Verse. 1784 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَاٰتٰىكُمْ مِّنْ كُلِّ مَا سَاَلْتُمُوْہُ۝۰ۭ وَاِنْ تَعُدُّوْا نِعْمَتَ اللہِ لَا تُحْصُوْہَا۝۰ۭ اِنَّ الْاِنْسَانَ لَظَلُوْمٌ كَفَّارٌ۝۳۴ۧ
Waatakum min kulli ma saaltumoohu wain taAAuddoo niAAmata Allahi la tuhsooha inna alinsana lathaloomun kaffarun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وآتاكم من كل ما سألتموه» على حسب مصالحكم «وإن تعدوا نعمة الله» بمعنى إنعامه «لا تحصوها» لا تطيقوا عدها «إن الإنسان» الكافر «لظلوم كفار» كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه.

34

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَءَاتَاكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } على حسب مصالحكم {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } بمعنى إنعامه {لاَ تُحْصُوهَا } لا تطيقوا عدّها {إِنَّ ٱلإنسَٰنَ } الكافر {لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}[34] بأن جعل السفير فيما بينكم وبينه الأعلى والواسطة الكبرى.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [الآية: 34]. قال يحيى بن معاذ: إن الله تعالى أعطاك أكثر ما فى خزائنه وأَجلِّه وأعظمه من غير سؤال وهو التوحيد فكيف يمنعك ما هو دونها من الثواب، ودفع العقاب بسؤال فاجتهد أيها العبد أن لا يكون سؤالك إلا منه ولا رغبتك إلا فيه، ولا رجوعك إلا إليه فإن الأشياء كلها له، فمن أشغله بغيره عنه فقد قطع عليه طريق الحقيقة ومن شغله به، وجعل الأشياء طوع يديه فينقلب له الأعيان ويقرب له البعيد ويمشى حيث أحبّ، وهذا من مقامات العارفين. قوله عز وجل: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [الآية: 34]. تعُد نعمة من المنعم، فتعجز عن الإحصاء فكيف إذا تتابعت، قيل - أجل النعم استواء الخلقة وإلهام المعرفة والذكر من سائر الحيوان، ولا يطيق القيام بشكرها أحد، وقيل: إن الإنسان لظلوم: لنفسه حيث ظن أن شكره يقابل نعمَه، كفَّار: محجوب عن رؤية الفضل عليه فى البدء والعاقبة. قال سهل: إن تعدوا نعمة الله: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم لن تحصوها بل جعل السَّفير فيما بينكم وبين السفير الأعلى والواسطة الأدنى. قال ابن عطاء: أجل النعم رؤية معرفة النعم، ورؤية التقصير فى القيام بشكر المنعم. قال ابن عطاء: النعمة أزلية كذلك يجب أن يكون شكرها أزلىّ واعلم أن لك نفسًا وروحًا وقلبًا، فنعمة النفس الطاعات، ونعمة الروح الخوف، ونعمة القلب اليقين والحكمة، ونعمة الروح المحبة والذكر، ونعمة المعرفة الألفة بالنفس فى أبحر الطاعات تتنعم والقلب فى أبحر اليقين يتقلب، والروح فى أبحر القربة، وانتظار العيان تتنعم.

القشيري

تفسير : ما سَمَتْ إليهِ هِمَمُكُم، وتعلَّق به سؤالُكُم، وخَطَر تحقيقُ ذلك ببالِكم، أنلناكم فوق ما تُؤَمِّلُون، وأعطيناكم أكثر مما تَرْجُون، قال تعالى: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]. وقرأ بعض القراء: {مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] فَيُنَوِّنُ قوله: كلٍ، ويجعل ما سألتموه (ما) للنفي أي كل شيء مما لم تسألوه. كذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني - وهذا لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني - وهذا لأصحاب الزلات. عَلِمَ قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكَّر ما عمله من الزلاَّت، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمةَ السؤال، والتفضل؛ فقال: غفرتُ لكم قبل أن تستغفروني. ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهَّلَه الحق - سبحانه - من العرفان؟ وكيف يكون ذلك الحديث؟... قَبْلَ أَنْ كان له إمكانٌ، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخاً أو عيناً أو أثراً..لا بَلْ: شعر : أتاني هواها قبل أَنْ أَعْرِف الهوى فصادف قلباً خالياً فَتَمكَّنَا تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}. كيف يكون شكركم كفاء نِعَمِه..؟ وشكرُكُم نَزْرٌ يسير، وإنعامُه وافر غزير. وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟ إنَّ نِعَمَه عُلُومُكُم عن تفصيلها متقاصرةٌ، وفُهُومُكُم عن تحصيلها متأخِّرةٌ. وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له... فكيف يأتي الحصر والإحصاء على ما لا يتناهى؟ وكما أن النَّفْعَ من نِعِمَه فالدفعُ أيضاً من نعمه. ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقُّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيقٍ آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} اتاكم ما سالتم منه فى معاهد الاول وعقود الست بربكم من كشف الجمال والوصول الى وصال الذى جلاله غير محصور وكماله غير مقصور بقوله {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} نعمة الله كشف صفاته وذاته لهم وتعريفها اياهم على نعت السرمدية ولا يبلغ الى وصفها حساب الحدثان وعدد الزمان والمكان ثم شكى سبحانه من المنعم عليه حيث ظلم بعد هذه النعم والكرم بسكونه بما وجد وعصيانه لمن اوجد بقوله {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وصف شكره فى التوحيد حيث استغرق فى بحر الديمومية واتصف بتلك الصفة وخرج منها بدعوى الانائية ظلم بجهله بعين القدم ولو ادركها لغنى عن الانائية فى عين القدم واى ظلم اعظم من دعوى الربوبية ومحل العبودية ثم وصفه بوصف العطش والشوق فى سراب الحيرة الى ادراك كنه الكنه ونسى ما وجد وجهل بتنزيهه الازلية عن مطالعة الخليقة بوصف الاحاطة فتارة ظالما من كمال استغراقه فى الازل بدعوى الانائية وتارة كافرا حيث نسى ما وجد وجهل بما لم يكن مدركا الا الحق سبحانه وكفرانه غاية عطشه فى الشوق الى ادراك الربوبية وعلو همته فى خوضه فى ظلمة اصل كل اصل وعلة كل علل الا ترى موسى عليه السلام اذا استغرق فى بحر الاولية كيف طلب الكل بالكل والاخر بالاول والاول بالاخر والصفة بالذات والذات بالصفات فقال موسى من متى انت يا رب وهذا الانسان كيف يكون انسانا حيث حمل ما لم يحمل الحدثان اقرأ حديث انا عرضنا الامانة الاية واذى موازاة حمل معرفة الاولية ولاخروية وكنه الكنه وادراك عين العين لا بنفسه ظلما حيث اجترى ما اجترى وجهل بما راى على ما لم ير قال فى حتمه انه كان ظلوما جهولا قال === لك السماوات بالامطار والارض بالنبات والبحر بان تتخد سبيلا ومتجرا وسخر لك الشمس والقمر يدوران === ويوصلان اليك منافع الثمار والزروع وسخر قلب المؤمن بمحبته ومعرفته وحظ الله من العباد === لنها موضع نظره ومستودع اعانته ومعرفة اسراره قال يحيى بن معاذ فى قوله واتاكم من كل === ان الله تعالى اعطاك اكبر ما فى خزانته واجله واعظمه من غير سؤال وهو التوحيد فكيف يمنعك ما هو دونها من الثواب والعافية بسوال فاجتهد ايها العبد ان لا يكون سوالك الا منه ولا رغبتك الا فيه ولا يرجعون الا اليه فان الاشياء كلها له فمن شغله بغيره عنه فقد قطع عليه طريق الحقيقة ومن شغله به جعل الاشياء كلها طوع يديه فتنقلب له الاعيان ويقرب له البعد فيمشى حيث احب ويخبر عما اراد وهذا من مقامات العارفين وقال بعضهم وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها عد نعمة من نعمة يعجز عن الاحصاء فكيف اذا تتابعه النعم قيل اجل النعمة استواء الخلقة والهام المعرفة والذكر من بين سائر الحيوان ولا يطيق القيام بشكرها احد وقيل ان الانسان لظلوم لنفسه حيث ظن ان شكره يقابل نعمه كفار محجوب عن رؤية الفضل عليه فى البدء والعافية وقال سهل وان تعدوا نعمة الله عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم الا تحصوها بان جعل السفير فيما بينكم وبينه السفير الاعلى والواسطة الادنى وقال ابن عطا اجل النعمة رؤية معرفة النعم ورؤية التقصير فى القيام بشكر المنعم قال ايضا النعمة ازلية كذلك يجب ان يكون شكره ازليا واعلم ان لك نفسا وروحا قلبا فنعمة النفس الطاعة ونعمة الروح الخوف ونعمة القلب اليقين ونعمة الروح الحكمة ونعمة المحبة الذكر ونعمة المعرفة الالفة والنفس فى ابحر الطاعات تتنعم والقلب فى ابحر النعيم ينقلب والمعرفة ابحر القربة وانتظار العيان تتنعم قال ايضا سخر لكم الليل والنهار جعلهما ظرفا لعبادتك ووعاء لطاعتك وسخر لك الشمس والقمر لتستدل بهما على اوقات العابدات وسخر قلبك لمعرفته ومحبته لان حظ الحق من العبيد قلوبهم قال الحسين فى قوله وان نعدّوا نعمة الله لا تحصوها ما لا يحصى لا يتناهى لا يمن لها شكر متناه فى وقت متناه وانما طالبهم بالشكر ليقطعهم عن الشكر وقال الاستاد سماء القلوب زينها بمصابيح العقول واطلع فيها شمس التوحيد وهى العرفان ومرج فى القلوب بحرى الخوف والرجاء جعل بينهما برزخا لا يبغيان لا يغلب الخوف ولا الرجاء وسخر فلك التوفيق والعصمة وسفينة الايواء والحفظ === ليالى الطلب للمريدين وليالى الطرب لاهل الانس من المحبين وليالى الهرب للتائبين وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند سطوع نهار اليقين.

