Verse. 1787 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

رَبَّنَاۗ اِنِّىْۗ اَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِيْ بِوَادٍ غَيْرِ ذِيْ زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ۝۰ۙ رَبَّنَا لِيُقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ فَاجْعَلْ اَفْىِٕدَۃً مِّنَ النَّاسِ تَہْوِيْۗ اِلَيْہِمْ وَارْزُقْہُمْ مِّنَ الثَّمَرٰتِ لَعَلَّہُمْ يَشْكُرُوْنَ۝۳۷
Rabbana innee askantu min thurriyyatee biwadin ghayri thee zarAAin AAinda baytika almuharrami rabbana liyuqeemoo alssalata faijAAal afidatan mina alnnasi tahwee ilayhim waorzuqhum mina alththamarati laAAallahum yashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربنا إني أسكنت من ذريتي» أي بعضها وهو إسماعيل مع أمه هاجر «بواد غير ذي زرع» هو مكة «عند بيتك المحرم» الذي كان قبل الطوفان «ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة» قلوبا «من الناس تهوي» تميل وتحنُّ «إليهم» قال ابن عباس لو قال أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم «وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» وقد فعل بنقل الطائف إليه.

37

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أموراً سبعة. المطلوب الأول: طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: { أية : رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } تفسير : [البقرة: 126] والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد. والمطلوب الثاني: أن يرزقه الله التوحيد، ويصونه عن الشرك، وهو قوله: { أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } تفسير : [إبراهيم: 35]. والمطلوب الثالث: قوله: {رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } فقوله: {مِن ذُرّيَّتِي } أي بعض ذريتي وهو إسمعيل ومن ولد منه {بِوَادٍ } هو وادي مكة {غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } أي ليس فيه شيء من زرع، كقوله: { أية : قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } تفسير : [الزمر: 28] بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم، وذكروا في تسميته المحرم وجوها: الأول: أن الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه. الثاني: أنه كان لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب. الثالث: سمي محرماً لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه. الرابع: أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه. الخامس: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل. السادس: حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم، فرفع إلى السماء السابعة. السابع: حرم على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها: روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسمـٰعيل عليه السلام، فقالت سارة: كنت أرجو أن يهب الله لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي، وقالت لإبراهيم: أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسمـٰعيل رضيع، ثم رجع فقالت هاجر: إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله. ثم دعا الله تعالى بقوله: {رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ } إلى آخر الآية ثم إنها عطشت وعطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عيناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : رحم الله أم إسمعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً » تفسير : ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسمـٰعيل واشتغل هو مع إسمـٰعيل برفع قواعد البيت. قال القاضي: أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام، وأقول: أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصاً لإسمـٰعيل عليه السلام، لأن ذلك عندنا جائز خلافاً للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام. ثم قال: {رَّبَّنَا لِيُقيمُواْ الصَّلاةَ} واللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوماً من ذريتي، وهم إسمـٰعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة. ثم قال: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: قال الأصمعي هوى يهوي هوياً بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل. وقيل: {تَهْوِي إِلَيْهِمْ } تريدهم، وقيل: تسرع إليهم. وقيل: تنحط إليهم وتنحدر إليهم وتنزل، يقال: هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر وانصب، وهوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل. البحث الثاني: أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا. أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى. وأما الدنيا: فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم، ويكثر طعامهم ولباسهم. البحث الثالث: كلمة {مِنْ } في قوله: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تفيد التبعيض، والمعنى: فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم. قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى المجوس، ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ } فهم المسلمون. ثم قال: {وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ } وفيه بحثان: البحث الأول: أنه لم يقل: وارزقهم الثمرات، بل قال: {وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ } وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم. البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد: عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها. ثم قال: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات. المطلوب الرابع: قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ }. واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها، فقال: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسمـٰعيل، وما نعلن من البكاء، وقيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله أكلكم، قالت آلله أمرك بهذا؟ قال نعم: قالت إذن لا نخشى. ثم قال: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْء فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } وفيه قولان: أحدهما: أنه كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام كقوله: { أية : وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } تفسير : [النحل: 34] والثاني: أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان، ولفظ «من» يفيد الاستغراق كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما. ثم قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } وفيه مباحث: البحث الأول: اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسمعيل وإسحق على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل ولد له إسمعيل لأربع وستين سنة وولد إسحق لتسعين سنة، وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، وإنما ذكر قوله: {عَلَى ٱلْكِبَرِ } لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم. فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسمعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحق فكيف يمكنه أن يقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ }. قلنا قال القاضي: هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء. ويمكن أيضاً أن يقال: إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسمعيل وظهور إسحق وإن كان ظاهر الروايات بخلافه. البحث الثاني: على في قوله: {عَلَى ٱلْكِبَرِ } بمعنى مع كقول الشاعر: شعر : إني على ما ترين من كبري أعلم من حيث يؤكل الكتف تفسير : وهو في موضع الحال ومعناه: وهب لي في حال الكبر. البحث الثالث: في المناسبة بين قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ } وبين قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل قال: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } أي إنك تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } وذلك يدل ظاهراً على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء قال عليه السلام حاكياً عن ربه أنه قال: « حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » تفسير : ثم قال: {إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }. واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح والتصريح قال: {إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء } أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح وقوله: سميع الدعاء. من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه سمع الله لمن حمده. المطلوب الخامس: قوله: {رَبّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلوٰةِ وَمِن ذُرّيَتِى } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله وقوله: {رَبّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلوٰةِ وَمِن ذُرّيَتِى } يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أن الكل من الله. المسألة الثانية: تقدير الآية: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي. أي واجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة «من» في قوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } للتبعيض، وإنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم باعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }. المطلوب السادس: أنه عليه السلام لما دعا الله في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ } وقال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: { أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [مريم: 48]. المطلوب السابع: قوله: {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب فهذا يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه وإن كان قاطعاً بأن الله يغفر له فكيف طلب تحصيل ما كان قاطعاً بحصوله؟ والجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته. المسألة الثانية: إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟ فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعاً فظن كونه حائزاً. الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء. الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام. ولقائل أن يقول: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً ولو لم يكن لبطل قوله تعالى: { أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى: { أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } تفسير : [التوبة: 114]، والله أعلم وفي قوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ } قولان: الأول: يقوم أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها، ونظيره قوله ترجلت الشمس، أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل. الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله: { أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي أهلها، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: روى البخاري عن ابن عباس: أول ما ٱتخذ النِّساء المِنْطَق من قِبل أم إسمعيل؛ ٱتخذت مِنْطَقاً لتُعفِّي أَثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسمعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دَوْحة فوق زمزم في أعلى المسجد؛ وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك؛ ووضع عندهما جِراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيمُ منطلقاً فتبعته أمّ إسمعيل؛ فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت إذا لا يُضيِّعنا؛ ثم رجعت، فٱنطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِية حيث لا يرونه، ٱستقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: «ربِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتيِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» حتى بلغ «يَشْكُرُونَ» وجعلت أمّ إسمعيل تُرضع إسمعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفِد ما في السّقاء عطِشت وعطِش ٱبنها، وجعلت تنظر إليه يَتَلوَّى ـ أو قال يَتَلَبَّط ـ فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصَّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم ٱستقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصَّفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَف دِرْعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادي، ثم أتت الْمَرْوة فقامت عليه، فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات؛ قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فذلك سعي الناس بينهما»تفسير : فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غواث! فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم فبَحَث بعَقِبه ـ أو قال بجناحه ـ حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سِقائها وهو يفور بعد ما تغرف؛ قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عينا مَعِيناً» تفسير : قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها المَلَك: لا تخافي الضَّيْعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضيِّع أهله؛ وذكر الحديث بطوله. مسألة: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرضٍ مَضيعة ٱتكالاً على العزيز الرحيم، واقتداءً بفعل إبراهيم الخليل، كما تقول غُلاَة الصُّوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسمعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطّفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ٱبنه وأمَته هنالك وركب منصرفاً من يومه، فكان ذلك كله بِوحيٍ من الله تعالى، فلما ولّى دعا بضمن هذه الآية. الثانية: لما أراد الله تأسيس الحال، وتمهيد المقام، وخطّ الموضع للبيت المكرم، والبلد المحرم، أرسل المَلَك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء. وفي الصحيح: أن أبا ذرّ رضي الله عنه ٱجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال أبو ذرّ: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمِنت حتى تَكَسَّرت عُكَني، وما أجد على كبدي سَخْفَة جوع؛ وذكر الحديث. وروى الدَّارَقُطْني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ماء زمزم لمِا شُرِب له، إن شربتَه تشتفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربتَه لقطع ظمئك قطعه، وهي هَزْمة جبريل، وسُقْيا الله إسمعيل»تفسير : . وروي أيضاً عن عِكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء. قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحّت نيّته، وسلمت طويته، ولم يكن به مكذِّباً، ولا يشربه مجرِّباً، فإن الله مع المتوكلين، وهو يفضح المجرِّبين. وقال أبو عبد الله محمد بن عليّ الترمذي وحدثني أبي رحمه الله قال: دخلت الطّواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام، وذلك أيام الحج؛ فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فَتَضَلَّعْتُ منه، فذهب عني إلى الصباح. وروي عن عبد الله بن عمرو: إن في زمزم عيناً في الجنة من قِبل الركن. الثالثة: قوله تعالى: {مِن ذُرِّيَّتِي} «مِنْ» في قوله تعالى: «مِنْ ذُرِّيَّتي» للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي؛ يعني إسمعيل وأمه، لأن إسحق كان بالشام. وقيل: هي صلة؛ أي أسكنت ذريتي. الرابعة: قوله تعالى: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} يدلّ على أن البيت كان قديماً على ما روي قبل الطُّوفان، وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة». وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرّم، أي يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع وٱستحلال. وقيل: محرّم على الجبابرة، وأن تنتهك حرمته، ويستخفّ بحقّه؛ قاله قتادة وغيره. وقد مضى القول في هذا في «المائدة». الخامسة: قوله تعالى: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} خَصَّها من جملة الدِّين لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : خمس صلوات كتبهن الله على العباد»تفسير : . الحديث. واللام في «لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ» لام كي؛ هذا هو الظاهر فيها وتكون متعلقة بـ «ـأَسْكَنْتُ» ويصح أن تكون لام أمر، كأنه رغِب إلى الله (أن يأتمنهم و) أن يوفقهم لإقامة الصلاة. السادسة: تَضمَّنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى «رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ» أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه. وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة، وٱحتجوا بحديث عبد الله بن الزّبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة»تفسير : . قال الإمام الحافظ أبو عمر: وأسند هذا الحديث حبيبٌ المعلّم عن عطاء بن أبي رَبَاح عن عبد الله بن الزّبير وجوّده، ولم يخلّط في لفظه ولا في معناه، وكان ثقة. قال ابن أبي خَيْثَمة سمعت يحيـى بن مَعِين يقول: حبيبٌ المعلّم ثقة. وذكر عبد الله بن أحمد قال سمعت أبي يقول: حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثَه! وسئل أبو زُرْعة الرازيّ عن حبيب المعلم فقال: بصري ثقة. قلت: ـ وقد خرج حديث حبيب المعلم هذا عن عطاء بن أبي رَبَاح عن عبد الله بن الزبير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الحافظُ أبو حاتم محمد بن حاتم التميمي البُستيِ في المسند الصحيح له، فالحديث صحيح وهو الحجة عند التنازع والاختلاف. والحمد لله. قال أبو عمر: وقد روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن الزبير؛ رواه موسى الجُهَني عن نافع عن ابن عمر؛ وموسى الجهني (الكوفي) ثقة، أثنى عليه القَطّان وأحمد ويحيـى وجماعتهم، وروى عنه شعبة والثّوريّ ويحيـى بن سعيد. وروى حكيم بن سيف، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه»تفسير : . وحكيم بن سيف هذا شيخ من أهل الرِّقة قد روى عنه أبو زُرْعة الرازيّ، وأخذ عنه ابن وضّاح، وهو عندهم شيخ صدوق لا بأس به. فإن كان حفِظ فَهُما حديثان، وإلا فالقول قول حبيب المعلم. وروى محمد بن وضّاح، حدثنا يوسف بن عديّ عن عمر بن عبيد عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل»تفسير : . قال أبو عمر: وهذا كله نصٌّ في موضع الخلاف قاطع له عند من أُلْهِمَ رشدَه، ولم تَمل به عصبيّته. وذكر ابن حبيب عن مُطَرِّف وعن أَصْبَغ عن ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما في هذا الباب. وقد ٱتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يُبْرَز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها تُصلَّى في المسجد الحرام. وكان عمر وعلي وٱبن مسعود وأبو الدَّرْدَاء وجابر يفضّلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم؛ وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين، وروي مثله عن مالك؛ ذكر ابن وهب في جامعه عن مالك أن آدم عليه السلام لما أُهبط إلى الأرض قال: يا ربّ هذه أحب إليك أن تُعبدَ فيها؟ قال: بل مكة. والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة، وٱختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك؛ فطائفة تقول مكة، وطائفة تقول المدينة. قوله تعالى: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب، وقد يُعبَّر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر:شعر : وإن فؤاداً قادني بصَبَابَةٍ إليكِ على طولِ المَدَى لَصَبُورُ تفسير : وقيل: جمع وَفْد، والأصل أوفدة، فقدّمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي، فكأنه قال: واجعل وفوداً من الناس تَهْوي إليهم؛ أي تَنزع؛ يقال: هوِي نحوه إذا مال، وهوت الناقة تَهوِي هُوِياً فهي هاوية إذا عَدَت عَدْواً شديداً كأنها في هواء بئر، وقوله: {تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} مأخوذ منه. قال ابن عباس ومجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: «مِنَ النَّاسِ» فهم المسلمون؛ فقوله: «تَهْوي إِلَيْهِمْ» أي تحنّ إليهم، وتحنّ إلى زيارة البيت. وقرأ مجاهد «تَهْوَى إِليهِم» أي تهواهم وتجلّهم. {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} فاستجاب الله دعاءه، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب إليهم من الأمصار. وفي صحيح البخاريّ عن ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه: «حديث : فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع تَرِكَته فلم يجد إسمعيل، فسأل ٱمرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة؛ فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عَتَبة بابه، فلما جاء إسمعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحدٰ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاكِ بشيء: قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيّر عَتَبة بابك؛ قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ٱلْحَقِي بأهلك؛ فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على ٱمرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولم يكن لهم يومئذ حبّ ولو كان لهم دعا لهم فيه»تفسير : . قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه؛ وذكر الحديث. وقال ابن عباس: قول إبراهيم {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} سأل أن يجعل الله الناس يهوون السُّكْنى بمكة، فيصير بيتاً محرّماً، وكل ذلك كان والحمد لله. وأول من سكنه جُرْهُم. ففي البخاريّ ـ بعد قوله: وإن الله لا يُضيِّع أهْلَه ـ وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السّيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، وكذلك حتى مرّت بهم رُفقة من جُرْهُم قافلين من طريق كُدَا، فنزلوا بأسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليَدُور على ماء! لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين فإذا هُم بالماء، فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأمّ إسمعيل عند الماء؛ فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : (فألفى) ذلك أمّ إسمعيل وهي تحب الأنس»تفسير : فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، شَبَّ الغلامُ، وماتت أم إسمعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسمعيل يطالع تَرِكَته؛ الحديث.

