١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة، وما يدل على صفة يوم القيامة، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم، لزم أن يكون إما غافلاً عن ذلك الظالم أو عاجزاً عن الإنتقام، أو كان راضياً بذلك الظلم، ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالاً على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم. فإن قيل: كيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة؟ والجواب من وجوه: الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً، كقوله: { أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14]. { أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ } تفسير : [القصص: 88] وكقوله: {يا أيها الذين آمنوا}. والثاني: أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الإنتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالاً. والثالث: أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. الرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمة، وعن سفيان بن عيينة: أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات. الصفة الأولى: أنه تشخص فيه الأبصار. يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة. والصفة الثانية: قوله: {مُهْطِعِينَ } وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة: القول الأول: قال أبو عبيدة هو الإسراع. يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه، فالمعنى: أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين، أي مسرعين نحو ذلك البلاء. القول الثاني: في الإهطاع قال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع. والقول الثالث: المهطع الساكت. والقول الرابع: قال الليث: يقال للرجل إذا قر وذل أهطع. الصفة الثالثة: قوله: {مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } والإقناع رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع، فقوله: {مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } أي رافعي رؤوسهم والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون رؤوسهم. الصفة الرابعة: قوله: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } والمراد من هذه الصفة دوام ذلك الشخوص، فقوله: {تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } لا يفيد كون هذا الشخوص دائماً وقوله: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } يفيد دوام هذا الشخوص، وذلك يدل على دوام تلك الحيرة والدهشة في قلوبهم. الصفة الخامسة: قوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ثم جعل وصفاً فقيل: قلب فلان هواء إذا كان خالياً لا قوة فيه، والمراد بيان أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار لعظم ما ينالهم من الحيرة ومن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العقاب ومن كل سرور، لكثرة ما فيه من الحزن، إذا عرفت هذه الصفات الخمسة فقد اختلفوا في وقت حصولها فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقيب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب، وقيل: إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق، والسعداء يذهبون إلى الجنة، والأشقياء إلى النار. وقيل: بل يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور، والأول أولى للدليل الذي ذكرناه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعجبه من أفعال المشركين ومخالفتهم دين إبراهيم؛ أي ٱصبر كما صبر إبراهيم، وأَعْلِم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم، بل سنَّة الله إمهال العصاة مدة. قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} يعني مشركي مكة يمهلهم ويؤخر عذابهم. وقراءة العامة «يُؤَخِّرُهُمْ» بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ». وقرأ الحسن والسُّلَمي وروي عن أبي عمرو أيضاً «نُؤَخِّرُهُمْ» بالنون للتعظيم. {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} أي لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، قاله الفراء. يقال: شَخَص الرجلُ بَصرَه وشَخَص البصرُ نفسُه أي سَمَا وطَمَح من هول مَا يرى. قال ابن عباس: تَشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يَرْمَضُون. {مُهْطِعِينَ} أي مسرعين؛ قاله الحسن وقَتَادة وسعيد بن جبير؛ مأخوذ من أهطع يُهطع إهطاعاً إذا أسرع. ومنه قوله تعالى: {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 8] أي مسرعين. قال الشاعر:شعر : بدجْلة دارُهُمْ ولقد أرَاهُمْ بدجْلةَ مُهطِعِينَ إلى السَّماعِ تفسير : وقيل: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع؛ أي ناظرين من غير أن يَطْرفوا؛ قاله ابن عباس، وقال مجاهد والضحّاك: «مُهْطِعِينَ» أي مديمي النظر. وقال النحاس: والمعروف في اللغة أن يقال: أهطع إذا أسرع؛ قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعاً يعني الإسراع مع إدامة النظر. وقال ابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه. {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ذلّ. وإقناع الرأس رفعه؛ قاله ابن عباس ومجاهد. قال ابن عرفة والقُتَبيّ وغيرهما: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه؛ ومنه الإقناع في الصلاة وأقنع صوته إذا رفعه. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وقيل: ناكسي رؤوسهم؛ قال المهدويّ: ويقال أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا طأطأ رأسه ذلّة وخضوعاً، والآية محتملة الوجهين، وقاله المبرّد، والقول الأول أعرف في اللغة؛ قال الراجز:شعر : أَنْغَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا كأنَّما أَبْصَرَ شيئاً أَطْمَعَا تفسير : وقال الشَّمَّاخ يصف إبلاً:شعر : يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بمُقْنَعَاتٍ نَوَاجِذُهنّ كالْحَدَإِ الْوَقِيعِ تفسير : يعني: برؤوس مرفوعات إليها لتتناولهن. ومنه قيل: مِقْنَعة لارتفاعها. ومنه قَنِع الرجل إذا رَضِي؛ أي رفع رأسه عن السؤال. وقَنَع إذا سأل أي أتى ما يتقنّع منه؛ عن النحاس. وفم مُقْنَع أي معطوفة أسنانه إلى داخل. ورجل مُقنَّع بالتشديد؛ أي عليه بَيْضة قاله الجوهري. {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة النظر. يقال: طَرَف الرجلُ يَطْرِف طَرْفاً إذا أطبق جَفْنه على الآخر، فسمّي النظر طَرْفاً لأنه به يكون. والطَّرْف العين. قال عَنْتَرة:شعر : وَأَغُضّ طَرْفِي ما بَدَتْ ليِ جارَتي حتّى يُوَارِي جارتِي مَأْوَاهَا تفسير : وقال جَمِيل:شعر : وَأَقْصِر طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرَامةً لِجُمْلٍ ولِلطَّرْفِ الذِي أَنَا قاصِرُهْ تفسير : {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} أي لا تغني شيئاً من شدّة الخوف. ابن عباس: خاليةٌ من كل خير. السُّديّ: خرجت قلوبهم من صدورهم فنشبت في حلوقهم؛ وقال مجاهد ومُرّة وابن زيد: خاوية خربة مُتخرقة ليس فيها خير ولا عقل؛ كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هَوَاءٌ؛ وقاله ابن عباس. والهواء في اللغة المجوَّف الخالي؛ ومنه قول حسان:شعر : أَلاَ أَبلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي فأنتَ مُجوَّف نَخِبٌ هَوَاءُ تفسير : وقال زهير يصف ناقة صغيرة الرأس:شعر : كأن الرجل مِنها فوق صعلٍ من الظلمان جؤجؤه هواء تفسير : فارغ أي خال؛ وفي التنزيل: {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} تفسير : [القصص: 10] أي من كل شيء إلا من هم موسى. وقيل: في الكلام إضمار؛ أي ذات هواء وخلاء.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد به تثبيته على ما هو عليه من أنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه خافية، والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة، أو لكل من توهم غفلته جهلاً بصفاته واغتراراً بإمهاله. وقيل إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} يؤخر عذابهم وعن أبي عمرو بالنون. {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } أي تشخص فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى. {مُهْطِعِينَ } أي مسرعين إلى الداعي، أو مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفاً، وأصل الكلمة هو الإِقبال على الشيء. {مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } رافعيها. {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم. {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} خلاء أي خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة قال زهير:شعر : مـن الظلمـان جـؤجـؤه هـواء تفسير : وقيل خالية عن الخير خاوية عن الحق.