Verse. 1788 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

رَبَّنَاۗ اِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِيْ وَمَا نُعْلِنُ۝۰ۭ وَمَا يَخْفٰى عَلَي اللہِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْاَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاۗءِ۝۳۸
Rabbana innaka taAAlamu ma nukhfee wama nuAAlinu wama yakhfa AAala Allahi min shayin fee alardi wala fee alssamai

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربنا إنك تعلم ما نخفي» نسر «وما نعلن وما يخفى على الله من» زائدة «شيء في الأرض ولا في السماء» يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم.

38

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي ليس يخفى عليك شيء من أحوالنا. وقال ابن عباس ومقاتل: تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه من الوجد بإسمعيل وأمه حيث أُسْكِنَا بوادٍ غير ذي زرع. {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} قيل: هو من قول إبراهيم. وقيل: هو من قول الله تعالى لما قال إبراهيم: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} قال الله: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} أي على كبر سني وسنّ ٱمرأتي؛ قال ابن عباس: ولد له إسمعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وإسحق وهو ابن مائة وٱثنتي عشرة سنة. وقال سعيد بن جُبَير: بُشِّر إبراهيمُ بإسحق بعد عشر ومائة سنة. {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}. قوله تعالى: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ} أي من الثابتين على الإسلام والتزام أحكامه. {وَمِن ذُرِّيَتِي} أي وٱجعل من ذريتي من يقيمها. {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} أي عبادتي كما قال: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60]. وقال عليه السلام: «حديث : الدعاءُ مُخُّ العبادة» تفسير : وقد تقدم في «البقرة». {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} قيل: استغفر إبراهيمُ لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما عدوان لله. قال القُشَيريّ: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في ٱستغفاره لأبيه دون أمه. قلت: وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير، {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} يعني أباه. وقيل: ٱستغفر لهما طمعاً في إيمانهما. وقيل: ٱستغفر لهما بشرط أن يُسلما. وقيل: أراد آدم وحوّاء. وقد رُوي أن العبد إذا قال: اللهم ٱغفر لي ولوالديَّ وكان أبواه قد ماتا كافرين ٱنصرفت المغفرة إلى آدم وحواء لأنهما والدا الخلق أجمع. وقيل: إنه أراد ولديه إسمعيل وإسحق. وكان إبراهيم النخعي يقرأ: «وَلِوَلَدَيّ» يعني ٱبنيه، وكذلك قرأ يحيـى بن يَعْمَر؛ ذكره الماوَرْدي والنحاس. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: «لِلْمُؤْمِنِينَ» كلهم وهو أظهر. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} أي يوم يقوم الناس للحساب.

البيضاوي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ} تعلم سرنا كما تعلم علننا، والمعنى إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب لكنا ندعوك إظهاراً لعبوديتك وافتقاراً إلى رحمتك واستعجالاً لنيل ما عندك. وقيل ما نخفي من وجد الفرقة وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجأ إلى الله تعالى. {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاءِ} لأنه العالم بعلم ذاتي يستوي نسبته إلى كل معلوم، ومن للاستغراق.

ابن كثير

تفسير : قال ابن جرير: يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم خليله: أنه قال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ} أي: أنت تعلم قصدي في دعائي، وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء، ثم حمد ربه عز وجل على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي: إنه يستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد، ثم قال: {رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلوٰةِ} أي: محافظاً عليها، مقيماً لحدودها {وَمِن ذُرِّيَّتِى} أي: واجعلهم كذلك مقيمين لها {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} أي: فيما سألتك فيه كله {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ} وقرأ بعضهم: ولوالدي، بالإفراد، وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه، لما تبين له عداوته لله عز وجل {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أي: كلهم {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} أي: يوم تحاسب عبادك، فتجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى } نسرّ {وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن } زائدة {شَىْءٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاءِ } يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} قال ميمون بن مهران: وعيد للظالم وتعزية للمظلوم. قوله عز وجل:{مهطعين} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه مسرعين قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعاً إذا أسرع، ومنه قوله تعالى:{مهطعين إلى الداع} أي مسرعين. قال الشاعر: شعر : بدجلة دارُهُم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع تفسير : الثاني: أنه الدائم النظر لا يطرف، قاله ابن عباس والضحاك. الثالث: أنه المطرِق الذي لا يرفع رأسه، قاله ابن زيد. {مقنعي رءُوسهم} وإقناع الرأس فيه تأويلان: أحدهما: ناكسي رؤوسهم بلغة قريش، قاله مؤرج السدوسي وقتادة. الثاني: رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس رفْعُه، قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه قول الشاعر: شعر : أنغض رأسه نحوي وأقنعا كأنما أبصَرَ شيئاً أطمعَا تفسير : {لا يرتد إليهم طرفهم} أي لا يرجع إليهم طرفهم، والطرف هو النظر وسميت العَيْن طرْفاً لأنها بها يكون، قال جميل: شعر : وأَقْصِرُ طَرْفي دُون جُمْل كرامةً لجُمْلٍ وللطرْفِ الذي أنا قاصِر تفسير : {وأفئدتهم هواءٌ}والمراد بالأفئدة مواضع القلوب، وهي الصدور. وقوله: {هواء}فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه فكأنها تهوي، قاله سعيد بن جبير ومجاهد. الثاني: أنها قد زالت عن أماكنها حتى بلغت الحناجر، فلا تنفصل ولا تعود، قاله قتادة. الثالث: أنها المتخرمَة التي لا تعي شيئاً، قاله مُرّة. الرابع: أنها خالية من الخير، وما كان خالياً فهو هواء، قاله ابن عباس ومنه قول حسان: شعر : ألا أبلِغ أبا سفيان عني فأنتَ مُجوَّف نخب هواء

ابن عطية

تفسير : مقصد إبراهيم عليه السلام بقوله: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} التنبيه على اختصاره في الدعاء، وتفويضه إلى ما علم الله من رغائبه وحرصه على هداية بنيه والرفق بهم وغير ذلك، ثم انصرف إلى الثناء على الله تعالى بأنه علام الغيوب، وإلى حمده على هباته، وهذه من الآيات المعلمة أن علم الله تعالى بالأشياء هو على التفصيل التام. وروي في قوله: {على الكبر} أنه لما ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً، وروي أقل من هذا، و {إسماعيل} أسنّ من {إسحاق}، فيما روي، وبحسب ترتيب هذه الآية -وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: بشر إبراهيم وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً. وقوله: {رب اجعلني مقيم الصلاة}، دعا إبراهيم عليه السلام في أمر كان مثابراً عليه متمسكاً به، ومتى دعا الإنسان في مثل هذا فإنما القصد إدامة الأمر واستمراره. وقرأ طلحة والأعمش "دعاء ربنا" بغير ياء. وقرأ أبو عمرو وابن كثير "دعائي" بياء ساكنة في الوصل، وأثبتها بعضهم دون الوقف في الوصل. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف. وروى ورش عن نافع: إثبات الياء في الوصل، وقرأت فرقة "ولوالديّ" واختلف في تأويل ذلك، وقالت فرقة: كان هذا من إبراهيم قبل يأسه من إيمان أبيه وتبينه أنه عدو لله، فأراد أباه وأمه، لأنها كانت مؤمنة، وقيل: أراد آدم ونوحاً عليهما السلام. وقرأ سعيد بن جبير "ولوالدي" بإفراد الأب وحده، وهذا يدخله ما تقدم من التأويلات، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي "ولولديّ" على أنه دعاء لإسماعيل وإسحاق، وأنكرها عاصم الجحدري، وقال إن في مصحف أبيّ بن كعب "ولأبوي"، وقرأ يحيى بن يعمر "ولوُلْدي" بضم الواو وسكون اللام، والولد لغة في الولد، ومنه قول الشاعر - أنشده أبو علي وغيره: [الطويل] شعر : فليت زياداً كان في بطن أمِّه وليت زياداً كان وُلْدَ حمار تفسير : ويحتمل أن يكون الولد جمع ولد كأسد في جمع أسد. وقوله: {يوم يقوم الحساب} معناه يوم يقوم الناس للحساب، فأسند القيام للحساب إيجازاً، إذ المعنى مفهوم. قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يريد قيام الحساب نفسه، ويكون القيام بمعنى ظهوره وتلبس العباد بين يدي الله به، كما تقول: قامت السوق وقامت الصلاة، وقامت الحرب على ساق.