ابن كثير

تفسير : وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيداً ورغبة إلى الله عز وجل، ولهذا قال: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}. وقوله: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ} قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: {ٱلْمُحَرَّمِ} أي: إنما جعلته محرماً؛ ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال: أفئدة الناس، لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: {مِنَ ٱلنَّاسِ} فاختص به المسلمون. وقوله: {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ} أي: ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع، فاجعل له ثماراً يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك؛ كما قال: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} تفسير : [القصص: 57] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها؛ استجابة لدعاء الخليل عليه السلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى } أي بعضها وهو (إسماعيل) مع أُمّه (هاجر) {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } هو مكة {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } الذي كان قبل الطوفان {رَّبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلٰوةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً } قلوباً {مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى } تميل وتحنّ {إِلَيْهِمُ } قال ابن عباس لو قال (أفئدة الناس) لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم {وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } وقد فعل بنقل الطائف إليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَيْتِكَ} الذي لا يملكه غيرك. {الْمُحَرَّمِ}، لأنه يحرم فيه ما يباح في غيره {أَفْئِدَةً} جمع فؤاد وهو القلب، أو جمع وفود. {تَهْوِى} تحن، أو تهواهم، أو تنزل عليهم. طلب ذلك ليميلوا إلى سكناها فتصير بلداً محرماً "ع"، أو ليحجوا قال "ع": لولا أنه قال: من الناس لحجه اليهود والنصارى وفارس والروم {مِّنَ الثَّمَرَاتِ} أجابه بما في الطائف من الثمار وما يجلب إليهم من الأمصار.

السيوطي

تفسير : أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد، عن أبيه قال: كانت سارة عليها السلام تحت إبراهيم عليه السلام، فمكثت معه دهراً لا ترزق منه ولداً، فلما رأت ذلك وهبت له هاجر، أمة لها قبطية. فولدت له إسماعيل عليه السلام، فغارت من ذلك سارة رضي الله عنها فوجدت في نفسها وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أشراف، فقال لها إبراهيم عليه السلام: هل لك أن تبري يمينك؟ فقالت: كيف أصنع؟ قال: اثقبي أذنيها واخفضيها، والخفض هو الختان. ففعلت ذلك بها، فوضعت هاجر رضي الله عنها في أذنيها قرطين، فازدادت بهما حسناً. فقالت سارة رضي الله عنها: أراني إنما زدتها جمالاً، فلم تقاره على كونه معها وَوَجَدَ بها إبراهيم عليه السلام وجداً شديداً فنقلها إلى مكة، فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} قال: اسكن إسماعيل وأمه مكة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن إبراهيم عليه السلام قال {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لغلبتكم عليه الترك والروم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} قال: لو قال أفئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليه فارس والروم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحكم قال: سألت عكرمة وطاوساً وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية فقالوا: البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه. وفي لفظ قالوا: هواهم إلى مكة أن يحجوا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} قال: تنزع إليهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم الطائفي؛ أن إبراهيم عليه السلام لما دعا للحرم وارزق أهله من الثمرات، نقل الله الطائف من فلسطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه قال: إن الله تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف، لدعوة إبراهيم عليه السلام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة {بواد غير ذي زرع} قال: مكة. لم يكن بها زرع يومئذ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} وأنه بيت طهره الله من السوء وجعله قبلة وجعله حرمه، اختاره نبي الله إبراهيم عليه السلام لولده. وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبته: إن هذا البيت أول من وليه، ناس من (طسم) فعصوا فيه واستخفوا بحقه واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله. ثم وليه من جرهم فعصوا فيه واستخفوا بحقه واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم وليتموه معاشر قريش... فلا تعصوا ولا تستخفوا بحقه ولا تستحلوا حرمته، وصلاة فيه أفضل من مائة صلاة بغيره، والمعاصي فيه على قدر ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} قال: إن إبراهيم سأل الله أن يجعل أناساً من الناس يهوون سكنى مكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} يقول: خذ بقلوب الناس إليهم، فإنه حيث يهوي القلب يذهب الجسد، فلذلك ليس من مؤمن إلا وقلبه معلق بحب الكعبة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن إبراهيم عليه السلام حين دعا قال: اجعل افئدة الناس تهوي إليهم، لازدحمت عليه اليهود والنصارى. ولكنه خص حين قال {أفئدة من الناس} فجعل ذلك أفئدة المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب بسند حسن، عن ابن عباس قال: لو كان إبراهيم عليه السلام قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال {أفئدة من الناس} فخص به المؤمنين. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: "اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم، واجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ".

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [الآية: 37]. قال ابن عطاء: أسكنتهم حضرتك بإخراجى إياهم عن حدود المعلومات والمرسومات. قال آخر: سهلت عليهم طريق الرجوع إليك ليلاً بمجرهم فى الكونين عنك شىء. قال بعضهم: علمتهم بذلك طريق التوكل وترك الاعتماد على الأسباب. قوله عز وجلّ: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} [الآية: 37]. قال جعفر: لأن أفئدتهم تهوى إليك. قال ابن عطاء: من انقطع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى إليه وجوه الخلق وجعل مودته فى صدورهم ومحبته فى قلوبهم وذلك من دعاء الخليل لما قطع بأهله عن الخلق والأرزاق والأسباب، دعا لهم فقال: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ}.

