١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى ألبتة حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان. واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أشياء: أحدها: قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } والمراد: مكة آمناً ذا أمن. فإن قيل: أي فرق بين قوله: { أية : اجعل هذا بلداً آمناً } تفسير : [البقرة:126] وبين قوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا }. قلنا: سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون، وفي الثاني: أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها، وهي الخوف، ويحصل لها ضد تلك الصفة وهو الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة. وثانيها: قوله: {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {وَٱجْنُبْنِى } وفيه ثلاث لغات جنبه واجنبه وجنبه. قال الفراء: أهل الحجاز يقول جنبني يجنبني بالتخفيف. وأهل نجد يقولون جنبني شره وأجنبني شره، وأصله جعل الشيء عن غيره على جانب وناحية. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الإشكال على هذه الآية من وجوه: أحدها: أن إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يجعل مكة آمناً، وما قبل الله دعاءه، لأن جماعة خربوا الكعبة وأغاروا على مكة. وثانيها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يعبدون الوثن ألبتة، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله أجنبني عن عبادة الأصنام. وثالثها: أنه طلب من الله تعالى أن لا يجعل أبناءه من عبدة الأصنام والله تعالى لم يقبل دعاءه، ولأن كفار قريش كانوا من أولاده، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام. فإن قالوا: إنهم ما كانوا أبناء إبراهيم وإنما كانوا أبناء أبنائه، والدعاء مخصوص بالأبناء، فنقول: فإذا كان المراد من أولئك الأبناء أبناءه من صلبه، وهم ما كانوا إلا إسماعيل وإسحاق، وهما كانا من أكابر الأنبياء وقد علم أن الأنبياء لا يعبدون الصنم، فقد عاد السؤال في أنه ما الفائدة في ذلك الدعاء. والجواب عن السؤال الأول من وجهين: الأول: أنه نقل أنه عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة ذكر هذا الدعاء، والمراد منه: جعل تلك البلدة آمنة من الخراب. والثاني: أن المراد جعل أهلها آمنين، كقوله: { أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي أهل القرية، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير فالجواب من وجهين: الوجه الأول: ما اختصت به مكة من حصول مزيد من الأمن، وهو أن الخائف كان إذا التجأ إلى مكة أمن، وكان الناس مع شدة العداوة بينهم يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، ومن ذلك أمن الوحش فإنهم يقربون من الناس إذا كانوا بمكة، ويكونون مستوحشين عن الناس خارج مكة، فهذا النوع من الأمن حاصل في مكة فوجب حمل الدعاء عليه. والوجه الثاني: أن يكون المراد من قوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } أي بالأمر والحكم بجعله آمناً وذلك الأمر والحكم حاصل لا محالة. والجواب: عن السؤال الثاني قال الزجاج: معناه ثبتني على اجتناب عبادتها كما قال: { أية : وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } تفسير : [البقرة: 128] أي ثبتنا على الإسلام. ولقائل أن يقول السؤال باق لأنه لما كان من المعلوم أنه تعالى يثبت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب من عبادة الأصنام فما الفائدة في هذا السؤال والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه عليه السلام وإن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضماً للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب. والثاني: أن الصوفية يقولون: إن الشرك نوعان: شرك جلي وهو الذي يقول به المشركون، وشرك خفي وهو تعليق القلب بالوسايط وبالأسباب الظاهرة والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسايط ولا يرى متصرفاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله: {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } المراد منه أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي والله أعلم بمراده. والجواب عن السؤال الثالث من وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف»: قوله {وبني} أراد بنيه من صلبه والفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التي ذكرناها في قوله: {وَٱجْنُبْنِى }. والثاني: قال بعضهم أراد من أولاده وأولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال الدعاء ولا شبهة أن دعوته مجابة فيهم. الثالث: قال مجاهد: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً، والصنم هو التمثال المصور ما ليس بمصور فهو وثن. وكفار قريش ما عبدوا التمثال وإنما كانوا يعبدون أحجاراً مخصوصة وأشجاراً مخصوصة، وهذا الجواب ليس بقوي، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والحجر كالصنم في ذلك. الرابع: أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّي } وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، ونظيره قوله تعالى لنوح: { أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } تفسير : [هود: 46]. والخامس: لعله وإن كان عمم في الدعاء إلا أن الله تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السلام، ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: { أية : قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124]. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بقوله: {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } على أن الكفر والإيمان من الله تعالى، وتقرير الدليل أن إبراهيم عليه السلام طلب من الله أن يجنبه ويجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى، وقول المعتزلة إنه محمول على الألطاف فاسد، لأنه عدول عن الظاهر، ولأنا قد ذكرنا وجوهاً كثيرة في إفساد هذا التأويل. ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ } واتفق كل الفرق على أن قوله: {أَضْلَلْنَ } مجاز لأنها جمادات، والجماد لا يفعل شيئاً ألبتة، إلا أنه لما حصل الإضلال عند عبادتها أضيف إليها كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها. ثم قال: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يعني من تبعني في ديني واعتقادي فإنه مني، أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني ومن عصاني في غير الدين فإنك غفور رحيم، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن إبراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام والغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته، والدليل عليه أن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة فنقول: أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا كذلك، والأول باطل من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه الآية أنه مبرأ عن الكفار وهو قوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } وأيضاً قوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته. والثاني: أن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة، ولما بطل هذا ثبت أن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } شفاعة في العصاة الذين لا يكونون من الكفار. وإذا ثبت هذا فنقول: تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة، والأول والثاني باطلان لأن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي } اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، وأيضاً فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه، فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه السلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم لوجوه: الأول: أنه لا قائل بالفرق. والثاني: وهو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك نقصاناً في حق محمد عليه السلام. والثالث: أن محمداً صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: { أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } فهذا وجه قريب في إثبات الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر، والله أعلم. إذا عرفت هذا فلنذكر أقوال المفسرين: قال السدي معناه: ومن عصاني ثم تاب، وقيل: إن هذا الدعاء إنما كان قبل أن يعلم أن الله تعالى لا يغفر الشرك، وقيل من عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم، يعني أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام، وقيل المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم حتى يتوبوا أو يكون المراد أن لا تعجل اخترامهم فتفوتهم التوبة. واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول: وهو حمل هذه الشفاعة على المعصية بشرط التوبة فقد أبطلناه. وأما الثاني: وهو قوله إن هذه الشفاعة إنما كانت قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك فنقول: هذا أيضاً بعيد، لأنا بينا أن مقدمة هذه الآية تدل على أنه لا يجوز أن يكون مراد إبراهيم عليه السلام من هذا الدعاء هو الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر. وأما الثالث: وهو قوله المراد من كونه: {غَفُوراً رَّحِيماً } أن ينقله من الكفر إلى الإيمان فهو أيضاً بعيد، لأن المغفرة والرحمة مشعرة بإسقاط العقاب ولا إشعار فيهما بالنقل من صفة الكفر إلى صفة الإيمان، والله أعلم. وأما الرابع: وهو أن تحمل المغفرة والرحمة على تعجيل العقاب أو ترك تعجيل الإمانة فنقول هذا باطل، لأن كفار زماننا هذا أكثر منهم ولم يعاجلهم الله تعالى بالعقاب ولا بالموت مع أن أهل الإسلام متفقون على أنهم ليسوا مغفورين ولا مرحومين فبطل تفسير المغفرة والرحمة على ترك تعجيل العقاب بهذا الوجه وظهر بما ذكرنا صحة ما قررناه من الدليل، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} يعني مكة وقد مضى في «البقرة». {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} أي ٱجعلني جانباً عن عبادتها، وأراد بقوله: «بنيّ» بنيه من صُلْبه وكانوا ثمانية، فما عبد أحد منهم صنماً. وقيل: هو دعاء لمن أراد الله أن يدعو له. وقرأ الْجَحْدَريّ وعيسى «وَأَجْنِبْنيِ» بقطع الألف والمعنى واحد؛ يقال: جَنَبْتُ ذلك الأمر؛ وأجنبته وجَنَّبته إياه فتجانبه وٱجتنبه أي تركه. وكان إبراهيم التِّيْميّ يقول في قصصه: من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأصْنَامَ} كما عبدها أبي وقومي. قوله تعالى: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} لما كانت سبباً للإضلال أضاف الفعل إليهن مجازاً؛ فإن الأصنام جمادات لا تفعل. {فَمَن تَبِعَنِي} في التوحيد. {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي من أهل ديني. {وَمَنْ عَصَانِي} أي أصرَّ على الشّرك. {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قيل: قال هذا قبل أن يعرّفه الله أن الله لا يغفر أن يشرك به. وقيل: غفور رحيم لمن تاب من معصيته قبل الموت. وقال مقاتل بن حيان: «وَمَنْ عَصَانيِ» فيما دون الشرك.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى في هذا المقام محتجاً على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا} وقد استجاب الله له فقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} تفسير : [العنكبوت: 67] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} تفسير : [آل عمران:96-97] وقال في هذه القصة: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا} فعرفه؛ لأنه دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} تفسير : [إبراهيم: 39] ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضاً فقال: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا} كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطوّلاً. وقوله: {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ ممن عبدها، ورد أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم؛ كقول عيسى عليه السلام: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118] وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز وقوع ذلك. وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث: أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جرير، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم عليه السلام {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ} الآية، وقول عيسى عليه السلام: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} تفسير : [المائدة: 118] الآية، ثم رفع يديه، ثم قال: «حديث : اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم أمتي» تفسير : وبكى، فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد، وربك أعلم، وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال الله: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ } مكة {ءَامِناً} ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يتخلى خلاه {وَٱجْنُبْنِى } بَعِّدْني {وَبَنِىَّ } عن {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمَ } متعلق بمحذوف، أي: اذكر وقت قوله، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم، وهي إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة. وقيل: إن ذكر قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة. وقيل: لقصد الدعاء إلى التوحيد، وإنكار عبادة الأصنام {رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } المراد بالبلد هنا: مكة. دعا إبراهيم ربه أن يجعله آمنا، أي: ذا أمن، وقدّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده، لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا }تفسير : [البقرة: 126] والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }، يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، والمعنى: باعدني، وباعد بنيّ عن عبادة الأصنام، قيل: أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، وقيل: أراد من كان موجوداً حال دعوته من بنيه وبني بنيه. وقيل: أراد جميع ذريته ما تناسلوا، ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنماً، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر: {وأجنبني} بقطع الهمزة على أن أصله أجنب. {رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل؛ لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه، ثم قال: {فَمَن تَبِعَنِى } أي: من تبع ديني من الناس فصار مسلماً موحداً {فَإِنَّهُ مِنّى } أي: من أهل ديني، جعل أهل ملته كنفسه مبالغة. {وَمَنْ عَصَانِى } فلم يتابعني ويدخل في ملتي {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قادر على أن تغفر له. قيل: قال هذا قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به. كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك، كذا قال ابن الأنباري. وقيل: المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك. وقيل: إن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك. ثم قال: {رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى } قال الفراء: من للتبعيض، أي: بعض ذرّيتي. وقال ابن الأنباري: إنها زائدة، أي: أسكنت ذرّيتي، والأوّل أولى؛ لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } أي: لا زرع فيه، وهو وادي مكة {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } أي: الذي يحرم فيه ما يستباح في غيره؛ وقيل: إنه محرّم على الجبابرة. وقيل: محرم من أن تنتهك حرمته، أو يستخفّ به، وقد تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة، ثم قال: {ربنا ليقيموا الصلاة} اللام متعلقة بأسكنت، أي: أسكنتهم ليقيموا الصلاة فيه، متوجهين إليه، متبركين به، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعلّ تكرير النداء لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } الأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، عبر به عن جميع البدن؛ لأنه أشرف عضو فيه. وقيل: هو جمع وفد والأصل أوفدة، فقدّمت الفاء، وقلبت الواو ياء، فكأنه قال: وجعل وفوداً من الناس تهوي إليهم، و «من» في {من الناس} للتبعيض. وقيل: زائدة، ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى بدخولهم تحت لفظ الناس؛ لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم، لا توجيهها إلى الحجّ، ولو كان هذا مراداً لقال تهوي إليه، وقيل: من للابتداء كقولك: القلب مني سقيم، يريد قلبي، ومعنى {تهوي إليهم}: تنزع إليهم، يقال: هوى نحوه: إذا مال، وهوت الناقة تهوي هوياً فهي هاوية: إذا عدت عدواً شديداً كأنها تهوي في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى: تجيء إليهم أو تسرع إليهم، والمعنى: متقارب، {وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ } أي: أرزق ذريتي الذين أسكنتهم هنالك، أو هم ومن يساكنهم من الناس من أنواع الثمرات التي تنبت فيه، أو تجلب إليه {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } نعمك التي أنعمت بها عليهم. {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } أي: ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان. قيل والمراد هنا بما نخفي ما يقابل ما نعلن، فالمعنى: ما نظهره وما لا نظهره، وقدّم ما نخفي على ما نعلن للدلالة على أنهما مستويان في علم الله سبحانه. وظاهر النظم القرآني عموم كل ما لا يظهر وما يظهر من غير تقييد بشيء معين من ذلك. وقيل: المراد ما يخفيه إبراهيم من وجده بإسماعيل وأمه، حيث أسكنهما بوادٍ غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك. وقيل: ما يخفيه إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء. والمجيء بضمير الجماعة يشعر بأن إبراهيم لم يرد نفسه فقط، بل أراد جميع العباد، فكأن المعنى: أن الله سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه. وأما قوله: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْء فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } فقال جمهور المفسرين: هو من كلام الله سبحانه تصديقاً لما قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه، فقال سبحانه{وما يخفى على الله شيء} من الأشياء الموجودة كائناً ما كان. وإنما ذكر السمٰوات والأرض لأنها المشاهدة للعباد، وإلاّ فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم، وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه منه خافية. قيل: ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقاً لقوله الأوّل، وتعميماً بعد التخصيص. ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } أي: وهب لي على كبر سني وسنّ امرأتي، قيل: ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، قيل: و «على» هنا بمعنى "مع" أي: وهو لي مع كبري ويأسي عن الولد {إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء } أي: لمجيب الدعاء، من قولهم: سمع كلامه: إذا أجابه واعتدّ به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول، والمعنى: إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك، ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظاً عليها غير مهمل لشيء منها، ثم قال: {وَمِن ذُرّيَتِى } أي: بعض ذريتي، أي: اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة، وإنما خصّ البعض من ذريته؛ لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي. قال الزجاج: أي اجعل من ذرّيتي من يقيم الصلاة، ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم، ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولاً أوّلياً. قيل: والمراد بالدعاء هنا: العبادة، فيكون المعنى: وتقبل عبادتي التي أعبدك بها، ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه، مما يستحق أن يغفره الله وإن لم يكن كبيراً، لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر لوالديه، وقد قيل: إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أنهما عدوان لله سبحانه كما في قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } تفسير : [التوبة: 114]. وقيل: كانت أمه مسلمة، وقيل: أراد بوالديه: آدم وحوّاء. وقرأ سعيد بن جبير: "ولوالدي" بالتوحيد على إرادة الأب وحده. وقرأ إبراهيم النخعي: "ولولديّ" يعني: إسماعيل وإسحاق، وكذا قرأ يحيـى بن يعمر، ثم استغفر للمؤمنين. وظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذرّيته أو لم يكن منهم. وقيل: أراد المؤمنين من ذرّيته فقط. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ } أي: يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ يقوم الذي هو حقيقته في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة. وقيل: إن المعنى: يوم يقوم الناس للحساب. والأول أولى. وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } الآية قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده، فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته. واستجاب الله له، وجعل هذا البلد آمناً، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماماً، وجعل من ذريته من يقيم الصلاة، وتقبل دعاءه فأراه مناسكه وتاب عليه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عقيل بن أبي طالب: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه، فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه، فقرأ من سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } إلى آخر السورة، فرّق القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه. وأخرج الواقدي، وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال: كانت سارّة تحت إبراهيم، فمكثت تحته دهراً لا ترزق منه ولداً، فلما رأت ذلك وهبت له هاجر أمة لها قبطية، فولدت له إسماعيل، فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها، وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أطراف، فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبرّي يمينك؟ قالت: كيف أصنع؟ قال: اثقبي أذنيها واخفضيها، والخفض: هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسناً، فقالت سارّة: أراني إنما زدتها جمالاً، فلم تقارّه على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجداً شديداً، فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى } قال: أسكن إسماعيل وأمه مكة. وأخرج ابن المنذر عنه قال: إن إبراهيم حين قال: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } لو قال: أفئدة الناس تهوي إليهم لازدحمت عليه فارس والروم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحكم قال: سألت عكرمة وطاوساً وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } فقالوا: البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه. وفي لفظ قالوا: هواهم إلى مكة أن يحجوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {تَهْوِى إِلَيْهِمْ } قال: تنزع إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي: أن إبراهيم لما دعا للحرم {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } نقل الله الطائف من فلسطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال: إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان، قال السيوطي: بسندٍ حسن، عن ابن عباس قالوا: لو كان إبراهيم عليه السلام قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجّ اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال أفئدة من الناس فخصّ به المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } قال: من الحزن. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى } قال: من حبّ إسماعيل وأمه {وَمَا نُعْلِنُ } قال: ما نظهر لسارّة من الجفاء لهما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } قال: هذا بعد ذلك بحين. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة سنة ومائة سنة.
