١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ} أي وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظاماً للنعمة وإظهاراً لما فيها من آلائه. {إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ }. روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة. {إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاءِ} أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا اعتد به، وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز، وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من أجل النعم وأجلاها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى } أعطاني {عَلَىٰ } مع {ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ } وُلِدَ وَلَهُ تسع وتسعون سنة {وَإِسْحَٰقَ } وُلِدَ وَلَهُ مائة واثنتا عشرة سنة {إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء }.
القشيري
تفسير : أسعده بمنحه الولد على الكبر، ويلتحق ذلك بوجهٍ من المعجزات،؛ فحمد عليه. ولمَّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدَّم من ذكر نعمته - سبحانه - عليه، وأكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى المَلقِ، ويكون استدعاءَ نعمةٍ بنعمة، فكأنه قال: كما أكرمتني بِهِبَة الوَلَدِ على الكِبَر؛ فأَكْرِمْني بهذه الأشياء التي سألتُها. ويقال الإشارة في هذا أنه قال: كما مَنَنْتَ عليَّ فوهبتني على الكِبَر هذه الأولاد فأَجْنِبْنَا أن نعبد الأصنام لتكونَ النعمةُ كاملةً. وفي قوله: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [إبراهيم: 39].. إشارة إلى هذه الجملة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الحمد لله الذى وهب لى على الكبر} على ههنا بمعنى مع وهو فى موقع الحال اى وهب لى وانا كبير آيس من الولد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة واظهارا لشكرها لان زمان الكبر زمان العقم {اسمعيل} سمى اسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق به سماه به كما فى معالم التنزيل. وقال فى انسان العيون معناه بالعبرانية مطيع الله روى انه ولد له اسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة {واسحق} اسمه بالعبرانية الضحاك كما فى انسان العيون روى انه ولد له اسحاق وهو ابن مائة وثنتى عشرة سنة واسماعيل يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة {ان ربى} ومالك امرى {لسميع الدعاء} اى لمجيبه من قولهم سمع الملك كلامه اذا اعتد به وفيه اشعار بانه دعا ربه وسأل منه الولد كما قال {أية : رب هب لى من الصالحين} تفسير : فاجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من اجل النعم واجلاها
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (لسميعُ الدعاء): من إضافة أمثلة المبالغة إلى مفعوله، أي: لسميع دعاء من دعاءه. و(من ذريتي): عطف على مفعول "اجعل"، أي: اجعلني وبعض ذريتي مقيمين للصلاة. يقول الحق جل جلاله: حاكياً عن خليله عليه السلام: {الحمدُ لله الذي وهبَ لي على الكِبَر} أي: مع كبر سني عن الولد، {إسماعيل وإسحاق}، رُوي أنه وُلد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة وثنتي عشرة سنة، وقيل: غير ذلك. وإنما ذكر كبر سنه؛ ليكون أعظم في إظهار النعمة، وإظهاراً لما فيه من الآية، ولذلك قال: {إنَّ ربي لسميعُ الدعاء} أي: يجيب من دعاه، من قولك: سمع الملك كلامي، إذا اعتنى به. وفيه إشعارٌ بأنه تقدم منه سؤال الولد، فسمع منه، وأجابه حين وقع اليأس منه، ليكون من أجلِّ النعم وأجلاها. ثم طلب الاستقامة له ولولده بقوله: {ربِّ اجعلني مقيم الصلاة} أي: مُتقناً لها، مواظباً عليها، {ومن ذريتي} فاجعل من يُقيمها. والتبعيض؛ لعلمه بالوحي أنَّ مِنْ ولده من لا يقيمها، أو باستقرار عادته في الأمم الماضية أن منهم من يكون كفاراً. {ربنا وتقبل دعاء} أي: استجب، أو تقبل عبادتي. {ربنا اغفر لي ولوالدي}، وكان هذا الدعاء قبل النهي، أو قبل تحقق موتهما على الكفر، أو يريد آدم وحواء. {وللمؤمنين يوم يقول الحسابُ} أي: يثبت ويتحقق وجوده، مستعار من القيام على الرِّجل، كقولهم: قامت الحرب على ساق. أو يقوم إليه أهله، فحذف المضاف، أي: يقوم أهل الحساب إليه، وأسند إليه قيامهم؛ مجازاً. الإشارة: إتيان النسل البشري، أو الروحاني، من أجلِّ النعم وأكملها على العبد، وفي الحديث: "حديث : إذَا مَاتَ العَبْدُ انْقََطََعَ عَمَلُه إِلاَّ مَن ثَلاثٍَ، صدقةٍ جَاريةٍ، أو عَلْم بَثَه في صُدُور الرِّجالِ، أو وَلدٍ صالح يدعُو له بَعدَ مَوتهِ"تفسير : . والولد الروحاني أتم، لتحقق استقامته في الغالب. وطلب ذلك محمود كما فعل الخليل وزكريا، وغيرهما، وقد مدح الله مَنْ فعل ذلك بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} تفسير : [الفرقان: 74]. وقرة عين في الذرية: أن يكونوا على الاستقامة في الدين، وسلوك منهاج الصالحين. وكل ما أتوا به من الطاعة والإحسان فللوالدين حظ ونصيب من ذلك، ولا فرق بين الولد الروحاني والبشري، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : والمَرْءُ في ميزانه أَتْبَاعُهُ فاقْدِرْ إذنْ قَدْرَ النبيّ مُحَمَّدِ تفسير : والله تعالى أعلم. ثمَّ تمم قوله (يوم يقوم الحساب ) بذكر أهواله.