{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ } يا محمد. {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} يعني يوم القيامة، أو يوم الموت فإنه أول أيام عذابهم، وهو مفعول ثان لـ {أُنذر}. {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالشرك والتكذيب. {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } أخر العذاب عنا أو ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب، أو أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك. {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } جواب للأمر ونظيره {أية : لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [المنافقون: 10] {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّنْ زَوَالٍ} على إرادة القول و {مَا لَكُمْ } جواب القسم جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية، والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت، ولعلهم أقسموا بطراً وغروراً أو دل عليه حالهم حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً. وقيل أقسموا أنهم لا ينتقلون إلى دار أخرى وأنهم إذا ماتوا لا يزالون على تلك الحالة إلى حالة أخرى كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جهد أَيْمـٰنهم لا يبعث ٱللَّه من يموت }تفسير : [النحل: 38] {وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي كعاد وثمود، وأصل سكن أن يعدى بفي كقرَّ وغني وأقام، وقد يستعمل بمعنى التبوّء فيجري مجراه كقولك سكنت الدار. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم. {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} من أحوالهم أي بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة. {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} المستفرغ فيه جهدهم إبطال الحق وتقرير الباطل. {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } ومكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه، أو عنده ما يمكرهم به جزاء لمكرهم وإبطالاً له. {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} في العظم والشدة. {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } مسوى لإزالة الجبال. وقيل إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 33] على أن الجبال مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه. وقيل مخففة من الثقيلة والمعنى أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتاً وتمكناً من آيات الله تعالى وشرائعه. وقرأ الكسائي {لَتَزُولَ} بالفتح والرفع على أنها المخففة واللام هي الفاصلة، ومعناه تعظيم مكرهم. وقرىء بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرىء و «إن كاد مكرهم». {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } مثل قوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }تفسير : [غافر: 51] {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادله: 21] وأصله مخلف رسله وعده فقدم المفعول الثاني إيذاناً بأنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }تفسير : [آل عمران: 9] وإذا لم يخلف وعده أحداً فكيف يخلف رسله. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب لا يماكر قادر لا يدافع. {ذُو ٱنتِقَامٍ} لأوليائه من أعدائه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ولا تحسبن الله يا محمد غافلاً عما يعمل الظالمون، أي: لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم، مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم، ويعده عليهم عداً {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ} أي: من شدة الأهوال يوم القيامة، ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال: {مُهْطِعِينَ} أي: مسرعين؛ كما قال تعالى: {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 8] الآية، وقال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ} تفسير : [طه:108-111]، وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً} تفسير : [المعارج: 43] الآية. وقوله: {مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي: أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر، لا يطرفون لحظة؛ لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم، عياذاً بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء؛ لكثرة الوجل والخوف، ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنة أفئدتهم خالية؛ لأن القلوب لدى الحناجر، قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال بعضهم: هي خراب لا تعي شيئاً؛ لشدة ما أخبر به تعالى عنهم، ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى:{وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ } الكافرون من أهل مكة {إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ } بلا عذاب {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَٰرُ } لهول ما ترى يقال شخص بصر فلان أي فتحه فلم يغمضه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وهو تعريض لأمته، فكأنه قال: ولا تحسب أمتك يا محمد، ويجوز أن يكون خطاباً لكل من يصلح له من المكلفين، وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم من غير تعريض لأمته، فمعناه: التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] ونحوه. وقيل: المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم، أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم، بل سنّة الله سبحانه في إمهال العصاة {إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأبْصَـٰرُ} أي: يؤخر جزاءهم، ولا يؤاخذهم بظلمهم. وهذه الجملة تعليل للنهي السابق. وقرأ الحسن والسلمي وهو رواية عن أبي عمرو بالنون في "نؤخرهم". وقرأ الباقون بالتحتية. واختارها أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ } ومعنى {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } أي: ترفع فيه أبصار أهل الموقف، ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، هكذا قال الفراء، يقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه إلى السماء من هول ما يرى، والمراد: أن الأبصار بقيت مفتوحة لا تتحرّك من شدة الحيرة والدهشة. {مُهْطِعِينَ } أي: مسرعين من أهطع يهطع إهطاعاً: إذا أسرع. وقيل: المهطع: الذي ينظر في ذلّ وخشوع، ومنه:شعر : بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع تفسير : وقيل: المهطع: الذي يديم النظر. قال أبو عبيدة: قد يكون الوجهان جميعاً، يعني: الإسراع مع إدامة النظر؛ وقيل: المهطع الذي لا يرفع رأسه. وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذلّ وخضوع. وقيل: هو الساكت. قال النحاس: والمعروف في اللغة أهطع: إذا أسرع {مُقْنِعِى رُؤُوسَهُمْ } أي: رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس: رفعه، وأقنع صوته: إذا رفعه، والمعنى: أنهم يومئذٍ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذلّ، ولا ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: إن إقناع الرأس نكسه؛ وقيل: يقال: أقنع: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ ذلة وخضوعاً، والآية محتملة للوجهين. قال المبرد: والقول الأوّل أعرف في اللغة. قال الشاعر:شعر : أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئاً أطمعا تفسير : {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } أي: لا ترجع إليهم أبصارهم، وأصل الطرف: تحريك الأجفان، وسميت العين طرفاً، لأنه يكون بها، ومن إطلاق الطرف على العين قول عنترة:شعر : وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يُوارِي جارتي مأواها تفسير : {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } الهواء في اللغة: المجوف الخالي الذي لم تشغله الأجرام. والمعنى: أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم، لما شاهدوا من الفزع والحيرة والدهش، وجعلها نفس الهوى مبالغة، ومنه قيل للأحمق والجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوّة. وقيل: معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر. وقيل: المعنى: أن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير. وقيل: المعنى: أفئدتهم ذات هواء، ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } تفسير : [القصص: 10]، أي: خالياً من كل شيء إلاّ من همّ موسى. {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ } هذا رجوع إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره الله سبحانه بأن ينذر الناس. والمراد: الناس على العموم؛ وقيل: المراد: كفار مكة. وقيل: الكفار على العموم. والأوّل أولى لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضاً للمسلم. ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } تفسير : [يۤس: 11]. ومعنى {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } يوم القيامة، أي: خوّفهم هذا اليوم، وهو يوم إتيان العذاب، وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب؛ لأن المقام مقام تهديد. وقيل: المراد: به: يوم موتهم؛ فإنه أوّل أوقات إتيان العذاب؛ وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، وانتصاب يوم على أنه مفعول ثانٍ لأنذر {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } المراد بالذين ظلموا ها هنا: هم الناس، أي: فيقولون. والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم، هذا إذا كان المراد بالناس: هم الكفار. وعلى تقدير كون المراد بهم: من يعمّ المسلمين، فالمعنى: فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار {ربنا أخرنا} أمهلنا {إلى أجل قريب} إلى أمد من الزمان معلوم غير بعيد {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ } أي: دعوتك لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك، ونتدارك ما فرط منا من الإهمال، وإنما جمع الرسل؛ لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة؛ فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. ثم حكى سبحانه ما يجاب به عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة، فقال: {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } أي: فيقال لهم هذا القول توبيخاً وتقريعاً، أي: أولم تكونوا أقسمتم من قبل هذا اليوم مالكم من زوال من دار الدنيا. وقيل: إنه لا قسم منهم حقيقة. وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات، وإخلادهم إلى الحياة الدنيا. وقيل: قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ }تفسير : [النحل: 38]، وجواب القسم {مَالَكُمْ مّن زَوَالٍ } وإنما جاء بلفظ الخطاب في {مالكم من زوال} لمراعاة {أقسمتم} ولولا ذلك لقال: مالنا من زوال. {وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } أي: استقررتم، يقال: سكن الدار وسكن فيها، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، والعصيان له {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } قرأ عبد الرحمٰن السلمي "نبين" بالنون والفعل المضارع، وقرأ من عداه بالتاء الفوقية والفعل الماضي، أي: تبين لكم بمشاهدة الآثار كيف فعلنا بهم من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوه من الذنوب، وفاعل تبين ما دلت عليه الجملة المذكورة بعده، أي: تبين لكم فعلنا العجيب بهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } في كتب الله وعلى ألسن رسله إيضاحاً لكم وتقريراً وتكميلاً للحجة عليكم. {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } الجملة في محل نصب على الحال، أي: فعلنا بهم ما فعلنا، والحال أنهم قد مكروا في ردّ الحق وإثبات الباطل مكرهم العظيم، الذي استفرغوا فيه وسعهم {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي: وعند الله جزاء مكرهم، أو وعند الله مكتوب مكرهم فهو مجازيهم، أو وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به، على أن يكون المكر مضافاً إلى المفعول، قيل: والمراد بهم: قوم محمد صلى الله عليه وسلم مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله أو نفيه. وقيل: المراد ما وقع من النمروذ حيث حاول الصعود إلى السماء، فاتخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه بأربعة نسور. {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } قرأ عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي "وإن كاد مكرهم" بالدال المهملة مكان النون. وقرأ غيرهم من القراء (وإن كان) بالنون. وقرأ ابن محيص، وابن جريج، والكسائي "لتزول" بفتح اللام على أنها لام الابتداء، وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود. قال ابن جرير: الاختيار هذه القراءة، يعني: قراءة الجمهور؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة، فعلى قراءة الكسائي ومن معه تكون إن هي المخففة من الثقيلة. واللام هي الفارقة، وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدّته، أي: وإن الشأن كان مكرهم معدّاً لذلك. قال الزجاج: وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه. وعلى قراءة الجمهور يحتمل وجهين: أحدهما أن تكون "إن" هي المخففة من الثقيلة، والمعنى كما مرّ. والثاني: أن تكون نافية، واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهر، فالجملة على هذا حال من الضمير في {مكروا} لا من قوله: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي: والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوئ الأخلاق عن ميمون بن مهران في قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } قال: هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } قال: شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد إليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مُهْطِعِينَ } قال: يعني بالإهطاع النظر من غير أن يطرف {مُقْنِعِى رُؤُوسَهُمْ } قال: الإقناع رفع رؤوسهم {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } قال: شاخصة أبصارهم {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } ليس فيها شيء من الخير، فهي كالخربة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد {مهطعين} قال: مديمي النظر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة {مهطعين} قال: مسرعين. وأخرج هؤلاء عن قتادة في قوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } قال: ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } يقول: أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم العذاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } هو يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {مَالَكُمْ مّن زَوَالٍ } قال: عما أنتم فيه إلى ما تقولون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {مَالَكُمْ مّن زَوَالٍ } قال: بعث بعد الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن في قوله: {وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } قال: عملتم بمثل أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } يقول: ما كان مكرهم {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } يقول: شركهم كقوله:{أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } تفسير : [مريم: 90]. وأخرج عبد بن حميد، ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري عن عليّ ابن أبي طالب، أنه قرأ هذه الآية: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } ثم فسرها فقال: إن جباراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه خشبة، ثم ربط أرجلهنّ بأوتاد، ثم جوّعهنّ، ثم جعل على رأس الخشبة لحماً، ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثم ربطهنّ إلى قوائم التابوت، ثم خلي عنهنّ يردن اللحم، فذهبن به ما شاء الله، ثم قال لصاحبه: افتح فانظر ماذا ترى، ففتح فقال: انظر إلى الجبال كأنها الذباب، قال: أغلق فأغلق، فطرن به ما شاء الله، ثم قال: افتح ففتح، فقال: انظر ماذا ترى، فقال: ما أرى إلاّ السماء، وما أراها تزداد إلاّ بعداً، قال: صوّب الخشبة فصوّبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدّتها فكادت تزول عن مراتبها. وقد روي نحو هذه القصة لبختنصر وللنمروذ من طرق ذكرها في الدرّ المنثور.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين، وتسلية للمظلومين، والخطاب بقوله: {تحسبن} لمحمد عليه السلام، والمراد بالنهي غيره ممن يليق به أن يحسب مثل هذا. وقرأ طلحة بن مصرف "ولا تحسب الله غافلاً" بإسقاط النون، وكذلك "ولا تحسب الله مخلف وعده" [إبراهيم: 47] وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن والأعرج: "نؤخرهم" بنون العظمة. وقرأ الجمهور: "يؤخرهم" بالياء، أي الله تعالى. و {تشخص} معناه: تحد النظر لفزع ولفرط ذلك بشخص المحتضر، و"المهطع" المسرع في مشيه - قاله ابن جبير وقتادة. قال القاضي أبو محمد: وذلك بذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه - وهذا هو أرجح الأقوال - وقد توصف الإبل بالإهطاع على معنى الإسراع وقلما يكون إسراعها إلا مع خوف السوط ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر: [الكامل] شعر : بمهطع سرج كأن عنانه في رأس جذع من أوال مشذب تفسير : ومن ذلك قول عمران بن حطان: [البسيط] شعر : إذا دعانا فأهطعنا لدعوته داع سميع فلونا وساقونا تفسير : ومنه قول ابن مفرغ: [الوافر] شعر : بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع تفسير : ومن ذلك قول الآخر: [الطويل] شعر : بمستهطع رسل كأن جديله بقيدوم رعد من صوام ممنع تفسير : وقال ابن عباس وأبو الضحى: الإهطاع شدة النظر من غير أن يطرف وقال ابن زيد "المهطع": الذي لا يرفع رأسه. قال أبو عبيدة: وقد يكون الإهطاع الوجهين جميعاً الإسراع وإدامة النظر، و"المقنع" هو الذي يرفع رأسه قدماً بوجهه نحو الشيء، ومن ذلك قول الشاعر: [الشماخ] [الوافر] شعر : يباكرن العضاة بمقنعات نواجذهن كالحدأ الوقيع تفسير : يصف الإبل