القشيري

تفسير : أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: {إِنَّيۤ أَسْكَنتُ} وإنما رأى الرِّفقَ بهم في الجوارِ لا في المَبَارِّ قال: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} ثم قال: {لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}: أي أسكنتُهم لإقامة حقِّكَ لِطَلَبِ حظوظهم. ويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته. ثم قال: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم قومي - ما بقوا - بكفايتك، {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ}: فإنَّ مَنْ قام بحقِّ الله أقام اللَّهُ بحقّه قَوْمَه، واستجاب اللَّهُ دعاءَه فيهم، وصارت القلوبُ من كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين، وسكان ذلك البيت. ويقال قوله: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37]: أي أسكنتهُم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبُهم، ولا تشتغل بشَيءٍ أفكارهم وأسرارُهم، فهم مطروحون ببَابِكَ، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحُكْمِك؛ إنْ رَاعيتَهُم كَفَيْتَهُم وكانوا أَعَزَّ خَلْقِ الله، وإنْ أقصيتَهم ونفيتهم كانوا أضعفَ وأذلَّ خَلْقِ الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} ان الله سبحانه ابتلى خليله بالبلايا العظام لنزعه عن نفسه وعن جميع الخليقة لئلا يبقى بينه وبين خليله حجاب من الحدثان فامر ان يسكن عياله فى وادى الحرم بلا زاد ولا راحلة ليصفى حال توكله واعتماده على الله وليبلغ الى كمال الخلقة فنادى ربه والهه ودعاه باسم الرب طمعًا فى تربية عياله واهله بلطفه الالهية وايوائهم الى جوار الكرامة قوله تعالى بواد غير ذى زرع لاعتماد كلى على الله حيث ما اعتمد على شئ دونه مما تنبت الارض والبيت المحرم ما يمنع قاصديه عن كل مستانس غير الله وفيه اشارة الى تربية اهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم ونعم التربية ذلك فاعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السهلة المحة الخليلية الحبيبية الاحمدية المحمدية المصطفين به صلوات الله عليهما ان العارف الصادق ينبغى له ان لا يكون بقوله على الاملاك والاسباب فى حياته وبعد وفاته لتربية عياله فانه تعالى حسبه وزاد فى تربيتهم بان يؤدّبهم باقامة الصلاة اظهارا للعبودية واخلاصا فى المعرفة وطلبا للمشاهدة ومناجاتا فى القربة بقوله {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} ثم سأل ان يجعلهم مرائى تجلى جلاله وجماله ويجعلهم ائمة الصديقين والعاشقين بقوله {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} تميل بوصف الارادة والمحبة لك والاقتداء بهم فى اقامة سنتك والبسهم لباس انوارك والق فى قلوب خلقك محبتهم لمحبتك {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} من ثمرات الطاعات المقامات الرفيعة والدرجات الشريفة وايضا من ثمرات اشجار صفاتك وثمرات حقائق ذاتك فى شهودك عليهم بوصف الكشوف والتجلى والتدلى وايضا ارزقهم الاولاد الانبياء والاولياء والصديقين وفيه اشارة دعوته لسيد المرسلين صلوات الله عليه وسلم بقوله ربنا وابعث فيهم رسولا ولذلك قال عليه السلام انا من دعوة ابراهيم واى الثمرات اشهى من اصفى الاصفياء واتقى الاتقياء وافضل الاولياء وسيد الرسل والانبياء {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} الاشارة فيه ان نعمته ومنته تهيج شكر الشاكرين ما دام معها حسن رضاه وتائيده لاهل مناه قال ابن عطا اسكنتهم واديا لا تعلق لى ولا علاقة لهم بسواك وقال بعضهم اسكنتهم حضرتك باخراجى اياهم عن حدود المعاملات والمرسومات وقال بعضهم سجلت عليهم طريق الرجوع اليك لئلا تحجزهم فى الكونين عنك شئ وقال بعضهم علمتهم بذلك طريق التوكل وترك الاعتماد على الاسباب وقال جعفر اجعل افئدة من الناس تهوى اليهم لان افئدتهم تهوى اليك وقال ابن عطا من انقطع عن الخلق بالكلية صرف الله اليه وجوه الخلق وجعل مودته فى صدورهم ومحبته فى قلوبهم وذلك دعاء الخليل لما قطع باهله عن الخلق والارفاق والاسباب عالهم قال فاجعل افئدة من الناس تهوى اليهم قال بعضهم فى قوله وارزقهم من الثمرات ازل عن قلوبهم منازلتك واهدهم الى موافقتك وقال الواسطى سأل ثمرات القلوب وهى الحكمة وتبين الحكمة روية المنة والعجز عن الشكر على النعمة لذلك قال لعلهم يشكرون اى يعلمون انه لا === لاحد ان يقوم بشكره وثمرة الحكمة تزيل الامراض عن القلوب كما ان ثمرة الاشجار تزيل امراض النفوس ثم بين سبحانه وصف مراقبة الخليل احاطة علم قدمه فكل ذرة من العرش الى الثرى وان الغيب والعلانية عنده سواء بقوله { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} اى ما نخفى من التضرع فى عبوديتك وما نعلن من ظاهر طاعتك فى شريعتك وايضا ما نخفى من اسرار معرفتك وما نظهر من عبادتك وايضا ما نخفى من سر علم المجهور وما نعلن صورة علم المعروف وايضا ما نخفى من حقائق الشوق اليك فى قلوبنا وما نعلن من غلبة مواجيدنا من العبرات والزفرات وايضا ما نخفى فى اسرارنا من علوم الغيب وغيب الغيب وسر السر وما نعلن من خير الالهام والوسواس والهواجش وايضا ما نخفى فى انفسنا من منازعة القدر بوصف خاطر النكرة فى امر المشية فى صورة ما نكره من انفسنا من الشكوى والتغير فى الغضب وما نعلن بجلادتنا من صورة الصبر بوصف التصبر والتشكر قال الخواص انك تعلم ما نخفى من حبك وما نعلن من شكرك وقال ابن عطا ما نخفى من الاحوال وما نعلن من الاداب قال الحسين ما نخفى من المحبة وما نعلن من الوجد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا} [اى بروردكارما] والجمع لان الآية متعلقة بذريته فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم ادخل فى القبول {انى اسكنت من ذريتى} اى بعض ذريتى وهم اسماعيل ومن ولد منه فان اسكانه متضمن لاسكانهم {بواد غير ذى زرع} هو وادى مكة فانها حجرية لا تنبت اى لا يكون فيها شيء من زرع قط كقوله تعالى {أية : قرآنا عربيا غير ذى عوج} تفسير : بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج وما فيه الا الاستقامة لا غير. وفى تفسير الشيخ لانهاواد بين جبلين لم يكن بها ماء ولا حرث. وفى بحر العلوم واما فى زماننا فقد رزق الله اهله ماء جاريا {عند بيتك المحرم} ظرف لاسكنت كقولك صليت بمكة عند الركن وهو الكعبة والاضافة للتشريف وسمى محرما لانه عظيم الحرمة حرم الله التعرض له بسوء يوم خلق السموات والارض وحرم فيه القتال والاصطياد وان يدخل فيه احد بغير احرام ومنع عنه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمى عتيقا لانه اعتق منه. وفى التأويلات النجمية عند بيتك المحرم وهو القلب المحرم ان يكون بيتا لغير الله كما قال "حديث : لا يسعنى ارضى ولا سمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن" شعر : آنكه ترا كوهر كنجينه ساخت كعبه جان حرم سينه ساخت تفسير : {ربنا} كرر النداء لاظهار كمال العناية بما بعده {ليقيموا الصلوة} اللام لام كى متعلقة باسكنت اى ما اسكنتكم بهذا الوادى اليلقع الخالى من كل مرتفق ومرتزق الا لاقامة الصلاة عند بيتك المحرم لدلالة قوله {بواد غير ذى زرع} على انه لا غرض له دنيوى فى اسكانهم عند البيت المحرم وتخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها ولان بيت الله لا يسعه الا الصلاة وما فى معناها وهى الاصل فى اصلاح النفس وكان قريش يمتنعون عن ذلك لزيادة كبرهم {فاجعل افئدة من الناس} جمع فؤاد وهى القلوب ومن للتبعيض {تهوى اليهم} تسرع اليهم شوقا وتطير نحوهم محبة يقال هوى يهوى من باب ضرب هويا وهويا سقط من علو الى سفل سرعة. وايضا صعد وارتفع كما فى كتب اللغة واما ما يكون من باب علم فهو بمعنى احب يقال هويه هوى فهو هو احبه وتعديته بالى لتضمنه معنى الشوق والنزوع. والمعنى بالفارسية [بس نكردان دلهاى بعضى از مردمان راكه بكشش محبت بشتابند بسوى ايشان] اى اسماعيل وذريته وهم المؤمنون ولو قال افئدة الناس بدون من التبعضية لازدحمت عليهم فارس والروم والترك والهند شعر : آنراكه جنان جمال باشد كردل ببرد حلال باشد وآنكس كه برانجنان جمالى عاشق نشود وبال باشد تفسير : قال المولى الجامى قدس سره شعر : روبحرم نه كه بران خوش حريم هست سيه بوش نكارى مقيم قبله خوبان عرب روى او سجدة شوخان عجم سوى او تفسير : {وارزقهم} اى ذريتى الذين اسكنتهم هناك او مع من ينحاز اليهم من الناس وانما لم يخص الدعاء بالمؤمنين كما فى قوله {أية : وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} تفسير : اكتفاء بذكر اقامة الصلاة {من الثمرات} من انواعها بان يجعل بقرب منه قرى يحصل فيها ذلك او يجبى اليه من الاقطار البعيدة وقد حصل كلاهما حتى انه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد -روى- عن ابن عباس ان الطائف وهى على ثلاث مراحل من مكة كانت من ارض فلسطين فلما دعا ابراهيم بهذه الدعوة رفعها الله ووضعها رزقا للحرم {لعلهم يشكرون} تلك النعمة باقامة الصلاة واداء سائر مراسم العبودية. يقول الفقير اختلف العلماء فى ان هذا الدعاء بعد بناء البيت او قبله اول ما قدم مكة ويؤيد الاول قوله {أية : رب اجعل هذا البلد} تفسير : فان الظاهر ان الاشارة حسية وقوله {عند بيتك المحرم} وقوله {أية : الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل واسحق} تفسير : فان اسحاق لم يكن موجودا قبل البناء. وقال بعضهم الاشارة فى هذا البلد الى الموجود فى الذهن قبل تحقق البلدية فان الله لما ابان موضعه صحت اشارته اليه والمسئول توجيه القلوب الى الذرية للمساكنة معهم لا توجيها الى البيت للحج فقط والا لقيل تهوى اليه وهو عين الدعاء بالبلدية. يقول الفقير فيه نظر لانه لم لا يجوز ان يكون المعنى على حذف المضاف اى تهوى الى موضعهم الشريف للحج وقد اشار اليه فى التيسير حيث قال عند قوله {تهوى اليهم} حبب هذا البيت لى عبادك ليأتوه فيحجوه. قال فى الارشاد تسميته اذ ذاك بيتا ولم يكن له بناء وانما كان نشزا اى مكانا مرتفعا تأتيه السيول فتأخذ ذات اليمين وذات الشمال باعتبار ما كان من قبل فان تعدد بناء الكعبة المعظمة مما لا ريب فيه وانما الاختلاف فى كمية عدده كما قال الكاشفى عند قوله {بيتك المحرم} [مراد موضع خانه ضراح است كه درزمان آدم بوده واكر نه بوقت دعاء ابراهيم خانه نبوده] والضراح كغراب البيت المعمور فى السماء الرابعة كما فى القاموس. ويؤيد هذا ما روى ان ابراهيم عليه السلام كان يسكن فى ارض الشام وكانت لزوجته سارة جارية اسمها هاجر فوهبتها من ابراهيم فلما ولدت له اسماعيل غارت سارة وحلفته ان يخرجهما من ارض الشام الى موضع ليس فيه ماء ولا عمارة فتأمل ابراهيم فى ذلك كما قال الكاشفى [خليل متأمل شد وجبرائيل وحى آورده كه هرجه ساره ميكويد جنان كن بس ابراهيم ببراقى نشسته وهاجر واسماعيل را سوار كرده باندك زمانى ازشام حرم آمد] فلما اخرجهما الى ارض مكة جاء بها وبابنها وهى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى اعلى المسجد ولم يكن بمكة يومئذ احد وليس بها ماء ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم عاد متوجها الى الشام فتبعته ام اسماعيل وجعلت تقول له الى من تكلنا فى هذا البلقع وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله امرك بهذا بان تسكننى وولدى فى هذا البلقع فقال ابراهيم نعم قالت اذا لا يضيعنا فرضيت ورجعت الى ابنها ومضى ابراهيم حتى اذا استوى على ثنية كداء وهو كسماء جبل باعلى مكة اقبل على الوادى اى استقبل بوجهه نحو البيت ورفع يديه فقال {ربنا انى اسكنت} الآية وجعلت ام اسماعيل ترضعه وتأكل التمر وتشرب الماء فنفد التمر والماء فعطشت هى وابنها فجعل يتلبط فذهبت عنه لئلا تراه على تلك الحالة فصعدت الصفا تنظر لترى احدا فلم تر ثم نزلت اسفل الوادى ورفعت طرف درعها ثم سعت سعى الانسان المجهود حتى اتت المروة وقامت عليها ونظرت لترى احد فلم تر فعلت ذلك سبع مرات فلذلك سعى الناس بينهما بعد الطواف سبع مرات فلما اشرفت على المروة سمعت صوتا فاذا هى بالملك عند موضع زمزم فبحث اى حفر بجناحه حتى ظهر الماء. قال الكاشفى [جشمه زمزم بركف جبريل يا باثر قدم اسماعيل بديد آمد] فجعلت تحوضه بيدها وتغرف من الماء لسقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال صلى الله عليه وسلم "حديث : رحم الله ام اسماعيل لو تركت زمزم" او قال "لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا" تفسير : اى جارية ظاهرة على وجه الارض فشربت وارضعت ولدها فقال الملك لا تخافوا الضيعة فان ههنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وابوه وان الله لا يضيع اهله كما فى تفسير الشيخ. قال فى الارشاد واول آثار هذه الدعوة ما روى انه مرت رفقة من جرهم تريد الشام وهم قبيلة من اليمن فرأوا الطير تحوم على الجبل فقالوا لا طير الا على الماء فقصدوا اسماعيل وهاجر فرأوهما وعندهما عين ماء فقالوا اشركينا فى مائك نشركك فى الباننا ففعلت وكانوا معها الى ان شب اسماعيل وماتت هاجر فتزوج اسماعيل منهم كما هو المشهور. قال الكاشفى [قبيله جرهم آنجا داعيه اقامت نمودند وروز بروز شوق مردم بران جانب درتزايدست. وفى التأويلات النجمية قوله {انى اسكنت} الآية يشير الى محمد صلى الله عليه وسلم فانه كان من ذريته وكان فى صلب اسماعيل فتوسل بمحمد صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى فى اعانة هاجر واسماعيل يعنى ان ضيعت اسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمدا واهلكته شعر : بيشترا از آمدن زربكان سكه توبود بعالم عيان