الطوسي
تفسير : هذا حكاية من الله تعالى باعتراف ابراهيم (ع) بنعم الله تعالى، وحمده إِياه على إِحسانه بما وهب له على كبر سنه ولدين: اسماعيل واسحق. وانه اخبر بأن ربه الذي خلقه يجيب الدعاء لمن يدعوه وذلك يدل على انه كان تقدم منه مسألة لله تعالى أن يهب له ولداً، فلذلك كان مجيباً له. والحمد هو الوصف الجميل على وجه التعظيم لصاحبه والاجلال له وفرق الرماني بين الحمد والمدح بان المدح: هو الوصف للشيء بالخير من جهته على وجه التعظيم له، فعله او لم يفعله، ولكن كان سبباً يؤدي اليه، وليس كذلك الحمد. والذم: نقيض لهما، لانه الوصف بالقبيح على جهة التحقير. والهبة عطية التمليك من غير عقد مثامنة يقال: وهب له كذا يهبه هبة، فهو واهب. والدعاء طلب الفعل بدلالة القول وما دعا الله (عز وجل) اليه فقد أمر به ورغب فيه، وما دعا العبد به ربّه فالعبد راغب فيه، ولذلك لا يجوز ان يدعو الانسان بلعنه ولا عقابه، ويحوز ان يدعو على غيره به. والتقبل أخذ العمل على طريقة ايجاب الحق به مقابلة عليه. وقال سعيد بن جبير: بشر ابراهيم بالولد بعد مئة وسبعة عشرة سنة. وقوله {رب اجعلني مقيم الصلاة} سؤال من ابراهيم (ع) لله تعالى ان يجعله ممن يقيم شرائط الصلاة ويدوم عليها بلطف يفعله به يختار ذلك عنده، وسأله ان يفعل مثل ذلك بذريته، وأن يجعل منهم جماعة يقيمون الصلاة، وهم الذين اعلمه الله ان يقوموا بها دون الكفار الذين لا يقيمون الصلاة {ربنا وتقبل دعاء} رغبة منه اليه تعالى ان يجيب دعاءه فيما سأله. وقوله {ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} نداء من ابراهيم لله تعالى ان يغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين، وهو ان يستر عليهم ما وقع منهم من المعاصي عند من أجاز الصغائر عليهم، ومن لم يجز ذلك حمل ذلك على أنه انقطاع منه اليه تعالى فيما يتعلق به، وسؤال على الحقيقة في غيره. وقد بينا ان أبوي ابراهيم لم يكونا كافرين وفي الآية دلالة على ذلك، لانه سأل المغفرة لهما يوم القيامة، فلو كانا كافرين لما قال ذلك، لأنه قال تعالى {أية : فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه}تفسير : فدل ذلك على ان أباه الذي كان كافراً جده لأمه او عمه على الخلاف. قال البلخي: ان أمه كانت مؤمنة، لانه سأل ان يغفر لأبيه وحكى أنه {أية : كان من الضالين}تفسير : وقال {أية : إِلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك}تفسير : ولم يقل لأبويه {ويوم يقوم الحساب} أي يقوم فيه الحساب. والعامل في يوم قوله {اغفر}.
الجنابذي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} مشتملاً على كبر السّنّ واليأس عن الولد قيّد الثّناء به اظهاراً لعظمة النّعمة دلالة على كمال القدرة {إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} قيل ولد اسماعيل (ع) حال كونه ابن تسعٍ وتسعين، وولد اسحاق (ع) حال كونه ابن مائة واثنتى عشر سنةً {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} ذكر ذلك اظهاراً لنعمة أخرى هى اجابته له فى دعاء الولد، ورجاءً لاجابة دعائه الماضى وتمهيداً لاجابة دعائه الآتى.