النسفي

تفسير : {رَبَّنَا } النداء المكرر دليل التضرع واللجإ إلى الله {إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ } تعلم السر كما تعلم العلن {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَاءِ } من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام، أو من كلام إبراهيم و«من» للاستغراق كأنه قيل: وما يخفى على الله شيء ما {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ } «على» بمعنى «مع» وهو في موضع الحال أي وهب لي وأنا كبير {إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة. ورُوي أنه ولد له إسمعيل لأربع وستين، وإسحاق لتسعين، وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم لأنها حال وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجل النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم {إِنَّ رَبّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاءِ } مجيب الدعاء من قولك «سمع الملك كلام فلان» إذا تلقاه بالإجابة والقبول، ومنه سمع الله لمن حمده وكان قد دعا ربه وسأله الولد فقال: {أية : رَبّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ }تفسير : فشكر الله ما أكرمه به من إجابته. وإضافة السميع إلى الدعاء من إضافة الصفة إلى مفعولها وأصله «لسميع الدعاء» وقد ذكر سيبويه فعيلاً في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل كقولك«هذا رحيم أباه»

الخازن

تفسير : {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} يعني إنك تعلم السر كما تعلم العلن عما لا تفاوت فيه؛ والمعنى أنك تعلم أحوالنا، وما يصلحنا وما يفسدنا وأنت أرحم بنا منا فلا حاجة بنا إلى الدعاء، والطلب إنما ندعوك إظهاراً للعبودية لك، وتخشعاً لعظمتك وتذللاً لعزتك وافتقاراً إلى ما عندك, وقيل: معناه تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع وما نعلن يعني من البكاء, وقيل: ما نخفي يعني من الحزن المتمكن في القلب، وما نعلن يعني ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حين قالت لإبراهيم عليه السلام إلى من تكلنا قال: إلى الله قالت إذاً لا يضيعنا {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} فقيل: هذا من تتمة قول إبراهيم يعني وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان وقال الأكثرون: إنه من قول الله تعالى تصديقاً لإبراهيم فيما قال: فهو كقوله وكذلك يفعلون {الحمد لله رب الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة وقال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، ومعنى قوله: على الكبر مع الكبر لأن هبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن اليأس من الولد لهذا شكر الله على هذه المنة. فقال: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق. فإن قلت: كيف جمع بين إسماعيل وإسحاق في الدعاء في وقت واحد وإنما بشر باسحاق بعد إسماعيل بزمان طويل؟ قلت: يحتمل أن إبراهيم عليه السلام إنما أتى بهذا الدعاء عندما بشر باسحاق وذلك أنه لما عظمت المنة على قلبه بهبة ولدين عظيمين عند كبره قال عند ذلك الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ولا يرد على هذا ما ورد في الحديث أنه دعا بما تقدم عند مفارقة إسماعيل وأمه لأن الذي صح في الحديث أنه دعا بقوله ربنا إني أسكنت ذريتي إلى قوله لعلهم يشكرون إذا ثبت هذا فيكون قوله الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق في وقت آخر والله أعلم بحقيقة الحال {إن ربي لسميع الدعاء} كان إبراهيم عليه السلام قد دعا ربه وسأله الولد بقوله {أية : رب هب لي من الصالحين}تفسير : [الصافات: 100] فلما استجاب الله دعاءه ووهبه ما سأل شكر الله على ما أكرمه به ومن إجابة دعائه فعند ذلك قال الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء وهو من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله {ربِّ اجعلني مقيم الصلاة} يعني ممن يقيم الصلاة بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها {ومن ذريتي} أي واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة وإنما أدخل لفظة من التي هي للتبعيض في قوله ومن ذريتي لأنه أعلم بإعلام الله إياه أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون الصلاة فلهذا قال ومن ذريتي وأراد بهم المؤمنين من ذريته {ربنا وتقبل دعاء} سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يتقبل دعاءه فاستجاب الله لإبراهيم وقيل دعاءه بفضله ومنه كرمه {ربنا اغفر لي} فان قلت طلب المغفرة من الله إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة من ذلك الذنب وقد ثبت عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب فما وجه طلب المغفرة له؟ قلت: المقصود منه الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وقطع الطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه والاعتراف بالعبودية لله تعالى والاتكال على رحمته {ولوالدي}. فإن قلت: كيف استغفر إبراهيم لأبويه وكانا كافرين؟ قلت: أراد أنهما إن أسلما وتابا وقيل إنما قال ذلك أن يتبين له أنهما من أصحاب الجحيم وقيل إن أمه أسلمت فدعا لها وقيل أراد بوالديه آدم وحواء {وللمؤمنين} يعني واغفر للمؤمنين كلهم {يوم يقوم الحساب} يعني يوم يبدو ويظهر الحساب وقيل أراد يوم الناس للحساب فاكتفى بذلك أي بذكر الحساب لكونه مفهوماً عند السامع وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة والله سبحانه وتعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم عليه السلام ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة. قوله سبحانه وتعالى {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور وقيل حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ وهذا في حق الله محال فلا بد من تأويل الآية فالمقصود منها أنه سبحانه وتعالى ينتقم من الظالم للمظلوم ففيه وعيد وتهديد للظالم وإعلام له بأن لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلاً قال سفيان بن عيينة: فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. فإن قلت: تعالى الله عن السهو والغفلة فكيف يحسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم غافلاً وهو أعلم الناس به أنه لم غافلاً حتى قيل له ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون. قلت: إذا كان المخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان: أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً فهو كقوله {أية : ولا تكونن من المشركين} تفسير : [يونس: 105] {أية : ولا تدع مع الله إلهاً آخر}تفسير : [القصص: 88] وكقوله سبحانه وتعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا}تفسير : [النساء: 136] أي اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان. الوجه الثاني أن المراد بالنهي عن حسابه غافلاً الإعلام بأنه سبحانه وتعالى عالم بما يفعل الظالمون ولا يخفى عليه شيء وأنه ينتقم منهم فهو على سبيل الوعيد والتهديد لهم والمعنى: ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عنهم ولكن يعاملهم معاملة الرقيب الحفيظ عليهم المحاسب لهم على الصغير والكبير وإن كان المخاطب غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا إشكال فيه ولا سؤال لأن أكثر الناس غير عارفين بصفات الله فمن جوز أن يحسبه غافلاً فلجهله بصفاته {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت عيناه مفتوحتين لا يطرفهما، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة من هول ما ترى في ذلك اليوم {مهطعين} قال قتادة مسرعين وهذا قول أبي عبيدة فعلى هذا المعنى أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً باهتاً فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن أحوال أهل الوقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة فأخبر سبحانه وتعالى أنهم مع شخوص الأبصار يكونون مهطعين يعني مسرعين نحو الدعي وقيل المهطع الخاضع الذليل الساكت {مقنعي رؤوسهم} الاقناع رفع الرأس إلى فوق فأهل الموقف من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع البلاء فإنه يطرق ببصره إلى الأرض قال الحسن وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد وهو قوله تعالى {لا يرتد إليهم طرفهم} أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف فهي شاخصة لا ترتد إليهم قد شغلهم ما بين أيديهم {وأفئدتهم هواء} أي خالية. قال قتادة خرجت قلوبهم من صدورهم فصارت في حناجرهم فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها ومعنى الآية أن أفئدتهم خالية فارغة لا تعي شيئاً ولا تعقل من شدة الخوف. وقال سعيد بن جبير: وأفئدتهم هواء مترددة تهوي في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه, ومعنى الآية أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته.