الجنابذي

تفسير : {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} بلسان الاستعداد وان كان قد لا يعطى ما سألتموه بلسان القال، وقرأ الصّادقان (ع): من كلٍّ بالتّنوين ولعلّه كان اوفق بالمقصود اذ السّؤال بلسان الحال لا يتخلّف المسؤل عنه والله تعالى يعطى كلاًّ من كلّ شيءٍ بقدر ذلك السّؤال، ولسان لقال ان لم يكن موافقاً للسان الحال يتخلّف المسؤل عن السّؤال كما يشاهد من اكثر السّائلين المتضرّعين الّذين يتخلّف عنهم مسؤلهم. اعلم، انّ الله تعالى ناظر الى سؤال الاستعداد ومعطٍ بقدر فالمادّة الانسانيّة تسأل نضجاً بالقوى النّباتيّة من الغاذية بجنودها والنّامية بجنودها والمولّدة باعوانها، ومستقرّاً من الكليتين والبيضتين وبعد تمام نضجها تستدعى وعاءً تستقرّ فيه وتنموا وتتبدّل من صورةٍ ومن حالٍ الى حالٍ وتستدعى مربّياً يربّيها من اللنّفوس البالغة ومتصرّفاً فى ذاتها من القوى النّباتيّة بمراتبها الى ان يبلغ اوان تولّدها وبعد التّولّد تستدعى الف الف ملك والف الف قوّة بها يتمّ فعلها ونموّها وبلوغها وخروجها من الدّنيا الى الآخرة فأعطاها الله كلّها، هذا بحسب ما ندركه بمدركاتنا القاصرة وامّا ما لا ندركه فغير متناهية الى حدّ {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} الّتى اعطاكموها بمسئلتكم {لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} جواب سؤالٍ عن حال الانسان بازاء تلك النّعم يعنى انّه ظلوم لانّه لا يستعمل النّعم فيما اعطبت له ويمنع المستحقّ عن الحقّ ويعطى لغير المستحقّ، وكفّار لأنّه يستر انعام الحقّ فى النّعمة ولا ينظر الى الانعام ولا الى المنعم بل الى ذات النّعمة من غير اعتبار كونها نعمةً من غيره بل يضيفها الى نفسه ويقول: انّما اوتيته على علمٍ واستحقاق من نفسى.

اطفيش

تفسير : {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أى شيئا ثابتاً من كل ما طلبتموه منى فإِن الموجود من كل صنف بعض ما فى قدرة الله، ويجوز أن يكون المراد به سألتموه ما من شأْنه أن تطلبوه ولو لم تطلبوه وهذا عندى أولى لأَنه تعالى بدأ بالنعم قبل أن يسأَل، وقيل هناك حذف أى من كل ما سأَلتموه وما لم تسأَلوه، وما اسم موصول أو نكرة موصوفة وهكذا فى غالب المواضع ولو اقتصرت فيها على ذكر الموصولة، وإِما أن تكون هنا مصدرية، والمصدر بمعنى اسم مفعول فلا حاجة إِن جعل ما اسماً موصولا أو نكرة موصوفة يغنى عنه مع سلامة من تأْويل المصدر باسم مفعول، وقرأ ابن عباس وغيره من كل بالتنوين وهو رواية عن نافع غير مشهورة، وعليه فما اسم موصول أو نكرة موصوفة مفعول لأتى أو حرف نفى والجملة حال من كاف آتاكم أى آتاكم شيئاً من كل صنف وأنتم لم تسألوه أى غير سائليه أو نعت لكل أو المضاف إِليه المقدر أو للمفعول المقدر، {وَإِن تَعُدُّوا} أى وإِن أردتم حصرها والاطلاع على عددها {نِعْمَةَ اللهِ} بمعنى الإِنعام على المعنى المصدرى والإِشكال أو بمعنى الشىء المنعم به فهو بمعنى الجمع، فإِنه قيل كأَنه وإِن تعدوا نعم الله فالإِضافة للاستغراق {لاَ تُحْصُوهَا} لا تبلغوا لها آخر أو لا عدد فى الأَنواع فضلا عن الأفراد فإِن نعمه تعالى لا تتناهى، قال طلق بن حبيب: إِن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين، وفى كتاب أظنه لابن عطاء الله أو لعبد الحق فى الوعظ والأَدب والنصح مسجعاً ما نصه أيها الحريص على نيل عاجل حظه ومراده، الغافل عن الاستعداد لميعاده تنبه لعظمته من جودك وبقائك بإِرفاده ودوامك بإِمداده أنت طفل فى حجر لطفه ومهد عطفه وحضانة حفظه، يغذيك بلبن بره ويقلبك بأيدى أياديه وفضله وأنت غافل عن تعظيم أمره جاهل بما أولاك من لطف سره وفضلك به على كثير من خلقه، اذكر عهد الإِيجاد ودوام الإِمداد والإِرفاد وحالتى الإِصدار والإِيراد وفاتحة المبدأ أو خاتمة المعاد، {إِنَّ الإِنسَانَ} الـ للجنس أى كل إِنسان ولو بلغ ما بلغ فى العبادة، {لَظَلُومٌ} شديد الظلم للنعمة بإغفال شكرها لقوتها وكثرتها أو شديد الظلم لنفسهِ بتعرضه للحرمان وذلك على عمومه إِذ لا يقوم أحد بحق الله ولا شىء يعتمد عليه السعداء المجتهدون سوى فضل الله ومسامحته أنبياءَه أو غيرهم {كَفَّارٌ} شديد الكفران بالنعمة أى بعيد عن شكرها على التمام ولا يطلق فى حق المتولى أنه ظلوم كفار إلا بهذا البيان وذكره وقيل الـ فى الإِنسان للجنس الصادق بأَصحاب الكبائر فقط وقيل ظلوم فى الشدة يشكو ويجزع، كفار فى النعمة ويجمع وقيل الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر فى غير موضعه والكفار الجحود لنعم الله. وعن ابن عباس المراد أبو جهل وعلى الوجه الأول الذى به والمراد الإِنسان مطلقاً. قال ابن زيد هذه منسوخة بقوله إن الله لغفور رحيم بعد قوله وإن تعدوا نعمةَ اللهِ لا تُحصوهَا فى سورة أخرى ووجهه أن وصفه بكونه ظلوماً كفاراً يقتضى عذابه فنسخ بذلك هذا ما ظهر لى فى التوحيد والحق أن الإِنسان موصوف بذلك فى السورتين لمجرد بيان حاله وبيان أنه لا يقوم قائم بحق الله تعالى على التمام وذكر الغفران والرحمة تبشيراً وإخراجاً عن القنوط يفيد التوبة فى سائر الآية {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} بلد مكة، {آمِناً} ذا أمن لمن فيه ففاعل للنسب أو يقدر مضاف أى آمناً ساكنة والمراد هنا طلب إخراج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأَمن وفى قوله اجعل هذا بلداً آمنا طلب اجعله من البلاد التى يأْمن أهلها، {واجْنُبْنِى} أبعدنى واجعلنى على جانب من عبادة الأَصنام كما ذكره بعد، وجنبه الشىء منعه إِياه وبقطع الهمزة مفتوحة وكسر النون الأُولى من اجنبه بمعنى جنبه بالتخفيف وهما لغة نجد وجنبه بالتشديد لغة الحجاز ولم يقر بها هنا. {وَبَنِىَّ} أولادى من صلبى فلا يرد أن من نسله من عبد الأَصنام وإِن أراد أولاد صلبه ونسله قلنا لم يجب فى نسله، وليس كل دعاء نبى يجاب كما قيل ويحتمل أن يريد أولاده ونسله الموجودين حالة الدعاء أو فى حياته فإنهم لم يعبدوا صنما قط ويحتمل أن يريد وبنى الذى أذنت لى فى الدعاء لهم ويحتمل أن يريد وبنى المؤمنين وأما غير المؤمنين فكأنه ليس ابنا له كما هو مفهوم مخالفة من قوله فمن تبعنى فإنه منى، وزعم سفيان بن عيينة أنه لم يعبد صنما أحد من نسله محتجاً بهذا الدعاء، قال وإنما كانت لهم حجارة يدورون أشواط بها كما يدورون بالكعبة يسمون تلك الحجارة الدوار بضم الدال وفتحها ويقولون البيت حجر فحيث ما يصيبنا حجر فهو بمنزلة البيت ويستحب أن يقال طاف بالبيت ولا يقال دار به لتلك التسمية، وقد قيل صنم هنا الدينار والدراهم وعبادته الحرص عليه وجمعه من الحلال والحرام أو منع حقوقه، {أن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} أى من أن نعبد الأَصنام وقد أجاب الله دعاءه فى جعل البلد آمناً فجعله لا يسفك فيه دم إِنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يقطع شجرة ونباته وأُبيح الإِذخر، وذكر بعض أن الوحوش إِذا كانت خارج الحرم توحشت وإِذا دخلت الحرم آمنت، ولا يرد على ذلك أن جماعة من الجبابرة أغاروا عليها وأخافوا أهلها لأَن ذلك نادر ولأَن الفرد آمن إذا دخلها ولو خاف خارج الحرم وترى الناس متخطفة من حولهم، ويحترم من فيه ولا يقصد بسوء وهذا كاف فى الأَمن وقيل المراد اجعل هذا البلد آمناً من الخراب وهو تفسير ضعيف ولا يرد عليه أنه ستهدم الحبشة البيت وتنقل حجارته إلى البحر لأَنه لم يرد منعه من الخراب أبداً بل قرب قيام الساعة أو ذلك عام مخصوص بهدم الحبشة وأجاب دعاءه فى ألا يعبد صنماً وفى بنيه من صلبه ومر البحث فى غيرهم أو دعاءه أن يجنبه الله سبحانه عبادة الأَصنام دليل على أن عصمة الأَنبياء بتوفيق وحفظ من الله الرحمن الرحيم، ودعاؤه مع علمه بالعصمة طلب لزيادة العصمة والتثبيت وهضم لنفسه وإظهار. لعجزه وافتقاره إِلى الله جل جلاله.

