: {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } أي كيف اعتمله ووضعه في موضعه اللائق به {كَلِمَةً طَيّبَةً } نصب على البدلية من {مَثَلاً } و {ضَرَبَ} متعدية إلى مفعول واحد كما ذهب إلى ذلك الحوفي والمهدوي وأبو البقاء، وهو على ما قيل: بدل اشتمال ولو جعل بدل كل من كل لم يبعد. واعترض عليه بأنه لا معنى لقولك ضرب الله كلمة طيبة إلا بضم {مَثَلاً } إليه فمثلاً هو المقصود بالنسبة فكيف يبدل منه غيره، ولا يخفى أن هذا بناءاً على ظاهر قول النحاة: إن المبدل في نية الطرح وهو غير مسلم، وقوله سبحانه: {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} صفة {كَلِمَةً} أو خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة، وجوز أن يكون كلمة منصوباً بمضمر و {ضَرَبَ} أيضاً متعدية لواحد أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة أي حكم بأنها مثلها والجملة تفسير لقوله سبحانه: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } كقولك: شرف الأمير زيداً كساه حلة وحمله على فرس. وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه تكلف إضمار لا ضرورة تدعو إليه. وأجاب عنه السمين بما فيه بحث، وجوز أيضاً أن يكون ضرب المذكور متعدياً إلى مفعولين إما لكونه/ بمعنى جعل واتخذ أو لتضمينه معناه وكلمة أول مفعوليه قد أخر عن ثانيهما أعني {مَثَلاً} لئلا يبعد عن صفته التي هي {كَشَجَرَةٍ} قيل: ولا يرد على هذا بأن المعنى أنه تعالى ضرب لكلمة طيبة مثلاً لا كلمة طيبة مثلاً لأن المثل عليه بمعنى الممثل به والتقدير ذات مثل أولها مثلاً. وقرىء {كلمة} بالرفع على الابتداء لكونها نكرة موصوفة والخبر {كشجرة} ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف و {كشجرة} صفة أخرى. {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} أي ضارب بعروقه في الأرض. وقرأ أنس بن مالك {كشجرة طيبة ثابت أصلها} وقراءة الجماعة على الأصل وذكروا أنها أقوى معنى. قال ابن جني: لأنك إذا قلت ثابت أصلها فقد أجريت الصفة على شجرة وليس الثبات لها إنما هو للأصل، والصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف قد تجري عليه لكنها أخص بما هي له لفظاً ومعنى فالأحسن تقديم الأصل عناية به، ومن ثم قالوا: زيد ضربته فقدموا المفعول عناية به حيث إن الغرض ليس ذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، ثم لم يقنعوا بذلك حيث أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه رب الجملة لفظاً فرفعوه بالابتداء وصار ضربته ذيلاً له وفضلة ملحقة به، وكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا الرجل مع ما في التقديم هنا من حسن التقابل والتقسيم إلا أن لقراءة أنس وجهاً حسناً، وهو أن {ثابت أصلها} صفة الشجرة وأصل الصفة أن تكون اسماً مفرداً لأن الجملة إذا وقعت صفة حكم على موضعها بإعراب المفرد وذاك لم يبلغ مبلغ الجملة بخلاف {أصلها ثابت} فإنه جملة قطعاً، وقال بعضهم: إنها أبلغ ولم يذكر وجه ذلك فزعم من زعم أنه ما أشير إليه من وجه الحسن وهو بمعزل عن الصواب. وقال ابن تمجيد: هو أنه كوصف الشيء مرتين مرة صورة ومرة معنى مع ما فيه من الإجمال والتفصيل كما في {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1] فإنه لما قيل: {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ ثَابِتٌ } تبادر الذهن من جعل {ثَابِتٌ } صفة لشجرة صورة أن شيئاً من الشجرة متصف بالثبات ثم لما قيل: {أَصْلُهَا } علم صريحاً أن الثبات صفة أصل الشجرة وقيل: كونها أكثر مبالغة لجعل الشجرة بثبات أصولها ثابتة بجميع أغصانها فتدبر {وَفَرْعُهَا } أي أعلاها من قولهم: فرع الجبل إذا علاه، وسمي الأعلى فرعاً لتفرعه على الأصل ولهذا أفرد وإلا فكل شجرة لها فروع وأغصان، ويجوز أن يراد به الفروع لأنه مضاف والإضافة حيث لا عهد ترد للاستغراق أو لأنه مصدر بحسب الأصل وإضافته على ما اشتهر تفيد العموم فكأنه قيل: وفروعها {فِى ٱلسَّمَاء} أي في جهة العلو.