البقاعي

تفسير : ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة للعزائم إلى العكوف في دارة الأنس، ومن الكفاية لهم المعاش، المنتج للشكر بإنفاق الفضل،وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم من المصالح، أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا {إنك تعلم ما} أي جميع ما {نخفي وما نعلن} ثم أشار إلى عموم علمه فقال: {وما يخفى على الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً. وبالغ في النفي فقال: {من شيء} من ذلك ولا غيره {في الأرض} ولما كان في سياق المبالغة، أعاد النافي تأكيداً فقال: {ولا في السماء *} أي فهو غير محتاج إلى التعريف بالدعاء، فالدعاء إنما هو لإظهار العبودية، واسم الجنس شامل لما فوق الواحد، ومن فوائد التعبير بالإفراد الدلالة على أن من كان محيطاً بكل ما في المتقابلين من غير أن يحجبه أحدهما عن الآخر، كان محيطاً بغيرهما كذلك من غير فرق. ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم المهمات البراءة منه، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من الإشارة إلى وجوب الشكر فقال: {الحمد لله} أي المستجمع لصفات الكمال {الذي وهب} والهبة: هبة تمليك من غير عقد، منّاً منه {لي} حال كوني مستعلياً {على الكبر} ومتمكناً منه على يأس من الولد {إسماعيل} الذي أسكنته هنا {وإسحاق} وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان بعد بناء البيت وطمأنينته بإسحاق عليه السلام، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سنه كان عند ولادة إسماعيل عليه السلام تسعاً وتسعين سنة، وعند ولادة إسحاق عليه السلام كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة. ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله، وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ {لسميع الدعاء *} أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضاً بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم، فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلّص ابن أخيه لوطاً من الأسر قال له الله: يا إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل، فقال إبرم: اللهم ربي! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا، بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، فكذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله. ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه بالحمد على إجابة الدعاء، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها، إشارة إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال: {رب} أي أيها الموجد لي المالك لأمري {اجعلني مقيم الصلاة} أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع، دائم الإقامة لها، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدباً: {ومن ذريتي}. ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان، أفراد الضمير للدعاء بها متملقاً لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره، كما أشار إلى ذلك باسم الرب، ثم زاد في التضرع بقوله: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر، أي رب وربَّ مّن وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي {وتقبل دعاء *} كله بذلك وغيره، بأن تجعله مقبولاً جعلَ من كأنه راغب فيه مفتن به.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ربنا إنك تعلم ما نخفي} من حب إسماعيل وأمه {وما نعلن} قال: وما نظهر من الجفاء لهما. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق} قال: هذا بعد ذاك بحين. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} قال: فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله تعالى حتى تقوم الساعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما يسرني بنصيبي من دعوة نوح وإبراهيم للمؤمنين والمؤمنات حمر النعم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} قال: هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له ولد، فكان يخرج... فإذا رأى غلاماً من غلمان بني إسرائيل عليه حلى، يخدعه حتى يدخله فيقتله ويلقيه في مطمورة له. فبينما هو كذلك، إذ لقي غلامين أخوين عليهما حلى لهما فأدخلهما فقتلهما وطرحهما في مطمورة له، وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك فتقول له: إني أحذرك النقمة من الله تعالى. وكان يقول: لو أن الله آخذني على شيء آخذني يوم فعلت كذا وكذا. فتقول إن صاعك لم يمتلئ بعد، ولو قد امتلأ صاعك أُخِذْت. فلما قتل الغلامين الأخوين، خرج أبوهما يطلبهما فلم يجد أحداً يخبره عنهما، فأتى نبياً من أنبياء بني إسرائيل فذكر ذلك له، فقال له النبي عليه السلام: هل كانت لهما لعبة يلعبان بها؟ قال: نعم... كان لهما جرْوٌ، فأتى بالجرو فوضع النبي عليه السلام خاتمه بين عينيه، ثم خلى سبيله وقال له: أول دار يدخلها من بني إسرائيل فيها تبيان، فأقبل الجرو يتخلل الدور به حتى دخل داراً، فدخلوا خلفه فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلام قد قتله وطرحهم في المطمورة، فانطلقوا به إلى النبي عليه السلام فأمر به أن يصلب. فلما وضع على خشبته أتته امرأته فقالت: يا فلان، قد كنت أحذرك هذا اليوم وأخبرك أن الله تعالى غير تاركك، وأنت تقول: لو أن الله آخذني على شيء آخذني يوم فعلت كذا وكذا، فأخبرتك أن صاعك بعد لم يمتلئ... ألا وإن صاعك هذا... ألا وأن امتلأ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} قال: شخصت فيه والله أبصارهم، فلا ترتد إليهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {مهطعين} قال: يعني بالاهطاع النظر من غير أن تطرف {مقنعي رؤوسهم} قال: الاقناع رفع رؤوسهم {لا يرتد إليهم طرفهم} قال: شاخصة أبصارهم {وأفئدتهم هواء} ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه {مهطعين} قال: مديمي النظر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة {مُهْطِعِين} قال: مسرعين. وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {مُهْطِعِين} ما المهطع؟ قال: الناظر. قال فيه الشاعر: شعر : إذا دعانا فأهطعنا لدعوته داع سميع فلفونا وساقونا تفسير : قال: فأخبرني عن قوله {مقنعي رؤوسهم} ما المقنع؟ قال: الرافع رأسه. قال فيه كعب بن زهير: شعر : هجان وحمر مقنعات رؤوسها وأصفر مشمول من الزهر فاقع تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن تميم بن حذام رضي الله عنه في قوله {مهطعين} قال: هو التجميح، والعرب تقول للرجل إذا قبض ما بين عينيه: لقد جمح. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {مقنعي رؤوسهم} قال: رافعي رؤوسهم، يجيئون وهم ينظرون {لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء} تمور في أجوافهم إلى حلوقهم، ليس لها مكان تستقر فيه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأفئدتهم هواء} قال: ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فشبت في حلوقهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مرة رضي الله عنه {وأفئدتهم هواء} قال: متخرقة لا تعي شيئاً. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح رضي الله عنه قال: يحشر الناس هكذا، ووضع رأسه وأمسك بيمينه على شماله عند صدره.