الهواري
تفسير : قوله: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} وقد دعا في هذه الآية الأخرى: (أية : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)تفسير : [الصافات:100]. {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة. {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} يعني دعائي لمحمد وأمته. قال الحسن: هو كقوله: (أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ) تفسير : [البقرة:128]. قوله: { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ}. قال الحسن: إن إبراهيم دعا لأبيه أن يُحوِّله الله من الكفر إلى الإِيمان، ثم يغفر له، وهو يرجو أن يُسلم. فلما مات كافراً تبرأ منه وعرف أنه قد هلك، وهو كقوله: (أية : وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) تفسير : [الشعراء:86]. قال هذا قبل أن يموت. قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون والمنافقون { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ} تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} أي: إلى إجابة الداعي حين يدعوهم من قبورهم. { مُهْطِعِينَ} أي: منطلقين مسرعين إلى إجابة الداعي إلى بيت المقدس في تفسير بعضهم حين يدعوهم من الصخرة من بيت المقدس. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، والصور قرن، فيذهب كل روح إلى جسده حتى يدخل فيه، فيقومون من قبورهم، فيجيبون بإجابة رجل واحد. بلغنا عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: تجعل الأرواح في الصور مثل النحل، ثم ينفخ فيه صاحب الصور، فيذهب كل روح إلى جسده. وقال في آية أخرى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ}تفسير : أي: من القبور سِرَاعاً [المعارج:43] أي: إلى المنادي إلى بيت المقدس. { مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} قال بعضهم: رافعي رؤوسهم شاخصة أبصارهم. { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي: يديمون النظر. { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: انتزعت القلوب فغصّت بها الحناجر، فلا هي تخرج من أفواههم ولا تعود إلى مكانها. وذكروا عن أبي هريرة قال: حديث : يحشر الناس ثلاث أمم: أمة على الإِبل، وأمة على أقدامهم، وأمة على وجوههم. قال: قيل يا رسول الله: كيف يمشي على وجهه؟ قال:إن الذي أمشاه على قدميه قادر أن يمشيه على وجهه
اطفيش
تفسير : {الْحَمْدُ للهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الكِبَرِ} أى مع الكبر والاستعلاء مجازى ويتعلق الجار بمحذوف حال من الياء فى لى والمعنى وهب لى وأنا كبير آيس من الولد، وقيل الهبة بحال الكبر استعظاماً لها وإِظهاراً لما فيها من الآية فهى أجل نعمة وأجلها وأحلاها إِذ كانت حيث وقع اليأس، {إِسْمَاعِيلَ} قال ابن عباس: ولده وهو ابن تسع وتسعين سنة، {وَإِسْحَاقَ} قال: ولده وهو ابن مائة واثنتى عشرة سنة، وقيل ولد إِسماعيل وهو ابن أربع وستين، وإِسحاق وهو ابن تسعين، وقال سعيد بن جبير: بشر بإِسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة وقوله {الحَمدُ للهِ الَّذِى وهبَ لى}. إلخ. من كلام إبراهيم قطعاً من حملت دعائه عند فراق هاجر فمعنى هبة إسماعيل أنه وهبه الله له وأوجده، ومعنى هبة إِسحاق أن الله جل جلاله قد بشره به، ولفظ الهبة صالح للمعنى العالم لهما ويحتمل أن يكون تكلم بذلك بعد ولادة اسحاق، {إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} قابله ومجيبه يقال سمع الملك كلامى أى اعتد بكلامى وقبله منه قول المصلى سمع الله لمن حمده، وحديث ما أذن الله لشىء أى ما سمع له أى ما قبله واعتد به كإِذنه لنبى يتغنى بالقرآن والدعاء على عمومه بحيث يقبل، وهو متضمن لدعاء إِبراهيم الذى دعا به عند فراق هاجر ولقوله رب هب لى من الصالحين وقيل هذا هو المراد وسميع صفة مبالغة مضافة للمفعول وأشد مبالغة من ذلك أن تجعل الإِضافة من الإِضافة للفاعل على طريق المجاز العقلى بأَمر اسند السمع العظيم للدعاء بنفسه وجعل الدعاء نفسه سميعاً كقولك صومه صوام.
