١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا } نزل في أهل مكة حيث أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن وجعل عيشهم في السعة وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنواعاً من الأعمال القبيحة. النوع الأول: قوله: {بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا } وفيه وجوه: الأول: يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة الله كفراً، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك النعمة أتوا بالكفر، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً. والثاني: أنهم بدلوا نفس نعمة الله كفراً لأنهم لما كفروا سلب الله تلك النعمة عنهم فبقي الكفر معهم بدلاً من النعمة. الثالث: أنه تعالى أنعم عليهم بالرسول والقرآن فاختاروا الكفر على الإيمان. والنوع الثاني: ما حكى الله تعالى عنهم قوله: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور، ومنه قوله تعالى: { أية : وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } تفسير : [الفتح: 12] وأراد بدار البوار جهنم بدليل أنه فسرها بجهنم فقال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } أي المقر وهو مصدر سمي به. النوع الثالث: من أعمالهم القبيحة قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً ذكر أنهم بعد أن كفروا بالله جعلوا له أنداداً، والمراد من هذا الجعل الحكم والاعتقاد والقول، والمراد في الأنداد الأشباه والشركاء، وهذا الشريك يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم جعلوا للأصنام حظاً فيما أنعم الله به عليهم نحو قولهم هذا لله وهذا لشركائنا. وثانيها: أنهم شركوا بين الأصنام وبين خالق العالم في العبودية. وثالثها: أنهم كانوا يصرحون بإثبات الشركاء لله وهو قولهم في الحج لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {لِيُضِلُّواْ } بفتح الياء من ضل يضل والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل. المسألة الثالثة: اللام في قوله: {لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي، أي الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرىء بالضم فإنه يحتمل الوجهين، وإذا قرىء بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم. وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل. وكل ما حصل في العاقبة كان شبيهاً بالأمر المقصود في هذا المعنى، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال: {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت، فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم، فلهذا المعنى قال: {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } وأيضاً إن هذا الخطاب مع الذين حكى الله عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً، فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } وهذا الأمر يسمى أمر التهديد ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تفسير : [فصلت: 40] وكقوله: { أية : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } تفسير : [الزمر: 8].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} أي جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا، والمراد مشركو قريش وأن الآية نزلت فيهم؛ عن ابن عباس وعليّ وغيرهما. وقيل: نزلت في المشركين الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. قال أبو الطُّفَيل: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: هم قريش الذين نُحِروا يوم بدر. وقيل: نزلت في الأفْجَرَيْن من قريش بني مخزوم وبني أمية، فأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين؛ وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بَدْر؛ قاله علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وقول رابع: أنهم مُتنصِّرة العرب جَبَلة بن الأَيْهَم وأصحابه حين لَطَم فجعل له عمر القصاص بمثلها، فلم يرض وأَنِفَ فٱرتدّ مُتنصراً ولَحق بالروم في جماعة من قومه؛ عن ابن عباس وقتادة. ولما صار إلى بلد الروم ندم فقال:شعر : تَنصَّرتِ الأشرافُ من عارِ لَطْمةٍ وما كان فيها لو صَبَرْتُ لها ضَرَرْ تَكنَّفنيِ منها لَجَاجٌ ونَخْوةٌ وبِعتُ لها العينَ الصحيحة بالْعَوَرْ فيا ليتني أَرَعى المَخَاضَ ببلدةٍ ولم أنكر القولَ الذي قاله عُمرْ تفسير : وقال الحسن: إنها عامة في جميع المشركين. {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ} أي أنزلوهم. قال ابن عباس: هم قادة المشركين يوم بدر. {قَوْمَهُمْ} أي الذين ٱتبعوهم. {دَارَ ٱلْبَوَارِ} قيل: جهنم؛ قاله ابن زيد. وقيل: يوم بدر؛ قاله عليّ بن أبي طالب ومجاهد. والبوار الهلاك؛ ومنه قول الشاعر:شعر : فلم أَرَ مثلَهمْ أبطالَ حَرْبٍ غداةَ الحرب إذْ خِيفَ البَوَارُ تفسير : {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} بيّن أن دار البوار جهنم كما قال ابن زيد، وعلى هذا لا يجوز الوقف على «دَارَ الْبَوَارِ» لأن جهنم منصوبة على الترجمة عن «دَارَ الْبَوَارِ» فلو رفعها رافع بإضمار، على معنى: هي جهنم، أو بما عاد من الضمير في «يَصْلَوْنَهَا» لحسن الوقف على «دَارَ الْبَوَارِ». {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي المستقر. قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أي أصناماً عبدوها؛ وقد تقدم في «البقرة». {لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي عن دينه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج {أية : لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 9] ومثله في «لقمان» و «الزمر» وضَمَّها الباقون على معنى ليُضلوا الناس عن سبيله، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يَضلّون عن سبيل الله على اللزوم، أي عاقبتهم إلى الإضلال والضلال؛ فهذه لام العاقبة. {قُلْ تَمَتَّعُواْ} وعيد لهم، وهو إشارة إلى تقليل ما هم فيه من ملاذ الدنيا إذ هو منقطع. {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} أي مردّكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا } أي شكر نعمته كفراً بأن وضعوه مكانه، أو بدلوا نفس النعمة كفراً، فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها كأهل مكة، خلقهم الله تعالى وأسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم أبواب رزقه وشرفهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين وأسروا وقتلوا يوم بدر وصاروا أذلاء، فبقوا مسلوبي النعمة وموصوفين بالكفر، وعن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما: هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } الذين شايعوهم في الكفر. {دَارَ ٱلْبَوَارِ } دار الهلاك بحملهم على الكفر.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا} ألم تعلم؟ كقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ} تفسير : [الفيل: 1]، {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ} تفسير : [البقرة: 243] البوار: الهلاك، بار يبور بَوْراً، و{أية : قَوْماً بُوراً} تفسير : [الفتح: 12] هالكين. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء، سمع ابن عباس: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا} قال: هم كفار أهل مكة، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب، فلحقوا بالروم، والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار؛ فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قبلها، وقام بشكرها، دخل الجنة، ومن ردها، وكفرها، دخل النار، وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل: أن ابن الكواء سأل علياً عن {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} قال: هم كفار قريش يوم بدر، حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى ابن عبيد، حدثنا بسام، هو الصيرفي، عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين من الذين بدلوا نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: منافقو قريش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على معقل عن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن؟ فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني وإن كان من وراء البحار، لأتيته، فقام عبد الله بن الكواء، فقال: من الذين بدلوا نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: مشركو قريش، أتتهم نعمة الله الإيمان، فبدلوا نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم دار البوار. وقال السدي في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا} الآية، ذكر مسلم المستوفى، عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة، فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد، وكان أبو جهل يوم بدر، وأبو سفيان يوم أحد، وأما دار البوار فهي جهنم. وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث أبو منصور، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة قالا: سمعت علياً قرأ هذه الآية: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة، فأهلكوا يوم بدر، وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين، ورواه أبو إسحاق عن عمرو بن مرة عن علي، نحوه، وروي من غير وجه عنه. وقال سفيان الثوري عن علي بن زيد عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا} قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة، فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين، وكذا رواه حمزة الزيات عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين هذه الآية: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}؟ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي، فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك، فأملى الله لهم إلى حين، وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر، وكذا رواه مالك في تفسيره عن نافع عن ابن عمر. وقوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه، ودعوا الناس إلى ذلك، ثم قال تعالى مهدداً لهم ومتوعداً لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا، فافعلوا، فمهما يكن من شيء، {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} أي: مرجعكم وموئلكم إليها؛ كما قال تعالى: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [لقمان: 24]، وقال تعالى: {أية : مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [يونس: 70].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللهِ } أي شُكْرَهَا {كُفْراً } هم كفار قريش {وَأَحَلُّواْ } أنزلوا {قَوْمَهُمْ } بإضلالهم إياهم {دَارَ ٱلْبَوَارِ } الهلاك؟
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ }: هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له، وهو تعجيب من حال الكفار حيث جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر أي: بدل شكرها الكفر، بها، وذلك بتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله منهم، وأنعم عليهم به، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنهم كفار مكة وأن الآية نزلت فيهم. وقيل: نزلت في الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وقيل: نزلت في بطنين من بطون قريش بني مخزوم، وبني أمية. وقيل: نزلت في منتصرة العرب. وهم جبلة بن الأيهم وأصحابه، وفيه نظر، فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلاّ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقيل: إنها عامة في جميع المشركين. وقيل: المراد بتبديل نعمة الله كفراً أنهم لما كفروها سلبهم الله ذلك فصاروا متبدّلين بها الكفر {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } أي: أنزلوا قومهم بسبب ما زينوه لهم من الكفر دار البوار، وهي جهنم، والبوار: الهلاك. وقيل: هم قادة قريش أحلوا قومهم يوم بدر دار البوار أي: الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به، ومنه قول الشاعر:شعر : فلم أرَ مثلهم أبطال حرب غداة الحرب إذ خيف البوار تفسير : والأوّل أولى لقوله: {جَهَنَّمَ } فإنه عطف بيان لدار البوار، و {يَصْلَوْنَهَا } في محل نصب على الحال، أو هو مستأنف لبيان كيفية حلولهم فيها {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } أي: بئس القرار قرارهم فيها، أو بئس المقرّ جهنم، فالمخصوص بالذمّ محذوف {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } معطوف على {وأحلوا} أي: جعلوا لله شركاء في الربوبية، أو في التسمية وهي الأصنام. قرأ ابن كثير وأبو عمرو "ليضلوا" بفتح الياء أي: ليضلوا أنفسهم عن سبيل الله، وتكون اللام للعاقبة، أي: ليتعقب جهلهم لله أنداداً ضلالهم، لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه، وحسن استعمال لام العاقبة هنا؛ لأنها تشبه الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر المراتب، والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. وقرأ الباقون بضم الياء ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أنداداً. ثم هدّدهم سبحانه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من الشهوات، وما زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } أي: مردّكم ومرجعكم إليها ليس إلا، ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وانهماكهم فيه لا يقلعون عنه، ولا يقبلون فيه نصح الناصحين، جعل الأمر بمباشرته مكان النهي قربانه إيضاحاً لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بدّ لهم من تعاطي الأسباب المقتضية ذلك، فجملة: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره. ويجوز أن تكون هذه الجملة جواباً لمحذوف دلّ عليه سياق الكلام، كأنه قيل: فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار، والأوّل أولى والنظم القرآني عليه أدلّ. وذلك كما يقال لمن يسعى في مخالفة السلطان: اصنع ما شئت من المخالفة، فإن مصيرك إلى السيف. {قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلانِيَةً } لما أمره بأن يقول للمبدّلين نعمة الله كفراً الجاعلين لله أنداداً ما قاله لهم، أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم، وهي طائفة المؤمنين، هذا القول، والمقول محذوف دلّ عليه المذكور، أي: قل لعبادي: أقيموا وأنفقوا ويقيموا وينفقوا، فجزم {يقيموا} على أنه جواب الأمر المحذوف، وكذلك {ينفقوا}، ذكر معنى هذا الفراء. وقال الزجاج: إنّ يقيموا مجزوم بمعنى اللام، أي: ليقيموا فأسقطت اللام، ثم ذكر وجهاً آخر للجزم مثل ما ذكره الفراء. وانتصاب {سرّا}ً و{علانية}، إما على الحال، أي: مسرين ومعلنين، أو على المصدر، أي: إنفاق سرّ وإنفاق علانية، أو على الظرف، أي: وقت سرّ ووقت علانية. قال الجمهور: السرّ: ما خفي. والعلانية: ما ظهر. وقيل: السرّ: التطوّع، والعلانية الفرض، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ } تفسير : [البقرة: 271]. {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ } قال أبو عبيدة: البيع ها هنا: الفداء، والخلال: المخالة، وهو مصدر. قال الواحدي: هذا قول جميع أهل اللغة، وقال أبو عليّ الفارسي: يجوز أن يكون جمع خلة مثل برمة وبرام وعلبة وعلاب، والمعنى: أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك مخاللة حتى يشفع الخليل لخليله، وينقذه من العذاب، فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله، ما داموا في الحياة الدنيا قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة؛ فإنهم لا يقدرون على ذلك، بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة، أعني: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ }، لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، ويمكن أن يكون فيها أيضاً تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة؛ وذلك لأن تركها كثيراً ما يكون سبب الاشتغال بالبيع، ورعاية حقوق الأخلاء، وقد تقدم في البقرة تفسير البيع والخلال. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: أبدعهما واخترعهما على غير مثال، وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، والاسم الشريف مبتدأ، وما بعده خبره {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } المراد بالسماء هنا جهة العلو، فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال: إن ابتداء المطر منه. ويدخل فيه السحاب عند من قال: إن ابتداء المطر منها، وتدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح. وتنكير الماء هنا للنوعية أي: نوعاً من أنواع الماء، وهو ماء المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } أي: أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوعة رزقاً لبني آدم يعيشون به، و «من» في {من الثمرات} للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم، وقيل: للتبعيض؛ لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } فجرت على إرادتكم واستعملتموها في مصالحكم. ولذا قال: {لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ } كما تريدون وعلى ما تطلبون {بِأَمْرِهِ } أي: بأمر الله ومشيئته، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ } أي: ذللها لكم بالركوب عليها، والإجراء لها إلى حيث تريدون. {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما. وانتصاب {دائبين} على الحال، والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية، أي: دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره. وقيل: {دائبين} في السير امتثالاً لأمر الله، والمعنى: يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران ولا ينقطع سيرهما {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم. والليل لتسكنوا كما قال سبحانه: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [القصص: 73] {وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } قال الأخفش: أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئاً، فحذف شيئاً. وقيل: المعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه ومن كل ما لم تسألوه، فحذفت الجملة الأخرى قاله ابن الأنباري. وقيل: "من" زائدة، أي: آتاكم كل ما سألتموه. وقيل: للتبعيض، أي: آتاكم بعض كل ما سألتموه. وقرأ ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة "من كل" بتنوين كلّ، وعلى هذه القراءة يجوز أن تكون «ما» نافية، أي: آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له، ويجوز أن تكون موصولة أي: آتاكم من كل شيء الذي سألتموه {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } أي وإن تتعرّضوا لتعداد نعم الله التي أنعم بها عليكم إجمالاً فضلاً عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال، وأصل الإحصاء: أن الحاسب إذا بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداد، وضع حصاة ليحفظه بها، ومعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط، ولا أمكنه أصلاً، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه، فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوعها، واختلاف أجناسها، اللهم إنا نشكرك على كلّ نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلاّ أنت، ومما علمناه شكراً لا يحيط به حصر، ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: إن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة كما قال: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 2]. {كَفَّارٌ } أي: شديد كفران نعم الله عليه جاحد لها، غير شاكر لله سبحانه عليها، كما ينبغي ويجب عليه. وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْرًا } قال: هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْرًا } قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن عليّ في الآية نحوه أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي الطفيل، أن ابن الكوّاء سأل علياً عن الذين بدلوا نعمة الله كفراً. قال: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. قال: فمن الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا؟ قال: منهم أهل حروراء. وقد روي في تفسير هذه الآية عن عليّ من طرق نحو هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هم جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } قال: الهلاك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } قال: أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ } قال: بكل فائدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَينَ } قال: دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة {وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } قال: من كل شيء رغبتم إليه فيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن سليمان التيمي قال: إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم. وأخرجا أيضاً عن بكر بن عبد الله المزني قال: يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلاّ في مطعمه ومشربه، فقد قلّ عمله وحضر عذابه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود عليه السلام: «ربّ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ، فأوحى إليّ: يا داود تنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك». وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: {إن الإنسان لظلوم كفار}.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفراً} فيهم خمسة أقاويل: أحدهما: أنهم قريش بدلوا نعمة الله عليهم لما بعث رسوله منهم، كفراً به وجحوداً له، قاله سعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: أنها نزلت في الأفجرين من قريش بني أميه وبني مخزوم فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بدر، قاله عليٌّ، ونحوه عن عمر رضي الله عنهما. الثالث: أنهم قادة المشركين يوم بدر، قاله قتادة. الرابع: أنه جبلة من الأيهم حين لُطم، فجعل له عمر رضي الله عنه القصاص بمثلها، فلم يرض وأنف فارتد متنصراً ولحق بالروم في جماعة من قومه، قاله ابن عباس. ولما صار إلى بلاد الروم ندم وقال: شعر : تنصَّرت الأشْرافُ من عار لطمةٍ وما كان فيها لو صبرت لها ضَرَرْ تكنفني منها لجاجٌ ونخوةٌ وبعث لها العين الصحيحة بالعور فيا ليتني أرْعَى المخاض ببلدتي ولم أنكِرِ القول الذي قاله عمر تفسير : الخامس: أنها عامة في جميع المشركين، قاله الحسن. ويحتمل تبديلهم نعمة الله كفراً وجهين: أحدهما: أنهم بدلوا نعمة الله عليهم في الرسالة بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنهم بدلوا نعم الدنيا بنقم الآخرة. {وأحلوا قومهم دار البوار} فيها قولان: أحدهما: أنها جهنم، قاله ابن زيد. الثاني: أنها يوم بدر، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومجاهد. والبوار في كلامهم الهلاك، ومنه قول الشاعر: شعر : فلم أر مثلهم أبطال حربٍ غداة الحرب إن خيف البَوارُ
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ بَدَّلُواْ} قريش بدلوا نعمة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم منهم كفراً به وجحوداً، أو نزلت في بني أمية وبني مخزوم، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بدر، أو هم قادة المشركين يوم بدر. أو جبلة بن الأيهم وتابعوه من العرب الذي لحقوا بالروم "ع" أو عامة في جميع المشركين. {دَارَ الْبَوَارِ} جهنم، أو يوم بدر، والبوار: الهلاك.