ابو السعود

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ} من الحاجات وغيرِها، والمرادُ بما نُخفي ما يقابل ما نعلن سواءٌ تعلق به الإخفاءُ أو لا، أي تعلم ما نظهره وما لا نظهره فإن علمَه تعالى متعلّقٌ بما لا يخطُر بباله مما فيه من الأحوال الخفية فضلاً عن إخفائه، وتقديمُ ما نخفي على ما نعلن لتحقيق المساواةِ بـينهما في تعلق العلم بهما على أبلغ وجهٍ فكأن تعلقه بما يخفىٰ أقدمُ منه بما يُعلن، أو لأن مرتبة السرِّ والخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة العلن إذ ما من شيء يُعلن إلا وهو قبل ذلك خفيٌّ فتعلقُ علمِه سبحانه بحالته الأولى أقدمُ من تعلقه بحالته الثانية، وقصدُه عليه السلام أن إظهارَ هذه الحاجات وما هو من مباديها وتتماتها ليس لكونها غيرَ معلومةٍ لك، بل إنما هو لإظهار العبوديةِ والتخشّعِ لعظمتك، والتذلّل لعزتك، وعرضِ الافتقارِ إلى ما عندك، والاستعجالِ لنيل أياديك. وتكريرُ النداءِ للمبالغة في الضراعة والابتهال، وضميرُ الجماعة لأن المرادَ ليس مجردَ علمِه تعالى بسرِّه وعلنه بل بجميع خفايا المُلك والملَكوت وقد حققه بقوله ـ على وجه الاعتراض ـ: { أية : وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْء فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} تفسير : لما أنه العالمُ بالذات فما من أمر يدخُل تحت الوجود كائناً ما كان في زمان من الأزمان إلا ووجودُه في ذاته علمٌ بالنسبة إليه سبحانه، وإنما قال: وما يخفي على الله الخ، دون أن يقول: ويعلم ما في السموات والأرض تحقيقاً لما عناه بقوله: تعلم ما نخفي من أن علمَه تعالى بذلك ليس على وجه يكون فيه شائبةُ خفاءٍ بالنسبة إلى علمه تعالى كما يكون ذلك بالنسبة إلى علوم المخلوقاتِ، وكلمةُ في متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيءٍ، أي من شيء كائنٍ فيهما، أعمُّ من أن يكون ذلك على وجه الاستقرار فيهما، أو على وجه الجزئيةِ منهما أو بـيخفىٰ، وتقديمُ الأرض على السماء ـ مع توسيط لا بـينهما ـ باعتبار القربِ والبعدِ منا المستدعِيَـين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا، والالتفاتُ من الخطاب إلى اسم الذاتِ المستجمعةِ للصفات لتربـية المهابةِ والإشعارِ بعلة الحُكمِ على نهج قوله تعالى: { أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14] والإيذانِ بعمومه لأنه ليس بشأن يُختص به أو بمن يتعلق به، بل شاملٌ لجميع الأشياء فالمناسبُ ذكرُه تعالى بعنوان مصحِّحٍ لمبدإ الكلّ، وقيل: هو من كلام الله عز وجل وارد بطريق الاعتراض لتصديقه عليه السلام كقوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} ومن للاستغراق على الوجهين. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ} أي مع كِبَري ويأسي عن الولد، قيّد الهبةَ به استعظاماً للنعمة وإظهاراً لشكرها {إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} رُوي أنه وُلد له إسماعيلُ وهو ابنُ تسعٍ وتسعين سنة، وولد له إسحاقُ وهو ابن مائةٍ واثنتي عشرة سنة أو مائة وسبعَ عشرة سنة. {إِنَّ رَبّى} ومالكَ أمري {لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء} لمجيبُه، من قولهم: سمِع الملكُ كلامَه إذا اعتدّ به، وهي من أبنية المبالغةِ العاملة عمَلَ الفعل أُضيف إلى مفعولِه أو فاعلِه بإسناد السماعِ إلى دعاء الله تعالى مجازاً، وهو مع كونه من تتمة الحمدِ والشكر إذ هو وصفٌ له تعالى بأن ذلك الجميلَ سنّته المستمرّةُ تعليلٌ على طريقة التذيـيل للهبة المذكورة، وفيه إيذانٌ بتضاعف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاءِ بقوله: { أية : رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ} تفسير : [الصافات: 100] فاقترنت الهبةُ بقبول الدعوةِ، وتوحيدُ ضمير المتكلم وإن كان عَقيبَ ذكرِ هبتهما لما أن نعمةَ الهبةِ فائضةٌ عليه خاصة وهما من النعم لا من المنعَم عليهم.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [الآية: 38]. قال الخواص: ما نخفى من حبك وما نعلن من ذكرك. قال ابن عطاء: ما نخفى من الأحوال، وما نعلن من الآداب. قال أبو عثمان: طهر سرّك وأعمر باطنك وأصلح خفيات أمورك، فإن الله لا يخفى عليه شىء وهو الذى يعلم ما نخفى وما نعلن. قال بعضهم: تفرد الحق بإيجاد المفقودات، وتوحد بإظهار الخفيات من الموافقة والمخالفة. وقال الحسين: ربنا إنك تعلم ما نخفى من الصحبة وما نعلن من الوجد.

القشيري

تفسير : استأثرتَ بعلم الغيب فلا يعْزُبُ عن علمك معلومٌ، وحالي لا تخفى عليك، فهي كما عرفتَ، أنت تعلم سِرِّي وعَلَنِي... ومَنْ عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار، واستروح قلبُه عن تَرَجُّمِ الأفكار، والتَّقَسُّمِ في كون الحوادث من الأغيار.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا} [اى بروردكارما] {انك تعلم ما نخفى وما نعلن} من الحاجات وغيرها ومقصده ان اظهار هذه الحاجات ليس لكونها غير معلومة لك بل انما هو لاظهار العبودية والافتقار الى رحمتك والاستعجال لنيل اياديك شعر : جز خضوع وبندكى واضطرار اندرين حضرت ندارد اعتبار تفسير : {وما يخفى} دائما اذ لا ماضى ولا مستقبل ولا حال بالنسبة الى الله تعالى {على الله} علام الغيوب {من} للاستغراق {شيء} ما {فى الارض ولا فى السماء} لانه العالم بعلم ذاتى تستوى نسبته الى كل معلوم شعر : آنجه بيدا وآنجه بنهانست همه بادانش تويكسانست تفسير : لا عارضى ولا كسبى ليختص بمعلوم دون معلوم كعلم البشر والملك تلخيصه لا يخفى عليك شيء ما فى مكان فافعل بنا ما هو مصلحتنا فالظرف متعلق يخفى او شيء ما كائن فيهما على انه صفة لشيء