اطفيش
تفسير : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَب لِى عَلَى الْكِبَرِ} على الاستعلاءِ مجازا أو بمعنى مع {إِسْمَاعِيلَ} لتسع وتسعين سنة من عمرة {وَإِسْحَاقَ} لمائة واثنتى عشرة، وقيل: إسمعيل لأَربع وستين وإسحق لتسعين وعن سعيد بن جبير: ما ولد إبراهيم إلا بعد سبع عشرة سنة، وهذا حمد لله عز وجل على نعمة التوليد فى غير أوانه، وليس هذا من الدعاءِ وفضلا عن أن يعترض بأنه لا يصح؛ لأَن إسحاق حين الدعاءِ غير موجود ولأنه عند وضع هاجر وإسماعيل عند البيت، وإِسحاق ولد بعد ذلك، فكيف يقول: الحمد لله الذى وهب لى إسحقا، وقد يكون الدعاءُ والحمد بعد ولادة إسحاق، وروى أنه لما وضعها وابنها استقبل الكعبة ودعا، أَى استقبل موضعها {إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} عالم به أو قابل له، أو دعاءَه قابل أَو عالم، كحسن الوجه بالإضافة، لكن على الإسناد المجازى بأن نقل إلى فعل بالضم فهو لازم، أو نزل بمنزلة اللازم فساغت منه الصفة المشبهة، بل أجاز الفارسى صوغها من المتعدى؛ لكن شرط فى إضافتها إلى الفاعل عدم اللبس بإضافتها إلى الفاعل على القطع، وهنا ليس كذلك لاحتمال المفعول والفاعل، فإذا أُريد المبالغة يختار الحمل على إضافته إلى الفاعل بالتأْويل المذكور، وإلا فإلى المفعول دعا الله فى الولد فوهبه، وذلك من أجل النعم لأَنه فى غير أَوانه، كما أشار إليه بذكر سميع الدعاءِ كأَنه قال: سأَلته فأعطانى لأَنه سميع الدعاءِ، وقد قال: "أية : رب هب لى من الصالحين" تفسير : [الصافات: 100].
الالوسي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ} أي مع كبر سني ويأسي عن الولد ـ فعلى ـ بمعنى مع كما في قوله:شعر : / إني على ما ترين من كبري أعرف من أين تؤكل الكتف تفسير : والجار والمجرور في موضع الحال، والتقييد بذلك استعظاماً للنعمة وإظهاراً لشكرها، ويصح جعل {عَلَىَّ} بمعناها الأصلي والاستعلاء مجازي كما في «البحر»، ومعنى استعلائه على الكبر أنه وصل غايته فكأنه تجاوزه وعلا ظهره كما يقال: على رأس السنة، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، وقال بعضهم: لو كانت للاستعلاء لكان الأنسب جعل الكبر مستعلياً عليه كما في قولهم: عليَّ دين، وقوله: {أية : وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ } تفسير : [الشعراء: 14] بل الكبر أولى بالاستعلاء منهما حيث يظهر أثره في الرأس {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } تفسير : [مريم: 4] نعم يمكن أن تجري على حقيقتها بجعلها متعلقة بالتمكن والاستمرار أي متمكناً مستمراً على الكبر، وهو الأنسب لإظهار ما في الهيئة من الآية حيث لم يكن في أول الكبر اهـ وفيه غفلة عما ذكرنا. {إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه وهب له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، ووهب له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، وفي رواية أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين، وإسحاق لسبعين، وعن ابن جبير لم يولد لإبراهيم عليه السلام إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة {إِنَّ رَبّى } ومالك أمري {لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء } أي لمجيبه فالسمع بمعنى القبول والإجابة مجاز كما في سمع الله تعالى لمن حمده، وقولهم: سمع الملك كلامه إذا اعتد به وقبله، وهو فعيل من أمثلة المبالغة وأعمله سيبويه وخالف في ذلك جمهور البصريين، وخالف الكوفيون فيه وفي أعمال سائر أمثلتها، وهو إذا قلنا بجواز عمله مضاف لمفعوله أن أريد به