١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {لِّعِبَادِىَ } بسكون الياء، والباقون: بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب. المسألة الثانية: في قوله: {يُقِيمُواْ } وجهان: الأول: يجوز أن يكون جواباً لأمر محذوف هو المقول تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. الثاني: يجوز أن يكون هو أمراً مقولاً محذوفاً منه لام الأمر، أي ليقيموا كقولك: قل لزيد ليضرب عمراً وإنما جاز حذف اللام، لأن قوله: {قُلْ } عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز. المسألة الثالثة: أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله. أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة وأما المال فيجب صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى. فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 3]. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراماً، لأن الآية دلت على أن الانفاق من الرزق ممدوح، ولا شيء من الانفاق من الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام. وقد مر تقرير هذا الكلام مراراً. المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } وجوه: أحدها: أن يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين. وثانيها: على الظرف أي وقت سر وعلانية. وثالثها: على المصدر أي انفاق سر وانفاق علانية والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب. واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ } قال أبو عبيدة: البيع ههنا الفداء والخلال المخالة، وهو مصدر من خاللت خلالاً ومخالة، وهي المصادقة. قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: { أية : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } تفسير : [البقرة: 254]. فإن قيل: كيف نفى المخالة في هاتين الآيتين، مع أنه تعالى أثبتها في قوله: { أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67]. قلنا: الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي إن أهل مكة بدّلوا نعمة الله بالكفر، فقل لمن آمن وحقّق عبوديته أن {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} يعني الصلوات الخمس، أي قل لهم أقيموا، والأمر معه شرط مقدّر، تقول: أطع الله يُدخلْك الجنة؛ أي إن أطعته يدخلْك الجنة؛ هذا قول الفراء. وقال الزجّاج: «يُقِيمُوا» مجزوم بمعنى اللام، أي ليقيموا فأسقطت اللام لأن الأمر دلّ على الغائب بـ «ـقل». قال: ويحتمل أن يقال: «يُقِيمُوا» جواب أمر محذوف؛ أي قل لهم أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة. {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً} يعني الزكاة؛ عن ابن عباس وغيره. وقال الجمهور: السرّ ما خفي والعلانية ما ظهر. وقال القاسم بن يحيـى: إن السرّ التطوع والعلانية الفرض، وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مجوّداً عند قوله: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} تفسير : [البقرة: 271]. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} تقدم في «البقرة» أيضاً. و «خِلاَلٌ» جمع خلة كقُلّة وقِلال. قال:شعر : فـلستُ بمَقْلـيِّ الخِـلاَلِ ولا قَـالـيِ
البيضاوي
تفسير : {قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} خصهم بالإضافة تنويهاً لهم وتنبيهاً على أنهم المقيمون لحقوق العبودية، ومفعول {قُلْ } محذوف يدل عليه جوابه: أي قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا. {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } فيكون إيذاناً بأنهم لفرط مطاوعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره، وأنه كالسبب الموجب له، ويجوز أن يقدرا بلام الأمر ليصح تعلق القول بهما وإنما حسن ذلك ها هنا ولم يحسن في قوله:شعر : مُحَمَّدٌ تفد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْس إِذَا مَا خفت مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ تفسير : لدلالة قل عليه. وقيل هما جواباً أقيموا وأنفقوا مقامين مقامهما، وهو ضعيف لأنه لا بد من مخالفة ما بين الشرط وجوابه ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحداً. {سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} منتصبان على المصدر أي إنفاق سر وعلانية، أو على الحال أي ذوي سر وعلانية، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية، والأحب إعلان الواجب وإخفاء المتطوع به. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدى به نفسه. {وَلاَ خِلَـٰلٌ} ولا مخالة فيشفع لك خليل، أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالانفاق لوجه الله تعالى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح فيهما على النفي العام. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} مبتدأ وخبر {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَكُمْ} تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول لأخرج و {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } بيان له وحال منه ويحتمل عكس ذلك ويجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة، أو المصدر لأن أخرج في معنى رزق. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } بمشيئته إلى حيث توجهتم. {وَسَخَّرَ لَكُمْ ٱلأَنْهَـٰرَ} فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم وقيل تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها. {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَين} يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاح ما يصلحانه من المكونات. {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم. {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي بعض جميع ما سألتموه يعني من كل شيء سألتموه شيئاً، فإن الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى، ولعل المراد بـ {مَا سَأَلْتُمُوهُ} ما كان حقيقاً بأن يسأل لاحتياج الناس إليه سئل أو لم يسأل، وما يحتمل أن تكون موصولة وموصوفة ومصدرية ويكون المصدر بمعنى المفعول. وقرىء {مِنْ كُلِّ} بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال، ويجوز أن تكون «ما» نافية في موقع الحال أي وآتاكم من كل شيء غير سائليه. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلاً عن أفرادها، فإنها غير متناهية. وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإِضافة. {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان. {كَفَّارٌ } شديد الكفران. وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ } بلدة مكة. {آمِناً} ذا أمن لمن فيها، والفرق بينه وبين قوله: {أية : ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا }تفسير : [البقرة: 126] أن المسؤول في الأول إزالة الخوف عنه وتصييره آمناً، وفي الثاني جعله من البلاد الآمنة. {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ } بعدني وإياهم، {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } واجعلنا منها في جانب وقرىء {وَٱجنبنى} وهما على لغة نجد وأما أهل الحجاز فيقولون جنبني شره. وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم وهو بظاهره، لا يتناول أحفاده وجميع ذريته. وزعم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل عليه الصلاة والسلام لم يعبدوا الصنم محتجاً به وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها ويسمونها الدوار ويقولون البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلته. {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ} فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإِضلال إليهن باعتبار السببية كقوله تعالى: {أية : وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }تفسير : [الأنعام: 70].. {فَمَن تَبِعَنِى } على ديني. {فَإِنَّهُ مِنِّى} أي بعضي لا ينفك في أمر الدين. {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلِلَّهِ أن يغفره حتى الشرك إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره. {رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى} أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهم إسماعيل ومن ولد منه قال إسكانه متضمن لإسكانهم. {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت. {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } الذي حرمت التعرض له والتهاون به، أو لم يزل معظماً ممنعاً يهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقاً أي أعتق منه. ولو دعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه. روي أن هاجر كانت لسارة رضي الله عنها فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل عليه السلام، فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله عين زمزم، ثم إن جرهم رأوا ثم طيوراً فقالوا لا طير إلا على الماء، فقصدوه فرأوهما وعندهما عين فقالوا أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت. {رَّبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} اللام لام كي وهي متعلقة بـ {أَسْكَنتُ } أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه للاشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها. وقيل لام الأمر والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإِقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها. {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ } أي أفئدة من أفئدة الناس، و {مِنْ } للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى، أو للابتداء كقولك: القلب مني سقيم أي أفئدة ناس. وقرأ هشام «أفئيدة» بخلف عنه بياء بعد الهمزة. وقرىء «آفدة» وهو يحتمل أن يكون مقلوب «أفئدة» كآدر في أدؤر وأن يكون اسم فاعل من أفدت الرحلة إذا عجلت أي جماعة يعجلون نحوهم «وأفدة» بطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه فيه إخراجهما بين ويجوز أن يكون من أفد. {تَهْوِى إِلَيْهِمْ} تسرع إليهم شوقاً ووداداً. وقرىء {تهوى} على البناء للمفعول من أهوى إليه غيره و {تهوى} من هوى يهوي إذا أحب، وتعديته بإلى لتضمنه معنى النزوع. {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرٰتِ} مع سكناهم وادياً لا نبات فيه. {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تلك النعمة، فأجاب الله عز وجل دعوته فجعله حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، أي: في الخفية، والعلانية، وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ} وهو يوم القيامة {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ} أي: ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه؛ كما قال تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحديد: 15] وقوله: {وَلاَ خِلَـٰلٌ} قال ابن جرير: يقول: ليس هناك مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالفته، بل هناك العدل والقسط، والخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلاناً، فأنا أخالُّه مُخالَّة وخلال، ومنه قول امرىء القيس:شعر : صَرَفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ولَسْتُ بِمُقْلٍ للخِلال ولا قالي تفسير : وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا، فينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله، فسيقطع عنه، قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحداً بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً لو وجده، ولا تنفعه صداقة أحد، ولا شفاعة أحد، إذا لقي الله كافراً، قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 123] وقال تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ } فداء {فِيهِ وَلاَ خِلَٰلٌ } مخالّة أي صداقة تنفع. هو: يوم القيامة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصّلاة وينفقوا مما رزَقناهم سِرًّا وعلانية} فيه وجهان: أحدهما: يعني بالسر ما خفي، وبالعلانية ما ظهر، وهو قول الأكثرين. الثاني: أن السر التطوع، والعلانية الفرض، قاله القاسم بن يحيى. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن السر الصدقات، والعلانية النفقات. {مِنْ قبل أن يأتي يومٌ، لا بَيْعٌ فيه ولا خلالٌ}فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا فِدية ولا شفاعة للكافر. الثاني: أن معنى قوله{لا بيع}أي لا تباع الذنوب ولا تشتري الجنة. ومعنى قوله{ولا خِلال}أي لا مودة بين الكفار في القيامة لتقاطعهم. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الخلال جمع خلة، مثل قِلال وقُلّة. الثاني: أنه مصدر من خاللت خِلالاً، مثل قاتلت قِتالاً. ومنه قول لبيد: شعر : خالت البرقة شركاً في الهدى خلة باقية دون الخلل
ابن عطية
تفسير : "العباد" جمع عبد، وعرفه في التكرمة بخلاف العبيد. وقوله: {يقيموا} قالت فرقة من النحويين: جزمه بإضمار لام الأمر على حد قول الشاعر: [الوافر] شعر : محمد تفد نفسك كل نفس تفسير : أنشده سيبويه - إلا أنه قال: إن هذا لا يجوز إلا في شعر. وقالت فرقة: أبو علي وغيره - هو فعل مضارع بني لما كان في معنى فعل الأمر، لأن المراد: أقيموا، وهذا كما بني الاسم المتمكن في النداء في قولك: يا زيد لما شبه بقبل وبعد، وقال سيبويه: هو جواب شرط مقدر يتضمنه صدر الآية، تقديره: إن تقل لهم أقيموا يقيموا. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله: {قل}، وذلك أن يجعل {قل} في هذه الآية بمعنى: بلغ وأد الشريعة يقيموا الصلاة، وهذا كله على أن المقول هو: الأمر بالإقامة والإنفاق. وقيل إن المقول هو: الآية التي بعد، أعني قوله: {الله الذي خلق السماوات}. و"السر": صدقة التنفل، و"العلانية" المفروضة - وهذا هو مقتضى الأحاديث - وفسر ابن عباس هذه الآية بزكاة الأموال مجملاً، وكذلك فسر الصلاة بأنها الخمس - وهذا منه - عندي - تقريب للمخاطب. و {خلال} مصدر من خالل: إذا واد وصافى، ومنه الخلة والخليل وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلي الخلال ولا قال تفسير : وقال الأخفش: "الخلال" جمع خلة. وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: "لا بيع ولا خلال" بالرفع على إلغاء "لا" وقرأ أبو عمرو والحسن وابن كثير: "ولا بيعَ ولا خلالَ" بالنصب على التبرية، وقد تقدم هذا. والمراد بهذا اليوم يوم القيامة. وقوله تعالى: {الله الذي خلق السماوات} الآية، تذكير بآلاء الله، وتنبيه على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر لتقوم الحجة من جهتين. و {الله} مبتدأ، و {الذي} خبره. ومن أخبر بهذه الجملة وتقررت في نفسه آمن وصلى وأنفق. و {السماوات} هي الأرقعة السبعة والسماء في قوله، {أية : وأنزل من السماء} تفسير : [البقرة: 22] السحاب. وقوله: {من الثمرات} يجوز أن تكون {من} للتبعيض، فيكون المراد بعض جني الأشجار، ويسقط ما كان منها سماً أو مجرداً للمضرات، ويجوز أن تكون {من} لبيان الجنس، كأنه قال: فأخرج به رزقاً لكم من الثمرات، وقال بعض الناس: {من} زائدة -وهذا لا يجوز عند سيبويه لكونها في الواجب ويجوز عند الأخفش. و {الفلك} جمع فلك - وقد تقدم القول فيه مراراً - وقوله: {بأمره} مصدر من أمر يأمر، وهذا راجع إلى الكلام القائم بالذات، كقول الله تعالى للبحار والأرض وسائر الأشياء، كن - عند الإيجاد - إنما معناه: كن بحال كذا وعلى وتيرة كذا، وفي هذا يندرج جريان الفلك وغيره. وفي "تسخير الفلك" ينطوي تسخير البحر وتسخير الرياح، وأما "تسخير الأنهار" فتفجرها في كل بلد، وانقيادها للسقي وسائر المنافع. و {دائبين} معناه: متماديين ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش عليه: "حديث : إن هذا الجمل شكى إلي أنك تجيعه وتديبه" تفسير : ، أي تديمه في الخدمة والعمل - وظاهر الآية أن معناه: دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة. وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفع إلى ابن عباس أنه قال: معناه: دائبين في طاعة الله - وهذا قول إن كان يراد به - أن الطاعة انقياد منهما في التسخير، فذلك موجود في قوله: {سخر} وإن كان يراد أنها طاعة مقصودة كطاعة العبادة من البشر، فهذا جيد، والله أعلم. وقوله: {وآتاكم} للجنس من البشر، أي إن الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به، ولا يطرد هذا في واحد من الناس وإنما تفرقت هذه النعم في البشر، فيقال - بحسب هذا - للجميع أُوتيتم كذا - على جهة التعديد للنعمة - وقيل المعنى: {وآتاكم من كل ما سألتموه} أن لو سألتموه. قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول. و {ما} في قوله: {ما سألتموه} يصح أن تكون مصدرية، ويكون الضمير في قوله: {سألتموه} عائداً على الله تعالى: ويصح أن يكون {ما} بمعنى الذي، ويكون الضمير عائداً على الذي. وقرأ الضحاك بن مزاحم "من كلٍّ ما سألتموه" بتنوين {كل} وهي قراءة الحسن وقتادة وسلام، ورويت عن نافع، المعنى: وآتاكم من كل هذه المخلوقات المذكورات قبل. ما من شأنه أن يسأل لمعنى الانتفاع به. فـ {ما} في قوله: {ما سألتموه} مفعول ثان بـ {آتاكم} وقال بعض الناس: {ما} نافية على هذه القراءة أي أعطاكم من كل شيء لم يعرض له. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير الضحاك. وأما القراءة الأولى بإضافة {كل} إلى {ما} - فلا بد من تقدير المفعول الثاني جزءاً أو شيئاً ونحو هذا. وقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك. وقال طلق بن حبيب: إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد. ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه. وقوله: {إن الإنسان} يريد به النوع والجنس المعنى: توجد فيه هذه الخلال وهي الظلم والكفر، فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى.
