Verse. 1783 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَسَخَّــرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَاۗىِٕـبَيْنِ۝۰ۚ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّہَارَ۝۳۳ۚ
Wasakhkhara lakumu alshshamsa waalqamara daibayni wasakhkhara lakumu allayla waalnnahara

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وسخر لكم الشمس والقمر دائبين» جاريين في فلكهما لا يفتران «وسخر لكم الليل» لتسكنوا فيه «والنهار» لتبتغوا فيه من فضله.

33

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَينِ } جاريين في فلكهما لا يَفْتُران {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ } لتسكنوا فيه {وَٱلنَّهَارَ } لتبتغوا فيه من فضله.

ابو السعود

تفسير : {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَينَ} يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالةً وخلافةً وإصلاحِهما لما نيط بهما صلاحُه من المكوّنات {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهارَ} يتعاقبان خِلْفةً لمنامكم ومعاشِكم ولعقد الثمار وإنضاجِها، ذكر سبحانه وتعالى أنواعَ النعم الفائضةِ عليهم وأبرز كلَّ واحدة منها في جملة مستقلةٍ تنويهاً لشأنها وتنبـيهاً على رفعة مكانِها وتنصيصاً على كون كل منها نعمةً جليلةً مستوجبةً للشكر، وفي التعبـير عن التصريف المتعلّق بما ذُكر من الفلك والأنهارِ والشمسِ والقمر والليل والنهار بالتسخير ـ من الإشعار بما فيها من صعوبة المأخذ وعزةِ المنال والدِلالة على عِظَم السلطان وشدّة المِحال ـ ما لا يخفى، وتأخيرُ تسخيرِ الشمس والقمرِ عن تسخير ما تقدمه من الأمور المعدودةِ مع ما بـينه وبـين خلقِ السموات من المناسبة الظاهرةِ لاستتباع ذكرِها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزالِ الماءِ منها إليها الموجبِ لذكر إخراجِ الرزقِ الذي من جملته ما يحصُل بواسطة الفَلَك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل أعني خلقَ السمواتِ والأرض وتسخيرَ الشمس والقمر نعمةً واحدةً كما مر في سورة البقرة. {وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم بعضَ جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئتُه التابعةُ للحكمة والمصلحة كقوله سبحانه: { أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء: 18] أو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ونيط به انتظامُ أحوالِكم على الوجه المقدّرِ فكأنكم سألتموه، أو كلَّ ما طلبتموه بلسان الاستعدادِ أو كلَّ ما سألتموه، على أن (من) للبـيان وكلمةُ كل للتكثير، كقولك: فلان يعلم كلَّ شيء وأتاه كلُّ الناس وعليه قوله عز وجل: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء} وقيل: الأصلُ وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحُذف الثاني لِدلالة ما أُبقيَ على ما أُلقيَ، وقرىء بتنوين (كلِّ) على أن ما نافيه ومحل سألتموه النصبُ على الحالية أي آتاكم من كلَ غيرَ سائليه. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} التي أنعم بها عليكم {لاَ تُحْصُوهَا} لا تُطيقوا بحصرها ولو إجمالاً فإنها غيرُ متناهيةٍ، وأصل الإحصاءِ أن الحاسبَ إذا بلغ عَقداً معيناً من عقود الأعدادِ وضع حصاةً ليحفظ بها، إيذانٌ بعدم بلوغِ مرتبةٍ معتدَ بها من مراتبها فضلاً عن بلوغ غايتِها، كيف لا وما من فرد من أفراد الناسِ وإن كان في أقصى مراتبِ الفقرِ والإفلاس مَمنوًّا بأصناف العنايا مبتلىً بأنواع الرزايا فهو بحيث لو تأملتَه ألفيتَه متقلّباً في نِعمَ لا تحدّ ومننٍ لا تحصى ولا تعدّ كأنه قد أعطيَ كلَّ ساعة وآنٍ من النعماء ما حواه حِيطةُ الإمكان، وإن كنت في ريب من ذلك فقدِّرْ أنه ملَك مِلكٌ أقطارَ العالم، ودانت له كافةُ الأمم، وأذعنت لطاعته السَّراةُ، وخضعت لهيبته رُقابُ العُتاة، وفاز بكل مرام، ونال كل منالٍ، وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف الأموالِ من غير نِدّ يزاحمه، ولا شريك يساهمُه، بل قدِّرْ أن جميع ما فيها من حجر ومدَرٍ يواقيتُ غاليةٌ ونفائسُ دُررٍ، ثم قدِّر أنه قد وقع مِنْ فقْد مشروبٍ أو مطعوم في حالة بلغت نفسُه الحلقومَ، فهل يشتري وهو في تلك الحال بجميع مالِه من الملك والمال لُقمةً تنجّيه عن رِواه، أو شربةً ترويه من ظَماه، أم يختار الهلاك فتذهبَ الأموالُ والأملاك بغير بذل يبقى عليه ولا نفعٍ يعود إليه؟ كلا، بل يبذُل لذلك كلَّ ما تحويه اليدان كائناً ما كان وليس في صفقته شائبةُ الخُسران، فإذن تلك اللقمةُ والشَّرْبةُ خيرٌ مما في الدنيا بألف رتبةٍ مع أنهما في طرف الثمام ينالهما متى شاء من الليالي والأيام، أو قدّر أنه قد احتبس عليه النفَسُ فلا دخلَ منه ما خرَج ولا خرَج منه ما ولَج، والحينُ قد حان وأتاه الموتُ من كل مكان أما يعطي ذلك كلَّه بمقابلة نفس واحد بل يعطيه وهو لرأيه حامدٌ، فإذن هو خير من أموال الدنيا بجملتها ومطالبها برُمّتها مع أنه قد أبـيح له كل آنٍ من آنات الليالي والأيام حالَ اليقظة والمنام هذا من الظهور والجلاء بحيث لا يكاد يخفى على أحد من العقلاء، وإن رمت العثورَ على حقيقة الحقِّ والوقوفَ على كل ما جل من السرِّ ودق فاعلم أن الإنسانَ بمقتضى حقيقتِه الممكنةِ بمعزل عن استحقاق الوجودِ وما يتبعه من الكمالات اللائقةِ والملكاتِ الرائقةِ بحيث لو انقطع ما بـينه وبـين العنايةِ الإلٰهية من العلاقة لما استقر له القَرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار، ومهاوي الهلاك والدمار لكن يَفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدّس في كل زمان يمضي وكل آن يمرّ وينقضي من أنواع الفيوضِ المتعلقة بذاته ووجودِه وسائرِ صفاتِه الروحانيةِ والنفسانية والجُسمانية ما لا يحيط به نطاقُ التعبـير ولا يعلمه إلا العليم الخبـير، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجودَ ابتداءً لا يستحقه بقاءً وإنما ذلك من جانب المبدأ الأول عز وجل، فكما لا يتصور وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميع أنحاءِ عدمِه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققِه بعلّته ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمه الطارىء لأن الاستمرار والدوامَ من خصائص الوجود الواجبـي. وأنت خبـير بأن ما يتوقف عليه وجودُه من الأمور الوجودية التي هي عللُه وشرائطُه وإن وجب كونُها متناهيةً لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدميةَ التي لها دخلٌ في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالةَ في أن يكون لشيء واحد موانعُ غيرُ متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود فارتفاعُ تلك الموانع التي لا تتناهى ـ أعني بقاءَها على العدم مع إمكان وجودِها في أنفسها في كل آن من آنات وجودِه ـ نعمٌ غيرُ متناهية حقيقة لا ادعاءً وكذا الحال في وجودات علله وشرائطِه القريبة والبعيدة ابتداءً وبقاءً وكذا في كمالاته التابعةِ لوجوده فاتضح أنه يَفيض عليه كلَّ آن نعمٌ لا تتناهى من وجوه شتى، فسبحانك سبحانك ما أعظمَ سلطانَك لا تلاحظك العيونُ بأنظارها ولا تطالعك العقولُ بأفكارها شأنُك لا يضاهىٰ وإحسانُك لا يتناهى ونحن في معرفتك حائرون وفي إقامة مراسمِ شكرِك قاصرون نسألك الهدايةَ إلى مناهج معرفتِك والتوفيقَ لأداء حقوقِ نعمتك لا نحصي ثناءً عليك لا إلٰه إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ} يظلِم النعمةَ بإغفال شكرِها أو بوضعه إياها في غير موضعِها أو يظلم نفسَه بتعريضها للحرمان {كَفَّارٌ} شديدُ الكفران، وقيل: ظلومٌ في الشدة يشكو ويجزع، كفّارٌ في النعمة يجمع ويمنع، واللام في الإنسان للجنس ومصداقُ الحكمِ بالظلم والكفران بعضُ مَنْ وُجد فيه من أفراده ويدخُل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله كفراً الخ دخولاً أولياً.