الجنابذي

تفسير : {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} فانت العالم بحاجاتنا ومصالحنا سألنا او لم نسأل {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تعميم بعد تخصيصٍ والتفات من الخطاب الى الغيبة اشارة الى تنزّله عن مقام الحضور ثمّ انتقل عن مقام الثّناء الى مقام الالتفات الى النّعمة والقيام بشكرها فقال {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ}.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى} أى ما نخفى بعضنا عن بعض أو ما أضمرناه فى قلوبنا. {وَمَا نُعْلِنُ} ما يظهر بعضنا لبعض أو ما ننطق به فأَنت عالم بحوائجنا ومصالحنا وأرحم بنا منا وإِنما ندعوك إِظهارا للعبودية والعجز واستعجالا لنيل ما عندك وولها إِلى رحمتك، كما روى أن بعضاً رفع حاجته إِلى كريم فأَبطأَ عليه قضاءها، فقال له تلويحاً بقضائها: مثلك لا يذكر استقصاراً ولا توهما للغفلة عن حوائج السائلين ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته إِلا أن يتكلم فيها، وقيل ما نخفى من الحزن لما وقع بينى وبين هاجر مع إِسماعيل من الفرقة وما نعلن من الدعاء والبكاء، قالت له هاجر عند الوداع إِلى من تكلنا. قال: إلى الله أكلكم، قالت: آلله أمر بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا تخشى تركنا إِلى كاف، وذكروا عن ابن عباس أن إِبراهيم جاء بهاجر وإِسماعيل حتى وضعهما بمكة ثم رجع فنادته يا إِبراهيم أسأَلك: فالتفت. فقالت: من أمرك أن تضعنى وابنى بأَرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنيس. قال: ربى. قالت إِذن لا يضيعنى، ولما ولى دعا بذلك الدعاء كله، قال فى عرائس القرآن: لما نجى الله تعالى خليله إبراهيم من نار نمرود وآمن به من آمن خرج مع لوط وتزوج سارة بنت عمه ونزل بحران فمكث ما شاء الله ثم هاجر إلى مصر وكانت سارة أحسن النساء وكانت لا تعصى إبراهيم فى شىء وبذلك أكرمها الله تعالى فأَتى رجل فرعون مصر وقال إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن النساء ووصف حسنها وجمالها، فأَرسل الجبار إِلى إبراهيم رسولا، فقال له ما هذه المرأة منك. قال: هى أختى، قيل خاف أن يقتله إِن قال هى امرأتى. فقال له: زينها وأرسلها معى حتى ينظر إِليها الملك فمضى إِليها إِبراهيم فقال: إن هذا الجبار قد سأَلنى عنك فأخبرته أنك أُختى فلا تكذبينى عنده، فإِنك أُختى فى كتاب الله فإِنه ليس فى هذه الأَرض مسلم غيرى وغيرك ثم أقبلت سارة إِلى الجبار، وقام إبراهيم يصلى فلما دخلت عليه ورآها هوى بيده إِليها، فيبست إِلى صدره فعظم أمره وقال اسئلى إِلهك أن يطلق يدى فوالله لا أُوذيك. فقالت: اللهم إِن كان صادقاً فأطلق يده، قيل فعل ذلك ثلاث مرات كلما أهوى بيده يبست فردها إِلى إِبراهيم فلما أحس بها انفلت من صلاته قال: ما الخبر. قالت: كفى الله كيد الفاجر ووهب لى هاجر، وروى أنه رفع الحجاب بين إِبراهيم وسارة ينظر إِليها من وقت خروجها إلى رجوعها إليه كرامة لها وتطييباً لقلبه وكانت هاجر ذات هيئة فوهبتها سارة إِبراهيم فقالت إِنى أراها امرأة وضئة فخذها فلعل الله يرزقك منها ولداً وكانت سارة قد منعت الولادة حتى آيست فوقع إِبراهيم على هاجر فولدت له إِسماعيل. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِذا فتحتم مصر فاستوصوا بأَهلها خيراً فإِن لهم ذمة ورحماً"تفسير : . قال ابن إسحاق: سأَلت الزهرى ما الرحم الذى ذكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: كانت هاجر أُم إِسماعيل منهم ثم خرج من مصر ونزل السبع من فلسطين واحتفر نهراً واتخذ مسجداً وكان ماء العين ظاهراً على وجه الأَرض وكانت غنمه تردها وأقام مدة، ثم أذاه أهل تلك الأَرض فخرج حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرملة وايلة ببلدة يقال بها بضا فنضب ماء العين لما خرج فندم أهل السبع على ما صنعوه به، وقالوا أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحاً فاتبعوه حتى أدركوه فسأَلوه أن يرجع إِليهم، فقال ما أنا براجع إِلى بلد أخرجت منها. فقالوا: إن الماء الذى كنت تشرب منه ونشرب معك قد نضب، فأَعطاهم سبع أعنز من غنمه وقال: اذهبوا بها معكم فإِنكم إِذا أوردتموها إِلى ظهر الماء جرى حتى يكون على وجه الأَرض كما كان ولا يقربه امرأة حائض، ففعلوا فكانوا يشربون منه حتى غرقت منه حائض فنضب، وأقام إبراهيم يضيف من يأْتِيه وقد وسع الله الرحمن الرحيم عليه فى الرزق والخدم إِلى أن أمر الله جل جلاله الملائكة المرسلين إِلى إهلاك قوم لوط أن يبشروه بإِسحاق ومن ورائه يعقوب. قال السدى وابن بشار حملت سارة بإِسحاق وقد حملت هاجر بإِسماعيل فوضعتا معاً وشب الغلامان فبينما هما يتناضلان ذات يوم وقد كان إِبراهيم يسابق بينهما فسبق إِسماعيل فأَخذه واجلسه فى حجره وأجلس إِسحاق إِلى جنبه وسارة تنظر إِليه فغضبت وقالت: عمدت إِلى ابن الأمة فأَجلسته فى حجرك وعمدت إلى بنى فأجلسته إِلى جنبك وقد جعلت لى أن لا تغيرنى وأخذها ما يأخذ النساء من الغيرة، فحلفت لتقطعن منها قطعة ولتغيرن خلقتها ثم ثاب إليها عقلها فبقيت متحيرة فى ذلك، فقال لها إبراهيم: اخفضيها أى اختنيها واثقبى أذنيها، ففعلت فكان الخفاض وثقب الأُذنين سنة فى النساء ثم إِن إسماعيل وإِسحاق اقتتلا ذات يوم كما يفعل الصبيان فغضبت سارة على هاجر، وقالت: لا تساكنينى فى بلد واحد وطلبت من إبراهيم أن يعزلها عنها فأَوحى الله إِلى إِبراهيم أن يأْتى بهاجر وابنها إِلى مكة فذهب بهما حتى قدم مكة وهى إِذ ذاك عضاة وسلم وسمر وحواليها خارج مكة ناس يقال لهم العماليق وموضع البيت يومئذ ربوة حمرا، فقال إِبراهيم لجبريل: ها هنا أُمرت أن أضعها. قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أن تتخذ عريشاً، ثم قال: ربنا إنى أسكنت من ذريتى.. إلخ. ثم انصرف فاتبعته هاجر فقالت: إلى من تكلنى فجعل لا يرد عليها شيئاً ولا يلتفت، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم انصرفت راجعة وكانت مع هاجر شنة فيها ماء فنفد الماء وانقطع لبنها فعطشت وعطش الصبى فنظرت أى الجبال أدنى إِليها فإِذا هو الصفا فصعدت عليه فتسمعت هل تسمع صوتاً أو ترى شخصاً فلم تسمع شيئاً ولم تر أحداً ثم سمعت أصوات السباع فى الوادى نحو إِسماعيل فأقبلت مسرعة ثم سمعت صوتاً نحو المروة فسعت وما تريد السعى كالإِنسان المجهود فهى أول من سعى بين الصفا والمروة ثم صعدت المروة فسمعت صوتاً فقالت كالإِنسان الذى يكذب سمعه صه حتى استيقنت وجعلت تدعو أسمع أيل ومعنى أيل الله، وقالت قد أسمعتنى كلامك فأغثنى فقد هلكت، وهلك من معى، فإِذا هى بجبريل عليه السلام، فقال لها: من أنت. فقالت: سرية إبراهيم عليه السلام، تركنى وابنى ها هنا، قال: إِلى من وكلكما. قالت: إِلى الله تعالى. قال: قد وكلكما إِلى كف ثم جاء بها وقد نفد طعامها وشرابها حتى انتهى بها إِلى موضع زمزم فضرب بقدمه الأَرض فصارت عيناً فلذلك يقال لزمزم ركضة جبريل، فلما نبع الماء أخذت هاجر شنة وجعلت تستقى فيها لتدخره، فقال جبريل عليه السلام: انها روى وجعلت حولها جسراً، قال رسول الله ـ صلى الله عيه وسلم ـ "حديث : لولا أنها أعجلت لكانت زمزم عيناً معيناً" تفسير : وقال لها جبريل: لا تخافى على هذه العين فإِنها عين يشرب منها ضيفان الله، وقال لها: إِن أبا هذا الغلام شيخى ويبنى لله بيتاً هذا موضعه ومرت رفقة من جرهم يريدون الشام فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: لا يكون الطير حائماً إِلا على الماء، فأَتوا فقالوا لهاجر: إن شئت كنا عندك، وآنسناك والماء ماؤك، فأَذنت لهم فنزلوا