ابن عطية
تفسير : المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم، و {البلد}: مكة، و {آمناً} معناه فيه أمن، فوصفه بالأمن تجوزاً - كما قال: {أية : في يوم عاصف} تفسير : [إبراهيم: 18]، وكما قال الشاعر: شعر : وما ليل المطي بنائم تفسير : {واجنبني} معناه: وامنعني، يقال: جنبه كذا وجنبه وأجنبه: إذا منعه من الأمر وحماه منه. وقرأ الجحدري والثقفي "وأجنِبني" بقطع الألف وكسر النون. وأراد إبراهيم بني صلبه، وكذلك أجيبت دعوته فيهم، وأما باقي نسله فعبدوا الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنماً؟! لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة. و {الأصنام} هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهي أوثان، قاله الطبري عن مجاهد. ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيراً من الناس - تجوز - إذ كانت عرضة الإضلال، والأسباب المنصوبة للغيّ، وعليها تنشأ الأغيار، وحقيقة الإضلال إنما هي لمخترعه، وقيل: أراد الأصنام هنا الدنانير والدراهم. وقوله: {ومن عصاني} ظاهره بالكفر، بمعادلة قوله: {فمن تبعني فإنه مني}، وإذا كان ذلك كذلك فقوله: {فإنك غفور رحيم} معناه: بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا، لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب - صلى الله عليه وسلم - قال قتادة: اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه وسلم، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكذلك قال نبي الله عيسى {أية : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} تفسير : [المائدة: 118] وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر حديثاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته، فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام؟. وقوله: {ومن ذريتي} يريد: إسماعيل عليه السلام، وذلك أن سارة لما غارت بهاجر - بعد أن ولدت إسماعيل - تعذب إبراهيم عليه السلام، بهما، فروي أنه ركب البراق وهو وهاجر والطفل - فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك، وركب منصرفاً من يومه ذلك، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى فلما ولَّى دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري والسير وغيره. و {من} في قوله: {ومن ذريتي} للتبعيض، لأن إسحاق كان بالشام، و"الوادي": ما بين الجبلين، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء. وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال: {غير ذي زرع}، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال: غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك. وقوله: {عند بيتك المحرم} إما أن يكون البيت قد كان قديماً - على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم - وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتاً لله تعالى، فيكون محرماً. ومعنى {المحرم} على الجبابرة وأن تنتهك حرمته ويستخف بحقه - قاله قتادة وغيره. وجمعه الضمير في قوله: {ليقيموا} يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل. واللام في قوله: {ليقيموا} هي لام كي هذا هو الظاهر فيها - على أنها متعلقة بـ {أسكنت}، والنداء اعتراض، ويصح أن تكون لام أمر، كأن رغب إلى الله أن يوفقهم بإقامة الصلاة، ثم ساق عبارة ملزمة لهم إقامة الصلاة، وفي اللفظ على هذا التأويل بعض تجوز يربطه المعنى ويصلحه. و {أفئدة}: القلوب، جمع فؤاد. سمي بذلك لإنفاده، مأخوذ من فأد ومنه المفتاد، وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم. وقرأ ابن عامر بخلاف: {فاجعل أفئدة} بياء بعد الهمزة. وقوله: {من الناس} تبعيض، ومراده المؤمنون، قال مجاهد: لو قال إبراهيم: أفئدة الناس - لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال سعيد ابن جبير: لحجته اليهود والنصارى. و {تهوي} معناه: تسير بجد وقصد مستعجل، ومنه قول الشاعر [أبو كبير]: [الكامل] شعر : وإذا رميت به الفجاج رأيته يهوي مخارمها هويَّ الأجدل تفسير : ومنه البيت المروي: [السريع] شعر : تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنو الجن كأنجاسها تفسير : وقرأ مسلمة بن عبد الله: "تُهوي" بضم التاء، من أهوى، وهو الفعل المذكور معدى بالهمزة، وقرأ علي بن أبي طالب ومحمد بن علي ومجاهد "تَهوَى" بفتح التاء والواو. وتعدي هذا الفعل - وهو من الهوى - بـ "إلى"، لما كان مقترناً بسير وقصد. وروي عن مسلم بن محمد الطائفي: أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق سكان مكة من الثمرات بعث الله جبريل فاقتلع بجناحه قطعة من أرض فلسطين - وقيل من الأردن - فجاء بها وطاف حول البيت بها سبعاً، ووضعها قريب مكة، فهي الطائف، وبهذه القصة سميت، وهي موضع ثقيف، وبها أشجار وثمرات وثم هي ركبة.
النسفي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } واذكر إذ قال إبراهيم {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ } أي البلد الحرام {آمِناً} ذا أمن والفرق بين هذه وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن أهلها، وفي الثاني أن يخرجه من صفة الخوف إلى الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً {وَٱجْنُبْنِي} وبعدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها كما قال {أية : واجعلنا مسلمين لك}تفسير : [البقرة: 128] أي ثبتنا على الإسلام {وَبَنِيَّ} أراد بنيه من صلبه {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } من أن نعبد الأصنام {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } جعلن مضلات على طريق التسبيب لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهم أضللنهم {فَمَن تَبِعَنِي} على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي {فَإِنَّهُ مِنّي} أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي {وَمَنْ عَصَانِى } فيما دون الشرك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أو ومن عصاني عصيان شرك فإنك غفور رحيم إن تاب وآمن {رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي} بعض أولادي وهم إسمٰعيل ومن ولد منه {بِوَادٍ } هو واد مكة {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } لا يكون فيه شيء من زرع قط {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } هو بيت الله سمي به لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً يهابه كل جبار، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه {رَّبَّنَا لِيِقُيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} اللام متعلقة بـ {أسكنت} أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ } أفئدة من أفئدة الناس و«من» للتبعيض لما روي عن مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. أو للابتداء كقولك: «القلب مني سقيم» تريد قلبي فكأنه قيل أفئدة ناس، ونكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة {تَهْوِي إِلَيْهِمْ } تسرع إليهم من البلاد الشاسعة وتطير نحوهم شوقاً {وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ } مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها بأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إبراهام} بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان {إني أسكنت} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {ومن عصاني} بالإمالة: علي {دعائي} بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب. وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل. والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين. {نؤخرهم} بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد. الآخرون بالياء. {لتزول} بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ. الباقون بكسر الأول ونصب الآخر. {القهار} مثل {البوار} {قطر} بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة. {آن} على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته {آني} بالياء. الوقوف: {الأصنام} ط {من الناس} ج {مني} ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام {رحيم} ه {المحرم} لا لأن قوله: {ليقيموا} يتعلق بقوله: {أسكنت} وكلمة {ربنا} تكرار { يشكرون} ه {ما نعلن} ط {ولا في السماء} ه لا {وإسحاق} ط {الدعاء} ه {ومن ذريتي} ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف {وربنا} تكرار {دعاء} ه {الحساب} ط {الظالمون} ه ط {الأبصار} ه لا لأن ما بعده حال {طرفهم} ج لاحتمال أن قوله: {وأفئدتهم} يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا {هواء} ه ط {قريب} لا لأن قوله: {نجب} جواب {أخرنا} {الرسل} ط {زوال} ه لا للعطف على {أقسمتم} {الأمثال} ه {وعند الله مكرهم} ط {الجبال} ه {رسله} ط {انتقام} ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم {القهار} ه {في الأصفاد} ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين {النار} ه لا لتعلق لام كي {ما كسبت} ط {الحساب} ه {الألباب} ه. التفسير: إن قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: {أية : لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً}تفسير : [آل عمران: 164]. وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله صلى الله عليه وسلم نبينا صلى الله عليه وسلم. حكى الله سبحانه عنه طلب أمور منها: قوله: {رب اجعل هذا البلد آمناً} وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك. ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه. وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد. ومنها قوله: {واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام} قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد. وأهل نجد: جنبني وأجنبني. وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي. أما قوله: {وبني} فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه. وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته. وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت. وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه سبحانه وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: {أية : إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم}تفسير : [الأعراف: 198] الآيات إلى قوله: {أية : وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}تفسير : [الأعراف: 198]. وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: {فمن تبعني فإنه مني} أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح {أية : إنه ليس من أهلك}تفسير : [هود: 46] وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: {أية : ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}تفسير : [البقرة: 124]. قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله تعالى لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى. وحمله المعتزلة على منح الألطاف. أما قوله: {رب إنهن أضللن كثيراً} فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها {فمن تبعني} بقي على الملة الحنيفة {فإنه مني} أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب. وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك. وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام. وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم صلى الله عليه وسلم ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى. ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي} أي بعضهم {بواد غير ذي زرع} أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: {أية : قرآناً عربياً غير ذي عوج}تفسير : [الزمر: 28] أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان. وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك. وفي قوله: {عند بيتك الحرام} دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما. ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب. وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل {ربنا ليقيموا الصلاة} أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف. {فاجعل أفئدة من الناس} "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس. قال مجاهد. لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين. وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم". وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس. ومعنى {تهوي} تسرع {إليهم} وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً. وقيل: تنحط وتنحدر. الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: {وارزقهم من الثمرات} فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء. وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين. ثم ختم الآية بقوله: {لعلهم يشركون} ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية. ثم أثنى على الله سبحانه تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان. وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم. قال المفسررون: {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم. و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض. {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر} أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة {إسماعيل وإسحاق} ذكر أوّلاً كونه تعالى عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله سبحانه أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: {إن ربي لسيمع الدعاء} وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله تعالى، ويحتمل أن يكون قوله: {إن ربي لسميع الدعاء} رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: {أية : رب هب لي من الصالحين}تفسير : [الصافات: 100] روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة. وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين. وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة. ثم ختم الأدعية بقوله: {رب اجعلني مقيم الصلاة} أي مديمها {ومن ذريتي} أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله تعالى أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله سبحانه {أية : لا ينال عهدي الظالمين}تفسير : [البقرة: 124] {ربنا وتقبل دعائي} عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد {ربنا اغفر لي} طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: {ولوالدي} فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟ وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله تعالى: {أية : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك}تفسير : [الممتحنة: 4] مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه {يوم يقوم الحساب} أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل {أية : واسأل القرية}تفسير : [يوسف: 82]. ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: {ولا تحسبن الله غافلاً} إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} أي أبصارهم كقوله: {أية : واشتعل الرأس}تفسير : [مريم: 4] شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة {مهطعين} مسرعين قاله أبو عبيدة. والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء. وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع. وقيل: هو الساكت {مقنعي رؤوسهم} رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه {لا يرتد إليهم طرفهم} الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه. وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم. والمراد دوام الشخوص المذكور. وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم {وأفئدتهم هواء} والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام. وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء. والمعنى. أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب. والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: {يوم يقوم الحساب} وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء. وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور. وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه. قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار. ومعنى {أخرنا} أمهلنا {إلى} أمد وحد من الزمان {قريب} أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى {أو لم تكونوا} على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك. وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً. و{ما لكم من زوال} جواب القسم. ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية. والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت}تفسير : [النحل: 38]. ثم زادهم توبيخاً بقوله: {وسكنتم} استقررتم {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم {وتبين لكم} بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان {كيف فعلنا بهم} من أصناف العقوبات {وضربنا لكم الأمثال} قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم. وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل. ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: {وقد مكروا مكرهم} أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم. وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد صلى الله عليه وسلم كما قال: {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك}تفسير : [الأنفال: 30] وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت. فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض. وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر. {وعند الله مكرهم} إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون. أما قوله: {وإن كان مكرهم لتزول} من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك. وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر. ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر. ثم إنه سبحانه أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق. ثم قال: {رسله} تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته. والمراد بالوعد قوله: {أية : إنا لننصر رسلنا}تفسير : [غافر: 51] {أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجادلة: 21] ونحوهما من اللآيات. قوله: {إن الله عزيز ذو انتقام} قد مر في أول "آل عمران" {يوم تبدل الأرض} قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من {يوم يأتيهم} أو على الظرف للانتقام. والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف. ومعنى قوله: {والسموات} أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل. وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً"تفسير : وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها. نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم. وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة. وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف. وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة. {وبرزوا لله} قد ذكرناه في أول السورة. وتخصيص {الواحد القهار} بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه. ومن نتائج قهره قوله: {وترى المجرمين يومئذ مقرنين} قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم. قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان. وقوله: {في الأصفاد} أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين. وقيل: الأصفاد الأغلال. والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء. {سرابيلهم} جمع سربال وهو القميص {من قطران} هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه. ومن قرأ {من قطرآن} فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره. قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم {وتغشى وجوههم النار} خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل. قوله: {ليجزي} اللام متعلقة بـ {تغشى} أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي {الله كل نفس ما كسبت} قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم. ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه تعالى إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم. ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: {ولا تحبسن الله غافلاً} إلى ههنا فقال {هذا بلاغ} كفاية {للناس} في التذكير والموعظة لينصحوا {ولينذروا به} بهذا البلاغ. ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: {وليعلموا أنما هو إله واحد} وإلى استكمال القوة العملية بقوله: {وليذكر أولوا الألباب} لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق. التأويل: {وإذ قال إبراهيم} الروح {رب اجعل} بلد القلب {آمناً} من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى {واجنبني وبني} هم الفؤاد والسر والخفى {أن نعبد الأصنام} وهو كل ما سوى الله. فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات {ومن عصاني فإنك غفور} فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق {أسكنت من ذريتي} هم صفات الروح والعقل والسر والخفى {بواد غير ذي زرع} وهو وادي النفس {عند بيتك المحرم} على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن". وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد صلى الله عليه وسلم وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً. وفي قوله: {ليقيموا الصلاة} إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق {فاجعل أفئدة} الصفات الناسوتية {تهوي} إلى الصفات الروحانية {وارزقهم من} ثمرات الصفات اللاهوتية {لعلهم يشكرون} هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه {ربنا إنك تعلم ما نخفي} من حقائق الدعاء {وما نعلن} من ظاهر القصة {وما يخفى على الله من شيء} في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب {على الكبر} أي بعد تعلق الروح بالقالب {إسماعيل} السر {وإسحق} الخفي {مقيم الصلاة} دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن {ربنا اغفر لي} استرني وامنحني بصفة معرفتك {ولوالدي} من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين. {ولا تحسبن} أي لم يكن {الله غافلاً} في الأزل بل الكل بقضائه وقدره {وإنما يؤخرهم} ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم {ما لكم من زوال} فيه من إبطال مذهب التناسخية. زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا} تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة {وعند الله} مقدار {مكرهم وإن كان مكرهم} بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه {يوم تبدل} أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: {أية : وأشرقت الأرض بنور ربها}تفسير : [الزمر: 69] وحينئذ {برزوا لله الواحد القهار} فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية. {وترى المجرمين} يوم التجلي {مقرنين} في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله. {سرابيلهم من قطران} المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله {وتغشى وجوههم} نار الحسرة والقطيعة {هذا بلاغ للناس} الذين نسوا عالم الوحدة {وليذروا به} قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع {وليعلموا أنما هو إله واحد} فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان {وليتذكر أولوا الألباب} عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } تقدَّم تفسيره. وقوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }: و{وَٱجْنُبْنِي}: معناه: ٱمْنَعْنِي، يقال: جَنَبَهُ كَذَا، وأَجْنَبَهُ؛ إِذا مَنَعَهُ من الأمْر وحَمَاهُ منْه. * ت *: وكذا قال * ص *: و«ٱجنبني»: معناه: ٱمنعْنِي، أصله من الجَانِبِ، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: أي: ٱجعلْني جانباً من عبادتها. وقال الثعلبيُّ: {وَٱجْنُبْنِي}، أي: بعّدني وٱجعلْني منْها على جانِبٍ بعيدٍ. انتهى، وهذه الألفاظ كلُّها متقاربة المعاني، وأراد إبراهيم عليه السلام بَنِيَّ صُلْبه، وأما باقي نَسْله، فمنهم مَنْ عبد الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إِفراطَ خَوْفه علَى نفسه ومَنْ حصل في رتبته، فكيف يَخَافُ أنْ يعبد صَنَماً، لكن هذه الآية ينبغي أنْ يُقْتَدَى بها في الخَوْفِ، وطَلَبِ حُسْنِ الخاتمة، و{ٱلأَصْنَامَ }: هي المنحوتةُ على خَلْقَة البَشَر، وما كان منحوتاً على غَيْرِ خلْقَة البَشَرِ، فهي أوثانٌ، قاله الطبريُّ عن مجاهد، ونسب إِلى الأصنام أنها أضَلَّتْ كثيراً من الناس تجوُّزاً، وحقيقةُ الإِضلال إِنما هي لمخترعها سبحانه، وقيل: أراد بـ {ٱلأَصْنَامَ } هنا: الدنانيرُ والدَّرَاهم. وقوله: {وَمَنْ عَصَانِي}: ظاهره بالكُفْر؛ لمعادلة قوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، وإِذا كان ذلك كذلك، فقوله: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: معناه: بتوبَتِكَ على الكَفَرَةِ؛ حتى يؤمنوا لا أنَّه أراد أنَّ اللَّه يغفر لكَافِرٍ، وحمله على هذه العبارة ما كَانَ يأخذ نَفْسَهُ به من القَوْلِ الجميلِ، والنُّطْقِ الحسنِ، وجميلِ الأَدَبِ صلى الله عليه وسلم، قال قتاد: ٱسْمَعُوا قوْلَ الخليلِ صلى الله عليه وسلم: واللَّه ما كانُوا طَعَّانين ولا لَعَّانِينِ، وكذلك قولُ نبيِّ اللَّه عيسى عليه السلام: { أية : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [المائدة:118]، وأسند الطبريُّ عن عبد اللَّهِ بْن عَمْرٍو حديثاً: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، تلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثم دعا لأمته فبَشَّرَ فيهم، وكان إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ يقول: مَنْ يأمن على نفْسه بَعْدَ خوف إِبراهيمَ الخليل على نَفْسِهِ مِنْ عبادة الأصْنام. وقوله: و{مِن ذُرِّيَّتِي}: يريد: إِسماعيل عليه السلام، وذلك أَنَّ سارَّة لمَّا غارَتْ بهاجَرَ بَعْدَ أَنْ ولدَتْ إِسماعيل، تشوَّش قلبُ إِبراهيم مِنْهُما، فروي أنَّه رَكِبَ البُرَاقَ هو وهَاجَر، والطفلُ، فجاء في يَوْمٍ واحدٍ من الشامِ إِلى بَطْنِ مَكَّة، فتركَهُما هناك، ورَكِبَ منصرفاً من يومه ذلك، وكان ذلك كلُّه بوحْيٍ من اللَّه تعالى، فلمَّا ولى، دعا بمضمَّن هذه الآية، وأمَّا كيفيَّة بقاء هَاجَرَ، وما صَنَعَتْ، وسائرُ خَبَر إِسماعيل، ففي كتابِ البخاريِّ وغيره، وفي السير، ذُكِرَ ذلك كلُّه مستَوْعَباً. * ت *: وفي «صحيح البخاري» من حديثه الطويل في قصَّة إِبراهِيمَ مع هَاجَرَ وولدِهَا، لما حَمَلَهُما إِلى مكَّة، قال: ولَيْسَ بمكَّة يَومَئِذٍ أَحَدٌ، وليس فيها ماءٌ، فوضعهما هنالِكَ، ووضَعَ عندهما جراباً فيه تمْر، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قَفَّى إِبراهيم منطلقاً، فتبعْتهُ أمُّ إِسماعيل، فقالَتْ: يا إِبراهيم، أيْنَ تَذْهَبُ، وتَتْرُكُنَا بهذا الوادِي الذي لَيْسَ فيهِ أَنِيسٌ، ولا شَيْء، فقالَتْ له ذلك مِرَاراً، وجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِليها، فقالَتْ لَهُ: آللَّه أمَرَكَ بهذا؟ قال: نعمْ، قالتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثم رَجَعَتْ، فٱنْطَلَقَ إِبراهيمُ حتى إِذا كان عند الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، ٱستقْبَلَ بوجهه الْبَيْتَ، ثم دعا بهؤلاءِ الدعَواتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فقال:« رَبِّ {إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}، حتى بَلَغَ: {يَشْكُرُونَ}... »الحديثَ بطوله وفي الطريقٍ: «قالَتْ: ياإِبراهيم إِلى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قال: إِلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ: رَضِيتُ. انتهى. وفي هذا الحديثِ مِنَ الفوائِدِ لأرباب القلوبِ والمتوكِّلين وأهْلِ الثقة باللَّه سُبْحَانه ما يَطُولُ بنا سرْدُهَا، فإِليك ٱستخراجَهَا، ولما انقطعَتْ هاجَرُ وٱبنُها إِلى اللَّه تعالى، آواهما اللَّه، وأنْبَعَ لهما ماءَ زَمْزَمَ المبارَكَ الذي جَعَله غذاءً، قال ابنُ العربي: وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ ». تفسير : قال ابن العربيِّ: ولقد كُنْتُ مقيماً بمكَّة سنَةَ سَبْعٍ وثمانينَ وأربعمائة، وكنتُ أَشْرَبُ مَاءَ زَمْزَمَ كثيراً، وكلَّما شرِبْتُ، نَوَيْتُ بِهِ العِلْمَ والإِيمانَ، ونَسِيتُ أنْ أشربه للعَمَلِ، ففتح لي في العِلْمِ، ويا لَيْتَنِي شربْتُه لهما معاً؛ حتى يُفْتَحَ لي فيهما، ولم يُقَدَّر، فكان صَغْوِي إِلى العلْمِ أَكْثَرَ منه إِلى العمل، انتهى من «الأحكام». و«من»؛ في قوله: و{مِن ذُرِّيَّتِي}؛ للتبعيضِ؛ لأن إِسحاق كان بالشَّام، و«الوادِي»: ما بين الجبَلَيْن، وليس مِنْ شرطه أَنْ يكون فيه ماءٌ، وجَمْعُه الضميرَ في قوله: {لِيُقِيمُواْ}: يدلُّ على أن اللَّه قد أعلمه أنَّ ذلك الطِّفْلَ سَيُعْقِبُ هناك، ويكونُ له نسلٌ، واللام في {لِيُقِيمُواْ }: لامُ كي؛ هذا هو الظاهر، ويصحُّ أَنْ تكون لام الأمر؛ كأنه رَغِبَ إِلى اللَّه سبحانه أَنْ يوفِّقهم لإِقامة الصلاة، و«الأفئدة» القلوبُ جمْع فؤادٍ، سمِّي بذلك، لاتِّقَادِهِ، مأخوذ من «فَأَد»، ومنه: «المُفْتَأَدُ»، وهو مستوقَدُ النَّار حيث يُشْوَى اللحْمُ. وقوله: {مِّنَ ٱلنَّاسِ }: تبعيضٌ، ومراده المؤمنون، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله ـ تعالى ـ وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله ـ تعالى ـ ألبتَّة، حكى عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ أنَّه طلب من الله ـ تعالى ـ أشياء: أحدها: قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً}، وتقدَّم تحريره في البقرة "وهذا البلد آمناً"، ومسوِّل الجعل التَّصيير. قال الزمخشري: "فإن قلت: فرق بين قوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} وبين قوله {أية : هَـٰذَا بَلَداً آمِناً}تفسير : [البقرة:126]. قلت: قد سأل في الأوَّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً". قوله "واجْنُبْنِي"، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب. وقال الراغب: "قوله تعالى: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة". و"أنْ نعبد" على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد. وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي ـ رحمهما الله ـ "وأجْنِبْنِي" بقطع الهمزة من "أجْنَبَ". قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد. فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه: أحدها: أن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة. وثانيها: أن الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء. وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟. فالجواب عن الأوَّل من وجهين: الأول: أنه نقل عن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب. والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كانوا خارج مكَّة. وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال: {أية : وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}تفسير : [البقرة:128] أي: ثبتنا على الإسلام. ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟. قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وإن كان يعلم أنَّ الله ـ تعالى يعصمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك تضعيفاً للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب. والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق ـ سبحانه وتعالى ـ فيحتمل أن يكون قوله {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} المراد أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي، والله تعالى أعلم. والجواب عن الثالث من وجوه: أحدها: قال الزمخشري: "قوله "وبَنِيَّ" أراد بنيه [من صلبه]". والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: "واجْنُبْنِي وبَنِيَّ". وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك أنَّ دعوته مجابة فيهم. وثالثها: قال مجاهد: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ صنماً، والصنم هو التمثال المصور، وما ليس بصنم هو من الوثن، وكفَّار قريش ما عبدوا التمثال، وإنما كانوا يعبدون أحجاراً مخصوصة. وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنَّه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصَّنم في ذلك. واربعها: أنَّ هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده، بدليل قوله في آخر الآية {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، وذلك يفيد أنَّ من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، وقوله ـ تبارك وتعالى ـ لنوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}تفسير : [هود:46]. وخامسها: لعلَّه، وإن كان عمّ في الدعاء إلاَّ أنَّه ـ تعالى ـ أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {أية : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة:124]. قوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} دليل على أن الكفر، والإيمان من الله ـ تعالى ـ لأنَّ إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ طلب من الله ـ تعالى ـ أن يجنبه، ويجنب أولاده من الكفر. والمعتزلة يحملون ذلك على الإلطاف، وهو عدول عن الظَّاهر، وتقدم فساد هذا التأويل. قوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً} الضمير في: "إنَّهُنَّ" و"أضْلَلْنَ" عائد على الأصنام، لأنها جمع تكسير غير عاقل. وقوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} أي: من أشياعي، وأهل ديني. وقوله {وَمَنْ عَصَانِي} شرط، ومحل "مَنْ" الرفع بالابتداء، والجواب: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والعائد محذوف، أي: له. فصل قال السديُّ: ومن عصاني ثمَّ تاب. وقال مقاتلٌ: {وَمَنْ عَصَانِي} فيما دون الشرك. وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنَّهُ لا يغفر الشرك، وهذه الآية تدلُّ على إثبات الشَّفاعة في أهل الكبائر؛ لأنَّه طلب المغفرة، والرَّحمة لأولئك العصاة، ولا تخلو هذه الشفاعة من أن تكون للكفار [أو للعصاة، ولا يجوز أن تكون للكفار]؛ لأنه تبرَّأ منهم بقوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}. وقوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} فإنه يدلُّ بمفهومه على أنَّ من لم يتبعه على دينه، فليس منه، والأمة مجتمعة على أنَّ الشفاعة في حق الكفَّار غير جائزة؛ فثبت أن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} شفاعة في العصاة غير الكفَّار. وتلك المعصية: إمَّا أن تكون من الصغائر، أو من الكبائر بعد التَّوبة [أو من الكبائر قبل التوبة، والأول والثاني باطلان؛ لأن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي} اللفظ فيه مطلق، فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، وأيضاً فالصغائر والكبائر بعد التوبة] واجبة الغفران عند الخصوم، فلا يمكن حمل اللفظ عليه، فثبت أنَّ هذه الشفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التَّوبة. وإذا ثبت حصول الشفاعة لإبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ثبت حصولها لمحمَّد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لأنه لا قائل بالفرق، ولأنَّ الشفاعة أعلى المناصب، فلو حصلت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ مع أنَّها لم تحصل لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كان ذلك نقصاً في حقِّ محمدٍ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. قوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} يجوز أن يكون هذا الجار صفة لمفعول محذوف، أي: أسكنت ذرية من ذريتي، ويجوز أن تكون "مِنْ" مزيدة عند الأخفش. "بوَادٍ" أي: في وادٍ، وهو مكّة؛ لأن مكَّة وادٍ بين جبلين. وقوله: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} كقوله {أية : غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}تفسير : [الزمر:28]. قوله: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} يجوز أن تكون صفة لـ"وَادٍ". وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون بدلاً منه، يعني أنَّه يكون بدل بعضه من كل؛ لأنَّ الوادي أعم من حضرة البيت. وفيه نظرٌ، من حيث أن "عِنْدَ" لا يتصرف. فصل سماه محرّماً؛ لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره. وقيل: لأنَّ الله حرم التعرض له، والتهاون به. وقيل: لأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبَّار كالشيء المُحرَّم الذي يجب أن يجتنب. وقيل: لأنه حُرِّمَ من الطوفان، أي: منع منه، كما يسمى عتيقاً؛ لأنه أعْتِقَ من الطوفان وقيل: لأن موضع البيت حرم يوم خلق الله السموات، والأرض وحفَّ بسبعة من الملائكةِ وجعل مثل البيت المعمور الذي نباه آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فرفع إلى السَّماءِ. وقيل: إنَّ الله حرَّم على عباده أن يقربوه الدماء، والأقذار وغيرها. قوله: "لِيُقِيمُوا": يجوز أن تكون هذه اللام لام الأمر، وأن تكون لام علة، وفي متعلقها حينئذ [وجهان]: أحدهما: أنها متعلقة بـ "أسْكَنْتُ" وهو ظاهر، ويكون النداء معترضاً. الثاني: أنَّها متعلقة بـ "اجْنُبْنِي" أي: أجنبهم الأصنام. ليقيموا. وفيه بعد. قوله: {ٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} العامة على: "أفْئِدةً" جمع فؤاد، كـ "غُرَاب وأغْرِبَة" وقرأ هشام عن بان عامر بياء بعد الهمزة، فقيل: إشباع؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3227ـ........................ يُحِبَّكَ عَظْمٌ فِي التُّرابِ تَرِيبُ تفسير : أي: ترب؛ وكقوله: [الرجز] شعر : 3228ـ أعُوذُ باللهِ مِنَ العَقْرَابِ الشَّائلاتِ عُقدَ الأذْنَابِ تفسير : وقد طعن جماعة على هذه القراءة، وقالوا: الإشباعُ من ضرائر الشعر، فكيف يجعل في أفصح الكلام؟. وزعم بعضهم: أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي [أنها زائدة] ياء بعد الهمزة، قال: كما توهم عن أبي عمرو اختلاسه في: "بَارِئكُمْ"، و"يَأمُرُكمْ" أنه سكن. وهذا ليس بشيءٍ، فإنَّ الرُّواة أجلُّ من هذا. وقرأ زيد بنُ عليِّ: "إفَادة" بزنة "رِفادة"، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً لـ "أفَادَ" كـ"أقَامَ إقَامَة" أي: ذوي إفادَةِ، وهم النَّاس الذين ينتفع بهم. والثاني: أن يكون أصلها: "وفَادة" فأبدلت الواو همزة، نحو إشاح وإعَاء. وقرأت أم الهيثم: "أفْوِدَة" بكسر الواو وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون جمع: "فُؤاد" المُسَهَّل وذلك أنَّ الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها يطرد قلبها واواً، نحو "جُون" ففعل في: "فُؤاد" المفرد ذلك فأقرت في الجمع على حالها. والثاني: قال صاحب اللَّوامح ـ رحمه الله ـ: هي جمع "وَفْد". قال شهاب الدين: "فكان ينبغي أن يكون اللفظ "أوْفِدَة" يتقدم الواو؛ إلا أن يقال: إنه جمع "وَفْداً" على "أوْفِدَة"، ثم قلبه فوزنه "أعْفِلَة" كقولهم: آرام" في "أرْآم" وبابه، إلاَّ أنَّه جمع "فَعْل" على"أفْعِلَة" نحو: "نَجْد وأنْجِدَة" و "وَهْي وأوْهِيَة" وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من اللغةِ. وقرىء "آفِدة" بزنة ضاربة وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مقلوبة من "أَفْئِدَة" بتقديم الهمزة على الفاء، فقلبت الهمزة ألفاً فوزنه: "أعْفِلَة" كـ"آرام" في "أرآم". والثَّاني: أنها اسم فاعل: من "أَفَدَ يَافَدُ"، أي: "قَرُبَ ودَنَا". والمعنى: جماعةٌ آفدة أو جماعات آفدة. وقرِىء: "أَفِدَة" بالقصر، وفيها وجهان أيضاً: أحدهما: أن تكون اسم فاعل على "فَعِل" كـ"فَرِح فهو فَرِحٌ"، وأن تكون مخففة من "أفْئِدَة" بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحذف الهمزة. و"مِنْ" في "مِنَ النَّاسِ" فيها وجهان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية. قال الزمخشريُّ: "ويجوز أن يكون "مِن" لابتداء الغاية، كقولك: القلبُ منِّي سقيمٌ، تريد: قَلْبي، كأنه قال: أفْئدةُ ناسٍ، وإنَّما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل، لتنكير "أفْئِدَة" لأنَّها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة". قال أبو حيَّان: "ولا ينظر كونها للغاية؛ لأنَّه ليس لنا فعل يبتدأ فيه بغاية ينتهي إليها، إذ لا يصح حعل ابتداء الأفئدة من الناس". والثاني: أنها للتبعيض، وفي التفسير: لو لم يقل من النَّاس لحج النَّاس كلهم. قوله "تَهْوِي" هذا هو المفعول الثاني للجعل، والعامة على: "تَهْوِي" بكسر العين، بمعنى تسرع وتطير شوقاً إليه؛ قال: [الكامل] شعر : 3229ـ وإذَا رَمَيْتَ بِهِ الفِجَاجَ رَأيْتَهُ يَهْوِى مَخَارِمَها هُويَّ الأجْدلِ تفسير : وأصله أن يتعدى باللام، كقوله: [البسيط] شعر : 3230ـ حتَّى إذَا ما هَوتْ كفُّ الوَليدِ بِهَا طَارتْ وفِي كفِّه مِنْ رِيشهَا بِتَكُ تفسير : وإنَّما عدي بإلى؛ لأنه ضمن معنى تميلُ، كقوله: [السريع] شعر : 3231ـ يَهْوِي إلى مكَّة يَبْغِي الهُدَى ما مُؤمِنُ الجِن ككُفَّارِهَا تفسير : وقرأ أمير المؤمنين علي، وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، ومجاهدٌ ـ رضي الله عنهم ـ بفتح الواو، وفيه قولان: أحدهما: أن "إلى" زائدة، أي: تهواهم. والثاني: أنه ضمن معنى تنزع وتميل، ومصدر الأول على "هُوّى"؛ كقوله: [الكامل] شعر : 3232ـ...................... يَهْوِي مَخارِمَها هُوي الأجْدلِ تفسير : ومصدر الثاني على "هَوًى". وقال أبو البقاء: "معناهما متقاربان، إلا أنَّ "هوى" ـ يعني بفتح الواو ـ متعد بنفسه، وإنَّما عدِّي بـ:"إلَى" حملاً على تميلُ". وقرأ مسلمة بن عبد الله: "تُهْوى" بضم التاءِ، وفتح الواو مبنياً للمفعول، من "أهْوَى" المنقول من "هَوَى" اللازم، أي: يسرع بها إليهم. فصل قال المفسرون: قوله {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} أدخل "مِنْ" للتعبيض، والمعنى: أسكنت من ذريتي ولداً: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} وهو مكة؛ لأنَّ مكَّة وادٍ بين جبلين: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}. روي عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: أول ما اتَّخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ اتخذت منطلقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس بمكَّة يومئذ أحد، وليس فيها ماء، ووضع عندها إناء فيه تمرٌ، وسقاء فيه ماء ثمَّ قال إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منطلقاً، فتبعته هاجر، فقالت: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ فقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى الله، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثمَّ رجعت، فانطلق إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حتَّى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثمَّ دعا الله بقوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} الآية ثمَّ إنها عطشت وعطش الصبي؛ فجعل يتلوى، وهي تنظر إليه، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمَّ استقبلت الوادي تنظر أحداً، فلم تر أحداً، وهبطت من الصَّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثمَّ سمعت سعي المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فلِذلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهمَا" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث! فإذا هي بالملك عند موضع زمزم؛ فضرب بعقبه حتَّى ظهر الماء، أو قال: فضرب بجناحه فغارت عينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَحِمَ الله أمَّ إسْمَاعِيلَ لَولا أنَّها عَجلتْ لكَانَتْ زَمْزمُ عَيْناً مَعيناً ". تفسير : ثمَّ إنَّ إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عاد بعد كبر إسماعيل، وأقرَّا هو وإسماعيل قواعد البيت. قال القاضي: "أكثر الأمور المذكورة في هذه القصَّة بعيدة؛ لأنه لا يجوز لإبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن ينقل ولده حيث لا طعام ولا ماء معه مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إنَّ الله أعلمه أنه يجعل هناك ماء وطعام". وقوله: {مِن ذُرِّيَّتِي}، أي إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه. {لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} قال المفسرون: جمع، وقد تهوي: تحن وتشتاقُ إليهم. قال السدي: معناه: وأمل قلوبهم إلى هذا الموضع. قال مجاهدٌ: لو قال: أفئدة النَّاس لزاحمكم فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لحجَّتِ اليهود، والمجوس، ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} فهم المسلمون. {ٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} ممَّا رزقت سكان القرى ذوات الماء: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وذلك