ابن عبد السلام
تفسير : {سِرّاً وَعَلانِيَةً} خفية وجهرة عند الأكثرين، أو السر: التطوع والعلانية: الفرض. {لاَّ بَيْعٌ} لا فدية في العاصي، ولا شفاعة للكفار، أو لا تُباع الذنوب ولا تُشترى الجنة. {خِلالٌ} مصدر خاللت خلالاً كقاتلت قتالاً، أو جمع خلة كقلة وقلال أي لا مودة بين الكفار لتقاطعهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ...} الآية: «العباد»: جمع عبدٍ، وعُرْفُه في التكرمة بخلافِ العبيدِ، و«السر»: صدقة التنقُّل، و«العلانية»: المفروضةُ؛ هذا هو مقتضى الأحاديثِ، وفسر ابن عباس هذه الآية بزكَاةِ الأَموالِ مجملاً، وكذلك فسَّر الصلاة؛ بأَنها الخَمْسُ وهذا عندي منه تقريبٌ للمخاطَب. و«الخلال»: مصدرٌ من «خَالَلَ»، إِذا وادَّ وصافَى؛ ومنه الخُلَّة والخَلِيلَ، والمراد بهذا اليومِ يَوْمُ القيامة. وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ}: هذه الآيةُ تذكيرٌ بآلائه سُبْحانه، وتنبيهٌ على قدرته التي فيها إِحْسَان إِلى البَشَر؛ لتقوم الحُجَّة عليهم، وقوله: {بِأَمْرِهِ}: مصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وهذا راجعٌ إِلى الكلامِ القديمِ القائِمِ بالذاتِ، و{دَائِبَيْنِ }: معناه: متمادِيَيْنِ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لصاحب الجَمَلِ الذي بَكَى وأَجْهَش إِليه: « إِنَّ هَذَا الجمَلَ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبَه»، أي: تديمه في الخِدْمَة والعَمَل، وظاهرُ الآية أنَّ معناه: دائبَيْن في الطلوع والغروبِ وما بينهما من المَنَافِعِ للناسِ التي لا تحصَى كثرةً، وعن ابن عباس أَنَّه قال: معناه: دائِبَيْنِ في طاعة اللَّه، وقوله سبحانه: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} المعنى: أنَّ جنس الإِنسان بجملته قد أوتي من كلِّ ما شأنه أنْ يسأل وينتفع به، وقرأ ابن عباس وغيره: «مِنْ كُلٍّ مَّا سَأَلْتُمُوهُ» - بتنوين كُلٍّ -، وروِيت عن نافع، وقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }، أي: لكثرتها وعِظَمها في الحَوَاس والقُوَى، والإِيجادِ بعد العَدَمِ والهدايةِ للإِيمان وغيرِ ذلك، وقال طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّ حقَّ اللَّه تعالى: أَثْقَلُ من أَنْ يَقُومَ به العُبَّادُ، ونِعْمَهُ أَكثر مِنْ أَنْ يحصيها العبَادُ، ولكنْ أصْبِحُوا توَّابين، وأمْسُوا تَوَّابِين. * ت *: وَمِنْ «الكَلِمِ الفارقيَّة»: أيها الحَرِيصُ على نيلِ عَاجِلِ حظِّه ومراده؛ الغافلُ عن الاستعداد لمعاده تنبَّه لعظمة مَنْ وجودُكَ بإِيجادِهِ؛ وبقاؤك بإِرْفاده؛ ودوامك بإِمداده، وأنْتَ طفلٌ في حَجْر لُطْفه؛ ومهد عَطْفه؛ وحضانة حفظه، يغذِّك بلِبَانِ بِرِّهِ؛ ويقلِّبك بأيدي أياديه وفضله؛ وأنتَ غافلٌ عن تعظيم أمره؛ جاهلٌ بما أولاَكَ من لَطِيف سِرِّه؛ وفضَّلك به على كثيرٍ من خَلْقه، وٱذْكُرْ عهد الإِيجاد، ودوام الإِمْدَاد والإِرفاد؛ وحالَتَيِ الإِصْدَار والإِيراد؛ وفاتحة المبدأ وخاتمةَ المَعَاد. انتهى. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ }: يُريدُ به النوَعَ والجنْسَ، المعنَى: توجَدُ فيه هذه الخِلاَلُ، وهي الظُّلْم والكُفْر، فإِن كانَتْ هذه الخِلاَلُ من جاحِدٍ، فهي بصفةٍ، وإِن كانَتْ من عاصٍ فهي بصفةٍ أُخرَى.
ابن عادل
تفسير : لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال. وفي "يُقِيمُوا" أوجه: أحدها: أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر] شعر : 3222ـ مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍ إذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا تفسير : يريد: لتفدِ. وأنشده سيبويه إلا أنَّه خصه بالشعرِ. قال الزمخشري: "ويجوز أن يكون: "يُقِيمُوا"، و"يُنْفِقُوا" بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا: وإنَّما جَازَ حذف اللاَّم؛ لأنَّ الأمر الذي هو "قُلْ" عوض منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللاَّم لم يجز". ونحا ابنُ مالكٍ رحمه الله إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل حذف هذه اللاَّم على أضربٍ: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكون قبله قول بصيغة الأمر، كالآية الكريمة. والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3223ـ مُحَمَّدُ تَفْدِ.......... ...................... تفسير : والمتوسطُ: أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله: [الرجز] شعر : 3224ـ قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَا تِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا تفسير : الثاني: أن "يُقِيمُوا" مجزوم على جواب: "قُلْ"، وإليه نحا الأخفش والمبرد. وقد رد النَّاس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم: أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر. وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالعبادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا. الثالث: أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره: قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاءِ ـ رحمه الله ـ وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين: أحدهما: أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوجه الثاني: أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و"يُقِيمُوا" على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً. قال شهاب الدين: "أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال". الرابع: أن التقدير: أن يقول لهم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني. الخامس: قال ابن عطية: "يحتمل أن يكون "يُقِيمُوا" جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله "قُلْ" وذلك أن تجعل "قُلْ" في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة". السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقولُ: أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ. السابع: قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: أقيموا. وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه. وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير. ولو قيل: بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا". وفي معمول "قُلْ" ثلاثة أوجه: الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا. الثاني: أنه نفس "يُقِيمُوا" على ما قاله ابن عطية. الثالث: أنَّه الجملة من قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} إلى آخره، قاله ابن عطية. وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة: {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله ذلك: إقامة الصلاة، والإنفاق إلا بتأويل بعيد جدًّا. وقرأ حمزة والكسائي: "لِعبَادِيْ" بسكون الياء، والباقون بفتح الياءِ لالتقاءِ الساكنين. قوله: {سِرّاً وَعَلانِيَةً} في نصبهما ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهما حالان مما تقدم، وفيهما الثلاث التأويلات في: زيْدٌ عدْلٌ، أي: ذَوِي سرٍّ، وعلانيةٍ، أو مُسرِّينَ مُعلِنينَ، أو جعلوا نفس السر والعلانية مبالغة. الثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وقتي سر وعلانية. الثالث: أنهما منصوبان على المصدر، أي: إنفاق سرِّ، وإنفاق علانية. قوله: {مِن قَبْلِكُمْ} متعلق بـ: "يُقِيمُوا" و"يُنْفِقُوا" أي: يفعلون ذلك قبل هذا اليوم. وقد تقدَّم خلاف القراء في: "لا بيعٌ فيه ولا خلالٌ". والخِلال المُخالة، وهي المُصاحبة، يقال: خاللته خِلالاً، ومخَالَّة؛ قال طرفة: [السريع] شعر : 3225ـ كُلُّ خَليلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُ لا تَركَ اللهُ لَهُ وَاضِحَه تفسير : وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3226ـ صَرفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيةِ الرَّدَى وَلسْتُ بِمقْليِّ الخِلالِ ولا قَالِ تفسير : وقال الأخفش: خِلال جمع لـ"خلة"، نحو "بُرمَة وبِرَام". فصل قال مقاتلٌ: يوم لا بيع فيه، ولا شراء، ولا مخاللة، ولا قرابة. وقد تقدَّم الكلام على نحو هذه الآية في البقرة [254]. فإن قيل: كيف نفى الخلة هاهنا وأثبتها في قوله: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف:67]؟. فالجواب: أن الآية الدَّالة على نفي المخالة محمولة على نفي المُخَاللَة بسبب ميل الطبع، ورغبة النفس، و الآية الدَّالة على حصول المُخَاللَة، محمولة على الخُلَّة الحاصلة بسبب عبودية الله ـ تعالى ـ ومحبَّتهِ. قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الآية لما وصف أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء، وكانت العمدة العظمى في حصول السَّعادة معرفة الله ـ تعالى ـ بذاته وصفاته، وحصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة لا جرم ختم الله ـ تعالى ـ هذين الوصفين بالدَّلائل الدالة