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة ما حكي عن أحوال أهل الضلالة وأحوال أهل الهداية ابتداء من قوله تعالى: {وبرزوا لله جميعاً} إلى قوله {تحيتهم فيها سلام}، فضرب الله مثلاً لكلمة الإيمان وكلمة الشرك. فقوله: {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً} إيقاظ للذهن ليترقب ما يرد بعد هذا الكلام، وذلك مثل قولهم: ألم تعلم. ولم يكن هذا المثَل مما سبق ضربه قبل نزول الآية بل الآية هي التي جاءت به، فالكلام تشويق إلى علم هذا المثل. وصوغ التشويق إليه في صيغة الزمن الماضي الدال عليها حرف {لَمْ} التي هي لنفي الفعل في الزمن الماضي والدالّ عليها فعل {ضرب} بصيغة الماضي لقصد الزيادة في التشويق لمعرفة هذا المثل وما مثل به. والاستفهام في {ألم تر} إنكاري، نُزل المخاطب منزلة من لم يعلم فأنكر عليه عدم العلم، أو هو مستعمل في التعجيب من عدم العلم بذلك مع أنه مما تتوفر الدواعي على علمه، أو هو للتقرير، ومثله في التقرير كثير، وهو كناية عن التحريض على العلم بذلك. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. والرؤية علمية معلّق فعلها عن العمل بما وليها من الاستفهام بــــ {كيف}. وإيثار {كيف} هنا للدلالة على أن حالة ضرب هذا المثل ذات كيفية عجيبة من بلاغته وانطباقه. وتقدم المثَل في قوله: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً } تفسير : في سورة البقرة (17). وضَرْب المثل: نَظْم تركيبه الدال على تشبيه الحالة. وتقدم عند قوله: { أية : أن يضرب مثلاً ما } تفسير : في سورة البقرة (26). وإسناد {ضرب} إلى اسم الجلالة لأن الله أوحى به إلى رسوله ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ. والمثَل لما كان معنى متضمناً عدة أشياء صح الاقتصار في تعليق فعل {ضرب} به على وجه إجمال يفسره قوله: {كلمة طيبة كشجرة} إلى آخره، فانتصب {كلمة} على البدلية من {مثلاً} بدلَ مفصّل من مجمل، لأن المثل يتعلق بها لما تدل عليه الإضافة في نظيره في قوله: {ومثل كلمة خبيثة}. والكلمة الطيبة قيل: هي كلمة الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك. والطيبة: النافعة. استعير الطيب للنفع لحُسن وقعه في النفوس كوقع الروائح الذكية. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وجرين بهم بريح طيبة } تفسير : في سورة يونس (22). والفَرع: ما امتد من الشيء وعَلا، مشتق من الافتراع وهو الاعتلاء. وفرع الشجرة غصنها، وأصل الشجرة: جذرها. والسماء مستعمل في الارتفاع، وذلك مما يزيد الشجرة بهجة وحسن منظر. والأُكْل بضم الهمزة المأكول، وإضافته إلى ضمير الشجرة على معنى اللام. وتقدم عند قوله: { أية : ونفضل بعضها على بعض في الأكل } تفسير : في سورة الرعد (4). فالمشبّه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحس والفرح في النفس، وازدياد أصول النفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رُسوخ الأصل، وجمال المنظر، ونماء أغصان الأشجار. ووفرة الثِمار، ومتعة أكلها. وكل جزء من أجزاء إحدى الهيئتين يقابله الجزء الآخر من الهيئة الأخرى، وذلك أكمل أحوال التمثيل أن يكون قابلاً لجمع التشبيه وتفريقه. وكذلك القول في تمثيل حال الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة على الضد بجميع الصفات الماضية من اضطراب الاعتقاد، وضيق الصدر، وكدر التفكير، والضر المتعاقب. وقد اختصر فيها التمثيل اختصاراً اكتفاءً بالمضاد، فانتفت عنها سائر المنافع للكلمة الطيبة. وفي جامع الترمذي عن أنس بن مالك ــــ رضي الله عنه ــــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : مثل كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها » تفسير : قال: هي النخلة، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} قال: هي الحَنْظَل. وجملة {اجتثت من فوق الأرض} صفة لــــ{شجرة خبيثة} لأن الناس لا يتركونها تلتف على الأشجار فتقتلها. والاجتثاث: قطع الشيء كلّه، مشتق من الجُثة وهي الذات. و{من فوق الأرض} تصوير لــــ {اجتثت}. وهذا مقابل قوله في صفة الشجرة الطيبة {أصلها ثابت وفرعها في السماء}. وجملة {ما لها من قرار} تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن الاجتثاث من انعدام القرار. والأظهر أن المراد بالكلمة الطيّبة القرآن وإرشاده، وبالكلمة الخبيثة تعاليم أهل الشرك وعقائدهم، فــــ (الكلمة) في الموضعين مطلقة على القول والكلام، كما دل عليه قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت}. والمقصود مَعَ التمثيل إظهارُ المقابلة بين الحالين إلا أن الغرض في هذا المقام بتمثيل كل حالة على حدة بخلاف ما يأتي عند قوله تعالى في سورة النحل {ضرب الله مثلا عبداً مملوكا} إلى قوله {ومن رزقناه منا رزقاً حسناً}، فانظر بيانه هنالك. وجملة {ويضرب الله الأمثال للناس} معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. والواو واو الاعتراض. ومعنى (لعل) رجاء تذكرهم، أي تهيئة التذكر لهم، وقد مضت نظائرها.