النسفي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } أي شكر نعمة الله {كُفْراً } لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً وهم أهل مكة، كرمهم بمحمد عليه السلام فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } الذين تابعوهم على الكفر {دَارَ ٱلْبَوَارِ } دار الهلاك {جَهَنَّمَ } عطف بيان {يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } وبئس المقر جهنم {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } أمثالا في العبادة أو في التسمية {لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } وبفتح الياء: مكي وأبو عمرو {قُلْ تَمَتَّعُواْ } في الدنيا والمراد به الخذلان والتخلية. وقال ذو النون: التمتع أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ } مرجعكم إليها. {قُل لّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } خصهم بالإضافة إليه تشريفاً. وبسكون الياء شامي وحمزة وعلي والأعشى {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } المقول محذوف لأن {قل} تقتضي مقولاً وهو أقيموا وتقديره: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. وقيل إنه أمر وهو المقول والتقدير ليقيموا ولينفقوا، فحذف اللام لدلالة قل عليه، ولو قيل يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } انتصبا على الحال أي ذوي سر وعلانية يعني مسرين ومعلنين، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية، أو على المصدر أي إنفاق سر وإنفاق علانية، والمعنى إخفاء التطوع وإعلان الواجب {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ } أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة والخلال المخالة، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. بفتحهما: مكي وبصري، والباقون بالرفع والتنوين
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} (خ) عن ابن عباس في قوله: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً؟ قال: هم كفار مكة وفي رواية هم والله كفار قريش. قال عمر: هم قريش ونعمة الله هو محمد صلى الله عليه وسلم {وأحلوا قومهم دار البوار} قال البوار: يوم بدر وعن علي رضي الله عنه قال هم كفار قريش فجروا يوم بدر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية أما بنو المغيرة فقد كفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فقد متعوا إلى حين فقوله بدلوا نعمة الله كفراً معناه أن الله تعالى لما أنعم على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم فأرسله إليهم وأنزل عليه كتابه ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان اختاروا الكفر على الإيمان، وغيروا نعمة الله عليهم. وقيل: يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة الله عليهم كفراً لأنهم لما وجب عليهم الشكر بسبب هذه النعمة أتوا بالكفر فكأنهم غيروا الشكر، وبدلوه بالكفر وأحلوا قومهم، يعني ومن تبعهم على دينهم وكفرهم دار البوار يعني دار الهلاك ثم فسرها بقوله {جهنم يصلونها وبئس القرار} يعني المستقر {وجعلوا لله أنداداً} يعني أمثالاً وأشباهاً من الأصنام، وليس لله تعالى ند ولا شبيه، ولا مثيل تعالى الله عن الند والتشبيه والمثيل علواً كبيراً {ليضلوا عن سبيله} يعني ليضلوا الناس عن طريق الهدى ودين الحق {قل تمتعوا} أي قل: يا محمد لهؤلاء الكفار تمتعوا في الدنيا أياماً قلائل {فإن مصيركم إلى النار} يعني في الآخرة. قوله تعالى {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} يعني يقيموا الصلاة الواجبة، وإقامتها إتمام أركانها {وينفقوا مما رزقناهم} قيل أراد بهذا الإنفاق إخراج الزكاة الواجبة، وقيل: أراد به جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر وحمله على العموم أولى ليدخل فيه إخراج الزكاة، والإنفاق في جميع وجوه البر {سراً وعلانية} يعني ينفقون أموالهم في حال السر وحال العلانية، وقيل: أراد بالسر صدقة التطوع وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} قال أبو عبيدة: البيع هنا الفداء يعني لا فداء في ذلك اليوم {ولا خلال} يعني ولا خلة، وهي المودة والصداقة التي تكون مخاللة بين اثنين. وقال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولاشراء مخاللة ولا قرابة، إنما هي الأعمال إما أن يثاب بها أو يُعاقَب عليها. فإن قلت كيف نفى الخلة في هذه الآية، وفي الآية التي في سورة البقرة وأثبتها في قوله {أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}تفسير : [الزخرف: 67] قلت: الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفي الخلة الحاصلة، بسبب ميل الطبيعة، ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثباتها محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله ألا تراه أثبتها للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم. وقيل: إن ليوم القيامة أحوالاً مختلفة، ففي بعضها يشتغل كل خليله عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض. إذا كانت تلك المخالة لله في محبته.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} الآية اعلم أنَّه ـ تعالى ـ عاد إلى وصف الكافرين فقال ـ عز وجل ـ {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ}. قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ: {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} هم والله كفار قريش "بدَّلُوا" أي: غيروا "نِعْمةَ اللهِ" عليهم في محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حيث ابتعثه الله منهم كفروا به: "أحَلُّوا" أنزلوا: "قَوْمهُمْ" من تابعهم على كفرهم: "دَارَ البَوارِ" الهلاك. ثم بيَّن دار البوار فقال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} المستقر، وقال عليٌّ: هم كفار قريش نُحروا يوم بدرٍ. وقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو [مخزوم]، فأما بنو أمية فمُتِّعُوا إلى حين، وأما بنو مخزوم، [فأهلكوا] يوم بدر قاله على بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ. وعن ابن عباس وقتادة ـ رضي الله عنهما ـ: نزلت في متنصري العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه. وقال الحسنُ ـ رضي الله عنه ـ: هي عامَّة في جميع المشركين. قوله تعالى: {بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} فيه أوجه: أحدها: أن الأصل: بدلوا شكر نعمة الله كفراً، كقوله تعالى: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة:83] أي شكر رزقكم؛ وجب عليهم الشكر؛ فوضعوا موضعه الكفر. والثاني: أنَّهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنَّهم لما كفروها سلبوها، فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر حاصلاً لهم، قالهما الزمخشريُّ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وقد تقدَّم أن "بدَّل" يتعدى لاثنين: أولهما: من غير حرف. والثاني: بالباء، وأن الجمهور هو المتروك والمنصوب هو الحاصل، ويجوز حذف الحرف فيكون المجرور بالباء هنا هو "نِعْمَةٌ"؛ لأنها المتروكة. وإذاً عرف أنَّ قول الحوفي، وأبي البقاءِ: أن "كُفْراً" هو المفعولُ الثاني ليس بجيد؛ لأنه هو الَّذي يصلُ إليه الفعل بنفسه لا بحرف الجر، وما كان كذا فهو المفعول الأول. قوله: {جَهَنَّمَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدلٌ من "دَارَ". الثاني: أنه عطف بيان لها، وعلى هذين الوجهين؛ فالإحلال يقع في الآخرة. الثالث: أن ينتصب على الاشتغال بفعل مقدر، وعلى هذا، فالإحلال يقع في الدُّنيا، لأن قوله: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} أي: واقع في الآخرة. ويؤيِّدُ هذا التأويل: قراءة ابن أبي عبلة "جَهَنَّمُ" بالرفع على أنها مبتدأ، والجملة بعده الخبر. وتحتمل قراءة ابن أبي عبلة وجهاً آخر: وهو أن ترتفع على خبر [مبتدأ] مضمر. و"يَصْلونهَا" حال إمَّا من: "قَوْمَهُمْ"، وإمَّا من "دَارَ"، وإمَّا من: "جَهنَّمَ". وهذا التوجيه أولى من حيث إنه لم يتقدم ما يرجح النصب، ولا ما يجعله مساوياً والقراء الجماهير على النصب، فلم يكونوا ليتركوا الأفصح؛ إلا لأنَّ المسألة ليست من الاشتغال في شيء، وهذا الذي ذكرناه أيضاً مرجح لنصبه على البدلية أو البيان على انتصابه على الاشتغال. و"البَوار": الهلاكُ؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3219ـ فَلمْ أرَ مِثْلهُم أبْطالَ حَربٍ غَداةَ الرَّوْع إذْ خِيفَ البَوارُ تفسير : وأصله من [الكساد] كما قيل: كَسَدَ حتَّى فسَدَ، ولما كان الكَسَاد يُؤدِّي إلى الفَساد والهلاك أطلق عليه البوار. ويقال: بَارَ يَبُورُ بُوراً وبَوَاراً، ورجُلُ جَائِرٌ بائِرٌ، وقوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {أية : وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً}تفسير : [الفتح:12] ويحتمل أن يكون مصدراً وصف به الجمع، وأن يكون جمع بائرٍ في المعنى، ومن وقوع "بُور" على الواحد قوله: [الخفيف] شعر : 3220ـ يَا رسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسَانِي رَاتِقٌ ما فَتقْت إذْ أنَا بُورُ تفسير : أي: هَالِكٌ. قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ} والمراد بهذا الجعل: الحكم والاعتقاد، والفعل، والأنداد الأشباه، والشركاء. "لِيُضلُّوا" قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ} بفتح الياءِ والباقون بضمها من أصله، واللام هي لام الجر مضمرة: "أنْ" بعدها، وهي لام العاقبة لما كان مآلهم إلى ذلك ويجز أن تكون لللتعليل. وقيل: هي مع فتح الياء للعاقبة فقط، ومع ضمها محتملة للوجهين كأنَّ هذا القائل توهم أنهم لم يجعلوا الأنداد لضلالهم، وليس كما زعم، لأن منهم من كفر عناداً واتخذ الآلهة ليضل بنفسه. قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُواْ} عيشوا في الدنيا: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} {إِلَى ٱلنَّارِ} خبر "إنَّ" والمصير مصدر، و"صَارَ" التامة، أي: فإنَّ مرجعكم كائن إلى النَّار. وأجاز الحوفيُّ أن يتعلق {إِلَى ٱلنَّارِ} بـ"مَصِيرَكُمْ". وقد ردَّ هذا بعضهم: بأنَّه لو جعلناه مصدراً صَارَ بمعنى انتقل، و{إِلَى ٱلنَّارِ} متعلق به، بقيت "إنَّ" بلا خبر، لا يقال: خبرها حينئذ محذوف؛ لأنَّ حذفه في مثل هذا يقلُّ، وإنَّما يكثر حذفه إذا كان الاسم نكرة، والخبر ظرفاً أو جارًّا، كقوله: [المنسرح] شعر : 3221ـ إنَّ مَحَلاًّ وإنَّ مُرْتَحَلاَ وإنَّ في السَّفْرِ ما مضَى مَهَلا
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو المغيرة، فكفيتموهم يوم بدر. وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، هذه الآية {الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك. فأما أخوالي، فاستأصلهم الله يوم بدر. وأما أعمامك، فأملى الله لهم إلى حين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة. فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر. وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين. وأخرج عبد الرزاق والفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، أن ابن الكواء رضي الله عنه سأل علياً رضي الله عنه من {الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. قال: فمن {أية : الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} تفسير : [الكهف: 104] قال: منهم أهل حروراء. وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن {الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: بنو أمية وبنو مخزوم، رهط أبي جهل. وأخرج ابن مردويه عن ارطأة رضي الله عنه: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: {الذين بدلوا نعمة الله كفراً}، الناس منها برآء غير قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن أبي حسين رضي الله عنه قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن؟ فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور لأتيته. فقام عبد الله بن الكواء رضي الله عنه فقال: مَنْ {الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم مشركو قريش، أتتهم نعمة الله الايمان فبدلوا قومهم دار البوار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم في الكنى، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم المشركون من أهل بدر. وأخرج مالك في تفسيره عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية في الذين قتلوا من قريش يوم بدر {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم قريش. ومحمد النعمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ....} الآية. قال: كنا نحدث أنهم أهل مكة، أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأحلوا قومهم دار البوار} قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {دار البوار} قال: النار. قال: وقد بين الله ذلك وأخبرك به فقال {جهنم يصلونها وبئس القرار}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {جهنم يصلونها} قال: هي دارهم في الآخرة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وجعلوا لله أنداداً} قال: أشركوا بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} قال: تمتعوا إلى أجلكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} قال: إن الله تعالى قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فليعلم أن كل خلة ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وسخر لكم الأنهار} قال: بكل بلدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} قال: دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وآتاكم من كل ما سألتموه} قال: من كل شيء رغبتم إليه فيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن {وآتاكم من كل ما سألتموه} قال: من كل الذي سألتموني تفسيره، أعطاكم أشياءً ما سألتموها ولم تلتمسوها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه قال: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبحوا توّابين وأمسوا توابين. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، وعن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ما قال عبد قط الحمد لله، إلا وجبت عليه نعمة بقول الحمد لله، فقيل: فما جزاء تلك النعمة؟ قال: جزاؤها أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن سليمان التيمي رضي الله عنه قال: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: با ابن آدم، إذا أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرّفهم لا إله إلا الله، وأنّ لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن لله على أهل النار منة، فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن صالح قال: كان بعض العلماء إذا تلا {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} قال: سبحان من لم يجعل من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكراً، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه، فجعله إيماناً علماً منه أن العباد لا يجاوزون ذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود عليه السلام: "رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ..؟ فأوحى الله: يا داود، تنفس. فتنفس، فقال: هذا أدنى نعمتي عليك". وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال، "عبد الله عابد خمسين عاماً، فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك. قال: يا رب، وما تغفر لي..؟ ولم أذنب..؟ فأذن الله تعالى لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن فنام تلك الليلة، فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟ قال الملك: إن ربك يقول إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق". وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. قال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم... فما بال الكفر...!؟ قال {إن الإنسان لظلوم كفار}.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما صنع الكفرةُ من الأباطيل التي لا تكاد تصدُر عمن له أدنى إدراك، أي ألم تنظُر {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ} أي شكرَ نعمته تعالى بأن وضعوا موضعَه {كُفْراً} عظيماً وغمْطاً لها أو بدلوا نفسَ النعمة كفراً، فإنهم لما كفروها سُلبوها فصاروا مستبدلين بها كفراً كأهل مكةَ حيث خلقهم الله سبحانه وأسكنهم حرمَه الآمنَ الذي يُجبىٰ إليه ثمراتُ كل شيء وجعلهم قِوامَ بـيته وشرّفهم بمحمد عليه الصلاة والسلام فكفروا ذلك، فقُحطوا سبع سنين وقُتلوا وأُسروا يوم بدر، فصاروا أذلأَ مسلوبـي النعمة باقين بالكفر بدلها. عن عمر وعلي رضي الله عنهما (هم الأفجران من قريش: بنو المغيرةِ وبنو أمية أما بنو المغيرة فكُفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فَمُتِّعوا إلى حين). كأنهما يتأولان ما سيتلى من قوله عز وجل: {قُلْ تَمَتَّعُواْ} الآية {وَأَحَلُّواْ} أي أنزلوا {قَوْمَهُمْ} بإرشادهم إياهم إلى طريقة الشرك والضلالِ، وعدمُ التعرض لحلولهم لدلالة الإحلالِ عليه إذ هو فرْعُ الحلول كقوله تعالى: { أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98] {دَارَ ٱلْبَوَارِ} دارَ الهلاك الذي لا هلاكَ وراءه. {جَهَنَّمَ} عطفُ بـيان لها، وفي الإبهام ثم البـيان ما لا يخفى من التهويل {يَصْلَوْنَهَا} حال منها أو من قومهم أي داخلين فيها مُقاسِين لحرّها، أو استئنافٌ لبـيان كيفيةِ الحلولِ أو مفسر لفعل يقدر ناصباً لجهنم، فالمرادُ بالإحلال المذكورِ حينئذ تعريضُهم للهلاك بالقتل والأسرِ لكن قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} أنسبُ بالتفسير الأول {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} على حذف المخصوصِ بالذم أي بئس المقرُّ جهنمُّ أو بئس القرار قرارُهم فيها، وفيه بـيان أن حلولهم وصِلِيَّهم على وجه الدوام والاستمرار. {وَجَعَلُواْ} عطفٌ على أحلوا وما عطف عليه داخلٌ معهما في حيز الصلة وحكمِ التعجيب أي جعلوا في اعتقادهم وحكمِهم {لِلَّهِ} الفردِ الصمدِ الذي ليس كمثله شيءٌ وهو الواحد القهار {أَندَاداً} أشباهاً في التسمية أو في العبادة {لِيُضِلُّواْ} قومَهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا {عَن سَبِيلِهِ} القويمِ الذي هو التوحيدُ ويوقعوهم في ورطة الكفرِ والضلال، ولعل تغيـيرَ الترتيب مع أن مقتضى ظاهرِ النظمِ أن يُذكر كفرانُهم نعمةَ الله تعالى، ثم كفرُهم بذاته تعالى باتخاذ الأنداد ثم إضلالهم لقومهم المؤدي إلى إحلالهم دار البوار، لتثنية التعجيبِ وتكريرِه والإيذانِ بأن كل واحد من وضع الكفر موضعَ الشكر وإحلالِ القوم دارَ البوار، واتخاذِ الأنداد للإضلال أمرٌ يقضي منه العجبَ، ولو سيق النظمُ على نسق الوجود لربما فُهم التعجيب من مجموع الهَنات الثلاثِ كما في قصة البقرة، وقرىء ليَضلوا بالفتح، وأياً ما كان فليس ذلك غرضاً حقيقياً لهم من اتخاذ الأندادِ لكن لما كان ذلك نتيجةً له شُبّه بالغرض وأدخل عليه اللام بطريق الاستعارة التبعية. {قُلْ} تهديداً لأولئك الضالين المُضلين ونعياً عليهم وإيذاناً بأنهم ـ لشدة إبائِهم قبولَ الحق وفرْطِ إنهماكِهم في الباطل وعدمِ ارعوائهم عن ذلك بحال ـ أحقاءُ بأن يُضرب عنهم صفحاً ويُعطَفَ عنهم عِنانُ العِظة ويُخَلّوا وشأنَهم ولا يُنهَوْا عنه بل يؤمَروا بمباشرته مبالغةً في التخلية والخِذلان ومسارعةً إلى بـيان عاقبته الوخيمة ويقال لهم: {تَمَتَّعُواْ} بما أنتم عليه من الشهوات التي جملتها كفرانُ النعم العظامِ واستتباعُ الناسِ في عبادة الأصنام {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} ليس إلا، فلا بد لكم من تعاطي ما يوجب ذلك ويقتضيه من أحوالكم بل هي في الحقيقة صورةٌ لدخولها ومثالٌ له حسبما يلوح به قولُه سبحانه: {أية : وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } تفسير : [إبراهيم: 28] الخ، فهو تعليلٌ للأمر المأمورِ، وفيه من التهديد الشديدِ والوعيدِ الأكيد ما لا يوصف، أو قل لهم تصويراً لحالهم وتعبـيراً عما يُلجئهم إلى ذلك: تمتعوا، إيذاناً بأنهم لفرْط انغماسِهم في التمتع بما هم فيه من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم مأمورون بذلك من قِبل آمر الشهوة مذعِنون لحكمه منقادون لأمره كدأب مأمورٍ ساعٍ في خدمة آمرٍ مُطاع، فليس قوله تعالى: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} حينئذٍ تعليلاً للأمر بل هو جوابُ شرطٍ ينسحب عليه الكلام، كأنه قيل: هذه حالُكم فإن دمتم عليه فإن مصيركم إلى النار وفيه التهديدُ والوعيد لا في الأمر.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} [الآية: 28]. قال أبو عثمان: أجهل الخلق بنعمة الله من استعملها فى أنواع المعاصى ولم يقم بشكرها من أن يعمل بها فى طاعة الله تعالى.
القشيري
تفسير : وضعوا الكفران محل الشكر، فاستعملوا النعمة للكفر، بدلاً من استعمالها فيما كان ينبغي لها من الشكر. واستعمال النعمة في المعصية من هذه الجملة، فأعضاءُ العبد كلها نِعَمٌ من الله على العبد، فإذا استعمل العاصي بَدَنَه في الزَّلة بدلاً من أن يستعملها في الطاعة فقد بَدَلَّ النعمة كفراً، وكذلك إذا أودع الغفلَة قلبَه مكانَ المعرفة، والعلاقَة فيه مكان الانقطاع إليه، وعلَّقَ قلبه بالأغيار بَدَلَ الثقة به، ولَطَّخَ لسانَه بذكر المخلوقين ومَدْحِهِم بَدَلَ ذكرِ الله واشتغل بغير الله دون العناء في ذكره... كلُّ هذا تبديلُ نِعَمِ الله كفراً. وإذا كان العبدُ منقطعاً إلى الله، مكفياً من قِبَلِ الله... وَجَدَ في فراغه مع الله راحةً عن الخَلْق، ومن إقباله عليه - سبحانه - كفاية، فإذا رجع إلى أسباب التفرقة، ووقع في بحار الاشتغال ومعاملة الخلْق ومدحهم وذمهم فقد أحلَّ قومه دار البوار؛ على معنى إيقاعه قلبَه ونَفْسَه وجوارحَه في المذلة من الخَلْق، والمضرة في الحال، وشأنه كما قيل: شعر : ولم أَرَ قَبْلي مَنْ يُفَارِقُ جَنَّةً ويقرع بالتطفيل بابَ جهنمِ
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر الى الذين} من رؤية البصر وهو تعجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى هل رأيت عجبا مثل هؤلاء {بدلوا} غيروا {نعمة الله} على حذف المضاف اى شكر نعمته {كفرا} بان وضعوه مكانه او بدلوا نفس النعمة كفرا فانهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين الكفر بدلها كأهل مكة خلقهم الله تعالى واسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم ابواب رزقه وشرفهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا ذلك فحفظا سبع سنين واسروا وقتلوا يوم بدر فصاروا اذلاء مسلوبى النعمة. وعن عمر وعلى رضى الله عنهما هم الافجران من قريش بنوا امية اما بنوا المغيرة فكفيتموهم يوم بدر واما بنوا امية فمتعوا الى حين كأنهما يتأولان ما سيتلى من قوله تعالى {أية : قل تمتعوا} تفسير : الآية {واحلوا} انزلوا {قومهم} بارشادهم اياهم الى طريقة الشرك والضلال وعدم التعرض لحلولهم لدلالة الاحلال عليه اذ هو فرعه كقوله تعالى {أية : يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} تفسير : واسند الاحلال وهو فعل الله الى اكابرهم لان سببه كفرهم وسبب كفرهم امر اكابرهم اياهم بالكفر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألم تَرَ} يا محمد {إلى الذين بدَّلوا} شكر {نعمةَ الله كفراً}؛ بأن وضعوا الكفر مكان الشكر، أو: بدلوا نفس النعمة كفراً؛ فإنهم لما كفروها سُلبت منهم، فصاروا تاركين لها مُحصلين للكفر مكانها؛ كأهل مكة، خلقهم الله من نسل إسماعيل عليه السلام، وأسكنهم حَرَمه، وجعلهم خُدَّام بيته، وَوَسَّع عليهم أبواب رزقه، وعطف عليهم قلوب خلقه، وتمم شرفهم ببعْثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا ذلك، فقحطوا، وجاعوا حتى أكلوا الميتة، وأُسروا وقُتلوا يوم بدر، وصاروا كذلك مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر؛ وعن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ: أنها نزلت في الأفجريْن من قريش: بني المغيرة، وبني أمية؛ فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمُتِّعُوا إلى حين. {وأحَلَّوا قومَهم}: من أطاعهم في الكفر والتبديل، أي: أنزلوهم {دارَ البوار}: دار الهلاك، بحملهم على الكفر معهم، ثم فسرهم بقوله: {جهنم يصلونها}: يحترقون فيها، و {بئس القرارُ}؛ وبئس المستقر جهنم. ثم بيَّن كفرهم، فقال: {وجعلوا لله أنداداً}: أشباهاً وأمثالاً، يعبدونها معه، {ليُضِلوا عن سبيله}؛ عن طريق التوحيد، أي: لتكون عاقبتهم الضلال أو الإضلال، على القراءتين، أي: ليضلوا في أنفسهم، أو ليضلوا غيرهم. وليس الضلال كان غرضهم في اتخاذ الأنداد، ولكن لمَّا كان نتيجته وعاقبته جُعل كالغرض. {قل تمتعوا} بشهواتكم الدنيوية، فإنها فانية، أو بعبادتكم الأوثان، فإنها من قبيل الهوى والأمر للتهديد. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب؛ لإفضائه إلى المهدد به، وان الأمرين كائنان لا محالة، فلا بد من وقوع تمتعهم، ولا بد من إفضائهم إلى النار. ولذلك علقه بقوله: {فإنَّ مصيرَكم إلى النار}، وأن المخاطب، لانهماكه فيه، كالمأمور به من آمر مطاع. قاله البيضاوي. الإشارة: ظهور أهل التربية في زمان الغفلة والجهل نعمة عظيمةُ، لكن لا يعرفها إلا من سقط عليها، ومن أنكرها، وسدَّ بابها، وعوَّق الناس عن الدخول في طريقها، فقد بدل نعمة الله كفراً، وأحلَّ الناس ـ من تبعه ـ دار البوار، وهي: الإقبال على الدنيا، والانهماك في الغفلة، وخراب الباطن من نور اليقين، وكثرة الخواطر والوساوس، والحرص والجزع والهلع، وغير ذلك من أمراض القلوب. وأيُّ عذاب المؤمن أشد من هذا في الدنيا؟ ويسقط في الآخرة عن درجة المقربين، ومن لم يصحب أهل التوحيد الخالص لا يخلو من عبادة أنداد وأشباه؛ بمحبته لهم والركون إليهم. ومن أحب شيئاً فهو عبد له. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ذات يوم: إنا لا نحب إلا الله، ولا نحب معه شيئاً سواه. فقال له بعض الحاضرين: قال جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النفس مجبولة على حب من أحسن إليها" تفسير : . فقال له الشيخ: إنا لا نرى الإحسان إلا من الله، ولا نرى معه غيره. هـ. بالمعنى. ثمَّ ذكر ضد أهل الشرك
الطوسي
