١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكان العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وبصفاته، وفي حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة، لا جرم ختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل. أولها: خلق السموات. وثانيها: خلق الأرض، وإليهما الإشارة بقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. وثالثها: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ }. ورابعها: قوله: {وَسَخَّرَ لَّكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } وخامسها: قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ }. وسادسها وسابعها: قوله: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دآئِبَينِ }. وثامنها وتاسعها: قوله: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلليْلَ وَٱلنَّهارَ }. وعاشرها: قوله: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } وهذه الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مراراً وأطواراً ولا بأس بأن نذكر ههنا بعض الفوائد. فاعلم أن قوله تعالى: {ٱللَّهِ } مبتدأ، وقوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ } خبره. ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات والأرض، وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن السماء والأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع الحكيم، وإنما بدأ بذكرهما ههنا لأنهما هما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك فإنه قال بعده: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فظهر أنه لا بد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا المطلوب. البحث الثاني: قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } وفيه قولان: الأول: أن الماء نزل من السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو، وهو الارتفاع. والثاني: أنه تعالى أنزله من نفس السماء وهذا بعيد، لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطراً عليهم وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً. البحث الثالث: قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلباً لهذه الخيرات الحقيرة، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى. ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب ولا نصب، هذا قول المتكلمين. وقال قوم آخرون: إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء، والمسألة كلامية محضة، وقد ذكرناه في سورة البقرة. البحث الرابع: قال أبو مسلم: لفظ {ٱلثَّمَرٰتِ } يقع في الأغلب على ما يحصل على الأشجار، ويقع أيضاً على الزروع والنبات، كقوله تعالى: { أية : كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } تفسير : [الأنعام: 141]. البحث الخامس: قال تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } والمراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقاً لنا، والمقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير والمنفعة إلى المكلفين، لأن الإحسان لا يكون إحساناً إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن إليه. البحث السادس: قال صاحب «الكشاف»: قوله: {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } بيان للرزق، أي أخرج به رزقاً هو ثمرات، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقاً حال من المفعول أو نصباً على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق، والتقدير: ورزق من الثمرات رزقاً لكم. فأما الحجة الرابعة: وهي قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ } تفسير : [الشورى: 32] ففيها مباحث: البحث الأول: أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض وبالعكس كثر الربح في التجارات، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه الآية. فإن قيل: ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟ قلنا؛ أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال، وأما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال: لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه للحديد وسائر الآلات ولولا تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها ولولا أنه وسع الأنهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال، وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافة السفن إليه. البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيماً لشأنه، ومنهم من حمله على ظاهر قوله: { أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] وتحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه. البحث الثالث: الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز، والمعنى أنه لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له. الحجة الخامسة: قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ } واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات، وأيضاً ماء البحر لا يصلح للشرب، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار. الحجة السادسة والسابعة: قوله: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينِ }. واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله: { أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } تفسير : [نوح: 16] ومنها قوله: { أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } تفسير : [الرحمن: 5] ومنها قوله: { أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً } تفسير : [الفرقان: 61] ومنها قوله: { أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس: 5] وقوله: {دَآئِبَينِ } معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأباً ودؤباً وقد ذكرنا هذا في قوله: { أية : قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } تفسير : [يوسف: 47] قال المفسرون: قوله: {دآئِبَينِ } معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب. الحجة الثامنة والتاسعة: قوله: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ }. واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى: { أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } تفسير : [النبأ: 10، 11] وقوله: { أية : وهو ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } تفسير : [يونس:67] قال المتكلمون: تسخير الليل والنهار مجاز لأنهما عرضان، والأعراض لا تسخر. والحجة العاشرة: قوله: {وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال: {وَآتَاكُم مّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } والمفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئاً، وقرىء: {مِن كُلِّ } بالتنوين و {مَا سَأَلْتُمُوهُ } نفي ومحله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ويجوز أن تكون «ما» موصولة والتقدير: آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ } قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه، ينعم إنعاماً ونعمة أقيم الاسم مقام الإنعام كقوله: أنفقت عليه إنفاقاً ونفقة بمعنى واحد، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر، ومعنى قوله: {لاَ تُحْصُوهَآ } أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها. واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع، فعليه أن يتأمل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه عنه ونحن نذكر منه مثالين. المثال الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان، منها دماغية ومنها نخاعية. أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحد من تلك الشعب أيضاً إلى شعب دقيقة أدق من الشعر ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جداً، ولكل واحدة منها حكمة مخصوصة، فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن الله تعالى بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه وعرف قطعاً أنه لا سبيل له إلى الوقوق عليها والاطلاع على أحوالها وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ } وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والإنفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وروحه، فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين. المثال الثاني: أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها أما الأمور التي قبلها: فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب، لأن الحنطة لا بد منها، وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار، ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات، وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق. فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة. وأما النظر فيما بعد حصولها: فتأمل في تركيب بدن الحيوان، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ } ثم إنه تعالى قال: {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } قيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها. وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، والمراد من الإنسان ههنا: الجنس، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه، وههنا بحثان: البحث الأول: أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة، وأيضاً أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي. البحث الثاني: أنه تعالى قال في هذا الموضع: {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } وقال في سورة النحل: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 18] ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها، فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء، ونسأل الله حسن العاقبة والرحمة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي أبدعها واخترعها على غير مثال سبق. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السّحاب. {مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} أي من الشجر ثمرات {رِزْقاً لَّكُمْ}. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} تقدم معناه في «البقرة». {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} يعني البحار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا، والبحار المالحة لاختلاف المنافع من الجهات. {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدُّؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية. وقيل: دائبين في السير امتثالاً لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران؛ روي معناه عن ابن عباس. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار، كما قال: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73]. قوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئاً؛ فحذف؛ عن الأخفش. وقيل: المعنى وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما لم تسألوه فحذف، فلم نسأله شمساً ولا قمراً ولا كثيراً من نعمه التي ٱبتدأنا بها. وهذا كما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} على ما يأتي. وقيل: «مِن» زائدة؛ أي آتاكم كلّ ما سألتموه. وقرأ ٱبن عباس والضحاك وغيرهما {وَءَاتَـٰكُمْ مِن كُلِّ} بالتنوين «مَا سَأَلْتُمُوهُ» وقد رويت هذه القراءة عن الحسن والضحاك وقَتَادة؛ هي على النفي أي من كل ما لم تسألوه؛ كالشمس والقمر وغيرهما. وقيل: من كل شيء ما سألتموه أي الذي ما سألتموه. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} أي نعم الله. {لاَ تُحْصُوهَا} ولا تطيقوا عدّها، ولا تقوموا بحصرها لكثرتها، كالسَّمع والبصر وتقويم الصّور إلى غير ذلك من العافية والرزق؛ (نعم لا تحصى) وهذه النّعم من الله، فَلِمَ تبدلون نعمة الله بالكفر؟ وهلا ٱستعنتم بها على الطاعة؟ٰ {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} الإنسان لفظ جنس وأراد به الخصوص؛ قال ابن عباس: أراد أبا جهل. وقيل: جميع الكفار.
ابن كثير
تفسير : يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفاً محفوظاً، والأرض فراشاً {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ} تفسير : [طه: 53] ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع. وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها؛ ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقاً للعباد من شرب وسقي، وغير ذلك من أنواع المنافع {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} أي: يسيران، لا يفتران ليلاً ولا نهاراً {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [يس: 40] {أية : يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 54] فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتقارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}تفسير : [لقمان:29] {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} وقوله تعالى: {أية : يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} تفسير : [الزمر: 5]. وقوله: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} يقول: هيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه، وما لم تسألوه، وقرأ بعضهم: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} وقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم؛ فضلاً عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. وفي صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : اللهم لك الحمد غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا»تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمه أحسبه قال في ديوان النعم: خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح كله، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم، فإذا أراد الله أن يرحمه قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت لك عن سيئاتك أحسبه قال: ووهبت لك نعمي» تفسير : غريب، وسنده ضعيف. وقد روي في الأثر: أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليَّ؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه، إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها، وقال القائل في ذلك:شعر : لَوْ كُلُّ جارِحَةٍ مِنِّي لَها لُغَةٌ تُثْنِي عليكَ بِما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنِ لكانَ ما زادَ شُكْري إِذْ شَكَرْتُ بهِ إليكَ أَبْلَغَ في الإِحْسانِ والمِنَنِ
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } السفن {لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ } بالركوب والحمل {بِأَمْرِهِ } بإذنه {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَٰرَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{رَبّنا إني أسكنت مِنْ ذُرِّيتي بوادٍ غير ذي زَرْعٍ} هذا قول إبراهيم عليه السلام. وقوله{مِن ذريتي} يريد بهم إسماعيل وهاجر أُمه. {بوادٍ غير ذي زرع} يعني مكة أسكنها في بطحائها، ولم يكن بها ساكن، ثقة بالله وتوكلاً عليه. {عند بيتك المحرم}لأنه قبلة الصلوات فلذلك أسكنهم عنده. وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرَّم لأنه يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال. {ربّنا ليقيموا الصلاة} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون سأل الله تعالى بذلك أن يهديهم إلى إقامة الصلاة. الثاني: أن يكون ذكر سبب تركهم فيه أن يقيموا الصلاة. {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}في{أفئدة} وجهان: أحدهما: أن الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد، قال الشاعر: شعر : وإنّ فؤاداً قادَني بصبابةٍ إليك على طول الهوَى لصَبورُ تفسير : الثاني: أن الأفئدة جمع وفد، فكأنه قال: فاجعل وفوداً من الأمم تهوي إليهم. وفي قوله: {تهوي إليهم} أربعة أوجه: أحدها: أنه بمعنى تحن إليهم، الثاني: أنه بمعنى تنزل إليهم، لأن مكة في واد والقاصد إليها نازل إليها، الثالث: ترتفع إليهم، لأن ما في القلوب بخروجه منها كالمرتفع عنها. الرابع: تهواهم. وقد قرىء تهْوَى. وفي مسألة إبراهيم عليه السلام أن يجعل اللهُ أفئدةً من الناس تهوي إليهم قولان: أحدهما: ليهووا السكنى بمكة فيصير بلداً محرّماً، قاله ابن عباس. الثاني: لينزعوا إلى مكة فيحجوا، قاله سعيد بن جبير ومجاهد. قال ابن عباس: لولا أنه قال من الناس لحجه اليهود والنصارى وفارس والروم. {وارزقهم من الثمرات}فيه وجهان: أحدهما: يريد ثمرات القلوب بأن تحببهم إلى قلوب الناس فيزوروهم. الثاني: ومن الظاهر من ثمرات النخل والأشجار، فأجابه بما في الطائف من الثمار، وما يجلب إلهم من الأمصار. {لَعَلَّهُمْ يشكرون}أي لكي يشكروك. قوله عز وجل:{ربنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين} وفي استغفاره لوالديه مع شركهما ثلاثة أوجه: أحدهما: كانا حيين فطمع في إيمانهما. فدعا لهما بالاستغفار، فلما ماتا على الكفر لم يستغفر لهما. الثاني: أنه أراد آدم وحوّاء. الثالث: أنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق. وكان إبراهيم يقرأ:{رب اغفر لي ولوالدي} يعني ابنيه، وكذلك قرأ يحيى بن يعمر.