اطفيش

تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ} جادين فى سيرهما وإِنارتهما وإصلاح النبات والحيوان وغير ذلك من المنافع إلى يوم القيامة والشمس سلطان النهار وبها تعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل وبه يعرف انقضاء الشهور من دأب فى السير أو غيره بمعنى دام عليه أو من دأب بمعنى اعتاد، والدأب العادة أو من دأب بمعنى تعب، بما يوصف بالتعب المكثرة دورا بهما، وقيل الأَصل دائمين قلبت الميم باء، وعن ابن عباس دائمين فى طاعة الله وليس مغايراً لما تقدم لأَن انقيادهما فى السير طاعة لله تعالى، {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} متعاقبين الليل للنوم والراحة والسكون، والنهار للكسب ومتوالحين بالزيادة من أحدهما فى الآخر.

الالوسي

تفسير : {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَينَ} أي دائمين في الحركة لا يفتران إلى انقضاء عمر الدنيا. أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، والقول بجريانهما إذا غربا تحت الأرض مروي أيضاً عن الحسن البصري وهو الذي يشهد له العقل السليم وللأخباريين غير ذلك، وظاهر الآية إثبات الحركة لهما أنفسهما. والفلاسفة يثبتون لهما حركتين يسمون احداهما الحركة الأولى وهي الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لهما بقسر المحدد لفلكيهما، والأخرى الحركة الثانية وهي الحركة على توالي البروج من المغرب إلى المشرق الحاصلة لهما بحركة فلكيهما حركة ذاتية، ولا يثبتون لهما حركة في ثخن الفلك على نحو حركة السمكة في الماء لصلابة الفلك وعدم قبوله الخرق أصلا عندهم. وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره في "فتوحاته" حركتهما على ذلك النحو، والفلك عنده مثل الماء والهواء. ذكر بعض الأخباريين أنهما وسائر الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة يسيرونها كيف شاء الله تعالى وحيث شاء سبحانه، والأفلاك ساكنة عند هذا البعض، وكذا عند الشيخ قدس سره على ما يقتضيه ظاهر كلامه، والأخبار في هذا الباب ليست بحيث تسد ثغر الخصم. وذكر النسفي أنه ليس فيهما ما يعول عليه، وكلام الفلاسفة ما لم يكن فيه مصادمة لما تحقق عن المخبر الصادق صلى الله عليه وسلم مما لا بأس به، وفسر بعضهم {دَائِبَينَ } بمجدين تعبين وهو على التشبيه والاستعارة، وأصل الدأب العادة المستمرة، ونصب الاسم على الحال، وتسخير/ هذين الكوكبين العظيمين جعلهما منيرين مصلحين ما نيط بهما صلاحه من المكونات، ولعمري أن الله سبحانه جعلهما أجدى من تفاريق العصا. وفي كتاب "المشارع" و "المطارحات" للشيخ شهاب الدين السهروردي قتيل حلب أن تأثير الشمس والقمر أظهر الآثار السماوية، وتأثير الشمس أظهر من تأثير القمر، وأظهر الآثار بعد الشعاع التسخين الحاصل منه ولولا ذلك ما كان كون ولا فساد ولا استحالة ولا ليل ولا نهار ولا فصول ولا مزاج ولا حيوانات ولا غيرها، وأطال الكلام في بيان ذلك وما يتعلق به، ولا ضرر عندي في اعتقاد أنهما مؤثران بإذن الله تعالى كسائر الأسباب عند السلف الصالح. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم، وأرجع بعض المحققين التسخير في المواضع الأربعة إلى معنى التصريف، وأصله سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً، وذكر أن في التعبير عن ذلك به من الإشعار بما في ذلك من صعوبة المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم السلطان وشدة المحال ما لا يخفى، والظاهر أنه في المعنى المراد به هنا مجاز في تلك المواضع جميعا، ونقل أبو حيان عن المتكلمين أنه مجاز في الأخير منها قال: لأن الليل والنهار عرضان والأعراض لا تسخر وفيه قصور، وفي إبراز كل من هذه النعم في جملة مستقلة تنويه لشأنها وتنبيه على رفعة مكانها وتنصيص على كون كل نعمة جليلة مستوجبة للشكر. وتأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدم من الأمور مع ما بينه وبين خلق السمٰ وات من المناسبة الظاهرة قيل: لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل ـ أعني خلق السمٰ وات والأرض وتسخير الشمس والقمر ـ نعمة واحدة، وقد تقدم نظيره آنفاً، وذكر بعضهم في وجه ذكر هذه المتعاطفات على هذا الأسلوب أنه بدأ بخلق السمٰ وات والأرض لأنهما أصلان يتفرع عليهما سائر ما يذكر بعد، وثنى بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به لشدة تعلق النفوس بالرزق فيكون تقديمه من قبيل تعجيل المسرة. ولما كان الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجواري في البحر وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع من ذلك وبالنقل يكثر الربح ذكر سبحانه تسخير الفلك التي ينقل عليها واقتصر عليها اعتناءً بشأنها، ولما ذكر أمر الثمرات وما به يكمل الانتفاع بها من حيث النقل ذكر تسخير الأنهار العذبة التي يشرب منها الناس في سائر الأحيان إتماماً لأمر الرزق وذكر تسخير الشمس والقمر بعد لأن الانتفاع بهما ليس بالمباشرة كالانتفاع بالفلك والانتفاع بالأنهار، وأخر تسخير الليل والنهار لأنهما عرضان وما تقدمهما جوهر والعرض من حيث هو بعد الجوهر اهـ، وليس بشيء يعول عليه.

الواحدي

تفسير : {وسخر لكم الشمس والقمر} ذلَّلهما لما يُراد منهما {دائبين} مقيمين على طاعة الله سبحانه وتعالى في الجري {وسخر لكم الليل} لتسكنوا فيه {والنهار} لتبتغوا من فضله ومعنى "لكم" في هذه الآية لأجلكم، ليس أنَّها مسخَّرة لنا، هي مسخَّرةٌ لله سبحانه لأجلنا [ويجوز أنَّها مسخَّرة لنا لانتفاعنا بها على الوجه الذي نريد].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 33- وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، للإضاءة وإصلاح النبات والحيوان، وسخر لكم الليل للراحة، والنهار للسعى. 34- وهيَّأ لكم كل ما تحتاجون إليه فى حياتكم مما شأنه أن يطلب سواء أطلبتموه أم لا، وإن تعدوا ما أنعم الله به عليكم لا يمكنكم حصر أنواعه، فضلا عن أفراده. إن الجاحد الذى قابل النعم بالجحود لشديد الظلم والجحود. 35- واذكر - أيها النبى - لقومك، ليعتبروا فيرجعوا عن إشراكهم، قوْل أبيهم إبراهيم بعد بناء الكعبة: يا رب اجعل هذا البلد الذى فيه الكعبة ذا أمن من الظالمين وأبعدنى وأبنائى عن عبادة الأصنام. 36- لأن الأصنام تسببت فى إضلال كثير من الناس بعبادتهم لها. فَمِن تبعنى من ذريتى، وأخلص لك العبادة، فإنه من أهل دينى، ومن عصانى - بإقامته على الشرك - فأنت قادر على هدايته لأنك كثير المغفرة والرحمة. 37- يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى فى وادى مكة الذى لا ينبت زرعاً، عند بيتك الذى حرَّمت التعرض له والتعاون بشأنه، وجعلت ما حوله آمناً. ربنا فأكرمهم ليقيموا الصلاة بجوار هذا البيت، فاجعل قلوباً خيرة من الناس تميل إليهم لزيارة بيتك، وارزقهم من الثمرات بإرسالها إليهم مع الوافدين، ليشكروا نعمتك بالصلاة والدعاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {دَآئِبَينَ} {ٱلْلَّيْلَ} (33) - وَسَخَّرَ لِلنَّاسِ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ، يَسِيرَانِ دَائِمَيْ الحَرَكَةِ (دَائِبَيْنِ)، لاَ يَفْتُرَانِ، لَيْلاً وَلاَ نَهَاراً، وَسَخَّرَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَتَعَاقَبَانِ، وَيَتَفَاوَتَانِ طُولاً وَقِصَراً، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً، وَالنَّهَارَ مَعَاشاً لَهُمْ. دَائِبَيْنِ - دَائِمَيْنِ فِي حَرَكَتِهِمَا وَمَنَافِعِهِمَا لَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والشمس آية نهارية؛ والقمر آية ليلية، والماء الذي نشربه له علاقة بالشمس والتي تُبخِّره من مياه البحار؛ ونروي به أيضاً الأرض التي تنتج لنا الثمار؛ أما البحار فحساب كُلِّ ما يجري فيها يتم حسب التقويم القمري. وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم كل ذلك وهو النبي الأمي؟ طبعاً لم يكن ليعلم، بل أنزل الحق سبحانه عليه القرآن؛ يضمُّ حقائق الكون كلها. وقول الحق سبحانه عن الشمس والقمر "دائبين" من الدَّأب، والدُّؤوب هو مرور الشيء في عمل رتيب، ونقول "فلان دَءُوب على المذاكرة" أي: أنه يبذل جَهْداً مُنظّماً رتيباً لتحصيل مواده الدراسية، ولا يبُدد وقته. وكذلك الشمس والقمر اللذان أقام الحق سبحانه لهما نظاماً دقيقاً. وعلى سبيل المثال نحن نحسب اليوم بأوله من الليل ثم النهار؛ ونقسم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5]. وقال أيضاً: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ..} تفسير : [الأنعام: 96]. أي: أنك أيها الإنسان ستجعل من ظهور واختفاء أيٍّ منهما حساباً. وقد جعلهما الحق سبحانه على دقة في الحركة تُيسِّر علينا أن نحسبَ بهما الزمن، فلا اصطدامَ بينهما، ولكلِّ منهما فَلَك خاص وحركة محسوبة بدقة فلا يصطدمان. ولا يُشْبِهان بطبيعة الحال الساعات التي نستخدمها وتحتاج إلى ضبط. وكلما ارتقينا في صناعة نجد اختراعاتنا فيها تُقرِّبنا من عُمْق الإيمان بالخالق الأعلى. وفي نفس الآية يقول الحق سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} [إبراهيم: 33]. وبما أن الشمس آية نهارية؛ والقمر آية ليلية، والنهار يسبق الليل في الوجود بالنسبة لنا. كان مُقْتضى الكلام أن يقول: سخر لكم النهار والليل. ولكن الحق سبحانه أراد أن يُعلمنا أن القمر وهو الآية الليلية؛ ويسطع في الليل؛ والليل مخلوق للسكون؛ لكن هذا السكون ليس سبباً لوجود الإنسان على الأرض؛ بل السبب هو أن يتحرك الإنسان ويستعمر الأرض ويكِدّ ويكدح فيها. لذلك جعل استهلال الشمس أولاً والقمر يستمد ضَوْءَه منها؛ ثم جاء بخبر الليل وخبر النهار، فكأن الله قد اكتنفَ هذه الآية بنوريْن. النور الأول: من الشمس. والنور الثاني: من القمر، كي يعلَم الإنسانُ أن حياته مُغلفة تغليفاً يتيح له