بالإقناع عند رعيها أعالي الشجر. وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وذكر المبرد - فيما حكي عن مكي - أن الإقناع يوجد في كلام العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة. قال القاضي أبو محمد: والأول أشهر. وقوله: {لا يرتد إليهم طرفهم} أي لا يطوفون من الحذر والجزع وشدة الحال، وقوله: {وأفئدتهم هواء} تشبيه محض، لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فرغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة، فهي منخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وانخراقه، ويحتمل أن يكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تجيء وتذهب وتبلغ على ما روي - حناجرهم - فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبداً في اضطراب. قال القاضي أبو محمد: وعلى هاتين الجهتين يشبه قلب الجبان وقلب الرجل المضطرب في أموره بالهواء، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : ولا تكن من أخدان كل يراعة هواء كسقب الناب جوفاً مكاسره تفسير : ومن ذلك قول حسان: [الوافر] شعر : ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء تفسير : ومن ذلك قول زهير: [الوافر] شعر : كأن الرحل منه فوق صعل من الظلمان جوجؤه هواء تفسير : فالمعنى: أنه في غاية الخفة في إجفاله. وقوله تعالى: {وأنذر الناس} الآية، المراد بـ {يوم} يوم القيامة ونصبه على أنه مفعول بـ {أنذر} ولا يجوز أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليست بموطن إنذار، وقوله: {فيقول} رفع عطفاً على قوله: {يأتيهم} وقوله: {ولم تكونوا} إلى آخر الآية، معناه: يقال لهم، فحذف ذلك إيجازاً، إذ المعنى يدل عليه، وقوله: {ما لكم من زوال} هو المقسم عليه نقل المعنى، و {من زوال} معناه من الأرض بعد الموت. أي لا بعث من القبور، وهذه الآية ناظرة إلى ما حكى عنهم في قوله: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} تفسير : [النحل: 38].
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ...} الآية: هذه الآية بجملتها فيها وعيدٌ للظالمين، وتسليةٌ للمظلومين، والخطابُ بقوله: {تَحْسَبَنَّ} للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، و{تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ }، معناه: تُحِدُّ النظرَ، لفرط الفَزَعِ ولفَرْطِ ذلك يَشْخَصُ المُخْتَضَرُ، و«المُهْطِع» المسرع في مَشْيه؛ قاله ابنُ جُبَيْر وغيره، وذلك بِذِلَّة وٱستكانةٍ، كإِسراع الأسير ونحوه، وهذا أرجحُ الأقوال، وقال ابن عباس وغيره: الإِهطاع شدَّة النظر من غير أنْ يَطْرِفَ، وقال ابنُ زَيْدٍ: «المُهْطِع»: الذي لا يرفع رأسَهُ، قال أبو عُبَيْدة: قد يكون: الإِهْطَاعُ للوجْهَيْنِ جميعاً: الإِسراع، وإِدَامَةُ النَّظَر، و«المُقْنِعُ»: هو الذي يَرْفَعُ رأْسَه قدُماً بوَجْهِهِ نحو الشيْءِ، ومِنْ ذلك قولُ الشاعر: [الوافر] شعر : يُبَاكِرْنَ الْعِضَاهَ بِمُقْنَعَاتٍ نَوَاجِذُهُنَّ كَالْحَدَإِ الوَقِيعِ تفسير : يصفُ الإِبلَ عند رعْيها أَعاليَ الشَّجَر، وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوهُ الناسِ يوم القيامَةِ إِلى السماء لا يَنْظُرُ أَحدٌ إِلى أحد، وذكر المبرِّد فيما حَكَى عنه مكِّيٌّ: أن الإِقناع يوجَدُ في كلامِ العَرب بمعنَى: خَفْضِ الرأسِ من الذِّلَّة. قال * ع *: والأول أشهر. وقوله سبحانه: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ}؛ أي: لا يَطْرِفُونَ من الحَذَرِ والجزعِ وشدَّة الحال. وقوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}: تشبيه محضٌ، وَجِهَةُ التشبيه يحتملُ أنْ تكون في فراغِ الأَفئدة من الخَيْرِ والرَّجاء والطمعِ في الرحمة، فهي متخرِّقة مُشَبِهَةٌ الهواءَ في تَفرُّغه من الأشياء، وٱنخراقِهِ، ويحتمل أنْ تكون في ٱضطراب أفئدتهم وجيشانها في صُدُورهم، وأنها تذهب وتجيءُ وتبلُغُ علَى ما رُوِيَ حناجرهم، فهي في ذلك كالهَوَاءِ الذي هو أبداً في ٱضطرابٍ. وقوله سبحانه: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ }: المراد باليَوْمِ: يومُ القيامةِ، ونصبُهُ على أنه مفعولٌ بـــ «أَنْذِر»، ولا يجوزُ أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليْسَتْ بموطنِ إِنذار، قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ عبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبي جَمْرَة: يجبُ التصْدِيقُ بكُلِّ ما أخبر اللَّه ورسُولُهُ به، ولا يتعرَّض إِلى الكيفيَّة في كلِّ ما جاء من أمْرِ الساعة وأَحْوَالِ يومِ القيامةِ، فإِنه أمْرٌ لا تسعه العُقُولُ، وطَلَبُ الكيفيَّة فيه ضعْفٌ في الإِيمانِ، وإِنما يجبُ الجَزْم بالتصديقِ بجميعِ مَا أخبر اللَّه بهِ، انتهى. قال الغَزَّالِيُّ: فَأَعلمُ العلماءِ وأعْرَفُ الحكماءِ ينكشفُ له عَقِيبَ المَوْت مِنَ العجائبِ والآياتِ ما لَمْ يَخْطُرْ قَطُّ بباله، ولا ٱختلَجَ به ضميره، فلو لم يكُنْ للعاقلَ هَمٌّ ولا غَمٌّ، إِلا التفكُّر في خَطَر تلك الأحوال، وما الذي ينكشفُ عَنْه الغِطَاء من شقاوةٍ لازمةٍ، أو سعادة دائمةٍ لكان ذلك كافياً في ٱستغْراقِ جميع العُمُر، والعَجَبُ من غَفْلتنا، وهذه العظائِمُ بَيْنَ أيدينا. انتهى من «الإِحياء». وقوله: {أَوَلَمْ تَكُونُواْ...} الآية: معناه: يقال لهم، وقوله: {مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ }: هو المُقْسَمُ عليه، وهذه الآية ناظرةٌ إِلى ما حَكَى اللَّه سبحانه عنهم في قوله: { أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } تفسير : [النحل:38].
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكى عن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} وذلك تنبيه على أنَّه ـ تبارك وتعالى ـ لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم. فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يحسب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ موصوفاً بالغفلةِ؟. فالجواب من وجوه: الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}تفسير : [الأنعام:14] {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ}تفسير : [القصص:88]. والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً. الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معاملة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير. الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة. قال سفيان بن عيينة ـ رضي الله عنه ـ: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم. قوله: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة. وقيل: بمعنى "إلى" أي: للغاية. وقرأ العامة "يُؤخِّرهُمْ" بالياء، لتقدم اسم الله ـ تعالى ـ. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] ـ رضي الله عنهم ـ: "نُؤخِّرهُم" بنون العظمة. ويروى عن أبي عمرو "نُؤخِّرُهمْ" بنون العظمة. و"تَشْخَصُ" صفة لـ"يَوْمِ". ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد، والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد. قوله: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذ يقال: شَخَصَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ. وقيل: "مُهْطِعين" منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في "مُقْنِعِي" أن يكون حالاً من الضمير في: "مُهْطِعِينَ" فيكون حالاً، وإضافة: "مُقْنِعِي" غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً. والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] شعر : 3235ـ إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا تفسير : وقال: [الكامل] شعر : 3236ـ وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ فِي رَأْسِ جِذْعٍ..................... تفسير : وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر. وقال الراغب: "هَطَعَ الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ". وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر] شعر : 3237ـ بِدجْلةَ دَارهُم ولقَدْ أرَاهُمْ بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ تفسير : والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي. وقال ثعلبٌ: "هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء". وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: "أهْطََعَ وهَطَعَ" رباعيًّا وثلاثيًّا. والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى غيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة. ومنه قوله ـ يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها ـ: [الوافر] شعر : 3238ـ يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ تفسير : ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ ـ بالتشديد ـ، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر. وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس. والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر] شعر : 3239ـ لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فيُغْنِي مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ تفسير : ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل] شعر : 3240ـ........................ شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ تفسير : ومعنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين ـ تعالى ـ أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، و أنهم يرفعون رءوسهم. والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على "رُءُوس" والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها. قوله: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} في محل نصب على الحال من الضمير في: "مُقْنِعِي" ويجوز أن يكون بدلاً من: "مُقْنِعِي"، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: "مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف"، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 3241ـ وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي حتَّى يُوارِي جَارتِي مَأوَاهَا تفسير : والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: جفنهُ على الآخر، والطَّرفُ أيضاً: تحريكُ الجِفْنِ. ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ. قوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} "يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا "يَرتَدُّ" وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: "هَواءٌ"، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه". والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] شعر : 3242ـ كَأنَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ تفسير : وقال حسَّان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ: [الوافر] شعر : 3243ـ........................ فأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ تفسير : النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه. والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخالية من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ. قوله: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} قال أبو البقاء: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ} مفعول ثان لـ: "أنْذر"، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ. وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ. والألف واللام في: "العَذابُ" للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم. فصل حمل أبو مسلم قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [المنافقون:10]، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه ـ تعالى ـ وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة. ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه. وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}، فقوله: "نُجِبْ" جواب الأمرِ. قوله: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ} قال الزمشخري: "على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً". و"مَا لكُمْ" جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: "أقْسَمْتُمْ"، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: "مَا لنَا". وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أو الملائكة ـ عليهم السلام ـ أي: فيقال لهم: "أو لم تكونوا"، وهو أظهر من الأول، أعني: جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ} أراد قوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}تفسير : [الأنعام:109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه. قوله: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} وأصل "سَكَنَ" التَّعدي بـ"في" كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه. قال الزمخشريُّ: "السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، والأصل تعديه بـ"في" كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا". والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: {ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع. قوله: "وتَبيَّنَ لَكُمْ" فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و"كَيْفَ" نصب بـ"فَعلْنَا" وجملة الاستفهام ليست معمولة لـ "تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون: "كَيْفَ" فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا. وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: "كَيْفَ فَعلْنَا" هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ}تفسير : [يوسف:35]. والعامة على "تَبيَّنَ" فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي ـ رضي الله عنهما ـ في رواية عنهما: "ونُبيِّنُ" بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: "بيَّن"، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين. وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على "تَكُونُوا" فيكون داخلاً في حيز التقدير. فصل والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل. قوله: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم. وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}تفسير : [الأنفال:30]. وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض. قال القاضي ـ رحمه الله ـ: "وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل". قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النمرود بن كنعان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح عليهم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ}. قوله: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالهما الزمخشريُّ. قال أبو حيان: وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان "مَكَرَ" يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن "مَكَرَ" لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنفال:30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا. قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} قرأ العامة بكسر لام "لِتَزولَ" الأولى، والكسائي بفتحها. فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي "كَانَ" حينئذ قولان: أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، وأنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها. ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُم). القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران. الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة. قال الزمخشري: "وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك". وقال ابن عطية: "ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الأمور"، فمفهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات. والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه. وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكسائي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي. وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار بها إلى ما جاء به النبيُّ المختار ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً. وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: "إنْ" وجهان: مذهبُ البصريين أنَّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: "إلاَّ" وقد تقدَّم تحقيق المذهبين. وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة ـ رضي الله عنهم ـ (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاَّ أنهم جعلوا مكان نون: "كَانَ" دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع. وقرىء: "لَتَزُولَ" بفتح اللامين، وتخريجها على إشكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي. فصل في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما: جبال الأرض. الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ. وقال القشيريُّ: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف. قوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد. قوله: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ} العامة على إضافة: "مُخْلِفَ" إلى "وعْدهِ" وفيها وجهان: أظهرهما: أن "مُخْلفَ" يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ. قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير. وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟. قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: "رُسلهُ" ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟. وقال أبو البقاء: هو قريبٌ من قولهم: [الرجز] شعر : 3244ـ يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ تفسير : وأنشد بعضهم ـ نظير الآية الكريمة ـ قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3245ـ تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ تفسير : والحسبان هنا: الأمر [المتيقن]، كقوله: [الطويل] شعر : 3246ـ فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمامِ يَذُوقُ تفسير : الثاني: أنه متعد لواحد، وهو "وعْدهِ"، وأمَّا "رُسلَهُ" فمنصوب بالمصدر فإنَّهُ ينحلّ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، فـ"ما" مصدريَّة لا بمعنى الذي. وقرأت جماعة: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بنصب: "وَعْدهُ" وجر: "رسُلهِ" فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، وهي كقراءة ابن عامرٍ: {قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ). قال الزمخشري ـ جرأة منه ـ: "وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ). ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم. قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال:{يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ}] ويجوز في "يَوْمَ" عدة أوجه: أحدها: أن ينتصب منصوباً بـ"انتقام" أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم. الثاني: أن ينتصب بـ"اذكُر". الثالث: أن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام. الرابع: أن يكون بدلاً من: "يَوْمَ يَأتِيهِمْ". الخامس: أن ينتصب بـ:"مُخْلِفَ". السادس: أن ينتصب بـ"وَعْدِهِ"، و"إنَّ" وما بعدها اعتراض. ومنع أبو البقاء هذين الآخرين، قال: "لأن ما قبل "إنَّ" لا يعمل فيما بعدها". وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً. فصل التَّبديلُ يحتمل وجهين: الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان:70]، ويقال: بدَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 3247ـ فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ تفسير : الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: {أية : وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ}تفسير : [سبأ:16]. وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان: الأول: قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا {أية : تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}تفسير : [طه:107] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُّهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً"تفسير : . وتبدل السموات بانتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان. والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها دمٌ، ولم يعمل عليها خطيئةٌ. والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها. وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله ـ تعالى ـ يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}تفسير : [المطففين:7] وقوله ـ عزَّ وجلَّ ـ {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}تفسير : [المطففين:18]. وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: سألتُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم:48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : على الصِّراطِ ". تفسير : وروى ثوبانُ ـ رضي الله عنه ـ أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: "حديث : هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ ". تفسير : قوله "والسَّمواتِ" تقديره: وتبدل السموات غير السموات. وقرىء: "نُبَدّلُ" بالنون: "الأرض" نصباً "والسَّمواتِ" نسق عليه. قوله "وبَرَزُوا" فيه وجهان: أحدهما: أنها جملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف:50] {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف:44] {أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الحجر:2] {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل:1] لتحقُّّق ذلك. والثاني: أنها حال من "الأرض"، و"قَدْ" معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: "بَرَزُوا" للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو. وقرأ زيد بن علي "وبُرِّزُوا" بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة على التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً}تفسير : [إبراهيم:21]، وإنما ذكر "الوَاحدِ القهَّارِ" هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد غيره، فكان الأمر في غاية الصعوبة ولما وصف نفسه ـ تعالى ـ بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: "وتَرَى المُجْرمينَ" وصفهم بصفات: الأولى: قوله: {مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} "يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و"فِي الأصْفادِ" متعلق به. وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة لـ"مُقرَّنينَ"". والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط] شعر : 3248أ ـ وابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ لَمْ يَستَطعْ صَولةَ ا لبُزْلِ القَناعِيسِ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 3248ب ـ والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 3248ج ـ إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ تفسير : يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك. والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ،، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر] شعر : 3249ـ فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا تفسير : والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين "فَعَل" و"أفْعَلَ". وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط] شعر : 3250ـ................. فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ تفسير : أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، ومنه: أنا مغلول أياديك، وأسير نعمتك. فصل قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانه قوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}تفسير : [الصافات:22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله ـ جل ذكره ـ: {أية : وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}تفسير : [التكوير:7]. أي قرنت. وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود. قوله: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من "المُجْرمينَ" وإمَّا من: "مُقرَّنِينَ"، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر. والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ،وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع] شعر : 3251ـ................... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه تفسير : وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: {أية : وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}تفسير : [النحل:81]. والقَطرانُ: ما يستخرج من شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار]، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: "قِطرانٍ" بفتح القاف وكسر الطاء، وهي قراءة العامة. و"قَطْران" بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ وقال أبو النَّجْم: [الرجز] شعر : 3252ـ لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا تفسير : و"قِطْرَان" بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة "سِرْحَان" ولم يقرأ بها فيما علمتُ. قال شهابُ الدين ـ رحمه الله ـ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وابن عباس، وأبو هريرة ـ رضي الله عنهم ـ: "قَطِرِ" بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء "آنٍ" بوزن "عَانٍ" جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، والـ"آنِ" اسم فاعل من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: {أية : بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}تفسير : [الرحمن:44]. وعن عمر ـ رضي الله عنه ـ ليس بالقطران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه. قال ابن الأنباري: "وتلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم". واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّيحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين. قوله: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} قرىء "وتَغَشَّى" بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين. وقرىء برفع: "وُجوهُهُم" ونصب "النَّار" على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً. والجملة من قوله: "وتَغْشَى" قال أبو البقاءِ: "حال أيضاً". يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت. فصل المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [الزمر:24] وقوله: {أية : يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}تفسير : [القمر:48]. واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هو القلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله ـ تعالى ـ هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب]: {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة:6، 7] وقال تعالى في الوجه: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ}. قوله: {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} في هذه اللام وجهان: أظهرهما: أنَّها تتعلق بـ"بَرَزُوا" وعلى هذا فقوله: "وتَرَى" جملة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به. والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع. قال الواحدي: "المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه ـ تعالى ـ يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبت من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله ـ تعالى ـ لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى". ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه. قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ} إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: "ولا تحْسَبنَّ" إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة. قوله تعالى: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} فيه أوجه: أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك. الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق بـ"بلاغ"، تقديره: لينصحوا ولينذروا]. الثالث: أن الواو مزيدة: "ولِيُنْذَرُوا" متعلق بـ"بَلاغٌ"، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ. الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا. الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: "ولِيَذَّكَّرَ" فإنه منصوب فقط. قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: "لِيَذَّكرَ" ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه. السادس: أنه خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة. السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب. الثامن: أنه معطوف على قوله: "يُخْرجَ النَّاسَ" في أول السورة، وهذا غريب جدًّا. التاسع: قال أبو البقاء: "المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة. ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي". قال شهاب الدين: "فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك". وقرأ العامة: "لِيُنذَرُوا" مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: "ولتُنْذِرُوا" بتاء مضمومة، وكسر الذال ـ كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي "ولِيَنْذَرُوا" بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له. قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو كـ"عَسَى"، وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها. فصل معنى "لِيُنْذَرُوا" أي: وليخوفوا به {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله ـ تعالى ـ: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي: يتّعظ أولو العقول. قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاع، وإن شاء عصى. أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: {أية : لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [إبراهيم:1] وقد ذكرناه هناك. وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} يدلُّ على أنَّه ـ تعالى ـ إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه. روى أبو أمامة عن أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا ".
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} [الآية: 42]. قال أحمد بن حضرويه: لو أذن لى فى الشفاعة ما بدأت إلا بظالمى، قيل له كيف؟ قال: لأنى نلت بظالمى ما لم أنله من والدى. قيل: وما ذاك؟ قال تعزية الله تعالى فى قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} وقال أيضًا: لا أغتنم سفرًا، إلا أن يكون فيه معى من يؤذينى ويظلمنى شوقًا منى لتغذية الله للمظلومين. قال بعض المتقدمين: الظلم على ثلاثة أوجه: ظلم مغفور، وظلم محاسب، وظلم غير مغفور. فالظلم المغفور ظلم الرجل نفسه، والظلم المحاسب ظلم الرجل أخاه والظلم الذى لا يغفر هو الشرك. قال ميمون بن مهران: كفى بهذه الآية وعيدًا للظالم وتعزية للمظلوم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ}. هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله. والظلم على وجوه؛ ظلمٌ على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين. ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلومٌ من جهته، والحقُّ - سبحانه - ينتصف له منه غداً، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه. قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي...}. وهذا للعوام من المؤمنين، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : ، وفي معناه أنشدوا: شعر : وما رضوا بالعفو عن ذي زلة حتى أنالوا كفَّه وازدادوا تفسير : وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة، ولا منه مطالبة، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} هذا من الله سبحانه محل تعظيم المراقبة والهيبة فى الرعاية والحياء فى المحاضرة وللظالم من مشرب بحر جماله وجلاله وحسنه وافضاله شربات من محبته وشوقه ومعرفته ويخرج على بساطه بنعت العربدة والسكر ودعوى الانائية لانه يجاوز طوره والاشارة بقوله {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} يعنى فى الحقيقة ابصار سكارى المعرفة والتوحيد يوم الكشف الاكبر حين تبدو انوار سطوات العزة فتفنيهم عنهم بالحق وعظمته وكبريائه حتى يستغرقوا فى عظمته بحيث لا يقدرون الالتفات الى غيره بقوله {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} ثم ناد فى وصف قلوبهم واضمحلالها فى عزة العظمة بقوله {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} خالية عن العقول المدركة والارواح الفايقة لا تدرك من عزة القدم شيئا ولا من جلال الابدية مدركا ونعم ما قال سبحانه ولا تحسبن الله غافلا عمّا يعمل الظالمون حيث يشاهدهم ويشاهد ما يجرى عليهم بوصف الجبارية والعظمة فانه موضع شهودة وشهوده للعباد اعظم من شهود العباد عنده لان العباد فى محل الحضور وشهوده تعالى محل الكشف قال احمد بن حضرويه لو اذن لى بالشفاعة ما بدات الا بظالمى قيل له وكيف قال لانى نلت بظالمى ما لم انله من والدى قيل له وما ذاك قال تعزية الله فى قوله ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون قال ميمون بن مهران كفى بهذه الاية وعيدا للظالم وتعزية للمظلوم وقال ابن عطا فى قوله وافئدتهم هواء هذه صفة قلوب اهل الحق الا ترى الهواء قائم بالمشية والارادة غير قائمة بعلايق فوقها كذلك قلوب اهل الحق فى هذه الاية الله ليس فى قلوبهم محل لغير الله لا بساكن سوى الله ومثل قلوبهم كما قال الله تعالى وهى تمر مر السحاب لا تلتفت الى سواء ولا له قرار مع غير الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} الحسبان بالكسر بمعنى الظن والغفلة معنى يمنع الانسان من الوقوف على حقيقة الامور والظالمون اهل مكة وغيرهم من كل اهل شرك وظلم وهو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراد تثبيته على ما كان عليه من عدم حسبانه تعالى كذلك نحو قوله تعالى {أية : ولا تكونن من المشركين} تفسير : مع ما فيه من الايذان لكونه واجب الاحتراز عنه فى الغاية حتى نهى من لا يمكن تعاطيه. والمعنى دم على ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن اعمالهم ولا تخزن بتأخير ما يستوجبونه من العذاب الاليم {انما يؤخرهم ليوم} تعليل للنهى اى لا يؤخر عذابهم الا لاجل يوم هائل {تشخص فيه الابصار} ترتفع فيه ابصار اهل الموقف اى تبقى اعينهم مفتوحة لا تتحرك اجفانهم من هول ما يرونه يعنى ان تأخيره للتشديد والتغليظ لا للغفلة عن اعمالهم ولا لاهمالهم يقال شخص بصر فلان كمنع واشخصه صاحبه اذا فتح عينيه ولم يطرف بجفنيه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (يوم يأتيهم): مفعول ثانٍ لأَنذِر، ولا يصح أن يكون ظرفاً. و(نُجبْ دعوتك)؛ جواب الأمر. يقول الحق جل جلاله: {ولا تحسبنَّ} أيها السامع، أن {اللَّهَ غافلاً عما يعملُ الظالمون}، أو أيها الرسول، بمعنى: دُمْ على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم، لا تخفى عليه خافية، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل: إنه تسلية للمظلوم؛ وتهديد للظالم؛ فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. {إنما يؤخرهم}، أي: يؤخر عذابهم {ليوم تشخص فيه