النسفي
تفسير : {ٱللَّهُ } مبتدأ {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } خبره {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً } من السحاب مطراً {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقاً هو ثمرات أو {من الثمرات} مفعول {أخرج} و{رزقاً} حال من المفعول {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ * وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَينِ } دائمين وهو حال من الشمس والقمر أي يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } «من» للتبعيض أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه فـ {ما} موصولة والجملة صفة لها، وحذفت الجملة الثانية لأن الباقي يدل على المحذوف كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر}تفسير : [النحل: 81] {من كلّ}ٍ عن أبي عمرو {وما سألتموه} نفي ومحله النصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه أو «ما» موصولة أي وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال وأما التفصيل فلا يعلمه إلا الله {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } بظلم النعمة بإغفال شكرها {كَفَّارٌ } شديد الكفران لها أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج من الثمرات رزقاً لكم} اعلم أنه تقدم تفسير هذه الآية في مواضع كثيرة، ونذكر هاهنا بعض فوائد هذه الآية الدالة على وجود الصانع المختار القادر الذي لا يعجزه شيء أراده، فقوله تعالى: الله خلق السموات والارض، إنما بدأ بذكر خلق السموات والأرض، لأنها أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق القادر المختار وأنزل من السماء ماء يعني من السحاب سمي السحاب سماء لارتفاعه مشتق من السمو، وهو الارتفاع وقيل إن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب الى الأرض فأخرج به أي بذلك الماء من الثمرات رزقاً لكم، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر. وقد يقع على الزرع أيضاً بدليل قوله: كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده وقوله: من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقاً هو الثمرات {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره} لما ذكر الله سبحانه وتعالى إنعامه بإنزال المطر، وأخراج الثمر لأجل الرزق والانتفاع به ذكر نعمته على عباده بتسخير السفن الجارية على الماء، لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات، وغيرها من بلد إلى بلد آخر. فهي من تمام نعمة الله على عباده {وسخر لكم الأنهار} يعني ذللها لكم تجرونها حيث شئتم، ولما كان ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب أيضاً ذكر نعمته على عباده في تسخير الأنهار، وتفجير العيون لأجل هذه الحاجة، فهو من أعظم نعم الله على عباده {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} الدأب العادة المستمرة دائماً على حالة واحدة ودأب في السير داوم عليه، والمعنى أن الله سخر الشمس والقمر، يجريان دائماً فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها. قال ابن عباس: دؤبها في طاعة الله عز وجل. وقال بعضهم: معناه يدأبان في طاعة الله أي في مسيرهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وإصلاح النبات والحيوان لأن الشمس سلطان النهار وبها تعرف فصول السنة والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور وكل ذلك بتسخير الله عز وجل، وإنعامه على عباده وتسخيره لهم {وسخر لكم الليل والنهار} يعني يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان، والزيادة وذلك من إنعام الله على عباده وتسخيره لهم {وآتاكم من كل ما سألتموه} لما ذكر الله سبحانه وتعالى النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده وسخرها لهم بين بعد ذلك، أنه تعالى لم يقتصر على تلك النعم بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر. والمعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه شيئاً فحذف شيئاً اكتفاء بدلالة الكلام على التبعيض، وقيل: هو على التكثير يعني وآتاكم من كل شيء سألتموه، وما لم تسألوه لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} يعني أن نعم الله كثيرة على عباده، فلا يقدر أحد على حصرها ولا عدها لكثرتها {إن الإنسان} قال ابن عباس: يريد أبا جهل، وقال الزجاج: هو اسم جنس ولكن يقصد به الكافر {لظلوم كفار} يعني ظلوم لنفسه كفار بنعمة ربه، وقيل: الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه كفار جحود لنعم الله عليه. وقيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع بالنعمة يجمع ويمنع. قوله سبحانه وتعالى {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً} يعني ذا آمن يؤمن فيه وأراد بالبلد مكة. فإن قلت: أي فرق بين قوله اجعل هذا بلداً آمناً وبين قوله اجعل هذا البلد آمناً؟ قلت: الفرق بينهما أنه سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فيها ولا يخافون وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} يعني أبعدني وبنيّ أن نعبد الأصنام. فإن قلت قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه: الأول أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنة ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم، قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها. الوجه الثاني: أن الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام معصومون عن عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبني عن عبادتها. الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه أيضاً أن يجنب بنيه عن عبادة الأصنام، وقد وجد كثير من بنيه عبد الأصنام مثل كفار قريش، وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم عليه السلام. قلت: الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه: فالجواب على الوجه الأول: من وجهين أحدهما أن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على خراب مكة، وأورد على هذا ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وأجيب عنه بأن قوله: اجعل هذا البلد آمناً يعني إلى قرب القيامة وخراب الدنيا وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذو السويقتين فلا تعارض بين النصين. الوجه الثاني: أن يكون المراد اجعل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: ويتخطف الناس من حولهم، وأهل مكة آمنون من ذلك حتى إن من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وما له من ذلك، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة من الحرم استوحشت فإذا دخلت الحرم أمنت واستأنست لعلمها أنها لا يهيجها أحد في الحرم وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها وأما الجواب عن الوجه الثاني: فمن وجوه أيضاً: الوجه الأول: أن دعاء إبراهيم عليه السلام لنفسه لزيادة العصمة التثبيت، فهو كقوله واجعلنا مسلمين لك. الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام، وإن كان يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء، هضماً للنفس وإظهاراً للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى ورحمته، وأن أحداً لا يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه الله به فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء وأما دعاؤه لبنيه، وهو الوجه الثالث من الإشكالات فالجواب عنه من وجوه: الأول أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه، ولم يعبد أحد منهم صنماً قط. الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء ولا شك أن إبراهيم عليه السلام قد أجيب فيهم. الوجه الثالث قال الواحدي: دعا لمن أذن الله أن يدعو له فكأنه قال: وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم لأن دعاء الأنبياء مستجاب وقد كان من بنيه من عبد الصنم فعلى هذا الوجه يكون هذا الدعاء من العام المخصوص. الوجه الرابع: أن هذا مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية: فمن تبعني فإنه مني، وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى {رب إنهن} يعني الأصنام {أضللن كثيراً من الناس} وهذا مجاز لأن الأصنام جمادات، وحجارة لا تعقل شيئاً حتى تضل من عبدها إلا أنه لما حصل الإضلال بعبادتها أضيف إليها كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرتهم وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها {فمن تبعني فإنه مني} يعني فمن تبعني على ديني واعتقادي، فإنه مني يعني المتدينين بديني المتمسكين بحبلي كما قال الشاعر: شعر : إذا حاولت في أسد فجوراً فإني لست منك ولست مني تفسير : أراد ولست من المتمسكين بحبلي، وقيل: معناه أنه مني حكمه حكمي جار مجراي في القرب والاختصاص {ومن عصاني} يعني في غير الدين {فإنك غفور رحيم} قال السدي: ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم. وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم. وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا فقال: ومن عصاني فخالفني في بعض الشرائع وعقائد التوحيد فإنك غفور رحيم إن شئت أن تغفر له غفرت إذا كان مسلماً وذكر وجهين آخرين أحدهما أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبويه، وهو يقول أن ذلك غير محظور, فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما, والوجه الآخر ومن عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم يعني أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان، والإسلام وتهديه إلى الصواب. قوله عز وجل إخباراً عن إبراهيم {ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم} (خ) حديث : عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم فدعا بهذه الدعوات فرفع يديه؛ فقال: رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفاء أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليها ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً فهبطت منه حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت أن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بقعبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه، وتقول: بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف""تفسير : وفي رواية قدر ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه سلم: "حديث : "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتا لله تعالى، يبنيه هذا الغلام وأبوه وأن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً. فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا: قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه سلم: "فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم وشب الغلام، وتعلم العربية منهم وآنسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه بامرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته""تفسير : أخرجه البخاري بأطول من هذا، وقد تقدم الحديث بطوله في تفسير سورة البقرة، وأما تفسير الآية فقوله ربنا إني أسكنت من ذريتي من للتبعيض أي بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه السلام بواد غير ذي زرع يعني ليس فيه زرع، لأنه واد بين جبلين جبل أبي قبيس وجبل أجياد وهو واد بمكة عند بيتك المحرم سماه محرماً لأنه يحترم عنده ما لا يحترم عند غيره، وقيل: لأن الله حرمه على الجبابرة فلم ينالوه بسوء وحرم التعرض له والتهاون به، وبحرمته وجعل ما حوله محرماً لمكانه، وشرفه وقيل: لأنه حرم على الطوفان بمعنى امتنع منه وقيل: سمي محرماً لأن الزائرين له يحرمون على أنفسهم أشياء كانت مباحة لهم من قبل وسمي عتيقاً أيضاً لأنه أعتق من الجبابرة أو من الطوفان. فإن قلت: كيف قال عند بيتك المحرم ولم يكن هناك بيت حينئذ، وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك. قلت: يحتمل أن الله عز وجل أوحى إليه وأعلمه أن هناك بيتاً قد كان في سالف الزمان، وأنه سيعمر فلذلك قال عند بيتك المحرم، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي كان ثم رفع عند الطوفان وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان {ربنا ليقيموا الصلاة} اللام في ليقيموا متعلقة بأسكنت يعني أسكنت قوماً من ذريتي، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا أي لأجل أن يقيموا أو لكي يقيموا الصلاة {فاجعل أفئدة من الناس} قال البغوي جمع الموفد {تهوي إليهم} تحن وتشتاق إليهم. قال السدي رحمه الله: أمل قلوبهم إلى هذا الموضع وقال ابن الجوزي أفئدة من الناس أي قلوب جماعة من الناس فلهذا جعله جمع فؤاد قال ابن الأنباري: وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة لقرب القلب من الفؤاد فجعل القلب والفؤاد جارحتين. وقال الجوهري: الفؤاد القلب والجمع أفئدة فجعلهما جارحة واحدة ولفظة من في قوله من الناس للتبعيض، قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لحجت اليهود والنصارى والمجوس ولكنه قال أفئدة من الناس فهم المسلمون تهوي إليهم قال الأصمعي: يقال هوى يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى أسفل وقال الفراء تهوي إليهم تريدهم كما تقول: رأيت فلاناً يهوي نحوك معناه يريدك وقال أيضاً تهوي تسرع إليهم، وقال ابن الأنباري: معناه تنحط إليهم وتنحدر وتنزل هذا قول أهل اللغة في هذا الحرف وأما أقوال المفسرين فقال ابن عباس: يريد تحن إليهم لزيارة بيتك وقال قتادة تسرع إليهم. وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم، إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم، وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم عليه السلام في هذا الدعاء من أمر الدين، والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركاته {وارزقهم من الثمرات} يعني كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزرع فيكو المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار، وقيل يحتمل أن يكون المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة فهو كقوله تعالى يجبى إليه ثمرات كل شيء. وقوله تعالى {لعلهم يشكرون} يعني لعلهم يشكرون هذه النعم التي أنعمت بها عليهم، وقيل: معناه لعلهم يوحدونك ويعظمونك وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا، إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات.