اطفيش

تفسير : {وآتَاكُمُ مِّنْ كُلِّ مَا سَأْلْتُمُوهُ} قدر بعض وما لم تسأْلوه، وذلك زيادة على السبع المتقدمة مما لا يحصره إلا الله - عز وجل - مما سأَلتموه بالفعل أَو بالإِمكان فالسؤَال بلسان الحال أَو بلسان المقال، ومنه ما بالقلب فإِنه أَعطانا ما سأَلناه بأَلسنتنا وقلوبنا، وما نسأَله مما احتجنا إليه، أَو زيادة على حاجتنا، ومن للابتداءِ والمفعول محذوف أى ما يليق بكم، أَو للتبعيض أى شيئاً هو بعض الجنس الذى سألتموه لا من كل فرد فرد بل من كل صنف، ولا إشكال، ولما كان هذا البعض هو الأَصلح بحسب الحكمة كان كأَنه أَعطانا كل ما سأَلناه، أَو أَعطى هذا بعض ما سأَله غيره مثل أَن تسأَل شيئاً قد سأله غيرك فى جملة أَشياءَ فلم يعطه بل أَعطيته أَنت بحسب الحكمة، وبالعكس فقد أَعطى المجموع كل ما سأل المجموع، وقد أُجيز زيادة من فكل مفعول لآتاكم والجار والمجرور محذوفان، أى آتاكم من كل ما سأَلتموه من الله أَو سأَلتموه الله، أو الهاءُ لله فيكون الرابط محذوفاً هو ضمير الشىءِ المطلوب أَى سأَلتموه إياه {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} إِن تعاطيتم أَو أَردتم عدها لم تقدروا عليه، وإن ابتدأْتم عددها لم تتموه، وسواءٌ عد أَنواعها أو عد أَفرادها كل من ذلك لا يطاق، ومن النعم منع موانعها، وإِضافة النعمة إلى الله للاستغرق ومنها الشكر يحتاج إلى شكر؛ لأَنه نعمة وفق الشاكر إليها {إِنَّ الإِنْسانَ} الحقيقة فى ضمن الأَفراد لا الكل الاستغراقى، لأن من الناس من لم يكفر ولم يظلم كالأَنبياءِ، ومن لم يكلف كالأَطفال، ومن عادة الناس الكفر والظلم إِلا أَن منهم من يتوب {لَظَلُومٌ} للنعمة بإِهمال استعمالها فى العبادة وما يوصل إليها ولنفسه بحرمانها من منافعها الدنيوية والأُخروية، وبالتعرض لزوالها بإِهمالها ولعذاب الآخرة، والمراد كثير الظلم وعظيمه {كَفَّارٌ} عظيم الكفر وكثيرة بعبادة غير الله ووصفه بصفات خلقه، أَو ظلوم فى الشدة يشكو ويجزع، كفار فى النعمة يجمع ويمنع، أَو ظلوم لنفسه كفار بنعمة ربه، وقيل الظلوم الشاكر لغير من أَنعم عليه، والكفار الجاحد لنعم ربه، وختم هنا بظلوم كفار لتقدم ذكر تبديل نعمة الله تعالى، وفى النحل بقوله: "أية : غفور رحيم"تفسير : [النحل: 115] لتقدم ذكر تفضلات، فذلك تحريض للرجوع إليه تعالى لكثرة نعمه، وعن ابن عباس: الإِنسان أبو جهل، وقدم ظلوم للفاصلة، وذكر بعض هذه النعم بقوله: {وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} واذكر يا محمد وقت قول إبراهيم لله {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} إلخ فإن ذلك دعاءُ إبراهيم أبيه لأَهل هذا البلد، وهو مكة بالرزق والأَمن، ونهاهم عن عبادة الأصنام، وهذا فى ضمن قوله: {واجنبنى وبنىَّ أَن نعبد الأَصنام} وقريش بنوه ودعا لهم بإِقامة الصلاة، وذكر البلد هنا بالتعريف لعهده نكرة فى سورة البقرة عن إبراهيم وهو فيها باعتبار أنه قبل جعله قرية، وهنا باعتبار أَنه قرية يأْمن أهلها، وفيها سأل أن يكون بلدا لا يخاف أَهله، وهنا أن يزال خوفهم، فأَجاب الله دعاءَه فجعله حراما لا يسفك دم ولا يظلم أحد ولا يصاد صيد ولا يختلى خلاءٌ فيه، أى لا يقطع حشيشه الرطب، وما فى البقرة كقولك: اجعل هذا خاتماً حسناً تشير إلى المادة، وسأَلت أَن يسبك منها خاتماً حسناً، وما هنا كقولك: اجعل هذا الخاتم حسناً فقد تعمدت نحو الحسن دون الخاتمة بإِحداث حسن فيه، كصقل وجعل فص فيه، وإنما ذكرت الخاتم توطئَة {وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} اجعلنا فى جنب غير جنب عبادة الأصنام لا نتناول عبادتها، وهذا دعاءٌ بالمجموع لا بالجميع؛ لأَن الأَنبياءَ لا يخافون عبادة الأَصنام لعلمهم بالعصمة منها بخلاف بينه قبل أَن يعلم بنبوءَة من تنبأَ منهم، أَو أَجمعنا فى أَن لا نعبدها، أَى اجعل بنىَّ مثلى فى ذلك، أَو دعاءٌ بالجميع قبل أَن يعلم أَن الأَنبياءَ معصومون أَو بعد علمه، لكن صدر ذلك منه دهشاً لشدة خوف الأَنبياءِ وهضما وتملقا له وذكرا للفضل، وإِما أَن يجاب بأَن المراد، أَدمنا فلا يفك عن ذلك لأَن الأَنبياءَ لا يعبدونها ولا يدومون فى عبادتها، وبنيهم قد يعبدونها فلم تتحد الجهتان، ويجاب أَنه لا مانع من قوله أَدمنى فى مجانبتها وأَدم أَولادى فيها سواءٌ تقدم منهم إِشراك أَم لم يتقدم، وقيل المراد: بنوه من صلبه وغيره الموجودون من ذريته فى حياته والْمؤمنون، وتقدر عن، أَى اجنبنا عن أَن أَعبد، وإِن جعلناه بدل اشتمال قدر عنا، هكذا اجنب عبادة الأَصنام عنا، والمراد بنوه من صلبه ومن غيره، وليس كل دعاءِ النبى مستجاباً، وقد أُضربت الكعبة بعده وعبد بعض ذريته الأَصنام كقريش، وقد قال الله عز وجل: "أية : لا ينال عهدى الظالمين"تفسير : [البقرة: 124] وأَما إضراب الكعبة آخر الزمان فلا يرد علينا لأَن المراد ما قبل ذلك، وقد قيل: إن إِضرابها قبل هذا الدعاء، وإِنما دعا به قبل البناءِ، وأَيضاً المراد عن أَهلها لا أَن لا تخرب.