معها فهم أول سكان مكة ولذلك كانت العرب تقول فى تلبيتها اللهم إِن جرهم عبادك والناس طرف وبهم قديماً عمرت بلادك فكانوا هنالك حتى شب إِسماعيل وماتت هاجر ودفنت فى الحجر وماتت بعدها سارة بالشام ولها مائة وتسع وعشرون سنة فى جيرون من أرض كنعان ودفنت فى مزرعة اشتراها إِبراهيم عليه السلام من الكنعانيين. تسميه قطور بنت يقطر وولدت له يفتان وزمران ومداين وشنق وشرخ ومدين ثم تزوج امرأة تسمى عجوز بنت أهيب من جرهم وولدت له كيسان وشورخ ولهيم ولوطان ويافس وجملة أولاده مع اسماعيل وإٍسحاق ثلاثة عشر ذكراً أكبرهم إِسماعيل وأنزله بمكة وأنزل اسحاق بالشام وفرق سائر أولاده، فقالوا: مالك فرقتنا بأَرض الغربة. فقال: بذلك أُمرت. وعلمهم أسماء الله يستسقون بها وينتصرون، ثم تزوج إِسماعيل امرأة من جرهم وأخذ لسانهم فتعرب بهم ثم إِن إِبراهيم استأَذن سارة أن يزور هاجر وابنها فأذنت له وشرطت أن لا ينزل فقدم مكة وقد ماتت هاجر، ويقال: إِنه قدمها على البراق وذهب إلى بيت إِسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس هنا ذهب يتصيد، وكان إِسماعيل يخرج من الحرم يتصيد ثم يرجع وكان مولعاً بالصيد وكان مخصوصاً بالقنص والفروسية والرمى والصرع، فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة، وهل أجد عندك طعاماً أو شراباً؟ قالت: ليس عندى شىء. قال: فإِذا جاء زوجك فأقرئيه منى السلام وقولى له يغير عتبة بابه، فلما قدم إِسماعيل أخبرته بما قاله إِبراهيم فطلقها وتزوج أُخرى، فلبث إِبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور إِسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فجاء إِبراهيم حتى انتهى إِلى بيت إِسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيد وهو يجىء إِن شاء الله، أنزل رحمك الله، قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم. فجاءت بالتين واللحم فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر الأَرض براً وشعيراً أو تمراً، فقالت: انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته عند شقه الأَيمن فوضع قدمه عليه فبقى أثر قدمه عليه فلما فرغ قال لها: إِذا جاء زوجك فأقرئيه منى السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل عليه السلام وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم. جاء شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً فقال لى كذا وقلت له كذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام، فقال لها: ذلك أبى إبراهيم. قال أنس: رأيت فى المقام أثر أصابع إِبراهيم وعقبه واخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم وإِنما عنى إِبراهيم بتغيير العتبة وإثباتها تطليق الزوجة وإِمساكها وكان جائزا أن يأْمره بالتطليق، قال على بن أبى طالب، قال عبد المطلب: بين أنا قائم فى الحجر إذ أتانى آت فقال: احفر طيبة. قلت: فما طيبة. قال: فذهب عنى ولم يجئنى فلما كانت الليلة الثانية جاءنى فقال احفر برة، قال: فما برة، فذهب عنى فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم، وكان قد درس وغر ماؤها فقال: بئر تسقى الحجيج عند منحر قريش عند نقرات الغراب الأَعصم وقرية النمل فلما بَيَّنَ له قام فقصد الموضع فوجد غراباً ينقر وبيت النمل فحفر بينهما بمعول ومعه ابنه الحارث ليس له غيره فقالت قريش: يا عبد المطلب إِنها من آبار إسماعيل أبينا وإِن لنا فيها حقاً فأشركنا فيها، فقال: ما أنا بفاعل إِن هذا شىء خصصت به من دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا فإِنا غير تاركيك حتى نخاصمك، قال: فاجعلوا بينى وبينكم من شئتم. قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيل. قال: نعم. وكانت من أشرف بيت فى الشام فركع عبد المطلب ومعه نفر من بنى أمية بن عبد مناف ونفر من كل قبيلة من قريش والأَرض مفاوز ولما كانوا ببعض المفاوز نفد ما كان معه هو وأصحابه من الماء حتى أيقنوا بالهلاك فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأَتوا عليهم فقالوا: إِنا فى مفازة وإِنا لنخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم قال لأَصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: إِنا لرأيك تبع فمرنا بما شئت. قال: إِنى أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه حفرة بقدر ما يجد من القوة فكل من مات منا دفناه فى حفرته فاحتفروا وجلسوا ينتظرون الموت، ثم قال: هلا إِذا جلسنا منتظرين الموت نضرب يمينا وشمالا ونبغى لأَنفسنا ماء فعسى الله أن يرزقنا ماء فارتحل هو ومن معه وقريش ينظرون إِليهم وما هم فاعلون فتقدم عبد المطلب إِلى راحلته فركبها فلما ركبها انبعثت به فانفجرت عين ماء من تحت أخفافها فكبر عبد المطلب وأصحابه ثم نزل وشرب وشرب أصحابه حتى رووا وملأوا فسقيتهم، ثم قالوا يا عبد المطلب إن الله قد فضلك علينا والله لا نخاصمك أبداً فى زمزم إِن الذى سقاك هذا الماء فى هذه الفلاة هو الذى سقاك زمزم فارجع فرجع ورجعوا وخلوا بينه وبين زمزم، وروى أنه قيل لعبد المطلب يا أيها المذبح احفر زمزم إنك إن حفرتها لم تندم وهى تراث من أبيك الأَعظم وتسقى الحجيج، فقال: أى موضع زمزم. قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأَعصم فغدا بالمعول ومعه ابنه الحارث، فقالت قريش: والله لا نتركك تحفرها ومنحرنا وأوثاننا عندها وحسدوه وكانوا قد أخبروا أن جرهما لما سكنوا مكة أودعوا فى زمزم أموالا وأسلحة للمصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبروا أن الله تعالى باعث فى تلك القرية نبياً صفته كذا، ثم قال بعضهم لبعض دعوه يحفر فربما يخطىء الموضع فحفر غير بعيد فظهرت العلامة فكبروا وعرفوا أنه لم يخطىء فتمادى حتى بلغ تمثالين من ذهب وهما غزالان دفنتهما جرهم ثم وجد سيوفاً ودروعاً فقالت له قريش يا عبد المطلب إنا معك فى هذا شركاء. قال: لا. ولكن نضرب بالقداح قالوا: كيف تصنع. قال: نجعل للكعبة قدحين ولى قدحين فمن خرجت قدحاه على شىء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شىء له. قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش وضربوا القِدَاح عند صنم يقال له هبل، وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدحان الأَصفران على الغزالين للكعبة وخرج الأسودان على السيوف والدروع لعبد المطلب وتخلف قدحا قريش فعلق عبد المطلب السيوف والدروع بباب الكعبة وكانت الرئاسة والتقدمة لعبد المطلب قبل حفر زمزم ولما حفرها وخرج منها ماء ازداد بذلك فى قريش عظمة وجاهاً ومنزلة وعاف الحجيج المياة التى كانت بمكة ونواحيها وأقبلوا على زمزم العذوبة ماؤها ولكونها من أثر إسماعيل فافتخرت بذلك بنو عبد مناف على قريش وسائر العرب. انتهى كلام عرائس القرآن. وفى رواية أنه بلغ إبراهيم من الشام وإلى مكة راكبا هو وابنه إِسماعيل وهاجر فى يوم واحد وركب منصرفا وتركهما من يومه وترك عندها جواب تمر وسقاء ماء ولما كان عند الثنية كر راجعاً حيث لا يريانه، استقبل موضع البيت ودعا بذلك الدعاء إلى قوله يشكرون. وعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : ماء زمزم لما شرب له" تفسير : ، ذكره ابن العربى قال: ولقد كنت مقيماً بمكة سنة سبع وثمانين وأربعمائة وأكثرت شرب ماءه ناوياً به العلم والإِيمان ففتح لى فى ذلك ونسيت أن أنويه للعمل مع ذلك. ا.