على وجود الصَّانع، وكمال علمه وقدرته وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل: أولها: خلق السَّمواتِ. وثانيها: خلق الأرض. وثالثها: قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. "مِنَ السَّماءِ" يجوز أن يتعلق بـ"أنْزلَ"، و"مِن" لابتداءِ الغايةِ، وأن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من "مَاءٍ"؛ لأنه صفته في الأصل، وكذلك "مِنَ الثَّمراتِ" في الوجهين. وجوَّز الزمخشري وابن عطية: أن تكون: "مِنْ" لبيان الجنس، أي: ورزقاً هو الثمرات. ورد عليهما بأن التي للبيان إنَّما تجيء بعد المبهم، وقد يجاب عنهما؛ بأنهما أرادا ذلك من حيث المعنى لا الإعراب، وقد تقدم ذلك في البقرة [البقرة 23، 25]. ورابعها: قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} يجوز أن يتعلق "بأمْرهِ" بـ"تَجْرِي" أي: بسببه، أو بمحذوف على أنَّها للحال، أي: ملتبسة به. وخامسها: قوله {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ}. وسادسها، وسابعها: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} دائبين حال من "الشمسِ والقَمرِ"، وتقدم اشتقاق الدَّأبِ. وثامنها وتاسعها: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}. وعاشرها: قوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} العامة على إضافة: "كُلِّ" إلى ما. وفي "مِنْ" قولان: أحدهما: أنَّها زائدة في المفعول الثاني، أي: كل ما سألتموه وهذا إنَّما يتأتَّى على قول الأخفشِ. والثاني: أن تكون تبعيضية، أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظراً لكم ولمصالحكم وعلى هذا فالمفعول محذوف، تقديره: وآتاكم من كل ما سألتموه، وهو رأي سيبويه و"مَا" يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، والمصدر واقع موقع المفعول، أي: مسئولكم، فإن كانت مصدرية فالضمير في: "سَألتُموهُ" عائد على الله ـ تعالى ـ وإن كانت موصولة، أو موصوفة كان عائداً عليها، ولا يجوز أن يكون عائداً على الله تعالى، وعائد الموصول أو الموصوف محذوف، لأنه إما أن يقدر متصلاً سألتموهوه، أو منفصلاً سألتموه إيَّاه، وكلاهما لا يجوز فيه الحذف لما تقدم أول البقرة في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. وقرأ ابن عباس، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والحسن، والضحاك، وعمرو بن فائد وقتادة، وسلام، ويعقوب، ونافع ـ رضي الله عنهم ـ في رواية: "مِنْ كُلِّ" منونة، وفي "مَا" على هذه القراءة وجهان: أحدهما: أنَّها نافية، وبه بدأ الزمخشري، فقال: و"مَا سَألتْمُوهُ" نفي ومحله النَّصب على الحال، أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائلين. قال شهاب الدين: ويكون المفعول الثاني هو الجار من قوله: "مِنْ كُلِّ" كقوله تعالى {أية : وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل:16]. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي، وهي المفعول الثاني لـ"آتَاكُمْ". وهذا التخريج الثاني أولى؛ لأنَّ في الأول منافاة في الظاهر لقراءة العامة. قال أبو حيَّان: "ولما أحس الزمخشري بظهور التنافي بين هذه القراءة، وبين تلك قال: ويجوز أن تكون: "مَا" موصولة على: وآتاكم من كلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلح أحوالكم ولا معايشكم إلا به، فكأنكم طلبتموه، وسألتموه بلسان الحالِ فتأول: "مَا سَألتْمُوهُ" بمعنى ما احتجتم إليه". فصل اعلم أنَّه ـ تعالى ـ بدأ بذكر خلق السموات، والأرض، لأنهما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعده. ثمَّ قال: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} فإنَّه لولا السماء لم يصحّ إنزال الماء منها، ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فلا بد من وجودهما حتى يصح هذا المقصود. واعلم أنَّ الماء إنَّما ينزلُ من السَّحاب إلى الأرض، وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو؛ وقيل: ينزل من السماء إلى السحاب، ثم ينزل من السحاب إلى الأرض ثم قال تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. قال أبو مسلم ـ رحمه الله ـ: لفظ "الثَّمراتِ" يقع في الأغلب على ما يحصل من الأشجار، ويقع أيضاً على الزَّرعِ والنبات، كقوله تعالى: {أية : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}تفسير : [الأنعام:141]. ثم قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [إبراهيم:32] نظيره {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}تفسير : [الشورى:32]. واعلم أنَّ الانتفاع بما ينبت من الأرض إنَّما يكمل بوجود الفلك؛ لأنَّ الله ـ تعالى ـ خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعم حتى إن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الطرف الآخر من الأرض، وبالعكس، كثرت الأرباح في التجارات وهذا الفعل لا يمكن إلا بسفن البرّ، وهي الجمال، أو بسفن البحر، وهي الفلك. فإن قيل: ما معنى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} مع أنَّ تركيب السفينة من أعمال العبادِ؟. فالجوابُ: أنَّ فعل العبد خلقُ الله ـ تعالى ـ عند أهل السُّنَّة، فلا سؤال. وأمَّا عند المعتزلة: فلأنه ـ تعالى ـ خلق الأشجار التي تركب منها السُّفن وخلق الحديد، وسائر الآلات، وعرف العباد صنعه التركيب، وخلق الرياح، وخلق الحركات القوية فيها، ووسّع الأنهار وعمقها تعميقاً لجري السفن فيها، ولولا ذلك لما حصل الانتفاع بالسفن. وأضاف التسخير إلى أمره؛ لأنَّ الملك العظيم لا يوصف بأنَّه فعل، وإنَّما يقال: أمر، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل:40] وسخر الفلك مجازاً؛ لأنها جمادات، ولما كانت تجري على وجه الماء، وعلى وفق إرادة الملاح صارت كأنها حيوان مسخَّر. ثم قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ}، لأنَّ ماء البحر لا ينتفع به في الزراعات، فأنعم الله ـ تعالى ـ على الخلق بتفجير الأنهار، والعيون حتى انبعث الماء منها إلى موضع الزرع والنبات، وأيضاً: فماء البحر لا يصلحُ للشرب، وإنَّما يصلح له مياه الأنهار. ثم قال ـ عز وجل ـ {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} والانتفاع بهما عظيم قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً}تفسير : [نوح:16] {أية : وَقَمَراً مُّنِيراً}تفسير : [الفرقان:61] {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}تفسير : [يونس:5]، وتأثيرهما في إزالة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان، فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، فلولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكليِّة. ثم قال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} ومنافعهما مذكورة في القرآن، كقوله {أية : وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}تفسير : [النبأ:10، 11]، وقوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [القصص:73]. قال المتكلمون: تسخير الليل، والنهار مجاز؛ لأنهما عرضٌ، والأعراض لا تسخَّر. ثم قال ـ عزَّ وجلَّ ـ: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي: أنه لم يقتصر على هذه النعم بل أعطى عباده من المنافع ما لا يأتي على بعضها التَّعداد. ثمَّ قال {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} قال الواحديُّ: "النِّعْمةُ ههنا اسم أقيم مقام المصدر، يقال: أنْعَمَ اللهُ عليْهِ ينعم إنْعَاماً، ونِعْمةً، أقيم الاسم مقام الإنعام، كقوله: أنْفَقتُ عليْكَ إنْفَاقاً ونَفقَةً شيئاً واحداً، ولذلك يجمع لأنَّهُ في معنى المصدر". وقال غيره: "النِّعمة هنا بمعنى المُنْعَم به". وخُتِمَت هذه الآية بـ {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ} ونظيرها في النحل بـ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النحل:18] لأن في هذه تقدم قوله ـ عز وجل ـ: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً}تفسير : [إبراهيم:28] وبعده {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}تفسير : [إبراهيم:30] فجاء قوله {إِنَّ ٱلإنْسَانَ} شاهداً بقبح من فعل ذلك فناسب ختمها بذلك. والتي في النَّحل ذكر فيها عدة تفضيلات، وبالغ فيها، وذكر قوله ـ جلّ ذكره ـ {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}تفسير : [النحل:17] أي: من أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لم يقدر منها على شيء، فذكر أيضاً أن من جملة تفضلاته اتصافه بهاتين الصفتين. وقال ابن الخطيب: "كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة؛ فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها؛ فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما: كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها وهما: كوني غفوراً رحيماً، فكأنه ـ تعالى ـ يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفورٌ، وإنت كنت كفاراً فأنا رحيم، أعلم عجزك، وقصورك، فلا أقابل جفاك إلا بالوفاء".