تفسير : قيل في من نزل فيه قوله {الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قولان: احدهما - قال امير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وابن عباس، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، والضحاك: انهم كفار قريش، فقال (ع): (أما بنو المغيرة فأبادهم الله يوم بدر، وأما بنو أمية فقد أمهلوا إِلى يوم ما) وقال قتادة: هم القادة من كفار قريش. وروي عن عمر أنه قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو أمية فمتعوا إِلى حين؛ واما بنو المغيرة فقتلوهم يوم بدر. أنعم الله تعالى عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكفروا به ودعوا قومهم الى الكفر به، فقال الله تعالى لنبيه: أما تنظر الى هؤلاء الذين كفروا بنعم الله وبدلوا مكان الشكر عليها كفراً {وأحلوا قومهم دار البوار} أي أنزلوا قومهم دار الهلاك بدعائهم إِياهم الى الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإِغوائهم إِياهم وصدهم عن الايمان به. والتبديل جعل الشيء مكان غيره، فهؤلاء القوم لما جعلوا الكفر بالنعمة مكان شكرها، كانوا قد بدلوا أقبح تبديل. والاحلال وضع الشيء في محل، اما مجاوره إِن كان من قبيل الأجسام، او مداخله إِن كان من قبيل الاعراض. والبوار الهلاك، بار الشيء يبور بوراً إِذا هلك وبطل. قال ابن الزبعري. شعر : يا رسول المليك ان لساني راتق ما فتقت إِذ أنا بور تفسير : وقوله {جهنم يصلونها} في موضع نصب بدلاً من قوله {دار البوار} لانه تفسير لهذه الدار {يصلونها} اي يصلون فيها ويشتوون فيها. ثم أخبر انها بئس القرار اي بئس المستقر والمأوى. ثم قال: ان هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً واحلوا قومهم دار البوار {جعلوا لله أنداداً} زيادة على كفرهم وجحدهم نعم الله. والانداد جمع ند. وهم الامثال المناؤون، قال الشاعر: شعر : نهدى رؤس المترفين الانداد الى امير المؤمنين الممتاد تفسير : {ليضلوا عن سبيله} اي لتكون عاقبة أمرهم إِلى الضلال الذي هو الهلاك، واللام لام العاقبة، وليست بلام الغرض، لانهم ما عبدوا الأوثان من دون الله، وغرضهم ان يهلكوا، بل لما كان لاجل عبادتهم لها استحقوا الهلاك والعذاب عبر عن ذلك بهذه اللام، كما قال {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : وإِنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولكن لما كان عاقبة ذلك انه كان عدوهم فعبر عنه بهذه اللام. وقرأ بضم الياء وكسر الضاد، والمعنى انهم فعلوا ذلك ليضلوا غيرهم عن سبيل الحق الذي هو الطريق الى ثواب الله والنعيم في جنته، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء الكفار الذين وصفناهم {تمتعوا} وانتفعوا بما تهوون من عاجل هذه الدنيا، فصورته صورة الأمر والمراد به التهديد بدلالة قوله {فإِن مصيركم إلى النار} والمعنى مرجعكم ومآلكم الى النار والكون فيها عما قليل.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ} فى العالم الصّغير وفى العالم الكبير {دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} وقد فسّر فى الاخبار الّذين بدّلوا نعمة الله بالافجرين من قريش بنى اميّة وبنى المغيرة، ونعمة الله بمحمّد (ص) وفسّروا بقريش قاطبة ونعمة الله بمحمّد (ص) وفسّر نعمة الله بعلىّ (ع) والمبدّلون بالمنحرفين عنه (ع).
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدّثني الحسن بن العباس معنعناً: عن هبيرة بن يريم قال: كنا عند [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ب، ر] عليه السلام فقرأ: {ألم تر إِلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: أتدري فيمن نزلت؟ [قلت: لا. قال: نزلت. ب] في الأفجرين من قريش في بني أمية وبني المغيرة فأما [ر: أما] بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر [ن: أحد] وأما بنو أمية فمتعوا إِلى حين.
الأعقم
تفسير : وقوله: {ألم تر} ألم تعلم {إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} جعلوا بدل شكر نعمه الكفر به فكأنهم بدلوا، وقيل: أتاهم المال ليصرفوه في سبيل الخير فصرفوه في معاصي الله تعالى فكأنهم بدلوا، وقيل: أنعم الله عليهم بالرسول والقرآن فاختاروا الكفر، وقوله تعالى: {وأحلّوا قومهم دار البوار} معناه دار الهلاك وهو جهنم، وقيل: دعوهم إلى محاربة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قتلوا فهلكوا ببدر {وجعلوا لله أنداداً} أضداداً، قيل: شركاء يعبدونهم، وهي الأوثان {ليضلوا عن سبيله} لو كان عاقبتهم الضلال عن دين الله، قيل: السورة مكية إلاَّ هاتين {ألم تر إلى الذين بدلوا} إلى {القرار}، وقيل: نزلا في أهل بيت بالمدينة {قل تمتعوا} وعيدٌ لهم وتهديد {فإن مصيركم إلى النار} {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} يديمونها على الوجه المشروع وهي الصلوات الخمس {وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً}، قيل: أراد به الزكاة المفروضة {من قبل أن يأتي يوم} يوم القيامة {لا بيع فيه} أي لا يباع فيه بمبايعة يعني لا فدا سل منه والمراد بالبيع إعطاء البدل ليخلص من النار {ولا خلال} جمع خلة، والخلة: المودة الخالصة، والخليل: الخالص المودة {الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءاً فأخرج به من الثمرات} يدخل فيه الزروع والحبوب والأشجار {وسخر لكم الفلك} السفن {لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار} في كل بلد، وكذلك {سخّر لكم الشمس والقمر} في سيرهما {دائبين} يجريان على وجه يتم به طلب المنافع {وسخر لكم الليل والنهار} فيتعاقبان ليتم به النعم {وآتاكم من كل ما سألتموه} من للتبعيض أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظراً في مصالحكم {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} ولا تطيقون عدتها لكثرتها، ولأن منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم {إن الإِنسان لظلوم} لنفسه بما كفر من نعم ربه واستوجب العقاب {وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد} يعني مكة، وقيل: لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء {آمناً} قيل: يجعل مكة آمنة من الحروب، وقيل: ذا أمنْ زاده أمناً وكفاه كل باغ ظالم {واجنبني} اصرف ذلك عني {وبني أن نعبد الأصنام}، قيل: كان قومه عباد أصنام فخاف على ولده {رب انهن أضللن} فأضاف الضلال اليهن لأنهن السبب في الضلال {فمن تبعني فإنه مني} أي حاله كحالي أي على ديني {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} يغفر له ما سلف منه إذا استحدث الطاعة، وقيل: من عصاني فيما دون الشرك.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} يا محمد وكل من يصلح للرواية، {إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللهِ كُفْراً} أى بدلوا نعمة الله فحذف المضاف أى سيروا شكرها كفرا أى جعلوا الكفر فى موضع الشكر فكفرا مفعول ثان لبدل لتضمنه معنى الجعل أو على تقدير حرف الجر بكفر وهم فى نعمة الله بلا شكر حتى هلكوا ويجوز أن لا يقدر مضاف والمعنى بدلوا نفس النعمة كفراً أى كفروها فسلبت عنهم فاختيارهم للكفر السالب لها تبديل لها به وهم أهل مكة خلقهم الله وأسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم أبواب رزقه وشرفهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين وأسروا وقتلوا يوم بدر وصاروا أذلاء مسلوبى النعمة موصوفين بالكفر، وذلك قول ابن عباس وفى رواية عنه هم كفار قريش ونعمة الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن عمر وعلى هم الأَفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أُمية فأَما بنو المغيرة فكفيتموه يوم بدر وأما بنو أُمية فمتعوا حتى حين، وروى الحسن وبعض الكوفيين أن علياً كان يخطب على منبر الكوفة فقام إِليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين من هؤلاء القوم الذين قال الله سبحانه فيهم {ألم تر إِلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم الأَفجران الأَخبثان كفيناهما يوم بدر بنو أُمية وبنو المغيرة. ا. هـ، وقيل هم من تنصر من العرب جبلة بن الأَيهم وأصحابه، {وَأَحَلُّوا} أنزلوا {قَوْمَهُمْ} الذين اتبعوهم فى الكفر {دَارَ البَوَارِ} أى الهلاك بحملهم على الكفر دار مفعول ثان لأحل أو ظرف مكان وهو مبهم من حيث أن المراد بدار البوار مقام الهلاك وليس بمحدود لأَن مقامات الكفرة فى جهنم لا تحد فاعتبر ذلك، ولو كانت جهنم فى نفسها محدودة فلا يكون عطف قوله {جَهَنَّمَ} بعطف بيان على دار البوار تعيننا لكونها محدودة مع أن جهنم لا يلزم كونها عطف بيان بل يجوز أيضاً كونه منصوباً على الاشتغال بمحذوف يفسره قوله {يَصْلَوْنَهَا} أى يدخلونها ويقاسون حرها وعلى عطف البيان تكون هذه الجملة حالا من جهنم أو من القوم وعلى وجه الاشتغال يصح أن يراد بدار البوار جهنم كما فى وجه العطف ويجوز أن يراد مطلق مقام الهلاك بلا حد فيشتمل قتل بدر وجهنم وكل سوء وأن يراد مطلق السوء فى الدين من سائر الكفر والمعاصى {وَبِئْسَ الْقَرَارُ} بئس موضع الاستقرار جهنم. قال عطاء بن يسار: نزلت الآية فى قتلى بدر وأن دار البوار مصارعهم وعليه فالدار محدودة وكذا إِذا جعلناها جهنم ولم نعتبر مواضع تقلبهم فيها غير المحدودة وحينئذ تمنع الظرفية.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً} تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أَو لكل من يصلح للتعجب من أَباطيل الكفار البعيدة عمن له أَدنى فهم وهم كفار قريش، وفى ذلك حذف مضاف، أَى بدلوا شكر نعمة الله كفر إشراك وما دونه، والنعمة باقية ولم يشكروها حتى انتقم الله عز وجل منهم، أَو لا يقدر مضاف فتكون النعمة زائلة عنهم بسبب كفرهم فذلك معنى التبديل فإِن الكفر سبب زوالها، وقد اختاروه عنها، ونعمة الله هى رسول الله ودين الإِسلام، وسكنى الحرم الامن، والقيام بأَمر الكعبة وخدمتها وتوسيع الرزق بدعاءِ الخليل عليه السلام، قحطوا سبع سنين وقتل منهم سبعون يوم بدر وأُسر سبعون فذلوا، ولا مانع من عموم الآية لغير قريش، ولو قال: أَلم تر أَلا ترى إِلى قوله: "أية : أَلم تر إلى الذين خرجوا"تفسير : [البقرة: 243] وهو لم يشاهد الخارجين، وعن عمر وعلى: هم الأَفجران من قريش بنوا المغيرة كفيتموهم يوم بدر، وبنو أُمية متعوا إلى حين أَى وقت أَجلهم {وَأَحَلُّوا} أَنزلوا بسبب الإِضلال {قَوْمَهُمْ} أَتباعهم ولو من غير نسبهم، قلت قطعوا عن قريب، وما كانت لهم دولة بعد إلا فى طرف الأَرض فى أَندلس {دَارَ الْبَوَارِ} الهلاك، وأَصله الكساد استعير له لجامع عدم الانتفاع، وضمائِر أَحلوا قومهم وبدلوا للرؤساءِ، وإِن رددنا ضمير بدلوا للعموم، وضمير أَحلوا قومهم للرؤساءِ جاز، ولكن فيه تفكيك الضمائِر.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل أي ألم تنظر {إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} أي شكر نعمته تعالى الواجب عليهم ووضعوا موضعه {كُفْراً} عظيماً وغمطاً لها، فالكلام على تقدير مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو المفعول الثاني و {كُفْراً} المفعول الأول، وتوهم بعضهم عكس ذلك، وقد لا يحتاج إلى تقدير على معنى أنهم بدلوا النعمة نفسها كفراً لأنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبيها موصوفين بالكفر، وقد ذكر هذا كالأول الزمخشري، والوجهان كما في "الكشف" خلافاً لما قرره الطيبـي وتابعه عليه غيره متفقان في أن التبديل هٰهنا تغيير في الذات إلا أنه واقع بين الشكر والكفر أو بين النعمة نفسها والكفر، والمراد بهم أهل مكة فإن الله سبحانه أسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا نعمة الله تعالى بدل ما ألزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله تعالى بالنعمة والسعة لإيلافهم الرحلتين فكفروا نعمته سبحانه فضربهم جل جلاله بالقحط سبع سنين وقتلوا وأسروا يوم بدر فحصل لهم الكفر بدل النعمة وبقي ذلك طوقا في أعناقهم. وأخرج الحاكم وصححه وابن جرير والطبراني وغيرهم من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هؤلاء المبدلين: هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنوا المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج البخاري في "تاريخه" وابن المنذر وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك. وجاء في رواية كما في "جامع الأصول" هم والله كفار قريش. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، ولعله رضي الله تعالى عنه لا يريد أنها نزلت في جبلة ومن معه لأن قصتهم كانت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وإنما يريد أنها تخص من فعل فعل جبلة إلى يوم القيامة. {وَأَحَلُّواْ } أي أنزلوا {قوْمَهُمْ} بدعوتهم إياهم لما هم فيه من الضلال، ولم يتعرض لحلولهم لدلالة الإحلال عليه إذ هو فرع الحلول كما قالوا في قوله تعالى في فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } تفسير : [هود: 98] {دَارَ ٱلْبَوَارِ } أي الهلاك من بار يبور بواراً وبوراً، قال الشاعر:شعر : فلم أر مثلهم أبطال حرب غداة الحرب إذ خيف البوار تفسير : وأصله كما قال الراغب ((فرط الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عُبِّرَ به عن الهلاك)).