هـ. وذكروا أن أول ما اتخذت النساء المنطقة من قيل أُم إسماعيل لتعفى أثرها على سارة وأنها جعلت تشرب من السقاء وترضع صبيها حتى نفد فعطشت وعطش وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهة أن تنظر إِليه وابتغاء الماء فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه واستقبلت الوادى تنظر أحداً فلم تر فهبطت حتى بلغت الوادى فرفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى ثم أتت المروة فقامت عليها فلم تر أحدا فعلت ذلك سبعاً وإِن موضع البيت كان مرتفعاً تأْتيه السيول فتأْخذ عن يمينه وعن شماله وأن جماعة من جرهم أقبلت من طريق كدى ونزلوا أسفل مكة وقصدوا الموضع الذى هى فيه لرؤيتهم الطير حائماً عليه قائلين إِن الطير إِنما يحوم على الماء بعد ما أرسلوا رجلا أو رجلين فرجع أو رجعا إِليهم بخبر الماء وقالوا: تأْذنين أن ننزل عندك. قالت: نعم، ولكن لا حق لكم فى الماء، قالوا: نعم. وشب فيهم إِسماعيل عليه السلام وكان أنفسهم ولما أدرك زوجوه بامرأة منهم، وروى أنهم قالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت. وروى أن الماء نبع من تحت قدم إسماعيل لما جعل يبكى ويحكها بالأَرض كالصبيان. {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَىْءٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ} هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديق لإِبراهيم عند الأَكثر، وقيل من كلام إِبراهيم عليه السلام وإِنما كان لا يخفى شىء على الله لأَنه عالم بالذات فاستوى فى علمه كل شىء ومن صلة التأكيد لاستغراق المستفاد من النكرة فى سياق النفى وقيل من هو المقيد للاستغراق.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ} من حزن القلب وبكاءِ العين وأَحوالنا ومصالحنا وأَرحم بنا منا لأَنفسنا. شعر : وأرحم بى منى لنفسى وأَرأَف فما جزعى مما أَصاب وما عذرى تفسير : لكن ندعوك توحيدا لك، إِذ لا قاضى حاجة سواك، ولا أرحم منك واستعجالا لنيل ما عندك، فمن شأْن الإِنسان العجلة ولو كان الأَولى تركها، وجبرا لما نالنى من مفارقتى لولدى الرضيع وأُمه السرية الموافقة لى دنيا ودينا، المطيعة لك، وإِظهار للتضرع والتوكل فإِنك المرجو ظاهرا وباطنا رجاءً لأَن تحييهما فى واد غير ذى زرع وتخفيفا للحزن المتمكن فى قلبى على ذلك، واستنجازاً لقولها: إِذاً لا نخشى، تركتنا إلى كاف حين قلت لها: الله أَمرنى بذلك، وكرر النداءَ للمبالغة فى التضرع {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَىْءٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ} لأن علمه لنفسه لا بتعلم وحدوث، وما بذلك لا يتغير، ومن للاستغراق تصريحا، ولو كان بدون من لكان ظاهرا لا تصريحا إلا بعلمنا من خارج أنه لا يخفى عليه شىء ما، وقيل: النكرة فى سياق السلب تعم تصريحا لا ظهورا فقط، ولو لم تدخل عليها من الزائدة، وذلك من كلام إبراهيم على الصحيح، لأَن ما قبله وما بعده من كلامه، وقيل: من كلام الله - عز وجل - معترض ولا سيما أن بين الكلامين مدة، وعلى الأَول والأصل وما يخفى عليك، ووضع الظاهر موضع المضمر قصد إلى ذكره تعالى باسمه الأعظم الذى يستجاب به التفاتا من الخطاب إلى الغيبة، وعلى الثانى الأصل وما يخفى على من شىءٍ فى الأرض ولا فى السماءِ، على الالتفات - السكاكى - من التكلم إلى الغيبة، اعترض به تصديقا لكلامه قبل تمامه، وقدم الأَرض للفاصلة، ولأَن الداعى والمدعو له فى الأرض، وليكون علمه بما فى الأرض كالبرهان لعلمه بما فى السماءِ، والأَمكنة عنده سواءَ، فإذا علم ما فى الأَرض فعلمه بما فى السماءِ أَولى بحسب بادى الرأْى؛ لأَنها فى جهة محل اللوح والوحى، وهو متنزه عن الحلول.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ} من الحاجات وغيرها، وأخرج ابن أبـي حاتم عن إبراهيم النخعي أن مراده عليه السلام ما نخفي من حب إسماعيل وأمه وما نعلن لسارة من الجفاء لهما، وقيل: ما نخفي من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة وما نعلن من البكاء والدعاء، وقيل: ما نخفى من كآبة الافتراق وما نعلن مما جرى بيننا وبين هاجر عند الوداع من قولها: إلى من تكلنا؟ وقولي لها: إلى الله تعالى، و {مَا } في جميع هذه الأقوال موصولة والعائد محذوف؛ والظاهر العموم وهو المختار، والمراد بما نخفي على ما قيل ما يقابل {مَا نُعْلِنُ } سواء/ تعلق به الإخفاء أو لا أي تعلم ما نظهره وما لا نظهره فإن علمه تعالى متعلق بما لا يخطر بباله عليه السلام من الأحوال الخفية، وتقديم {مَا نُخْفِى } على {مَا نُعْلِنُ} لتحقيق المساواة بينهما في تعلق العلم على أبلغ وجه فكأن تعلقه بما يخفى أقدم منه بما يعلن أو لأن مرتبة السر والخفاء متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو قبل ذلك خفي فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى أقدم من تعلقه بحالته الثانية، وجعل بعضهم {مَا } مصدرية والتقديم والتأخير لتحقيق المساواة أيضاً، ومن هنا قيل: أي تعلم سرنا كما تعلم علننا. والمقصود من فحوى كلامه عليه السلام أن إظهار هذه الحاجات وما هو من مباديها وتتماتها ليس لكونها غير معلومة لك بل إنما هو لإظهار العبودية والتخشع لعظمتك والتذلل لعزتك وعرض الافتقار لما عندك والاستعجال لنيل أياديك، وقيل: أراد عليه السلام أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا من أنفسنا فلا حاجة لنا إلى الطلب لكن ندعوك لإظهار العبودية إلى آخره، وقد أشار السهروردي إلى أن ظهور الحال يغني عن السؤال بقوله:شعر : ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني عليل ومن أشكو إليه عليل ويمنعني الشكوى إلى الله أنه عليم بما أشكوه قبل أقول تفسير : وتكرير النداء للمبالغة في الضراعة والابتهال، وضمير الجماعة ـ كما قال بعض المحققين ـ لأن المراد ليس مجرد علمه تعالى بما يخفي وما يعلن بل بجميع خفايا الملك والملكوت وقد حققه عليه السلام بقوله على وجه الاعتراض: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْء فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء} لما أن علمه تعالى ذاتي فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلوم دون معلوم، وقال أبو حيان: لا يظهر تفاوت بين إضافة رب إلى ياء المتكلم وبين إضافته إلى جمع المتكلم اهـ. ومما نقلنا يعلم وجه إضافة {رَبّ } هنا إلى ضمير الجمع، ولا أدري ماذا أراد أبو حيان بكلامه هذا، وما يرد عليه أظهر من أن يخفى، وإنما قال عليه السلام: {وَمَا يَخْفَىٰ } إلى آخره دون أن يقول: ويعلم ما في السمٰوات والأرض تحقيقاً لما عناه بقوله: {تَعْلَمُ مَا نُخْفِى } من أن علمه تعالى بذلك ليس على وجه يكون فيه شائبة خفاء بالنسبة إلى علمه تعالى كما يكون ذلك بالنسبة إلى علوم المخلوقات. وكلمة {فِى } متعلقة بمحذوف وقع صفة ـ لشيء ـ أي لشيء كائن فيهما أعم من أن يكون ذلك على وجه الاستقرار فيهما أو على وجه الجزئية منهما، وجوز أن تتعلق ـ بيخفى ـ وهو كما ترى. وتقديم الأرض على السماء مع توسيط {لا } بينهما باعتبار القرب والبعد منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا. والمراد من السماء ما يشمل السمٰوات كلها ولو أريد من الأرض جهة السفل ومن السماء جهة العلو كما قيل جاز، والالتفات من الخطاب إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم والإيذان بعمومه لأنه ليس بشأن يختص به أو بمن يتعلق به بل شامل لجميع الأشياء فالمناسب ذكره تعالى بعنوان مصحح لمبدئية الكل، وعن الجبائي أن هذا من كلام الله تعالى شأنه وارد بطريق الاعتراض لتصديقه عليه السلام كقوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } تفسير : [النمل: 34] والأكثرون على الأول. {وَمِنْ} على الوجهين للاستغراق.