ابو السعود
تفسير : {قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} خصهم بالإضافة إليه تنويهاً لهم وتنبـيهاً على أنهم المقيمون لوظائفِ العبودية الموفون بحقوقها، وتركُ العاطف بـين الأمرين للإيذان بتباين حالِهما باعتبار المقول تهديداً وتشريفاً، والمقولُ هٰهنا محذوفٌ دل عليه الجوابُ أي قل لهم أقيموا وأنفقوا {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أي يداوموا على ذلك، وفيه إيذانٌ بكمال مطاوعتِهم الرسولَ صلى الله عليه وسلم وغايةِ مسارعتِهم إلى الامتثال بأوامره، وقد جوّزوا أن يكون المقولُ يقيموا وينفقوا بحذف لام الأمرِ عنهما، وإنما حسُن ذلك دون الحذف في قوله شعر : محمدُ تَفدِ نفسَك كلُّ نفس إذا ما خِفْتَ من أمر تَبالا تفسير : لدلالة قل عليه، وقيل: هما جوابا أقيموا وأنفقوا قد أقيما مُقامهما وليس بذاك {سِرّا وَعَلاَنِيَةً} منتصبان على المصدرية من الأمر المقدرِ لا من جواب الأمر المذكور أي أنفقوا إنفاق سرَ وعلانية، والأحبُّ في الإنفاق إخفاءُ المتطوَّع به وإعلانُ الواجب، والمرادُ حث المؤمنين على الشكر لنعم الله سبحانه بالعبادة البدنية والماليةِ وتركِ التمتعِ بمتاع الدنيا والركونِ إليها كما هو صنيعُ الكفرة {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} فيبتاعَ المقصِّر ما يتلافىٰ به تقصيرَه أو يفتدي به نفسَه، والمقصودُ نفيُ عقدِ المعارضة بالمرة، وتخصيصُ البـيعِ بالذكر للإيجاز مع المبالغة في نفي العقدِ إذ انتفاءُ البـيع يستلزم انتفاءَ الشراء على أبلغ وجهٍ، وانتفاؤُه ربما يتصور مع تحقق الإيجابِ من قبل البائع {وَلاَ خِلَـٰلٌ} ولا مخالّةٌ فيشفعَ له خليلٌ أو يسامحَه بمال يفتدي به نفسه أو من قبل أن يأتي يومٌ لا أثرَ فيه لما لهَجوا بتعاطيه من البـيع والمخالّة ولا انتفاعَ بذلك، وإنما الانتفاعُ والارتفاقُ فيه بالإنفاق لوجه الله سبحانه، والظاهرُ أن من متعلقة بأنفِقوا وتذكيرُ إتيانِ ذلك اليوم لتأكيد مضمونِه كما في سورة البقرة من حيث إن كلاًّ من فقدان الشفاعةِ وما يُتدارك به التقصير معاوضةً وتبرعاً، وانقطاعُ آثار البـيع والخِلالِ الواقعَيْن في الدنيا وعدمُ الانتفاع بهما من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقىٰ عوائدُه وتدوم فوائدُه من الإنفاق في سبـيل الله عز وجل، أو من حيث أن ادخارَ المال وتركَ إنفاقِه إنما يقع غالباً للتجارات والمُهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجهَ لادّخاره إلى وقت الموت، وتخصيصُ التأكيد بذلك لميل الطباعِ إلى المال وكونها مجبولةً على حبه والضَّنةِ به، ولا يبعُد أن يكون تأكيداً لمضمون الأمرِ بإقامة الصلاة أيضاً من حيث إن تركَها كثيراً ما يكون بالاشتغال بالبـياعات والمُخالاّت كما في قوله تعالى: { أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] وقرىء بالفتح فيهما على إرادة النفي العام ودَلالةِ الرفعِ على ذلك باعتبار خطابـيٍّ هو وقوعُه في جواب هل فيه بـيعٌ أو خلال؟
القشيري
تفسير : جعل الله راحةَ العبدِ - اليومَ - بكمالها في الصلاة؛ فإنَّها محلُّ المناجاة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : أَرِحْنا يا بلال بالصلاة" تفسير : والصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً}تفسير : [طه: 132]. وفي الصلاة يبث العبد أسرارَه مع الحق؛ فإذا كان لقاءُ الإخوان - كما قالوا - مَسْلاَةً لهم كيف بمناجاتك مع الله، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل: شعر : قُلْ لي بألسنة التَنَفُّسِ كيف أنت وكيف حالك؟ تفسير : {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}: أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البَدَنِ على طاعته، والوقتَ على شكره، والقلبَ على عرفانه، والروح على حبه، والسِّرَّ على مشاهدته.. ولا يكلِّف الله نَفْسَاً إلا ما آتاها، وإنما يطالبك بأن تحضر إلى الباب، وتقف على البساط بالشاهد الذي آتاك.. يقول العبد المسكين: لو كان لي نَفْسٌ أطوع من هذه لأَتَيْتُ بها، ولو كان لي قلبٌ أشذُّ وفاءً من هذا لَجُدْتُ به، وكذلك بروحي وسِرِّي، وقيل: شعر : يفديك بالروح صَبٌّ لو أنَّ له أعز من روحه شيئاً فداك به تفسير : {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ}: وفي هذا المعنى أنشدوا: شعر : قلتُ للنَّفس إنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قبل أن يُسدَّ الطريق
اسماعيل حقي
تفسير : {قل لعبادى الذى آمنوا} قال بعض الحكماء شرف الله عباده بهذه الياء وهى خير لهم من الدنيا وما فيها لان فيها اضافة الى نفسه والاضافة تدل على العتق لان رجلا لو قال لعبده يا ابن او ولد لا يعتق ولو قال يا ابنى او ولدى يعتق بالاضافة الى نفسه كذلك اذا اضاف العباد الى نفسه فيه دليل ان يعتقهم من النار ولا شرف فوق العبودية: قال الجامى شعر : كسوت خواجكى وخلعت شاهى جه كند هركرا غاشية بند كيت بردوشست تفسير : وكان سلطان العارفين ابو يزيد البسطامى قدس سره يقول الخلق يفرون من الحساب وانا اطلبه فان الله تعالى لو قال لى اثناء الحساب عبدى لكفانى شرفا والمقول هنا محذوف دل عليه الجواب اى قل لهم اقيموا وانفقوا {يقيموا الصلوة وينفقوا مما رزقناهم} اى يداوموا على ذلك. وبالفارسية [بكو اى محمد صلى الله عليه وسلم يعنى امركن مربند كان مراكه ايمان آورده اندبرين وجه كه نماز كزاريد ونفقه كنيد تاايشان بامر تونماز كزارند ونفقه دهند از آنجه عطاداده ياايشان ازامول] ويجوز ان يكون المقول يقيموا وينفقوا على ان يكونا بمعنى الامر وانما اخرجا عن صورة الخبر للدلالة على التحقيق بمضمونها والمسارعة الى العمل بهما فان قيل لو كان كذلك لبقى اعرابه بالنون. قلنا يجوز ان يبنى على حذف النون لما كان بمعنى الامر {سرا وعلانية} منتصبان على المصدر من الامر المقدور اى نفقوا انفاق سر وعلانية او على الحال اى ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين او على الظرف اى وقتى سر وعلانية. والاحب فى الانفاق اخفاء المتطوع واعلان الواجب وكذا الصلوات والمراد حث المؤمنين على الشكر لنعم الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية وترك التمتع بمتاع الدنيا والركون اليها كما هو صنيع الكفرة {من قبل ان يأتى} قال فى الارشاد الظاهر ان من متعلقة لانفقوا {يوم} وهو يوم القيامة {لا بيع فيه} فيبتاع المقصر ما يتلافى تقصيره به وتخصيص البيع بالذكر لاستلزام نفيه نفى الشراء {ولا خلال} ولا مخالة فيشفع له خليل والمراد المخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس فلا يخالف قوله تعالى {أية : الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين} تفسير : لان الواقع فيما بينهم المخالة لله ام من قبل ان يأتى يوم القيامة الذى لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وانما ينتفع فيه بالطاعة التى من جملتها اقامة الصلاة والانفاق لوجه الله تعالى وادخار المال وترك انفاقه انما يقع غالبا للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك فى الآخرة فلا وجه لادخاره الى وقت الموت. وفى الآية اشارة الى الاعمال الباطنة القلبية كالايمان والى الاعمال الظاهرة القالبية كاقامة الصلاة والانفاق. قال ابو سعيد الخراسانى قدس سره خزائن الله فى السماء وخزائنه فى الارض القلوب لانه تعالى خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ثم ارسل ريحا فهبت فيه فكنسته من الكفر والشرك والنفاق والغش ثم انشأ سحابة فامطرت فيه ثم انبت شجرة فاثمرت الرضى والمحبة والشكر والصفوة والاخلاص والطاعة ثم طاب الظاهر بحسب طيب الباطن. وعن مكحول الشامى رحمه الله اذا تصدق المؤمن بصدقة ورضى عنه ربه تقول جهنم يا رب ائذن لى بالسجود شكرا لك فقد اعتقت احدا من امة محمد من عذابى ببركة صدقته لانى استحيى من محمد ان اعذب امته مع ان طاعتك واجبة على: قال المولى الجامى شعر : هرجه دارى جون شكوفه برفشان زيرا كه سنك بهر ميوه ميخور دهردم زدست صفله شاخ تفسير : والاشارة {قل لعبادى} لا عباد الهوى {الذين آمنوا} بنور العناية وعرفوا قدر نعمة الوهيتى ولم يبدلوها كفرا {يقيموا الصلوة} ليلازموا عتبة العبودية ويديموا العكوف على بساط القربة ويثبتوا فى المناجاة والمكالمة {وينفقوا} على الطالبين المريدين {مما رزقناهم سرا} من اسرار الالوهية {وعلانية} من احكام العبودية فى طريق الربوبية {من قبل ان يأتى يوم} وهو يوم مفارقة الارواح عن الابدان {لا بيع فيه} اى لا يقدر على الانفاق بطريق طلب المعاوضة {ولا خلال} اى ولا بطريق المخالة من غير طلب العوض لان آلة الانفاق خرجت من يده وبطل استعداد دعوة الخلق الى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب والتأديب كما فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (يُقيموا): جواب شرط مقدر، يتضمنه قوله: (قل)، تقديره: إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول، على هذا، محذوف. وفيه تنبيه على أنهم لفرط مطاوعتهم للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره، وأنه كالسبب الموجب له، أي: مهما قلت أقاموا وأنفقوا. وقيل جزم بإضمار لام الأمر. ولا يصح أن يكون جواب الأمر من غير حذف؛ لأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة. انظر البيضاوي: وقال ابن عطية: إلا إن ضمّن (قل) معنى: بلّغ أو أدَّ، فيصح أن يكون (يقيموا): جواب أمره. و(سراً وعلانية): حالان، أو ظرفان، ومن قرأ: "لا بيع" بالبناء فقد بنى "لا" مع اسمها بناء التركيب، ومن قرأ بالرفع فقد أهملها. يقول الحق جل جلاله: {قل لعباديَ الذين آمنوا}، خصهم بالإضافة إليه؛ تشريفاً لم، وتنويهاً بقدرهم، وتنبيهاً على أنهم الذين قاموا بحقوق العبودية. قل لهم يا محمد: {يُقيموا الصلاة} التي هي عنوان الإيمان، بإتقان شروطها وأركانها وآدابها، {ويُنفقوا مما رزقناهم} من الأموال، فرضاً ونفلاً، {سراً وعلانيةً} أي: مُسرين ومعلنين، أو في سر وعلانية، والأحب: إعلان الواجب، وإخفاء المُتَطَوَّع به، إلا في محل الاقتداء لأهل الإخلاص. {من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه} فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو ما يفدي به نفسه، {ولا خلالٌ}: ولا مخاللة ومودة تنفع في ذلك اليوم، حتى ينفع الخليلُ خليلَه، وإنما العملُ الصالح، كالإنفاق لوجه الله، وإقام الصلاة، وغير ذلك. الإشارة: قد مدح الله هاتين الخصلتين: الصلاة والإنفاق، وأمر بهما في مواضع من القرآن؛ لأنهما عنوان الصدق، أحدهما، عمل بدني، والآخر: عمل مالي. أما الصلاة فإنها طهارة للقلوب، واستفتاح لباب الغيوب، وهي محل المناجاة ومعدن المصافاة، تتسع فيها ميادين الأسرار، وتُشرق فيها شوارق الأنوار، كما في الحِكَم. وفي بعض الأخبار: (إن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحُجُبَ بينه وبينه، وواجهه بوجهه، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء، يُصلون بصلاته، ويُؤَمَّنُونَ على دعائه، وإن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه مناد: لو يعلم المناجي من يناجي ما انفتل). وإن أبواب السماء لتفتح للمصلي. وإن الله تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلين. وفي التوراة: يا ابن آدم لا تعجز ان تقوم بين يَدَيَّ مصلياً باكياً، فأنا الذي اقتربتُ من قلبك، وبالغيب رأيتَ نوري. هـ. فكانوا يرون أن تلك المراقبة والبكاء، وتلك الفتوح التي يجدها المصلي في قلبه من دنو الرب من القلب. وأما الصدقة فإنها برهان على إيمان صاحبها، وفي الحديث: "حديث : الصَّدقةُ بُرْهانٌ"،تفسير : فهي تدل على خروج حب الدنيا من القلب، وعلى اتصاف صاحبها بمنقبة السخاء، التي هي أفضل الخصال، وفي الحديث: "حديث : السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ، قَرِيبٌ من النَّاس قريبٌ من الجَنَّةِ، بَعِيدٌ من النارِ،والبَخِيلُ بَعيدٌ من اللهِ، بَعِيدٌ من النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ من النَّارِ، ولجَاهلٌ سَخِيٌ أَحَبُ إلى اللهِ من عَالمٍ بخيلٍ ". تفسير : ثمَّ ذكرهم بالنعم ليقيدوها بالشكر قبل أن تسلب منهم.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه ان يقول لعباده المؤمنين المعترفين بتوحيد الله وعدله يداومون على فعل الصلاة ويقيمونها بشرائطها وينفقون مما رزقهم الله سرّاً وعلانية أي ظاهراً وباطناً، وموضع {يقيموا} جزم من ثلاثة اوجه: أحدها - انه جواب الأمر وهو {قل}. الثاني - هو جواب أمر محذوف، وتقديره قل لهم أقيموا يقيموا. الثالث - بحذف لام الأمر لأن في {قل} دلالة عليه، والمعنى ليقيموا، وعلى هذا يجوز ان تقول: قل له يضرب، ولا يجوز يضرب زيداً، لأنه عوض من المحذوف ذكره الزجاج. {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} المعنى بادروا بافعال الخير من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة وأفعال الخير {قبل أن} يأتيكم يوم القيامة الذي لا بيع فيه ولا شراء، والمراد - ها هنا - ولا فداء تفدون بها نفوسكم من عذاب الله {ولا خلال} اي ولا مخالة، تقول: خاللت فلاناً مخالة وخلالا، قال امرؤ القيس: شعر : صرفت الهوى عنهنّ من خيفة الردى ولست بمقلي الخلال ولا قالي تفسير : والمخالة اصفاء المودة، وقد يكون الخلال جمع خلّة مثل قلَّة، وقلال. وظلة وظلال.