الواحدي

تفسير : {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً} بيَّن شبهاً، ثمَّ فسَّره فقال: {كلمة طيبة} يريد: لا إله إلاَّ الله {كشجرة طيبة} يعني: النَّخلة {أصلها} أصل هذه الشَّجرة الطَّيِّبة {ثابت} في الأرض {وفرعها} أعلاها عالٍ {في السماء}. {تؤتي} هذه الشَّجرة {أكلها} ثمرها {كلَّ حين} كلَّ وقتٍ في جميع السَّنة، ستة أشهرٍ طلعٌ رخص، وستة أشهرٍ رطبٌ طيِّبٌ، فالانتفاع بالنَّخلة دائمٌ في جميع السَّنة. كذلك الإِيمان ثابتٌ في قلب المؤمن، وعمله، وقوله، وتسبيحه عالٍ مرتفع إلى السَّماء ارتفاع فروع النَّخلة، وما يكتسبه من بركة الإِيمان وثوابه كما ينال من ثمرة النَّخلة في أوقات السَّنة كُلِّها من الرُّطَب والبسر والتَّمر {ويضرب الله الأمثال للناس} يريد: أهل مكَّة {لعلَّهم يتذكرون} لكي يتَّعظوا. {ومثل كلمة خبيثة} يعني: الشِّرك بالله سبحانه {كـ} مثل {شجرة خبيثة} وهي الكشوث {اجتثت} انتزعت واستؤصلت، والكشوت كذلك {من فوق الأرض} لم يرسخ فيها، ولم يضرب فيها بعرق. {ما لها من قرار} مستقرٌّ في الأرض. يريد: إنَّ الشَّرك لا ينتفع به صاحبه وليس له حجَّةٌ ولا ثباتٌ كهذه الشَّجرة. {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} وهو قول لا إله إِلاَّ الله {في الحياة الدنيا} على الحقَّ {وفي الآخرة} يعني: في القبر يُلقِّنهم كلمة الحقِّ عند سؤال الملكين {ويضل الله الظالمين} لا يُلقِّن المشركين ذلك، حتى إذا سُئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري {ويفعل الله ما يشاء} من تلقين المؤمنين الصَّواب وإضلال الكافرين. {ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً} بدَّلوا ما أنعم الله سبحانه عليهم به من الإِيمان ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم كفراً حيث كفروا به {وأحلوا قومهم} الذين اتَّبعوهم {دار البوار} الهلاك، ثمَّ فسَّرها فقال: {جهنم يصلونها وبئس القرار} أَي: المقرُّ. {وجعلوا لله أنداداً} يعني: الأصنام {ليضلوا عن سبيله} النَّاس عن دين الله {قل تمتعوا} بدنياكم {فإنَّ مصيركم إلى النار} وقوله: {لا بيع فيه} لا فداء فيه {ولا خلال} مخالة. يعني: يوم القيامة، وهو يوم لا بيعٌ فيه، ولا شراءٌ، ولا مُخالَّةٌ، ولا قرابةٌ، إنَّما هي أعمالٌ يُثاب بها قومٌ، ويعاقب عليها آخرون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كلمة طيبة: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كشجرة طيبة: هي النخلة. كلمة خبيثة: هي كلمة الكفر. كشجرة خبيثة: هي الحنظل. اجتثت: أي اقتلعت جثتها أي جسمها وذاتها. بالقول الثابت: هو لا إله إلا الله. وفي الآخرة: أي في القبر فيجيب الملكين عما يسألانه عنه حيث يسالانه عن ربه ودينه ونبيه. بدلوا نعمة الله كفراً: أي بدلوا التوحيد والإِسلام بالجحود والشرك. دار البوار: أي جهنم. وجعلوا لله أندادا: أي شركاء. معنى الآيات: الآيات في تقرير التوحيد والبعث والجزاء، قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} أيها الرسول أي ألم تعلم {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} هي كلمة الإِيمان يقولها المؤمن {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} وهي النخلة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الأرض {وَفَرْعُهَا} عال {فِي ٱلسَّمَآءِ}، {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا} تعطي أكلها أي ثمرها الذي يؤكل منها كل حين بلحا وبُسْراً ومُنَصَّفاً ورطباً وتمراً وفي الصباح والمساء {بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي بقدرته وتسخيره فكلمة الإِيمان لا إله إلا الله محمد رسول الله تثمر للعبد أعمالاً صالحة كل حين فهي في قلبه والأعمال الصالحة الناتجة عنها ترفع إلى الله عز وجل، وقوله تعالى: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي كما ضرب هذا المثال للمؤمن والكافر في هذا السياق يضرب الأمثال للناس مؤمنهم وكافرهم لعلهم يتذكرون أي رجاء أن يتذكروا فيتعظوا فيؤمنوا ويعملوا الصالحات فينجوا من عذاب الله، وقوله: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كلمة الكفر في قلب الكافر {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي الحنظل مُرَّة ولا خير فيها ولا أصل لها ثابت ولا فرع لها في السماء {ٱجْتُثَّتْ} أي اقتلعت واستؤصلت {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي لاثبات لها ولا تثمر إلا ما فيها من مرارة وسوء طعم وعدم بركة وقوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} هذا وعد من الله تعالى لعباده