ابن عاشور

تفسير : جاء بهذا التوجه إلى الله جامعاً لما في ضميره، وفذلكةً للجمل الماضية لِما اشتملت عليه من ذكر ضلال كثير من الناس، وذكر من اتبع دعوته ومن عصاه، وذكر أنه أراد من إسكان أبنائه بمكة رجاء أن يكونوا حراس بيت الله، وأن يقيموا الصلاة، وأن يشكروا النعم المسؤولة لهم. وفيه تعليم لأهله وأتباعه بعموم علم الله تعالى حتى يراقبوه في جميع الأحوال ويخلصوا النية إليه. وجملة {وما يخفى على الله من شيء} تذييل لجملة {إنك تعلم ما نخفي وما نعلن}، أي تعلم أحوالنا وتعلم كل شيء. ولكونها تذييلاً أظهر فيها اسم الجلالة ليكون التذييل مستقلاً بنفسه بمنزلة المَثل والكلام الجامع.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 38- ربنا، إنه يستوى عند علمك سرنا وعلانيتنا، فأنت أعلم بمصالحنا، وأرحم بنا منا، وما يخفى عليك شئ ولو كان صغيراً فى الأرض ولا فى السماء، فلا حاجة بنا إلى الدعاء، ولكننا ندعوك إظهاراً للعبودية، ونخشع لعظمتك، ونفتقر إلى ما عندك. 39- الحمد لله الذى أعطانى - مع كبر سنى، واليأس من الولد - إسماعيل ثم إسحاق. إن ربى لسميع دعائى، مجيب له. 40- رب وفقنى لأداء الصلاة على وجهها، ووفق لأدائها كذلك الأخيار من ذريتى، ربنا تقبل دعائى قبول المستجيب. 41- ربنا اغفر لى ما فرط منى من الذنوب، واغفر لوالدىّ وللمؤمنين. يوم يتحقق الحساب، ويكون من بعده الجزاء. 42- ولا تظنن - أيها الرسول - ربك غافلاً عما يعمل الظالمون من محاربة الإسلام وأهله؛ بل هو عالم بمخالفتهم، وقدَّر تأخير عقوبتهم ليوم عسير، تبقى فيه أبصارهم مفتوحة، لا يسيطرون عليها، فلا ترتد إليهم من هول ما ترى. 43- وهم مسرعون نحو الداعى، رافعو رؤوسهم إلى السماء، لا ترجع أعينهم إلى إرادتهم، وقلوبهم خالية ليس فيها تفكير من شدة الخوف.

د. أسعد حومد

تفسير : (38) - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مُتَابِعاً دُعَاءَهُ: رَبَّنا أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي، وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لأَِهْلِ هَذَا البَلَدِ، وَأَنَّهُ القَصْدُ إِلى رِضَاكَ، وَالإِخْلاصُ لَكَ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَلا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن اطمأن إبراهيم - عليه السلام - أن لهذا البلد أمناً عاماً وأمناً خاصاً، واطمأن على مُقوِّمات الحياة؛ وأن كل شيء من عند الله، بعد كل ذلك عاودته المسألة التي كانت تشغله، وهي مسألة تَرْكه لهاجر وإسماعيل في هذا المكان. وبعض المُفسِّرين قالوا: إن الضمير بالجمع في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ..} [إبراهيم: 38]. مقصود به ما يُكِنّه من الحُبِّ لهاجر وإسماعيل، وما يُعلِنه من الجفاء الذي يُظهِره لهما أمام سارة، وكأن المعاني النفسية عاودتْه لحظةَ أنْ بدأ في سلام الوداع لهاجر وابنه إسماعيل. ونقول: لقد كانت هاجر هي الأخرى تعيش موقفاً صَعْباً؛ ذلك أنها قد وُجِدت في مكان ليس فيه زَرْع ولا ماء، وكأنها كتمتْ نوازعها البشرية طوال تلك الفترة وصبرتْ. ولحظة أنْ جاء إبراهيم لِيُودّعها؛ قالت له: أين تتركنا؟ وهل تتركنا مِنْ رأيك أم من أمر ربَك؟ فقال لها إبراهيم عليه السلام: بل هو من أَمر الله. فقالت: إذن لن يضيعنا. وتأكدت هاجر من أن ما قالتْه قد تحقَّق؛ ولن يُضيّعهما الله، وحين يعطش وحيدها تجري بين الصفا والمروة بَحْثاً عن مياه؛ ولكنها ترى تفجُّر الماء تحت قَدَمَيْ ابنها في المكان الذي تركته فيه؛ ويبدأ بئر زمزم في عطاء البشر منذ ذلك التاريخ مياهه التي لا تنضب. وهكذا يتحقق قول إبراهيم - عليه السلام - في أن الله يعلم ما نُسِرّ وما نُعلِن؛ ذلك أن كل مُعْلَن لا يكون إلا بعد أن كان مَخْفياً، وعلى الرغم منَ أن الله غَيْبٌ إلا أن صِلَته لا تقتصر على الغيب؛ بل تشمل العالم الظاهر والباطن؛ وكل مظروف في السماء أو الأرض معلومٌ لله؛ لأن ما تعتبره أنت غيباً في ذهنك هو معلوم لله من قبل أن يتحركَ ذهنك إليه. ولذلك يقول سبحانه في موقع آخر: {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تفسير : [طه: 7]. فإذا كان السِّر هو ما أسررْت به لغيرك؛ وخرج منك لأنك استأمنتَ الغير على ألاّ يقوله، أو كان السر ما أخفيتَه أنت في نفسك؛ فالله هو العَالِم به في الحالتين. ويقول القرآن: {أية : وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً ..} تفسير : [التحريم: 3]. أي: أن السِّرَّ كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى بعضٍ من أزواجه. والأَخْفى هو ما قبل أنْ تبوحَ بالسرِّ؛ وكتمته ولم تَبُحْ به. وسبحانه يعلم هذا السر وما تخفيه. أي: السر الذي لم تَقًُلْه لأحد، بل ويعلمه قبل أنْ يكونَ سرِاً. ويقول سبحانه ما قاله إبراهيم - عليه السلام - ضراعةَ وحَمْداً له سبحانه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أنت أعلم بنا منا، فنسألك من تدبيرك وتربيتك لنا أن تيسر لنا من الأمور التي نعلمها والتي لا نعلمها ما هو مقتضى علمك ورحمتك، { وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ } ومن ذلك هذا الدعاء الذي لم يقصد به الخليل إلا الخير وكثرة الشكر لله رب العالمين.