يدعل على أن المقصود من منافع الدنيا: أن يتفرغ لأداء العبادات. ثم قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} من أمورنا. قال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل، وأمه حيث أسكنهما بوادٍ غير ذي زرع. {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. قيل: هذا كله قول إبراهيم عليه السلام، وقال الأكثرون: قول الله تعالى؛ تصديقاً لقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} في "عَلَى" وجهان: أحدهما: أن "عَلَى" على بابها من الاستعلاء المجازي. والثاني: أنها معنى "مع" كقوله: [المنسرح] شعر : 3233ـ إنِّي على مَا تَريْنَ مِنْ كِبَرِي أعْلَمُ من حَيْثُ تُؤكَلُ الكَتِفُ تفسير : قال الزمخشري: "ومحلّ هذا [الجار] النصب على الحال من الياء في "وهَبَ لِي"". الآية تدلُّ على أنه ـ تعالى ـ أعطى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ على الكبر والشيخوخة فأمَّا مقدار السنة فغير معلوم من القرآن، فالمرجعُ فيه إلى الروايات. فروي لما ولدت إسماعيل كان سن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنة مائة واثنتي عشرة سنة. وقيل: ولد إسماعيل لأربع وستين سنة، وولد إسحاق [لتسعين] سنة. وعن سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ لم يولد لإبراهيم صلى الله عليه وسلم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، [وإنما ذكر هذا الكبر؛ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم؛] لأنه زمن اليأس من الولد. فإن قيل: إن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما دعا بهذا الدُّعاء عندما أسكن هاجر وابنها إسماعيل في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت لم يكن ولد إسحاق فكيف قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}؟. فالجواب: قال القاضي ـ رحمه الله ـ: "هذا الدَّليل يقتضي أن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدَّم من الدعاء ويمكن أيضاً أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما ذكر هذا [الدعاء] بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ وإن كان ظاهر الروايات بخلافه". فصل المناسبة بين قوله {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} وبين قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}، وذلك أنه كان في قلبه أن يطلب من الله سبحانه وتعالى إعانتهما، وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنَّه لم يصرِّح بهذا المطلوب بل قال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي: تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، فقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} يدلُّ ظاهراً على أنَّهما يبقيان بعد موته على سبيل الرمز والتعريض، وذلك يدلُّ على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء. قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حاكياً عن ربِّه عز وجل أنه قال: "حديث : مَنْ شَغلهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألتِي أعْطَيتهُ أفْضَل ما أعْطِي السَّائلينَ ". تفسير : ثم قال: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} لما ذكر الدعاء على سبيل التعريض لا على وجه التصريح، قال: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} من قولك: "سَمِعَ الأميرُ كلامَ فلانٍ" إذا اعتدَّ بِهِ وقبلهُ، ومنه "سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمدهُ". قوله: {لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} فيه أوجه: أحدهما: أن يكون "فَعِيل" مثال مبالغة مضافاً إلى مفعوله وإضافته من نصب، وهذا دليل سيبويه على أن "فعيلاً" يعمل عمل اسم الفاعل، وإن كان قد خالفهُ جمهور البصريين والكوفيين. الثاني: أنَّ الإضافة ليست من نصب، وإنَّما هو كقولك: "هذا ضَارِب زيد أمس". الثالث: أن "سميعاً" مضاف لمرفوعه، ويجعل دعاء الله سميعاً على المجاز والمراد: سماع الله، قاله الزمخشريُّ. قال أبو حيَّان: "وهو بعيد لاستلازمه أن يكون من الصفة المشبهة والصفة متعدية وهذا إنما يتأتى على قول الفارسي رحمه الله تعالى فإنه يجيز أن تكون الصفة المشبهة من الفعل المتعدي بشرط أمن اللبس، نحو: زيدٌ ظالم العبيدَ، إذا علم أنَّ له عبيد ظالمين، وأما ههنا فاللبس حاصل، إذ الظاهر من إضافة المثل للمفعول لا الفاعل". قال شهاب الدين: "واللَّبس أيضاً هنا منتف؛ لأنَّ المعنى على الإسناد المجازي كما تقرر". قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ} أي: من المحافظين عليها. واحتجُّوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ـ تعالى ـ لأنَّ قول إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلا م ـ {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} يدلُّ على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى. قوله: {وَمِن ذُرِّيَتِي} "عطف على المفعول الأول لـ"اجْعَلْنِي" أي: واجعل بعض ذريتي مقيم الصلاة، وهذا الجار في الحقيقة صفةٌ لذلك المفعول المحذوف، أي: وبعضاً من ذريتي". وإنَّما ذكر هذا التبعيض؛ لأنه علم بإعلام الله سبحانه وتعالى أنَّه يكون في ذريته جمعاً من الكفار لقوله: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة:124]. قوله {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} قرأ ابو عمرو، وحمزة وورش، والبزي بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، ووقد روى بعضهم بإثباتها وقفاً أيضاً. قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: معناه: تقبل عملي، وعبادتي، سمى العبادة دعاء. قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ "حديث : الدُّعَاءُ مُخٌّ العِبادَةِ ". تفسير : وقال إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم:48] وقيل: معناه: استجب دعائي. قوله: {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} العامة على "والديَّ" بالألف بعد الواو وتشديد الياء، وإبن جبير كذلك إلا أنه سكن الياء أراد والده وحده، كقوله {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ}تفسير : [الشعراء:86]. وقرأ الحسين بن علي، ومحمد بن زيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر ـ رضي الله عنهم ـ: "ولِولدَيَّ" دون ألف، تثنية "وَلد"، ويعني بهما: إسماعيل، وإسحاق وأنكرها الجحدري بأن في مصحف أبي "ولأبويَّ" فهي مفسرة لقراءة العامة. وروي عن ابن يعمر أنه قرأ: "وَلِوُلدِي" بضم الواو، وسكون الياء، وفيها تأويلان: أحدهما: أنه جمع ولد كأسْد في أسَد. وأن يكون لغة في الولد، كالحُزْنِ والحَزَن، والعُدْمِ والعَدَم، والبُخْلِ والبَخَل، وعليه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3234ـ فَليْتَ زِيَاداً كَان فِي بَطْنِ أمِّهِ وليْتَ زِيَاداً كَانَ وُلْدَ حِمَارِ تفسير : وقد قرىء بذلك في مريم، والزخرف، ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ. و"يَوْمَ" [نصب] بـ"اغْفِرْ". فِإن قيل: طلب المغفرة إنَّما يكون بعد الذنب، وهو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان قاطعاً بأن الله يغفر له، فكيف طلب ما كان قاطعاً بحصوله؟. فالجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله، وقطع الطَّمع إلاَّ من فضل الله تعالى وكرمه. فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لأبويه، وكانا كافرين؟. فالجواب: من وجوه: الأول: أن المنع لا يعلم إلا بالتوقيف، فلعلَّه لم يجد [منعاً]، فظن جوازهن. الثاني: أراد بالوالدين آدم وحواء ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ. الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام. فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً، ولو لم يكن باطلاً لبطل قوله: {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}تفسير : [الممتحنة:4]. فالجواب: أن الله ـ تعالى ـ بين عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة التوبة. وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا خص أباه بالذكر في قوله: {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}تفسير : [التوبة:114]. في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُيَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} قولان: الأول: يقوم إلى بيت المقدس، وهو مشتقّ من قيام القائم على الرجل، كقولهم: قَامتِ الحربُ على ساقها، ونظيره: قوله: قامت الشمس أي: اشتعلت، وثبت ضوؤها كأنَّها قامت على رجل. الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز، كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82]ٍ.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها، فلا يصح أصلاً أن يكون شيء منها شريكاً. أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم عليه السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلماً منهم وكفراً، في أسلوب دال على البعث، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره، فقال ناعياً عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم، عطفاً على {قل لعبادي الذين آمنوا} أو على {وإذ قال موسى لقومه}: {وإذ} أي واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم رب} أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلداً عظيماً. ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم، وكان ذلك مفهماً لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلداً - بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير، كان الأنسب تعريفه فقال: {اجعل هذا البلد} أي الذي يريدون إخراج الرسول منه {آمناً} أي ذا أمن بأمان أهله، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي خالية عن ساكن، فدعا أن يجعلها الله بلداً، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر. ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان، أتبعه بالدعاء بالأمن من فساد الأديان، فقال: {واجنبني} أي اصرفني {وبني} أي لصلبي، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال، وإنما هن تابعات دائماً {أن نعبد} أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار {الأصنام *} أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها، والصنم: المنحوت على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء، وأسقط الأداة - زيادة في التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللاً لما قبله - في قوله: {رب} بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد {إنهن أضللن} إسناد مجازي علاقته السببية {كثيراً من الناس فمن} أي فتسبب عن بغضي لهن أن أقول: من {تبعني} من جميع الناس في تجنبها {فإنه مني} أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز {ومن عصاني} فضل بها فقد استحق النار، فإن عذبته فهو عبادك، وإن غفرت له فأنت لذلك، لأن لك أن تفعل ما تشاء {فإنك غفور} أي بليغ الستر {رحيم *} أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء عيسى عليه السلام في المائدة. ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلباً للمصالح، فقال: {ربنا} أي يا رب وربَّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية {إني أسكنت} وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم، وذلك بعد البشارة بإسحاق عليه السلام فقال: {من ذريتي} وساقه مؤكداً تنبيهاً على أنه - لكونه على وجه لا يسمح به أحد - لا يكاد يصدق، وللإعلام بأنه راغب فيه {بواد} هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول {غير ذي زرع}. ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت الإشارة إليه أيضاً بتعريف البلد، فقال: {عند بيتك المحرم} أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك، وجُعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير؛ والكسنى: اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء، والوادي: سفح الجبل العظيم، ومنه قيل للأنهار: أودية، لأن حافاتها كالجبال لها، والزرع: نبات ينفرش من غير ساق؛ ثم بين غرضه من إسكانهم هناك فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ليقيموا الصلاة} ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه. ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش، تسبب عنه قوله: {فاجعل أفئدة} أي قلوباً محترقة بالأشواق {من الناس} أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعاً من اضطرابها {تهوي} أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق؛ وزاد المعنى وضوحاً وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال: {إليهم} ولما دعا لهم بالدين، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال: {وارزقهم} أي على يد من يهوي إليهم {من الثمرات} أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة بقوله: {لعلهم يشكرون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام} قال: فاستجاب الله تعالى لإِبراهيم عليه السلام دعوته في ولده، فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته، وجعل هذا البلد آمناً، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماماً، وجعل من ذريته من يقيم الصلاة، وتقبل دعاءه، وأراه مناسكه وتاب عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} قال: الأصنام {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} قال: اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم عليه السلام، لا والله ما كانوا لعانين ولا طعانين. قال: وكان يقال: إن من أشرار عباد الله كل لعان. قال: وقال نبي الله ابن مريم عليه السلام {أية : إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}تفسير : [المائدة: 118]. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني دعوت للعرب، فقلت: اللهم من لقيك منهم مؤمناً موقناً بك مصدقاً بلقائك، فاغفر له أيام حياته. وهي دعوة أبينا إبراهيم، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة، ومن أقرب الناس إلى لوائي يومئذ العرب ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عقيل بن أبي طالب، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الستة النفر من الأنصار، جلس إليهم عند جمرة العقبة، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه، فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحيَ إليه، فقرأ من سورة إبراهيم {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ...} إلى آخر السورة. فرق القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن إبراهيم التيمي قال: من يأمن البلاء بعد قول إبراهيم {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}؟. وأخرج عن سفيان بن عيينة قال: لم يعبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام لقوله {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} قيل: فكيف لم يدخل ولد إسحق وسائر ولد إبراهيم؟ قال: لأنه دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا الأصنام ودعا لهم بالأمن. فقال {اجعل هذا البلد آمناً} ولم يدع لجميع البلدان بذلك. وقال {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} فيه وقد خص أهله وقال {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة}.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} أي واذكر وقتَ قوله عليه الصلاة والسلام، والمقصودُ من تذكيره تذكيرُ ما وقع فيه من مقالاته عليه السلام على نهج التفصيل، والمرادُ به تأكيدُ ما سلف من تعجيبه عليه السلام ببـيان فنٍ آخرَ من جناياتهم حيث كفروا بالنعم العامة وعصَوا أباهم إبراهيمَ عليه السلام حيث أسكنهم بمكة شرفها الله تعالى لإقامة الصلاةِ والاجتنابِ عن عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى، وسأله تعالى أن يجعله بلداً آمناً ويرزقَهم من الثمرات وتهويَ قلوبُ الناس إليهم من كل أَوب سحيقٍ فاستجاب الله تعالى دعاءَه وجعله حرماً آمناً تجبىٰ إليه ثمراتُ كل شيء فكفروا بتلك النعم العظامِ واستبدلوا بالبلد الحرام دار البوار وجعلوا لله أنداداً وفعلوا ما فعلوا {رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ} يعني مكةَ شرفها الله سبحانه {مِنَ} أي ذا أمْنٍ أو آمناً أهلُه بحيث لا يُخاف فيه، على ما مر في سورة البقرة والفرق بـينه وبـين ما فيها من قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا} أن المسؤولَ هناك البلديةُ والأمنُ معها، وهٰهنا الأمنُ فقط حيث جُعل هو المفعولَ الثانيَ للجعل وجُعل البلدَ صفةً للمفعول الأول، فإن حُمل على تعدد السؤال فلعله عليه السلام سأل أولاً كِلا الأمرين فاستُجيب له في أحدهما وتأخر الآخرُ إلى وقته المقدّر لما يقتضيه من الحكمة الداعيةِ إليه، ثم كَرّر السؤالَ كما هو المعتاد في الدعاء والابتهالِ، أو كان المسؤولُ أولاً مجردَ الأمنِ المصحِّح للسكن كما في سائر البلاد وقد أجيب إليه، وثانياً الأمنَ المعهودَ أو كان هو المسؤولَ فيهما وقد أجيب إليه أيضاً لكن السؤالَ الثانيَ للاستدامة، والاقتصارُ على ذلك لأنه المقصودُ الأصلي أو لأن المعتادَ في البلدية الاستمرارُ بعد التحقق بخلاف الأمن، وإن حمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادرُ فالظاهرُ أن المسؤول كِلا الأمرين، وقد حكي أولاً واقتُصر هٰهنا على حكاية سؤال الأمنِ لا لمجرد أن نعمةَ الأمن أدخلُ في استيجاب الشكر فذِكرُه أنسبُ بمقام تقريعِ الكفرة على إغفاله كما قيل بل لأن سؤال البلدية قد حكي بقوله تعالى: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 37] إذ المسؤولُ هُوِيّتُها إليهم للمساكنة معهم لا للحج فقط وهو عينُ سؤال البلدية قد حكي بعبارة أخرى وكان ذلك أولَ ما قدِم عليه السلام مكةَ، كما روى سعيدُ بن جبـير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام لما أسكن إسماعيلَ وهاجرَ هناك وعاد متوجهاً إلى الشام تبِعتْه هاجرُ وجعلت تقول: إلى من تكِلُنا في هذا البلقع؟ وهو لا يرد عليها جواباً حتى قالت: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم، قالت: إذاً لا يضيّعنا فرضِيَت، ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَداء أقبل على الوادي فقال: {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ } تفسير : الآية، وإنما فصل ما بـينهما تثنية للامتنان وإيذاناً بأن كلاًّ منهما نعمةٌ جليلةٌ مستتبعة لشكر كثير في قصة البقرة. {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ} بعِّدني وإياهم {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} واجعلنا منها في جانب بعيد أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام، وقرىء وأجنبْني من الإفعال، وهما لغةُ أهلِ نجد، يقولون: جنّبني شرَّه وأجنبْني شرَّه، وأما أهلُ الحجاز فيقولون: جنّبني شره وفيه دليل على أن عصمةَ الأنبـياء عليهم السلام بتوفيق الله تعالى، والظاهرُ أن المراد ببنيه أولادُ الصلبـية فلا احتجاجَ به لابن عيـينة رضي الله عنه على أن أحداً من أولاد إسماعيلَ عليه السلام لم يعبُد الصنم وإنما كان لكل قومٍ حجرٌ نصبوه، وقالوا: هو حجرٌ والبـيتُ حجر، فكانوا يدورون به ويسمونه الدوار، فاستُحب أن يقال: طاف بالبـيت ولا يقال دار بالبـيت، وليت شعري كيف ذهب عليه ما في القرآن العظيم من قوارعَ تنعي على قريش عبادةَ الأصنام على أن فيما ذكره كرٌّ على ما فر منه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} [الآية: 35]. قال ابن عطاء: أراد بهذا أن يجعل قلبه آمنًا من الفراق والحجاب. قوله عز وجل: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} [الآية: 35]. قال السَّيَّارِى: أن تعبد الأهواء. قال الدينورى: الأصنام مختلفة فمنهم من صنمه نفسه، ومنهم من صنمه ولده، ومنهم من صنمه ماله ومنهم من صنمه تجارته، ومنهم من صنمه زوجته، ومنهم من صنمه حاله، فالأصنام مختلفة وكل واحد من الخلق مربوط بصنم من هذه الأصنام، والتبرئ أى من هذه الأصنام، هو أن لا يرى الإنسان لنفسه حالاً ولا محالاً، ولا يعتمد شيئًا من أفعاله ولا يسكن من حاله إلى شىء راجعًا على نفسه باللّوم فى جميع ما يبدو من الخير والشر، غير راض به. قال جعفر: لا تردنى إلى مشاهدة الخلة ولا تردّ أولادى إلى مشاهدة البنوة. قال ابن عطاء: إن الله تعالى أمر إبراهيم ببناء الكعبة فلما بنى الكعبة قال: ربنا تقبل منَّا: فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم أنا أمرتك ببناء البيت وخصصتك من بين الأنبياء بذلك ومننت عليك بذلك ووفقتك لما وفقتك ألا تستحى أن تمنّ علىّ، ويقول: ربنا تقبل منى نسيت منّتى وذكرت رؤية فعلك، قال: واجنبنى وبنىّ أن تعبد الأصنام أى نفسى شر صنم إذا تابعت هواها. واشتغلت بحظها فاشغلها بك، واقطعها عما سواك. قال ابن عطاء: أن تعبد أصنام الخُلّة والركون إليها وهو خطرات الغفلة ولحظات الخُلة. وقال أيضًا: أن تعبد الأنفس لأن لكل نفس صنمًا من الهوى إلا من طَهُر بالتوفيق. قال الجنيد: واجنبنى وبنىّ، أى امنعنى وبنىّ أن نتقرب إليك بشىء سواك.