المستقبل، وقيل: إنه غير عامل لأنه قصد به الماضي أو الاستمرار، وجوز الزمخشري أن يكون مضافاً لفاعله المجازي فالأصل سميع دعاؤه بجعل الدعاء نفسه سامعاً، والمراد أن المدعو وهو الله تعالى سامع. وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد لاستلزامه أن يكون من باب الصفة المشبهة وهو متعد ولا يجوز ذلك إلا عند الفارسي حيث لا يكون لبس نحو زيد ظالم العبيد إذا علم أن له عبيداً ظالمين، وهٰهنا فيه إلباس لظهور أنه من إضافة المثال للمفعول انتهى، وهو كلام متين. والقول بأن اللبس منتف لأن المعنى على الإسناد المجازي كلام واه لأن المجاز خلاف الظاهر فاللبس فيه أشد ومثله القول بأن عدم اللبس إنما يشترط في إضافته إلى فاعله على القطع، وهذا كما قال بعض الأجلة مع كونه من تتمة الحمد والشكر لما فيه من وصفه تعالى بأن قبول الدعاء عادته سبحانه المستمرة تعليل على طريق التذييل للهبة المذكورة؛ وفيه إيذان بتضاعيف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاء بقوله: {أية : رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ } تفسير : [الصافات: 100] فاقترنت الهبة بقبول الدعوة، وذكر بعضهم أن موقع قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } وتذييله موقع الاعتراض بين أدعيته عليه السلام في هذا المكان تأكيداً للطلب بتذكير ما عهد من الإجابة، يتوسل إليه سبحانه بسابق نعمته تعالى في شأنه كأنه عليه السلام يقول اللهم استجب دعائي في حق ذريتي في هذا المقام فإنك لم تزل سميع الدعاء وقد دعوتك على الكبر أن تهب لي ولداً فأجبت دعائي وهبت لي إسماعيل وإسحاق ولا يخفى أن إسحاق عليه السلام لم يكن مولوداً عند دعائه عليه السلام السابق فالوجه أن لا يجعل ذلك اعتراضاً بل يحمل على أن الله تعالى حكى جملاً مما قاله إبراهيم عليه السلام في أحايين مختلفة تشترك كلها فيما سيق له الكلام من كونه عليه السلام على الإيمان والعمل الصالح وطلب ذلك لذريته وأن ولده الحقيقي من تبعه على ذلك فترك العناد والكفر، وقد ذكر هذا صاحب "الكشف" ومما يعضده ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } الخ. قال هذا بعد ذلك بحين، ووحد عليه السلام الضمير في {رَبّ} / وإن كان عقيب ذكر الولدين لما أن نعمة الهبة فائضة عليه عليه السلام خاصة وهما من النعم لا من المنعم عليهم.
ابن عاشور
تفسير : لما دعا الله لأَهَمّ ما يهمه وهو إقامة التوحيد وكان يرجو إجابة دعوته وأن ذلك ليس بعجب في أمر الله خطر بباله نعمة الله عليه بما كان يسأله وهو أن وهب له ولدَيْن في إبان الكِبَر وحين اليأس من الولادة فناجى الله فحمده على ذلك وأثنى عليه بأنه سميع الدعاء، أي مجيب، أي متصف بالإجابة وصفاً ذاتياً، تمهيداً لإجابة دعوته هذه كما أجاب دعوتَه سلفاً. فهذا مناسبة مَوقع هذه الجملة بعد ما قبلها بقرينة قوله: {إن ربي لسميع الدعاء}. واسم الموصول إيماء إلى وجه بناء الحمد. و{على} في قوله: {على الكبر} للاستعلاء المجازي بمعنى {مع}، أي وهب ذلك تعلياً على الحالة التي شأنها أن لا تسمح بذلك. ولذلك يفسرون {على} هذه بمعنى {مع}، أي مع الكِبَر الذي لا تحصل معه الولادة. وكان عُمُر إبراهيم حين ولد له إسماعيل ــــ عليهما السلام ــــ ستا وثمانين سنة (86). وعمره حين ولد له إسحاق ــــ عليهما السلام ــــ مائة سنة (100). وكان لا يولد له من قبل. وجملة {إن ربي لسميع الدعاء} تعليل لجملة {وهب}، أي وهب ذلك لأنه سميع الدعاء. والسميع مستعمل في إجابة المطلوب كناية، وصيغ بمثال المبالغة أو الصفة المشبهة ليدلّ على كثرة ذلك وأن ذلك شأنه، فيفيد أنه وصف ذاتي لله تعالى.