المؤمنين الصادقين بأنه يثبتهم على الإِيمان مهما كانت الفتن والمحن حتى يموتوا على الإِيمان {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي في القبر إذ هو عتبة الدار الآخرة عندما يسألهم الملكان عن الله وعن الدين والنبي من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبتهم بالقول الثابت وهو الإِيمان وأصله لا إله إلا الله محمد رسول الله والعمل الصالح الذي هو الإِسلام وقوله تعالى: {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} مقابل هداية المؤمنين فلا يوفقهم للقول الثابت حتى يموتوا على الكفر فيهلكوا ويخسروا، وذلك لإصرارهم على الشرك ودعوتهم إليه وظلم المؤمنين وأذيتهم من أجل إيمانهم، وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تقرير لإِرادته الحرة فهو عز وجل يثبت من يشاء ويضل من يشاء فلا اعتراض عليه ولا نكير مع العلم أنه يهدي ويضل بحكم عالية تجعل هدايته كإضلاله رحمة وعدلاً. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} أي ألم ينته إلى علمك أيها الرسول {إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} التي هي الإِسلام الذي جاءهم به رسول الله بما فيه من الهدى والخير فكذبوا رسول الله وكذبوا بما جاء به ورضوا بالكفر وأنزلوا بذلك قومهم الذين يحثونهم على الكفر ويشجعونهم على التكذيب أنزلوهم {دَارَ ٱلْبَوَارِ} فهلك من هلك في بدر كافراً إلى جهنم، ودار البوار هي جهنم يصلونها أي يحترقون بحرها ولهيبها {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي المقر الذي أحلوا قومهم فيه، وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي جعل أولئك الذين بدلوا نعمة الله كفراً وهو كفار مكة لله أنداداً أي شركاء عبدوها وهي اللاَّتَ والعُزَّى وهُبل ومَناة وغيرها من آلهتهم الباطلة، جعلوا هذه الأنداد ودعوا إلى عبادتها ليضلوا ويضلوا غيرهم عن سبيل الله التي هي الإِسلام الموصل إلى رضا الله تعالى وجواره الكريم، وقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُواْ} أي بما أنتم فيه من متاع الحياة الدنيا {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ} أي نهاية أمركم {إِلَى ٱلنَّارِ} حيث تصيرون إليها بعد موتكم إن أصررتم على الشرك والكفر حتى متم على ذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. 2- المقارنة بين الإِيمان والكفر، وكلمة التوحيد وكلمة الكفر وما يثمره كل واحد من هذه الأصناف من خير وشر. 3- بشرى المؤمن بتثبيت الله تعالى له على إيمانه حتى يموت مؤمناً وبالنجاة من عذاب القبر حيث يجيب منكراً ونكيراً على سؤالهما إياه بتثبيت الله تعالى له. 4- الأمر في قوله تعالى تمتعوا ليس للإِباحة ولا للوجوب وإنما هو للتهديد والوعيد.

القطان

تفسير : كلمة طيبة: كلمة الحق ويدخل فيها الايمان وجميع الاعمال الصالحة. كلمة خبيثة: الباطل ويدخل فيه كل شر. بعد ان بيّن اللهُ حالَ الأشقياء وحالَ السعداء ومآل كلٍ منهم ضربَ هنا مثلا يبيّن فيه الحقَّ من الباطل، ويوضح الفرقَ بين الفئتين. {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}. هنا شبّه اللهُ تعالى كلمةَ الإيمان التي هي كلمةُ الحقّ بشجرةٍ طيبةٍ ثبتَتْ جذورُها في الأرض وارتفعت اغصانها في السماء، فهي: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. فهي تعطي ثمرها الدائم في كل وقتٍ بإذن ربّها. كذلك تكون الهداَيةُ إذا ملأتْ قلباً فاضت منه على غيره وملأت قلوباً كثيرة ويبيّن الله الأمثالَ للناس ليتعظوا ويؤمنوا. {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}. وان الكلمة الخبيثة، كلمةَ الباطل، كالشجرة الخبيثة التي لا تنفع الناس، ليس لها قرارٌ ثابت وقد اقتُلعت من فوق الأرضِ لأن جذورَها غير قوية، فكما ان هذه الشجرة لا ثبات لها ولا دوام، فكذلك الباطلُ لا يدوم ولا يثبت. وبعد ان وصف الكلمة الطيبة بالوصف الجميل أخبر بفوزِ اصحابها في الدنيا والآخرة: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ}. يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا بكلمةِ الإيمان المستقرَّةِ في الضمائر، الثابتة في قلوبهم، المثمرةِ بالعمل الصالح، والفوزِ في الآخرة، ويُضلُّ الظالمينَ بظُلمهم وشِركهم، وبفعل ما يشاءُ بإرادته المطلقة. وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات، وقد استغرقت الشطر الأكبر من سورة إبراهيم. والكملةُ الطيبة تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى، حقيقة الرسالة الواحدة التي لاتتبدّل، وحقيقة الدعوة التي لا تتغير، وحقيقة التوحيد لله.