الطوسي

تفسير : هذا حكاية ما دعا به ابراهيم (ع)، فإِنه قال يارب {إني أسكنت من ذريتي} اي جعلت مأواهم ومقرهم الذي يقرون فيه ويسكنون اليه. والسكنى اتخاذ مأوى لصاحبه يسكن اليه في ليله، ومتى يشاء من اوقاته، اسكن البلدة والدار اذا جعله مأوى له، (والذرية) جماعة الولد على تنسئته من حين يظهر الى ان يكبر، والمراد بالذرية ها هنا: اسماعيل وامه هاجر حين اسكنه وادي مكة، وهو الابطح، ولم يذكر مفعول اسكنت، لان (من) تفيد بعض القوم، كما يقال: قتلنا من بني فلان، واكلنا من الطعام، وشربنا من الماء، قال تعالى {أية : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله}تفسير : فموضع (من) نصب والوادي سفح الجبل العظيم ومن ذلك قيل للانهار العظام اودية، لان حافاتها كالجبال لها، ومنه الدّية، لانها مال عظيم يتحمل في امر عظيم من قتل النفس المحرمة. {غير ذي زرع} أي لا زرع في هذا الوادي أي لا نبات فيه، والزرع كل نبات ينغرس من غير ساق، وجمعه زروع {عند بيتك المحرم} معناه حرم فيه ما أحل في غيره من البيوت، من الجماع، والملابسة بشيء من الدم، والنجاسة، وانما أضاف البيت الى الله، لأنه مالكه من غير ان يملكه احد سواه، لأن ما عداه قد ملك غيره من العباد. وسماه بيتاً قبل ان يبنيه ابراهيم لأمرين: احدهما - انه لما كان المعلوم انه يبنيه فسماه ما يكون بيتاً. والثاني - قيل أنه كان البيت قبل ذلك، وانما خربته طسم واندوس. وقيل انه رفع عند الطوفان الى السماء. وقوله {ربنا ليقيموا الصلاة} اي اسكنتهم هذا الوادي ليدوموا على الصلاة ويقيموها بشرائطها. {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} سؤال من ابراهيم (ع) ان يجعل الله تعالى قلوب الخلق تحن الى ذلك الموضع، ليكون في ذلك انس ذريته بمن يرد من الوفود ويدرّ ارزاقهم على مرور الاوقات. {وارزقهم من الثمرات} مسألة منه ان يرزق ذريته من انواع الثمار لكي يشكروه على نعمه وفنون احسانه. {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} اعتراف من ابراهيم لله تعالى بانه "عز وجل" يعلم ما يخفي الخلق وما يظهرونه، وانه لا يخفى عليه شيء من ذلك مما يكون في الارض، ومما يكون في السماء مع عظمها وبعد ما بينهما، لانه عالم لنفسه بجميع المعلومات. وقال قوم: ان قوله {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} اخبار منه تعالى بذلك دون الحكاية.

الجنابذي

تفسير : {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} بعض ذرّيّتى وهو اسماعيل وقد ورد فى اخبارنا: نحن بقيّة تلك الذرّيّة ونحن هم، ونحن بقيّة تلك العترة وكانت دعوة ابراهيم (ع) لنا خاصّةً {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} وادى مكّة {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} الّذى حرّم التّهاون به والتّعرّض بمن كان فى نواحيه وما كان فيها {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} لمّا كان المقيم فى بلد الصّدر المنشرح بالاسلام والطائف حول بيت القلب مقيماً للصّلاة متوجّهاً الى الله وكان بلد مكّة وبيت الكعبة مظهرين لهما كان من كان مقيماً فيهما وكان فيه لطيفة آلهيّة يتوجّه الى الله توجّهاً اقوى واتمّ، ولذلك جعل الغاية اقامة الصّلاة {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} اى من بعضهم، وفى اخبارنا انّه لم يعن النّاس كلّهم اولئك انتم ونظراؤكم؛ بالخطاب لشيعتهم، وورد انّه: ينبغى للنّاس ان يحجّوا هذا البيت ويعظّموه لتعظيم الله ايّاه وان يلقونا حيث كنّا، نحن الادلاّء على الله {تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} قرئ بكسر الواو وفتحها من هوى اذا سقط، وهوى اذا احبّ، وعلى اىّ تقدير فهو يدلّ على كمال المحبّة والاشتياق، وورد فى اخبارنا: انّ دعوة ابراهيم (ع) كانت فى حقّنا حيث لم يقل تهوى اليه حتّى يرجع الى البيت بل قال اليهم حال كون الضّمير راجعاً الى الّذرّيّة، وفى هذه الدّعوة طلب للتّوسعة على الذّرّيّة وطلب للنّجاة والفلاح للخلق {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} ثمرات الاشجار الطّبيعيّة وثمرات الاشجار الرّوحيّة وهى الوداد والانقياد والذّوق والمعرفة والوصال والاتّحاد وغير ذلك ممّا يظهر فى المعاد {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وبعد اتمام ما اراد من الدّعاء انتقل من مقام التّضرّع الى مقام الثّناء مثنيّاً بما يعين على اجابة دعوته فقال {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}.

فرات الكوفي

تفسير : {ربنا إِني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إِليهم37} فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: [قال: كنا في الفسطاط عند] أبي جعفر عليه السلام [و. ب] في الفسطاط نحواً من خمسين رجلاً قال: فجلس بعد سكون منا طويل فقال: ما لكم لا تنطقون؟! لعلكم ترون إِني نبيّ! لا والله ما أنا كذلك ولكن بي قرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريبة وولادة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن وصلنا وصله الله و من أكرمنا أكرمه الله ومن قطعنا قطعه الله، أتدرون أي البقاع عند الله أفضل منزلة؟ فلم يتكلّم أحدٌ فكان هو الراد على نفسه فقال: تلك مكة الحرام التي وضعها الله لنفسه حرماً و جعل بيته فيها، ثم قال: أتدرون أي بقعة في مكة أعظم عند الله حرمة؟ فلم يتكلم أحد فكان هو الراد على نفسه فقال: ذلك المسجد الحرام، ثم قال: أتدرون أي بقعة في المسجد [الحرام. أ، ب. أفضل و. خ] أعظم حرمة عند الله؟ فلم يتكلم أحد فكان هو الراد على نفسه فقال: ذلك بين الركن الأسود إِلى باب الكعبة ذلك حطيم إِسماعيل [النبي عليه الصلاة والسلام. ر] نفسه الذي كان يكون [ع: يذود] فيه غنيمه [ب: غنيماته.ع: غنمه] ويصلى فيه فوالله لو أن عبداً صف قدميه في ذلك المكان قائماً بالليل مصلياً حتى يجيئه [ب: يجيء. النهار وقائماً النهار. ب، ر. مصلياً. ر. حتى يجيئه. ب، ر] الليل ولم يعرف حقنا وحرمتنا أهل البيت لم يقبل الله منه شيئاً أبداً. ألا إِن أبانا إِبراهيم خليل الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مما [ر: ممن] اشترط على ربه [أن.ع] قال: {واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} أما إنه لم يعن الناس كلهم، فأنتم أولياؤه ونظراؤكم، وإِنّما مثلكم في الناس مثل الشعرة السوداء في الثور الأبيض ومثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود، [و. أ] ينبغي للناس أن يحجوا هذا البيت ويعظموه لتعظيم الله إياه وأن تلقونا حيثما كنا، نحن الأدلاء على الله [تعالى. ر]. فرات قال: حدّثني أحمد بن القاسم معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله يحكي قول [إِبراهيم. ر، ب] خليل الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر]: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم [ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إِليهم} قال أبو جعفر عليه السلام: والله ما قال [تهوي] إليه - يعني البيت - ما قال إِلا إِليهم، أفترون أن [الله. ب، ر] فرض عليكم إِتيان هذه الأحجار والتمسح [بها. ب، ر] ولم يفرض عليكم إِتياننا وسؤالنا وحبنا أهل البيت؟! والله ما فرض عليكم غيره. فرات قال: حدّثنا محمد بن القاسم معنعناً: عن ابن عباس [رضي الله عنه. ب، ر] في قول الله [تعالى. ر]: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إِليهم} قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث : هي [ب: تحن] قلوب شيعتنا إِلى محبتنا تفسير : [ب: محبينا].