الحركة على الأرض، فلا تظننّ أيها الإنسانُ أن الأصل هو النوم! ذلك أنه سبحانه قد خلق النوم لترتاح؛ ثم تصحو لتكدح. ونلحظ أن كلمة "التسخير" تأتي للأشياء الجوهرية، وتأتي للمُسخَّرات أيضاً، فالحيوان مُسخَّر لنا، وكذلك النبات والسماء مُسخَّرة بما فيها لنا، أما الليل والنهار فهما نتيجتان لجواهر؛ هما الشمس والقمر؛ والليل والنهار مُسبَّبان عن شيئين مُباشرين هما: الشمس والقمر. والتسخير - كما نعلم - هو منع الاختيار. وإذا ما سَخَّر الحق سبحانه شيئاً فلنعلم أنه مُنضبط ولا يتأتّى فيه اختلال، ولكن الكائن غير المُسخّر هو الذي يتأتى فيه الاختلال؛ ذلك أنه قد يسير على جَادَّة الصواب، أو قد يُخطيء. وفي مسألة التسخير والاختيار تَعِب الفلاسفة في دراستها؛ وذهبت المذاهب الفلسفية - وخصوصاً في ألمانيا - إلى مذهبين اثنين ظاهرهما التعارض؛ ولكنهما يسيرانِ إلى غايةٍ واحدة وهي تبريرُ الإلحاد. وكان من المقبول أن يكونَ مذهبٌ يُبرر الإلحاد، وأنْ يبررَ الآخرُ الإيمانَ، ولكن شاء فلاسفة المذهبين أنْ يُبرروا الإلحاد. وقال فلاسفة أحد المذهبين: أنتم تقولون إن الكون تُديره قوة قادرة حكيمة؛ وأن كُلّ ما فيه منضبط بتصرفات محسوبة ودقيقة. ولكن الواقع يقول: إن هناك بعضاً من المخالفات التي نراها في الكائنات، والمثل هو تلك الشذوذات التي في الإنسان - على سبيل المثال - فهناك القصير أكثر من اللازم؛ وهناك الطويل أكثر من اللازم؛ وهناك مَنْ يولد بعين واحدة؛ وهناك مَنْ يولد بذراع عاجز؛ ولو أن القوة التي تدير الكون حكيمة لَمَا ظهرتْ أمثال تلك الشذوذات. ونرد على صاحب تلك النظرية قائلين: وإذا لم يكُنْ هناك إله، أتستطيع أن تقول لنا الحكمة من وراء وجود تلك الشذوذات؟ فأنت تدفع الحكمة عن الخالق الذي نؤمن به؛ فهل تستطيع أنت إثباتَ الحكمة لغيره؟ طبعاً لن يستطيع أنْ يردَّ عليك؛ لأن كلامه مردود. ثم نأتي للمدرسة المقابلة التي تقول: إن النظام الموجود بالكون يدل على أنه لا يوجد له خالق؛ فهو نظام ثابت آليّ؛ ولا يوجد إله قادر على أن يقلب آلية هذا الكون. وهكذا كانت هاتان المدرستان مختلفتين؛ ومتعارضتين؛ ولكنهما يؤديان إلى الإلحاد. ونرد على المدرستين قائلين: يا من تأخذ ثبات النظام دليلاً على وجود إله؛ فهذا الثبات موجود في الكون الأعلى. ويا من تأخذ الشذوذ دليلاً على وجود خالق؛ فهو موجود في الكائنات الأدنى؛ ولو حدث الشذوذ في الكائنات الأعلى لَفسدتِ السماوات والأرض. وقد شاء الحق سبحانه أن يوجد الشذوذ لوجه في الأفراد؛ فواحد يكون شاذاً؛ والباقي الغالب يكون سليماً. وهكذا يكون الشذوذ في الأفراد غيرَ مانع لقضية وجود خالق أعلى، وإذا أردت ثبات النظام فانظر إلى الكون الأعلى؛ كي تعلم أنه لا يوجد للإنسان مَدْخل في هذا الأمر. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد سخّر لنا الليل والنهار؛ وهما من الأعراض الناتجة عن تسخير الشمس والقمر؛ وكلاً من الشمس والقمر دائبين، يمشي كل منهما في حركته مشياً لا تنقطع فيه رتابة العادة. ونضبط أوقاتنا على هذا النظام الرتيب الدقيق، فنحدد - على سبيل المثال - أوائل الفصول ومواسم الزراعة؛ ومواقيت الصلاة. وإذا نظرتَ إلى أيِّ اختلال قد ينشأ من بعض الظواهر؛ فاعلم أن ذلك قد نشأ من تدخُّل الإنسان المُخْتار