د. أسعد حومد

تفسير : (24) - بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي الآيَاتِ السَّابِقَاتِ حَالَ الأَشْقِيَاءِ، وَمَا يُلاَقُونَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الأَهْوَالِ الشَّدِيدةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا بَيَّنَ حَالَ السُّعَدَاءِ الأَبْرارِ وَمَا يَنَالُونَهُ مِنْ فَوْزٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلاً يُبَيِّنُ حَالَ الفَرِيقَيْنِ، وَيُوضِحُ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا، لِتَقْرِيبِ الصُّورَةِ إِلَى العُقُولِ وَالأَفْهَامِ فَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا أَيُّها الإِنْسَانُ عِلْمَ اليَقِينِ، كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً وَوَضَعَهُ المَوْضِعَ اللاَّئِقَ بِهِ، فَشَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ (وَهِي الإِيمَانُ الثَّابِتُ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ الذِي يُرْفَعُ بِهِ عَمَلُهُ إِلى السَّمَاءِ، وَتَنَالُهُ بَرَكَتُهُ وَثَوَابُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ)، بِالشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ الجَمِيلَةِ المَنْظَرِ التِي أَصْلُهَا رَاسِخٌ فِي الأَرْضِ وَفُروعُهَا مُتَصَاعِدَةٌ إِلى السَّمَاءِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ قَوْلُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ هِي النَّخْلَةُ). كَلِمَةً طَيِّبَةً - هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالإِسْلامِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمَثَل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي. وأنت تقول لصديق لك: هل رأيتَ فلاناً؟ فيقول لك: لا لم أرَه؛ فتقول له: إنه يُشبه صديقنا علان. وهكذا توضح أنت مَنْ خَفِي عن مُخَيلة صديقك بمَنْ هو واضح الصورة في مُخَيلته. والحق - سبحانه وتعالى - يضرب لنا الأمثال بالأمور المُحسَّة، كي ينقل المعاني إلى أذهاننا؛ لأن الإنسان له إلْفٌ بالمحُسِّ؛ وإدراكات حواسه تعطيه أموراً حسية أولاً، ثم تحقق له المعاني بعد ذلك. ويقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26]. وقد قال الكافرون: أيضرب الحق مثلاً ببعوضة؟ ذلك أنهم لم يعرفوا أن البعوضة لها حياة، وفيها حركة كأيِّ كائن؛ وتركيبها التشريحي يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الأحياء في التفاصيل؛ ويؤدي كل الوظائف الحيوية المطلوبة منه. ولا أحدَ غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف كيف تتنفس، أو كيف تهضم طعامها؛ ولا كيفية وجود جهاز دمويّ فيها؛ أو مكان الغُدد الخاصة بها؛ وهي حشرة دقيقة الصنع. وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة لِيُوضِّح الأمر الخفيّ بأمر جَليّ. ومن بعد ذلك ينتشر المثَل بين الناس. ونقول: إن كلمة "ضرب" مثلها مثل "ضرب العملة"، وكان الناس قديماً يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويُشكِّلونها بقدْر وشَكلْ مُحدّد لِتدُل على قيمة ما، وتصير بذلك عُمْلة متداولة، ويُقَال - أيضاً - "ضُرِب في مصر" أي: اعتمد وصار أمراً واقعاً. وكذلك المثَل حين ينتشر ويصبح أمراً واقعاً. والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة؛ ولها أربع خصائص: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ..} [إبراهيم: 24]. أي: تعطيك طِيباً تستريح له نفسُك؛ إما منظراً أو رائحة أو ثماراً؛ أو كُل ذلك مجتمعاً؛ فقوله: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ..} [إبراهيم: 24]. يُوحي بأن كُلّ الحواس تجد فيها ما يُريحها؛ وكلمة "طيبة" مأخوذة من الطِّيب في جميع وسائل الإحساس. فالخاصية الأولى، أنها شجرة طيبة، أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت، كإيمان المؤمن المحب، والثالثة أن فروعها في السماء، وهذا دليل أيضاً على ثبات الأصل وطيب منبتها. أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: فيها عطاء المدد الذي لا يعرف الحد ولا العدد، وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين. وبما أنها شجرة طيبة؛ فهي كائن نباتيّ لا بُدّ لها من أن تتغذَّى لتحفظ مُقوِّمات حياتها. ومُقوِّمات حياة النبات توجد في الأرض، فإنْ كانت الشجرة مُخَلْخَلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ غذاءها. ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ..} [إبراهيم: 24]. وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط؛ ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عَبْر الجذور؛ والباقي تأخذه من الهواء، وكلما كان الهواء نظيفاً فالشجرة تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء. أما إنْ كانت البيئة غيرَ نظيفة ومُلوّثة؛ فالهواء يكون غيرَ نظيف بما لا يسمح للشجرة أن تنمو النمو المناسب؛ فتمُرُّ الأغيار غير المناسبة على الشجرة، فلا تستخلص منها الغذاء المناسب، ولا تنمو النمو المناسب. اللهم إلا إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها. إذن: فقول الحق سبحانه: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ ..} [إبراهيم: 24]. يعني: أنها تأخذ من الأرض. وقوله: {وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ..} [إبراهيم: 24]. يُبيِّن أنها تأخذ من أعلى. ويتابع سبحانه: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ..} [إبراهيم: 25]. والأُكُل هو ما يُؤْكل ويُتمتَّع به، ولكنّا لا نأخذ المعنى هنا على ما يُؤْكَل بالفم فقط؛ ذلك أن هناك أشجاراً ونباتات طيبة؛ لأن مزاجَ الكون العام يتطلبها؛ فالظل مثلاً يُستفاد منه؛ وكذلك هناك أشجار يتفاعل وجودها مع الأثير؛ ويأخذ منها رائحة طيبة. والمثل في ذلك: الطفل البدويّ الذي شاهد نخيل جيرانه مثمراً بالبلح، ولكن النخلة التي يملكونها غير مثمرة، وتساءل: لماذا؟ وذهب ليقطعها، فلحقه والده ومنعه من ذلك، وقال له: إن نخلتنا هي الذكر الذي يُنتج اللقاح اللازم لبقية النخيل كي تثمر. ولذلك فأنا لا أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ..} [إبراهيم: 24]. بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الأشجار المثمرة؛ ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة حَنْظل فهي طيبة بفائدتها التي أودعها الحق إياها؛ فشجرة الحنظل نأخذ منها دواءً - قد يكون مرير الطَّعْم - لكنه يشفي بعضاً من الأمراض بإذن الله. ذلك أن كل ما هو موصوف بشجرة له مهمة طيِّبة في هذا الكون. وقَوْل الحق سبحانه: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ..} [إبراهيم: 25]. يدلُّنا على أن هناك قدراً مشتركاً بين الشجر كله؛ مثمراً بما نراه من فاكهة أو غير ذلك. وقد نبّهنا العِلْم الحديث إلى أن كل خُضْرة إنما تُنَقِّي الجو بما تأخذ منه من ثاني أوكسيد الكربون، وبما تضيف لنا من أوكسجين؛ وتستمر الخضرة في ذلك نهاراً؛ وتقلب مهمتها بإرسال ثاني أوكسيد الكربون ليلاً وامتصاص الأوكسجين، وكأنها مُبَرْمجة على فَهْم أن النهار يقتضي الحركة. ويحتاج الكائن الحي فيه إلى المزيد من وقود الحركة وهو الأوكسجين؛ والإنسان أثناء الحركة يستهلك كمية كبيرة من الأوكسجين؛ ونجد مَنْ يصعد سُلّماً ينهج لأن رئتيه تحاولان امتصاص أكبر قَدْرٍ من الأوكسجين ليؤكسد الدم، وينتج الطاقة اللازمة للصعود. وهكذا نجد كل خُضْرة إنما تقوم بوظائف محددة لها سلفاً من قِبلَ الخالق الأعلى. ولذلك اختلف العلماء عند تفسير: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ..} [إبراهيم: 25]. فمنهم مَنْ قال: إن "الحين" يُطلْق على اللحظة؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 83-84]. وقال مُفسِّر آخر: إن "الحين" يُقصد به الصباح والمساء، والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ..} تفسير : [الروم: 17]. وأقول: فلننتبه إلى أن "الحين" هو الوقت الذي يحين فيه المقدور؛ فإذا كان الحين هو لحظةَ بلوغ الرُّوح إلى الحُلْقوم؛ فهذه اللحظة هي المراد بـ "الحين" هنا، وإذا كان المقصود بها زمناً أطول من ذلك؛ صباحاً أو مساء؛ فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ..} تفسير : [البقرة: 177]. والبأس يعني الحرب؛ ومُدة الحرب قد تطول. وكذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف: 24]. وهكذا يكون معنى "الحين" هنا هو الأجل غير المُسمّى الذي يمتد إلى أن تتبدّل الأرضُ غيرَ الأرض والسماء غير السماء. إذن: فلا يوجد توقيت مُحدد المدة يمكن أن نُحدد به معنى "حين". ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25]. وضَرْب المثل معناه إيقاع شيء صغير لِيدل على شيء كبير؛ أو بشيء جليّ لِيدل على شيء خفيّ؛ لِيُقرِّب المعنويات إلى وسائل الإدراكات الأولى، وهي مُدْركات الحِسِّ من سمع وبصر وبقية وسائل الإدراك. وحين تأتي المعاني التي تناسب الطموح العقلي؛ فالإنسان يتجاوز مرحلة الحِسِّ إلى المعلومات المعنوية؛ فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا الأمثال التي توصل لنا المعنى المطلوب إيصاله. والحق سبحانه لا يستحي - كما قال - أنْ يضربَ مثلاً بالبعوضة وما فوقها. والبعض من المستشرقين يقول: ولماذا لم يَقُلْ "وما تحتها"؟ ونقول لِمَنْ يقول ذلك: أنت لم تفهم اللغة العربية؛ لذلك لم تستقبل القرآن بالمَلَكة العربية؛ ذلك أن المَثل يُضرَب بالشيء الدقيق؛ وما فوق الدقيق هو الأدقُّ. والحق سبحانه يضرب لنا المَثل للحياة الدنيا، وهي الحياة التي من لَدُن خَلْق الله للإنسان؛ ذلك أنه كانت هناك أجناسٌ أخرى قبل الإنسان، وهو سبحانه هنا يُوضِّح لنا بالمثَل ما يخص الحياة من لحظة خَلْق آدم إلى أنْ تقومَ الساعة، وهو يطويها - تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمال أجيالٍ - ويعطيها لنا في صورة مَثَلٍ موجز، فيقول لنا: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} تفسير : [الكهف: 45]. وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه الرياح. وأيضاً يقول الحق سبحانه: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ..} تفسير : [الحديد: 20]. وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطُولها وعَرْضها في هذا المَثل البسيط لنرى ما يُوضِّح لنا المعاني الخفية في صورة مُحسَّة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يُدرِك ما يريده الله منها. ونعلم أن المُحسَّات تدرك أولاً بعض الأشياء؛ ثم ترتقي إلى مرتبة التخيُّل؛ ثم يأتي التوهُّم؛ فمراحل الإدراك للأشياء الخفية هي الحِس أولاً؛ ثم التخيل ثانياً؛ ثم التوهم ثالثاً. والتخيُّل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود في الخارج؛ وإنْ كانت مُكوَّنة من مادة وأشياء موجودة في هذا الخارج. والمَثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أنْ يصف الوَشْم على يد حبيبته، فقال: شعر : خوض كأنَّ بَنانَها في نَقْشهِ الوَشْم المُزرد سَمكٌ من البِلَّور في شَبَكٍ تكوَّن من زَبرجَدِ تفسير : وحين تبحث في الصورة الكلية لتلك الأبيات من الشعر؛ لن تجدها موجودة في الواقع؛ ولكن الشاعر أوجدها من مُكوِّنات ومُفْردات موجودة في الواقع؛ فالسمك موجود ومعروف؛ والبِلَّور موجود ومعروف؛ وكذلك الشَّبك والزبرجد، وقام الشاعر بنسج تلك الصورة غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل، وهذا هو الخيال الذي يُقرِّب المعنى. والتوهمُّ يختلف عن الخيال؛ فإذا كان التخيُّل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من مفردات موجودة في هذا الواقع؛ فالتوهُّم هو صورة غير موجودة في الواقع، ومُكوَّن من مفردات غير موجودة في الواقع. والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ..} تفسير : [الزخرف: 71]. ويشرح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بمذكرة تفسيرية، فيقول: "حديث : فيها مَا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خَطَر على قَلْب بشر ". تفسير : والعَيْن وسيلة إدراك وحِسٍّ؛ وكذلك الأذن، أما ما لا يخطر على القلب فهو ليشرحه الخيال أو الوَهْم. وهكذا نعلم لماذا يضرب الله لنا الأمثال؛ لِيُوجِز لنا ما يشرح ويُوضِّح بأشياء قريبة من الفهم البشري. وأنت حين تريد أن تكتب لصديق؛ فقد تُمسِك الورقة والقلم وتُدبِّج رسالة طويلة؛ ولكن إنْ كنتَ تملك وقتك فستحاول أن تُركِّز كل المعاني في كلمات قليلة. وكلنا يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة 1919 المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن سطَّر له رسالة في خمس صفحات؛ وأنهاها: "إني أعتذر عن الإطالة في الخطاب، فلم يكُنْ عندي وقت للإيجاز" وذلك لأن مَنْ يُوجِز إنما يضع معاني كثيرة في كلمات قليلة. وحين طلب أحد القادة المسلمين النُّصْرة من خالد بن الوليد؛ وكان القائد الذي يطلب المساعدة مُحَاصَراً؛ وأرسل لخالد بن الوليد كلمتين اثنتين "إياك أريد"، وهكذا اختصر القائد المحاصر ما يرغب إيصاله إلى مَنْ ينجده، بإيجاز شديد. والشاعر يقول: شعر : إذَا أرادَ الله نَشْرَ فَضِيلَة طُوِيَتْ أتاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ لَوْلاَ اشتِعالُ النَّارِ فِيمَا جَاورَتْ مَا كَان يُعْرَف طِيِبُ عَرْفِ العوُدِ تفسير : أي: أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس؛ فالحقُّ سبحانه يتيح لها لسانَ حاسدٍ حاقد لِيثُرثر ويُنقِّب؛ لتظهر وتنجلي؛ مثلما يُوضَعُ خشب العود - وهو من أَرْقَى ألوان البخور - في النار، فينتشر عِطْره بين الناس. وهكذا ضرب الشاعر المَثَل لِيُوضِّح أمراً ما للقارئ أو السامع. ويقول الشاعر ضارباً المَثل أيضاً: شعر : وإذَا امْرؤٌ مدحَ امْرءاً لِنَوالِه وأَطَالَ فِيه فقدْ أطَالَ هِجَاءَهُ لَوْ لَمْ يُقدِّر فيه بُعْد المُسْتقَى عند الوُرودِ لَمَا أطالَ رِشَاءَهُ تفسير : والمقاييس العادية تقول: إن المرء حين يمدح أحداً لفترة طويلة، فهذا يعني الرِّفْعة والمجد للممدوح. ولكن حين يقرأ أحدٌ قول هذا الشاعر قد يتعجَّب ويندهش، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريباً في البئر؛ لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير؛ ولكن إنْ كان الماء على بُعْد مسافة في البئر فهذا يقتضي حبلاً طويلاً لينزل الدلو إلى الماء. وهذا يعني أن طول المدح إنما يُعبِّر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا بالثناء الطويل؛ ولو كان الممدوح كريماً حقاً لاكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه. وهكذا يكون ضَرْبُ المثل توضيحاً وتقريباً للذهن. وهنا قال الحق سبحانه: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25]. والتذكر معناه أن شيئاً كان معلوماً بالفطرة؛ ولكن الغفلة طرأتْ؛ فيأتي المَثَلُ ليُذكِّر بالأمر الفطريّ. وبعد أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بياناً لحال أهل القُرْب من الله والود معه واتباع منهجه، أراد انْ يذكُرَ لنا المقابل، وهو حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الله، وعن منهجه، فيقول سبحانه وتعالى: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} قالَ زيد بن علي عليهما السّلامُ: هِي لاَ إله إِلاَّ الله أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي قَلبِ المُؤمِن. ويقالُ: النَّخلَةُ. وشَجَرةٌ خَبِيثَةٌ: هِيَ الحَنظَلُ.