الواحدي
تفسير : {الحمد لله الذي وهب لي} أعطاني {على الكبر إسماعيل} لأنَّه وُلد له وهو ابن تسع وتسعين {وإسحاق} وُلد له وهو ابن مائة سنة واثنتي عشرة سنة. وقوله: {ومن ذريتي} أَيْ: واجعل منهم مَنْ يقيم الصَّلاة، وقوله: {ولوالدي} استغفر لهما بشرط الإِيمان. {ولا تحسبن الله غافلاً عمَّا يعمل الظالمون} يريد: المشركين من أهل مكَّة {إنما يؤخرهم} فلا يعاقبهم في الدُّنيا {ليوم تشخص} تذهب فيه أبصار الخلائق إلى الهواء حيرةً ودهشةً. {مهطعين} مسرعين منطلقين إلى الداعي {مقنعي} رافعي {رؤوسهم} إلى السماء لا ينظر أحدٌ إلى أحدٍ {لا يرتدُّ إليهم طرفهم} لا ترجع إليهم أبصارهم من شدَّة النَّظر فهي شاخصةٌ {وأفئدتهم هواء} وقلوبهم خاليةٌ عن العقول بما ذهلوا من الفزع. وقوله: {فيقول الذين ظلموا} أَيْ: أشركوا {ربنا أخرنا إلى أجل قريب} استمهلوا مدَّةً يسيرةً كي يجيبوا الدَّعوة، فيقال لهم: {أَوَلَمْ تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} حلفتم في الدُّنيا أنَّكم لا تُبعثون ولا تنتقلون إلى الآخرة، وهو قوله: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت...} تفسير : الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِسْمَاعِيلَ} {وَإِسْحَاقَ} (39) - وَحَمدَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الوَلَدِ - إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ - بَعْدَ أَنْ عَلاَهُ الكِبَرُ، وَآيسَ مِنَ الوَلَدِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَسْتَجِيبُ لِدُعَاءِ مَنْ دَعَاهُ مُخْلِصاً، وَلَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ مِنَ الوَلَدِ، وَفِيمَا سَأَلْتُهُ مِنْ جَعْلِ هَذا البَلَدِ حَرَماً آمناً، وَفِيمَا سَأَلْتُهُ مِنْ أَنْ يُجَنِّبنِي وَبَنِيَّ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والوَهْب هو عطاء من مُعْطٍ بلا مقابل منك. وكل الذرية هِبَة، لو لم تكُنْ هبة لكانت رتيبة بين الزوجين؛ وأينما يوجد زوجان توجد. ولذلك قال الله: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50]. والدليل على أن الذرية هِبَة هو ما شاءه سبحانه مع زكريا عليه السلام؛ وقد طلب من الله سبحانه أن يرزقه بغلام يرثه، على الرغم من أنه قد بلغَ من الكِبَر عِتياً وزوجه عاقر؛ وقد تعجَّب زكريا من ذلك؛ لأنه أنجب بقوة، وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9]. وهذا يعني ألاَّ يدخل زكريا في الأسباب والمُسبِّبات والقوانين. وقد سمَّى الحق سبحانه الذرية هِبةً؛ لذلك يجب أن نشكرَ الله على هِبَته؛ فلا تُرد هِبَته، إنْ وهبَ لك إناثاً فعلى العين والرأس؛ لأن الذي يقبل هبة الله في إنجاب الإناث برضاً يرزقه الله بشباب يتزوجون البنات؛ ويصبحون أطوعَ له من أبنائه، رغم أنه لم يَشْقَ في تربيتهم. وكل منّا يرى ذلك في مُحِِيطه، فمَنْ أنجب الأولاد الذكور يظل يرقب: هل يتزوج ابنه بمَنْ تخطفه وتجعله أطوعَ لغيره منه. وإنْ وهب لك الذكور فعلى العين والرأس أيضاً، وعليك أنْ تطلبَ من الله أن يكون ابنك من الذرية الصالحة، وإنْ وهبكَ ذُكْرانا وإناثاً فلكَ أن تشكره، وتطلب من الله أن يُعينك على تربيتهم. وعلى مَنْ جعله الحق سبحانه عقيماً أن يشكرَ ربه؛ لأن العُقْم أيضاً هبةٌ منه سبحانه؛ فقد رأينا الابن الذي يقتل أباه وأمه، ورأينا البنت التي تجحد أباها وأمها. وإنْ قَبِل العاقر هبةَ الله في ذلك؛ وأعلن لنفسه ولمَنْ حوله هذا القبول؛ فالحق سبحانه وتعالى يجعل نظرة الناس كلهم له نظرة أبناء لأب، ويجعل كل مَنْ يراه من شباب يقول له: "أتريد شيئاً يا عم فلان؟" ويخدمه الجميع بمحبة صافية. وإبراهيم - عليه السلام - قد قال للحق سبحانه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ ..} [إبراهيم: 39]. والشكر على الهبة - كما عرفنا - يُشكِّل عطاءَ الذرية في الشباب، أو في الشيخوخة. وأهل التفسير يقولون في: {عَلَى ٱلْكِبَرِ ..} [إبراهيم: 39]. أنه يشكر الحق سبحانه على وَهْبه إسماعيل وإسحاق مع أنه كبير. ولماذا يستعمل الحق سبحانه (على) وهي من ثلاثة حروف؛ بدلاً من "مع" ولم يَقُل "الحمد لله الذي وهب لي مع الكِبَر إسماعيل وإسحاق". وأقول: إن (على) تفيد الاستعلاء، فالكِبَر ضَعْف، ولكن إرادة الله أقوى من الضعف؛ ولو قال "مع الكبر" فالمعيّة هنا لا تقتضي قوة، أما قوله: {وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ ..} [إبراهيم: 39]. فيجعل قدرة الله في العطاء فوق الشيخوخة. وحين يقول إبراهيم عليه السلام ذلك؛ فهو يشكر الله على استجابته لما قاله من قبل: {أية : إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. أي: أنه دعا أن تكونَ له ذرية. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقول إبراهيم: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [إبراهيم: 39]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي ...}.