المُسْتخلفَ في الأرض؛ والمثال هو مشكلة ثُقْب طبقة الأوزون الموجودة في الغلاف الجوي، والتي قد نشأت من تجاربنا التي نلهث فيها من أجل تحسين حياتنا على الأرض. ولكننا ننظر إلى التجربة بأفْق محدود، ونفصل النظرة الجزئية عن النظرة الكلية المطلوب منا أنْ ننظرَ بها لكُل ما يحيط بنا في الكون؛ فنتسبب بهذا اللهْث في التجارب في إفساد الكثير من أسرار حياتنا على الأرض؛ حتى بِتْنَا نشكو من اضطراب الجو بَرْداً وصقيعاً؛ وحراً فوق الاحتمال. وذلك بتدخّل الإنسان المختار فيما لا يجب أنْ يتدخلَ فيه إلا بعد أن يدرسَ كل جوانبه. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الروم: 41]. ولذلك لا بُدَّ من دراسة المُقدّمات والنتائج جيداً قبل أن نُضخِّم من تجاربنا التي قد تضر البشر؛ ولذلك أيضاً أقول: إن علينا أن ندرس الآثار الجانبية لكل اختراع علمي كي نحميَ البشر من سيئات تلك الآثار الجانبية. ولنتذكر قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} تفسير : [الإسراء: 36]. ولعل ما نعيش فيه من مُشْكِلات تتعلق بالجو والصحة هو نتيجة تدخُّلنا بغير علم مكتمل؛ وهذا يؤكد لنا حكمة الخالق الأعلى؛ ذلك أننا لمّا خرجنا بالمُخْترعات العلمية وانبهرنا بفائدتها السطحية؛ ظننا أن في ذلك مكسباً كبيراً؛ ولكنه كان وبالاً في بعض الأحيان نتيجة الآثار الجانبية. ولذلك لم يَقُلِ الحق سبحانه: "بما اكتسبت أيدي الناس" بل قال: {أية : بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الروم: 41]. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} [إبراهيم: 33]. وهكذا نعلم أن تعاقب ظهور الشمس والقمر؛ يُسبِّب تعاقبَ مجيء الليل والنهار. ولا يعني ظهور الشمس وسطوعها أن القمر غير موجود؛ فهو موجود، ولكن ضوء الشمس المُبهِر يمنعك من أنْ تراه، ولكن هناك أوقات يمكنك أن ترى فيها الشمس والقمر معاً. أما الليل والنهار فهما يتتابعان كل منهما خَلْف الآخر. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ..} تفسير : [الفرقان: 62]. أي: أنهما لا يأتيان معاً أبداً؛ فالليل في بلد ما يقابله نهار في بلد آخر. وهكذا أثبتَ لنا الدأبَ في الحركة؛ فكُلٌّ منهما يأتي عَقِب الآخر؛ وقد جعل الحق سبحانه ذلك من أول لحظة في الخَلْق؛ وكانا لحظة الوجود خِلفْة، كل منهما يأتي من بعد الآخر؛ فكأن الكون حين خلقه الله؛ وجعل الشمس في مواجهة الأرض، صار الجزء المواجه للشمس نهاراً؛ والجزء غير المواجه لها صار ليلاً. ثم دارت الأرض؛ ليأتي الجزء الذي كان غير مُواجِه للشمس؛ في مواجهتها؛ فصار ليلاً، وذهب الجزء الذي كان في مواجهتها، ليكون مكان الجزء الآخر فصار ليلاً، وهكذا شاء سبحانه أن يكون كل منهما خَلْف الآخر. وهكذا تكلم الحق سبحانه عن حَصْر بعضٍ من نعمه الكلية علينا نحن العباد، سماء، وأرض، وماء ينزل، وثمرات تنبت من الأرض، وكذلك سخَّر لنا الشمس والقمر، والليل والنهار، وهذا ما يُسمَّى تعديد لبعض النعم. ونجد واحداً من الصالحين يقول عن نعم الله "أَعد منها ولا أعددها". فكأن الله ينبهنا إلى أصول النظام الكوني الأعلى، ثم فتح المجالِ لِنعَمٍ أخرى لن يستطيع أحد أنْ يُحصِيها. لذلك يقول سبحانه من بعد ذلك: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ...}.