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي المعتبر الخبير البصير {كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {مَثَلاً} لينتبهوا منه بأن شبه {كَلِمَةً طَيِّبَةً} هي كلمة التوحيد القائلة المفصحة بألا وجود لسوى الحق {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} هي النخلة التي {أَصْلُهَا} وعروقها {ثَابِتٌ} في الأرض بحيث لا يقلعها ولا يشوشها الرياح أصلاً {وَفَرْعُهَا} أي: أفنانها وأغصانها مرتفعة {فِي} جانب {ٱلسَّمَآءِ} [إبراهيم: 24]. {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا} أي: ثمارها {كُلَّ حِينٍ} من الأحيان المعينة للإثمار {بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي: بإرادته ومشيئته؛ يعني: كما أن النخلة تنمو وتثمر بسبب أصلها الثابت في الأرض وفرعها المرتفع نحو السمااء، ويحصل منها الثمر وقت حصولها، كذلك الكلمة الطيبة التوحيدية المستقرة، أصلها في أراضي الاستعدادات الطفرية المرتفعة أغصانها وأفنانها نحو سماء العالم الروحاني، المثمرة لثمرات المكاشفات والمشاهدات، القالعة القامعة لأشواك الكثرات، الناشئة من الإضافات العدمية {وَ} لا حاجة لأولي البصائر والألباب، المنكشفين بصرافة الوحدة الذاتية إلى أمثال هذه التنبيهات، بل {يَضْرِبُ ٱللَّهُ} المطلع لسرائر استعدادات عباده {ٱلأَمْثَالَ} المذكورة {لِلنَّاسِ} الناسين عهودهم ومواثيقم مع الله بُحجب تعيناتهم المستتبعة للإضافات والكثرات {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] رجاء أن يتذكروا ما نسوا من أمثال هذه الأمثال. {وَ} أيضاً {مَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كلمة الكفر المستتبعة لأنواع الفسوق والعصيان، المخالفة لجادة التوحيد {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي الحنظلة التي {ٱجْتُثَّتْ} أي: أخذت تنمو جثتها {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ} بلا استحكام عرقها في الأرض وتعمقها؛ لذلك {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] إذ أدنى الرياض يقلبها كيف يشاء؛ يعني: كما أن الشجرة الخبيثة الغير المستقرة بقلبها الرياح كيف يشاء كذلك اعتقادات الكفرة والفسقة المقلدة يقلبها أدنى رياح الشكوك والشبهات، وتوقعهم في مهاوي الأوهام والخيالات. وبالجملة: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} أي: بالإقرار المطابق للاعتقاد {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: حيث بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الحق و ينصرفون عنها {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أيضاً بحيث لا يتلعثمون ولا يضطربون يوم العرض الأكبر، بل في البرزخ أيضاً عند سؤال المنكر والنكير {وَ} كما يثبت المؤمنين بالإيمان كذلك {يُضِلُّ ٱللَّهُ} المذل المضل {ٱلظَّالِمِينَ} الذين خرجوا عن ربقة العبودية عناداً واستكباراً؛ أي: يثبتهم على الضلال إيى حيث لا يفوزون بالفلاح أصلاً، بل صاروا خالدين في النار أبد الآباد {وَ} بالجملة: {يَفْعَلُ ٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {مَا يَشَآءُ} [إبراهيم: 27] من الإهداء والإضلال، والإعزاز والإذلال.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَة } " وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } وهي النخلة { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } في الأرض { وَفَرْعُهَا } منتشر { فِي السَّمَاءِ } وهي كثيرة النفع دائما . { تُؤْتِي أُكُلَهَا } أي: ثمرتها { كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } فكذلك شجرة الإيمان ، أصلها ثابت في قلب المؤمن، علما واعتقادا. وفرعها من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة في السماء دائما يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره، { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ما أمرهم به ونهاهم عنه، فإن في ضرب الأمثال تقريبا للمعاني المعقولة من الأمثال المحسوسة، ويتبين المعنى الذي أراده الله غاية البيان، ويتضح غاية الوضوح، وهذا من رحمته وحسن تعليمه. فلله أتم الحمد وأكمله وأعمه، فهذه صفة كلمة التوحيد وثباتها، في قلب المؤمن. ثم ذكر ضدها وهي كلمة الكفر وفروعها فقال: { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } المأكل والمطعم وهي: شجرة الحنظل ونحوها، { اجْتُثَّتْ } هذه الشجرة { مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ } أي: من ثبوت فلا عروق تمسكها، ولا ثمرة صالحة، تنتجها، بل إن وجد فيها ثمرة، فهي ثمرة خبيثة، كذلك كلمة الكفر والمعاصي، ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث وعمل خبيث يستضر به صاحبه، ولا ينتفع، فلا يصعد إلى الله منه عمل صالح ولا ينفع نفسه، ولا ينتفع به غيره.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} [24] 281- أنا علي بن حُجر، أنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عُمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدِّثوني ما هي؟". قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنَّها النَّخلة فاستحييت. فقالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النَّخلة ". تفسير : 282- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا النضر بن شُميل، نا حماد ابن سلمة، عن شُعيب بن الحُبَاب، عن أنس بن مالك؛ قال: حديث : أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بِقناع من بُسْر، فقرأ {مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} قال: "هي النَّخلة ".

همام الصنعاني

تفسير : 1404- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}: [الآية: 24]، قال: يذكرون أنَّها النخلة {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}: [الآية: 25]، قال: يُؤكل ثمرها في الشتاء والصيف. 1405- قال معمر، وقال الحسن: ما بين الستة الأشهر والسبعة. 1406- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالِك قال: الشجرة الطيبة: النخلة، والشجرة الخبيثة: الحنظلة.