اطفيش
تفسير : {قُل لِّعِبَادِىَ} وأسكن الباء حمزة والكسائى وابن عامر قيل العباد عرف فى التكرمة دون العبيد، {الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ} خص المؤمنين بالذكر لأَنهم المقيمون بحق الله وحقوق العباد وأضافهم لنفسه رفعاً لشأْنهم وتشريفاً ويقيموا مجزوم فى جواب الأَمر الذى هو قل محذوف وها هنا وكذا ينفقون بواسطة العطف وهما دليلان على المحذوفين والمحذوفان مفعولان لقل بواسطة العطف فى المحذوف الثانى أى قل لعبادى الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة، {وَيُنفِقٌوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} وفى الجزم فى جواب قل إِيذان بأَن إِقامتهم وإِنفاقهم مترتب بسرعة على مجرد قوله لهم أقيموا وأنفقوا لفرط مطاوعتهم لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجازم ما جزم فى جواب الطلب أداة شرط مقدرة بعد الطلب عند الجمهور أى قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا إن قلت لهم ذلك يقيموا الصلاة وينفقوا واعترض عليهم ابن مالك فى الآية بأَنه يستلزم أن لا يتخلف أحد من المقول له ذلك عن الامتثال ولكن التخلف واقع قلت هذا مبنى على أن المراد بالذين آمنوا مطلق الموحدين وليس متعيناً لجواز أن يراد بهم الموحدون الذين يوفون بما أُمروا وقد أجاب ابنه بأَن المراد المخلصون وكل مخلص، قال له الرسول: أقم الصلاة وأنفق، أقام وأنفق وهو قريب بما ذكرت ويدل لذا كما ذكرنا من أنه أضافهم لنفسه رفعاً وتشريفاً ولا رفع ولا تشريف لمن لم يخلص ومن أنه خصهم بالذكر لأَنهم المقيمون وما ذكروا أن الشىء إِذا أطلق انصرف لفرده الأَكمل بحسب المتبادر ويستفاد خطاب غيره من دليل آخر لهذا المقام وأجاب ابنه أيضاً باحتمال أن الحكم على المجموع لا على كل فرد فرد، وباحتمال أن الأَصل يقيم أكثرهم وينفق أكثرهم فحذف المضاف وناب عنه المضاف إِليه فارتفع واتصل بالفعل، وأجيب أيضاً بأَن الاستلزام الذى ذكره ابن مالك مبنى على أن التلازم بين الشرط والجزاء عقلى، وهو ممنوع بل يكفى مجرد توقف الجزاء عليه وإن توقف على شىء آخر كالتوفيق هنا، وكما يقال إِن توضأت صحت صلاتك، بل للشرط مدخلية فى الجزاء بالعلية فقط ولا يلزم أن يكون علة تامة للجزاء، قاله ابن الحاجب والسعد واعترضه السيد بأن الموجود فى الكتب المعتبرة فى الأُصول أن الكلمة إن غلبت فى السببية تدل على ترتب الثانى على الأول ووقوعه إثره قطعاً كما يتبادر أن الضرب الثانى مترتب على الأَول فى قولك إِن ضربتنى ضربتك وأما قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة ففيه إِشارة إِلى أن الذى ينبغى لكل من آمن أن يبادر بالإِقامة والإِنفاق إِثر قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : وكذا إن توضأت صحت صلاتك"تفسير : ، مشعر بالمبالغة فى اعتبار الوضوء فى صحة الصلاة حتى كأَنه المحصل وحده لها، وقال الخليل وسيبويه: إِن الجازم أداة الطلب كالآمن هنا لتضمن معنى أن الشرطية كما أن أسماء الشرط جزمت لذلك وحيث جزم الاسم لتضمنه معنى الحرف وفعلين، لم يبعد أن يجزم الفعل لتضمنه معنى حرف فعلا واحداً واعترض بأَن التضمين تغير معنى الأَصل وهو خلاف على الأَصل، والحذف اللازم مذهب الجمهور ولو كان أيضاً خلاف لكنه سالم من تغير معنى الأَصل، وأُجيب بأَن التغيير للأَصل إِنما هو فى التضمين الذى هو إِشراب الكلمة معنى كلمة أُخرى هذا وليس مراداً هنا بل المراد أن العرب لا يستعملون فعل الطلب وبعده مضارع مجزوم إِلا فى مقام يكون القصد ترتب مضمون المضارع على مضمون فعل الطلب أعنى المطلوب كالقول واعترض أيضاً بأَن تضمين الفعل معنى الحرف غير واقع أو غير كثير، وأُجيب بكثرته كنعم وبئس وصيغ التعجب فإِنها مضمنة معنى الحرف الذى حقه أن يوجد لأَن كل معنى كالمدح والذم والمقاربة والتعجب حقه أن يؤدى بالحرف، رده الشمنى بأَن المراد بالحرف الموجود وهو ضعيف، قلت: لا يخفى أن هذه الأَفعال تدل على الزمان والفاعل وكذا ليس ولو تضمنت معنى حرف النفى والحرف لا يدل على ذلك، وأيضاً التضمين هنا ليس بمعنى إِشراب الكلمة معنى أخرى، وقال السيرافى والفارسى: الجازم أداة الطلب لنيابتها مناب إن الشرطية واعترضه ابن مالك بما اعترض به قول الجمهور ويعترض أيضاً بأَن نائب الشىء يؤدى معناه والطلب لا يؤدى معنى الشرط ويضعف الجواب بأَن الكلام فى النيابة فى العمل، لأَن الأَصل فى النيابة فيه النيابة فى المعنى معه، وقال ابن مالك: الجازم لام الأَمر محذوفة أى ليقيموا الصلاة وهو قول الكسائى لكن اشترط الحذف لام الأَمر تقدم قل أو قُولوا أو نحوهما، لأَن ابن مالك أجاز حذفها بعد القول الخبرى أيضاً على قلة فى السعة، ووجه قولهما أن الأَمر الذى هو قل أو نحوه من لفظ القول الطلبى عوض عنها فلا يحسن فى غير ذلك، وعلى قولهما يكون ليقيموا مفعول القول ولا يقدر له بشىء ويكون فيهِ التفات سكاكى لأَن مقتضى الظاهر قل أقيموا وأنفقوا فعدل عن الخطاب للغيبة، وقال المبرد: الجزم فى جواب مفعول القول المقدر، أى قل لهم أقيموا وأنفقوا يقيموا وينفقوا فالجزم فى جواب أقيموا وأنفقوا لا فى جواب قل، قال ابن هشام: ويرده أن الجواب لا بد أن يخالف المجاب فى الفعل والفاعل نحو آتنِى أكرمك أو فى الفعل نحو أسلم تدخل الجنة أو فى الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيهما وبأَن الأَمر للمواجهة ويقيموا للغيبة يعنى وأمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إِذا كان الفاعل واحداً كما قال البيضاوى وأبو حيان، وقيل يقيموا مبنى لحولهِ محل أقيموا. {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} تقدم الكلام عليهما لفظاً ومعنى وعلى المراد بالصلاة وإِقامتها فى سورة الرعد {مِّن قَبْلِ أن يَأْتِىَ يَوْمٌ} هو يوم القيامة {لاَّ بَيٍْعٌ فِيهِ} فضلا على أن يبتاع فيه المقصر فى الإِنفاق فى الدنيا ما ينفق فيه أو يفدى به نفسه ولزم من نفى البيع نفى الشراء أو أراد بالبيع المبايعة الشاملة لهما، كما قال مقاتل لا بيع فيه ولا شراء، وعن أبى عبيدة البيع هنا الفداء {وَلاَ خِلاَلٌ} مصدر خاله بتشديد اللام وخال له بالفك أى اتخذه خليلا وصافاه وتودد معه والمعنى ليست فى ذلك اليوم مخالة فضلا عن أن يشفع خليل لخليله ويجوز أن يكون المعنى من قبل أن يأْتى يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ومخالة واقعتين فى الدنيا بل بإِنفاق واقع فيها لوجه الله سبحانه وتعالى، فليأْخذ الإِنسان حظه فى الدنيا ابتغاء وجه الله من الإِنفاق، قبل وقت لا يمكنه ذلك وإِن قلت قد أثبتت الخلة للمتقين فى قوله جل جلاله {أية : يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} تفسير : قلت: ثبتت من حيث المحقة فى الله سبحانه لا من حيث انتفاع المقصر فى الدنيا باجتهاد خليله فيها، ونفيت فى هذه الآية من هذه الحيثية الآخرة ومن حيث ميل الطبع فإِنه لا محية يومئذ بميل الطبع والنفس بل بالتقوى، ويجوز أن يكون المعنى أن الخليل يشتغل عن خليله فى بعض مواطن يوم القيامة ولو كانت خلتهما فى الله ويتعاطفان فى بعض إِذا كانت فى الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب لا بيع فيه ولا خلال بفتحهما نفياً للجنس بالنص.
اطفيش
تفسير : {قُل لّعِبَادِى الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرَّا وَعَلاَنِيةً} الجزم فى جواب قل والمحذوف مفعول للقول، أَى قل للذين آمنوا أَقيموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناكم سرا وعلانية يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، فالجزم فى جواب الأَمر، وذلك مدح للمؤمنين بالمطاوعة فى الحق كما مدحهم بإِضافتهم إٍليه، ويجوز أن يكون ذلك من أَمر الغائب بلام محذوف، أَى قل لهم ليقيموا الصلاة ولينفقوا إِلخ، وكأَنه قيل: قيل لهم أَقيموا وأَنفقوا، والمراد الصلاة الواجبة بإِقامة أَركانها بعد شروطها، والإِنفاق الواجب وهو الزكاة وصدقة التطوع لقوله سرا وعلانية؛ لأَن الزكاة من شأْنها العلانية، وكذا سائِر الفرائِض، وإِن خاف الرياء بالفرض لأَن الصحيح إِمكان الرياءِ به، أَعلن به وجاهد نفسه فى نفى الرياء، وقيل يسر، وقيل: ِإسرارا الفرض أَولى كالنفل، والصحيح الأَول فيزيد على الإِسرار به سبعين، وقد قيل: المراد السر فى التطوع والعلانية فى الفرض فيكون فى الآية إِغراء بإِسرار النفل وإِغراءُ بجهر الفرض، ويجوز أَن المعنى الأَمر بإِكثار الصدقة هكذا على أى حال كانوا، والنصب على الظرفية كجئْت طلوع الشمس أَى وقت سر وعلانية، أَو يقدر فى أَو على المفعولية المطلقة أَى إِنفاق سر وجهر، أَو الحالية، أَى سارين ومعلنين، وذوى سر وعلانية، أو نفس السر والعلانية مبالغة {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ} لا يباع الشىءُ فيشترى به المذنب نفسه، أَو لا يبيع شيئا فيفتدى بثمنه أَو لا يشترى ما يفدى به، فالبيع على هذا شراءٌ، أَو لا فداءَ فإِن البيع يطلق أَيضا على الفداِءِ {ولاَ خِلاَلٌ} مصدر خاله يخاله بشدهما اتخذه خليلا، أَو جمع خلة أى صحبة بضم الخاءِ كقلة وقلال، لا اصطحاب ينتفع به فى ذلك اليوم بالشفعة، فإِنه يوم لا ينفع فيه إلا بما قدم فى الدنيا من نحو صلاة وإِنفاق لوجه الله - عز وجل - وكما نفيت الخلة هنا، وفى سورة البقرة نفيت فى قوله تعالى: {أية : الأَخِلاَءُ يومئِذٍ} تفسير : [الزخرف: 67] إِلخ، لأَن المراد الأَخلاءُ فى الدنيا تنتفى خلتهم فى الآخرة وتستحيل عداوة.