البقاعي
تفسير : ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم، كان كأنه قيل: فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟ فقيل: {الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع، فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة، فقال: {وأنزل من السماء ماء} ولما كان ذلك سبب النمو قال: {فأخرج به} أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي {من الثمرات} أي الشجرية وغيرهما {رزقاً لكم} بعد يبس الأرض وجفاف نباتها، وليس ذلك بدون إحياء الموتى؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار والأنهار، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال: {وسخر لكم الفلك} وعلل ذلك بقوله: {لتجري في البحر} ولما كان ذلك أمراً باهراً للعقل، بين عظمته بقوله: {بأمره} ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار، قال: {وسخر لكم الأنهار *} ثم أتبعه ما جعله سبباً لكمال التصرف وإنضاج الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال: {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان؛ قال الرماني: والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: {وسخر لكم الّيل} أي الذي القمر آيته {والنهار *} أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما بعد تصرمه، ولو كان أحدهما سرمداً لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال؛ ثم عم بعد أن خص فقال: {وآتاكم}. ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: {من كل ما سألتموه} أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال: {وإن تعدوا} أيها الناس كلكم {نعمت الله} أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه، وعبر عنه بالنعمة إرشاداً إلى الاستدلال بالأثر على المؤثر {لا تحصوها} أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة { الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا هو ملك الله فضلاً عن أن يوجد شيء يداينه فضلاً عن شيء يماثله، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد، وذلك متعسر الحصر، وكل ما ذكروه صريحاً في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحاً - قليل، فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه، هذا في الجسم، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ، ودين باطل وضلال مائل، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه، ما أعزه وأعظم شأنه!. ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال: {إن الإنسان} أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه، والنسيان لما ينفعه ويضره، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره {لظلوم كفار} أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر، ويتعداه إلى الكفر، وختم مثل ذلك في سورة النحل بـ {غفور رحيم} لأن تلك سورة النعم، بدئت بالنهي عن استعجال العذاب، لأن الرحمة أسبق، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع، فالتقدير إذن هناك: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم، وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات.
ابو السعود
تفسير : {ٱللَّهِ} مبتدأٌ خبرُه {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} وما فيها من الأجرام العلوية {وٱلأَرْضِ} وما فيها من أنواع المخلوقاتِ. لمّا ذكر أحوالَ الكافرين لنعم الله تعالى وأمرَ المؤمنين بإقامة مراسم الطاعةِ شكراً لنعمه شرَع في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنامِ، والمثابرةِ على الشكر والطاعة من النعم العِظام والمنن الجِسام حثاً للمؤمنين عليها وتقريعاً للكفرة المُخلّين بها الواضعين موضعَها الكفرَ والمعاصيَ، وفي جعل المبتدإ الاسمَ الجليلَ والخبرَ الاسمَ الموصولَ بتلك الأفاعيلِ العظيمة من خلق هذه الأجرامِ العظام وإنزال الأمطارِ وإخراجِ الثمرات وما يتلوها من الآثار العجيبةِ ما لا يخفى من تربـية المهابةِ والدِلالة على قوة السلطان {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء} أي السحابِ فإن كلَّ ما علاك سماءٌ، أو من الفَلَك فإن المطر منه يبتدىء إلى السحاب ومنه إلى الأرضِ على ما دلت عليه ظواهرُ النصوص أو من أسباب سماويةٍ تثير الأجزاءَ الرطبةَ من أعماق الأرض إلى الجو فينعقد سحاباً ماطراً، وأياً ما كان فمن ابتدائيةٌ {مَاء} أي نوعاً منه هو المطرُ، وتقديمُ المجرورِ على المنصوب إما باعتبار كونِه مبدأ لنزوله أو لتشريفه كما في قولك: أعطاه السلطانُ من خزانته مالاً، أو لما مرّ مراراً من التشويق إلى المؤخّر {فَأَخْرَجَ بِهِ} بذلك الماء {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ} الفائتة للحصر، إما لأن صيغَ الجموعِ يتعاور بعضُها موضعَ بعض، وإما لأنه أريد بمفردها جماعةُ الثمرة التي في قولك: أدركت ثمرةُ بستانِ فلان {رِزْقاً لَّكُمْ} تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شاملٌ للمطعوم والملبوس مفعولٌ لأخرج ومن للتبـيـين كقولك: أنفقت من الدراهم ألفاً، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعولاً ورزقاً حالاً منه، أو مصدراً من أخرج بمعنى رزَق، أو للتبعيض بدليل قوله تعالى: { أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 27] كأنه قيل: أنزل من السماء بعضَ الماء فأخرج به بعضَ الثمرات ليكون بعضَ رزقكم إذ لم ينزل من السماء كلُّ الماء ولا أخرج بالمطر كلَّ الثمار ولا جعل كلَّ الرزق ثمراً، وخروجُ الثمرات وإن كان بمشيئته عز وجل وقدرتِه لكن جرت عادتُه تعالى بإفاضة صورِها وكيفياتها على المواد الممتزجةِ من الماء والتراب وأودع في الماء قوةً فاعلةً وفي الأرض قوةً قابلةً يتولد من اجتماعهما أنواعُ الثمار، وهو قادرٌ على إيجاد الأشياء بلا أسباب (ولا) موادَّ كما أبدع نفوسَ الأسباب كذلك لما أن له تعالى في إنشائها مدرّجاً من طَور إلى طور صنائعَ وحِكماً يجدّد فيها لأولي الأبصار عِبَراً وسكوناً إلى عظيم قدرتِه ليس ذلك في إبداعها دفعةً، وقوله: لكم، صفةٌ لقوله: رزقاً، إن أريد به المرزوقُ، ومفعولٌ به إن أريد به المصدرُ كأنه قيل: رزقاٍ إياكم.{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} بأن أقدركم على صنعتها واستعمالِها بما ألهمكم كيفيةَ ذلك {لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ} جرياً تابعاً لإرادتكم {بِأَمْرِهِ} بمشيئته التي نيط بها كلُّ شيء، وتخصيصُه بالذكر للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمالِ واستعمالِ الآلاتِ كما يتراءى من ظاهر الحال {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ} إن أريد بها المياهُ العظيمة الجاريةُ في الأنهار العظامِ كما يومىء إليه ذكرُها عند البحر فتسخيرُها جعلُها مُعدّةً لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداولَ يسقوُن منها زروعَهم وجِنانَهم وما أشبه ذلك، وإن أريد بها نفسُ الأنهار فتسخيرُها تيسيرُها لهم.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الآية: 32]. قال جعفر: سخر لكم السماوات بالمطر، والأرض بالنبات، والبحر أن يتخذ سبيلاً ومتجرًا، وسخر لكم الشمس والقمر، يدوران عليك ويوصلان إليك منافع الثمار والزروع، وسخر قلب المؤمن لمحبته ومعرفته، وجعل الله تعالى من العباد القلوب لأنه موضع نظره ومستودع أمانته ومعرفة أسراره.