الأعقم

تفسير : {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد} بوادي مكة {غير ذي زرع} لأنه لم يكن فيها يومئذ لا زرع ولا ضرع {عند بيتك} إضافة اليه لأنه مالكه ولا يملكه أحد سواه، وقوله: {المحرم} لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً بمكانه أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه {فاجعل أفئدة من الناس} من للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم عليه فارس والروم {تهوي اليهم} تسرع اليهم، وقيل: تهوي إلى الحج والعمرة مع سكانهم وادياً ما فيه منها باب يجلب اليهم من البلاد {لعلهم يشكرون} النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات، فأجاب الله دعوته فجعله حرماً آمناً تجبى اليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه {ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء} الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق} يعني فأنا كبير، وروي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق وهو ابن مائة واثني عشر سنة، وقد روي أنه ولد له إسماعيل وهو لأربع وستين، وإسحاق لتسعين، وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإِبراهيم إلاَّ بعد مائة وسبع عشرة سنة. {إن ربي لسميع الدعاء} قابله ومجيبه عن ابن عباس كقوله سمع الله لمن حمده، {ربّنا وتقبّل دعاء} أي أجب، وقيل: تقبل عملي وعبادتي {ربنا اغفر لي ولوالدي} قيل: أراد أبويه وأمه كان وعده أن يسلم فلما مات على الكفر تبرأ منه، وقيل: أراد آدم وحوى، وقرئ في الشواذ ولدي يعني اسماعيل وإسحاق، وروي أن اسماعيل ولد ولإبراهيم بضع وثمانين سنة، وولد إسحاق وله مائة وفرض الختان يوم ولد إسحاق، واختتن ابراهيم وإسماعيل وإسحاق، وكان لسارة يوم ولد إسحاق ثلاث وتسعين سنة، ولما ولدت هاجر اسماعيل وكانت أمه لسارة وهبتها من إبراهيم فنقلها إلى مكة ولا زرع ولا ضرع ولا أحد وأراد أن يرجع قالت: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قلت: نعم حسبنا الله، ثم دعا بما حكى الله عنه {ربنا إني أسكنت من ذريتي}، وقيل: قالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: فإذاً لا يضيعنا، قال: فلما عطشت وقلّ لبنها وعطش الصبي انتهت به إلى موضع رمل فضرب بقدمه ففارت عيناً، وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : رحم الله أم إسماعيل، لولا أنها عجلت لكان زمزم عيناً" تفسير : ثم نزل بها جرهم، وأما ما ذكر أنه نقلهما إلى ذلك المكان بأمر امرأته فلو كان كذلك لنقلهما إلى بعض أطراف الشام ولأن عظيم منزلته لا يجوز أن يضعهما بأرض مضيعة، وقد روي أنه قال: الله تعالى أمرني بهذا، روي الخبر في الحاكم، قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} يعني لا تظن أن الله ساهياً عما يعمل الظالمون وهذا تهديدٌ لهم {إنما يؤخرهم ليوم} يعني يؤخر عقوبتهم إلى يوم هذه صفته إلى يوم القيامة، وقيل: يوم الحشر من القبور {تشخص فيه الأبصار} وشخوص البصر لا يصرفون أبصارهم يميناً وشمالاً وعينهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك الأجفان {مهطعين} مسرعين {مقنعي رؤوسهم لا يرتد اليهم طرفهم} لا يرجع اليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم {وأفئدتهم هواء} يعني قلوبهم خالية من كل شيء فزعاً وخرماً، وقيل: نزعت أفئدتهم.