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}. كما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً طلب أن يجعل قلبَه محلاً آمناً؛ أي لا يكون فيه شيءٌ إلا بالله. {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}: والصنم ما يعبد من دونه، قال تعالى: {أية : أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23] فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن الله تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة. ويقال إنه لمَّا بنى البيتَ استعان بالله أن يجرِّدَه من ملاحظة نفسه وفعله. ويقال إنه - صلى الله عليه وسلم - كان متردداً بين شهود فضل الله وشهود رفق فسه، فلما لقي من فضله وجوده قال قال من كمال بسطه: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الشعراء: 86]. ولما نظر من حيث فقر نفسه قال: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}. ويقال شاهد غيره فقال: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الشعراء: 86]. قوله جلّ ذكره: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {فَإِنَّهُ مِنِّي}: أي موافق لي ومن أهل مِلَّتِي، ومن عصاني خالفني وعصاك. قوله: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: طلبٌ للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم. وقال: {وَمَنْ عَصَانِي}... ولم يَقُلْ: مَنْ عصاك، وإنْ كان من عصاه فقد عصى الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة. ويقال إن قولَ نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أتمُّ في معنى العفو حيث قال: "حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" تفسير : ، وإبراهيم - عليه السلام - عَرَّضَ وقال: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب فقال: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} مظنة الاية فى حقيقة معناها البلد القلب والقلب بلد البدن والعقل بان القلب والروح بلد العقل والسر بلد الروح والمعرفة والمحبة بلد السر ومشاهدة المعروف هناك بلد المعرفة والمحبة وسواكن هذه البلاد عساكر انوار افعاله وفرسان تجلى صفاته وجنود عظائم ازاله وآباده والنفس بلد الشهوات وسواكنها جنود القهريات فاستعاذ به فى هذا البلد عن جنود القهر الذى معادنها النفس الامارة اى اجعل هذا البلد امنا === عن قهرك وبالروح والقلب عن النفس وجند شياطينها وهواجسها وسراق طبيعتها واجعلنا امنا بك عنك كما قال اعوذ بك منك ثم سأل وقايته عن عبادته وبنيه اصنام الطبيعة والالتفات الى الغير فى طوارق البلاء بقوله {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} كل ما وقف العارف عليه مما وجد من الحق غير الحق فهو صنمه ثم قال {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} اى رؤية غيرك ومتابعة هذه الشهوات والهوى اضلت لما فيها من معجون قهرك كثيرا من المريدين والطالبين حيث ارتبطهم فى مهوات الهلاك ووطات الغفلات قال عليه السلام النفس هى الصنم الاكبر ثم وصف نفسه بالامامة فى الخلة والمعرفة والشريعة والطريقة بقوله {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} اى فى طريق المجاهدة والمحبة والخلة بالموافقة فى بذل الروح بين يديك فانه منى ان طينته من طينتى وقلبه من قلبى وروحه من روحى وسره من سرّى ومشربه فى المحبة والمعرفة والخلة من مشاربى ومن عصانى فيما يكون عصيانك ويقتضى حجابك ليس منى ولكن انك غفور ذنوب قاصديك رحيم بمريديك بقوله {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيه اشارة الى ان كفر الكافرين وعصيان العاصين يستغرق فى بحار رحمته وغفرانه وان يدخلهم فى جنانه لا يبالى والحكمة فى قوله ومن عصانى وانه لم يقل ومن عصاك انه كان عليه السلام فى محل الخلة والخلة توجب المحبة والمحبة توجب المودة والمودة توجب الشوق والشوق يوجب العشق والعشق محل الاتصاف والاتحاد وعين الجمع وجمع الجمع فالاشارة بقوله ومن عصانى اشارة عين الجمع بعد انسلاخه من رسوم الحدوثية كانه قال فمن تبعنى تبعك ومن عصانى عصاك لان فى حقيقة العشق العاشق والمعشوق واحد الا ترى الى قول الحلاج قدس الله روحه ها انت ام انا هذا الهين فى الهين حاشاى حاشاى من اثبات اثنين وايضا لما قال فمن تبعنى فانه منى قال ايضا ومن عصانى موافقا للقول الاوّل كانه اشاران طاعة الخليقة ومعصيتها تليق بالخليقة وانت منزه عن طاعتهم وعصيانهم اى انا من جنسهم وهم من جنسى وانه منزه عن المجانسة بالحدثان وايضا اضاف عصيانهم الى نفسه لان عصيان الخلق للخالق غير ممكن لا ما يبدو منهم من جميع الحركات اجابة وجودهم بوصف الكينونة لداعى السنته مشيته وارادته القديمة وهذا فى الحقيقة عين الطاعة وان لم يكن فى === صورة طاعة تكليف الشرع سئل عبد العزيز المكى لما لم يقل الخليل عليه السلام ومن عصاك قال لانه عظم === واجله بان يخاطبه بان يجترى ان يعصيك احداى من يطيق ان يوازى قدمك بما يليقك من الطاعة ويجترى ان يعصيك تعجز الخلق عن طاعتك وعصيانك بالحقيقة واى معصية تبلغ عصيانك واى طاعة تبلغ طاعتك وكانّى اريد طاعة ومعصية تبلغان محل الاحاطة بالقدم وذلك مستحيل فاذا لا طاعة ولا معصية الا لغيرك قال ابن عطا اراد بهذا ان يجعل قلبه امنا من الفراق والحجاب وقال جعفر بن محمد اجعل هذا البلد امنا يعنى افئدة العارفين اجعلهم امناء سرك وامنون من قطيعتك وقال السارى فى قوله ان نعبد الاصنام ان نعبد الاهواء قال جعفر لا تردنى الى مشاهدة الخلة ولا ترد اولادى الى مشاهدة النبوة وقال الجنيد امنعنى وبنى ان نرى لانفسنا وسيلة اليك غير الافتقار وقال بعضهم وامنعنى وبنى ان نقرب اليك بشئ سواك وقال بعضهم لما هذّب الخليل فى السر رافة للمؤمنين قيل له ومن كفر قال فى قوله ومن عصانى لم يدع عليهم ولكن قال فان من صفتك الغفران والرحمة ليس لى على عبادك يد وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال اصنام الخلة هو خطرات الغفلة ولحظات المحبة وقال ايضا كان ابراهيم عليه السلام آمنا من عبادة الاصنام فى كبره وقد كسرها فى صغره لكنه علم ان هوى كل انسان صنمه فاستعاذ من ذلك وقال ان نبينا صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب فى معنى العفوا ثم حيث قال جزما وسوالا حتما اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون وابراهيم عرّض وقال فانك غفور رحيم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قال ابراهيم} واذكر وقت قول ابراهيم فى مناجاته اى بعد الفراغ من بناء البيت {رب اجعل هذا البلد} [اين شهر مكه را] {آمنا} اهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره كالقتل والغارة والامراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما فاسناد الامن الى البلد مجاز لوقوع الامن الا من فيه وانما الآمن فى الحقيقة اهل البلد {واجنبنى وبنى} يقال جنبته كنصرته واجنبته اى ابعدته. والمعنى بعدنى واياهم {ان نعبدالاصنام} واجعلنا منه فى جانب بعيد اى ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الاسلام والبعد عن عبادة الاصنام. قال بعضهم رأى القوم يعبدون الاصنام فخاف على بنيه فدعا. يقول الفقير الجمهور على ان العرب من عهد ابراهيم استمرت على دينه من رفض عبادة الاصنام الى زمن عمرو بن لحى كبير خزاعة فهو اول من غير دين ابراهيم وشرع للعرب الضلالات وهو اول من نصب الاوثان فى الكعبة وعبدها وامر الناس بعبادتها وقد كان اكثر الناس فى الارض المقدسة عبدة الاصنام وكان ابراهيم يعرفه فخاف سرايته الى كل بلد فيه واحد من اولاده فدعا فعصم اولاده الصلبية من ذلك وهى المرادة من قوله {وبنى} فانه لم يعبد احد منهم الصنم لا هى واحفاده وجميع ذريته وذلك لان قريشا مع كونهم من اولاد اسماعيل عبادتهم الاصنام مشهورة واما قوله تعالى فى حم الزخرف {أية : وجعلها كلمة باقية فى عقبه} تفسير : فالصحيح ان هذا لا يستلزم تياعد جميع الاحفاد عن عبادة الاصنام بل يكفى فى بقاء كلمة التوحيد فى عقبه ان لا ينقرض قرن ولا ينقضى زمان الا وفى ذريته من هو من اهل التوحيد قلوا او كثروا الى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم وقد اشتهر فى كتب السير ان بعض آحاد العرب لم يعبد الصنم قط ويدل عليه قوله عليه السلام "حديث : لا تسبوا مضر فانه كان على ملة ابراهيم" تفسير : هذا ما لاح لى من التحقيق ومن الله التوفيق. وانما جمع الاصنام ليشتمل على كل صنم عبد من دون الله لان الجمع المعرف باللام يشمل كل واحد من الافراد كالمفرد باتفاق جمهور ائمة التفسير والاصول والنحو اى واجبنا ان نعبد احدا مما سمى بالصنم كما فى بحر العلوم وخصصها الامام الغزالى بالحجرين اى الذهب والفضة اذ رتبة النبوة اجل من ان يخشى فيها ان تعتقد الالهية فى شيء من الحجارة فاستعاذ ابراهيم من الاغترار بمتاع الدنيا. يقول الفقير الظاهر ان الامام الغزالى خصص الحجرين بالذكر بناء على انهما اعظم ما يضل الناس وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاب الدراهم والدنانير بعبدة الحجارة فقال "تعس عبد الدراهم تعس عبد الدنانير" والا فكل ما هو من قبيل الهوى فهو صنم الا ترى الى قوله تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} تفسير : ولذا قال فى التاويلات النجمية. صنم النفس الدنيا. وصنم القلب العقبى. وصنم الروح الدرجات العلى. وصنم السر عرفان القربات. وصنم الخفى الركون الى المكاشفات والمشاهدات وانواع الكرامات فلا بد من الفناء عن الكل شعر : سالك باك رو نخوانندش آنكه از ما سوى منزعه نيست تفسير : قال شيخى وسندى روّح الله روحه فى بعض المجالس معى اهل الدنيا كثير واهل العقبى قليل واهل المولى اقل من القليل وذلك كالسلاطين والملوك فانهم بالنسبة الى الوزراء اقل وهم بالنسبة الى سائر ارباب الجاه كذلك وهم بالنسبة الى الرعية كذلك فالرعايا كثيرون واقل منهم ارباب الجاه واقل منهم الوزراء واقل منهم السلاطين فلا بد من ترك الاصنام مطلقا واعظم الحجب والاصنام الوجود المعبر عنه بالفارسية شعر : هستى بودوجود مغربى لات ومنات او بود نيست بتى جو بود او درهمه سومنات تو تفسير : وفى الاية دليل على ان عصمة الانبياء بتوفيق الله تعالى وحقيقة العصمة ان لا يخلق الله تعالى فى العبد ذنبا مع بقاء قدرته واختياره. ولهذا قال الشيخ ابو منصور العصمة لا تزيل المحنة اى التكليف فينبغى للمؤمن ان لا يامن على ايمانه وينبغى ان يكون متضرعا الى الله ليثبته على الايمان كما سأل ابراهيم لنفسه ولبنيه الثبات على الايمان - وروى - عن يحيى بن معاذ انه كان يقول اللهم ان جميع سرورى بهذا الايمان واخاف ان تنزعه منى فما دام هذا الخوف معى رجوت ان لا تنزعه منى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال هنا: {اجعل هذا البلد} بالتعريف، وقال في سورة البقرة: {أية : بَلَداً} تفسير : [البقرة: 126] بالتنكير، قال البيضاوي: الفرق بينهما أن المسؤول في الأول ـ أي: في التعريف ـ إزالة الخوف وتصييره أمناً، وفي الثانية جعله من البلاد الآمنة. هـ. وفرَّق السهيلي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم، لأنها مكية؛ فلذلك قال فيه: "البلد"؛ بلام التعريف التي للحضور، بخلاف آية البقرة، فإنما هي مدينة، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يُعرفها بلا تعريف الحضور. هـ. قال ابن جزي: وفيه نظر؛ لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام، ولا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة. هـ. قلت: لا نظر فيه؛ لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم، وإنما ترجم عنها بلسان عربي، فينزل على رعاية مقتضى الحال. ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء، لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال، من تعريف وتنكير، واختصار وإطناب. وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا، فانظره. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {إذْ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا البلد} يعني: مكة، {آمناً} لمن فيها من أغدرة الناس عليها، أو من الخسف والعذاب، أو من الطاعون والوباء، {واجنُبني} أي: امنعني واعصمني، {وبَنيَّ} من بعدي، من {أن نعبد الأصنامَ} أي: اجعلنا منهم من جانب بعيد. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته، ورغم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجاً به، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها، وسمونها الدوار، ويقولون: البيت حجر، وحيثما نصبت حجراً فهو بمنزلته. هـ. قال ابن جزي: و{بَنِيَّ} يعني: من صُلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام. هـ. وقد قال في الإحياء: عنى إبراهيمُ عليه السلام بالأصنام، الذهب والفضة، بمعنى: حبهما والأغترار بهما، والركون إليهما. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ والدِّرْهَم..." تفسير : الحديث؛ لأن رتبة النبوة أجل من أن يُخْشى عليها أن تعتقد الألوهية في شيء من الحجارة. هـ. قلت: الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره، في حقه وفي حق بنيه. أما في حقه فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد، كما هو شأن الأكابر، لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، وهذا كقوله: {أية : وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} تفسير : [الأنعام: 80]. وتقدم هذا المعنى مراراً. وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله لكن لم يجب إلا فيما كان صلبه؛ فإن دعاء الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لا يجب أن يكون كله مجاباً، فقد يُجابون في أشياء، ويُمنعون من أشياء. وقد سأل نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته أشياء، فأجيب في البعض، ومُنع البعض، كما في الحديث. ثم قال إبراهيم عليه السلام: {ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس} أي: إن الأصنام أتلفت كثيراً من الخلق عن طريق الحق، فلذلك سألتُ منك العصمة، واستعذتُ بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية، كقوله {أية : وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأنعام: 70]. {فمن تبعني} على ديني {فإنه مني}؛ لا ينفك عني في أمر الدين، {ومن عصاني فإنك غفور رحيم}، تقدر أن تغفر له ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فللَّه أن يغفره، حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرَّق بينه وبين غيره، قاله البيضاوي. قال ابن جزي: {ومن عصاني}؛ يريد: بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم؛ لما كان فيه ـ عليه السلام ـ من التخلْق بالرحمة للخلق، وحسن الخُلق. هـ. {ربنا إني أسكنت من ذريتي} أي: بعض ذريتي، وهو: إسماعيل عليه السلام، أو: أسكنت ذرية من ذريتي، وهو إسماعيل ومن وُلِد منه؛ فإن إسكانه متضمن لإسكانهم، {بوادٍ غير ذي زرع} يعني: وادي مكة، لأنها حجرية لا تنبت، والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل: ولا ماء، ولعله علم بوحي أنه سيكون فيه الماء، {عند بيتك المحرَّم} الذي حَرَّمه على الجبابرة من التعرض له والتهاون به، أو: لم يزل محترماً تهابُه الجبابرة، أو مُنع منه الطوفان، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم، ولم يكن موجوداً، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان، أي: عند أثر بيتك المحرم، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه. وقصةُ إنزاله ولده بمكة: أن هاجر كانت مملوكة لسارة، وهبها لها جبارٌ من الجبابرة؛ وذلك أن إبراهيم عليه السلام دخل مدينة، وكان فيها جبار يغصب النساء الجميلات، فأخذها، وأدخلها بيتاً، فلما دخل عليها دعت عليه، فسقط، ثم قالت: يا رب إن مات قتلوني فيه، فقام، فلما دنا منها، دعت عليه، فسقط، فقال في الثالثة: ما هذه إلا شيطانة، أخرجوها عني، وأعطوها هاجر، فعصمها الله منه، وأخدمها هاجر، ثم وهبتها لإبراهيم، فوطئها فحملت بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها فتعب إبراهيم معها، ثم ناشدته، سارةُ أن يخرجها من عندها، فركب البراق، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة، تحت دوحة، قريباً من موضع زمزم، فلما ولى تبعته، وهي تقول: لِمنْ تتركنا في هذه البلاد، وليس بها أنيس؟ ثم قالت: "أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يُضيعنا. فرجعت تأكل من مِزود، تم تركها لها، وتشرب من قربة ماء، فما فرغ الماء نشف اللبن، وجعل الولدُ يتخبط من العطش، فجعلت تطوف من الصفا، وكان جبلاً صغيراً قريباً منها، وتذهب إلى المروة، وتسعى بينهما، لعلها ترى أحداً، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتاً في الهواء، فقالت: أغِثْ إن كان معك غياث، فتبدَّى جبريلُ بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم، فهمز بعقبه ففار الماء. فلما رأته دهشت، وخافت عليه يذهب؛ فجعلت تحوطه، وتقول: زم زم، فانحصر الماء. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَرْحمُ اللهُ أُمَّ إسمَاعِيل، لَوْ تَركَتْهُ، كَانَ عَيْناً مَعِيناً" تفسير : . فشربت، ودرَّ لبنُها. ثم إن جرهم رأوا طيوراً تحوم، فقالوا: لا طيور إلا على الماء. فقصدوا الموضع، فوجدوها مع ابنها، وعندها عين، فقالوا لها: أتشركيننا في مائك، ونشركك في ألباننا؟ ففعلت. وفي حديث البخاري: "حديث : قالوا لها: أتحبين أن نسكن معك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء"تفسير : .فرحلوا إليها، وسكنوا معها، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه، وبنائهما الكعبة، مذكور في البخاري والسَّيَر. ثم قال: {ربنا ليُقيموا الصلاة} أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه، للإشعار بأنها المقصود بالذات من إسكانهم ثَمَّةَ. والمقصود من الدعاء: توفيقهم لها، وقيل: اللام للأمر، وكأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من الله أن يوفقهم لها. {فاجعل أفئدة من الناس} أي: اجعل أفئدة من بعض الناس، {تهوي إليهم} أي: تسرع إليهم شوقاً ومحبة، و"من": للتبعيض، ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولحجت اليهودُ والنصارى. وقيل: للبيان، أي: أفئدة ناسٍ. {وارزقهم من الثمرات} مع كونهم بوادٍ لا نبات فيه، {لعلهم يشكرون} تلك النعمة، فأجاب دعوته، فجعله حرماً آمناً تُجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى أنه يوجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية، في يوم واحد. {ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نُعلن} أي: تعلم سرنا، كما تعلم علانيتنا. والمعنى: إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكننا ندعوك إظهاراً لعبوديتك، وافتقاراً إلى رحمتك، واستجلاباً لنيل ما عندك. قاله البيضاوي: أي: فيكون مناسباً لحاله في قوله: "علمه بحالي يُغني عن سؤالي". وقيل: ما نُخفي من وَجْدِ الفرقة، وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك. وتكرير النداء؛ للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى. {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء}؛ لأن علمه أحاط بكل معلوم. "من": للاستغراق. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون إبراهيمياً، فيدعو بهذا الدعاء على طريق الإشارة، فيقول: رب اجعل هذا القلب آمناً من الخواطر والوساوس، واجنبني وبَنِيَّ، أي: بَعِّدْنِي ومن تعلق بي، أن نعبد الأصنام، التي هي الدنانير والدراهم، وكل ما يُعشق من دون الله، {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} فتلفوا في حبها والحرص عليها، فلا فكرة لهم إلا فيهما، ولا شغل لهم إلا جمعهما، فمن تبعني في الزهد فيهما، والغنى بك عنهما، فإنه مني، ومن عصاني، واشتغل بمحبتهما وجمعهما، {فإنك غفور رحيم}. وقوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع} فيه: تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونِعْم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية ـ صلوات الله عليهما ـ أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب ـ في حياته وبعد وفاته ـ لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبِّهم بإقامة الصلاة إظهاراً للعبودية، وإخلاصاً في المعرفة، وطلباً للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله: {ربنا ليقيموا الصلاة} الخ. وقال القشيري: أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي: أسكنت قوماً من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع، عند بيتك المحرّم. وإنما رد الرِّفق لهم في الجِوارِ فقال: {عند بيتك المحرم}، ثم قال: {ليقيموا الصلاة}. أي: أسكنتُهم لإقامة حقَّكَ، لا لِطَلَبِ حظوظهم. ويقال: اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال: قوله: {بوادٍ غير ذي زرع} أي: أسكنتُهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابِكَ مُقيمون بحضرتك، جار فيهم حُكمك، إن رَاعَيتَهُم كَفَيْتَهم، وكانوا أعَزَّ خلقِ اللهِ، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذلَّ خَلْقِكَ. هـ. وقوله تعالى: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}: قال القشيري: ليشتغلوا بعبادتك، فأفْرِّد قوماً يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإنَّ من قام بحقِّ الله قام الله بحقِّه. فاستجاب الله دعاءَه فيهم، فصارت القلوبُ من أهل كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سُكانه. وقال الورتجبي: سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سُنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. هـ. ومعنى قوله: مرادي جلاله وجماله: أي: مظهراً لجلاله وجماله، يعشقهم البَرُّ والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر بقية كلام إبراهيم عليه السلام.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم اذكر {إذ قال إبراهيم} يا {رب اجعل هذا البلد} يعني مكة وما حولها من الحرم {آمناً} يعني يأمن الناس فيه على نفوسهم واموالهم. (والامن) سكون النفس الى زوال الضرر، وهو نقيض الخوف، ومثله الطمأنينة الى الامر. وقوله {واجنبني} اي اصرفني عنه، جنبته اوجنبه، جنباً وجنبته الشر تجنيباً، واجنبته اجتناباً، قال الشاعر: شعر : وتنقض عهده شفقاً عليه وتجنبه قلا يصنا الصعابا تفسير : {واجنبني} اي واصرفني {وبني أن نعبد الأصنام} اي جنبنا عبادة الاصنام بلطف من الطافك الذي نختار عنده الامتناع من عبادتها. ودعاء الانبياء لا يكون الا مستجاباً، فعلى هذا يكون سؤاله ان يجنب نبيه عبادة الاصنام مخصوصاً بمن علم الله من حاله ان يكون مؤمناً، لا يعبد الا الله، ويكون الله تعالى اذن له في الدعاء لهم، فيجيب الله تعالى ذلك لهم. وقوله {ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس} اخبار من ابراهيم ان هذه الاصنام ضل كثير من الناس بها حتى عبدوها فكأنها اضلتهم، كما يقول القائل: فتنتني فلانة اي فتنت بها، قال الشاعر: شعر : هبوني أمرءاً منكم أضل بغيره تفسير : يعني ضل بعيره عنه، لان احداً لا يضل بغيره قاصداً الى اضلاله. وقوله {فمن تبعني} حكاية ما قال ابراهيم من ان من يتبعه في عبادة الله وحده وترك عبادة الاصنام، فانه منه وعلى دينه. {ومن عصاني} في ذلك وعبد مع الله غيره، وعصاه في اوامره {فإنك} يا الله {غفور رحيم} اي ستار على عبادك معاصيهم رحيم بهم اي منعم عليهم في جميع الاحوال. وقيل المعنى {إنك غفور رحيم} بهم ان تابوا واقلعوا عما هم عليه من الكفر.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} واذكروا وذكّر قومك دعوة ابراهيم (ع) ومقالته فانّ فيها ترغيباً الى الخيرات وترهيباً عن الاشراك ومعرفةً لبعض اوصاف الله وتعليماً لطريق التّضرّع والمسألة منه وبياناً لشرف ذرّيّته وفى بيان شرفهم ترغيب للخلق اليهم، وفى رغبتهم اليهم نجاة لهم فى الآخرة وشرافة فى الدّنيا {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} ذا امنٍ. اعلم، انّ بلدة مكّة وعمارتها كانت بسعى ابراهيم (ع) وتعميره كما انّ البيت كان بسعيه وتعميره فكان البلد مظهراً لصدره المنشرح بالاسلام المطهّر من الوساوس والارجاس، والبيت مظهراً لقلبه الّذى هو بيت الله الحقيقىّ وقد اجاب تعالى شأنه دعاءه حيث جعل صدره مأمناً عن كلّ شرّ وفساد وبلده مأمناً بالمواضعة لامره التّكليفىّ ان لا يتعرّض لاحدٍ ولا لحيوان ولا نبات كان فى الحرم {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} المصنوعة او اصنام الاهوية اوكلّ ما يطاع ويعبد من دون اذن الله.