الالوسي
تفسير : {قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وخصهم بالإضافة إليه تعالى رفعاً لهم وتشريفاً وتنبيهاً على أنهم المقيمون لوظائف العبودية الموفون بحقوقها، وترك العطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالهم تهديداً وغيره، ومقول القول على ما ذهب إليه المبرد والأخفش والمازني محذوف دل عليه {يقيموا} أي قل لهم: أقيموا الصلاة وأنفقوا. {يُقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } والفعل المذكور مجزوم على أنه جواب {قل} عندهم. وأورد أنه لا يلزم من قوله عليه الصلاة والسلام: أقيموا وأنفقوا أن يفعلوا. ورد بأن المقول لهم الخلص وهم متى أمروا امتثلوا، ومن هنا قالوا: إن في ذلك إيذاناً بكمال مطاوعتهم وغاية مسارعتهم إلى الامتثال، ويشد عضد ذلك حذف المقول لما فيه من إيهام أنهم يفعلون من غير أمر، على أن مبنى الإيراد على أنه يشترط في السببية التامة وقد منع. وجعل ابن عطية ـ قل ـ بمعنى بلغ وأد الشريعة والجزم في جواب ذلك وهو قريب مما تقدم. وحكي عن أبـي علي وعزي للمبرد أن الجزم في جواب الأمر المقول المحذوف، وتعقبه أبو البقاء بأنه فاسد لوجهين: الأول أن جواب الشرط لا بد أن يخالف فعل الشرط اما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك: قم تقم إذ التقدير هنا إن يقيموا يقيموا. والثاني أن الأمر المقدر للمواجهة والفعل المذكور على لفظ الغيبة وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً. وقيل عليه: إن الوجه الأول قريب، وأما الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن تقول: قل لعبدك أطعني يطعك وإن كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال. / وعن أبـي علي وجماعة أن {يقيموا} خبر في معنى الأمر وهو مقول القول. ورد بحذف النون وهي في مثل ذلك لا تحذف، ومنه قوله تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم } تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : تُؤْمِنُونَ } تفسير : [الصف: 10-11] إذ المراد منه آمنوا، والقول بأنه لما كان بمعنى الأمر بني على حذف النون كما بني الاسم المتمكن في النداء على الضم في نحو يا زيد لما شبه بقبل وبعد وما لم يبن إنما لوحظ فيه لفظه مما لا يكاد يلتفت إليه، وذهب الكسائي والزجاج وجماعة إلى أنه مقول القول وهو مجزوم بلام أمر مقدرة أي ليقيموا وينفقوا على حد قول الأعشى:شعر : محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر تبالا تفسير : وأنت تعلم أن إضمار الجازم أضعف من إضمار الجار إلا أن تقدم {قُلْ} نائب منابه؛ كما أن كثرة الاستعمال في أمر المخاطب ينوب مناب ذلك، والشيء إذا كثر في موضع أو تأكد الدلالة عليه جاز حذفه، منه حذف الجار من أنى إذا كانت بمعنى من أين، وبما ذكرنا من النيابة فارق ما هنا ما في البيت فلا يضرنا تصريحهم فيه بكون الحذف ضرورة، وعن ابن مالك أنه جعل حذف هذه اللام على أضرب: قليل وكثير ومتوسط، فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة الأمر كما في الآية، والمتوسط ما تقدمه قول غير أمر كقوله:شعر : قلت لبواب لديه دارها تيذن فإني حمها وجارها تفسير : والقليل ما سوى ذلك. وظاهر كلام "الكشف" اختيار هذا الوجه حيث قال المدقق فيه: والمعنى على هذا أظهر لكثرة ما يلزم من الإضمار، وان تقييد الجواب بقوله تعالى: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ } إلى {وَلاَ خِلَـٰلٌ } ليس فيه كثير طائل إنما المناسب تقييد الأمر به، وقال ابن عطية: ويظهر أن مقول القول {أية : ٱللَّهِ ٱلَّذِى } تفسير : [إبراهيم: 32] الخ ولا يخفى ما في ذلك من التفكيك، على أنه لا يصح حينئذ أن يكون {يُقِيمُواْ } مجزوماً في جواب الأمر لأن قول {أية : ٱللَّهِ ٱلَّذِى } تفسير : [إبراهيم: 32] الخ لا يستدعي إقامة الصلاة والإنفاق إلا بتقدير بعيد جداً هذا، والمراد بالصلاة قيل ما يعم كل صلاة فرضاً كانت أو تطوعاً، وعن ابن عباس تفسيرها بالصلاة المفروضة وفسر الإنفاق بزكاة الأموال. ولا يخفى عليك أن زكاة المال إنما فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر وأن هذه السورة كلها مكية عند الجمهور، والآيتين ليست هذه الآية إحداهن عند بعض، ثم إن لم يكن هذا المأمور به في الآية مأموراً به من قبل فالأمر ظاهر وإن كان مأموراً به فالأمر للدوام فتحقق ذلك ولا تغفل. {سِرّا وَعَلاَنِيَةً } منتصبان على المصدرية لكن من الأمر المقدر أو من الفعل المذكور على ما ذهب إليه الكسائي ومن معه على ما قيل، والأصل إنفاق سر وإنفاق علانية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه، ويجوز أن يكون الأصل إنفاقاً سراً وإنفاقاً علانية فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وجوز أن يكونا منتصبين على الحالية أما على التأويل بالمشتق أو على تقدير مضاف أي مسرين ومعلنين أو ذوي سر وعلانية أو على الظرفية أي في سر وعلانية، وقد تقدم الكلام في حكم نفقة السر ونفقة العلانية. {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} فيبتاع المقصر فيه ما يتلافى به تقصيره أو يفتدي به نفسه، والمقصود ـ كما قال بعض المحققين ـ نفي عقد لمعاوضة بالمرة، وتخصيص البيع بالذكر للإيجاز مع المبالغة في نفي العقد إذ انتفاء البيع يستلزم انتفاء الشراء على أبلغ وجه وانتفاؤه ربما يتصور مع تحقق الإيجاب من البائع انتهى، وقيل: إن البيع كما يستعمل في إعطاء المثمن وأخذ الثمن وهو المعنى الشائع يستعمل في إعطاء الثمن وأخذ المثمن وهو معنى الشراء؛ وعلى هذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم:/ «حديث : لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه» تفسير : ولا مانع من إرادة المعنيين هنا، فإن قلنا بجواز استعمال المشترك في معنييه مطلقاً كما قال به الشافعية أو في النفي كما قال به ابن الهمام فذاك وإلا احتجنا إلى ارتكاب عموم المجاز فكأنه قيل: لا معاوضة فيه. {وَلاَ خِلَـٰلٌ } أي مخالة فهو كما قال أبو عبيدة وغيره مصدر خاللته كالخلال، وقال الأخفش: هو جمع خليل كأخلاء وأخلة، والمراد واحد وهو نفي أن يكون هناك خليل ينتفع به بأن يشفع له أو يسامحه بما يفتدي به، ويحتمل أن يكون المعنى من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه لما لهجوا بتعاطيه من البيع والمخالة ولا انتفاع بذلك وإنما الانتفاع والارتفاق فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى، فعلى الأول المنفي البيع والخلال في الآخرة، وعلى هذا المراد نفي البيع والخلال الذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما، و {فِيهِ } ظرف للانتفاع المقدر حسبما أشرنا إليه، ولا يشكل ما هنا مع قوله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] حيث أثبت فيه المخالة وعدم العداوة بين المتقين لأن المراد هنا على ما قيل نفي المخالة النافعة بذاتها في تدارك ما فات ولم يذكر في تلك الآية أن المتقين يتدارك بعضهم لبعض ما فات. وقيل: في التوفيق بين الآيتين: إن المراد لا مخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس وتلك المخالة الواقعة بين المتقين في الله تعالى، مع أن الاستثناء من الإثبات لا يلزمه النفي وإن سلم لزومه فنفي العداوة لا يلزم منه المخالة وهو كما ترى؛ ومثله ما قيل: إن الإثبات والنفي بحسب المواطن. والظرف على ما استظهره غير واحد متعلق بالأمر المقدر، وعلقه بالفعل المذكور من رأى رأي الكسائي ومن معه بل وبعض من رأى غير ذلك إلا أنه لا يخلو عن شيء، وتذكير إتيان ذلك اليوم على ما في "إرشاد العقل السليم" لتأكيد مضمون الأمر من حيث أن كلا من فقدان الشفاعة وما يتدارك به التقصير معاوضة وتبرعاً وانقطاع آثار البيع والخلال والواقعين في الدنيا وعدم الانتفاع بهما من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم فوائده من الإنفاق في سبيل الله تعالى أو من حيث أن ادخار المال وترك إنفاقه إنما يقع غالباً للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجه لادخاره إلى وقت الموت. وتخصيص أمر الإنفاق بذلك التأكيد لميل النفوس إلى المال وكونها مجبولة على حبه والضنة به. وفيه أيضاً أنه لا يبعد أن يكون تأكيداً لمضمون الأمر بإقامة الصلاة أيضاً من حيث أن تركها كثيراً ما يكون للاشتغال بالبياعات والمخاللات كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] وأنت تعلم بعده لفظاً بناء على تعلق {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } بالأمر بالإنفاق، ثم إن ما ذكر من الوجهين في الآية هو الذي ذكره بعض المحققين، واقتصر الزمخشري فيها على الوجه الثاني، وكلامه في تقريره ظاهر في أن فائدة التقييد الحث على الإنفاق حسبما بينه في "الكشف"، وفيه تقرير الحاصل أن قوله تعالى: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ } أي لا انتفاع بهما كناية عن الانتفاع بما يقابلهما وهو ما أنفق لوجه الله تعالى فهو حث على الإنفاق لوجهه سبحانه كأنه قيل: لينفقوا له من قبل أن يأتي يوم ينتفع بانفاقهم المنفقون له ولا ينفع الندم لمن أمسك، والعدول إلى ما في النظم الجليل ليفيد الحصر وإن ذلك وحده هو المنتفع به، وليفيد المضادة بين ما ينفع عاجلياً وما ينفع آجلياً، وذكر في آية البقرة [254] {أية : مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ }تفسير : أن المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع حتى تبتاعوا ما تنفقونه ولا خلة حتى يسامحكم أخلاؤكم به، وبين المدقق وجه اختصاص كل من المعنيين بموضعه مع صحة جريانهما جميعاً في/ كل من الموضعين بأن الأول خطاب عام فكان الحث فيه على الإنفاق مطلقاً وتصوير أن الإنفاق نفسه هو المطلوب فليغتنم قبل أن يأتي يوم يفوت فيه ولا يدركه الطالب هو الموافق لمقتضى المقام وأن الثاني لما اختص بالخلص كان الموافق للمقام تحريضهم على ما هم عليه من الإنفاق ليدوموا عليه فقيل: دوموا عليه وتمسكوا به تغتبطوا يوم لا ينفع إلا من دام عليه، ولو قيل: دوموا عليه قبل أن يفوتكم ولا تدركوه لم يكن بتلك الوكادة لأن الأول بالحث على طلب أصل الفعل أشبه والثاني بطلب الدوام فتفطن له اهـ ولا يخلو عن دغدغة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب {لاَّ بَيْعٌ فِيهَا وَلاَ خِلَـٰلٌ } بفتح الاسمين تنصيصاً على استغراق النفي، ودلالة الرفع على ذلك باعتبار خطابـي هو على ما قيل وقوعه في جواب هل فيه بيع أو خلال؟ ثم إنه لما ذكر سبحانه أحوال الكافرين لنعمه وأمر المؤمنين بإقامة مراسم الطاعة شكراً لها شرع جل وعلا في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنام المثابرة على الشكر والطاعة من النعم العظام والمنن الجسام حثاً للمؤمنين عليها وتقريعاً للكفرة المخلين أتم إخلال بها فقال عز قائلاً: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ...}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف نشأ عن ذكر حال الفريق الذي حقت عليه الكلمة الخبيثة بذكر حال مقابله، وهو الفريق الذي حقت عليه الكلمة الطيبة. فلما ابتدىء بالفريق الأول لقصد الموعظة والتخلي ثُنّي بالفريق الثاني على طريقة الاعتراض بين أغراض الكلام كما سيأتي في الآية عقبها. ونظيره قوله تعالى في سورة الإسراء: { أية : وقالوا أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً قل كونوا حجارة} تفسير : [سورة الإسراء: 49-50] إلى أن قال {أية : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } تفسير : [سورة الإسراء: 53]. ولما كانوا متحلين بالكمال صِيغَ الحديث عنهم بعنوان الوصف بالإيمان، وبصيغة الأمر بما هم فيه من صلاة وإنفاق لقصد الدوام على ذلك، فحصلت بذلك مناسبة وقع هذه الآية بعد التي قبلها لمناسبة تضاد الحالين. ولما كان المؤمنون يقيمون الصلاة من قبل وينفقون من قبل تعين أن المراد الاستزادة من ذلك، ولذلك اختير المضارع مع تقدير لام الأمر دون صيغة فعل الأمر لأن المضارع دال على التجدد، فهو مع لام الأمر يلاقي حال المتلبس بالفعل الذي يؤمر به بخلاف صيغة (افعل) فإن أصلها طلب إيجاد الفعل المأمور به من لم يكن ملتبساً به، فأصل {يقيموا الصلاة} ليقيموا، فحذفت لام الأمر تخفيفاً. وهذه هي نكتة ورود مثل هذا التركيب في مواضع وروده، كما في هذه الآية وفي قوله { أية : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } تفسير : في سورة الإسراء (53)، أي قل لهم ليقيموا وليقولوا، فحكي بالمعنى. وعندي: أن منه قوله تعالى: {أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} تفسير : في سورة الحجر (3)، أي ذرهم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل. فهو أمر مستعمل في الإملاء والتهديد، ولذلك نوقن بأن الأفعال هذه معمولة للام أمر محذوفة. وهذا قول الكسائي إذا وقع الفعل المجزوم بلام الأمر محذوفة بعد تقدم فعل {قل}، كما في «مغني اللبيب» ووافقه ابن مالك في «شرح الكافية». وقال بعضهم: جزم الفعل المضارع في جواب الأمر بـــ {قل} على تقدير فعل محذوف هو المقول دل عليه ما بعده. والتقدير: قل لعبادي أقيموا يقيموا وَأنفقوا ينفقوا. وقال الكسائي وابن مالك إن ذلك خاص بما يقع بعد الأمر بالقول كما في هذه الآية، وفاتهم نحو آية {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا}. وزيادة {مما رزقناهم} للتذكير بالنعمة تحريضاً على الإنفاق ليكون شكراً للنعمة. و{سراً وعلانية} حالان من ضمير {ينفقوا}، وهما مصدران. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : سراً وعلانية } تفسير : في سورة البقرة (274). والمقصود تعميم الأحوال في طلب الإنفاق لكيلا يظنوا أن الإعلان يجر إلى الرياء كما كان حال الجاهلية، أو أن الإنفاق سراً يفضي إلى إخفاء الغني نعمة الله فيجر إلى كفران النعمة، فربما توخى المرء أحد الحالين فأفضى إلى ترك الإنفاق في الحال الآخر فتعطل نفع كثير وثواب جزيل، فبين الله للناس أن الإنفاق بِرّ لا يكدره ما يحف به من الأحوال، وإنما الأعمال بالنيات. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله: { أية : الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم } تفسير : [سورة التوبة: 79] الآية. وقيل المقصود من السر الإنفاق المتطوع به، ومن العلانية الإنفاق الواجب. وتقديم السر على العلانية تنبيه على أنه أولى الحالين لبعده عن خواطر الرياء، ولأن فيه استبقاءً لبعض حياء المتصدق عليه. وقوله: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} الخ متعلق بفعل {يقيموا الصلوات وينفقوا}، أي ليفعلوا ذينك الأمرين قبل حلول اليوم الذي تتعذر فيه المعاوضات والإنفاق. وهذا كناية عن عظيم منافع إقامة الصلاة والإنفاق قبل يوم الجزاء عنهما حين يتمنون أن يكونوا ازدادوا من ذينك لما يسرهم من ثوابهما فلا يجدون سبيلاً للاستزادة منهما، إذ لا بيع يومئذٍ فيشترى الثواب ولا خلال من شأنها الإرفاد والإسعاف بالثواب. فالمراد بالبيع المعاوضة وبالخلال الكناية عن التبرع. ونظيره قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } تفسير : في سورة البقرة (254). وبهذا تبين أن المراد من الخلال هنا آثارها، بقرينة المقام، وليس المراد نفي الخلة، أي الصحبة والمودّة لأن المودّة ثابتة بين المتقين، قال تعالى: { أية : الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } تفسير : [سورة الزخرف: 67]. وقد كني بنفي البيع والخلال التي هي وسائل النوال والإرفاد عن انتفاء الاستزادة. وإدخال حرف الجر على اسم الزمان وهو {قبل} لتأكيد القبلية ليفهم معنى المبادرة. وقرأ الجمهور {لا بيع} بالرفع. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بالبناء على الفتح. وهما وجهان في نفي النكرة بحرف {لا}.
الشنقيطي
تفسير : أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة إلى الطاعات كالصلوات والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه ولا مخالة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر فلا يمكن أحداً أن تباع له نفسه فيفديها ولا خليل ينفع خليله يومئذ وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254] الآية. وقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الحديد: 15] وقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 123] الآية. ونحو ذلك من الآيات والخلال في هذه الآية قيل: جمع خلة كقلة وقلال والخلة: المصادقة وقيل: هو مصدر خاله على وزن فاعل مخالة وخلالاً ومعلوم أن فاعل ينقاس مصدرها على المفاعلة والفعال. وهذا هو الظاهر ومنه قول امرىء القيس: شعر : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلي الخلال ولا قال تفسير : أي لست بمكروه المخالة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا بيع فيه ولا خلال: هذا يوم القيامة لا بيع فيه ولا فداء ولا مخالة تنفع ولا صداقة. الفلك: أي السفن فلفظ الفلك دال على متعدد ويذكَّر ويؤنث. دائبين: جاريين في فلكهما لا يفتران أبداً حتى نهاية الحياة الدنيا. لظلوم كفار: كثير الظلم لنفسه ولغيره، كفار عظيم الكفر هذا ما لم يؤمن ويهتد فإن آمن واهتدى سلب هذا الوصف منه. معنى الآيات: لما أمر الله تعالى رسوله أن يقول لأولئك الذين بدلوا نعمة الله كفراً {أية : قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [إبراهيم: 30] أمر رسوله أيضاً أن يقول للمؤمنين.. يقيموا الصلاة وينفقوا من أموالهم سراً وعلانية ليتقوا بذلك عذاب يوم القيامة الذي توعد به الكافرون فقال: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي يؤدوها على الوجه الذي شرعت عليه فيتموا ركوعها وسجودها ويؤدوها في أوقاتها المعينة لها وفي جماعة وعلى طهارة كاملة مستقبلين بها القبلة حتى تثمر لهم زكاة أنفسهم وطهارة أرواحهم {وَيُنْفِقُواْ} ويوالوا الإِنفاق في كل الأحيان {سِرّاً وَعَلانِيَةً}، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ} وهو يوم القيامة {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} لا شراء فيحصل المرء على ما يفدي به نفسه من طريق البيع، ولا خلة أي صداقة تنفعه ولا شفاعة إلا بإذن الله تعالى. وقوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي أنشأهما وابتدأ خلقهما {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} هو ماء الأمطار {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} والحبوب {رِزْقاً لَّكُمْ} تعيشون به وتتم حياتكم عليه {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} أي السفن {لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي بإذنه وتسخيره تحملون عليها البضائع والسلع من إقليم إلى إقليم وتركبونها كذلك {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} الجارية بالمياه العذبة لتشربوا وتسقوا مزارعكم وحقولكم {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} لا يفتران أبداً في جريهما وتنقلهما في بروجهما لمنافعكم التي لا تتم إلا على ضوء الشمس وحرارتها ونور القمر وتنقله في منازله {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} الليل لتسكنوا فيه وتستريحوا والنهار لتعملوا فيه وتكسبوا أرزاقكم {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} مما أنتم في حاجة إليه لقوام حياتكم، هذا هو الله المستحق لعبادتكم رغبة فيه ورهبة منه، هذا هو المعبود الحق الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له وليس تلك الأصنام والأوثان التي تعبدونها وتدعون إلى عبادتها حتى حملكم ذلك على الكفر والعناد بل والظلم والشر والفساد. وقوله تعالى {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} أي بعد أن عدد الكثير من نعمه أخبر أنه لا يمكن للإِنسان أن يعد نعم الله عليه ولا أن يحصيها عداً بحال من الأحوال، وقرر حقيقة في آخر هذه الموعظة والذكرى وهي أن الإِنسان إذا حُرم الإِيمان والهداية الربانية {لَظَلُومٌ} أي كثير الظلم كفور كثير الكفر عظيمه، والعياذ بالله تعالى من ذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإِكثار من الصدقات لاتقاء عذاب النار. 2- جواز صدقة العلن كصدقة السر وإن كانت الأخيرة أفضل. 3- التعريف بالله عز وجل إذ معرفة الله تعالى هي التي تثمر الخشية منه تعالى. 4- وجوب عبادة الله تعالى وبطلان عبادة غيره. 5- وصف الإِنسان بالظلم والكفر وشدتهما ما لم يؤمن ويستقيم على منهج الإِسلام.