اطفيش

تفسير : {رَّبَّنَا إِنِّى} وسكن الباء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو، {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى} أى أسكنت شيئا ثابتاً من ذريتى وهو إِسماعيل أو ذرية ثابتة من ذريتى وهى إسماعيل ومن ولد منه فإِن إِسكان إِسماعيل متضمن لإِسكان من ولد منه والمفعول محذوف كما رأيت ومن قال باسمية من التبعيضية وإِضافتها لما بعدها جهلها المفعول، {بِوَادٍ} أى فى واد، {غَيْرِ ذِى زَرْعٍ} وهو وادى مكة فإن أرضها حجرية قليلة النبت ولا شىء فيها من الزرع يومئذ {عِندَ} متعلق بمحذوف نعت ثان لواد أو حال منه أو هو بدل من مجموع الجر والمجرور لا من المجرور وحده، ولذلك لم يخفض مع أن عند لا يجر بغير من، فلو جعل بدلا من المجرور وحده وهو واد وجر لزم أنه مجرور بالياء. {بَيْتِكَ الْمُحَرِّمِ} أى الذى منع عنده ما لم يمنع عند غيره ومنع المحرم إِليه نفسه من أشياء ومنع من أن يتعرض له أحد بسوء وأن يتهاون به وأن تستصغره الجبابرة، أو منع من الطوفان فإِنهُ لم يستول عليه ولذلك سمى عتيقاً أى عتيقاً أى أعتق من الطوفان والجبابرة، وكل من التحريم المقابل للتحليل ومن التحريم بمعنى إِثبات الحرمة بمعنى العظمة تصرف فى الاستعمال عن الأَصل الواحد وهو المنع، ألا ترى أنما لم يكن جلالا ممنوع من فعله وإن المعظم المحترم من ممنوع من التهاون به، وهذا الكلام من سيدنا إبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد بناء الكعبة، لقوله عند بيتك المحرم، ويجوز أن يكون قبله باعتبار ما كان عليه قبل الطوفان فإنه كان مبنياً ولما جاء الطوفان رفع سالماً أو باعتبار ما يكون بعد من بناء إِبراهيم له بأَن علم بالوحى أنه سيبنيه وأنه سبق فى علم الله أنه سيحدث فى موضعه، {رَبَّنَا} كرر النداء كما تقول يا ربى يا ربى اغفر لى، فهو تكرير للنداء قبله وإنما كرره وفصل به بين قوله أسكنت وقوله {لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ} بلام التعليل المتعلقة بأسكنت للإِشعار بأَن المقصود بالذات من إِسكانهم هنالك إنما هو إِقامة الصلاة عند بيت الله المحرم، كأَنه قيل ما أسكنتهم بهذا الوادى الخالى من الزرع والضرع والإِنس إِلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم، ويجوز أن يكون النداء غير مكرر بل داخل على محذوف، أى يا ربنا أسكنتهم ثم ليقيموا الصلاة والمراد من الدعاء توفيقهم لإِقامة الصلاة، وقيل اللام لام الأَمر والمراد الدعاء لهم بإِقامتها كأَنه طلب منهم أن يقيموها ومن الله عز وجل أن يوفقهم إِليها فالنداء أيضاً تكرار ومستأنف لما بعده، كأَنه قال ربنا اجعلهم مقيمين الصلاة {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً} قلوباً، وقال ابن الأَنبارى: الفؤاد غير القلب ولكن عبر به عن القلب لقربه منه، قيل سمى فؤاد لأَنه يفتئد، أى يتقد عند الغضب أو الشدة والمفتاد المستوقد حيث يشوى اللحم {مِّنَ النَّاسِ} من للتبعيض متعلقة بمحذوف نعت لأفئدة ويقدر مضاف أى أفئدة ثابتة من أفئدة الناس والمراد جعل أفئدة المؤمنين وهى بعض أفئدة الناس. قال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم على حج الكعبة فارس والروح والترك والهند والنصارى واليهود والمجوس والناس كلهم ويجوز أن تكون من للابتداء أى أفئدة ناشئة من الناس وتنكيرها لأَن المراد أَفئدة مخصوصة وهى أفئدة المؤمنين. وقرأ هشام فى رواية أبى الفتح أفيدة من الناس بياء بعد الهمزة وبه أخذ الحلوانى ونص عليه وقرأ هشام فى غير تلك الرواية كالجمهور وهى ياء إِشباع وقرأ أفيدة بهمزة فألف ففاء مكسورة بدال بوزن ناصرة إِما على أنه مقلوب أفيدة بأَن قدمت الهمزة على الفاء بعد نقل كسرتها إِلى الفاء فقلبت الفاء أو قدمت متحركة فقلبت الفاء بعد حرف كسرتها فكسرت الفاء لئلا يلتقى ساكنان كما يقلب أدور بواو أو همزة جمع دار إِلى أدر بهمزة فألف بدل من الواو أو الهمزة التى كانت بعد الدال بعد نقل ضمها إِلى الدال، وإِما على أنه اسم فاعل أفيدة الرحلة إِذا عجلت أى فاجعل جماعة أفئدة أى عاجلة إِليهم بالرحلة من الناس والمراد جنس مخصوص من الجماعات وهو جماعات المؤمنين، وقرأ فدة بحذف الهمزة بعد نقل حركتها للفاء قبلها للتخفيف، والوجه إِثباتها بين بين، ويجوز على هذه القراءة أن يكون من أفد بمعنى عجل على أنه صفة مشبهة أو صفة مبالغة فلا حذف ولا نقل، {تَهْوِى إِلَيْهِمْ} تسرع أو تنحط وتنحدر وقرأ بالبناء للمفعول من أهوى فلان فلاناً إلى كذا بمعنى أسرعه إِليه أو حطه إليه والمراد نحن إليهم شوقاً ووداً دالاً لذاتهم بل لحج البيت ولا مانع أن يكون دعا لهم أن يحبهم المؤمنون لذاتهم، وقرأ تهوى بفتح الواو وبمعنى تحب وعليه فإنما عدى مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى تميل، وقال ابن مالك: يجوز أن يكون الأَصل تهوى بالكسر قلبت الكسرة فتحة والياء ألفاً فيكون معناه مامن فى قراءة الجمهور كما يقال فى رضى رضى، وفى ناصية ناصاه. قال ابن هشام وفيه نظر لأَن شرط هذه اللغة تحرك الياء فى الأَصل، وأجاب بعضهم بأَن الياء متحركة بالضم وإِنما سكنت استثقالا، ورده الشمنى بأَن الإِعراب عارض، وشرط التحريك هنا الأَصالة كما فى الخلاصة، قلت: التحقيق أن الإِعراب بالرفع لازم للمضارع أول وجوده مجرداً عن ناصب وجازم لا عارض، وقال الفراء إن إِلى زائدة فى المفعول به والأَصل تهواهم أى تحبهم {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ} شيئا ثابتاً من الثمرات كما ترزق من سكن وادياً ذا زرع منبتاً. وقد أجاب الله دعاءهُ فعمر قرى بقرب مكة ذوات زرع ونبات يجلب منها ومن غيرها إِلى مكة وتجبى إِليها ثمرات كل شىء حتى أنه لتوجد فيها الفواكه الصيفية والخريفية والشتوية بيوم واحد قيل فعل الله ذلك بنقل الطائف إليه من فلسطين، ونسب هذا لابن عباس رضى الله عنهما، جمع لهم أمر الدنيا والآخرة فى دعائه. {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} النعم بتوحيدك وطاعتك وتعظيمك وإِنما النعم مخلوقة لذلك.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنا إِنّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِى} قال هنا ربنا ولم يقل رب؛ لأَن المدعو له هنا أكثر وكذا المدعو به هنا التوحيد وإِقامة الصلاة والرزق، لأَنه إِنما يقيم الصلاة الموحد لا المشرك، والمدعو له هناك خصوص بينه وبنى بنيه الحاضرين أو المؤمنين، والمدعو به هناك مجانبة الأصنام، ويقدر مفعول أَى أَسكنت ذرية من ذريتى أو بعضاً من ذريتى مع سريتى هاجر، وذلك البعض إسماعيل وذريته، لا أَولاد إسحاق وأَولاد مدين ولا إسحاق ومدين، فإِن محلهما الشام ومدين وإِسكان إسماعيل إسكان لذريته بعد لأنهم فى ضمن إسماعيل وفى صلبه ولو حدثوا بعد، ويمكن أن يكون هذا الدعاءُ بعد وجود بعض أولاد إسماعيل وهو قيدار ولم يلد إلا إياه فصح التعبير بالماضى، لم يدع إبراهيم بالتنجية من نار نمروذ حين رآهم مشتغلين بها ولا حين ألقى إليها، وسأله جبريل: هل لك حاجة أو قال له: ادع الله فقال: قد علم حالى مع شدة، ودعا للإسلام لقوة رغبته فى الدين، فما زال مترقيا فى أطوار الكمال {بِوَادٍ} فى واد {غَيْرِ ذِى زَرْعِ} هو وادى مكة لأنه لا ينبت لكثرة حجارة أَرضه {عِنْدَ بَيْتِك الْمُحَرَّمِ} المعظم الممنوع من الخراب الذى لا تحل إهانته ولم يستول عليه الطوفان، بل أعتقه الله منه ومن كل جبار، وكان من آدم أَو من الملائكة فكان يسمى عتيقاً لقدمه أَو لنجاته من التلف ولو اندرس، وبعد اندراسه سماه بيتاً باعتبار ما كان عليه، أَو باعتبار ما سيكون لأَنه بناه بعد هذا الدعاءِ؛ لأَنه أَسكن إبنه إسماعيل مع أمه هاجر قبل بناءِ الكعبة، ويجوز أَن يكون هذا الدعاءُ بعد ما شب إسماعيل بعد بنائِهما الكعبة، بل ذلك قولان مرويان، ولا بد أَن الله أَبان رسم البيت، وكذا فى كونه محرما مع أنه اندرس {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاة} عند بيتك المحرم، هذا دعاءٌ كما مر وهو من أمر الغائِب، أَمرهم ودعا الله أن يوفقهم إِقامة الصلاة، ويجوز أَن تكون اللام تعليلية متعلقة بأَسكنت، أَى أَسكنتهم فى واد لا ماءَ فيه ولا ثمار ولا نبات لإِقامة الصلاة عند البيت، وكرر النداءَ ووسطه فى دعائِه لأَن مقصوده بالذات إقامة الصلاة عند البيت، والحرم كله عند البيت، ذكر أَن الوادى غير ذى زرع فعلم أَنه لم يسكنه للزرع بل للعبادة المدلول عليها بذكر البيت المرحم والتى هى أَفضل العبادات، وهى إِقامة الصلاة فكأَنه قال: ما أَسكنته إِلا لها، ولا يلزم التفسير بهذا الحصر، اللهم إلا إضافيا إلى الزرع فإنه قصد أيضاً مناسك الحج وغيرها فلا حاجة أيضاً إلى تعليق اللام بأَسكنت مؤخراً للحصر {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسَ} قلوباً جمع قلة أُريد به الكثرة إِلا أَنها قليلة بالنسبة، وسواءَ جعلنا من للتبعيض أَو للابتداءِ كَأنه قال: أَفئدة ناس أَو أَفئدة من الناس بخلاف ما لو قال: أَفئِدة الناس فإِنه يعم ويزدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والمجوس، كما قال سعيد بن جبير عن ابن عباس لأَن دعاءَه مستجاب {تَهْوِى} تميل بسرعة {إِلَيْهِمْ} لا لذاتهم بل لزيارة البيت، وذلك دعاءٌ من إبراهيم للمؤْمنين بأَن يرزقهم الله الحج ولسكان مكة من ذريته بالرزق ممن يأْتيهم من الناس {وارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} أَجاب الله دعاءَه فنقل إليها الطائِف من الشام وجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شىءٍ، حتى قيل: إنه تجتمع فيه فواكه الفصول فى يوم واحد، ويروى أن جبريل قلع أرضا من فلسطين ذات ثمار فطاف بها سبعا على البيت، ووضعها قريبا من مكة فسميت طائِفا، وذلك لدعوة إبراهيم بقوله: ارزقهم من الثمرات عموما فى دعائِه، ولا قصد له فى الطائف {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} نعمك، جاءَ بابنه إسماعيل وهو يرضع وسريته هاجر من الشام وأنزلهما أرض مكة مع جراب تمر وسقاء ماء، ولا بناءَ بها ولا أَنيس ولا ماءَ ولا شجر، وأَدبر عنهما ومضى، وقالت رضى الله عنها مرارا كيف تتركنى هنا؟ ولم يلتفت إليها فقالت: آلله أمرك؟ فقال: نعم فقالت: إِذاً لا يضيعنى وذلك بعد نار نمروذ وقبل ولادة سارة إسحاق، ولما علا الثنية بحيث لا تراه رفع يديه إلى السماءِ مستقبلا فقال: {ربنا إِنى أَسكنت} إلى {يشكرون}وعطشا بعد نفاد السقاءِ فسارت إلى الصفا وعلته لعلها ترى أَحدا، وذهبت إلى المروة كذلك وترددت بينهما سبعا فكان السعى بينهما سبعا، وسمعت صوتا فتتبعته فإذا ملك عند ابنها فى محل زمرم وهو جبريل فضرب جبريل بعقبة أو جناحه موضع زمزم فنبع وشربا، وكانت تحوط عليه فقال الملك: لا تخافى عليه فإن هذا المقام يعمره ابنك ويبنى هو وأَبوه هنا بيتا لله - عز وجل -، ومر بهم قبيلة من جرهم ذاهبين إلى الشام، وعطشوا أو نزلوا ورأَوا طيور ترفرف فقالوا: لا تفعل ذلك إِلا على الماءِ، ولا ماء هنا، فأَرسلوا رجلا فوجد الماءَ فأَخبرهم وطلبوا النزول معهما على الماءِ على أَن يشركوها فى ألبانهم فقالت: نعم، وقد احتاجت إلى أَنيس، وشرطت أن لا حق لهم فى الماءِ إلا الانتفاع، فأَنعموا وأرسلوا إلى أَهلهم فنزلوا، ولما شب إسماعيل تعلم منهم العربية ففاقهم وأَعجبهم وتزوج منهم ثم ماتت أُمه.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا} قال في «البحر» كرر النداء رغبة في الإجابة والالتجاء إليه تعالى، وأتى بضمير الجماعة لأنه تقدم ذكره عليه السلام وذكر بنيه في قوله: {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ } تفسير : [إبراهيم: 35] وتعقب بأن ذلك يقتضي ضمير الجماعة في {أية : رَبّ إِنَّهُنَّ } تفسير : [إبراهيم: 36] الخ مع أنه جيء فيه بضمير الواحد، فالوجه إن ذلك لأن الدعاء المصدر به وما هو بصدد تمهيد مبادىء إجابته من قوله: {إِنَّى أَسْكَنتُ } الخ متعلق بذريته، فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في القبول وإجابة المسؤول، والتأكيد لمزيد الاعتناء فيما قصده من الخبر {وَمِنْ } في قوله {مِن ذُرّيَّتِى } بمعنى بعض وهي في تأويل المفعول به أي أسكنت بعض ذريتي، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً والجار والمجرور صفته سدت مسده أي أسكنت ذرية من ذريتي {وَمِنْ } تحتمل التبعيض والتبيين. وزعم بعضهم أن {مِنْ } زائدة على مذهب الأخفش لا يرتضيه سليم البصيرة كما لا يخفى، والمراد بالمسكن إسمٰعيل عليه السلام ومن سيولد له فإن إسكانه حيث كان على وجه الاطمئنان متضمن لإسكانهم، والداعي للتعميم على ما قيل قوله الآتي: {لِيُقِيمُواْ } الخ، ولا يخفى أن الإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز، فمن لم يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز يرتكب لذلك عموم المجاز، وهذا الإسكان بعدما كان بينه عليه السلام وبين أهله ما كان. وذلك أن هاجر أم إسمٰعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها من إبراهيم عليه السلام فلما ولدت له إسمٰعيل غارت فلم تقاره على كونه معها فأخرجها وابنها إلى أرض مكة فوضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى منطلقاً فتبعته هاجر فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء قالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت، وانطلق عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت وكان إذ ذاك مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: {رَبّ إِنّى أَسْكَنتُ - إِلَى - لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما في السقاء حتى إذا نفد عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت/ عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزته ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر ففعلت ذلك سبع مرات ولذلك سعى الناس بينهما سبعاً، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو يفور فشربت وأرضعت ولدها وقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هٰهنا بيت الله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله سبحانه لا يضيع أهله، ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: لا طير إلا على الماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت، فلما أدرك إسماعيل عليه السلام زوجوه أمرأة منهم وتمام القصة في كتب السير. {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } وهو وادي مكة شرفها الله تعالى، ووصفه بذلك دون غير مزروع للمبالغة لأن المعنى ليس صالحاً للزرع، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } تفسير : [الزمر: 28] وكان ذلك لحجريته، قال ابن عطية: وإنما لم يصفه عليه السلام بالخلو عن الماء مع أنه حاله إذ ذاك لأنه كان علم أن الله تعالى لا يضيع إسماعيل عليه السلام وأمه في ذلك الوادي وأنه سبحانه يرزقهما الماء فنظر عليه السلام النظر البعيد، وقال أبو حيان بعد نقله وقد يقال: إن انتفاء كونه ذا زرع مستلزم لانتفاء الماء إذ لا يمكن أن يوجد زرع إلا حيث الماء فنفى ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء اهـ، وقال بعضهم: إن طلب الماء لم يكن مهماً له عليه السلام لما أن الوادي مظنة السيول والمحتاج للماء يدخر منها ما يكفيه وكان المهم له طلب الثمرات فوصف ذلك بكونه غير صالح للزرع بياناً لكمال الافتقار إلى المسؤول فتأمل. {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } ظرف لأسكنت كقولك: صليت بمكة عند الركن، وزعم أبو البقاء أنه صفة واد أو بدل منه، واختار بعض الأجلة الأول إذ المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مباديه لمحض التقرب إلى الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الحرمة المؤذن بعزة الملتجأ وعصمته عن المكاره، فإنهم قالوا: معنى كون البيت محرماً أن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به أو أنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه الجبابرة في كل عصر أو لأنه منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذا سمي عتيقاً على ما قيل، وأبعد من قال إنه سمي محرماً لأن الزائرين يحرمون على أنفسهم عند زيارته أشياء كانت حلالاً عليهم، وسماه عليه السلام بيتاً باعتبار ما كان فإنه كان مبنياً قبل، وقيل: باعتبار ما سيكون بعد وهو ينزع إلى اعتبار عنوان الحرمة كذلك. {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ } أي لأن يقيموا، فاللام جارة والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، والجار والمجرور متعلق ـ بأسكنت ـ المذكور، وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة فإنها عماد الدين ولذا خصها بالذكر من بين سائر شعائره، والمعنى على ما يقتضيه كلام غير واحد على الحصر أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستسعدين بجوارك الكريم متقربين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين رحمتك التي آثرت بها سكان حرمك. وهذا الحصر ـ على ما ذكروا ـ مستفاد من السياق فإنه عليه السلام لما قال: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } نفى أن يكون/ إسكانهم للزراعة ولما قال: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } أثبت أنه مكان عبادة فلما قال: {لِيُقِيمُواْ } أثبت أن الإقامة عنده عبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في {رَبَّنَا } من الإشارة إلى أن ذلك هو المقصود. وعن مالك أن التعليل يفيد الحصر، فقد استدل بقوله تعالى: {أية : لِتَرْكَبُوهَا } تفسير : [النحل: 8] على حرمة أكلها وفي «الكشف» أن استفادة الحصر من تقدير محذوف مؤخر يتعلق به الجار والمجرور أي ليقوموا أسكنتهم هذا الإسكان، أخبر أولاً أنه أسكنهم، بواد قفر فأدمج فيه حاجتهم إلى الوافدين وذكر وجه الإيثار لشرف الجوار بقوله: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } ثم صرَّح ثانياً بأنه إنما آثر ذلك ليعمروا حرمك المحرم وبنى عليه الدعاء الآتي، ومن الدليل على أنه غير متعلق بالمذكور تخلل {رَبَّنَا } ثانياً بين الفعل ومتعلقه وهذا بين ولا وجه لاستفادة ذلك من تكرار {رَبَّنَا } إلا من هذا الوجه اهـ، واختار بعضهم ما ذكرنا أولاً في وجه الاستفادة وقال: إنه معنى لطيف ولا ينافيه الفصل بالنداء لأنه اعتراض لتأكيد الأول وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى تعلق الجار بمحذوف مؤخر واستفادة الحصر من ذلك، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه، ويجعل النداء مؤكداً للأول يندفع ما قيل: إن النداء له صدر الكلام فلا يتعلق ما بعده بما قبله فلا بد من تقدير متعلق، ووجه الاندفاع ظاهر، وقيل: اللام لام الأمر والفعل مجزوم بها، والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها ولا يخفى بعده، وأبعد منه ما قاله أبو الفرج بن الجوزي: إن اللام متعلقة بقوله: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم: 35] وفي قوله: {لِيُقِيمُواْ } بضمير الجمع على ما في «البحر» دلالة على أن الله تعالى أعلمه بأن ولده إسماعيل عليه السلام سيعقب هنالك ويكون له نسل. {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ } أي أفئدة من أفئدتهم {تَهْوِى إِلَيْهِمْ } أي تسرع إليهم شوقاً ووداداً ـ فمن ـ للتبعيض، ولذا قيل: لو قال عليه السلام: أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم، وهو مبني على الظاهر من إجابة دعائه عليه السلام وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق. وروى عن ابن جبير أنه قال: لو قال عليهم السلام: أفئدة الناس لحجت البيت اليهود والنصارى. وتعقب بأنه غير مناسب للمقام إذ المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت للحج وإلا لقيل تهوى إليه فإنه عين الدعاء بالبلدية قد حكي بعبارة أخرى اهـ. وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الشرطية في المروي وكون المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم، وقد جاء نحو تلك الشرطية عن ابن عباس، ومجاهد كما في «الدر المنثور» وغيره، على أن بعضهم جعل هذا دعاء بتوجيه القلوب إلى البيت. فقد أخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن الحكم قال: سألت عكرمة وطاوساً وعطاء بن أبـي رباح عن هذه الآية {فَٱجْعَلْ } إلى آخره فقالوا: البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه، وفي لفظ قالوا: هواهم إلى مكة أن يحجوا؛ نعم هو خلاف الظاهر، وجوز أن تكون {مِنْ } للابتداء كما في قولك: القلب منه سقيم تريد قلبه فكأنه قيل: أفئدة ناس، واعترضه أبو حيان بأنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا يبتدأ فيه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل أفئدة من الناس. وتعقبه بعض الأجلة بقوله: وفيه بحث فإن فعل الهوي للأفئدة يبتدأ به لغاية ينتهي إليها، ألا يرى إلى قوله: {إِلَيْهِمُ } وفيه تأمل اهـ وكأن فيه إشارة إلى ما قيل: من أن الابتداء في {مِنْ } الإبتدائية إنما هو من متعلقها لا مطلقاً، وإن جعلناها متعلقة ـ بتهوي ـ لا يظهر لتأخيره ولتوسيط الجار فائدة، وذكر مولانا الشهاب في توجيه الابتداء وترجيحه على التبعيض كلاماً لا يخلو/ عن بحث فقال: اعلم أنه قال في "الإيضاح" أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون أن يقصد انتهاء مخصوص إذ كان المعنى لا يقتضي إلا بالمبتدأ منه كأعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وزيد أفضل من عمرو. وقد قيل: إن جميع معاني {مِنْ } دائرة على الابتداء، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما في قوله: {أية : وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } تفسير : [مريم: 4] فإن كون قلب الشخص وعظمه بعضاً منه معنى مكشوف غير مقصود بالإفادة فلذا جعلت للابتداء والظرف مستقر للتفخيم كأن ميل القلب نشأ من جملته مع أن ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أن سقم قلب العاشق نشأ منه مع أنه إذا صلح صلح البدن كله، وإلى هذا نحا المحققون من شراح «الكشاف» لكنه معنى غامض فتدبر. والأفئدة مفعول أول ـ لاجعل ـ وهو جمع فؤاد وفسروه على ما في «البحر» وغيره بالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد، يقال: فأدت اللحم أي شويته ولحم فئيد أي مشوي، وقيل: الأفئة هنا القطع من الناس بلغة قريش وإليه ذهب ابن بحر، والمفعول الثاني جملة {تهوي} وأصل الهوي الهبوط بسرعة وفي كلام بعضهم السرعة، وكان حقه أن يعدى باللام كما في قوله:شعر : حتى إذا ما هوت كف الوليد لها طارت وفي كفه من ريشها تبك تفسير : وإنما عدي بإلى لتضمينه معنى الميل كما في قوله:شعر : تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمن الجن كأنجاسها تفسير : ولما كان ما تقدم كالمبادي لإجابة دعائه عليه السلام وإعطاء مسؤوله جاء بالفاء في قوله: {فَٱجْعَلْ } إلى آخره وقرأ هشام {أفئيدة} بياء بعد الهمزة نص عليه الحلواني عنه، وخرج ذلك على الإشباع كما في قوله:شعر : أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب تفسير : ولما كان ذلك لا يكون إلا في ضرورة الشعر عند بعضهم قالوا: إن هشاماً قرأ بتسهيل الهمزة كالياء فعبر عنها الراوي بالياء فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة، والمراد بياء عوضاً من الهمزة. وتعقب ذلك الحافظ أبو عمرو الداني بأن النقلة عن هشام كانوا من أعلم الناس بالقراءة ووجوهها فهم أجل من أن يعتقد فيهم مثل ذلك. وقرىء {آفدة} على وزن ضاربة وفيه احتمالان. أحدهما: أن يكون قدمت فيه الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان ثانيتهما: ساكنة فقلبت ألفاً فوزنه أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت فيه الواو المضمومة همزة ثم قدمت وقلبت ألفاً فصار آدر. وثانيهما: أنه اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب ودنا ويكون بمعنى عجل، وهو صفة لمحذوف أي جماعة أو جماعات آفدة. وقرىء {أفدة} بفتح الهمزة من غير مد وكسر الفاء بعدها دال، وهو إما صفة من أفد بوزن خشنة فيكون بمعنى آفدة في القراءة الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها ثم طرحت وهو وجه مشهور عند الصرفيين والقراء. قال الأولون: إذا تحركت الهمزة بعد ساكن صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف، ولا يجوز جعلها بين بين لما فيه من شبه التقاء الساكنين، وقال صاحب "النشر" من الآخرين: الهمزة المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤلا وأفئدة وقرآن وظمآن فيها وجه واحد وهو النقل وحكي فيه وجه ثان وهو بين بين وهو ضعيف جداً وكذا قال غيره منهم، فما قيل: إن الوجه إخراجها بين بين ليس بالوجه. وقرأت أم الهيثم {أفودة} بالواو المكسورة بدل الهمزة، قال صاحب «اللوامح»: وهو جمع وفد، والقراءة حسنة لكني لا أعرف/ هذه المرأة بل ذكرها أبو حاتم اهـ. وقال أبو حيان: يحتمل أنه أبدل الهمزة في فؤاد ثم جمع وأقرت الواو في الجمع إقرارها في المفرد أو هو جمع وفد كما قال صاحب "اللوامح" وقلب إذ الأصل أوفدة، وجمع فعل على أفعلة شاذ نجد وأنجدة ووهى وأوهية، وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من لغات العرب. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {إفادة} على وزن إمارة ويظهر أن الهمزة بدل من الواو المكسورة كما قالوا: إشاح في وشاح فالوزن فعالة أي فاجعل ذوي وفادة، ويجوز أن يكون مصدر أفاد إفادة أي ذوي إفادة وهم الناس الذين يفيدون وينتفع بهم. وقرأ مسلمة بن عبد الله {تهوي} بضم التاء مبنياً للمفعول من أهوى المنقول بهمزة التعدية من هوى اللازم كأنه قيل: يسرع بها إليهم. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وجماعة من أهله ومجاهد {تهوي} مضارع هوي بمعنى أحب، وعدي بإلى لما تقدم. {وَٱرْزُقْهُمْ } أي ذريتي الذين أسكنتهم هناك. وجوز أن يريدهم والذين ينحازون إليهم من الناس، وإنما لم يخص عليه السلام الدعاء بالمؤمنين منهم كما في قوله: {أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } تفسير : [البقرة: 126] اكتفاء ـ على ما قيل ـ بذكر إقامة الصلاة. {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } من أنواعها بأن تجعل بقربهم قرى يحصل فيها ذلك أو تجبى إليهم من الأقطار الشاسعة وقد حصل كلا الأمرين حتى أنه يجتمع في مكة المكرمة البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي أن الطائف كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه السلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقاً للحرم. وفي رواية أن جبريل عليه السلام اقتلعها فجاء وطاف بها حول البيت سبعاً ولذا سميت الطائف ثم وضعها قريب مكة. وروي نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن أبـي حاتم عن الزهري أن الله تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام. والظاهر أن إبراهيم عليه السلام لم يكن مقصوده من هذا الدعاء نقل أرض منبتة من فلسطين أو قرية من قرى الشام وإنما مقصوده عليه السلام أن يرزقهم سبحانه من الثمرات وهو لا يتوقف على النقل، فلينظر ما وجه الحكمة فيه، وأنا لست على يقين من صحته ولا أنكر والعياذ بالله تعالى أن الله جل وعلا على كل شيء قدير وأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } تلك النعمة بإقامة الصلاة وأداء سائر مراسم العبودية واستدل به على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هي ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات، ولا يخفى ما في دعائه عليه السلام من مراعاة حسن الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعرض الحاجة واستنزال الرحمة واستجلاب الرأفة، ولذا من عليه بحسن القبول وإعطاء المسؤول، ولا بدع في ذلك من خليل الرحمن عليه السلام.