سيد قطب
تفسير : يبدأ هذا الشوط الثاني من نهاية الشوط الأول، قائماً عليه، متناسقاً معه، مستمداً منه. لقد تضمن الشوط الأول رسالة الرسول ـ صلى الله عليه سلم ـ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.. ورسالة موسى ـ عليه السلام - لقومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويذكرهم بأيام الله. فبين لهم وذكرهم بنعمة الله عليهم، وأعلن لهم ما تأذن الله به: لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.. ثم عرض عليهم قصة النبوات والمكذبين. بدأها ثم توارى عن السياق؛ وتابعت القصة أدوارها ومشاهدها حتى انتهت بالكافرين إلى ذلك الموقف، الذي يستمعون فيه من الشيطان عظته البليغة! حيث لا تنفع العظات! فالآن يعود السياق إلى المكذبين من قوم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ما عرض عليهم ذلك الشريط الطويل ـ أولئك الذين أنعم الله عليهم ـ فيما أنعم ـ برسول يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويدعوهم ليغفر الله لهم، فإذا هم يكفرون النعمة، ويردونها، ويستبدلون بها الكفر، يؤثرونه على الرسول وعلى دعوة الإيمان.. ومن ثم يبدأ الشوط الثاني بالتعجيب من أمر هؤلاء الذين يبدلون نعمة الله كفراً، ويقودون قومهم إلى دار البوار، كما قاد من قبلهم أتباعهم إلى النار. في قصة الرسل والكفار. ثم يستطرد إلى بيان نعم الله على البشر في أضخم المشاهد الكونية البارزة. ويقدم نموذجاً لشكر النعمة: إبراهيم الخليل ـ بعد أن يأمر الذين آمنوا بلون من ألوان الشكر هو الصلاة والبر بعباد الله ـ قبل ان يأتي يوم لا تربو فيه الأموال. يوم لا بيع فيه ولا خِلال. فأما الذين كفروا فليسوا بمتروكين عن غفلة ولا إهمال، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.. وأما وعد الله لرسله فهو واقع مهما يمكر الذين كفروا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.. وهكذا يتماسك الشوط الثاني مع الشوط الأول ويتناسق. {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار؟!} {وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله. قل: تمتعوا فإن مصيركم إلى النار}.. ألم تر إلى هذا الحال العجيب. حال الذين وهبوا نعمة الله، ممثلة في رسول وفي دعوة إلى الإيمان، وفي قيادة إلى المغفرة، وإلى مصير في الجنة.. فإذا هم يتركون هذا كله ويأخذون بدله {كفراً}! أولئك هم السادة القادة من كبراء قومك ـ مثلهم مثل السادة القادة من كل قوم ـ وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم، وأنزلوهم بها ـ كما شاهدنا منذ قليل في الأقوام من قبل! وبئس ما أحلوهم من مستقر، وبئس القرار فيها من قرار! ألم تر إلى تصرف القوم العجيب، بعد ما رأوا ما حل بمن قبلهم ـ وقد عرضه القرآن عليهم عرض رؤية في مشاهد تلك القصة التي مضى بها الشوط الأول من السورة. عرضه كأنه وقع فعلاً. وإنه لواقع. وما يزيد النسق القرآني على أن يعرض ما تقرر وقوعه في صورة الواقع المشهود. لقد استبدلوا بنعمة الرسول ودعوته كفراً. وكانت دعوته إلى التوحيد، فتركوها: {وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله}.. جعلوا لله أقراناً مماثلين يعبدونهم كعبادته، ويدينون لسلطانهم كما يدينون لسلطانه، ويعترفون لهم بما هو من خصائص ألوهيته سبحانه! جعلوا لله هذه الأنداد لِيِضِلُّوا الناس عن سبيل الله الواحد الذي لا يتعدد ولا تتفرق به السبل. والنص يشير إلى أن كبراء القوم عمدوا عمداً إلى تضليل قومهم عن سبيل الله، باتخاذ هذه الأنداد من دون الله. فعقيدة التوحيد خطر على سلطان الطواغيت ومصالحهم في كل زمان. لا في زمن الجاهلية الأولى، ولكن في زمن كل جاهلية ينحرف الناس فيها عن التوحيد المطلق، في أية صورة من صور الانحراف، فيسلمون قيادتهم إلى كبرائهم، وينزلون لهم عن حرياتهم وشخصياتهم، ويخضعون لأهوائهم ونزواتهم، ويتلقون شريعتهم من أهواء هؤلاء الكبراء لا من وحي الله.. عندئذ تصبح الدعوة إلى توحيد الله خطراً على الكبراء يتقونه بكل وسيلة. ومنها كان اتخاذ الآلهة أنداداً لله في زمن الجاهلية الأولى.. ومنها اليوم اتخاذ شرائع من عمل البشر، تأمر بما لم يأمر الله به، وتنهى عما لم ينه عنه الله. فإذا واضِعوها في مكان الند لله في النفوس المضلة عن سبيل الله، وفي واقع الحياة! فيا أيها الرسول {قل} للقوم: {تمتعوا}.. تمتعوا قليلاً في هذه الحياة إلى الأجل الذي قدره الله. والعاقبة معروفة: {فإن مصيركم إلى النار}.. ودعهم. وانصرف عنهم إلى {عبادي الذين آمنوا}. انصرف عنهم إلى موعظة الذين تجدي فيهم الموعظة. الذين يتقبلون نعمة الله ولا يردونها، ولا يستبدلون بها الكفر. انصرف إليهم تعلمهم كيف يشكرون النعمة بالعبادة والطاعة والبر بعباد الله: {قل لعبادي الذين آمنوا: يقيموا الصلاة، وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}.. قل لعبادي الذي آمنوا: يشكروا ربهم بإقامة الصلاة. فالصلاة أخص مظاهر الشكر لله. وينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق سراً وعلانية. سراً حيث تصان كرامة الآخذين ومروءة المعطين، فلا يكون الإنفاق تفاخراً وتظاهراً ومباهاة. وعلانية حيث تعلن الطاعة بالإنفاق وتؤدى الفريضة، وتكون القدوة الطيبة في المجتمع. وهذا وذلك متروك لحساسية الضمير المؤمن وتقديره للأحوال. قل لهم: ينفقوا ليربو رصيدهم المدخر من قبل أن يأتي يوم لا تنمو فيه الأموال بتجارة، ولا تنفع كذلك فيه صداقة، إنما ينفع المدخر من الأعمال: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}.. وهنا يفتح كتاب الكون على مصراعيه فتنطق سطوره الهائلة بنعم الله التي لا تحصى. وتتوالى صفحاته الضخمة الفسيحة بألوان هذه النعم على مد البصر: السماوات والأرض. الشمس والقمر. الليل والنهار. الماء النازل من السماء والثمار النابتة من الأرض. البحر تجري فيه الفلك، والأنهار تجري بالأرزاق.. هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار، ولكن البشر في جاهليتهم لا ينظرون ولا يقرأون ولا يتدبرون ولا يشكرون: إن الإنسان لظلوم كفار. يبدل نعمة الله كفراً، ويجعل لله أنداداً، وهو الخالق الرازق المسخر الكون كله لهذا الإنسان: {الله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار}... إنها حملة. إنها سياط تلذع الوجدان.. حملة أدواتها الهائلة السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار.. وسياط ذات إيقاع، وذات رنين، وذات لذع لهذا الإنسان الظلوم الكفار! إن من معجزات هذا الكتاب أنه يربط كل مشاهد الكون وكل خلجات النفس إلى عقيدة التوحيد. ويحول كل ومضة في صفحة الكون أو في ضمير الإنسان إلى دليل أو إيحاء.. وهكذا يستحيل الكون بكل ما فيه وبكل من فيه معرضاً لآيات الله، تبدع فيه يد القدرة، وتتجلى آثارها في كل مشهد فيه ومنظر، وفي كل صورة فيه وظل.. إنه لا يعرض قضية الألوهية والعبودية في جدل ذهني ولا في لاهوت تجريدي ولا في فلسفة "ميتافيزيقية" ذلك العرض الميت الجاف الذي لا يمس القلب البشري ولا يؤثر فيه ولا يوحي إليه.. إنما هو يعرض هذه القضية في مجال المؤثرات والموحيات الواقعية من مشاهد الكون، ومجالي الخلق، ولمسات الفطرة، وبديهيات الإدراك. في جمال وروعة واتساق. والمشهد الهائل الحافل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه، تسير فيه خطوط الريشة المبدعة وفق اتجاه الآلاء بالقياس إلى الإنسان: خط السماوات والأرض. يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابته من الأرض بهذا الماء. فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق.. ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد. خط الشمس والقمر. فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر: خط الليل والنهار.. ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها: {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}. إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل. في مشهد الكون ومعرض الآلاء. أفكل هذا مسخر للإنسان؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير؟ السماوات ينزل منها الماء، والأرض تتلقاه، والثمرات تخرج من بينهما. والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مسخرة. والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان. والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران. والليل والنهار يتعاقبان.. أفكل أولئك للإنسان؟ ثم لا يشكر ولا يذكر؟ {إن الإنسان لظلوم كفار}! {الله الذي خلق السماوات والأرض}.. وبعد ذلك يجعلون لله أنداداً، فكيف يكون الظلم في التقدير، والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض؟ {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم}.. والزرع مورد الرزق الأول، ومصدر النعمة الظاهر. والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله عليها هذا الكون، ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر، وموافقة هذا كله للإنسان. وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء.. والناس يسمعون كلمة "الرزق" فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال. ولكن مدلول "الرزق" أوسع من ذلك كثيراً، وأعمق من ذلك كثيراً.. إن أقل "رزق" يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لولاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود؛ ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد. ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد الله. {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره}.. بما أودع في العناصر من خصائص تُجري الفلك على سطح الماء؛ وبما اودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء؛ وكلها مسخرة بأمر الله للإنسان. {وسخر لكم الأنهار}.. تجري فتجري الحياة، وتفيض فيفيض الخير، وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات.. كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان.. {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين}.. لا يستخدمهما الإنسان مباشرة كما يستخدم الماء والثمار والبحار والفلك والأنهار.. ولكنه ينتفع بآثارهما، ويستمد منهما مواد الحياة وطاقاتها. فهما مسخران بالناموس الكوني ليصدر عنهما ما يستخدمه هذا الإنسان في حياته ومعاشه بل في تركيب خلاياه وتجديدها. {وسخر لكم الليل والنهار}.. سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه، وما يناسب نشاطه وراحته، ولو كان نهار دائم او ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان؛ فضلاً على فساد ما حوله كله، وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه. وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة. ففي كل خط من النقط ما لا يحصى. ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل: {وآتاكم من كل ما سألتموه}.. من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع.. {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.. فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر، أو كل البشر. وكلهم محدودون بين حدين من الزمان: بدء ونهاية. وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان. ونعم الله مطلقة ـ فوق كثرتها ـ فلا يحيط بها إدراك إنسان: وبعد ذلك كله تجعلون لله أنداداً، وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة الله بل تبدلونها كفراً.. {إن الإنسان لظلوم كفار}!!! وحين يستيقظ ضمير الإنسان، ويتطلع إلى الكون من حوله، فإذا هو مسخر له، إما مباشرة، وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم؛ ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة الله، معين بقدرة الله، ذلول له بتسخير الله.. حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر. لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر، ويتطلع دائماً إلى ربه المنعم: حين يكون في الشدة ليبدله منها يسراً، وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء. والنموذج الكامل للإنسان الذاكر هو أبو الأنبياء. إبراهيم. الذي يظلل سمته هذه السورة، كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران او كفران.. ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع، يظلله الشكر، وتشيع فيه الضراعة، ويتجاوب فيه الدعاء، في نغمة رخية متموجة، ذاهبة في السماء. {وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هـذا البلد آمنا، واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام. ربّ إنهن أضللن كثيراً من الناس، فمن تبعني فإنه مني؛ ومن عصاني فإنك غفور رحيم. ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء. رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء. ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يوم الحساب}.. إن السياق يصور إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش، فإذا بها تكفر فيه بالله، مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع الذاكر الشاكر، ليرد الجاحدين إلى الاعتراف، ويرد الكافرين إلى الشكر، ويرد الغافلين إلى الذكر، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون. ويبدأ إبراهيم دعاءه: {رب اجعل هذا البلد آمناً}.. فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان، عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه على نفسه. والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمناً، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم، فكفروا النعمة، وجعلوا لله أنداداً، وصدوا عن سبيل الله. ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن: {واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام}.. ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه، والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه. فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه، يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه. ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم الله. وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده. فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود، إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء. ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب، إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد.. إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه، فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام. يدعو إبراهيم دعوته هذه لما شهده وعلمه من كثرة من ضلوا بهذه الأصنام من الناس في جيله وفي الأجيال التي قبله؛ ومن فتنوا بها ومن افتتنوا وهم خلق كثير: {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس}.. ثم يتابع الدعاء.. فأما من تبع طريقي فلم يفتتن بها فهو مني، ينتسب إلي ويلتقي معي في الآصرة الكبرى، آصرة العقيدة: {فمن تبعني فإنه مني}.. وأما من عصاني منهم فأفوض أمره إليك: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم}.. وفي هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم؛ فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه، ولا يستعجل لهم العذاب؛ بل لا يذكر العذاب، إنما يكلهم إلى غفران الله ورحمته. ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة؛ وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية؛ فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم! ويمضي إبراهيم في دعائه يذكر إسكانه لبعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور للبيت المحرم، ويذكر الوظيفة التي اسكنهم في هذا القفر الجدب ليقوموا بها: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم}.. لماذا؟ {ربنا ليقيموا الصلاة}.. فهذا هو الذي من أجله أسكنهم هناك، وهذا هو الذي من أجله يحتملون الجدب والحرمان. {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}.. وفي التعبير رقة ورفرفة، تصور القلوب رفافة مجنحة، وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادي الجديب. إنه تعبير نديّ يندِّي الجدب برقة القلوب.. {وارزقهم من الثمرات}.. عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج.. لماذا؟ أليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا.؟ نعم! ولكن لينشأ عن ذلك ما يرجوه إبراهيم الشكور: {لعلهم يشكرون}. وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام.. إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة لله. ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويّها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض.. إنه شكر الله المنعم الوهاب. وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة واضحة في موقف قريش جيرة البيت المحرم.. فلا صلاة قائمة لله، ولا شكر بعد استجابة الدعاء، وهويّ القلوب والثمرات! ويعقب إبراهيم على دعاء الله لذريته الساكنة بجوار بيته المحرم لتقيم الصلاة وتشكر الله.. يعقب على الدعاء بتسجيله لعلم الله الذي يطلع على ما في قلوبهم من توجه وشكر ودعاء. فليس القصد هو المظاهرات والأدعية والتصدية والمكاء. إنما هو توجه القلب إلى الله الذي يعلم السر والجهر ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن: وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء}.. ويذكر إبراهيم نعمة الله عليه من قبل؛ فيلهج لسانه بالحمد والشكر شأن العبد الصالح يذكر فيشكر: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء}.. وهبة الذرية على الكبر أوقع في النفس. فالذرية امتداد. وما أجل الإنعام به عند شعور الفرد بقرب النهاية، وحاجته النفسية الفطرية إلى الامتداد. وإن إبراهيم ليحمد الله، ويطمع في رحمته: {إن ربي لسميع الدعاء}.. ويعقب على الشكر بدعاء الله أن يجعله مديماً للشكر. الشكر بالعبادة والطاعة فيعلن بهذا تصميمه على العبادة وخوفه أن يعوقه عنها عائق، أو يصرفه عنها صارف، ويستعين الله على إنفاذ عزيمته وقبول دعائه: {رب اجعلني مقيم الصلاة. ومن ذريتي. ربنا وتقبل دعاء}. وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة مرة أخرى في موقف جيرة البيت من قريش. وهذا إبراهيم يجعل عون الله له على إقامة الصلاة رجاء يرجوه، ويدعو الله ليوفقه إليه. وهم ينأون عنها ويعرضون، ويكذبون الرسول الذي يذكرهم بما كان إبراهيم يدعو الله أن يعينه عليه هو وبنيه من بعده! ويختم إبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين جميعاً، يوم يقوم الحساب، فلا ينفع إنساناً إلا عمله؛ ثم مغفرة الله في تقصيره: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب}.. وينتهي المشهد الطويل: مشهد الدعاء الخاشع الضارع. ومشهد تعداد النعم والشكر عليها.. في إيقاع موسيقي متموج رخي.. ينتهي بعد أن يخلع على الموقف كله ظلاً وديعاً لطيفاً، تهفو القلوب معه إلى جوار الله، وتذكر القلوب فيه نعم الله. ويرتسم إبراهيم أبو الأنبياء نموذجاً للعبد الصالح الذاكر الشاكر، كما ينبغي أن يكون عباد الله، الذين وجه الحديث إليهم قبيل هذا الدعاء.. ولا يفوتنا أن نلمح تكرار إبراهيم ـ عليه السلام ـ في كل فقرة من فقرات دعائه الخاشع المنيب لكلمة: {ربنا} أو {ربِّ}. فإن لهجان لسانه بذكر ربوبية الله له ولبنيه من بعده ذات مغزى.. إنه لا يذكر الله سبحانه ـ بصفة الألوهية، إنما يذكره بصفة الربوبية. فالألوهية قلما كانت موضع جدال في معظم الجاهليات - وبخاصة في الجاهلية العربية - إنما الذي كان دائماً موضع جدل هو قضية الربوبية. قضية الدينونة في واقع الحياة الأرضية. وهي القضية العملية الواقعية المؤثرة في حياة الإنسان. والتي هي مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية وبين التوحيد والشرك في عالم الواقع.. فإما أن يدين الناس لله فيكون ربهم وإما أن يدينوا لغير الله فيكون غيره ربهم.. وهذا هو مفرق الطريق بين التوحيد والشرك وبين الإسلام والجاهلية في واقع الحياة. والقرآن وهو يعرض على مشركي العرب دعاء أبيهم إبراهيم والتركيز فيه على قضية الربوبية كان يلفتهم إلى ما هم فيه من مخالفة واضحة لمدلول هذا الدعاء! ثم يكمل السياق الشوط مع {الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار}.. وهم ما يزالون بعد في ظلمهم لم يأخذهم العذاب. والذين أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول لهم: {تمتعوا فإن مصيركم إلى النار}.. وأن ينصرف إلى عباد الله المؤمنين يأمرهم بالصلاة والإنفاق سراً وعلانية {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}.. يكمل السياق الشوط ليكشف عما أعد للكافرين بنعمة الله؛ ومتى يلقون مصيرهم المحتوم؛ وذلك في مشاهد متعاقبة من مشاهد القيامة، تزلزل الأقدام والقلوب: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء}.. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يحسب الله غافلاً عما يعمل الظالمون. ولكن ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتعون، ويسمع بوعيد الله، ثم لا يراه واقعاً بهم في هذه الحياة الدنيا. فهذه الصيغة تكشف عن الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخير، التي لا إمهال بعدها. ولا فكاك منها. أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك. ثم يرسم مشهداً للقوم في زحمة الهول.. مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء، ولا يلتفتون إلى شيء. رافعين رؤوسهم لا عن إرادة ولكنها مشدودة لا يمكلون لها حراكاً. يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب فلا يطرف ولا يرتد إليهم. وقلوبهم من الفزع خاوية خالية لا تضم شيئاً يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه، فهي هواء خواء.. هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه. حيث يقفون هذا الموقف، ويعانون هذا الرعب. الذي يرتسم من خلال المقاطع الأربعة مذهلاً آخذاً بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء}.. فالسرعة المهرولة المدفوعة، في الهيئة الشاخصة المكرهة المشدودة، مع القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي ومن كل إدراك.. كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه الأبصار.. هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه، والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك. فأنذر الناس أنه إذا جاء فلا اعتذار يومئذ ولا فكاك.. وهنا يرسم مشهداً آخر لليوم الرعيب المنظور: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب، فيقول الذين ظلموا: ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل. أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟! وسكنتم في مسـاكن الذين ظلموا أنفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال؟}.. أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفاً، فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء، يقولون: {ربنا}.. الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل ويجعلون له أنداداً! {أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل}.. وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب. كأنهم ماثلون شاخصون يطلبون. وكأننا في الآخرة وقد انطوت الدنيا وما كان فيها. فها هو ذا الخطاب يوجه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب، والتذكير بما فرط منهم في تلك الحياة: {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟!}.. فكيف ترون الآن؟! زلتم يا ترى أم لم تزولوا؟! ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلاً بارزاً للظالمين ومصيرهم المحتوم: {وسكنتم في مسـاكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال}.. فكان عجيباً أن تروا مساكن الظالمين أمامكم، خالية منهم، وأنتم فيها خلفاء، ثم تقسمون مع ذلك: {ما لكم من زوال}! وعند هذا التبكيت ينتهي المشهد، وندرك أين صاروا، وماذا كان بعد الدعاء وخيبة الرجاء. وإن هذا المثل ليتجدد في الحياة ويقع كل حين. فكم من طغاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم. وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم. ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبرون؛ ويسيرون حذوك النعل بالنعل سيرة الهالكين؛ فلا تهز وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها، والتي تتحدث عن تاريخ الهالكين، وتصور مصائرهم للناظرين. ثم يؤخذون إخذة الغابرين، ويلحقون بهم وتخلوا منهم الديار بعد حين! ثم يلتفت السياق بعد أن يسدل عليهم الستار هناك، إلى واقعهم الحاضر، وشدة مكرهم بالرسول والمؤمنين، وتدبيرهم الشر في كل نواحي الحياة. فيلقي في الروع أنهم مأخوذون إلى ذلك المصير، مهما يكن مكرهم من العنف والتدبير: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم.. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}.. إن الله محيط بهم وبمكرهم، وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال، أثقل شيء وأصلب شيء، وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال. فإن مكرهم هذا ليس مجهولاً وليس خافياً وليس بعيداً عن متناول القدرة. بل إنه لحاضر {عند الله} يفعل به كيفما يشاء. {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله. إن الله عزيز ذو انتقام}.. فما لهذا المكر من أثر، وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر وأخذ الماكرين أخذ عزيز مقتدر: {إن الله عزيز ذو انتقام}.. لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو.. وكلمة الانتقام هنا تلقي الظل المناسب للظلم والمكر، فالظالم الماكر يستحق الانتقام، وهو بالقياس إلى الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم، تحقيقاً لعدل الله في الجزاء. وسيكون ذلك لا محالة: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات}.. ولا ندري نحن كيف يتم هذا، ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات، ولا مكانها؛ ولكن النص يلقي ظلال القدرة التي تبدل الأرض وتبدل السماوات؛ في مقابل المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير. وفجأة نرى ذلك قد تحقق: {وبرزوا لله الواحد القهار}.. وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق. ليسوا في دورهم وليسوا في قبورهم. إنما هم في العراء أمام الواحد القهار.. ولفظة {القهار} هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. ثم ها نحن أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل، يناسب ذلك المكر وذلك الجبروت: {وترى المجرمين يومئذ مقرّنين في الأصفاد سرابيلهم من قَطران وتَغشى وجوههم النار}.. فمشهد المجرمين: اثنين اثنين مقرونين في الوثاق، يمرون صفاً وراء صف.. مشهد مذل دال كذلك على قدرة القهار. ويضاف إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادة شديدة القابلية للالتهاب، وهي في ذات الوقت قذرة سوادء.. {من قطران}.. ففيها الذل والتحقير، وفيها الإيحاء بشدة الاشتعال بمجرد قربهم من النار! {وتغشى وجوههم النار}.. فهو مشهد العذاب المذل المتلظي المشتعل جزاء المكر والاستكبار.. {ليجزي الله كل نفس ما كسبت. إن الله سريع الحساب}.. ولقد كسبوا المكر والظلم فجزاؤهم القهر والذل. إن الله سريع الحساب. فالسرعة في الحساب هنا تناسب المكر والتدبير الذي كانوا يحسبونه يحميهم ويخفيهم، ويعوق انتصار أحد عليهم. فها هم أولاء يجزون ما كسبوا ذلاً وألماً وسرعة حساب! وفي النهاية تختم السورة بمثل ما بدأت، ولكن في إعلان عام جهير الصوت، عالي الصدى، لتبليغ البشرية كلها في كل مكان: {هذا بلاغ للناس، ولينذروا به، وليعلموا أنما هو إلـه واحد، وليذكر أولوا الألباب}. إن الغاية الأساسية من ذلك البلاغ وهذا الإنذار، هي أن يعلم الناس {أنما هو إله واحد}.. فهذه هي قاعدة دين الله التي يقوم عليها منهجه في الحياة. وليس المقصود بطبيعة الحال مجرد العلم، إنما المقصود هو إقامة حياتهم على قاعدة هذا العلم.. المقصود هو الدينونة لله وحده، ما دام أنه لا إله غيره. فالإله هو الذي يستحق أن يكون رباً ـ أي حاكماً وسيداً ومتصرفاً ومشرعاً وموجهاً ـ وقيام الحياة البشرية على هذه القاعدة يجعلها تختلف اختلافاً جوهرياً عن كل حياة تقوم على قاعدة ربوبية العباد للعباد ـ أي حاكمية العباد للعباد ودينونة العباد للعباد ـ وهو اختلاف يتناول الاعتقاد والتصور، ويتناول الشعائر والمناسك؛ كما يتناول الأخلاق والسلوك، والقيم والموازين؛ وكما يتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل جانب من جوانب الحياة الفردية والجماعية على السواء. إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل؛ وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر. وحدود العقيدة أبعد كثيراً من مجرد الاعتقاد الساكن.. إن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة.. وقضية الحاكمية بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة. كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية عقيدة. فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشتمل الأخلاق والقيم؛ كما يشتمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء.. ونحن لا ندرك مرامي هذا القرآن قبل أن ندرك حدود العقيدة في هذا الدين، وقبل أن ندرك مدلولات: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" على هذا المستوى الواسع البعيد الآماد. وقبل أن نفهم مدلول: العبادة لله وحده؛ ونحدده بأنه الدينونة لله وحده؛ لا في لحظات الصلاة، ولكن في كل شأن من شؤون الحياة! إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم ـ عليه السلام ـ ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى، مجسمة في أحجار أو أشجار، أو حيوان أو طير، أو نجم أو نار، أو أرواح أو أشباح.. إن هذه الصور الساذجة كلها لا تستغرق كل صور الشرك بالله، ولا تستغرق كل صور العبادة للاصنام من دون الله. والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصور الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها؛ ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة! ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها؛ كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام، وتمثل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة! إن الشرك بالله ـ المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله ـ يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده. ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته.. وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة.. والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته.. إن العبد الذي يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده؛ ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر. بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لشرائع من عند غير الله. ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات، من صنع غير الله. ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء ـ مخالفة لشرع الله وأمره ـ إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته؛ ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في أخص حقيقتها.. وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتميع، وهم لا يحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان! والأصنام.. ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة.. فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها، وضمان دينونتهم له من خلالها.. إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر.. إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها؛ يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى.. ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها! فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان، ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال.. فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها! إذا رفعت "القومية" شعاراً، أو رفع "الوطن" شعاراً، أو رفع "الشعب" شعاراً، أو رفعت "الطبقة" شعاراً... ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله؛ وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض. بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه، ونفذت إرادة تلك الشعارات ـ أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات ـ كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله.. فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة؛ ولقد يكون الصنم مذهباً أو شعاراً! إن الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية! ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة، من موكب الرسل الموصول؛ ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب! إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن؛ وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة.. ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيداً أم شركاً؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام! والذين يظنون أنفسهم في "دين الله" لأنهم يقولون بأفواهم "نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، ويدينون لله فعلاً في شؤون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث.. بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله؛ ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله ـ وكثرتها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة الله ـ ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم ـ أرادوا أم لم يريدوا ـ ليحققوا ما تتطلبه منهم الأصنام الجديدة. فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام، نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الأصنام.. الذين يظنون أنفسهم "مسلمين" وفي "دين الله" وهذا حالهم.. عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم!!! إن دين الله ليس بهذا الهزال الذي يتصوره من يزعمون أنفسهم "مسلمين" في مشارق الأرض ومغاربها! إن دين الله منهج شامل لجزيئات الحياة اليومية وتفصيلاتها. والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزيئات الحياة اليومية وتفصيلاتها ـ فضلاً على أصولها وكلياتها ـ هي دين الله، وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه. وإن الشرك بالله لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غيره معه؛ ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره معه.. وإن عبادة الأصنام لا تتمثل في إقامة أحجار وأخشاب؛ بقدر ما تتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات! ولينظر الناس في كل بلد لمن المقام الأعلى في حياتهم؟ ولمن الدينونة الكاملة؟ ولمن الطاعة والاتباع والامتثال؟ فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله. وإن كان لغير الله ـ معه أو من دونه ـ فهم في دين الطواغيت والأصنام.. والعياذ بالله..! {هـذا بلاغ للناس، ولينذروا به. وليعلموا أنما هو إلـه واحد، وليذكر أولوا الألباب}..