الالوسي

تفسير : {وَآتَـٰكُمْ مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة ـ فمن كل ـ مفعول ثان ـ لآتى ـ و {مِنْ } تبعيضية، وقال بعض الكاملين: إن {كُلٌّ } للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم كما في قوله تعالى: {أية : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 44] واعترض على حمل {مِنْ } على التبعيض دون ابتداء الغاية بأنه يفضي إلى إخلاء لفظ {كُلِّ} عن فائدة زائدة لأن {مَا} نص في العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال ولا وجه له. ودفع بأنه بعد تسليم كون {مَا} نصاً في العموم هنا عمومان عموم الأفراد وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف وهما مقصودان هنا، فالمعنى أعطاكم من جميع أفراد كل صنف سألتموه، فإن الاحتياج بالذات إلى النوع/ والصنف لا لفرد بخصوصه، وفسر {مَا سَأَلْتُمُوهُ} بما من شأنه أن يسأل لاحتياج الناس إليه، سواء سئل بالفعل أم لم يسأل، فلا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال، وجعلوا الاحتياج إلى الشيء سؤالاً له بلسان الحال وهو من باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في رأي في قوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] وقيل: الأصل وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحذف الثاني لدلالة ما أبقى على ما ألقى، {وَمَا} يحتمل أن تكون موصولة والضمير المنصوب في {سَأَلْتُمُوهُ} عائد عليها، والتقدير من كل الذي سألتموه إياه؛ ومنع أبو حيان جواز أن يكون راجعاً إليه تعالى ويكون العائد على الموصول محذوفاً مستنداً بأنه لو قدر متصلاً لزم اتصال ضميرين متحدي الرتبة من دون اختلاف وهو لا يجوز ولو قدر منفصلاً حسبما تقتضيه القاعدة في مثل ذلك لزم حذف العائد المنفصل وقد نصوا على عدم جوازه اهـ. وذهب بعضهم إلى جواز كلا التقديرين مدعياً أن منع اتصال المتحدين رتبة خاص فيما إذا ذكرا معاً أما إذا ذكر أحدهما وحذف الآخر فلا منع إذ الاتصال حينئذٍ محض اعتبار وعلة المنع لا تجري فيه، وأن منع حذف المنفصل خاص أيضاً فيما إذا كان الانفصال لغرض معنوي كالحصر في قولك: جاء الذي أباه ضربت إذ بالحذف حينئذٍ يفوت ذلك الغرض، أما إذا كان لغرض لفظي كدفع اجتماع المثلين فلا منع إذ ليس هناك غرض يفوت، ويحتمل أن تكون موصوفة والكلام في الضمير كما تقدم، وأن تكون مصدرية والضمير لله تعالى والمصدر بمعنى المفعول أي مسؤولكم. وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن قائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في رواية {من كل} بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال، وجوز على هذه القراءة أن تكون {ما } نافية والمفعول الثاني {من كل} كما في قوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] والجملة المنفية في موضع الحال أي أتاكم من كل غير سائليه، وهو إخبار منه تعالى بسبوغ نعمته سبحانه عليهم بما لم يسألوه من النعم؛ وروي هذا عن الضحاك، ولا يخفى أن الوجه هو الأول لما أن القراءة على هذا الوجه تخالف القراءة الأولى والأصل توافق القراءتين وإن فهم منها إيتاء ما سألوه بطريق الأولى. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } أي ما أنعم به عليكم كما هو الظاهر. وقال الواحدي: إن {نعمة} هنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم إنعاماً ونعمة كما يقال أنفقت إنفاقاً ونفقة فالنعمة بمعنى الإنعام ولذا لم تجمع، والمعول عليه ما أشرنا إليه من أنها اسم جنس بمعنى المنعم به، والمراد بها الجمع كأنه قيل: وإن تعدوا نعم الله {لاَ تُحْصُوهَا } وقد نص بعضهم على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة وما قيل: إن الاستغراق ليس مأخوذاً من الإضافة بل من الشرط والجزاء المخصوصين فيه نظر لأن الحكم المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا، والمراد ـ بلا تحصوها ـ لا تطيقوا حصرها ولو إجمالاً فإنها غير متناهية، وأصل الإحصاء العد بالحصى فإن العرب كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع ولذا قال الأعشى:شعر : ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر تفسير : / ثم استعمل لمطلق العد، وقال بعض الأفاضل: إن أصله أن الحاسب إذا بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها ففيه إيذان بعدم بلوغ مرتبة معتد بها من مراتبها فضلاً عن بلوغ غايتها وهو من الحسن بمكان إلا أنه ذهب إلى الأول الراغب وغيره، وأول الإحصاء بالحصر لئلا يتنافى الشرط والجزاء إذا ثبت في الأول العد ونفي في الثاني ولو أول {إن تَعْدُواْ } بأن تريدوا العد يندفع السؤال على ما قيل أيضاً والأول أولى، وقال بعض الفضلاء: إن المعنى إن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها. وإنما أتى بإن وعدم العد مقطوع به نظراً إلى توهم أنه يطاق، قيل: والكلام عليه أبلغ منه على الأول لما فيه من الإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها، لكن أنت تعلم أن الظاهر هو الأول. وقد ذكر الإمام مثالين يستوضح بهما الوقوف على أن نعم الله تعالى لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى فقال: الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان دماغية ونخاعية، والدماغية سبعة وقد أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحدة منها، ولا شك أن كل واحدة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحدة من تلك الشعب تنقسم أيضاً إلى شعب أدق من الشعر، ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء، ولو أن واحدة اختلت كيفاً أو وضعاً أو نحو ذلك لاختلت مصالح البنية، ولكل منها على كثرتها حكم مخصوصة، ...وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والوضع والفعل والانفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان فاعتبر في نفسه وروحه فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجسام؛ وإذا اعتبرت أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والمعدن والحيوان ظهر لك أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً وتأمل به الإنسان في حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل. الثاني: أنه إذا أخذت لقمة من الخبز لتضعها في فمك فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فأما الأول فأعرف أنها لا تتم إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها ولا تنبت إلا بمعونة الفصول وتركب الطبائع وظهور الأمطار والرياح، ولا يحصل شيء من ذلك إلا بدوران الأفلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة، ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد لها من آلات الطحن ونحوه وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال؛ ثم تأمل كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر حتى يمكن الطبخ، وأما الثاني فتأمل في تركيب بدن الحيوان وهو أنه تعالى كيف خلق ذلك حتى يمكنه الانتفاع بتلك اللقمة، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل؛ وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار فلا يمكنك أن تعرف القليل إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب على الوجه الأكمل، وأنى للعقول بإدراك كل ذلك فظهر بالبرهان الباهر صحة هذه الشرطية اهـ. وقال مولانا أبو السعود قدس سره بعد كلام: وإن رمت العثور على حقيقة الحق والوقوف على [كل] ما جل من السر ودق فاعلم أن الإنسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة والملكات الرائقة بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الإلهية من العلاقة لما استقر له القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار ومهاوي الهلاك والدمار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من أنواع الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وسائر الصفات الروحانية/ والنفسانية والجسمانية ما لا يحيط به نطاق التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجود ابتداءً لا يستحقه بقاءً وإنما ذلك من جناب المبدىء الأول عز شأنه وجل فكما لا يتصور وجوده ابتداءً ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبـي. وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن وجب كونها متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود وارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها في كل آن من آنات وجوده، نعم غير متناهية حقيقة لا ادعاء، وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداءً وبقاءً، وكذا في كمالاته التابعة لوجوده اهـ. ويتراءى منه أنه قد ترك الإمام في تحقيق هذا المقام وراءه وأنه لو سمع ذلك لاقتدى به في ذكره ولعد من النعم اقتداءه وقريب منه ما يقال في بيان عدم تناهي النعم: إن الوجود نعمة وكذا كل ما يتبعه من الكمالات، وذلك موقوف على وجوده تعالى في الأزمنة الموهومة الغير المتناهية، وتحقق ما يتوقف عليه وجود النعمة نعمة فتحققه سبحانه في كل آن من