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّلاَةَ} {رَزَقْنَاهُمْ} {خِلاَلٌ} (31) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِطَاعَتِهِ، وَالقِيَامِ بِحَقِّهِ، وَالإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ، وَذلِكَ بِأَنْ يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُتِمُّوهَا بِرُكُوعِها وَسُجُودِهَا وَخُشُوعِها، وَبِأَنْ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهِ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَالإِنْفَاقِ عَلَى الأَقْرِبَاءِ، وَالإِحْسَانِ إِلى غَيْرِ الأَقَارِبِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى المُبَادَرَةِ إِلى ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ يَفْتَدِي بِها مِنَ العَذابِ، وَلاَ تَنْفَعُ الإِنْسَانَ صَدَاقَةُ صَدِيقٍ، وَلا شَفَاعَةُ شَفِيعٍ. لاَ خِلاَلٌ - لاَ مُخَالَّةٌ وَلاَ مَوَادَّةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و {قُلْ} من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل معنى هذا أن العباد الذين سيسمعون هذا الأمر سيقومون إلى الصلاة؛ لقد سمعه بعضهم ولم يَقُم إلى الصلاة. إذن: مَنْ يُطِع الأمر هو مَنْ حقَّق شَرْط الإيمان، وعلينا أن ننظر إلى مُكْتنفات كلمة "عبادي" فعباد الله هم الذين آمنوا، وحين يؤمنون فهم سيُعبِّرون عن هذا الإيمان بالطاعة. وهكذا نفهم معنى الألفاظ لتستقيم معانيها في أساليبها. وكل خَلْق الله عبيد له؛ ذلك أن هناك أموراً قد أرادها الله في طريقة خَلْقهم، لا قدرةَ لهم على مخالفتها؛ فهو سبحانه قد قهرهم في أشياء؛ وخيَّرهم في أشياء. ولذلك أقول دائماً للمُتمرِّدين على الإيمان بالله؛ لقد أَلِفْتم التمرّد على الله؛ ولم يَأْبَ طَبْع واحد منكم على رفض التمرّد، فإنْ كنتم صادقين مع أنفسكم عليكم أنْ تتمردوا على التنفس؛ فهو أمر لا إرادي، أو تمردوا - إن استطعتُم - على المرض وميعاد الموت، ولن تستطيعوا ذلك أبداً. ولكنهم ألِفُوا التمرّد على ما يمكنهم الاختيار فيه. ونسُوا أن الله يريد منهم أن يلتزموا بمنهجه؛ فإن اختار المؤمن أن يتبع منهجَ الله صار من "عباد الله"، وإنْ لم يخضع للمنهج فيما له فيه اختيار فهو من العبيد المقهورين على اتباع أوامر الله القهرية فقط. وأنت حين تستقرئ كلمة "عباد" وكلمة "عبيد" في القرآن ستجد قول الحق سبحانه: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. وتتعدد هنا صفات العباد الذين اختاروا اتباع منهج الله، وستجد كلمة العبيد وهي مُلْتصقة بمَنْ يتمردون على منهج الله؛ ولن تجد وَصْفاً لهم بأنهم "عباد" إلا في آية واحدة؛ حين يخاطب الحَقُّ جَلَّ وعلا الذين أضلوا الناس؛ فيقول لهم: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الفرقان: 17]. ونلحظ أن زمن هذا الخطاب هو في اليوم الآخر؛ حيث لا يوجد لأحد مُرْتاد مع الله؛ وحيث يسلب الحق سبحانه كل حق الاختيار من كل الكائنات المختارة. وهكذا لا يمكن لأحد أن يطعنَ في أن كلمة "عباد" إنما تستخدم في وَصْف الذين اختاروا عبادة الله والالتزام بمنهجه في الحياة الدنيا؛ ذلك أنهم قد سَلَّموا زِمَام اختيارهم لله، وأطاعوه في أوامره ونواهيه. ونلحظ أن قول الحق سبحانه: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً ..} [إبراهيم: 31]. هو أمر صادر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين في انتظار هذا الأمر لِيُنفّذوه فوراً، ذلك أن المؤمن يحب أن يُنفِّذ كل أمر يأتيه من الله. وما دُمْتَ قد أبلغتهم يا محمد هذا الأمر فسيُنفّذونه على الفور؛ وقد جاء قوله (يقيموا) محذوفاً منه لام الأمر، تأكيداً على أنهم سيصدعون لتنفيذ الأمر فوْر سماعه. وعادة نجد أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في جَمْهرة آيات القرآن تأتيان متتابعتين مع بعضهما؛ لأن إقامة الصلاة تتطلب حركة، تتطلب طاقة وتأخذ وقوداً؛ والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمناً، والزكاة تعني أن تُخرِج بعضاً من ثمرة الزمن، وبعضاً من أثر الحركة في الوقت. ونجد الكسالى عن الصلاة يقولون: "إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد مِنّا يحاول أن يجمع الصلوات إلى آخر النهار، ويُؤدّيها جميعها قَضاءً". وهم لا يلتفتون إلى أن كُلَّ فرض حين يُؤدَّى في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي يتصورون أنه وقت كبير. وظاهر الأمر أن الصلاة تُقلّل من ثمرة العمل، لكن الحقيقة أنها تُعطي شحنة وطاقة تحفِز النفس على المزيد من إتقان العمل؛ وكيف يُقبِل المصلى على العمل بنفس راضية؛ ذلك أنه بالصلاة قد وقف في حضرة مَنْ خلقه، ومَنْ رزقه، ومَنْ كفله. ولذلك يخرج منها هادئاً مُطمئناً مُنتبهاً راضياً؛ وذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أرحنا بها يا بلال ". تفسير : والصلاة في كل فرض؛ لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء، وإذا نسبت وقت الصلوات كلها إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر مِمّا أخذت. وكذلك الزكاة قد تأخذ منك بعضاً من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير القادر، ولكنها تمنحك أماناً اجتماعياً فوق ما تتخيّل. ولذلك تجد الصلاة مُرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما، وإقامة الصلاة هي جِمَاع القيم كلها؛ وإيتاء الزكاة جِمَاع قيام الحركات العضلية كلها. وتعالج الصلاة شيئاً، وتعالج الزكاة شيئاً آخر؛ وكلاهما تُصلِح مكونات ماهية الإنسان؛ الروح ومقوماتها، والجسد ومقوماته. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وجُعِلَتْ قُرة عيني في الصلاة ". تفسير : وحين تنظر إلى الصلاة والزكاة تجد مصالح الحياة مجتمعة وتتفرع منهما؛ ذلك أن مصالح الحياة قد جمعها صلى الله عليه وسلم في الأركان الخمس للدين، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحِجّ البيت لِمَنِ استطاع إليه سبيلا. وعرفنا من قَبْل كيف أخذت الصلاة كُل هذه الأركان مجتمعة؛ ففيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها تضحية وتزكية ببعض الوقت؛ وفيها صَوْم عن كل ما تلتزم به وأنت صائم؛ وأنت تتوجه خلالها إلى قبلة بيت الله الحرام. وهكذا نرى كيف ترتبط حركة الحياة والقيم المُصْلِحة لها بالصلاة والزكاة. ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة بأن ننفق سراً وعلانية، وهكذا يشيع الحق الإنفاق في أمرين متقابلين؛ فالإنفاق سِراً كي لا يقع الإنسان فريسة المُبَاهاة؛ والإنفاق عَلناً كي يعطي غيره من القادرين أُسْوة حسنة، ولكي تمنع الآخرين من أنْ يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغَيْرة مما أفاء الله عليك من خير. ولذلك أقول: اجعل الصدقة التطوعية سِراً، واجعلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعلم شمالك ما أعطتْ يمينك ". تفسير : واجعل الزكاة علانية حتى يعلمَ الناس أنك تُؤدي ما عليك من حقوق الله وتكون بالنسبة لهم أُسْوة فعلية، وعِظَة عملية، واجعلوا من أركان الإسلام عِظَة سلُوكية، فنحن نرى بعضاً من القرى والمدن لا يحجّ منها أحد، لأن القادرين فيها قد أَدَّوْا فريضة الحج. ونجد أن القادر الذي يبني مسجداً؛ يعطي القادر غيره أُسْوة ليبني مسجداً آخر، وما أنْ يأتيَ رمضان حتى يصومَ القادرون عليه؛ ويعطوا أُسْوة لصغارهم، وتمنع الاستخذاء أمام الغير، وهكذا نعلن كل تكاليف الإسلام بوضوح أمام المجتمعات كلها. ويقول الحق سبحانه: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31]. ومن هنا نعلم أن هناك أعمالاً يمكن أن تؤجلها، إلا الغايات التي لا توجد فيها أعواض؛ فعليك أن تنتهز الفرصة وتُنفّذها على الفور؛ ذلك أن اليوم الآخر لن يكون فيه بَيْع أو شراء، ولن يستطيع أحد فيه أن يُزكّي أو يُصلّي؛ فليست هناك صداقة أو شفاعة تُغنيك عمّا كان يجب أن تقوم به في الحياة الدنيا. والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمن بها، ولذلك يأتي الأمر هنا بسرعة القيام بالصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق سِراً وعلانية من قبل أن يأتيَ اليوم الذي لا بَيْع فيه ولا خِلاَل. والبيع - كما نعلم - هو مُعَارضة متقابلة؛ فهناك مَنْ يدفع الثمن؛ وهناك مَنْ يأخذ السلعة. والخِلاَل هو المُخالّة؛ أي: الصديق الوفيّ الذي تلزمه ويلزمك. والشعر يُبيّن معنى كلمة "خليل" حين يقول: شعر : لَمّا التقيْنَا قرَّب الشَّوْقُ جَهْده خليلين ذَابَا لَوْعةً وعِتابا كأنّ خليلاً في خِلاَل خَلِيلهِ تَسرَّبَ أثناءَ العِنَاقِ وغَابَا تفسير : وهذا يوضح أن المُخالة تعني أن يتخلل كُلٌّ منهما الآخر. وفي الآخرة لن تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار؛ ولا مُخالَّة هناك بحيث يفيض عليك صديق من حسناته. والحق سبحانه هو القائل: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. وبعض السطحيين يريدون أنْ يأخذوا على القرآن أنه أثبت الخُلَّة ونفاها؛ فهو القائل: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31]. وهو القائل: {أية : وَلاَ خُلَّةٌ ..} تفسير : [البقرة: 254]. ثم أثبت الخُلَّة للمتقين؛ الذين لا يُزيِّن أحدهما للآخر معصية. وهؤلاء السطحيون لا يُحسِنون تدبُّر القرآن؛ ذلك أن الخُلَّة المَنْفية - أو الخِلاَل المنفية - في الآيات هي الخِلال التي تحضُّ على المعاصي؛ وهذه هي الخِلاَل السيئة. ونعلم أن البيع في الحياة الدنيا يكون مقابلةَ سلعةٍ بثمن؛ أما المُخالّة ففيها تكرُّم ممَّنْ يقدمها؛ وهو أمرٌ ظاهريّ؛ لأن في باطنه مُقايضة؛ فإذا قدّم لك أحدٌ جميلاً فهذا يقتضي أنْ تردّ له الجميل؛ أما التكرُّم المجرّد فهو الذي يكون بغير سابق أو لاحق. وبعد أن بيَّن لنا الحق سبحانه السعداء وبيَّنَ الأشقياء، وضرب المَثل بالكلمة الطيبة، وضرب المثَل بالكلمة الخبيثة، يأتي من بعد ذلك بما يهيج في المؤمن فرحةً في نفسه؛ لأنه آمن بالله الذي صنع كل تلك النعم، ويذكر نعماً لا يشترك فيها مع الله أحد أبداً، فيقول: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} معناهُ لاَ مُصادقةٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل لعبادي المؤمنين آمرا لهم بما فيه غاية صلاحهم وأن ينتهزوا الفرصة، قبل أن لا يمكنهم ذلك: { يُقِيمُوا الصَّلاة } ظاهرا وباطنا { وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } أي: من النعم التي أنعمنا بها عليهم قليلا أو كثيرا { سِرًّا وَعَلانِيَةً } وهذا يشمل النفقة الواجبة كالزكاة ونفقة من تجب [عليه] نفقته، والمستحبة كالصدقات ونحوها. { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ } أي: لا ينفع فيه شيء ولا سبيل إلى استدراك ما فات لا بمعاوضة بيع وشراء ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدم العبد لنفسه، ولينظر ما قدمه لغد، وليتفقد أعماله، ويحاسب نفسه، قبل الحساب الأكبر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):