القشيري
تفسير : في الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلقَ فيها بحاراً، وأجرى أنهاراً، وأنبت أشجاراً، وأثبت لها أنوار وأزهاراً، وأمطر من السماء ماء مدراراً. وأخرج من الثمرات أصنافاً، ونوَّع لها أوصافاً، وأفرد لكلِّ منها طعماً مخصوصاً، ولإدراكه وقتاً معلوماً. وأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس التوحيد، وقمر العرفان. ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء، وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاز في الخبر: "حديث : لو وزنا لاعتدلا"تفسير : - هذا لعوام المؤمنين، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط، ولخاص الخاص فالهيبة والأُنس والبقاء والفناء. وسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهي فلك التوفيق والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ، وكذلك ليالي الطلب للمريدين، وليالي الطرب لأهل الأُنْس من المحبين، وليالي الحرب للتائبين، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} خلق سماوات الارواح وعرض القلوب زين السموات بانوار الجبروت وزين الارضين بانوار الملكوت رفع هذه السماوات بانوار الذات وبسطة هذه الارضين بانوار الصفات {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} انزل من سماء القيومية على سماء الارواح امطار انوار وانزل من سماء الارواح على ارض القلوب امطار المعرفة والتوحيد فاخرج بتلك المياه من جنات القلوب ثمار المحبة والالفة والشوق والعشق رزق للعقول والاسرار والنفوس {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} سخر للارواح ان تسير فى فلك قلوبها فى بحر الاولية والاخروية === بشمال همها لوجدان عجائب بحار الذات والصفات من جواهر الاسرار والانوار فيؤيدها الحق === رياح الكرم ولطائف القدم ليوصلها به منه اليه {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} سخر العقول اجراء انهار الافكار والاذكار ولادراك الانوار والاسرار اجرى الحق فى ارض القلوب انهار معرفته ومحبته يسقيها معادن نور حكمته وعروق ورد شوقه واصول شقائق الصدق والاخلاص {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} الشمس والقمر ههنا نور الايمان ونور اليقين ونور المعرفة ونور التوحيد ونور المحبة والشوق ونور الهداية والتوفيق واصل ذلك شروق شمس مشاهدة الذات وبروز قمر نور الصفات من مطالع الارواح والقلوب ليربيان نبات المعارف واشجار الكواشف ونرجس الايمان وورد الايقان {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} جاء بظلمة النفس للامتحان وجاء بنهار القلب للعرفان جاء بليل القهر للنكرة وجاء بنهار اللطف للمعرفة جاء بليل الحجاب للعتاب وجاء بنهار كشف النقاب للسرور بالمآب ربى سواكن الارواح والقلوب والعقول والنفوس والاشباح من الاسرار والفهوم والعلوم والحكم والفطن والحقيقة والمعرفة والمحبة والصدق والاخلاص والتوكل والرضا بليل كشف ظلال الصفات وظهر نهار سبحات الذات ليتم نعمته من الولاية والكرامات لها التى لا نهاية ولا غاية.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله} مبتدأ خبره {الذى خلق السموات} وما فيها من الاجرام العلوية {والارض} وما فيها من انواع المخلوقات وقدم السماوات لانها بمنزلة الذكر من الانثى {وانزل من السماء} اى من السحاب فان كل ما علاك سماء او من الفلك فان المطر منه يبتدئ الى السحاب ومنه الى الارض على ما دلت عليه ظواهر النصوص. يقول الفقير هو الارجح عندى لان الله تعالى زاد بيان نعمه على عباده فبين اولا خلق السماوات والارض ثم اشار الى ما فيها من كليات المنافع لكنه قدم واخركتأخير تسخير الشمس والقمر ليدل على ان كلا من هذه النعم نعمة على حدة ولو اريد السحاب لم يوجد التقابل التام واياما كان فمن ابتدائية {ماء} اى نوعا منه وهو المطر {فاخرج به} اى بسبب ذلك الماء الذى اودع فيه القوة الفاعلية كما انه اودع فى الارض القوة القابلية {من الثمرات} من انواع الثمرات {رزقا لكم} تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس مفعول لاخرج ومن للتبيين حال منه ولكم صفة كقولك انفقت من الدراهم الفا او للتبعيض بدليل قوله تعالى {أية : فاخرجنا به ثمرات} تفسير : كانه قيل انزل من السماء بعض الماء فاخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم اذ لم ينزل من السماء كل الماء ولاخرج بالمطر كل الثمار ولاجل كل الرزق ثمر او كان احب الفواكه الى نبينا عليه السلام الرطب والبطيخ وكان يأكل البطيخ بالرطب ويقول "حديث : يكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا" تفسير : فان الرطب حار رطب والبطيخ بارد رطب كما فى شرح المصابيح وفى الحديث "حديث : من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" تفسير : قوله تصبح اى اكل وقت الصباح قبل ان يأكل شيئا آخر وعجوة عطف بيان لسبع تمرات وهى ضرب من اجود التمر فى المدينة يضرب الى السواد يحتمل ان يكون هذا الخاصية فى ذلك النوع من التمر ويحتمل ان يكون بدعائه له حين قالوا احرق بطوننا تمر المدينة وفى الحديث "حديث : كلوا التمر على الريق فانه يقتل الديدان فى البطن" تفسير : وكان عليه السلام ياخذ عنقود العنب بيده اليسرى ويتناول حبة حبة بيده اليمنى كذا فى الطب النبوى وفى البطيخ والرمان قطرة من ماء الجنة. وروى عن على كلوا من الرمان فليس منه حبة تقع فى المعدة الا انارت القلب واخرست الشيطان اربعين يوما. وقال جعفر بن محمد ريح الملائكة ريح الورد وريح الانبياء ريح السفرجل وريح الحور ريح الآس تفسير : {وسخر لكم الفلك} بان اقدركم على صنعتها واستعمالها بما الهمكم كيفية ذلك {لتجرى} اى الفلك لانه جمع فلك {فى البحر} [دردريا] {بامره} بارادته الى حيث توجهتم وانطوى فى تسخير الفلك تسخير البحار وتسخير الرياح. قال فى شرح حزب البحر قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لعمرو بن العاص صف لى البحر فقال يا امير المؤمنين مخلوق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود. وفى انوار المشارق يجوز ركوب البحر للرجال والنساء عند غلبة السلامة كذا قال الجمهور. وكره ركوبه للنساء لان الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر عن المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن فى تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن الى قضاء الحاجة بحضرة الرجال {وسخر لكم الانهار} اى المياه العظيمة الجارية فى الانهار العظام وتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداول يسقون بها زروعهم وجنانهم وما اشبه ذلك. قال فى بحر العلوم اللام فيها للجنس او للعهد اشير بها الى خمسة انهار سيحون نهر الهند وجيحون نهر بلخ ودجلة والفرات نهر العراق والنيل نهر مصلا انزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة فاستودعها الجبال واجراها فى الارض وسخرها للناس وجعل فيها منافع لهم فى اصناف معاشهم وسائر الانهار تبع لها وكأنها اصولها {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} قال فى تهذيب المصادر الدأب [دانم شدن] فالمعنى دائمين متصلين فى سيرهما لا ينقطعان الى يوم القيامة. وقال فى القاموس دأب فى عمله كمنع دابا ويحرك ودؤوبا بالضم جدّ وتعب. فالمعنى مجدين فى سيرهما وانارتهما ودرئهما الظلمات واصلاحهما يصلحان الارض والابدان والنبات لا يفتران اصلا ويفضل الشمس على القمر لان الشمس معدن الانوار الفلكية من البدور والنجوم واصلها فى النورانية وان انوارهم مقتبسة من نورالشمس على قدر تقابلهم وصفوة اجرامهم {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان بالزيادة والنقصان والاضاءة والاظلام والحركة والسكون فيهما اى لمعاشكم ومنامكم ولعقد الثمار وانضاجها. واختلفوا فى الليل والنهار ايهما افضل. قال بعضهم قدم الليل على النهار لان الليل لخدمة المولى والنهار لخدمة الخلق ومعارج الانبياء عليهم السلام كانت بالليل ولذا قال الامام النيسابورى الليل افضل من النهار. يقولىالفقير الليل محل السكون ففيه سر الذات وله المرتبة العليا والنهار محل الحركة ففيه سر الصفات وله الفضيلة العظمى واول المراتب وآخرها السكون كما اشار اليه قوله تعالى فى الحديث القدسى "حديث : كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق" تفسير : فالخلق يقتضى الحركة المعنوية وما كان قبل الحركة والخلق الا سكون محض وذات بحت فافهم. وسيد الايام يوم الجمعة واذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة تضاعف الحج لسبعين حجة على غيره وبهذا ظهر فضل يوم الجمعة على يوم عرفة. وافضل الليالى ليلة المولد المحمدى لولاه ما نزل القرآن ولا نعتت ليلة القدر وهو الاصح. تفسير : {وآتاكم من كل ما سألتموه} اى اعطاكم مصلحة لكم فى بعض جميع ما سألتموه فان الموجود من كل صنف بعض ما قدره الله وهذ كقوله تعالى {أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء} تفسير : فمن للتبعيض او كل ما سألمتوه على ان من للبيان وكلمة كل للتكثير كقولك فلان يعلم كل شيء واتاه كل الناس وعليه قوله تعالى {أية : فتحنا عليهم ابواب كل شيء } تفسير : قال الكاشفى [وبداد شمارا ازهر جه خواستيد يعنى آنجه محتاج اليه شما بود خواسته وناخواسته بشما ارزانى داشت] {وان تعدوا نعمة الله} التى انعم بها عليكم بسؤال وبغيره {لا تحصوها} لا تطيقوا حصرها وعدها ولو اجمالا لكثرتها وعدم نهايتها. وفيه دليل على ان المفرد يفيد الاستغراق بالاضافة واصل الاحصاء ان الحساب كان اذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد وضعت له حصاة ليحفظ بها ثم استؤنف العدد. والمعنى لا توجد له غاية فتوضع له حصاة والنعم على قسمين نعمة المنافع لصحة البدن والامن والعافية والتلذذ بالمطاعم والمشارب والملابس والمناكح والاموال والاولاد ونعمة دفع المضار من الامراض والشدائد والفقر والبلاء واجل النعم استواء الخلقة والهام المعرفة [سلمى قدس سره فرمودكه مراد ازين نعمت حضرت بيعمبر ماست صلى الله عليه وسلم كه سفر بزر كتر وواسطة نزديكترمايان حق وخلق اوست وفى نفس الامر حصر صفات كمال وشرح انوار جمال اواز دائرة تصور وتخيل بيرن وازاندازه تأمل وتفكر افزونست] شعر : بر ذروه معارج قدر رفيع تو نى عقل راه يابد ونى فهم بى برد تفسير : {ان الانسان لظلوم} لبليغ فى الظلم يظلم النعمة باغفال شكرها او بوضعها فى غير موضعها او يظلم نفسه بتعريضها للحرمان {كفار} شديد الكفران لها او ظلوم فى الشدة يشكو ويجزع كفار فى النعمة يجمع ويمنع. واللام فى الانسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم والكفران بعض من وجد فيه من افراده كما فى الارشاد - روى - انه شكا بعض الفقراء الى واحد من السلف فقره واظهر شدة اهتمامه به فقال ايسرّك انك اعمى ولك عشرة آلاف درهم فقال لا فقال اقطع اليدين والرجلين ولك عشرون الف درهم فقال لا فقال ايسرّك الله انك مجنون ولك عشرة آلاف قال لا فقال اما تستحيى انك تشكو مولاك وعندك عروض باربعين الف. ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وفى يده كوز ماء وهو يشربه فقال عظنى فقال لو لم تعط هذه الشربة الا ببذل جميع اموالك والا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه قال نعم قال ولو لم تعط الا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم فقال لا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء وان نعمة على العبد فى شربة ماء عند العطش اعظم من ملك الارض كلها بل كل نفس لا يستوى بملك الارض كلها فلو اخذ لحظة حتى انقطع الهواء عنه مات ولو حبس فى بيت حمام فيه هواء حار او بئر فيه هواء ثقيل برطوبة الماء مات غما ففى كل ذرة من بدنه نعم لا تحصى شعر : نعمت حق شمار وشكر كذار نعتش را اكرجه نيست شمار شكر باشد كليد كنج مزيد كنج خواهى منه زدست كليد تفسير : والاشارة {الله الذى خلق السموات} سموات القلوب {والارض} ارض النفوس {وانزل من السماء} من سماء القلوب {ماء} ماء الحكمة {فاخرج به من الثمرات} من ثمرات الطاعات {رزقا لكم} لارواحكم فان الطاعات غذاء الارواح كما ان الطعام غذاء الابدان {وسخر لكم الفلك} فلك الشريعة {لتجرى فى البحر} فى بحر الطريقة {بامره} بامر الحق لا بامر الهوى والطبع لان استعمال فلك الشريعة اذا كان بامر الهوى والطبع سريعا ينكسر ويغرق ولا يبلغ ساحل الحقيقة الا بامر اولى الامر وملاحيه وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى {اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم} وقال النبى عليه السلام "من اطاع اميرى فقد اطاعنى ومن اطاعنى فقد اطاع الله" وكم من سفن لارباب الطلب لما شرعت فى هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء الاهواء وتلاطم امواج الغرة وانقطعت دون ساحلها {وسخر لكم الانهار} انهار العلوم اللدنية {وسخر لكم الشمس} شمس الكشوف {والقمر} قمر المشاهدات{دائبين} بالكشف والمشاهدة {وسخر لكم الليل} ليل البشرية {والنهار} نهار الروحانية وتسخير هذه الاشياء عبارة عن جعلها سببا لاستكمال استعداد الانسان فى قبول الفيض الالهى المختص به من بين سائر المخلوقات وفى قوله {وآتاكم من كل ما سألتموه} اشارة الى انه تعالى اعطى الانسان فى الازل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفيض الالهى وهو قوله تعالى {لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم} ثم للابتلاء رده الى اسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الاسباب التى تخرجه من اسفل سافلين وتصعده الى اعلى عليين فاذا امعنت النظر فى هذه الآيات رأيت ان العالم بما فيه خلق تبعا لوجود الانسان وسببا لكماليته كما ان الشجرة خلقت تبعا لوجود الثمرة وسببا لكماليتها فالانسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات فافهم جدا {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها} لان نعمته على الانسان قسمان قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا انها خلقت لاستكمال الانسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لان فوائدها عائدة الى الانسان الى الابد وهى غير متناهية فلا يحصى عدها وقسم يتعلق بعواطف الوهيته وعوارف ربوبيته فهى ايضا غير متناهية {ان الانسان لظلوم} لنفسه بان يفسد هذا الاستعداد الكامل بالاعراض عن الحق والاقبال على الباطل {كفار} لا نعم الله اذا لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعد ما كانت نعمة من ربه كما فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (الله): مبتدأ، و(الذي)، وما بعده: خبر، و (رزقاً لكم): مفعول أخرج، و (من الثمرات): بيان له، حال، ويجوز العكس، ويجوز أن يراد بالرزق: المصدر، فينصب على العلة أو المصدر؛ لأن (أخرج) فيها معنى "رَزَقَ"، و (دائبينْ): حال، والدؤوب: الدوام على عمل واحد، و (من كل ما سألتموه): يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. يقول الحق جل جلاله: {اللهُ الذي خلق السماوات والأرض} من أجلكم، السماء تُظلكم، والأرض تُقلكم، {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمراتِ رزقاً لكم}، تعيشون به وتتفكهون منه. ويشمل الملبوس، كالقطن، والكتان، وشبه ذلك {سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره}: بمشيئته وقدرته، إلى حيث توجههم مع أسباب حكمته، تغطية لقدرته، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها، من الجبال والقلاع، {وسخّر لكم الأنهار} مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب، وسائر منافعها، فجعلها مُعدَّة لا نتفاعكم وتصرفكم. وقيل: تسخير هذه الأشياء: تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها. {وسخَّر لكم الشمسَ والقمرَ دائبين}؛ متماديين في الطلوع والغروب، يدأبان في سيرهما وإنارتهما، وإصلاح ما يصلحانه من المكونات، بقدرة خالقهما، {وسخَّر لكم الليلَ والنهارَ} يتعاقبان لسكناتكم ومعايشكم. {وآتاكم من كل ما سألتموه} أي: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه، وهو ما يليق بكم، وما سبق لكم في مشيئته وعلمه. قال البيضاوي: ولعل المراد بما سالتموه: ما كان حقيقياً بأن يسأل؛ لاحتياج الناس إليه، سُئل أو لم يسأل. هـ. وقرأ الضحاك وابن عباس: "من كُلِّ"؛ بالتنوين، أي: وآتاكم من كل شيء احتجتم إليه، وسألتموه بلسان الحال. ويجوز على هذا أن تكون "ما" نافية، في موضع الحال، أي: وآتاكم من كل شيء غير سائليه. {وإن تعدوا نعمةَ الله لا تُحصوها}: لا تحصوها، ولا تطيقوا عدَّ أنواعها، فضلاً عن أفرادها، فإنها غير متناهية؛ فمنها ظاهرة، ومنها باطنة، كالهداية والمعرفة. قال طلق بن حبيب: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمة أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا توابين. هـ. وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قلَّ علمه، وحضر عذابه. هـ. {إنَّ الإنسانَ لظلوم}؛ بظلم النعمة لمَّا غفل عن شكرها، أو بظلم نفسه لمَّا عرضها للحرمان، بارتكاب المعاصي، {كفارٌ}: شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفّار في النعمة يجمع ويمنع. قاله البيضاوي. الإشارة: الله الذي أنزل من سماء الملكوت علوماً وأسراراً، تحيا به القلوب والأرواح، فأخرج به من أرض النفوس، ثمرة اليقين والطمأنينة، رزقاً لأرواحكم. وسخر لكم فلك الفكرة تجري في بحر التوحيد، وفضاء التفريد بأمره. وسخر لكم أنهار العلوم، منها ما هو علم الرسوم لأصلاح الظواهر، ومنها ما هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر. وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان، دائبين، يستضيء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات، وبشمس العرفان إلى أسرار الذات. وسخَّر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه، ونهار البسط، لتنشروا في اقتباس العلوم وربما أفادك في ليل القبض ما لم تفسده في نهار البسط (لا تدرون أيهم أقرب نفعاً). وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم، وصح وصلكم، فيكون أمركم بأمر الله. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصُوها؛ إذ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد لا حدَّ لهما في هذه الدار وفي تلك الدار، ففي كل نَفَس يمدهم بمَددٍ جديد، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم!! إن الإنسان لظلوم كفار، وشكرها: نسبتها لمعطيها، وحمد الله عليها. وفي الحكم: "لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك؛ فإنَّ ذلك مما يحط من وجود قدرك". قال سهل بن عبد رضي الله عنه: ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى، لأن الشكر يستوجب المزيد. وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال: إلهي، ابنُ آدمَ ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة، وفوقها نعمة، فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، إني أُعْطِي الكثير وأرْضَى باليسير، وإنَّ شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني. هـ. ومن جملة النعم التي يجب الشكر عليها وهي التي بدلها الكفار كفراً.
الطوسي
تفسير : ثلاث آيات في الكوفي والمدنيين وآيتان فيما عداها، آخر الاولى {الأنهار}. أخبر الله تعالى انه (عز وجل) اخترع السموات والارض وانشأهما بلا معين ولا مشير {وأنزل من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً فأخرج بذلك الماء الثمرات رزقاً لعباده، وسخر لهم المراكب في البحر لتجري بأمر الله، لانها تسير بالرياح والله تعالى المنشىء للرياح {وسخر لكم الأنهار} التي تجري بالمياه التي ينزلها من السماء، ويجريها في الأودية، وينصبّ منها في الانهار {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} معناه ذلل لكم الشمس والقمر ومهدهما لمنافعكم، وتدبير الله لما سخره للعباد ظاهر لكل عاقل متأمل لا يمكنه الانصراف عنه إِلا على وجه المعاندة والمكابرة، والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه دأب يدأب دأباً ودؤوباً فهو دائب، والمعنى دائبين، لا يفتران، في صلاح الخلق والنبات، ومنافعهم {وسخر لكم الليل والنهار} أي ذللهما لكم، ومهدهما لمنافعكم، لتسكنوا في الليل، وتبتغوا في النهار من فضله {وأتاكم من كل ما سألتموه} معناه ان الانسان قد يسأل الله العافية فيعطي، ويسأله النجاة فيعطي، ويسأله الغنى فيعطي، ويسأله الملك فيعطي، ويسأله الولد فيعطي، ويسأله العز وتيسير الامور وشرح الصدر فيعطي، فهذا في الجملة حاصل في الدعاء لله تعالى ما لم يكن فيه مفسدة في الدين عليه وعلى غيره، فأين يذهب به مع هذه النعم التي لا تحصى كثرة، عن الله الذي هو في كل حال يحتاج اليه، وهو مظاهر بالنعم عليه. ودخلت (من) للتبعيض، لانه لو كان وآتاكم كل ما سألتموه لاقتضى ان جميع ما يسأله العبد يعطيه الله، والامر بخلافه، لان (من) تنبىء عنه. وقال قوم: ليس من شيء الا وقد سأله بعض الناس، والتقدير كل ما سألتموه قد أتى بعضكم. وقوله {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} معناه وان تروموا عدها بقصدكم اليه لا تحصونها لكثرتها، ويروى عن طلق بن حبيب، أنه قال: ان حق الله اثقل من ان تقوم به العباد، وان نعم الله اكثر من ان تحصيها العباد، ولكن، اصبحوا تائبين، وامسوا تائبين. وقوله {إن الإنسان لظلوم كفار} اخبار منه تعالى أن الانسان يعني من تقدم وصفه بالكفر كثير الظلم لنفسه ولغيره، وكفور لنعم الله غير مؤد لشكرها. وقرىء {من كلّ ما سألتموه} بالتنوين، قال الفراء: كأنهم ذهبوا الى أنا لم نسأله تعالى شمساً ولا قمراً ولا كثيراً من نعمه فكأنه قال: وآتاكم من كل ما لم سألتموه، والاول أعجب اليّ، لان المعنى آتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه، كأنه قال وآتاكم من كل سؤلكم، كما تقول: والله لأعطينك سؤلك ما بلغته مسألتك وان لم تسأل. قال المبرد: يريد ما يخطر ببالك، ومن أضاف جعل (ما) في موضع نصب، وهي بمعنى الذي. ومن نون جعلها نافية.
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} لا غيره فما بالكم يأمركم بالانفاق مع انّ الكلّ بيده فتبخلون {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} على نظامٍ واحدٍ من غير تغيّرٍ عن طريقهما فى الحركة {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} وبتسخيرهما يتولّد ويحصل اصول معيشتكم.
اطفيش
تفسير : {اللهُ} مبتدأ {الَّذِى} خبر. {خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ والأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} بيان لقوله {رِزْقاً} ولو كان مقدماً عنه لأَنه فى نية التأَخر عنه، فإِنه متعلق بمحذوف حال من رزقاً ورزقاً مفعول أخرج بمعنى ما ينتفع به مطعوماً وملبوساً ويجوز أن يكون من الثمرات متعلقاً بمحذوف نعت لمفعول أخرج أو رزقاً حالا من ذلك المفعول، أى أخرج به شيئاً ثابتاً من الثمرات حال كونه رزقاً ويقدر الحذف كذلك لكن يجعل رزقاً حال من الثمرات ويجوز أن يقدر الحذف كذلك لكن يجعل له رزقاً فى معنى مصدر وهو الرزق فيفتح الراء فيكون مفعولا لأَجله أو مفعولا مطلقاً لأخرج كقولك قعدت جلوساً لأَن إخراج الثمرات رزق بفتح الراء، {لَّكُمْ} نعت لزرقاً على أنه بمعنى ما ينتفع به أو مفعول به على أنه بمعنى المصدر وعليه فاللام تقوية أو هو متعلق بأخرج وذكر الله ذلك وما يأْتى تنبيهاً على قدرته وإِحسانه فيؤمن به ويطاع وخص ذكر السماوات والأرض فى الحلق لعظمهما والعرش ولو كان أعظم وكذا الكرسى لكن إِنما نشاهد الأرض وسماءَها ونشاهد سائر السماوات بالقياس على هذه وبرؤية الشمس ونحوها مما يجرى فيهن وهذه الآية إلى الكفار للسلامة من الآفات فى البر والبحر والمال والولد والزرع والدواب وكل ما يتقلب فيه الإِنسان، والسلامة من آفات الليل والنهار، من أدمن على قراءتها فى كل يوم صباحاً ومساءً وعند النوم وعند دخوله إِلى أهله وجيرانه وتقلبه لماله وزرعه كفى كل ما يخافه من ذلك ويرى البركة والسعادة، {وَسَخَّرَ} سهل وذلك، {لَكُمُ الْفُلْكَ} السفن، {لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ} حاملة لكم ولأَموالكم، {بِأَمْرِهِ} بمشيئته إلى حيث شئتم تَجلِب ثماراً وغيرها من بلد إلى آخر. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ} بأن فجرها لكم وجعلها بحال تنتفعون بها وتجرونها حيث أردتم، وقيل تسخير الفلك تعليم كيفية بحارتها وتركيبها على وجه يسهل به مشيها وتسخير الأَنهار تعليم كيفية إجرائها والحفر عليها إن لم تظهر.