ابن عاشور

تفسير : جملة {إني أسكنت من ذريتي} مستأنفة لابتداء دعاء آخر. وافتتحت بالنداء لزيادة التضرع. وفي كون النداء تأكيداً لنداء سابق ضرب من الربط بين الجمل المفتتحة بالنداء ربط المثل بمثله. وأضيف الرب هنا إلى ضمير الجمع خلافاً لسابقيه لأن الدعاء الذي افتتح به فيه حظ للداعي ولأبنائه. ولعل إسماعيل ــــ عليه السلام ــــ حاضر معه حين الدعاء كما تدل له الآية الأخرى { أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } تفسير : إلى قوله { أية : واجعلنا مسلمين لك } تفسير : [سورة البقرة: 127]. وذلك من معنى الشكر المسؤول هنا. و{مِن} في قوله: {من ذريتي} بمعنى بعض، يعني إسماعيل ــــ عليه السلام ــــ، وهو بعض ذريته، فكأن هذا الدعاء صدر من إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ بعد زمان من بناء الكعبة وتقري مكة، كما دل عليه قوله في دعائه هذا { أية : الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } تفسير : [سورة إبراهيم: 39]، فذكر إسحاق عليه السلام. والواد: الأرض بين الجبال، وهو وادي مكة. و{غير ذي زرع} صفة، أي بواد لا يصلح للنبت لأنه حجارة، فإن كلمة {ذُو} تدلّ على صَاحبِ ما أضيفت إليه وتمكنه منه، فإذا قيل: ذو مال، فالمال ثابت له، وإذا أريد ضد ذلك قيل غير ذي كذا، كقوله تعالى: { أية : قرآناً عربياً غير ذي عوج } تفسير : [سورة الزمر: 28]، أي لا يعتريه شيء من العوج. ولأجل هذا الاستعمال لم يقل بواد لا يزرع أولا زرع به. و{عند بيتك} صفة ثانية لوادٍ أو حال. والمحرم: الممنع من تناول الأيدي إياه بما يفسده أو يضر أهله بما جعل الله له في نفوس الأمم من التوقير والتعظيم، وبما شاهدوه من هلكة من يريد فيه بإلحاد بظلم. وما أصحاب الفيل منهم ببعيد. وعلق {ليقيموا} بــــ {أسكنت}، أي علة الإسكان بذلك الوادي عند ذلك البيت أن لا يشغلهم عن إقامة الصلاة في ذلك البيت شاغل فيكون البيت معموراً أبداً. وتوسيط النداء للاهتمام بمقدمة الدعاء زيادة في الضراعة. وتهيّأ بذلك أن يفرع عليه الدعاء لهم بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، لأن همة الصالحين في إقامة الدين. والأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب. والمراد به هنا النفس والعقل. والمراد فاجعل أناساً يهوون إليهم. فأقحم لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد فلما ذكر {أفئدة} لهذه النكتة حسن بيانه بأنهم {من الناس}، فــــ {من} بيانية لا تبعيضية، إذ لا طائل تحته. والمعنى: فاجعل أناساً يقصدونهم بحبات قلوبهم. وتهوي ــــ مضارع هوَى بفتح الواو ــــ: سقط. وأطلق هنا على الإسراع في المشي استعارة، كقول امرىء القيس: شعر : كجلمود صخْرٍ حَطّه السيلُ من عل تفسير : ولذلك عدّي باللام دون {على}. والإسراع: جُعل كناية عن المحبة والشوق إلى زيارتهم. والمقصود من هذا الدعاء تأنيس مكانهم بتردد الزائرين وقضاء حوائجهم منهم. والتنكير مطلقٌ يحمل على المتعارف في عمران المدن والأسواق بالواردين، فلذلك لم يقيده في الدعاء بما يدل على الكثرة اكتفاء بما هو معروف. ومحبة الناس إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته، وذلك سبب لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين. ورجاء شكرهم داخل في الدعاء لأنه جُعل تكملة له تعرضاً للإجابة وزيادة في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين. والمقصود: توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا لذريته الذين أسكنهم بمكة المكرمة أن يرزقهم الله من الثمرات، وبين في سورة البقرة أن إبراهيم خص بهذا الدعاء المؤمنين منهم، وأن الله أخبره أنه رازقهم جميعاً مؤمنهم وكافرهم ثم يوم القيامة يعذب الكافر وذلك بقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 126] الآية. قال بعض العلماء: سبب تخصيص إبراهيم المؤمنين في هذا الدعاء بالرزق أنه دعا لذريته أولاً أن يجعلهم الله أئمة ولم يخصص بالمؤمنين فأخبره الله أن الظالمين من ذريته لا يستحقون ذلك. قال تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124] فلما أراد أن يدعو لهم بالرزق خص المؤمنين بسبب ذلك فقال: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فأخبره الله أن الرزق ليس كالإمامة فالله يرزق الكافر من الدنيا ولا يجعله إماماً. ولذا قال له في طلب الإمامة {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِين} ولما خص المؤمنين بطلب الرزق قال له: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 126] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلثَّمَرَاتِ} (37) - وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، رَبَّهُ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ البَيْتَ الحَرَامَ (الكَعْبَةَ)، فَقَالَ: رَبِّ إِنَّنِي أَسْكَنْتُ أُناساً مِنْ أَبْنَائِي وَذُرِّيَتِي بِهذا الوَادِي الذِي لاَ زَرْعَ فِيهِ، عِنْدَ بَيْتَكَ الحَرَامِ، الذِي أَمَرْتَنِي بِإِقَامَتِهِ فَأَقَمْتُهُ، وَقَدْ جَعَلْتَهُ مُحَرَّماً لِيَتَمَكَّنَ أَهْلُهُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَهُ، فَاجْعَلْ جَمَاعَاتٍ مِنَ النَّاسِ تَأْتِي إِلَيْهِمْ (أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)، وَمَعَهُمُ الأَرْزَاقُ وَالمِيرَةُ وَالثَّمَرَاتُ لِيَأْكُلوا مِنْهَا، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْناً لَهُمْ عَلَى طَاعِتكَ وَشُكْرِكَ. وَقدِ اسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَفَرَضَ عَلَى النَّاسِ الحَجَّ إِلَى البَيْتِ الحَرَامِ، وَأَلْهَمَهُمُ القِيَامَ بِذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} تفسير : تَهْوِي إِلَيْهِمْ - تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ شَوْقاً وَوِدَاداً...

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونفهم من التعبير في هذه الآية أن المكانَ لا يصلح للزرع؛ ذلك أنه أرض صَخْرية؛ وليست أرضاً يمكن استصلاحها؛ وقَوْل إبراهيم - عليه السلام -: {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ..} [إبراهيم: 37]. أي: لا أملَ في زراعتها بمجهود إنساني، وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إلا العطاء الرباني. ولم يكُنْ اختيار المكان نتيجة بَحْثٍ من إبراهيم عليه السلام؛ ولكن بتكليف إلهيّ، فسبحانه هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت المحرم، وهو مكان من اختيار الله، وليس من اختيار إبراهيم عليه السلام. وحين يقول إبراهيم عليه السلام: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ..} [إبراهيم: 37]. فهذا يعني حيثية الرِّضا بالتكليف، وما دام هذا أمراً تكليفياً يجب أنْ يُنفّذ بعشق؛ فهو يأخذ ثوابين اثنين؛ ثواب حُبّ التكليف؛ وثواب القيام بالتكليف. ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الأصمعي عند البيت الحرام، وكان يقول: "اللهم، إنِّي قد عصيتُك، ولكني أحب مَنْ يطيعك، فاجعلها قُرْبة لي". فقال الأصمعي ما يعني أن الله لا بُدَّ أن يغفر لهذا الرجل لِحُسْن مسألته، ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم يَقُمْ به هو؛ بل يقوم به غيره وهذا يُسعده. فالتكليف عندما يقوم به أيُّ إنسان؛ فذلك أمر في صالح كل البشر، وكلنا نقول حين نُصلي ونقرأ الفاتحة: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. أي: أن كُلاً مِنّا يحشر نفسه في زمرة العابدين؛ لعل الله يتقبّل من واحد فندخل كلنا في الصفقة؛ ولذلك أقول لِمَنْ يرتكب معصية: عليك ألاّ تغضب، لأن هناك مَنْ يطيع الله؛ بل افرح به؛ لأن فرحَك بالمطيع لله؛ دليلٌ على أنك تحبُّ التكليف، رغم أنك لا تقدر على نفسك، وفي هذا الحُبِّ كرامة لك. وقد قال إبراهيم - عليه السلام - عن الوادي الذي أمره الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت الحرام أنه وادٍ غير ذي زَرْع، وقد جاء هو إلى هذا المكان لِيُنفّذ تكليف الحق سبحانه له؛ لدرجة أن زوجته هاجر عندما علمت أن الاستقرار في هذا المكان هو بتكليف من الله قالت: "إذنْ لن يضيعنا". ويُقدِّم إبراهيم عليه السلام حيثيات الإقامة في هذا المكان، وأسباب إقامته للقواعد كما أراد الله، فيقول: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [إبراهيم: 37]. أي: أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوةَ سياحة؛ ولكن إقامة عبادة؛ فما دام المكان قد أُقيم فيه بيت لله باختيار الله؛ فلا بُدَّ أن يُعبدَ فيه سبحانه. وهكذا تتضح تماماً حيثيات أَخْذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ولا مُقوِّماتها شيء؛ ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك؛ فلا بُدَّ للمقيم للصلاة من إقامة حياة؛ والمُقوِّم الأول للحياة هو المَأْكل والمَشْرب. ولذلك دعا إبراهيم عليه السلام: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [إبراهيم: 37]. والأفئدة جمع "فؤاد"، وتُطلَق على الطائفة؛ وعلاقة الفؤاد بالحجيج علاقةٌ قوية؛ لأن الهوى في الحجيج هوى قلوب؛ لا جيوب. وأنت تجد الإنسان يجمع النقود الخاصة بالحج، وقد يحرم نفسه من أشياء كثيرة من أجل أن يحظَى بأداء تلك الفريضة. وكلمة "هوى" مُكوّنة من مادة "الهاء" و "الواو" و "الياء" ولها معَانٍ متعددة، فلك أنْ تقول "هَوَى" أو تقول "هَوِى"، فإنْ قلت: "هَوَى يهوي" من السقوط من مكان عالٍ؛ دون إرادة منه في السقوط؛ وكأنه مقهورٌ عليه، وإنْ قُلْت: "هَوِى يهوىَ" فهذا يعني أحبّ، وهو نتيجة لِميْل القلوب، لا مَيْل القوالب. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]. فهم في مكان لا يمكن زراعته. وقد تقبَّل الحق سبحانه دعاءَ إبراهيم عليه السلام؛ ووجدنا التطبيق العملي في قوله الحق: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ..} تفسير : [القصص: 57]. وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات. وكلمة "يُجْبى" تدل على أن الأمرَ في هذا الرزق القادم من الله كأنه جِبَاية؛ وأمْر مفروض، فتكون في الطائف مثلاً وفيها من الرمان والعنب وتحاول أنْ تشتريه؛ فتجد مَنْ يقول لك: إن هذا يخصُّ مكة المكرمة؛ إنْ أردتَ منه فاذهب إلى هناك. وتجد في كلمة: {أية : ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ..} تفسير : [القصص: 57]. ما يثير العجب والدهشة؛ فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة؛ ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد؛ نتيجة أن كل البيئات تُصدِّر بعضاً من إنتاجها إلى مكة. وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموِّ الحضاري والعقول المُفكِّرة وهي معروضة في سوق مكة أو جدة؛ بل تجد ثمرات التخطيط والإمكانات وقد تمَّتْ ترجمتُها إلى واقع ملموس في كل أَوْجُه الحياة هناك. وقديماً عندما كُنّا نؤدي فريضة الحج؛ كُنّا نأخذ معنا إبرة الخيط؛ ومِلْح الطعام؛ ومن بعد أن توحَّدتْ غالبية أرض الجزيرة تحت حكم آل سعود واكتشاف البترول؛ صِرْنا نذهب إلى هناك، ونأتي بكماليات الحياة. ولنلحظ قَوْل الحق سبحانه: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [إبراهيم: 37]. فكلمة "من" تُوضِّح أن مَنْ تهوي قلوبهم إلى المكان هم قطعةٌ من أفئدة الناس، وقال بعَضٌ من العارفين بالله: لو أن النصَّ قد جاء "فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم" لوجدنا أبناء الديانات الأخرى قد دخلت أيضاً في الحجيج، ومن رحمة الله سبحانه أن جاء النص: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [إبراهيم: 37]. فاقتصر الحجيج على المسلمين. ويقول سبحانه من بعد ذلك مُستْكمِلاً ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} والأَفئِدةُ: الجَماعةُ! و: {تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} معناهُ قُلوبُهم تَهوِي إِلى البَيتِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وذلك أنه أتى بـ "هاجر" أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داع ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء فقال -متضرعا متوكلا على ربه: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي } أي: لا كل ذريتي لأن إسحاق في الشام وباقي بنيه كذلك وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } أي: لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة. { رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ } أي: اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية فمن أقامها كان مقيما لدينه، { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } أي: تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه. فأجاب الله دعاءه فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا صلى الله عليه وسلم حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي وإلى ملة أبيهم إبراهيم فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة. وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة. { وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فأجاب الله دعاءه، فصار يجبي إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 465 : 5 : 6 - سفين عن مجاهد قال، لو قال إبراهيم {اجعل أفيدة الناس تهوي اليهم}، لزاحمكم عليه فارس والروم. ولكنه قال {أفيدة من الناس}. [الآية 37].

همام الصنعاني

تفسير : 1415- مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}: [الآية: 37]، قال: مكة، لم يكن بها زرْع يَوْمئذٍ. 1416- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}: [الآية: 37]، قال: تنزع إليهم. 1417- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {مُهْطِعِينَ}: [الآية: 43]، قال: مُسْرِعين.