الحبري
تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ ذكر المجلسي ما نصّه: فر: الحُسَيْن بن الحَكَم - معنعناً - عن: جَعْفَر بن مُحَمَّد عليه السلامُ، قالَ: إنَّ إبْراهيمَ صلواتُ الله عليه دَعا رَبَّهُ فقالَ: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}. فنالَتْ دعوتُه النبيَّ صلّى الله عليهِ وآلِه فأَكْرمه الله بالنُبوَّة. ونالَتْ دعوتُه أَميرَ المُؤْمِنين عليَّ بنَ أَبي طالِبٍ عليه السلامُ لما اسْتَخَصَّهُ الله بالإِمامة والوَصِيَّة.
فرات الكوفي
تفسير : {رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام35} قال: حدّثنا فرات بن إِبراهيم الكوفي [قال: حدّثنا الحسين بن الحكم. ر] معنعناً: عن أبي جعفر محمّد بن علي [عليهما السلام. ر] قال: إن إِبراهيم [عليه السلام. ب] خليل الله ودعا ربّه فقال: {رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} فنالت دعوته النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكرمه الله بالنبوة، ونالت دعوته [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام فاختصه [ب، ر: فاستخصه] الله بالإمامة والوصية. فرات قال: حدثني محمد بن عيسى بن زكريا معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: إِن إِبراهيم خليل الله [عليه السلام. ب] دعا ربّه فقال: {رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} فنالت دعوته النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكرمه الله بالنبوة ونالت دعوته علي بن أبي طالب عليه السلام فاختصه [ب: فاستخصه] الله بالإمامة والوصاية، وقال الله [تعالى. ر]: يا إِبراهيم {إِني جاعلك للناس إِماماً قال} إِبراهيم: {ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين} قال: الظالم [ر، أ: ظالم] من أشرك بالله وذبح للأصنام ولم يبق أحد من قريش والعرب من قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إِلا وقد أشرك بالله وعبد الأصنام وذبح لها ما خلا [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه من قبل أن يجرى عليه القلم أسلم، فلا [يجوز ان. أ، ب] يكون إِمام أشرك بالله وذبح للأصنام لأن الله تعالى قال: {لا ينال عهدي الظالمين}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ ءَامِناً} يعني مكة { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} يعني المؤمنون منهم، كقوله: (أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)تفسير : [البقرة:128] {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ} يعني الأصنام أضللن { كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ} يقول: ضل المشركون بعبادتها من غير أن تكون هي التي دعت إلى عبادة أنفسها. {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي} فعبد الأوثان ثم تاب إليك بعد ذلك { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} يعني إسماعيل { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: إنما أسكنتم مكة ليعبدونك {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً} أي: قلوباً { مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} أي: تنزع إليهم { وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} أي: لكي يشكروا نعمك. ذكر عن ابن عباس أنه قال: لو كان قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لَحَجَّه اليهود والنصارى وكل أحد. ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}. قوله: { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}. تفسير ابن عباس أن إبراهيم جاء بهاجر وإسماعيل حتى وضعهما بمكة، ثم رجع. فلما قفا نادته هاجر: يا إبراهيم، إنما أسألك؛ فالتفت، فقالت له: من أمرك أن تَضَعَنِي بأرض ليس بها زرع ولا ضرع ولا أنيس؟ قال: ربي. قالت: إذاً لا يضيّعنا. فلما وَلَّى إبراهيم قال: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي: من الحزن. { وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ}.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} مفعول لفعل محذوف أي اذكر ذلك الوقت، / والمقصود تذكير ما وقع فيه على نهج ما قيل في أمثاله {رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ} يعني مكة شرفها الله تعالى: {ءامَنَّا } أي ذا أمن، فصيغة فاعل للنسب كلابن وتامر لأن الآمن في الحقيقة أهل البلد، ويجوز أن يكون الإسناد مجازياً من إسناد ما للحال إلى المحل كنهر جار، والفرق بين ما هنا وما في البقرة [126] من قوله: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } تفسير : أنه عليه السلام سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني: أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً كذا في «الكشاف»، وتحقيقه أنك إذا قلت: اجعل هذا خاتماً حسناً فقد أشرت إلى المادة طالباً أن يسبك منها خاتم حسن؛ وإذا قلت: اجعل هذا الخاتم حسناً فقد قصدت الحسن دون الخاتمية، وذلك لأن محط الفائدة هو المفعول الثاني لأنه بمنزلة الخبر، وإلى هذا يرجع ما قيل في الفرق أن في الأول سؤال أمرين البلدية والأمن وهٰهنا سؤال أمر واحد وهو الأمن. واستشكل هذا التفسير بأنه يقتضي أن يكون سؤال البلدية سابقاً على السؤال المحكي في هذه السورة وأنه يلزم أن تكون الدعوة الأولى غير مستجابة. قال في "الكشف": والتفصي عن ذلك إما بأن المسؤول أولاً: صلوحه للسكنى بأن يؤمن فيه أهله في أكثر الأحوال على المستمر في البلاد فقد كان غير صالح لها بوجه على ما هو المشهور في القصة، وثانياً: إزالة خوف عرض كما يعتري البلاد الآمنة أحياناً، وأما بالحمل على الاستدامة وتنزيله منزلة العاري عنه مبالغة أو بأن أحدهما أمن الدنيا والآخر أمن الآخرة أو أن الدعاء الثاني صدر قبل استجابة الأول، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول الحقيقي هو الأمن والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف، وكأنه بنى الكلام على الترقي فطلب أولاً أن يكون بلداً آمناً من جملة البلاد التي هي كذلك، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفاً حقيقة فطلب الأمن لأن دعاء المضطر أقرب إلى الإجابة ولذا ذيله عليه السلام بقوله: {أية : إِنَّى أَسْكَنتُ } تفسير : [إبراهيم: 37] الخ اهـ. وهو مبني على تعدد السؤال وإن حمل على وحدته وتكرير الحكاية كما استظهره بعضهم، واستظهر آخرون الأول لتغاير التعبير في المحلين، فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى أولاً، واقتصر هٰهنا على حكاية سؤال الأمن لأن سؤال البلدية قد حكى بقوله: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 37] إذ المسؤول هويها إليهم للمساكنة كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا للحج فقط وهو عين سؤال البلدية وقد حكى بعبارة أخرى على ما اختاره بعض الأجلة أو لأن نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره أنسب بمقام تقريع الكفرة على إغفاله على ما قيل، وهذه الآية وما تلاها أعني قصة إبراهيم عليه السلام على ما نص عليه صاحب "الكشف" واردة على سبيل الاعتراض مقررة لما حث عليه من الشكر بالإيمان والعمل الصالح وزجر عنه من مقابلهما مدمجاً فيها دعوة هؤلاء النافرين بلسان اللطف والتقريب مؤكدة لجميع ما سلف أشد التأكيد. وفي "إرشاد العقل السليم" أن المراد منها تأكيد ما سلف من تعجيبه صلى الله عليه وسلم ببيان فن آخر من جنايات القوم حيث كفروا بالنعم الخاصة بهم بعدما كفروا بالنعم العامة وعصوا أباهم إبراهيم عليه السلام حيث أسكنهم مكة زادها الله تعالى شرفاً لإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى وسأله أن يجعله بلداً آمناً ويرزقهم من الثمرات ويهوي قلوب الناس إليهم فاستجاب الله تعالى دعاءه وجعله حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء فكفروا بتلك النعم العظام واستبدلوا دار البوار بالبلد الحرام وجعلوا لله/ تعالى أنداداً وفعلوا ما فعلوا من القبائح الجسام. {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ } أي بعدني وإياهم {أَن نَّعْبُدَ ٱلاْصْنَامَ } أي عن عبادتها، وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي {وَٱجْنُبْنِى } بقطع الهمزة وكسر النون بوزن أكرمني وهما لغة أهل نجد يقولون: جنبه مخففاً وأجنبه رباعياً وأما أهل الحجاز فيقولون: جنبه مشدداً، وأصل التجنب أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره ثم استعمل بمعنى البعد، والمراد هنا على ما قال الزجاج طلب الثبات والدوام على ذلك أي ثبتنا على ما نحن عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام وإلا فالأنبياء معصومون عن الكفر وعبادة غير الله تعالى. وتعقب ذلك الإمام بأنه لما كان من المعلوم أنه سبحانه يثبت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب فما الفائدة في سؤال التثبيت؟ ثم قال: والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه عليه السلام وإن كان يعلم أن الله تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضماً لنفسه وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله سبحانه وتعالى في كل المطالب، والثاني: أن الصوفية يقولون: الشرك نوعان. ظاهر وهو الذي يقول به المشركون. وخفي وهو تعلق القلب بالوسائط والأسباب الظاهرة والتوحيد المحض قطع النظر عما سوى الله تعالى، فيحتمل أن يكون مراده عليه السلام من هذا الدعاء العصمة عن هذا الشرك انتهى. ويرد على هذا الأخير أنه يعود السؤال عليه فيما أظن لأن النظر إلى السوى يحاكي الشرك الذي يقول به المشركون عند الصوفية فقد قال قائلهم:شعر : ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي تفسير : ولا أظن أنهم يجوزون ذلك للأنبياء عليهم السلام، وحيث بني الكلام على ما قرروه يقال: ما فائدة سؤال العصمة عن ذلك والأنبياء عليهم السلام معصومون عنه؟ والجواب الصحيح عندي ما قيل: إن عصمة الأنبياء عليهم السلام ليست لأمر طبيعي فيهم بل بمحض توفيق الله تعالى إياهم وتفضله عليهم، ولذلك صح طلبها وفي بعض الآثار أن الله سبحانه قال لموسى عليه السلام: يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط. وأنت تعلم أن المبشرين بالجنة على لسان الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام كانوا كثيراً ما يسألون الله تعالى الجنة مع أنهم مقطوع لهم بها، ولعل منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السلام فتدبر. والمتبادر من بنيه عليه السلام من كان من صلبه، فلا يتوهم أن الله تعالى لم يستجب دعاءه لعبادة قريش الأصنام وهم من ذريته عليه السلام حتى يجاب بما قاله بعضهم من أن المراد كل من كان موجوداً حال الدعاء من أبنائه ولا شك أن دعوته عليه السلام مجابة فيهم أو بأن دعاءه استجيب في بعض دون بعض ولا نقص فيه كما قال الإمام. وقال سفيان بن عيينة: إن المراد ببنيه ما يشمل جميع ذريته عليه السلام وزعم أنه لم يعبد أحد من أولاد إسمٰعيل عليه السلام الصنم وإنما كان لكل قوم حجر نصبوه وقالوا هذا حجر والبيت حجر وكانوا يدورون به ويسمونه الدَّوَّار ولهذا كره غير واحد أن يقال دار بالبيت بل يقال طاف به، وعلى ذلك أيضاً حمل مجاهد البنين وقال: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً وإنما عبد بعضهم الوثن، وفرق بينهما بأن الصنم هو التمثال المصور والوثن هو التمثال الغير المصور، وليت شعري كيف ذهبت على هذين/ الجليلين ما في القرآن من قوارع تنعي على قريش عبادة الأصنام. وقال الإمام بعد نقله كلام مجاهد: إن هذا ليس بقوي لأنه عليه السلام لم يرد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والصنم كالوثن في ذلك ويرد مثله على ابن عيينة، ومن هنا قيل عليه: إن فيما ذكره كراً على ما فر منه لأن ما كانوا يصنعونه عبادة لغير الله تعالى أيضاً. واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى لأنه عليه السلام إنما طلب التبعيد عن عبادة الأصنام منه تعالى، وحمل ذلك على الألطاف فيه ما فيه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً } تفسير : [إبراهيم: 28] فإنهم كما بدّلوا نعمة الله كفراً أهملوا الشكر على ما بوأهم الله من النعم بإجابة دعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وبدلوا اقتداءهم بسلفهم الصالح اقتداءً بأسلافهم من أهل الضلالة، وبدلوا دُعاء سلفهم الصالح لهم بالإنعام عليهم كفراً بمفيض تلك النّعَم. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {الله الذي خلق السمٰوات والأرض} بأن انتقل من ذكر النعم العامة للناس التي يدخل تحت مِنتها أهل مكة بحكم العموم إلى ذكر النعم التي خص الله بها أهل مكة. وغير الأسلوب في الامتنان بها إلى أسلوب الحكاية عن إبراهيم لإدماج التنويه بإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ والتعريض بذريته من المشركين. (وإذا) اسم زمان ماض منصوب على المفعولية لفعل محذوف شائع الحذف في أمثاله، تقديره: واذكر إذ قال إبراهيم، زيادة في التعجيب من شأن المشركين الذي مر في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلّوا نعمة الله كفراً}، فموقع العبرة من الحالين واحد. و{رب} منادى محذوف منه حرف النداء. وأصله (ربي)، حذفت ياء المتكلم تخفيفاً، وهو كثير في المنادى المضاف إلى الياء. والبلد: المكان المعين من الأرض، ويطلق على القرية. والتعريف في {البلد} تعريف العهد لأنه معهود الحضور. و{البلد} بدل من اسم الإشارة. وحكاية دعائه بدون بيان البلد إبهام يرد بعده البيان بقوله: { أية : عند بيتك المحرم } تفسير : [سورة إبراهيم: 37]، أو هو حَوالة على ما في علم العرب من أنه مكة. وقد مضى في سورة البقرة تفسير نظيره. والتعريف هنا للعهد، والتنكير في آية البقرة تنكير النوعية، فهنا دَعَا للبلد بأن يكون آمنا، وفي آية سورة البقرة دَعَا لِمشار إليه أن يجعله الله من نوع البلاد الآمنة، فمآل المفادين متحد. {واجنبني} أمر من الثلاثي المجرد، يقال: جنبه الشيء، إذا جعله جانباً عنه، أي باعده عنه، وهي لغة أهل نجد. وأهلُ الحجاز يقولون: جنبه بالتضعيف أو أجنبه بالهمز. وجاء القرآن هنا بلغة أهل نجد لأنها أخف. وأراد ببنيه أبناء صلبه، وهم يومئذٍ إسماعيل وإسحاق، فهو من استعمال الجمع في التثنية، أو أراد جميع نسله تعميماً في الخير فاستجيب له في البعض. والأصنام: جمع صنم، وهو صورة أو حجارة أو بناء يتخذ معبوداً ويُدعى إلهاً. وأراد إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ مثل ودَ وسواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونَسْرٍ، أصنام قوم نوح. ومثل الأصنام التي عبدها قوم إبراهيم. وإعادة النداء في قوله: {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} لإنشاء التحسر على ذلك. وجملة {إنهن أضللن كثيراً من الناس} تعليل للدعوة بإجنابه عبادتها بأنها ضلال راج بين كثير من الناس، فحق للمؤمن الضنين بإيمانه أن يخشى أن تجترفه فتنتها، فافتتاح الجملة بحرف التوكيد لما يفيده حرف (إنّ) في هذا المقام من معنى التعليل. وذلك أن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ خرج من بلده أُور الكلدانيين إنكاراً على عبدة الأصنام، فقال: { أية : إني ذاهب إلى ربي سيهدين } تفسير : [سورة الصافات: 99] وقال لقومه: { أية : وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } تفسير : [سورة مريم: 48]. فلما مر بمصر وجدهم يعبدون الأصنام ثم دخل فلسطين فوجدهم عبدة أصنام، ثم جاء عَرَبَةَ تهامة فأسكن بها زوجه فوجدها خالية ووجد حولها جُرْهمَ قوماً على الفطرة والسذاجة فأسكن بها هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام. ثم أقام هنالك مَعلَم التوحيد. وهو بيت الله الكعبة بناه هو وابنه إسماعيل، وأراد أن يكون مأوى التوحيد، وأقام ابنه هنالك ليكون داعية للتوحيد. فلا جرم سأل أن يكون ذلك بلداً آمناً حتى يسلم ساكنوه وحتى يأوي إليهم من إذا آوى إليهم لقنوه أصول التوحيد. ففرع على ذلك قوله: {فمن تبعني فإنه مني}، أي فمن تبعني من الناس فتجنب عبادة الأصنام فهو مني، فدخل في ذلك أبوه وقومه، ويدخل فيه ذريته لأن الشرط يصلح للماضي والمستقبل. و(من) في قوله: {مِني} اتصالية. وأصلها التبعيض المجازي، أي فإنه متصل بي اتصال البعض بكله. وقوله: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} تأدب في مقام الدعاء ونفع للعصاة من الناس بقدر ما يستطيعه. والمعنى ومن عصاني أفوّض أمره إلى رحمتك وغفرانك. وليس المقصود الدعاء بالمغفرة لمن عصى. وهذا من غلبة الحلم على إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ وخشية من استئصال عصاة ذريته. ولذلك متعهم الله قليلاً في الحياة الدنيا، كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } تفسير : [سورة البقرة: 126] وقوله: { أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين } تفسير : [سورة الزخرف: 27]. وسوق هذه الدعوة هنا للتعريض بالمشركين من العرب بأنهم لم يبروا بأبيهم إبراهيم عليه السلام. وإذ كان قوله: {فإنك غفور رحيم} تفويضاً لم يكن فيه دلالة على أن الله يغفر لمن يشرك به.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}. لم يبين هنا هل أجاب دعاء نبيه إبراهيم هذا ولكنه بين في مواضع أخر أنه أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} تفسير : [الصافات: 113] وقوله: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} تفسير : [الزخرف: 28] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هذا البلد آمنا: أي اجعل مكة بلداً آمناً يأمن كل من دخله. واجنبني: بَعِّدْني. أن نعبد الأصنام: عن أن نعبد الأصنام. أضللن كثيراً من الناس: أي بعبادتهم لها. من تبعني فإنه مني: أي من اتبعني على التوحيد فهو من أهل ملتي وديني. من ذريتي: أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر. بواد غير ذي زرع: أي مكة إذ لا مزارع فيها ولا حولها يومئذ. تهوي إليهم: تَحِنُّ إليهم وتميل رغبة في الحج والعمرة. على الكبر إسماعيل وإسحاق: أي مع الكبر إذ كانت سنه يومئذ تسعاً وتسعين سنة وولد له إسحاق وسنه مائة واثنتا عشرة سنة. ولوالدي: هذا قبل أن يعرف موت والده على الشرك. يوم يقوم الحساب: أي يوم يقوم الناس للحساب. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء وقد تضمنت هذه الآيات ذلك، فقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} أي اذكر إذ قال إبراهيم فكيف يذكر ما لم يوح الله تعالى إليه بذلك ففسر هذا نبوة رسول الله ونزول الوحي إليه، وقوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً} أي ذا أمن فيأمن من دخله على نفسه وماله والمراد من البلد مكة. وقوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} فيه تقرير للتوحيد الذي هو عبادة الله وحده ومعنى اجنبني أبعدني أنا وأولادي وأحفادي وقد استجاب الله تعالى له فلم يكن في أولاده وأولاد أولاده مشرك، وقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} تعليل لسؤاله ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها، واضلال الناس كان بعبادتهم لها فضلوا في أودية الشرك، وقوله: {فَمَن تَبِعَنِي} أي من أولادي {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي على ملتي وديني، {وَمَنْ عَصَانِي} فلم يتبعني على ملة الإِسلام إن تعذبه فذاك وإن تغفر له ولم تعذبه {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل مع أمه هاجر {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} هو مكة إذ ليس فيها ولا حولها زراعة يومئذ وإلى آماد بعيدة وأزمنة عديدة {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} قال هذا بإعلام من الله تعالى له أنه سيكون له بيت في هذ الوادي ومعنى المحرم أي الحرام وقد حرمه تعالى فمكة حرام إلى يوم القيامة لا يُصاد صيدها ولا يُختلي خلاها ولا تُسفك فيها دماء ولا يحل فيها قتال، وقوله: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} هذا دعاء بأن ييسر الله تعالى عيش سكان مكة ليعبدوا الله تعالى فيها بإقام الصلاة، فإن قلوب بعض الناس عندما تهفوا إلى مكة وتميل إلى الحج والعمرة تكون سبباً في نقل الأرزاق والخيرات إلى مكة، وقوله: {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} دعاء آخر بأن يرزق الله بنيه من الثمرات ليشكروا الله تعالى على ذلك فوجود الأرزاق والثمرات موجبة للشكر، إذ النعم تقتضي شكراً، وقوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أراد به أن ما سأل ربه فيه من كل ما سأل إنما هو من باب إظهار العبودية لله والتخشع لعظمته والتذلل لعزته والافتقار إلى ما عنده، وإلا فالله أعلم بحاله وما يصلحه هو وبنيه، وما هم في حاجة إليه لأنه تعالى يعلم كل شيء ولا يخفى عنه شيء في الأرض ولا في السماء.. وقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أراد به حمد الله وشكره على ما أنعم به عليه حيث رزقه إسماعيل وإسحاق على كبر سنه، والإعلام بأن الله تعالى سميع دعاء من يدعوه وينيب إليه، وقوله: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} أيضاً من يقيم الصَّلاة، لأن الصلاة هي علة الحياة كلها إذ هي الذكر والشكر فمتى أقام العبد الصلاة فأداها بشروطها وأركانها كان من الذاكرين الشاكرين، ومتى تركها العبد كان من الناسين الغافلين وكان من الكافرين، وأخيراً ألحَّ على ربه في قبول دعائه وسأل المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين يوم يقوم الناس للحساب وذلك يوم القيامة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل مكة وشرفها وأنها حرم آمن أي ذو أمن. 2- الخوف من الشرك لخطره وسؤال الله تعالى الحفظ من ذلك. 3- علاقة الإِيمان والتوحيد أولى من علاقة الرحم والنسب. 4- أهمية إقام الصلاة وأن من لم يرد أن يصلي لا حق له في الغذاء ولذا يُعدم إن أصر على ترك الصلاة. 5- بيان استجابة دعاء إبراهيم عليه السلام فيما سأل ربه تعالى فيه. 6- وجوب حمد الله وشكره على ما ينعم به على عبده. 7- مشروعية الاستغفار للنفس وللمؤمنين والمؤمنات. 8- تقرير عقيدة البعث والحساب والجزاء.
القطان
تفسير : واجنُبني: وأبعِدني. تهوي اليهم: تسرع شوقاً وحبا. في هذه الآيات يتجلى النموذج الكامل للانسان الذاكر الشاكر في شخصية ابي الانبياء ابراهيم عليه السلام، فهو يدعو الله تعالى ان يجعل مكة بلداً آمناً مطمئنّاً، ويسأله ان يبعده هو وابناءه عن عبادة الأصنام، ثم يذكر مساوئ الاصنام وكل ما عُبد من دون الله بقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} ويبين الدين الحق الذي هو عليه ويتابع الدعاء فيقول: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فأما من تبع طريقي فهو منّي، ينتسب إليّ ويلتقي معي، وأما من عصاني منهم فأُفوّض أمره إليك، فأنتَ غفور رحيم. وهنا تتجلّى رحمة ابراهيم وعطفه ورأفته، فهو لم يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله، كما أنه لا يستعجل العذاب لهم، وانما يَكِلُهم الى غفران الله ورحمته. {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}. وهنا يمضي في دعائه: بأنه أسكنَ من ذرتيه بمكة، وهي بوادٍ قاحلٍ لا زرعَ فيه عند بيت الله المحرّم، ثم يبين الوظيفةَ التي أسكنَهُم في هذا المكان القفر ليقوموا بها، وهي عبادةُ الله وإقامة الصلاة على حقيقتها. ثم يدعو تلك الدعوة اللطيفة التي استجابها الله، بقوله: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} اي تميل بشوقٍ إلى ذلك البيتِ العتيق واهلِه في ذلك الجديب، {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وقد اجاب الله دعاءه، فألهم الناس الحجَّ منذ آلاف السنين إلى ما شاء الله، وفي أي وقت ذهب الانسان الى الحجاز يجِد فيه أنواع الثمار والخيرات. وفي هذا اظهارٌ لقدرة الله وصِدقِ وعده. {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. إنك يا ربنا تعلَم ما تُخفي نفوسنا وما تظهره مجاهرةً به، فليس يخفى عليك شيء في هذا الكون. ثم يتوجه ابراهيم الى الله ويذكر نعمة الله عليه، فيلهج لسانه بالحمد والشكر فيقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}. فإن هِبةَ الذرّية على الكِبَر أوقعُ في النفس، فهو يحمد اللهَ تعالى على هذه النِعم ويطمع في رحمته. {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}. بعد الحمد والشكر الذي قدّمه على ما وهبه الله من الذرّية على الكِبَر، يطلب ابراهيم من ربّه ان يُعينه على مداومة شكره بإقامةِ الصلاة هو وذرّيته، وان يتقبّل دعاءَه. والدعاءُ هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح. {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}. بهذا الدعاء يختم ابراهيمُ شكره وتضرّعه الى الله، ويطلب المغفرةَ له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} {آمِناً} (35) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ، وَأَنْتَ تَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، خَبَرَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إِذْ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ بَلَداً آمِناً فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهَا بَلَداً حَراماً آمِناً لاَ يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ، وَلاَ يُظْلَمُ فِيهَا أَحَدٌ {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} كَمَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ، وَيُجَنِّبَ بَنِيهِ، عِبَادَةَ الأَصْنَامِ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَمِلَّةِ الإِسْلاَمِ. اجْنُبْنِي - أَبْعِدْنِي وَنَحِّنِي.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} يعني الحرم مأموناً فيه {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ}. {أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} ويقال جنبته أجنبه جنباً وأجنبته إجناباً بمعنى وأجنبّك وجنّبته تجنيباً. قال الشاعر: وهو أُمية بن الأشكر الليثي: شعر : وتنفض مهده شفقاً عليه وتجنّبه قلا يصعي الصّعابا تفسير : والأصنام جمع صنم وهو التمثال المصور قال الشاعر: شعر : وهنانة كالزون يجلي ضمه تضحك عن أشنب عذب ملثمه تفسير : وقال إبراهيم التيمي في قصصه: من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم (عليه السلام) حين يقول: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} يعني ضل بهن كثير من الناس عن طريق الهدى حتى عبدوهن وهذا من المغلوب. نظيره قوله {أية : ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}تفسير : [آل عمران: 175] أي يخوفكم بأوليائه. {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} على ديني وملتي {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قال السدي: معناه ومن عصاني فتاب. مقاتل بن حيان: ومن عصاني فيما دون الشرك. روى عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم (عليه السلام) {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقول عيسى (عليه السلام) {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] الآية، فرفع يداه ثم قال: اللهم أُمتي اللهم أُمتي وبكى، فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد ـ وربك أعلم ـ فسأله ما بك، فأتى جبرئيل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أُمتك ولا يسؤك . تفسير : {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} إنما أدخل: «من» للتبعيض ومجاز الآية أسكنت من ذريتي ولداً {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} وهو مكة {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}. قتادة: المحرم من المسجد محرم الله فيه، والاستخفاف بحقه، فإن قيل ما وجه قول إبراهيم عند بيتك وإنما بنى إبراهيم البيت بعد ذلك بمدة، وقيل معناه عند بيتك المحرم الذي كان قبل أن يرفعه من الأرض حتى رفعته في أيام الطوفان. وقيل عند بيتك المحرم الذي قد مضى في علملك أنه يحدث في هذا البلد. وكانت قصة الآية على ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنّ أول من سعى بالصفا والمروة هاجر أُم إسماعيل، وإنّ أول ما أحدثت جّر الذيول لهي وذلك أنها لما فرت من ساره فأرخت من ذيلها ليعفى أثرها فجاء بها إبراهيم ومعها ابنها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت فوضعهما ثم رجع فأثبتته فقالت: إلى من تكلنا، فجعل لا يرد عليها شيئاً، فقالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا، فرجعت ومضى [إبراهيم] حتى إذا كان على ثنية كداء أقبل على الوادي. فقال: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} الآية. قال: ومع الإنسانة شنّة فيها ماء فنفذ الماء فعطشت فانقطع لبنها فعطش الصبي، فنظرت إلى الجبال أدنى من الأرض فصعدت الصفا فتسمّعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً فلم تسمع شيئاً فانحدرت فلمانزلت على الوادي سعت وما تريد السعي كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد بذلك السعي، فنظرت أيُّ الجبال أدنى من الأرض فصعدت المروة فتسمّعت هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً، فسمعت صوتاً، فقالت: كالإنسان الذي يكذب سمعه: صه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني فقد هلكت وهلك من معي، فإذا هو الملك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عيناً فعجلت الإنسانة فجعلت تفرغ في شنتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يرحم الله أُم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً تفسير : ، وقال لها الملك: لا تخافي الضمأ على أهل هذا البلد فإنما هي عين لشرب ضيفان الله وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتاً هذا موضعه. قال: ومرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأوا الطير على الجبل وقال: إن هذا الطير لعائف على ماء فأشرفوا فاذا هم بالإنسانة فأتوا هاجر وقالوا إن شئت كنا معك وآنسناكِ والماء ماؤك فأذنت لهم فنزلوا معها وكانوا هناك حتى شبّ إسماعيل وماتت هاجر فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، وذكر الحديث في صفة مقام إبراهيم وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران. {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِي} تفزع وقيل تشتاق {ۤ إِلَيْهِمْ} وهذا دعاء منه (عليه السلام) لهم بأن يرزقهم حجّ بيته الحرام. قال سعيد بن جبير: ويقال أفئدة الناس تهوى إليهم لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال أفئدة من الناس منهم المسلمون. وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند ولكنه أفئدة من الناس {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} ما رزقت سكّان القرى ذوات المياه {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} من جميع أُمورنا. وقال ابن عباس ومقاتل من الوجد إسماعيل وأمه حيث أسكنها بواد غير ذي زرع {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. قال بعضهم: هذه صلة فولد إبراهيم (عليه السلام). وقال الآخرون: قال الله عزّ وجلّ وما يخفى على الله وهو قول الله عزّ وجلّ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي} أعطاني {عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}. قرأ ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. وقال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد اثنتي عشرة ومائة سنة. {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} أيضاً واجعلهم مقيمي الصلاة { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}. قال المفسرون: أي عبادتي. نظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدعاء مخ العبادة"تفسير : ثم قرأ {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي}تفسير : [غافر: 60] فسمى الدعاء عبادة. {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} إن آمنا وتابا، وقد أخبر الله عن عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة التوبة. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} كلهم. قال ابن عباس: من أمة محمّد {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} أي يبدو ويظهر. قال أهل المعاني: أراد يوم يقوم الناس للحساب فاكتفى بذكر الحساب عن ذكر الناس إذ كان مفهوماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يقول سبحانه (إذ) أي "اذكر" ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم (رَبّ) ولم يَقُلْ "يا الله" ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربِّي، لذلك قال "ربّي" ولم يَقُل "يا الله" لأن عطاءَ الله تكليفٌ، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} تفسير : [البقرة: 43]. أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المُصلِّين وغير المُصلِّين. ولم تَأْتِ مسألة إبراهيم هنا قَفْزاً؛ ولكِنّا نعلم أن القرآن قد نزل، وأول مَنْ سيسمعه هُم السادة من قريش؛ الذين تمتَّعوا بالمهابَةِ والسيادة على الجزيرة العربية؛ ولا يجرؤ أحد على التعرُّض لقوافلها في رِحْلَتَيْ الشتاء والصيف؛ لليمن والشام؛ وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام. ولذلك تكلَّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أُذنه نداء الإسلام؛ وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصُّهم؛ لذلك قال: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً ..} [إبراهيم: 35]. وقد وردتْ هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ..} تفسير : [البقرة: 126]. والفرق بين "البلد" و "بلداً" يحتاج مِنّا أن نشرحه، فـ "بلداً" تعني أن المكان كان قَفْراً؛ ودعا إبراهيم أن يصبحَ هذا المكانُ بلداً آمناً أي: أن يجد مَن يقيمون فيه، يُجدّدون حاجاتهم ومتُطلباتهم؛ وتكون وسائل الرزق فيه مُيسَّرة، ودعاؤه أيضاً شمل طلب الأمن، أي: ألاّ يوجد به ما يُهدّد طمأنينة الناس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم. وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلداً؛ وجعله سبحانه آمناً أماناً عاماً؛ لأن الإنسان في أيّ بُقْعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكاناً يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مُقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعاً قوياً، وهذا الأمن مطلوب لكل إنسان في أيّ أرض. وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أنْ نزلَ هذا المكان، وكان وادياً غير ذي زرع؛ ولا مُقوّمات للحياة فيه؛ فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذِكْره في سورة البقرة. أما هنا فقد صار المكان بلداً؛ وكان الدعاء بالأمن لثاني مرة؛ هي دعوة لأمن خاص؛ ففي غير هذا المكان يمكن أن تُقطع شجرة؛ أو يصْطاد صَيْد؛ ولكن في هذا المكان هناك أَمْنٌ خاصّ جداً؛ أمنٌ للنبات ولكُلّ شيء يوجد فيه؛ فحتى الحيوان لا يُصَاد فيه؛ وحتى فاعل الجريمة لا يُمَسّ. وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني؛ فالدعاء الأول: هو دعاء بالأمن العام؛ والدعاء الثاني: هو دعاء بالأمن الخاص؛ ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام؛ ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمنٍ يشمل كل الكائنات. ويقول بعض من السطحيين: ما دام الحق قد جعل البيت حَرَماً آمِناً؛ فلماذا حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟ ونقول: وهل كان أمْن الحرم أمراً "كونياً"، أم تكليفاً شرعياً؟ إنه تكليف شرعي عُرْضة أنْ يُطاع، وعُرضة أن يُعصى. وقوله سبحانه: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97]. يعني أن عليكم أيُّها المُتبِّعون لدين الله أنْ تُؤمِّنوا مَنْ يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر التكليفيّ والأمر الكونيّ. ويقول سبحانه على لسان إبراهيم: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]. وهو قَوْل يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لُحَيٍّ الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قَوْل يحمل تنبؤاً من إبراهيم عليه السلام. ولقائل أنْ يسألَ: وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنِّبه عبادة الأصنام؟ وأقول: وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعوَ ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} تفسير : [النساء: 136]. وهو أَمرْ بالمداومة. والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب - عليه السلام - : {أية : قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا...} تفسير : [الأعراف: 89]. وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعِم علينا بنعمة الإيمان؛ وفي هذا القول الكريم أيضاً إيضاحٌ لطلاقة قدرة الحق سبحانه. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم: 35]. والصنم غير الوثن، فالمُشكَّل بشكل إنسان هو الصنم؛ أما قطعة الحَجَرِ فقد والتي خَصَّها بعضٌ من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن. وهناك مَنْ أراد أنْ يخرج بِنَا من هذا المأزِق؛ فقال: إن الكفر نوعان. شرك جَلي؛ وشرك خفيّ. والشرك الجليّ أن يعبدَ الإنسانُ أيّ كائن غير الله؛ والشرك الخفيّ أن يُقدّس الإنسانُ الوسائطَ بينه وبين الله، ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضاً من قدرات الله. ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يُجنِّبه وبنيه أنْ يعبدوا الأصنامَ يقتضي مِنّا أن نفهم معنى كلمة أبناء؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يَصِلُون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله؛ ذلك أننا نعلم أن بعضاً من بنية قد عبدوا الأصنام والأوثان. ومعنى كلمة "أبناء" أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ونبدأ من قوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 124]. أي: بعد أن أخبر الله إبراهيم، وكلّفه بالمهام التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها على وجه التمام؛ أمّنه الحق على أن يكون إماماً؛ فقال سبحانه: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..} تفسير : [البقرة: 124]. أي: أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم عليه السلام لكل مهمة بتمامها وبدِقّة وأمانة، وإذا كان هذا هو دستورَ الله في الخَلْق؛ فلا بُدّ لنا من أن نتخلَّقَ بأخلاق الله. وعلينا ألا نختار أيَّ إنسان لأية مهمة ليكون إمامها، إلا أنْ كان كُفْءً لها ويُحسِن القيام بها. ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظِر الساعة"تفسير : . قال السائل له عن موعد قيام الساعة: وكيف إضاعتها؟ قال: "حديث : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". تفسير : ذلك أن إسناد أيّ أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في إسناد أيّ أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقومَ بالأمر كما يجب، فإذا كان الاختيار سيئاً؛ فسيكون هذا الإنسان أُسْوة في السوء؛ وتنتقل منه عدوى عدم الإتقان إلى غيره؛ ويتفشَّى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر مَنْ هو أَهْلٌ له فالموقف يختلف تماماً، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان. والمَثلُ على ذلك: أن الأولاد الذين تربَّوْا في السعودية؛ ورأََوْا أن يد السارق تُقطع؛ لم نجد منهم مَنْ يسرق؛ لأنهم تربَّوْا على أن السارق تُقطع يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أنْ يضعَ عقوبة قاسية؛ فليس هذا إذْنٌ بأن تقع الجريمة؛ بل ألاَّ تقعَ الجريمة. وحين يتساءل مَنْ يدَّعُون التحضرُّ: كيف يقول القرآن: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [البقرة: 256]. وحين تجدون مَنْ يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي البعض بإعدامه؟ ولهؤلاء أقول: وهل هذا الأمر يُحسب على الإسلام أم لصالح الإسلام؟ إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مِثْل هذا الحرص على كرامة الدين يُهيِّب الناس أنْ يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدي لليقين، واليقين هو الوصول إلى الدين الحقّ مصحوباً بدليل. يقول الحق سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيُكلّفه حياته لو أراد أنْ يخرجَ منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل. وحين دعا إبراهيم - عليه السلام - ربه: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]. كان قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أُسنِد إليه تماماً؛ وشاء له الحق سبحانه أن يكون إماماً، واستشرف إبراهيم عليه السلام أن تكون الإمامة في ذريته؛ فقال: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي ..} تفسير : [البقرة: 124]. فجاءه الجواب من الحق سبحانه: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124]. وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بُنوه الأنبياء ليست بنوة لَحْم ودم؛ بل بُنُوة اتباع واقتداء، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال لنوح عن ابنه: {أية : فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} تفسير : [هود: 46]. ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عن سلمان الذي كان فارسياً: "حديث : سلمان منا آل البيت ". تفسير : وفي هذا تأكيد على أن بنُوّة الأنبياء هي بنُوّة اتباعٍ واقتداء. ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام؛ فنجد وَعْي خليل الرحمن بما تفعله عبادة الأصنام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبة: لمّا ذكر تعالى بالدلائل الحسية والسمعية انفراده بالألوهية وأن لا معبود إِلا الله، ذكر هنا أبا الأنبياء "إِبراهيم" عليه السلام حصن التوحيد، ومبالغته في هدم الشرك والأوثان، ثم ذكر موقف الظالمين يوم الدين، وما يعتريهم من الذل والهوان في يوم الحشر الأكبر. اللغَة: {وَٱجْنُبْنِي} أبعدني ونحّني يقال: جَنب وجنَّب وأصله جعل الشيء في جانب آخر {تَشْخَصُ} شخَص البصر: إِذا بقيت العين مفتوحة لا تغمض من هول ما ترى {مُهْطِعِينَ} مسرعين يقال أهطع إِهطاعاً إِذا أسرع قال الشاعر: شعر : بدجلةَ دارهُم ولقد أَراهم بدجلةَ مُهْطعينَ إِلى السَّماع تفسير : {مُقْنِعِي} المقنعُ: الرافع رأسه المقبل ببصره على ما بين يديه {هَوَآءٌ} خالية {مُّقَرَّنِينَ} مشدودين {ٱلأَصْفَادِ} الأغلال والقيود واحدها صفد {سَرَابِيلُهُم} جمع سربال وهو القميص والثوب {تَغْشَىٰ} تجلّل وتغطّي. التفسِير: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} أي اجعل مكة بلد أمنٍ يأمن أهله وساكنوه {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} أي احمني يا رب وجنبني وأولادي عبادة الأصنام، والغرضُ تثبيتُه على ملة التوحيد والإِسلام {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي يا ربّ إِنَّ هذه الأصنام أضلَّت كثيراً من الخلق عن الهداية والإِيمان {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} أي فمن أطاعني وتبعني على التوحيد فإِنه من أهل ديني {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي ومن خالف أمري فإِنك يا رب غفار الذنوب رحيمٌ بالعباد {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} كرّر النداء رغبةً في الإِجابة وإِظهاراً للتذلل والإِلتجاء إلى الله تعالى أي يا ربنا إني أسكنت من أهلي - ولدي إسماعيل وزوجي هاجر - {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} أي بوادٍ ليس فيه زرع في جوار بيتك المحرم، وهو وادي مكة شرفها الله تعالى {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} أي ربنا لكي يعبدوك ويقيموا الصلاة أسكنتهم بهذا الوادي فاجعل قلوبَ الناسِ تحنُّ وتسرع إِليهم شوقاً قال ابن عباس: لو قال: (أفئدة الناس) لازدحمت عليه فارس والروم والناسُ كلهم، ولكنْ قال {مِّنَ ٱلنَّاسِ} فهم المسلمون {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} أي وارزقهم في ذلك الوادي القفر من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نِعمك، وقد استجاب الله دعاءه فجعل مكة حرماً آمناً يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقاً من عند الله {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي يا ربنا إِنك العالم لما في القلوب تعلم ما نسرُّ وما نظهر {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي لا يغيب عليه تعالى شيء في الكائنات، سواء منها ما كان في الأرض أو في السماء، فكيف تخفى عليه وهو خالقها وموجدها؟ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} أي الحمد لله الذي رزقني على كبر سني وشيخوختي إِسماعيل وإِسحاق قال ابن عباس: ولد له إِسماعيل وهو ابن تسعٍ وتسعين، وولد له إِسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي مجيبٌ لدعاء من دعاه {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} هذه هي الدعوة السادسة من دعوات الخليل عليه السلام أي يا رب اجعلني ممن حافظ على الصلاة واجعل من ذريتي من يقيمها أيضاً، وهذه خير دعوةٍ يدعوها المؤمن لأولاده فلا أحبَّ له من أن يكون مقيماً للصلاة هو وذريته لأنهما عماد الدين {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} أي تقبَّلْ واستجبْ دعائي فيما دعوتك به {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} هذه هي الدعوة السابعة وبها ختم إِبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بالاستغفار له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم يقوم الناس لرب العالمين قال المفسرون: استغفر لوالديه قبل أن يتبيَّن له أنَّ أباه عدوٌ لله قال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه .. وينتقل السياق إِلى مشاهد القيامة وما فيها من الأهوال حين تتزلزل القلوب والأقدام {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا تظننَّ يا محمد أنَّ الله ساهٍ عن أفعال الظلمة، فإِن سنة الله إِمهال العصاة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيدٌ للظالم، وتعزيةٌ للمظلوم {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} أي إِنما يؤخرهم ليومٍ رهيب عصيب، تَشْخص فيه الأبصار من الفزع والهَلع، فتظلُّ مفتوحة مبهوتة لا تطرف ولا تتحرك قال أبو السعود: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} أي مسرعين لا يلتفتون إِلى شيء رافعين رءوسهم مع إِدامة النظر قال الحسن: وجوه الناس يومئذٍ إِلى السماء لا ينظر أحدٌ إِلى أحد {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والجزع {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} أي قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} أي خوّف يا محمد الكفار من هول يوم القيامة حين يأتيهم العذاب الشديد {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي فيتوجه الظالمون يومئذٍ إِلى الله بالرجاء يقولون يا ربنا أمهلنا إِلى زمنٍ قريب لنستدرك ما فات {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} أي نجب دعوتك لنا إِلى الإِيمان ونتّبع رسلك فيما جاءونا به {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي يقال لهم توبيخاً وتبكيتاً: ألم تحلفوا أنكم باقون في الدنيا لا تنتقلون إِلى دار أخرى؟ والمراد إِنكارهم للبعث والنشور {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي سكنتم في ديار الظالمين بعد أن أهلكناهم، فهلاَّ اعتبرتم بمساكنهم؟ {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي تبيَّن لكم بالإِخبار والمشاهدة كيف أهلكناهم، وانتقمنا منهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} أي بينا لكم الأمثال في الدنيا فلم تعتبروا {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} أي مكر المشركون بالرسول وبالمؤمنين حين أرادوا قتله {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي وعند الله جزاء هذا المكر فإنه محيط بهم وبمكرهم {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} أي وإِن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إِلى زوال الجبال ولكنَّ الله عصَم ووقى منه {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} أي لا تظننَّ أيها المخاطب أن الله يخلف رسله ما وعدهم به من النصر وأخذ الظالمين المكذبين {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} أي إِنه تعالى غالبٌ لا يعجزه شيء منتقم ممن عصاه {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ} أي ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضاً أخرى، وتتبدل السماوات سماوات أخرى قال ابن مسعود: تُبدَّل الأرضُ بأرضٍ كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، ومثلوا أمام أحكم الحاكمين، لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واقٍ، ليسوا في دورهم ولا في قبورهم، وإِنما هم في أرض المحشر أمام الواحد القهار {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} أي وفي ذلك اليوم الرهيب تبصر المجرمين مشدودين مع شياطينهم بالقيود والأغلال قال الطبري: أي مقرَّنة أيديهم وأرجُلهم إِلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والسلاسل {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار، تُطلى بها الإِبل الجربى فيحرق الجربَ بحرّه وحدته، وهو أسود اللون منتنُ الريح {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} أي تعلوها وتحيط بها النار، جزاء المكر والاستكبار {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي برزوا يوم القيامة لأحكم الحاكمين ليجازيهم الله على أعمالهم، المحسنَ بإِحسانه، والمسيءَ بإِساءته {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي لا يشغله شأن عن شأن، يحاسب جميع الخلق في أعجل ما يكون من الزمان، في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا كما ورد به الأثر {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ} أي هذا القرآن بلاغٌ لجميع الخلق من إِنس وجان، أنزل لتبليغهم بما فيه من فنون العبر والعظات {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي لكي يُنصحوا به ويخوّفوا من عقاب الله {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي ولكي يتحققوا بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة، على أنه تعالى واحد أحدٌ، فردٌ صمد {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، وهم السعداء أهل النهى والصلاح. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- التشبيه البليغ {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه أي قلوبهم كالهواء لفراغها من جميع الأشياء فأصبح التشبيه بليغاً. 2- الإِيجاز بالحذف {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ} حذف منه والسماوات تبدل غير السماوات لدلالة ما سبق. 3- الطباق في {تَبِعَنِي ... عَصَانِي} وفي {نُخْفِي ... نُعْلِنُ} وفي {ٱلأَرْضِ ... ٱلسَّمَآءِ}. 4- جناس الاشتقاق في {مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ}. 5- العدول عن المضارع إِلى الماضي {وَبَرَزُواْ} بدل {ويبرزون} للدلالة على تحقق الوقوع مثل {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] فكأنه حدث ووقع فأخبر عنه بصيغة الماضي. 6- الاستعارة في {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} قال الشريف الرضي: وهذه من محاسن الاستعارة وحقيقةُ الهُوي النزول من علوٍ إِلى انخفاض كالهبوط والمراد تسرع إِليهم شوقاً وتطير إِليهم حباً، ولو قال "تحنُّ إِليهم" لم يكن فيه من الفائدة ما في التعبير بـ {تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} لأن الحنين قد يكون من المقيم بالمكان. لطيفَة: حكمة تعريف البلد هنا {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} وتنكيره في البقرة {أية : ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً}تفسير : [الآية: 126] أنه تكرر الدعاء من الخليل، ففي البقرة كان قبل بنائها فطلب من الله أن تجعل بلداً، وأن تكون آمناً، وهنا كان بعد بنائها فطلب من الله أن تكون آمناً أي بلد أمنٍ واستقرار، وهذا هو السرُّ في التفريق في الآيتين، اللهم ارزقنا فهم أسرار كتابك العظيم.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ قَالَ} جدك {إِبْرَاهِيمُ} حين ناجى مع الله بعدما عمر مكة: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ} التي تأمرني بتعميرها؛ يعني: مكة {ءَامِناً} ذا أمن وأمان من تخريب العدو وتغييرها {وَٱجْنُبْنِي} أي: بعدتي {وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] بتسويلات الأهوية الفاسدة والشياطين المضلة. {رَبِّ إِنَّهُنَّ} أي: الأوثان والأصنام بإظهارك بعض الخوارق عليها {أَضْلَلْنَ} وصرفن {كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} عن جادة توحيدك {فَمَن تَبِعَنِي} بعدما دعوتهم إلى توحيدك {فَإِنَّهُ مِنِّي} وعلى ملتي وديني {وَمَنْ عَصَانِي} ولم يقبل قولي وأصر على ما هو عليه {فَإِنَّكَ} بمقتضى جودك وفضلك {غَفُورٌ} قادر على العفو والمغفرة عن جميع المعاصي {رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] ترحمهم بمقتضى سعة رحمتك وحلمك. {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} إذ هي حجرية لا زرع فيها ولا حرث {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} سمي به؛ إذ حرمت فيه المقاتلة والصيد والتعرض والتهاون مطلقاً حفظاً فيه؛ لذلك لا يزال معظماً مكرماً يهابه الجبابرة، وإنما أسكنتهم عنده؛ ليكنسوا بيتك من الأقذار، ويصفوه من الأكدار {رَبَّنَا} إنما أسكنت ذريتي عند بيتك {لِيُقِيمُواْ} ويديموا {ٱلصَّلاَةَ} المقربة نحو جنابك وفناء بابك {فَٱجْعَلْ} بمقتضى فضلك وجودك {أَفْئِدَةً} أي: وفداً كثيراً وقفلاً {مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ} أي: تميل وتتوجه {إِلَيْهِمْ} أي: بعضاً منها وهو إسماعيل وبنوه {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} من الجوانب {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ} أنواع {ٱلثَّمَرَاتِ} المهداة إليهم من البلاد البعيدة، ياـي بها الزوار والتجار {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] نعمتك ويواظبون على طاعتك وخدمة بيتك عن فراغ القلب. {رَبَّنَآ} يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم {إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي} من حوائجنا {وَمَا نُعْلِنُ} أي: ما لنا علم به؛ إذ أنت أعلم بحوائجنا منا؛ إذ علمك بنا وبجميع مظاهرك حضوري ذاتي، ولا علم لنا بذاتنا كذلك، بل نحن عاجزون عن إدراك أنفسنا كعجزنا عن إدراك ذاتك يا مولانا، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عرف نفسه فقد عرف به"تفسير : {وَ} كيف يخفى عليك حوائجنا؛ إذ {مَا يَخْفَىٰ} ويستر {عَلَى ٱللَّهِ} المحيط بكل الأشياء {مِن شَيْءٍ} لذلك ظاهر {فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [إبراهيم: 38] وكيف خفي عليه شيء؛ إذ هو عالم بها، مظهر لها لا يعرزب عنه شيء منها. {ٱلْحَمْدُ} والمنة {لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي} من يخلفني ويحيي اسمي حين آيست؛ إذ بلغ سني {عَلَى} كمال {ٱلْكِبَرِ} والهرم {إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة واثتني عشر سنة {إِنَّ رَبِّي} الذي رباني بأنواع الكرم وشرفني بخلعة الخلة والحلم {لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [إبراهيم: 39] الذي صدر عن لسان استعدادي ومجيبه بطلب من يخلفني ويقوم مقامي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَ } اذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الحالة الجميلة، إذ قَال: { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ } أي: الحرم { آمِنًا } فاستجاب الله دعاءه شرعا وقدرا، فحرمه الله في الشرع ويسر من أسباب حرمته قدرا ما هو معلوم، حتى إنه لم يرده ظالم بسوء إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم. ولما دعا له بالأمن دعا له ولبنيه بالأمن فقال: { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ } أي: اجعلني وإياهم جانبا بعيدا عن عبادتها والإلمام بها، ثم ذكر الموجب لخوفه عليه وعلى بنيه بكثرة من افتتن وابتلي بعبادتها فقال: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):