ابن عاشور
تفسير : أعقب تمثيل الدينين ببيان آثارهما في أصحابهما. وابتُدىء بذكر أحوال المشركين لأنها أعجب والعبرة بها أولى والحذر منها مقدّم على التحلي بضدها، ثم أعقب بذكر أحوال المؤمنين بقوله: {قل لعبادي الذين آمنوا} الخ. والاستفهام مستعمل في التشويق إلى رؤية ذلك. والرؤية هنا بصرية لأن متعلقها مما يرى، ولأن تعدية فعلها بــــ {إلى} يرجح ذلك، كما في قوله: { أية : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } تفسير : [سورة البقرة: 258]. وقد نزل المخاطب منزلة من لم ير. والخطاب لمن يصح منه النظر إلى حال هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله مع وضوح حالهم. والكفر: كفران النعمة، وهو ضد الشكر، والإشراك بالله من كفران نعمته. وفي قوله: {بدلوا نعمة الله كفراً} محسن الاحتباك. وتقدير الكلام: بدلوا نعمة الله وشُكرَها كفراً بها ونقمةً منه، كما دل عليه قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} الخ. واستعير التبديل لوضع الشيء في الموضع الذي يستحقه شيء آخر، لأنه يشبه تبديل الذات بالذات. والذين بدلوا هذا التبديل فريق معرفون، بقرينة قوله: {ألم تر إلى الذين}، وهم الذين تلقوا الكلمة الخبيثة من الشيطان، أي كلمة الشرك، وهم الذين استكبروا من مشركي أهل مكة فكابروا دعوة الإسلام وكذّبوا النبي صلى الله عليه وسلم وشرّدوا من استطاعوا، وتسببوا في إحلال قومهم دار البوار، فإسناد فعل {أحلوا} إليهم على طريقة المجاز العقلي. ونعمة الله التي بدلوها هي نعمة أن بوّأهُم حرمه، وأمنهم في سفرهم وإقامتهم، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، وسلمهم مما أصاب غيرهم من الحروب والغارات والعدوان، فكفروا بمن وهبهم هذه النعم وعبدوا الحجارة. ثم أنعم الله عليهم بأن بعث فيهم أفضل أنبيائه ــــ صلى الله عليهم جميعاً ــــ وهداهم إلى الحق، وهيّأ لهم أسباب السيادة والنجاة في الدنيا والآخرة، فبدّلو شكر ذلك بالكفر به، فنعمة الله الكبرى هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة إبراهيم وبنيّته ــــ عليهم السلام ــــ. وقومهم: هم الذين اتبعوهم في ملازمة الكفر حتى ماتوا كفاراً، فهم أحق بأن يضافوا إليهم. والبوار: الهلاك والخسران. وداره: محله الذي وقع فيه. والإحلال بها الإنزال فيها، والمراد بالإحلال التسبب فيه، أي كانوا سبباً لحلول قومهم بدار البوار، وهي جهنم في الآخرة، ومواقع القتل والخزي في الدنيا مثل: موقع بدر، فيجوز أن يكون {دار البوار} جهنم، وبه فسر علي وابن عبّاس وكثير من العلماء، ويجوز أن تكون أرض بدر وهو رواية عن علي وعن ابن عباس. واستعمال صيغة المضي في {أحلوا} لقصد التحقيق لأن الإحلال متأخر زمنه فإن السورة مكية. والمراد بــــ {الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار} صناديد المشركين من قريش، فعلى تفسير {دار البوار} بدار البوار في الآخرة يكون قوله {جهنم} بدلاً من {دار البوار} وجملة {يصلونها} حالاً من {جهنم}، فتخص {دار البوار} بأعظم أفرادها وهو النار، ويجعل ذلك من ذكر بعض الأفراد لأهميته. وعلى تفسير {دار البوار} بأرض بدر يكون قوله: {جهنم يصلونها} جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وانتصابُ جهنم على أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه فعل {يصلونها} على طريقة الاشتغال. وما يروون عن عمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ وعن عليّ ــــ كرّم الله وجهه ــــ أن {الذين بدلوا نعمة الله كفراً} هم الأفجران من قريش: بَنُو أمية وبنو المغيرة بن مخزوم، قال: فأما بنو أمية فمُتّعوا إلى حين وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. فلا أحسبه إلا من وضع بعض المغرضين المضادين لبني أمية. وفي روايات عن عليّ ــــ كرّم الله وجهه ــــ أنه قال: هم كفار قريش، ولا يريد عمر ولا علي ــــ رضي الله عنهما ــــ من أسلموا من بني أمية فإن ذلك لا يقوله مسلم فاحذروا الأفهام الخطئة. وكذا ما روي عن ابن عباس: أنهم جَبلة بن الأيهم ومن اتبعه من العرب الذين تنصروا في زمن عُمر وحلّوا ببلاد الروم، فإذا صح عنه فكلامه على معنى التنظير والتمثيل وإلا فكيف يكون هو المراد من الآية وإنما حدث ذلك في خلافة عمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ. وجملة {وبئس القرار} عطف على جملة {يصلونها}، أو حال من {جهنم}. والتقدير: وبئس القرار هي.
القطان
تفسير : دار البور: دار الهلاك. يصْلونها: يدخلونها ويقاسون حرها. اندادا: امثالا. لا بيع فيه ولا خلال: لا فدية ولا صداقة تنفع او تشفع. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}. الم تَرَ وتعلم كيف تصرَّف هؤلاء القومُ! لقد تنكروا لنعمة الله الممثَّلة في دعوة رسوله إلى الإيمان ونبذوها (وأولئك هم السادة من قريش وكبراء قومهم)، بعد ما رأوا ما حلَّ بمن قبلَهم. وقد عرض القرآن عليهم مشاهدَ تلك القصة التي مرت في هذه السورة!! لقد استبدلوا بنعمة دعوة الرسول إياهم كفرا، وأنزلوا أتباعَهم من قومهم دارَ الهلاك، جهنم يدخُلونها ويقاسُون حَرَّها وبئس المنزل والقرار. {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ}. وجعلوا لله الواحدِ في العبادة نظراءَ، ليُضلوا الناس عن دينه القويم فقل لهم أيها الرسول، تمتّعوا قليلاً في هذه الحياةِ الى الأجلِ الذي قدّره الله لكم، وعاقبتُكم ومصيركُم إلى جهنّم. {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ}. بعد ان هدّد الله الكفارَ على جحودهم وانغماسهم في اللذات خاطبَ نبيَّه الكريمَ أن يأمر المؤمنين من عبادهِ أن أحسِنوا وأقيموا الصلاةَ وأنفِقوا بعض ما رزقكم ربُّكم في وجوه البِرِّ في السر والعلَن، من قبلِ أن يأتي يومُ القيامة الذي لاتنفع فيه صداقة ولا شفاعة ولا بيعٌ ولا عمل، انما ينفع ما تقدّمون من اعمال طيبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {نِعْمَةَ} (28) - أَلَمْ تَعْلَمْ وَتَعْجَبْ مِنْ قَوْمٍ أَتَتْهُمْ نِعْمَةُ اللهِ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْكُرُوهَا وَيُقَدِّرُوهَا، وَلَكِنَّهُمْ غَمَطُوهَا، وَكَفَرُوا بِهَا وَجَحَدُوهَا، كَأَهْلِ مَكَّةَ الذِينَ أَسكَنَهُمُ اللهُ حَرَماً آمِناً تُجْبَى إِليهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ، وَجَعَلَهُمْ سَدَنَةَ بَيْتِهِ، وَشَرَّفَهُمْ بِإِرْسَالِ نَبِيٍّ مِنْهُم، فَكَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَأَصَابَهُمُ الجَدْبُ وَالقَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ، وَأُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ سَرَاتِهِمْ وَقَادَتِهِمْ ... وَأَحَلُّوا الذِينَ شَايَعُوهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ دَارَ الهَلاَكِ (دَارَ البَوَارِ). دَارَ البَوَارِ - دَارَ الهَلاكِ وَهِيَ جَهَنَّمُ.
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} يعني غيّروا نعمة الله عليهم في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا به وكذبوه فيصيروا نعمة الله عليهم كفراً {وَأَحَلُّواْ} وأنزلوا {قَوْمَهُمْ} ممن تابعهم على كفرهم {دَارَ ٱلْبَوَارِ} الهلاك ثم [ترجم] عن دار البوار ما هي. فقال: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} المستقر. عامر بن واثلة سمعت علي بن أبي طالب ح يقول في قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ} الآية قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر. قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): هما الأفجران من قريش بني أُمية، فأما بنو أُمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فأُهلكوا يوم بدر. ابن عباس: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه. {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ} قرأ الكوفيون بضم الياء على معنى ليضلوا الناس عن سبيله، وقرأ الباقون بفتح الياء على اللزوم {قُلْ تَمَتَّعُواْ} عيشوا متاع الدنيا. {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} وهذا وعيد. قوله: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}. قال الفراء: جزم: يقيموا بتأويل الجزاء ومعناه الأمر. {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً} إلى قوله {وَلاَ خِلاَلٌ} مخالة فيقال خلت فلاناً فأنا أخاله مخالة وخلال وخلّة. قال امرؤ القيس: شعر : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى وخلت بمقليّ الخلال ولا قالي تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ} إلى قوله {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ}. قال ابن عباس: دوؤبهما في طاعة الله. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} متعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان والزيادة {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} يعني وآتاكم من كل شيء سألتموه شيئاً فحذف الشيء الثاني اكتفاءً بدلالة الكلام على التبعيض كقوله {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل: 23] يعني وأُوتيت من كل شيء في زمانها شيئاً وقيل هو التكثير نحو قولك: فلان يعلم كل شيء وأتاه كل الناس، وأنت تعني بعضهم نظيره قوله {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44]. وقال بعض المفسرين: معناه وآتاه من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، وهذه قراءة العامة بالإضافة [.........]. وقرأ الحسن والضحاك وسلام: من كل، بالتنوين على النفي يعني من كل مالم تسألوه فيكون ما يجد. قال الضحاك: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها، صدق الله لكم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه ولا خطرنا ببال. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} لا تطيقوا ذكرها ولا القيام بشكرها لا بالجنان ولا باللسان ولا بالبيان {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ} لشاكر غير من أنعم عليه واضع الشكر في غير موضعه {كَفَّارٌ} جحود لنعم الله، وقيل ظلمه لنفسه بمعصيته كفار لربه في نعمته، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ..} [إبراهيم: 28]. فهذا يعني أن المُخبِر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق مِنْ أنْ تراه أعيننا. وتشير الآية إلى عملية مُبَادلة بين اعتراف بالنعمة؛ ثم إنكارها. كأن هناك شيئاً قد استبعدناه، وأتيْنا ببديل له. والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ..} تفسير : [البقرة: 61]. والحق سبحانه وتعالى قد أعطاك النعمة ولم يطلب منك أن تقومَ بأيِّ تكليف إيمانيٍّ قبل البلوغ. وهكذا نجد أن النعمة هي الأصل، والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك، وكان من الواجب ألاَّ يعصي العبد مَنْ أنعم عليه بكل النعم، وأن يتجه إلى التكليف بمحبة؛ كي لا يقلب نعمة الله كفراً. أو: أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء الله عليهم الخير، وجعل لهم الحرم آمناً: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [القصص: 57]. وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي الإسلام - الدين الخاتم - منهم، وهو النبي الذي ستدين له الدنيا والعالم في كل زمان ومكان؛ فلماذا يُبدِّلون تلك النعمة كفراً؟ أمَا كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها بعميق الشكر وحُسْن العبادة؟ فهذا النبي الذي قال الحق سبحانه عن رسالته: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44]. وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4]. فكيف يُبدِّلون نعمة الله كفراً؟ وكيف يُسيئون معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم وصَحْبه حتى قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف ". تفسير : وخرج لقتالهم في بدر؛ وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة الله كفراً، ولماذا قَبِلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟ ولو كانوا قوم صِدْق مع النفس، وصدق مع ما يعتقدونه لَطلبوا من الأصنام أن تعطيهم؛ أو لَرفضوا أن يأخذوا خَيْر المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه، وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمُقوِّمات المادة؛ وأضاف لذلك منهجه مُقوم الروح. وحين نقرأ قول الحق سبحانه: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]. نفهم أن الإحلال هو إيجاد حالٍّ في مَحَلٍّ. ونعلم أن الظَّرف ينقسم إلى قسمين: ظرف مكان، وظرف زمان؛ فإذا أحللْتَ حدثاً محلَّ حَدث؛ فهذا يخصُّ ظرف الزمان، وحين تحل شيئاً مكان شيء آخر، فهذا أمر يخصُّ ظرف المكان. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]. وهذا يعني ظرف مكان. ولقائل أن يقول: وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بَوَار؟ ونقول: لقد حدث ذلك نتيجة أنهم قد غَشّوهم وخدعوهم، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم؛ ولم يلتفتوا إلى أنّ قادتهم وأُولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ألاَّ يقلدوهم؛ فَجرُّوا عليهم الفتن واحدة تِلْو أخرى، وترين الفتن على القلوب. ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون بها مناعات من الفتن؛ فتحثّ النفس اللوامة المؤمن؛ فيكثر الحسنات ليبطل السيئات، وإذا ما تحولت النفس اللوّامة إلى نفس أمَّارة بالسوء وجدتْ في المجتمع المسلم مَنْ يزجرها. وبهذا تصبح أمة محمد صلى الله عليه وسلم محصَّنة ضد الفتن التي تُذهِب الإيمان. ويقول الحق سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ..} تفسير : [آل عمران: 110]. ويُذكِّرنا الحق سبحانه بأن الرسولَ سيكون شهيداً علينا، ونحن سنكون شهداء على الناس، وهكذا ضمن الحق سبحانه أن يعلم كُلُّ واحد من أمة محمد جزئية من العلم ليكون امتداداً لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومِثْلما شهد الرسول أنه قد بلَّغ الرسالة؛ سيكون على كل واحد من أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يشهدَ بأنه قد بلَّغ ما علم من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وكُلٌّ منا يعلم كيف حدثتْ الغفلة الأولى؛ حيث حدثتْ الغفلة من الأُسْوة؛ فزاحمتهم الشهواتُ وارتكبوا السيئاتِ، فحين غفلتْ النفس ارتكبتْ المعصية؛ وحين رأى الناسُ مَنْ يرتكب المعصية قلَّدوه. وهكذا حمل مَنْ وقع في الغفلة وِزْره ووِزْر مَنِ اتبعه بالأُسْوة السيئة؛ فصار ضَالاً في ذاته؛ ثم تحمَّل وِزْر مَنْ أضله أيضاً. وهكذا صار مَنْ فعل ذلك هو مَنْ أحلَّ قومه دار البوار. والبوار يعني الهلاك؛ ذلك أن الكبار من هؤلاء القوم حين تصرَّفوا وسلكُوا بما يخالف المنهج أورثوا مَنِ اتبعوهم الهلاك. ونحن في الريف نَصِفُ الأرض التي لا تصلح للزراعة بأنها الأرض البُور؛ وكذلك يُقال "قُمْنا بتبوير الأرض" أي: أهلكنا ما فيها من زرع. وحين نقرأ قول الحق: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]. نجد في كلمة "قومهم" ما يُوحي بالخِسَّة لِمَنْ يرتكبون هذا الفعل الشائن؛ فمَنْ يُهِلك قومه لا بُد أن يكونَ خسيساً؛ ولا بُد أن يكون محترف غِشٍّ وخديعة؛ فالقوم هم مَنْ يقومون معهم؛ وكان من اللائق أن تضرب على يد مَنْ يصيبهم بشرٍّ أو يغشّهم أو يخدعهم. ويشرح الحق سبحانه دار البوار هذه، فيقول: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} معناه محمدٌ صلَّى الله عَليهِ وآلهِ وسلَّم نِعمةٌ مِن الله. تفسير : وقوله تعالى: {دَارَ ٱلْبَوَارِ} معناهُ دَارَ الهَلاَكِ.