تلك الآنات نعمة، فالنعم غير متناهية، ولك أن تقول في بيان ذلك: إنه ما من إنسان إلا وقد دفع الله تعالى عنه من البلايا ما لا يحيط به نطاق الحصر لأن البلايا الداخلة تحت حيطة الإمكان غير متناهية، ولا شك أن دفع كل بلية نعمة فتكون النعم غير متناهية، ومما يوضح عدم تناهي البلايا الممكنة أن أهل النار المخلدين فيها لا زال عذابهم بازدياد كما يرشد إليه قوله تعالى: {أية : فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } تفسير : [النبأ: 30] وقد ذكر غير واحد في ذلك أنهم كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد من ذلك، فيكون كل مرتبة منه متناهياً في الشدة وإن كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة وعلى هذا نعم الله تعالى على المبتلي أيضاً لا تحصى. وفي رواية ابن أبـي الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن لله تعالى على أهل النار منة فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم. ثم الظاهر أن المراد بالنعمة معناها اللغوي ـ أعني الأمر الملائم ـ لا المعنى الشرعي ـ أعني الملائم الذي تحمد عاقبته ـ إذ لا يتأتى عليه عموم الخطاب، ولا يبعد إطلاق النعمة بذلك المعنى على نحو رفع الموانع وتحقق العلل والشرائط حسبما ذكر سابقاً، وظاهر ما تقدم يقتضي أن النعم في حد ذاتها غير محصورة والآية ظاهرة في أن الإنسان لا يحصرها بالعد وفرق بين الأمرين فتدبر. وبالجملة ليس للعبد إلا العجز عن الوقوف على نهاية نعمه سبحانه وتعالى وكذا العجز عن شكر ذلك، وما أحسن ما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: من لم يعرف نعمة الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه. وأخرج البيهقي في "الشعب" وغيره عن سليمان التيمي قال: إن الله تعالى أنعم على العباد على قدره سبحانه وكلفهم الشكر على قدرهم، وعن طلق بن حبيب قال: إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله سبحانه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين. وأفضل نعمه جل شأنه على عباده على ما روي عن سفيان بن عيينة أن عرفهم أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبـي الدنيا وغيره عن أبـي أيوب القرشي مولى بني هاشم أن داود عليه السلام قال: رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ؟ فأوحى الله تعالى إليه يا داود/ تنفس فتنفس فقال تبارك وتعالى: هذا أدنى نعمتي عليك. واشتهر أن أول النعم المقصودة لذاتها الوجود وأنه معدن كل كمال كما أن العدم معدن كل نقص. ويدل على أنه نعمة لا يكاد يقاس بها غيرها عند كثير من الناس أن الإنسان منهم يفدي نفسه بملك الدنيا لو كان بيده وعلم أن الفداء ممكن إذا ألم به الألم وتحقق العدم. ومن العجيب أن أبا علي الشبلي البغدادي، وقيل: ابن سيناء لم يعد وجود الإنسان نعمة عليه فقد قال من أبيات:شعر : ودهر ينثر الأعمار نثرا كما للغصن بالورق انتثار ودنيا كلما وضعت جنينا غذاه من نوائبها ظؤار تفسير : إلى أن قال:شعر : نعاقب في الظهور وما ولدنا ويذبح في حشا الأم الحوار وننتظر البلايا والرزايا وبعد فللوعيد لنا انتظار ونخرج كارهين كما دخلنا خروج الضب أخرجه الوجار فماذا الامتنان على وجود لغير الموجدين به الخيار فكانت أنعما لو أن كونا نخير قبله أو نستشار فهذا الداء ليس له دواء وهذا الكسر ليس له انجبار تفسير : إلى آخر ما قال، ولعمري لقد غمط نعمة الله تعالى عليه وظلمها. {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ} يظلم النعمة بإغفال شكرها بالكلية أو بوضعه في غير موضعه أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان بترك الشكر {كَفَّارٌ} شديد الكفران والجحود، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، والأول أنسب بما قبله، وأل في الإنسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم وأخيه بعض من وجدا من أفراده فيه ويدخل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله تعالى كفراً، والظاهر أن الجملة استئناف بياني وقع جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: لم لم يراعوا حقها؟ أو لم حرمها بعضهم؟ وقيل: إنها تعليل لعدم تناهي النعم ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيها وهو كما ترى هذا، وفي النحل [18] {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : وفرق أبو حيان بين الختمين ((بأنه هنا لما تقدم قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا } تفسير : [إبراهيم: 28] وبعده {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } تفسير : [إبراهيم: 30] فكان ذلك نصاً على ما فعلوا من القبائح من الظلم والكفران ناسب أن يختم بذم من وقع ذلك منه فختمت الآية بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } وأما في النحل فلما ذكر عدة تفضلات وأطنب فيها وقال جل شأنه: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } تفسير : [النحل: 17] أي من أوجد هذه النعم السابق ذكرها ليس كمن لا يقدر على الخلق ذكر من تفضلاته تعالى اتصافه بالغفران والرحمة تحريضاً على الرجوع إليه سبحانه وأن هاتين الصفتين هو جل وعلا متصف بهما كما هو متصف بالخلق، ففي ذلك إطماع لمن آمن به تعالى وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق تبارك وتعالى أنه يغفر زلَلَهُ السابق ويرحمه، وأيضاً فإنه لما ذكر أنه تعالى هو المتفضل بالنعم على الإنسان ذكر ما حصل من المنعم ومن جنس المنعم عليه، فحصل من المنعم ما يناسب حالة عطائه وهو الغفران والرحمة إذ لولاهما لما أنعم عليه، وحصل من جنس المنعم عليه ما يناسب حالة الإنعام عليه (ويقع معها في الجملة) وهو الظلم والكفران فكأنه قيل: إن صدر من الإنسان ظلم فالله تعالى غفور أو كفران فالله تعالى رحيم لعلمه بعجز الإنسان وقصوره. وما نقل السخاوي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من أن هذه الآية منسوخة/ بآية النحل مما لا يلتفت إليه)) انتهى كلامه. وفيه بحث، وقيل: إنما ختم سبحانه آية النحل بما ختم للإطناب هناك في ذكر النعم مع تقدم الدعوة إلى الشكر صريحاً فكان ذلك مظنة التقصير فيه ويناسب الإطناب في سرد النعم أن يذكر منها ما يتعلق بذلك وهو الغفران والرحمة فتأمل والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ومن باب الإشارة في الآيات: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } فيه احتمالات عندهم فقيل: من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدة أو من ظلمات صفات النشأة إلى نور الفطرة، أو من ظلمات حجب الأفعال والصفات إلى نور الذات، وهو المراد بقولهم: النور البحت الخالص من شوب المادة والمدة. وقال جعفر: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة، ومن ظلمات النفوس إلى نور القلوب، وقال أبو بكر بن طاهر: من ظلمات الظن إلى نور الحقيقة وقيل غير ذلك {بِإِذْنِ رَبّهِمْ } بتيسيره بهبة الاستعداد وتهيئة أسباب الخروج إلى الفعل {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ } الذي يقهر الظلمة بالنور {أية : ٱلْحَمِيدِ } تفسير : [إبراهيم: 1] بكمال ذاته أو بما يهب لعباده المستعدين من الفضائل والعلوم أو من الوجود الباقي أو نحو ذلك {وَوَيْلٌ لّلْكَـٰفِرِينَ } المحجوبين {أية : مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 2] وهو عذاب الحرمان {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا} الحسية والصورية {عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} العقلية والمعنوية {وَيَصُدُّونَ } المريدين {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } طريقه الموصل إليه سبحانه: {أية : وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } تفسير : [إبراهيم: 3] انحرافاً مع استقامتها {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } أي بكلام يناسب حالهم واستعدادهم وقدر عقولهم وإلاّ لم يفهموا فلا يحصل البيان، وعن عمر رضي الله تعالى عنه "كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم"؟ وفي "أسرار التأويل" لكل نبـي وصديق اصطلاح في كلام المعرفة وطريق المحبة يخاطب به من يعرفه من أهل السلوك، وعلى هذا لا ينبغي للصوفي أن يخاطب العامة باصطلاح الصوفية لأنهم لا يعرفونه، وخطابهم بذلك مثل خطاب العربـي بالعجمية أو العجمي بالعربية، ومنشأ ضلال كثير من الناس الناظرين في كتب القوم جهلهم باصطلاحاتهم فلا ينبغي للجاهل بذلك النظر فيها لأنها تأخذ بيده إلى الكفر الصريح بل توقعه في هوة كفر، كفر أبـي جهل إيمان بالنسبة إليه، ومن هنا صدر الأمر السلطاني إذ كان الشرع معتنى به بالنهي عن مطالعة كتب الشيخ الأكبر قدس سره ومن انخرط في سلكه {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء} إضلاله لزوال استعداده بالهيئات الظلمانية ورسوخها والاعتقادات الباطلة واستقرارها {أية : وَيَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [إبراهيم: 4] هدايته ممن بقي على استعداده أو لم يرسخ فيه تلك الهيآت والاعتقادات {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } وهي أيام وصاله سبحانه حين كشف لعباده سجف الربوبية في حضرة قدسية وأدناهم إلى جنابه ومن عليهم بلذيذ من خطابه:شعر : سقياً لهم ولطيبها ولحسنها وبهائها أيام لم يلج النوى بين العصا ولحائها تفسير : وما أحسن ما قيل:شعر : وكانت بالعراق لنا ليال سلبناهن من ريب الزمان جعلناهن تاريخ الليالي وعنوان المسرة والأماني تفسير : وأمره عليه السلام بتذكير ذلك ليثور غرامهم ويأخذ بهم نحو الحبيب هيامهم فقد قيل:شعر : / تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى يتوق ومن يعلق به الحب يصبه تفسير : وجوز أن يراد بأيام الله تعالى أيام تجليه جل جلاله بصفة الجلال وتذكيرهم بذلك ليخافوا فيمتثلوا {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } تفسير : [إبراهيم: 5] أي لكل مؤمن بالإيمان الغيبـي إذ الصبر والشكر على ـ ما قيل ـ مقامان للسالك قبل الوصول {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7] قال الجوزجاني: أي لئن شكرتم الإحسان لأزيدنكم المعرفة ولئن شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم القرب ولئن شكرتم القرب لأزيدنكم الأنس، ويعم ذلك كله ما قيل: لئن شكرتم نعمة لأزيدنكم نعمة خيراً منها، وللشكر مراتب وأعلا مراتبه الإقرار بالعجز عنه. وفي بعض الآثار أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فأوحى الله تعالى إليه الآن شكرتني يا داود، وقال حمدون: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيلياً {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } أي أنه سبحانه لا شك فيه لأنه الظاهر في الآفاق والأنفس {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } موجدهما ومظهرهما من كتم العدم {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } ليستر بنوره سبحانه ظلمات حجب صفاتكم فلا تشكون فيه عند جلية اليقين {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى غاية يقتضيها استعدادكم من السعادة {أية : قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } تفسير : [إبراهيم: 10] منعهم ذلك عن اتباع الرسل عليهم السلام {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } سلموا لهم المشاركة في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة ما من الله تعالى به عليهم مما يرشحهم لذلك، وكثيراً ما يقول المنكرون في حق أجلة المشايخ مثل ما قال هؤلاء الكفرة في حق رسلهم والجواب نحو هذا الجواب {أية : وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [إبراهيم: 11] جواب عن قول أولئك: {أية : فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } تفسير : [إبراهيم: 10] ويقال نحو ذلك للمنكرين الطالبين من الولي الكرامة تعنتاً ولجاجاً {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [إبراهيم: 11] لأن الإيمان يقتضي التوكل وهو الخمود تحت الموارد، وفسره بعضهم بأنه طرح القلب في الربوبية والبدن في العبودية، فالمتوكل لا يريد إلا ما يريده الله تعالى، ومن هنا قيل: إن الكامل لا يحب إظهار الكرامة، وفي المسألة تفصيل عندهم {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } ذكر بعضهم أن البروز متعدد فبروز عند القيامة الصغرى بموت الجسد وبروز عند القيامة الوسطى بالموت الإرادي وهو الخروج عن حجاب صفات النفس إلى عرصة القلب وبروز عند القيامة الكبرى وهو الخروج عن حجاب الآنية إلى فضاء الوحدة الحقيقية، وإن حدوث التقاول بين الضعفاء والمستكبرين المشار إليه بقوله تعالى: {أية : فَقَالَ ٱلضُّعَفَاء لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } تفسير : [إبراهيم: 21] الخ فهو بوجود المهدي القائم بالحق الفارق بين أهل الجنة والنار عند قضاء الأمر الإلهي بنجاة السعداء وهلاك الأشقياء وفسروا الشيطان بالوهم؛ وقد يفسرونه في بعض المواضع بالنفس الأمارة. والقول المقصوص عنه في الآية عند ظهور سلطان الحق، وبعضهم حمل الشيطان هنا على الشيطان المعروف عند أهل الشرع وذكر أن قوله: {أية : فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22] دليل بقائه على الشرك حيث رأى الغير في البين وما ثم غير الله تعالى، وإلى هذا يشير كلام الواسطي حيث قال: من لام نفسه فقد أشرك، ويخالفه قول محمد بن حامد: النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على الدوام ورضي عنها في حال من الأحوال فقد أهلكها، ويأباه ما صح في الحديث القدسي حديث : يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه تفسير : فتأمل {أية : وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } تفسير : [إبراهيم: 23] لم يذكر من يحييهم، وقد ذكروا أن منهم من يحييهم ربهم وهم أهل الصفوة والقربة، ومنهم من يحييهم الملائكة وهم أهل الطاعات والدرجات، وما أطيب سلام المحبوب على محبه وما ألذه على قلبه:شعر : أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس تسيل من الآماق والاسم أدمع {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَاء * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا } تفسير : [إبراهيم: 24-25] إشارة كما قيل إلى كلمة التوحيد التي غرسها الحق في أرض بساتين الأرواح وجعل سبحانه أصلها هناك ثابتاً بالتوفيق وفرعها في سماء القربة وسقيها من سواقي العناية وساقها المعرفة وأغصانها المحبة وأوراقها الشوق وحارسها الرعاية تؤتي أكلها في جميع الأنفاس من لطائف العبودية وعرفان أنوار الربوبية، وقال بعضهم: الكلمة الطيبة النفس الطيبة أصلها ثابت بالاطمئنان وثبات الاعتقاد بالبرهان وفرعها في سماء الروح تؤتي أكلها من ثمرات المعارف والحكم والحقائق كل وقت بتسهيله تعالى {أية : وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } تفسير : [إبراهيم: 26] إشارة إلى كلمة الكفر أو النفس الخبيثة، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: الشجرة الخبيثة الشهوات وأرضها النفوس وماؤها الأمل وأوراقها الكسل وثمارها المعاصي وغايتها النار {يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ} قال الصادق رضي الله تعالى عنه: يثبتهم في الحياة الدنيا على الإيمان وفي الآخرة على صدق جواب الرحمن، وجعل بعضهم القول الثابت قوله سبحانه وحكمه الأزلي أي يثبتهم على ما فيه تبجيلهم وتوقيرهم في الدارين حيث حكم بذلك في الأزل وحكمه سبحانه الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل {أية : وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [إبراهيم: 27] في الحياتين لسوء استعدادهم {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } من الهداية الأصلية والنور الفطري {كُفْراً } احتجاباً وضلالاً {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } من تابعهم واقتدى بهم في ذلك {أية : دَارَ ٱلْبَوَارِ } تفسير : [إبراهيم: 28] الهلاك والحرمان {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا } من متاع الدنيا ومشتهياتها التي يحبونها كحب الله سبحانه {أية : لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [إبراهيم: 30] كل من نظر إلى ذلك والتفت إليه {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي سمٰوات الأرواح {وٱلأَرْضِ} أي أرض الأجساد {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء} أي سماء عالم القدس {مَاء } وهو ماء العلم {فَأَخْرَجَ بِهِ} من أرض النفس {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } وهي ثمرات الحكم والفضائل {رِزْقاً لَّكُمْ } في تقوى القلب بها {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } أي فلك العقول {لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ } أي بحر آلائه وأسرار مخلوقاته الدالة على عظمته سبحانه {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ } تفسير : [إبراهيم: 32] أي أنهار العلم التي تنتهي بكم إلى ذلك البحر العظيم {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ } شمس الروح {وَٱلْقَمَرِ } قمر القلب {دَائِبَينَ } في السير بالمكاشفة والمشاهدة {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ } ليل ظلمة صفات النفس {أية : وَٱلنَّهَارَ } تفسير : [إبراهيم: 33] نهار نور الروح لطلب المعاش والمعاد والراحة والاستنارة {وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } بلسان الاستعداد فإن المسؤول بذلك لا يمنع {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } السابقة واللاحقة {لاَ تُحْصُوهَا } لعدم تناهيها {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ } ينقص حق الله تعالى أو حق نفسه بإبطال الاستعداد أو يضع نور الاستعداد في ظلمة الطبيعة ومادة البقاء في محل الفناء {أية : كَفَّارٌ } تفسير : [إبراهيم: 34] لتلك النعم التي لا تحصى لغفلته عن المنعم عليه بها، وقيل: إن الإنسان لظلوم لنفسه حيث يظن أن شكره يقابل نعمه تعالى، كفار محجوب عن رؤية الفضل عليه بداية ونهاية، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ويكرمنا بالهداية والعناية.