اطفيش
تفسير : {اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَألأَرْضَ} الله هو الخالق لذلك وما بعده فكيف يعبد غيره {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} من السحاب ما علاك فهو سماءٌ أَو من السماءِ المقابلة للأَرض وهو بعيد، أَو تارة من هذه،وتارة من السحاب تكون على جبل وفى أَسفل منك سحاب ماطر، ويقال ينزل من السماءِ إِلى السحاب كما ينزل جبريل فى لحظة، أَو ينزل الماءُ بتدريج فيظهر لنا حين أَراد اللهُ {فَأَخْرَجَ} الفاءُ للترتيب دون اتصال هنا وهى سببية أَو مضت مدة فأَخرج، أَو الاتصال فى كل شىءٍ بحسبه فمقدار المعتاد فى الإخراج بعد الإِنزال اتصال {بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} حال من قوله {رِزْقاً} رزقا هو الثمرات أَو بعض الثمرات {لَكُمْ} متعلق بأَخرج أَو نعت رزقا والرزق ما ينتفع به مطعوما أَو مشروبا أَو ملبوسا أَو غير ذلك، والثمرات يشمل ثمرات الشجر وثمرات ما يحرث وثمرات القطن والكتان {وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ} سهل لكم صنعتها والعمل بها فلا تغرق، وهو هنا مفرد لأَن المفرد الأَصل ولقوله {لِتَجْرِىَ فَى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} ولم يقل ليجرين كما قال فى الجمع وجرين بهم، ولو احتمل الجمع وإفراد الضمير لتأْويل الجماعة لأَن هذا خلاف الأصل، وأَل للحقيقة فصدق بالجماعة كما فسروه بالسفن لا بالسفينة، والفلك المفرد يذكر ويؤنث وأُنث هنا، ووجهه أَنه فى معنى السفينة، وقد يترجح الجمع هنا ويتقوى بالتاءِ، لأَن المفرد فى القرآن ورد مذكرا وهو قوله تعالى: "أية : فى الفلك المشحون"تفسير : [الشعراء: 119، يس: 41] وأَمره مشيئَته تجرى بإِذن الله وتسخيره فى البحر لمصالحكم من حمل الثمار ومتاع التجر وحمل الحيوان من بلد لآخر، وماء البحر لذلك، وما شاءَ الله من المنافع كاللؤلؤِ وذكر الشراب بقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنْهَار} للشرب والحرث، وقد تكون فيه السفن للحمل أَيضا وتسخير أَتباعها ولولاه لم تنبع، ولو شاءَ لجعلها أَسفل، وقد تشمل عيون الأَبيار، ومن تسخيرها تعليمه الناس استخراجها وإجراؤها سواقى وقنوات {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ} فى السماءِ الرابعة {وَالْقَمَرَ} فى السماءِ الدنيا {دَائِبَيْن} يجريان فى فلكهما على استمرار، وقيل: فى أيدى ملائِكة بسلاسل من نور، والفلاسفة يثبتون لهما حركتين؛ الحركة الأُولى اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لهما يفسر المحدد لفلكيهما، والأُخرى الحركة الثانية وهى الحركة من توالى البروج من المغرب إلى المشرق الحاصلة بحركة فلكيهما حركة ذاتية ولا يثبتون لهما حركة فى الفلك كحركة الحوت فى الماءِ، وقال ابن العربى: لهما حركة فى فلكيهما، والفلك عنده مثل الماءِ والهواءِ، والدأَب. العادة والدوام لا ينقطع جريهما لإِزالة الظلمة وإصلاح النبات والحيوان، وإنضاج الثمار بهما، قيل: الشمس تتضجعها والقمر يلونها، ومعرفة الفصول بالشمس نهارا، والشهور بالقمر لتوقيت الديون والأَشياءِ المؤَجلة والحج والصوم وغير ذلك، {وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ} للسكون والراحة {وَالنَّهَارَ} للكسب، هذه سبع جمل صلات للذى متعاطفة والجامع بينهن بيان كمال قدرته وسعة نعمه على خلقه والدلالة على وحدانيته تعالى علما وقدرة بعشرة أَدلة،وزاد خلق السماوات وإٍنزال الماءِ بأَن بينهما جامعا خياليا، وأَما المسند إليه فمتحد سبحانه وتعالى.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الخ، وهذا أولى مما قيل: إنه تعالى لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء وكان حصول السعادة بمعرفة الله تعالى وصفاته والشقاوة بالجهل بذلك ختم الوصف بالدلائل الدالة على وجوده جل شأنه وكمال علمه وقدرته فقال سبحانه ما قال لظهور اعتبار المذكورات في حيز الصلة نعماً لا دلائل، والاسم الجليل مبتدأ والموصول خبره ولا يخفى ما في الكلام من تربية المهابة والدلالة على قوة السلطان، والمراد خلق السمٰوات وما فيها من الأَجرام العلوية والأرض وما فيها من أنواع المخلوقات. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء } أي السحاب {مَاء } أي نوعاً منه وهو المطر، وسمي السحاب سماء لعلوه وكل ما علاك سماء؛ وقيل: المراد بالسماء الفلك المعلوم فإن المطر منه يتبدى إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض، وعليه الكثير من المحدثين لظواهر الأخبار. واستبعد ذلك الإمام لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى السحاب أسفل منه فإذا نزل رآه ماطراً، ثم قال: وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً، وأول بعضهم الظواهر لذلك بأن معنى نزول المطر من السماء نزوله بأسباب ناشئة منها، وأياً ما كان فمن ابتدائية وهي متعلقة بأنزل وتقديم المجرور على المنصوب اما باعتبار كونه مبتدأ لنزوله أو لتشريفه كما في قولك: أعطاه السلطان من خزائنه مالاً أو لما مر غير مرة من التشويق إلى المؤخر. {فَأَخْرَجَ بِهِ} أي بذلك الماء {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } تعيشون به وهو بمعنى المرزوق مراداً به المعنى اللغوي وهو كل ما ينتفع به فيشمل المطعوم والملبوس، ونصبه على أنه مفعول {أَخْرَجَ } و {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } بيان له فهو في موضع الحال منه، وتقدم {مِنْ } البيانية على ما تبينه قد أجازه الكثير من النحاة وقد مر الكلام في ذلك، واستظهر أبو حيان المانع لذلك كون {مِنْ } للتبعيض، والجار والمجرور في موضع الحال و {رِزْقاً } مفعول {أَخْرَجَ } أيضاً، وجوز أن تكون {مِنْ } بمعنى بعض مفعول أخرج و {رِزْقاً } بمعنى مرزوقاً حالاً منه فهو بيان للمراد من بعض الثمرات لأن منها ما ينتفع به فهو رزق ومنها ما ليس كذلك، ويجوز أن يكون {رِزْقاً } باقياً على مصدريته، ونصبه على أنه مفعول له أي أخرج به ذلك لأجل الرزق والانتفاع به أو مفعول مطلق ـ لأخرج ـ لأن أخرج بعض الثمرات في معنى رزق فيكون في معنى قعدت جلوساً على المشهور، وقيل: من زائدة ولا يرى جواز ذلك هنا إلا الأخفش و {لَكُمْ } / صفة ـ لرزقاً ـ أن أريد به المرزوق ومفعول به إن أريد به المصدر كأنه قيل: رزقاً إياكم، والباء للسببية. ومعنى كون الإخراج بسببه أن الله تعالى أودع فيه قوة مؤثرة بإذنه في ذلك حسبما جرت به حكمته الباهرة مع غناه الذاتي سبحانه عن الاحتياج إليه في الإخراج، وهذا هو رأي السلف الذي رجع إليه الأشعري كما حقق في موضعه، وزعم من زعم أن المراد أخرج عنده والتزموا هذا التأويل في ألوف من المواضع وضللوا القائلين بأن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة مؤثرة في شيء ما حتى قالوا: إنهم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان، وأولئك عندي أقرب إلى الجنون وسفاهة الرأي. و {ٱلثَّمَرٰتِ } يراد بها ما يراد من جمع الكثرة لأن صيغ الجموع يتعاور بعضها موضع بعض أو لأنه أريد بالمفرد جماعة الثمرة التي في قولك: أكلت ثمرة بستان فلان، وقد تقدم لك ما ينفعك تذكره في هذا المقام فتذكر. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } السفن بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك، وقيل: بأن جعلها لا ترسب في الماء {لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ } حيث توجهتم {بِأَمْرِهِ } بمشيئته التي بها نيط كل شيء، وتخصيصه بالذكر على ما ذكره بعض المحققين للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمال واستعمال الآلات كما يتراءى من ظاهر الحال، ويندرج في تسخير الفلك كما في "البحر" تسخيره وكذا تسخير الرياح {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ} جعلها معدة لانتفاعكم حيث تشربون منها وتتخذون جداول تسقون بها زروعكم وجناتكم وما أشبه ذلك، هذا إذا أريد بالأنهار المياه العظيمة الجارية في المجاري المخصوصة وأما إذا أريد بها نفس المجاري فتسخيرها تيسيرها لهم لتجري فيها المياه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف واقع موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة {وجعلوا لله أنداداً} الآية. وقد فصل بينه وبين المستدل عليه بجملة {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات} الآية. وأدمج في الاستدلال تعدادهم لنعم تستحق الشكر عليها ليظهر حال الذين كفروها، وبالضد حال الذين شكروا عليها، وليزداد الشاكرون شكراً. فالمقصود الأول هو الاستدلال على أهل الجاهلية، كما يدل عليه تعقيبه بقوله: { أية : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجْنُبْنِي وبني أن نعبد الأصنام } تفسير : [سورة إبراهيم: 35]. فجيء في هذه الآية بِنِعم عامة مشهودة محسوسة لا يستطاع إنكارها إلا أنها محتاجة للتذكير بأن المنعم بها وموجدها هو الله تعالى. وافتتُح الكلام باسم الموجِد لأن تعيينه هو الغرض الأهم. وأخبر عنه بالموصول لأن الصلة معلومة الانتساب إليه والثبوت له، إذ لا ينازع المشركون في أن الله هو صاحب الخلق ولا يدعون أن الأصنام تخلق شيئاً، كما قال: { أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } تفسير : [سورة لقمان: 25]، فخلق السماوات والأرض دليل على إلهية خالقهما وتمهيد للنعم المودعة فيهما؛ فإنزال الماء من السماء إلى الأرض، وإخراج الثمرات من الأرض، والبحارُ والأنهارُ من الأرض. والشمس والقمر من السماء، والليل والنهار من السماء ومن الأرض، وقد مضى بيان هذه النعم في آيات مضت. والرزق القوت. والتسخير: حقيقته التذليل والتطويع، وهو مجاز في جعل الشيء قابلاً لتصرف غيره فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } تفسير : في سورة الأعراف (54). وقوله: {لتجري في البحر} هو علة تسخير صنعها. ومعنى تسخير الفلك: تسخير ذاتها بإلهام البشر لصنعها وشكلها بكيفية تجري في البحر بدون مانع. وقوله: {بأمره} متعلق بــــ {تجري}. والأمر هنا الإذن، أي تيسير جريها في البحر، وذلك بكف العواصف عنها وبإعانتها بالريح الرخاء، وهذا كقوله: { أية : ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره } تفسير : [سورة الحج: 65]. وعبر عن هذا الأمر بالنعمة في قوله: { أية : ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله } تفسير : [سورة لقمان: 31]، وقد بينته آية { أية : ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره } تفسير : الآية [سورة الشورى: 32-33]. وتسخير الأنهار: خلقها على كيفية تقتضي انتقال الماء من مكان إلى مكان وقراره في بعض المنخفضات فيستقى منه من تمر عليه وينزل على ضفافه حيث تستقر مياهه، وخلق بعضها مستمرة القرار كالدجلة والفرات والنيل للشرب ولسير السفن فيها. وتسخير الشمس والقمر خلقهما بأحوال ناسبت انتفاع البشر بضيائهما، وضبط أوقاتهم بسيرهما. ومعنى {دائبين} دائبين على حالات لا تختلف إذ لو اختلفت لم يستطع البشر ضبطها فوقعوا في حيرة وشك. والفلك: جمع لفظه كلفظ مفرده. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } تفسير : في سورة البقرة (164). ومعنى {وآتاكم من كل ما سألتموه} أعطاكم بعضاً من جميع مرغوباتكم الخارجة عن اكتسابكم بحيث شأنكم فيها أن تسألوا الله إياها، وذلك مثل توالد الأنعام، وإخراج الثمار والحب، ودفع العوادي عن جميع ذلك: كدفع الأمراض عن الأنعام، ودفع الجوائح عن الثمار والحب. فجملة {وآتاكم من كل ما سألتموه} تعميم بعد خصوص، فهي بمنزلة التذييل لما قبلها لحِكم يعلمها الله ولا يعلمونها { أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير } تفسير : [سورة الشورى: 27]، وأن الإنعام والامتنان يكون بمقدار البذل لا بمقدار الحرمان. وبهذا يتبين تفسير الآية. وجملة {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تأكيد للتذييل وزيادة في التعميم، تنبيهاً على أن ما آتاهم الله كثير منه معلوم وكثير منه لا يحيطون بعلمه أو لا يتذكرونه عند إرادة تعداد النعم. فمعنى {إن تعدوا} إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه. وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام والشراب، ونعمة الدورة الدموية، ونعمة الصحة. وللفخر هنا تقرير نفيس فانظره. والإحصاء: ضبط العدد، وهو مشتق من الحَصَا اسماً للعدد، وهو منقول من الحصى، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنباً للغلط. وجملة {إن الإنسان لظلوم كفار} تأكيد لمعنى الاستفهام الإنكاري المستعمل في تحقيق تبديل النعمة كُفراً، فلذلك فصلت عنها. والمراد بــــ {الإنسان} صنف منه، وهو المتصف بمضمون الجملة المؤكدة وتأكيدها، فالإنسان هو المشرك، مثل الذي في قوله تعالى: { أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } تفسير : [سورة مريم: 66]، وهو استعمال كثير في القرآن. وصيغتا المبالغة في {ظلوم كفار} اقتضاهما كثرة النعم المفاد من قوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، إذ بمقدار كثرة النعم يكثر كفر الكافرين بها إذ أعرضوا عن عبادة المنعم وعبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً، فأما المؤمنون فلا يجحدون نعم الله ولا يعبدون غيره.
القطان
تفسير : الفلك: السفينة للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. دائبين: دائمين في الحركة. لظلوم: ظالم لنفسه. كفار: شديد الكفر والجحود. في هذه الآيات الكريمة يذكِّر اللهُ تعالى بنعمهِ الكثيرة التي لا تُحصى، فإنه خلَق السماواتِ والأرضَ لبني الإنسان ليتمتع بخيراتها، وأَنزل من السماءِ غيثاً عميماً أحيا به الشجر والزرعَ فأثمرت لكم رِزقاً تأكلون منه وتعيشون به، وسخّر لكم السفنَ لتجريَ في البحر بأمرِه، تحملُ أرزاقكم وتحملكم، وسخر لكم الأنهارَ العذبة لتنتفعوا بها في رَيِّ الأنفس والزروع. {..وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ}. لا يفتُران عن الدوران، {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يتعاقبان، تستريحون في اللّيل، وتعملون في النهار {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} وهيّأ لكم كل ما تحتاجون، سواء أسألتُموه ام لم تسألوه.. لأنه قد وضع في هذه الدنيا منافع يجهلُها الناس وهي معدَّة لهم، فلم يسأل الله أحدٌ قديما ان يعطيَهم الطائراتِ والكهرباء وغير ذلك من الأشياء الجديدة، ولم يزل هناك عجائب ستظهر فيما بعد، {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}. وان حاولتم ان تعدُّوا نعمةَ الله فإنكم لا تستطيعون حَصْرَها، فهي أكبرُ وأكثر من ان يحصيَها البشر. وبعد هذا كلّه تجعلون لله أنداداً، ولا تشكرون نِعَم الله {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} فالإنسان الذي بدّل نعمة الله كُفراً بعد كل هذه النعم لهو شديد الظلم والجحود.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلثَّمَرَاتِ} {ٱلأَنْهَارَ} (32) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ الخَلْقِ إِلَى الأَدِلَّةِ المَنْصُوبَةِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ التِي تُوجِبُ عَلَى العِبَادِ المُثَابَرَةَ عَلَى شُكْرِهِ، وَدَوَامِ طَاعَتِهِ، وَيُعَدِّدُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ التِي أَغْدَقَهَا عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ فِي ذلِكَ حَثٌّ لَهُمْ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، فِيمَا يَأْتُونَ، وَفِيمَا يَذَرونَ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ خَلَقَ لَهُمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، وَخَلْقُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ، وَأَخْرَجَ الزرُوعَ وَالثِّمَارَ مُخْتَلِفَةَ الأَلْوَانِ وَالأَشْكَالِ، وَالطُّعُومِ وَالمَنَافِعِ، وَسَخَّرَ السُّفُنَ وَالمَرَاكِبَ (الفُلْكَ) لِمَنْفَعَةِ الإِنْسَانِ، وَجَعَلَهَا طَافِيَةً عَلَى سَطْحِ المَاءِ، وَسَخَّرَ البَحْرَ لِحَمْلِها لِتَسْهِيلِ انْتِقَالِ النَّاسِ فِيهَا، وَسَخَّرَ الأَنْهَارَ تَشُقُّ الأَرْضَ مِنْ قٌطْرٍ إِلى قُطْرٍ، فَيَشْرَبُ مِنْهَا النَّاسُ وَالأَنْعَامُ، وَتُسْقَى الزُّرُوعُ مِنْهَا، وَتَجْرِي فِيهَا المَرَاكِبُ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِيهِ رِزْقٌ وَمَنَافِعُ لِلْعِبَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والسماء والأرض - كما نعلم - هما ظَرْفَا الحياة لنا كلنا، وقد قال الحق سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57]. فإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض؛ فهذا لَفْتٌ لنا على الإجمال؛ لأنه لم يَقُلْ لنا ما قاله في مواضع أخرى من القرآن الكريم بأنها من غير عَمَد؛ وليس فيها فُطور، ولم يذكر هنا أنه خلق في الأرض رواسي كي لا تميد بنا الأرض، ولم يذكر كيف قَدَّر في الأرض أقواتها، واكتفى هنا بلمحة عن خَلق السماوات والأرض. وحين يتكلم سبحانه هنا عن خَلْق السماوات يأتي بشيء لم يدَّعه أحد على كثرة المُدَّعِين من الملاحدة؛ وذلك لتكون ألزم في الحجة للخَصْم، وبذلك كشف لهم حقيقة عدم إيمانهم؛ وجعلهم يروْنَ أنهم كفروا نتيجة لَددٍ غير خاضع لمنطق؛ وهو كفر بلا أسباب. وحين يحكم الله حُكْماً لا يوجد لا معارض ولا منازع، فهذا يعني أن الحكم قد سلَم له سبحانه. ولم يجترئ أحد من الكافرين على ما قاله الله؛ وكأن الكافر منهم قد أدار الأمر في رأسه، وعلم أن أحداً لم يَدَّعِ لنفسه خَلْق السماوات والأرض؛ ولا يجد مفرّاً من التسليم بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض. وقول الحق سبحانه هنا: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ..} [إبراهيم: 32]. يُوضِّح لنا أن كلمة "الله" هنا؛ لأنها مَناطُ الصعوبة في التكليف؛ فالتكليف يقف أمام الشهوات؛ وقد تغضبون من التكليف؛ ولكنه يحميكم من بعضكم البعض، ويكفل لكم الأمان والحياة الطيبة. ولم يَأْتِ الحق سبحانه بكلمة "رب" هنا لأنها مناطُ العطاء الذي شاءه للبشر، مؤمنهم وكافرهم. وكلمة "الله" تعني المعبود الذي يُنِزل الأوامر والنواهي؛ وتعني أن هناك مشقات؛ ولذلك ذكر لهم أنه خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء. ونحن حين نسمع كلمة "السماء" نفهم أنها السماء المقابلة للأرض؛ ولكن التحقيق يؤكد أن السماء هي كُلُّ ما علاك فأظلَّك. والمطر كما نعلم إنما ينزل من الغَيْم والسحاب. والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِِ ..} تفسير : [النور: 43]. وقد عرفنا بالعلم التجريبي أن الطائرة - على سبيل المثال - تطير من فوق السحاب، وعلى ذلك فالمطر لا ينزل من السماء؛ بل ينزل مِمَّا يعلونا من غَيْم وسحاب. أو: أنك حين تنسب النزول من السماء؛ فهذا يوضح لنا أن كل أمورنا تأتي من أعلى؛ ولذلك نجد الحديد الذي تحتضنه الجبال وينضج في داخلها؛ يقول فيه الحق سبحانه: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25]. وهكذا نجد أنه إما أن يكون قد نزل كعناصر مع المطر؛ أو لأن الأمر بتكوينه قد نزل من السماء. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يتحدث الحق سبحانه عن خَلْق السماوات والأرض؛ وكيف أنزل الماء من السماء: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ...} [إبراهيم: 32]. والثمرات هي نتاج ما تعطيه الأرض من نباتات قد تأكل بعضاً منها؛ وقد لا تأكل البعض الآخر؛ فنحن نأكل العنب مثلاً، ولكنا لا نأكل فروع شجرة العنب، وكذلك نأكل البرتقال؛ ولكنا لا نأكل أوراق وفروع شجرة البرتقال. ويتابع سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ..} [إبراهيم: 32]. والتسخير معناه قَهْر الشيء ليكون في خدمة شيء آخر. وتسخير الفُلْك قد يثير في الذهن سؤالاً: كيف يُسخِّر الله الفلك، والإنسان هو الذي يصنعها؟ ولكن لماذا لا يسأل صاحب السؤال نفسه: ومن أين نأتي بالأخشاب التي نصنع منها الألواح التي نصنع منها الفُلْك؟ ثم مَنِ الذي جعل الماء سائلاً؛ لتطفو فوقه السفينة؟ ومَنِ الذي سيَّر الرياح لتدفع السفينة؟ كل ذلك من بديع صنُعْ الله سبحانه. وكلمة "الفلك" تأتي مرة ويُراد بها الشيء الواحد؛ وتأتي مرة ويُراد بها أشياء؛ فهي تصلح أن تكون مفرداً أو جمعاً. والمثل هو قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ..} تفسير : [البقرة: 164]. وكذلك قال في قصة نوح عليه السلام: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ..} تفسير : [هود: 37]. وبعض العلماء يقولون: إذا عاد ضمير التأنيث عليه؛ تكون جَمْعاً؛ وإذا عاد عليها بالتذكير تكون مفرداً. ولكنِّي أقول: إن هذا القول غَيْر غالب؛ فسبحانه قد قال عن سفينة نوح وهي مفرد: {أية : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ..} تفسير : [القمر: 14]. ولم يَقُل: "يجري بأعيننا"، وهكذا لا يكون التأنيث دليلاً على الجمع. ويتابع سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ ..} [إبراهيم: 32]. ونفهم بطبيعة الحال أن النهر عَذْب الماء؛ والبحر ماؤه مالح. وسبحانه قد سخَّر لنا كل شيء بأمره، فهو الذي خلقَ النهر عَذْب الماء، وجعل له عُمْقاً يسمح في بعض الأحيان بمسير الفلك؛ وأحياناً أخرى لا يسمح العمق بذلك. وجعل البحر عميقَ القاع لِتمرُق فيه السفن، وكل ذلك مُسخَّر بأمره، وهو القائل سبحانه: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..} تفسير : [الشورى: 33]. أي: أنه سبحانه قد يشاء أن تقف الرياحُ ساكنة؛ فتركد السفن في البحار والأنهار. ومن عجائب إنباءات القرآن أن الحق سبحانه حينما تكلم عن الريح التي تُسيِّر الفلك والسفن؛ قال الشكليون والسطحيون "لم نعد نُسيِّر السفن بالرياح بل نُسيِّرها بالطاقة". ونقول: فلنقرأ قوله الحق: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 46]. و "ريحكم" تعني: قوتكم وطاقتكم؛ فالمراد بالريح القوة المطلقة؛ سواء جاءت من هواء، أو من بخار، أو من ماء. وهذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - نزلت بعد أن أعلمنا الحق سبحانه بقصة السعداء من المؤمنين؛ والأشقياء الكافرين؛ فكانت تلك الآية بمثابة التكريم للمؤمنين الذين قدروا نعمة الله هذه؛ فلمَّا علموا بها آمنوا به سبحانه. وكرمتهم هذه الآية لصفاء فطرتهم التي لم تُضبَّب، وتكريم للعقل الذي فكّر في الكون، ونظر فيه نظرة اعتبار وتدبُّر ليستنتج من ظواهر الكون أن هناك إلهاً خالقاً حكيماً. وفي الآية تقريع للكافر الذي استقبل هذه النعم، ولم يسمع من أحد أنه خلقها له؛ ولم يخلقها لنفسه، ومع ذلك يكابر ويعاند ويكفر بربِّ هذه النعم. وأول تلك النعم خَلْق السماوات والأرض؛ ثم إذا نظرتَ لبقية النعم فستجدها قد جاءتْ بعد خَلْق السماوات والأرض؛ وشيء من تلك النعم مُتَّصل بالسماء؛ مثل السحاب، وشيء متصل بالأرض مثل الثمرات التي تخرجها. إذن: فالاستقامة الأسلوبية موجودة بين النعمة الأولى وبين النعمة الثانية. ثم قال بعد ذلك: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ..} [إبراهيم: 32]. فما هي المناسبة التي جعلتْ هذا الأمر يأتي بعد هذين الأمرين؟ لأن الفُلْك طريقها هو البحار ومسارها في الماء. وقد قال الحق سبحانه أنه خلق السماوات والأرض. ومدلول الأرض ينصرف على اليابسة كما ينصرف على المائية، ومن العجيب أن المائية على سطح الكرة الأرضية تساوي ثلاثة أمثال اليابسة؛ ورُقْعة الماء بذلك تكون أوسعَ من رقعة التراب في الأرض. وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أخرج من الأرض ثمراً هي رِزْق لنا، فلا بُدَّ من وجود علاقة ما بين ذلك وتلك، فإذا كانت البحار تأخذ ثلاثة أرباع المساحة من الأرض؛ فلا بُدَّ أن يكون فيها للإنسان شيء. وقد شرح الحق سبحانه ذلك في آيات أخرى؛ وأوضح أنه سخَّر البحر لنأكل منه لحماً طرياً؛ وتلك مُقوِّمات حياة، ونستخرج منه حلية نلبسها؛ وذلك من تَرِف الحياة. ونرى الفلك مواخر فيه لنبتغي من فضله سبحانه. وبذلك تكون هناك خيرات أخرى غير السمك والحلي؛ ولكنها جاءت بالإجمال لا بالتفصيل؛ فربما لم يكُنِ الناس قادرين في عصر نزول القرآن على أنْ يفهموا ويعرفوا كل ما في البحار من خيرات؛ ولا تزال الأبحاثُ العلمية تكشف لنا المزيدَ من خيرات البحار. وحين نتأمل الآن خيرات البحار نتعجب من جمال المخلوقات التي فيه. إذن: فقوله: {أية : لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 66]. هو قَوْل إجمالي يُلخِّص وجود أشياء أخرى غير الأسماك وغير الزينة من اللؤلؤ والمرجان وغيرها، ونحن حين نرى مخلوقاتِ أعماق البحار نتعجَّب من ذلك الخَلْق أكثر مما نتعجَّب من الخَلْق الذي على اليابسة، ومن خَلْق ما في السماء. وهكذا يكون قوله الحق: {أية : لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 66]. من آيات الإجمال التي تُفصِّلها آيات الكون؛ فبعضٌ من الآيات القرآنية تُفسرها الآيات الكونية، ذلك أن الحق سبحانه لو أوضح كل التفاصيل لَمَا صدَّق الناس - على عهد نزول القرآن - ذلك. وعلى سبيل المثال حين تكلَّم سبحانه عن وسائل المواصلات؛ قال: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. وقوله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. أدخل كُلّ ما اخترعنا نحن البشر من وسائل المواصلات؛ حتى النقل بالأزرار كالفاكس وغير ذلك. وحينما يتكلم سبحانه عن البحار؛ إنما يُوضِّح لنا ما يُكمِل الكلام عن الأرض. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ..} [إبراهيم: 32]. ولو فَطِن الناس لقالوا عن السفن "جمال البحار"؛ ما داموا قد قالوا عن الجمل إنه "سفينة الصحراء"؛ ولكنهم أخذوا بالمجهول لهم بالمعلوم لديهم. وإياك أن تقول: أنا الذي صنعتُ الشراع؛ وأنا الذي صنعتُ المركب من الألواح، ذلك أنك صنعتَ كل ذلك بقواك المخلوقة لك من الله، وبالفكر الموهوب لك من الله؛ ومن المادة الموهوبة لك من الله، فكلُّها أشياء جاءتْ بأمر من الله. وهنا يقول سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32]. والنهر ماؤه عادة يكون عَذْباً ليروي الأشجار التي تُنِتج الثمار. والأشجار عادة تحتاج ماء عَذْباً. وهكذا شاء الله أن يكون ماء البحار والمحيطات مخزناً ضخماً للمياه؛ يحتل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، وهي مساحة شاسعة تتيح فُرْصة لعمليات البَخْر؛ التي تُحوِّل الماء بواسطة الحرارة إلى بخار يصعد إلى أعلى ويصير سحاباً؛ فيُسقِط السحابُ الماءَ بعد أن تخلص أثناء البَخْر من الأملاح وصار ماء عَذْباً؛ تروى منه الأشجار التي تحتاجه، وتنتج لنا الثمار التي نحتاجها، وكأن الأملاح التي توجد في مياه البحار تكون لِحفْظها وصيانتها من العطب. ونعلم أن معظم مياه الأنهار تكون من الأمطار، وهكذا تكون دورة الماء في الكون؛ مياه في البحر تسطع عليها الشمس لِتُبخِّرها؛ لتصير سحاباً؛ ومن بعد ذلك تسقط مطراً يُغذي الأنهار؛ ويصب الزائد مرة أخرى في البحار. ويتابع سبحانه: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى: أنه وحده { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } على اتساعهما وعظمهما، { وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } وهو: المطر الذي ينزله الله من السحاب، { فَأَخْرَجَ } بذلك الماء { مِنَ الثَّمَرَاتِ } المختلفة الأنواع { رِزْقًا لَكُمْ } ورزقا لأنعامكم { وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ } أي: السفن والمراكب. { لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } فهو الذي يسر لكم صنعتها وأقدركم عليها، وحفظها على تيار الماء لتحملكم، وتحمل تجاراتكم، وأمتعتكم إلى بلد تقصدونه. { وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ } لتسقي حروثكم وأشجاركم وتشربوا منها. { وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ } لا يفتران، ولا ينيان، يسعيان لمصالحكم، من حساب أزمنتكم ومصالح أبدانكم، وحيواناتكم، وزروعكم، وثماركم، { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ } لتسكنوا فيه { وَالنَّهَارَ } مبصرا لتبتغوا من فضله. { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أي: أعطاكم من كل ما تعلقت به أمانيكم وحاجتكم مما تسألونه إياه بلسان الحال، أو بلسان المقال، من أنعام، وآلات، وصناعات وغير ذلك. { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا } فضلا عن قيامكم بشكرها { إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصر في حقوق ربه كفَّار لنعم الله، لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه، وعرف حق ربه وقام به. ففي هذه الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره، وذكره ويحثهم على ذلك، ويرغبهم في سؤاله ودعائه، آناء الليل والنهار، كما أن نعمه تتكرر عليهم في جميع الأوقات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):