الجيلاني
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي إلى الظالمين المسرفين {إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} الفائضة عليهم من محض فعله و عطائه؛ ليشكروا له ويواظبوا على أداء حقه {كُفْراً} أي: يصرفونها كفراناً لها إلى البغي والطغيان على الله وعلى خلَّص عباده، مع أن المناسب صرفها إلى إعلاء كلمة الله ونصر دينه ونبيه {وَ} لذلك {أَحَلُّواْ} وأدخلوا نفوسهم {قَوْمَهُمْ} التابعين لهم المعاندين لكفرهم {دَارَ ٱلْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] أي: الهلاك والخسار. يعني: {جَهَنَّمَ} التي {يَصْلَوْنَهَا} أي: يدخلون فيها أذلاء مهانين مقهورين، لا نجاة لهم منها أصلاً {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} [إبراهيم: 29] والمقر مقرهم الذي هو جهنم الطرد والخذلان. ومن خبث بواطنهم {وَ} شدة شكيمتهم {جَعَلُواْ لِلَّهِ} المتوحد في ذاته {أَندَاداً} شركاء من أضلاله ومصنوعاته {لِّيُضِلُّواْ} ضعفاء الأنام {عَن سَبِيلِهِ} الذي هو دين الإسلام الموصل إلى توحيد الله {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع: {تَمَتَّعُواْ} أيها المسرفون بما أنتم عليه من الكفر والعناد {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ} ومآل أمركم {إِلَى ٱلنَّارِ} [إبراهيم: 30] المعدة لتخذيلكم وجزائكم. {قُل} يا أكمل الرسل {لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بجميع ما جئت به إليهم من أمور الدين سيما الصلاة المصفية لبواطنهم والزكاة المزكية لظواهرهم كذلك: {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: يديموها في الأوقات المفروضة فيها {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} على المستحقين {سِرّاً} بلا سبق سؤال {وَعَلانِيَةً} بعد السؤال، استعدوا أيها الطالبون للنجاة لأخراكم في أولاكم، وأعدوا زاد عقباكم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} ليتدارك المقصر بالإنفاق والصدقة بعض تقصيراته {وَلاَ} يقبل فيه {خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31] أي: شفاعة من خليل حميم يشفع للجرائم والتقصيرات. وكيف لا تستعدون بعدما أمركم الله بإعداده ووفق أسبابه عليكم؛ إذ {ٱللَّهُ} الموفق لعباده أسباب معادهم هو المدبر المصلح {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات المعدة للإحاطة {وَٱلأَرْضَ} أي: السفليات القابلة للفيض {وَأَنزَلَ} أي: أفاض {مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ} أنواع {ٱلثَّمَرَاتِ} لتكون {رِزْقاً لَّكُمْ} مقوماً لمزاجكم، مبقياً لحياتكم؛ لتواظبوا على طاعة الله وإعداد زاد يوم المعاد {وَ} مع ذلك {سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} أي: السفن الجارية {لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي: بمشيئته وإرادته؛ لتسيروا معها إلى حيث شئتم وتتجروا بها وتربحوا {وَسَخَّرَ لَكُمُ} أيضاً {ٱلأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32] الجارية على بسيط الأرض؛ ليسهل لكم إخراج الجداول منها للحراثة والزراعة. {وَسَخَّر لَكُمُ} أيضاً {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} مختلفين في سيرهما شتاء وصيفاً خريفاً وربيعاً؛ لإنضاج ما تحرثونه وتزرعونه {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} [إبراهيم: 33] لسباتكم ومعاشكم. {وَ} بالجملة: {آتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} بلسان استعداداتكم وقابلياتكم من متممات نفوسكم ومكملاات إدراككم {وَ} بلغ إنعامه سبحانه إياكم في الكثرة إلى حيث {إِن تَعُدُّواْ} وتحصوا {نِعْمَتَ ٱللَّهِ} الفائضة عليكم لتربيتكم {لاَ تُحْصُوهَا} أي: لا يسع لكم إحصاؤها من مال كثرتها ووفورها، فلكم أن تواظبوا على شكرها وأداء حق شيء منها، وإن كانت القوة لا تفي بأدائها، لكن قليلاً منكم يشكرون نعمه {إِنَّ ٱلإنْسَانَ} المجبول على الغفلة والنسيان في أصل فطرته باعتبار قوى بشريته وبهيميته {لَظَلُومٌ} أي: مظلوم محزون عند الشدة وهجوم البلاء {كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] مبالغ في الكفران والنسيان وقت الفرح والسرور.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} [إبراهيم: 28] هذا إشارة إلى نعمة ألوهيته وخالقيته ورازقيته عليهم بدلوا {كُفْراً} بالكفر والإنكار بالجحود {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ} أي: أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم {دَارَ ٱلْبَوَارِ} أي: الهلاك فأنزلوا أبدانهم {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} [إبراهيم: 29] وهي غاية البعد عن الحضرة والحرمان من الجنان وأنزلوا أنفسهم الدركات وقلوبهم العمى والصم والجهل وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة بتبديل نعم الأخلاق الملكية الحميدة بالأخلاق الشيطانية السعبية الذميمة. {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً} [إبراهيم: 30] من الهوى والدنيا وشهواتها {لِّيُضِلُّواْ} بها ويضلوا الناس بالامتناع {عَن سَبِيلِهِ} عن طلب الحق تعالى والسير إليه على أقدام الشريعة والطريقة للوصول إلى الحقيقة {قُلْ تَمَتَّعُواْ} بشهوات الدنيا ونعيماً {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} نار جهنم للأبدان، ونار المحق والحرمان للنفوس، ونار الحياة للقلوب ونار القطيعة للأرواح. {قُل لِّعِبَادِيَ} [إبراهيم: 31] لا لعباد الهوى {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بنور العناية وعرفوا قدر نعمة ألوهيتي ولم يبدلوها كفراً {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} ليلازموا العبودية ويديموا العكوف على بساط القربة ويثبتوا في المناجاة والمالكة {وَيُنْفِقُواْ} على الطالبين المريدين {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً} من أسرار الألوهية {وَعَلانِيَةً} من أحكام العبودية في طريق الربوبية {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ} وهو مفارقة الأرواح على الأبدان {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: لا يقدر على الإنفاق بطريق طلب المعارضة {وَلاَ خِلاَلٌ} أي: ولا بطريق المخاللة من غير طلب العوض؛ لأن آلة الإنفاق خرجت من يده، وبطل استعداد دعوة الخلق إلى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب والتأديب. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [إبراهيم: 32] سماوات القلوب {وَٱلأَرْضَ} أرض النفوس {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} سماء القلوب {مَآءً} الحكمة { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} ثمرات الطاعة {رِزْقاً لَّكُمْ} أي: رزقاً لأرواحكم فإن الطاعات غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأبدان {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} فلك الشريعة {لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ} بحر الطريقة {بِأَمْرِهِ} أي: بأمر الحق لا بأمر الهوى والطبع؛ لأن استعمال فلك الشريعة إذا كان بأمر الهوى والطبع سريعاً يهلك ويغرق، ولا يبلغ ساحل الحقيقة إلا بأمر أولي الأمر وبملاحية وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}تفسير : [النساء: 59] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أطاع أمر فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ". تفسير : وكم من سفن لأرباب الطلب لما شرعت في هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء الأهواء وتلاطم أمواج العزة وانقطعت دون ساحلها، {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} أنهار العلوم اللدنية {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ} [إبراهيم: 33] شمس الكشوف {وَٱلْقَمَرَ} قمر المشاهدات {دَآئِبَينَ} بالكشف والمشاهدة {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ} ليل البشرية {وَٱلنَّهَارَ} نهار الروحانية وتسخير هذه الأشياء عبارة عن جعلها سبباً لاستكمال استعداد الإنسان في قبول الفيض الإلهي المختص به من بين سائر المخلوقات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - مبينا حال المكذبين لرسوله من كفار قريش وما آل إليه أمرهم: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا } ونعمة الله هي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، يدعوهم إلى إدراك الخيرات في الدنيا والآخرة وإلى النجاة من شرور الدنيا والآخرة، فبدلوا هذه النعمة بردها، والكفر بها والصد عنها بأنفسهم. { و } صدهم غيرهم حتى { أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } وهي النار حيث تسببوا لإضلالهم، فصاروا وبالا على قومهم، من حيث يظن نفعهم، ومن ذلك أنهم زينوا لهم الخروج يوم " بدر " ليحاربوا الله ورسوله، فجرى عليهم ما جرى، وقتل كثير من كبرائهم وصناديدهم في تلك الوقعة. { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } أي: يحيط بهم حرها من جميع جوانبهم { وَبِئْسَ الْقَرَارُ } { وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أي: نظراء وشركاء { لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ } أي: ليضلوا العباد عن سبيل الله بسبب ما جعلوا لله من الأنداد ودعوهم إلى عبادتها، { قُلْ } لهم متوعدا: { تَمَتَّعُوا } بكفركم وضلالكم قليلا فليس ذلك بنافعكم { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ } أي: مآلكم ومقركم ومأواكم فيها وبئس المصير.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 464 : 4 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن أبي إسحاق عن عمرو عن علي بن أبي طالب في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ * جَهَنَّمَ} قال، هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة. فأما بنوا المغيرة، فقطع الله ادبارهم. وأما بنوا أمية، فمتعوا الى حين. [الآية 28].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} [28] 287- أنا محمد بن بشار، نا محمد، نا شعبة، عن القاسم ابن أبي بزَّة، عن أبي الطُّفيل، سمع عليا رضي الله عنه وسأله ابنُ الكَوَّاء عن هذه الآية: - {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} قال: هم كفار قريش يوم بدر. 288- أنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} قال: هم أهل مكة. قال سفيان: يعني كُفارهم. 289- أنا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدثه عن عبد الرحمن بن / جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم، تلا قوله الله تعالى في إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} الآية [إبراهيم: 36]. وقال عيسى {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118] فرفع يديه، فقال: "اللهم أمَّتي أمَّتي" وبكى صلى الله عليه وسلم، "فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم - وربُّك أعلم - فسأله ما يُبكيه، فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال - وهو أعلم - فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل له: إنَّا سنُرضيك في أمتك، ولا نَسُوؤك ". تفسير : 290- أنا سويد بن نصر، أنا عبد الله، عن مَعمر، عن الزُّهري، قال أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم، لمَّا مرَّ بالحِجْر، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاَّ أن تكونوا باكين؛ أن يُصيبكم مثل ما أصابهم" وتقنَّع برِدائه وهو على الرَّحل .
همام الصنعاني
تفسير : 1410- عبد الرزاق، عن معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل، أن ابن الكوا سأل علياً قال: من {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}: [الآية: 28]؟ قال: الأفجران، وقال قريش، أو قال: أهل مكة بنو مخزوم وبنو أمية وبقيتهم يوم بدر. 1411- حدثنا عبد الرزَّاق، عن ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو بن دِينارٍ، عن عطاء، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاس، يقول: هُمْ والله {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}: [الآية: 28]، قال: قريش، أو قال: أهْلُ مَكَّةَ. 1412- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}: [الآية: 28]، قال: هم قادَة المشركين يوم بدر أحلوا قومهم دَارَ البَوار جهنم يصلونها، هي دَارُهُم في الآخرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):