الواحدي

تفسير : {وإن تعدوا نعمة الله} إنعام الله عليكم {لا تحصوها} لا تطيقوا عدَّها {إن الإنسان} يعني: الكافر {لظلوم} لنفسه {كفَّار} نعمة ربِّه. وقوله: {واجنبني} أَيْ: بعِّدني واجعلني من على جانبٍ بعيدٍ. {ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس} أَيْ: ضلُّوا بسببها {فمن تبعني} على ديني {فإنه مني} من المتدينين بديني {ومن عصاني} فيما دون الشِّرك {فإنك غفور رحيم}. {ربنا إني أسكنت من ذريتي} يعني: إسماعيل عليه السَّلام {بوادٍ غير ذي زرعٍ} مكَّة حرسها الله {عند بيتك المحرَّم} الذي مضى في علمك أنَّه يحدث في هذا الوادي {ربنا ليقيموا الصلاة} ليعبدوك {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} تريدهم وتحنُّ إليهم لزيارة بيتك {وارزقهم من الثمرات} ذُكر تفسيره في سورة البقرة {لعلَّهم يشكرون} كي يُوحِّدوك ويُعظِّموك.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآتَاكُم} {نِعْمَتَ} {ٱلإنْسَانَ} (34) - وَهَيَّأَ لَكُمْ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ، مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِكُمْ، وَبِلِسَانِ حَالِكُمْ، وَنِعَمُ اللهِ عَلَى النَّاسِ لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَالإِنْسَانُ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يُؤَدِّيَ الشُّكْرَ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيهِ بِهِ. وَبَدَلاً مِنْ أَن يَقُومَ الإِنْسَانُ بِشُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفُر هذِهِ النِّعَمَ، وَقَدْ يَشْكُرُ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ غَيْرَ مَنْ تَفَضَّلَ بِالإِنْعَامِ بِهَا عَلَيْهِ كَالأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ، فَهُوَ ظَلُومٌ كَثِيرُ الكُفْرَانِ لِلنِّعْمَةِ. (وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: حديث : اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبناتفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). لاَ تُحْصُوهَا - لاَ تُطِيقُوا عَدَّهَا لِعَدَمِ تَنَاهِيهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعم، أعطانا الحق سبحانه مما نسأل وقبل أن نسأل، وأعدَّ الكون لنَا من قبل أنْ نوجد. إذن: فسبحانه قد أعطانا من قبل أنْ نسألَ؛ وسبقت النعمة وجود آدم عليه السلام، واستقبل الكونُ آدم، وهو مُعَدٌّ لاستقباله. وإذا نظرتَ للفرد مِنّا ستجد أن نِعَم الله عليه قد سبقتْ من قبل أن نعرف كيف نسأله، والمثل هو الجنين في بطن أمه. وهنا قال الحق سبحانه: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ..} [إبراهيم: 34]. يعني: أنه قد أعطاك ما تسأله وما لم تسأله، نطقت به أو لم تنطق، ولو بحديث النفس أو خواطر خافية، وأنك قد تقترح وتطلب شيئاً فهو يعطيه لك. وقد يسأل البعض من باب الرغبة في التحدي - ولله المثل الأعلى - نجد بعض البشر مِمَّنْ أفاء الله عليهم بجزيل نعمه؛ ويقول الواحد منهم: قُلْ لي ماذا تطلب؟ وقد حدث معي ذلك ونحن في ضيافة واحد مِمَّنْ أكرمهم الله بكريم عطائه، وكنا في رحلة صحراوية بالمملكة العربية السعودية، وقال لي: أطلب أي شيء وستجده بإذن الله حاضراً. وفكرتُ في أن أطلب ما لا يمكن أن يوجدَ معه، وقلت: أريد خيطاً وإبرة، فما كان ردّه إلا "وهل تريدها فتلة بيضاء أم حمراء؟". وإذا كان هذا يحدث من البشر؛ فما بالُنَا بقدرة الله على العطاء؟ ومن حكمة الله سبحانه أنه قال: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ..} [إبراهيم: 34]. ذلك أن وراء كل عطاءٍ حكمةً، ووراء كل مَنْعٍ حكمة أيضاً، فالمنع من الله عين العطاء، فالحقّ سبحانه مُنزَّه عن أن يكون مُوظّفاً عندك، كما أن الحق سبحانه قد قال: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ..} تفسير : [الإسراء: 11]. ولذلك قال: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ..} [إبراهيم: 34]. أي: بعض مِمّا سألتموه، ذلك أن هناك أسئلة حمقاء لا يُجيبكم الله عليها؛ مثل قول أي امرأة يعاندها ابنها "يسقيني نارك" هذه السيدة؛ لو أذاقها الله نارَ افتقاد ابنها؛ ماذا سوف تفعل. إذن: فمِنْ عظمته سبحانه أنْ أعطانا ما هو مُطابِق للحكمة؛ ومنَع عنّا غَيْر المطابق لحكمته سبحانه، فالعطاء نعمة، والمَنْع نعمة أيضاً، ولو نظر كُلٌّ منا لعطاء السَّلْب؛ لَوجد فيه نعماً كثيرة. ويقول سبحانه: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} تفسير : [الأنبياء: 37]. لذلك فلا يقولن أحدٌ: "قد دعوتُ ربي ولم يَستجِب لي" وعلى الإنسان أن يتذكَّر قَوْل الحق سبحانه: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. فهو سبحانه مَنْ يملك حكمة العطاء وحكمة المنع. ولا أحدَ مِنّا يستطيع أنْ يعُدّ نِعَم الله. والعَدُّ - كما نعلم - هو حَصْرٌ لمفردات جَمْع أو جزئيات كُلٍّ. ويعلم أهل العلم بالمنطق - ونسميهم المَنَاطِقة - أن هناك "كُليّ" يقابله "جُزئيّ، وهناك "كُل" يقابله "جزء. والمَثل على "الكُليّ" الإنسان؛ حيث إننا جميعاً مُكوّنين من عناصر متشابهة؛ ومفرد البشر يختلف باختلاف الأسماء؛ أما ما يُسمَّى "كل" فالمثَل عليه هو الكُرسي، وهو مُكّون من مواد مختلفة كالخشب والمسامير والغِرَاء، ولا يمكن أن نطلق على الخشب فقط كلمة كرسي؛ وكذلك لا نستطيع أن نُسمِّي "المسامير" بأنها كراسي. وعلى هذا نكون قد عرفنا أن حقيقة الكُلّي أن مفرداته متطابقة؛ وإن اختلفت أسماؤها، لكن حقيقة الكُلِّ أن مفرداته غير متشابهة، وتختلف في حقيقتها. وإذا أردتَ أنْ تُحصِي الكُليّ فأنت تنطق أسماء الأفراد كأن تقول: محمد وأحمد وعلي؛ وهذا ما يُسمّى عداً، وهكذا نفهم أن العَدَّ هو إحصاءُ جزئيات الكلي، أو إحصاء أجزاء الكُلِّ. ونعلم أنهم قد سَمَّوْا العَدَّ إحصاءً؛ لأنهم كانوا يعدُّون الأشياء قديماً بالحصَى؛ وأُطلِقت كلمة الإحصاء على مُطْلق العَدِّ حساباً للأصل، وعرف عدد أجزاء الكلي أو الكل. وكان الإنسان في العصور القديمة يَعُد - على سبيل المثال - إلى رقم "مائة"، ثم يحسب كل مائة بحصاة واحدة؛ فإذا تجمّع لديه عَشْر حصوات عرف أن العدد قد صار ألفاً، ومن هنا جاءت كلمة الإحصاء، وفي كثير من أمور عصرنا المتقدم؛ ما زِلْنا نُسمّي بعض الأشياء بمُسمّيات قديمة؛ فنحسب قوة السيارة بقوة الحصان. وأنت إذا نظرتَ إلى قول الحق سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} [إبراهيم: 34]. ستجد الكثير من المعاني، ولكن مَنْ يحاولون التصيُّد للقرآن يقولون: إن هذا أمر غَيْر دقيق؛ فما دام قد حدث العَدّ؛ فكيف لا يتم الإحصاء؟ وهؤلاء ينسوْنَ أن المقصود هنا ليس العدّ في ذاته؛ ولكن المقصود هو إرادة العدِّ. ولو وُجِدت الإرادة فليس هناك قدرة على استيعاب نعم الله، ومن هنا لا نرى تعارضاً في آيات الله، وإنما هو نسق متكامل، فأنت لا تُقبِل على عَدِّ أمر إلا إذا كان غالبُ الظن أنك قادرٌ على العَدِّ، وذلك إذا كان في إمكان البشر، ولكن نعم الله فوق طاقة مقدور البشر. والمثَل أيضاً على مسألة إرادة الفعل يمكن أن نجده في قوله الحق: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ..} تفسير : [المائدة: 6]. ونحن لا نغسل وجوهنا لحظة أن نقومَ بالصلاة؛ ولكننا نغسلها ونستكمل خطوات الوضوء حين يُؤذّن المؤذن ونمتلك إرادة الصلاة، فكأن القول هنا يعني: إذا أردتُم القيام إلى الصلاة فافعلوا كذا وكذا. ونعلم أن ذِكْر الشيء بسببه كأنه هو؛ ولذلك يُقال: إذا كان الآذان قد أذّن في المسجد؛ وأنت خارج من منزلك بقصد الصلاة؛ فلا تجري لتلحق بالإمام وتُدرك الصلاة؛ لأنك في صلاة من لحظة أنْ توضأْتَ وخرجتَ من بيتك للصلاة؛ وإياك أنْ تفعلَ حركة تتناقض مع الصلاة، وادخل المسجد بسكينة ووقار لتؤدي الصلاة مع الإمام. وحين نتأمل قول الحق سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} [إبراهيم: 34]. ستجد أن العادة في اللغة هي استعمال "إن" في حالة الأمر المشكوك فيه، أما الأمر المتُيقّن فنحن نستخدم "إذا" مثل قوله الحق: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1]. وقد جاء الحق سبحانه هنا بأسلوب الشك حين قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا..} [إبراهيم: 34]. ذلك أن العاقل يعلم مُقدّماً أنه سيعجز عن إحصاء نِعَم الله. وكلنا يعلم أن هناك علماً اسمه "الإحصاء" وله أقسام جامعية متخصصة. وعلى الرغم من التقدم وصناعة الحاسب الآلي "الكمبيوتر" لم يستطع أحدٌ ولم يُقبِل أحدٌ على إحصاء نِعَم الله في الكون، ذلك أن العدَّ والإحصاء يقتضي كُليّاً له أفراد، أو كُلاً له أجزاء. وأنت إنْ نظرتَ إلى أيّ نعمة من نعم الله؛ قد تظنها نعمة واحدة؛ ولكنك إنْ فصَّلْتَ فيها ستجدها نِعَماً مُتعدِّدة وشتّى، وهكذا لا يوجد تناقض في قوله الحق: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} [إبراهيم: 34]. وأنت إنْ أخذتَ نعمة المياه ستجدها نِعَماً متعددة؛ فهي مُكونّة من عناصر، كل عنصر فيها نعمة؛ وإن أَخذتَ نعمة الأرض ستجد فيها نِعَماً كثيرة مطمورة، وهكذا تكون كل نعمة من الله مطمور فيها نِعمَ متعددة، ولا تُحْصَى. وحين تنظر في قول الحق سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} [إبراهيم: 34]. تجد ثلاثة عناصر؛ هي المُنعِم؛ والنعمة التي حكَم الحق سبحانه أنك لن تحصيها، وأن خَلْقه لم يضعوا أنوفهم في أنْ يعدّوا تلك النعمة، فهي لا تحصى لأنها ليست مظنّة الإحصاء؛ ولا يقبل عاقلٌ أن يحصيها. والعنصر الثالث هو المُنْعَم عليه، وهو الإنسان الذي قد يعجز عن إحصاء نعم رئيسه من البشر عليه - فما بالك بنعم الله التي لا تحصى، وكمالاته التي لا تُحدّ، وعطائه الذي لا ينفد؟ ولله المثل الأعلى، فهو المنزّه عن المثل. ثم يأتي قول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]. وهنا في سورة إبراهيم نجد قوله الحق مبيناً ظلم الإنسان لنفسه وكفره بالنعمة، وفي كفره للنعمة كفر بالمنعم يقول سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} تفسير : [إبراهيم: 28-29]. وهؤلاء هم مَنِ ارتكبوا مظالم بالنسبة لعقيدة الوحدانية والإيمان بالله، والإنسان هو المُنْعَم عليه؛ وما كان يصحّ أن يرى كل تلك النعم ثم يكفر بها، وكان من العدل أن يعطي الحق لصاحبه، ولكن بعضاً من البشر بدَّلوا نعمة الله كفراً؛ وهكذا صاروا مِمَّنْ يُطلَق على كل منهم أنه ظلوم في الحكم؛ وأنه كفّار؛ لجحوده بالنعمة ونكرانه عطاء الخالق للمخلوق. والظلم كما نعرف هو أن تنقل الحق من صاحبه إلى غير صاحبه؛ وإنْ لم تؤمن بالله تكون قد أخذتَ حق الإله في الوجود، وإنْ كنتَ تؤمن بشركاء؛ فأنت تنقل بذلك حقاً من الله إلى غيره وهذا ظلم القمة. وانظر إلى قول الحق سبحانه في سورة النحل: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 12-18]. فهل هناك إرادة أو قدرة تستطيع أن تحصي عطاءات الله التي فوق العَدِّ والحدِّ؟ ففي الآيات السابقة وغيرها إعجاز وعجز، وما دام هناك عجز فالكمال عنده لا يتناهى. إن بعضاً مِمَّنْ يستدركون على القرآن يقولون: كيف يقول القرآن مرة: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]. ثم يقول في آية أخرى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النحل: 18]. ونردُّ على هؤلاء: أنتم لم تنظروا إلى السياق الذي جاء في كل آية، وعَمِيَتْ بصيرتكم عن معرفة أن سياقَ الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - قد جاء فيها ذِكْر النِّعم وذكر الجحود والكفران بالنعم؛ وهذا ناشىء عن ظُلْم الإنسان لنفسه بالظُّلْم العظيم. وفي آية سورة النحل جاء بِذكْر النعم، ورغم ظُلْمنا إلا أن رحمته سبحانه وَسِعَتْنا، ولم يمنع عنَّا ما أسبغه علينا من نِعَم، وكأنه سبحانه يُوضِّح لنا: إياكم أنْ تستحُوا أنْ تسألوني شيئاً؛ وإنْ كنتم قد ظلمتُم وكفرتُم في أشياء، فظُلْمكم يقابله غفران مِنّى، وكافريتكم يقابلها مني رحمة، وهكذا لا يوجد تعارضٌ بين الآيتين؛ بل كُل تذييل لكل آية مناسبٌ لها، ففي الآية الأولى يعاملنا الله بعدله، وفي الآية الثانية يعاملنا الله بفضله. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا: {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] ونعلم أن هناك أناساً قد آمنوا بالله وبنعمه، ويشكرون الله عليها، فكيف يَصِف الحق سبحانه الإنسان بأنه ظَلوم كفَّار؟ ونقول: إن كلمة "إنسان" إذا أُطلِقتْ من غير استثناء فهي تنصرف إلى الخُسْران والحياة بلا منهج؛ ودون التفات للتفكير في الكون. والحق سبحانه حين أراد أن يُوضِّح لنا ذلك قال: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 1-2]. ولذلك جاء سبحانه بالاستثناء بعدها، فقال: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} معناهُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَسأَلُوهُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وفي قوله: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] إشارة إلى أنه تعالى أعطى الإنسان في الأزل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفييض الإلهي وهو قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] ثم للابتلاء رده إلى أسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الأسباب التي تخرجه من {أية : أَسْفَلَ سَافِلِينَ}تفسير : [التين: 5] وتصعده إلى أعلى عليين فإذا أمعنت النظر في هذه الآيات رأيت أن العالم بما فيه خلق تبعاً لوجود الإنسان، وسبباً لكماليته كما أن الشجرة خلقت تبعاً لوجود الثمرة وسبباً لكماليتها فالإنسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات، فافهم جدّاً. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} لأن نعمته على الإنسان قسمان: قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا أنها خلقت لاستكمال الإنسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لأن فوائدها عائدة إلى الإنسان إلى الأبد وهي غير متناهية فلا يحصى عدها. وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضاً غير متناهية فلا يحصى عدها. وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضاً غير متناهية {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ} لنفسه بأن يفسد هذا الاستعداد الكامل بالإعراف عن الحق والإقبال على الباطل {كَفَّارٌ} لنعم الله إذا لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعدما كانت نعمة من ربه. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً} [إبراهيم: 35] إبراهيم هو الروح والبلد هو القلب اجعله آمناً من وساوس الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} وهم الفؤاد والسر والخفاء {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} فكما أن صنم النفس الدنيا وصنم القلب العقبى وصنم الروح الدرجات العلى وصنم الفؤاد العرفان وصنم الخفاء الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} [إبراهيم: 36] أي: من الناسين الذين نسوك عن استجلاء القلب والكرامات فانقطعوا بهن عنك {فَمَن تَبِعَنِي} في محبتك وترك ما سواه لك {فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي} في مخالفتك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تغفر لهم فإن لم يجدوا مقام الخلة ترحم عليهم بالمقام في الخلد، وأيضاً حفظ الأدب فيما قال: {وَمَنْ عَصَانِي} وما قال: ومن عصاك؛ لأن بعصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة والإشارة فيه أن من عصاني لعلي لا أغفر له ولا أرحم عليه فإن المكافأة في الطبيعة واجبة ولكن من عصاني فتغفر له وترحم عليه يكون غاية كرمك وعواطف إحسانك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] وهو وادي النفس {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} أن يكون بيتاً لغير الله كما قال: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : وأيضاً قوله: {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان من ذريته وكان من صلب إسماعيل يتوسل بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في رعاية هاجر وإسماعيل يعني: إن ضيعت إسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمداً صلى الله عليه وسلم وأهلتكه. {لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: أسكنهم عند بيتك فريداً وحيداً بلا طعام ولا شراب ولا صديق، ولا أنيس؛ ليناجوك ويقيموا عبادتك ويتوكلوا عليك ويستأنسوا بك ولا يلتفتوا إلى غيرك وأيضاً أسكنت من ذريتي الروحانيات بوادي النفس في مجاورة القلب {لِيُقِيمُواْ} بالآت النفس وأدوات الجسم طاعات وعبادات من {ٱلصَّلاَةَ} والزكاة والصيام والحج والجهاد وغيره من شرائع الإسلام ما لم يكونوا مستعدين للقيام به في عالم الأرواح {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} ليتوسلوا بهواهم إليك ويستحقوا بذلك منك أن تجعلهم منهم ومعهم؛ لأنه "حديث : من أحب قوماً فهو معهم"،تفسير : وأسكنت من ذريتي من الرحمة {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي: فاجعل وتيرة الصفات الناسوتية {تَهْوِىۤ} إلى الصفات الروحانية {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} أي: ثمرات الصفات اللاهوتية التي رزقها للصفات الروحانية {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} شكر النعمة الجسيمة التي بمعزل عنها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إفشاء سر الربوبية لقوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي} [إبراهيم: 38] من حقائق الدعاء والإشارة المودعة فيها {وَمَا نُعْلِنُ} من ظاهر الصفة {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ} أرض الصورة من المعاملات والمقالات الظاهرة {وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} سماء القلوب من أحوال الغيوب والأسرار الباطنة.

همام الصنعاني

تفسير : 1413- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتادَةَ، في قوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}: [الآية: 34]، قال: لم تسألوه كل الذي آتاكم. 1414- قال مَعْمَر، وقال الحسن: آتاكم به كل الذي سألتموه.