الأندلسي
تفسير : {عَلَى ٱلْكِبَرِ} يدل على مطلق الكبر ولم يتعين المدة التي وهب له فيها ولداه وروي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله ويجعل دعاء الله سميعاً على الاسناد المجازي والمراد سماع الله. "انتهى". هذا بعيد لاستلزامه أن يكون من باب الصفة المشبهة والصفة متعدية ولا يجوز ذلك إلا عند أبي علي الفارسي حيث لا يكون لبس وأما هنا فاللبس حاصل إذ الظاهر أنه من إضافة المثال للمفعول لا من إضافته للفاعل وإنما أجاز ذلك الفارسي في مثل زيد ظالم العبيد إذا علم أن له عبيداً ظالمين والظاهر أن إبراهيم عليه السلام سأل المغفرة لأبويه القريبين وكانت أمه مؤمنة وكان والده لم ييأس من إيمانه ولم تتبين له عداوة الله. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً} الآية، الخطاب في قوله: "ولا تحسبن" للسامع الذي يمكن فيه حسبان مثل هذه الجملة بصفات الله لا للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه مستحيل ذلك في حقه وفي هذه الآية وعيد عظيم للظالمين ومعنى: {مُهْطِعِينَ} مسرعين. ومعنى: {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} وجوه الناس يومئذٍ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ومعنى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} أي اضطراب أفئدتهم وجيشانها في الصدور وانها تجيء تذهب وتبلغ على ما روي حناجرهم فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبدا في اضطراب وحصول هذه الصفات الخمس للظالمين قيل عند المحاسبة بدليل ذكرها عقيب قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَاب}. {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم منصوب على أنه مفعول ثان لأنذر ولا يصح أن يكون ظرفاً لأن ذلك اليوم ليس بزمان الإِنذار وهذا اليوم هو يوم القيامة وأنذر الناس الظالمين وبين ذلك قوله: {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} لأن المؤمنين يبشرون ولا ينذرون. {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ} هو على إضمار القول والظاهر أن التقدير فيقال لهم والقائل الملائكة أو الباري تعالى يوبخون بذلك ويذكرون بذلك مقالتهم في إنكار البعث وأقسامهم على ذلك كما قال تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38]. قال الزمخشري: أو لم تكونوا أقسمتم على إرادة القول وفيه وجهان أن يقولوا ذلك بطراً وأشراً ولما استولى عليهم من إعادة الجهل والسفه وأن يقولوا بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيدا وما لكم جواب القسم وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: "أقسمتم" ولو حكى لفظ المقسمين لقال ما لنا من زوال والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزولون بالموت والفناء وقيل: لا تنتقلون إلى دار أخرى "انتهى". جعل الزمخشري أو لم تكونوا محكياً بقولهم: مخالف لما قدمناه وقوله: لا يزولون بالموت والفناء ليس بجيد لأنهم مقرون بالموت والفناء وقيل هو قول مجاهد. ومعنى ما لكم من زوال من الأرض بعد الموت أي: لا نبعث من القبور. {وَسَكَنتُمْ} ان كان من السكون فالمعنى أنهم قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد لا يحدثوها بما لقي الظالمون قبلهم. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} بالخبر والمشاهدة ما فعلنا بهم من الهلاك والانتقام. {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} أي صفات ما فعلوا ما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم. {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} الآية، الظاهر أن الضمير في مكروا عائد على المخاطبين في قوله: أو لم تكونوا أقسمتم. أي مكروا بالشرك بالله تعالى وتكذيب الرسل ومعنى مكرهم المكر العظيم الذي استفرغو فيه جهدهم والظاهر أن هذا إخبار من الله تعالى لنبيه بما صدر منهم في الدنيا وأنه ليس مقولاً في الآخرة الظاهر إضافة مكر وهو المصدر إلى الفاعل كما هو مضاف في الأول إليه كأنه قيل وعند الله ما مكروا أي مكرهم. قال الزمخشري: أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى وعند الله مكرهم الذين يمكرهم به وهو عذابه الذي يستحقونه يأتيهم من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون "انتهى". هذا لا يصح إلا إن كان مكر يتعدى بنفسه كما قدر هو يمكرهم به والمحفوظ أن مكر لا يتعدى إلى مفعول به بنفسه. قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنفال: 30] ولا يحفظ زيد ممكور وإنما يقال ممكور به وقرىء: لتزول بفتح اللام الأولى وضم الثانية ولتزول بكسر الأولى وفتح الثانية والذي يظهر أن زوال الجبال مجاز ضرب مثلاً لمكر قريش وعظمة. والجبال لا تزول وهذا من باب الغلو والإِيغال والمبالغة في ذم مكرهم. {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} هذا الوعد هو قوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا}تفسير : [غافر: 51]. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يمتنع عليه شىء ولا يغالب. {ذُو ٱنْتِقَامٍ} من الكفرة لا يعفو عنهم والتبديل يكون في الذات أي تزول ذات وتجيء أخرى منه بدلناهم جلوداً غيرها وبدلناهم بجنتيهم جنتين ويكون في الصفات تقول بدلت الحلقة خاتماً فالذات لم تفقد لكنها انتقلت من شكل إلى شكل واختلفوا في التبديل هنا أهو في الذات أم هو في الصفات فقال ابن عباس تمد كما يمد الأديم وتزال عنها جبالها وآكامها وشجرها وجميع ما فيها حتى تصير مستوية لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا وتبدل السماوات بتكوير شمسها وانتثار كواكبها وانشقاقها وخسوف قمرها. {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} مقرنين مشدودين في القرن أي مقرون بعضهم مع بعض في القيود والأغلال والظاهر تعلق في الأصفاد بقوله: مقرنين أي: يقرنون في الأصفاد. {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} السرابيل القمص فيجمع عليهم الأربع لذع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح. {لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ} متعلق بقوله: وبرزوا لله. {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ} جملة معترضة بينهما. و{كُلَّ نَفْسٍ} عام في الطائعة والعاصية. {مَّا كَسَبَتْ} أي في حياتها من طاعة ومعصية فيثيب الطائعة ويعاقب العاصية. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تقدم شرحه والإِشارة بهذا إلى ما ذكره تعالى من قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً}. إلى قوله: {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} ومعنى بلاغ كفاية في الوعظ والتذكير فالإِشارة بهذا إلى اعلام الله تعالى بما يجري في الآخرة ولينذروا وما بعده متعلق بمحذوف يدل عليه ما تقدم تقديره فأعلمنا به لينذروا به. {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ} الضمير في هو عائد على الله سبحانه وتعالى وهو المتصرف في ذلك اليوم وغيره وهو المتوحد بالألوهية. {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} هم أرباب العقول.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} [إبراهيم: 39] وهذا دعاء وحمد وشكر لإبراهيم الروح أن وهب له الله تعالى يعني: من تعلقه إلى القلب {إِسْمَاعِيلَ} السر {وَإِسْحَاقَ} الخفي أي: قبل تعلقه بالقالب وازدواجه بالجسم لم يكن له هذه التولدات {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} يعني: في الأزل قد سمع دعاء الروح وهو في العدم وآثاره في الوجود عند تعلقه بالقالب ما سأله ومن حسنها الاستعداد لقبول الفيض الإلهي كما قال تعالى: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}تفسير : [إبراهيم: 34]. {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ} [إبراهيم: 40] أي: دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن وبه يشير إلى دوام السير في الله بالله {وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} فيهم دعائي الذي دعوت لهم في العدم وسمعتهم في الأزل إلى الأبد {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي} [إبراهيم: 41] أي: استر لي بصفة مغفرتك؛ لئلا أرى وجودي فإنه حجاب بيني وبينك {وَلِوَالِدَيَّ} ولمن كان سبب وجودي في آباء العلوي وأمهات السفلى لكيلا يحجبونه عن رؤيته {وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} وهو يوم كان في جناب الله في الأزل بقوم كمالية كل نفس أو نقصانيتها. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً} [إبراهيم: 42] أي: في الأزل {عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} يعني: كل عمل يعمله الظالمون لم يكن الله غافلاً عنه في الأزل، بل كل كذلك بقضائه وقدره وإرادته سبباً على حكمته البالغة {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} يعني: الظالمين {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}. {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} [إبراهيم: 43] إشارته إلى أنه تعالى جعل سعادة أهل السعادة وشقاوة أهل الشقاوة مودعة في أعمالهم، والأعمال مودعة في أعمالهم ليبلغ كل واحد من الفريقين على قدر أعمالهم الشرعية والطبيعية إلى منزل من منازل السعداء، أو منزل من منازل الأشقياء يوم القيامة فلهذا أخر الظالمين ليزدادوا إثماً يبلغهم منازل الأشقياء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : فهبتهم من أكبر النعم، وكونهم على الكبر في حال الإياس من الأولاد نعمة أخرى، وكونهم أنبياء صالحين أجل وأفضل، { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } أي: لقريب الإجابة ممن دعاه وقد دعوته فلم يخيب رجائي، ثم دعا لنفسه ولذريته، فقال: { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } فاستجاب الله له في ذلك كله إلا أن دعاءه لأبيه إنما كان عن موعدة وعده إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):