الأبصارُ}، أي: تحد فيه النظر، من غير أن تطرف؛ من هول ما ترى. {مُهطعين}: مسرعين إلى الداعي؛ مذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه، أو مقبلين بأبصارهم، لا يطرفون؛ هيبة وخوفاً، {مُقنعي رؤوسهم} رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة الهول، أو من أجل الغل الذي في عنقه، كقوله {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} تفسير : [يس: 8]. وقال الحسن في هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. هـ. {لا يرتدُّ إليهم طرفهم}، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف، أو: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، {وأفئدتهم هواء}: خلاء، محترقة، فارغة من الفهم، لا تعي شيئاً؛ لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يُقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة. وقيل: خالية من الخير، خاوية من الحق. {وأنذر الناس} يا محمد، أي: خوفهم هذا اليوم، وهو: {يوم يأتيهم العذابُ}، يعني يوم القيامة، أو يوم الموت؛ فإنه أول مطلع عذابهم، {فيقول الذين ظلموا} بالشرك والتكذيب: {ربنا أخِّرنا إلى أجل قريب} أي: أخِّر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل قريب، {نُجب دعوتك} حينئذٍ {ونتبع الرسلَ} ونظيره: {أية : لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون: 10]. قال تعالى لهم: {أو لم تكونوا أقسمتم من قبلُ} أنكم باقون في الدنيا، {ما لكم من زوال} عنها بالموت ولا بغيره، ولعلهم أقسموا بطراً وغروراً. أو دل عليه حالهم؛ حيث بنوا مشيداً، وأمَّلوا بعيداً. أو أقسموا أنهم لا يُنقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يُزالون عن تلك الحالة، ولا ينقلون إلى دار الجزاء، كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38]. {وسكنتمُ في مساكن الذين ظلموا أنفسَهم} بالكفر والمعاصي، من الأمم السالفة كعاد وثمود، {وقد تبيّنَ لكم كيف فعلنا بهم} بما تُشاهدون من آثارهم الدارسة، وديارهم الخربة، وما تواتر عندكم من أخبارهم، {و} قد {ضربنا لكم الأمثالَ} من أحوالهم، أي: بيَّنا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو بيَّنا لكم صفات ما فعلوا، وما فُعل بهم، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة. الإشارة: كما أمهل، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال؛ لأن هذه الدار لا تسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان، فقد أجلَّ مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها، ففيها يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم: {ربنا أخرنا إلى اجل قريب نُجب دعوتك ونتبع الرسل}، ثم بادر إلى إجابة الداعي، واتباع الرسول الهادي، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم، كيف فعل بهم الزمان؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان، حتى أسكنهم دار الذل والهوان؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام، والإيمان، وعلق قلبك بمقام الإحسان؛ فإن الله يرزق العبد على قدر نيته، وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان.
الطوسي
تفسير : قرأ الجماعة {إنما يؤخرهم} بالياء. وروي عن أبي عمرو بالنون قال أبو علي: وجه القراءة بالياء ان الغيبة للمفرد قد تقدم، فتكون بالياء على {فلا تحسبن الله مخلف وعده... إِنما يؤخرهم} ووجه القراءة بالنون أنه مثل الياء في المعنى، وقد تقدم مثله كثيراً. هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم نهاه الله تعالى، والمراد به الامة ان يظن ان الله غافل عن أعمال الظالمين، ومهمل لامورهم. والغفلة والسهو واحد. ثم بين الله تعالى أنه إِنما لم يعاجلهم بالعقوبة ويؤخر عقابهم ليعذبهم في اليوم الذي تشخص فيه الابصار، وهو يوم القيامة. وشخوص البصر ان تبقى العين مفتوحة لا تنطبق لعظم ذلك اليوم {مهطعين} قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة: مسرعين، يقال: أهطع اهطاعاً اذا أسرع قال الشاعر: شعر : بمهطع سرح كان زمامه في رأس جذع من أراك مشذّب تفسير : وقال الآخر: شعر : بمستهطع رسل كان جديله بقيدوم رعن من صوام ممنع تفسير : وقال ابن عباس: المهطع الدائم النظر لا تطرف عينه، وقال ابن دريد: المهطع: المطرق الذي لا يرفع رأسه. وقوله {مقنعي رءوسهم} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد: معناه رافعي رؤسهم واقناع الرأس رفعه، قال الشماخ: شعر : يباكرن العضاه بمقنعات نواجذهنّ كالحدإِ الرقيع تفسير : يعنى يباكرن العضاة بمقنعات اي برؤس مرفوعات اليها ليتناول منها، يصف ابلاله له ترعى الشجر، وأن أسنانها مرتفعة كالفؤس، وقال الراجز: شعر : انقض نحوي رأسه واقنعا كأنما أبصر شيئاً اطمعا تفسير : وقوله {لا يرتد إليهم طرفهم} اي لا ترجع اليهم اعينهم ولا يطبقونها. وقوله {وأفئدتهم هواء} معناه منخرقة لا تعي شيئاً للخوف والفزع الذي دخلها، فهي كهواء الجو، في الانخراق وبطلان الامساك. وقوله {يوم يأتيهم} نصب على انه مفعول به والعامل فيه انذرهم، كأنه قال خوفهم عقاب الله، ولا يكون على الظرف، لانه لم يؤمر بالانذار في ذلك اليوم. وقيل في قوله {وأفئدتهم هواء} ثلاثة اقوال. اولها - قال ابن عباس ومرة والحسن: منخرقة لا تعي شيئاً، وفارغة من كل شيء إِلا من ذكر إِجابة الداعي. الثاني - قال سعيد بن جبير: يردد في أجوافهم لا يستقر في مكان. الثالث - قال قتادة: خرجت الى الحناجر لا تنفصل، ولا تعود، وكل ذلك تشبيه بهواء الجو، والاول أعرف في كلام العرب. وقال حسان بن ثابت: شعر : ألا أبلغ أبا سفيان عنى فانت مجوف نخب هواء تفسير : وقال زهير: شعر : كأن الرحل منها فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء تفسير : وقيل ان الظليم لا فؤاد له وقال آخر: شعر : ولانك من اخدان كل يراعة هواء كسقب البان خوفا يكاسره
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} يا محمد. {اللهَ غَافِلاً} أى دم على ما أنت عليه من عدم حسبانك الله كقوله ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إِلهاً آخر، أى دم على عدم كونك من المشركين وعدم كونك داعياً مع الله إِلهاً آخر فى أحد أوجه وذلك أن الغفلة معنى مانع من الوقوف على حقيقة الأَمر وإِن شئت فقل سهو يعترى الإِنسان من قلة التحفظ واليقظة والله تعالى منزه عن ذلك ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم الخلق بالله وصفاته وبما تنزه عنه فلا يتوهم أن الله جل جلاله يغفل فضلا عن أن ينهى عن ذلك فظهر أن المراد كما مر دم على ما أنت عليه من عدم حسبانك الله غافلا. {عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} لأَنفسهم وغيرهم بالشرك والقلق والمعاصى بل هو عالم بما يعملون وسيجازيهم أو أراد بالنهى عن ذلك الحسبان الإِعلام بأَنه تعالى عالم بما يعملون لا يخفى عنه شىء وإنه يجازيهم على القليل والكثير أو أراد لا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل بل معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير والفتيل ويجوز أن يكون الخطاب فى لا تحسبن لكل من يصلح له فيشمل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد علمت كيفية نهيه عن ذلك الحساب ويشمل غيره ممن عرف الله وصفاته والكلام فى كيفية نهيه كذلك ويشمل من لم يعرفه بصفاته أو عرفه وكان متزلزلاً فبالنهى على ظاهره أى اترك ذلك الحسبان الذى أنت فيه، وقال سفيان عن عيينة ذلك تسلية للمظلوم وتهديد للظالم على الإِطلاق فقيل له من، قال هذا فغضب. وقال: إنما قاله من علمه، {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} وقرأ أبو عمر وإِنما تؤخرهم بالنون فى رواية غير مشهورة وفيها التفات وعلى كل حال فالمعنى يؤخر أو نؤخر عذابهم أو جزاءهم فحذف المضاف {لِيَوْمٍ} أى إِلى يوم أو لأَجل يوم معدود لهم أو اللام مثلها فى قولك صِنعت السرج للدابة واشتريت الباب للدار {تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} أى أبصارهم أو الأَبصار منهم أو مطلق الأَبصار وهو الراجح وشخوص البصر أن يبقى مفتوحاً ناظراً إِلى جهة واحدة لا يعرض عنها وذلك لفرط الحيرة والدهشة من هول ذلك اليوم ويجوز أن يراد بالشخوص انتقال البصر من جهة إِلى أُخرى لإِحاطة الهول من كل جهة.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} كفار أهل مكة فيدخل غيرهم بالقياس وبالنصوص الأُخر، أَو الكفار مطلقا فيدخل كفار مكة بالأَولى وبالذات، شبه ترك العقاب عاجلا بغفلة الإنسان لجامع عدم العمل فى شىءٍ، وذلك أَن الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأُمور، أَو سهو يعتريه من قلة التحفظ، والله عز وجل متنزه عنهما، فالمعنى أن الله - عز وجل - لا يترك الانتقام من الظالم للمظلوم، فالآية تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، ولا يجوز أن يكون المعنى لا تحسبن الله يعاملهم معاملة الغافل الذى الله قد عاملهم بها فلا ينهى عن حسبانها، إلا أن يراد الغافل الذى لا ينتبه بعد، وعلى كل حال لا يصدر ذلك منه صلى الله عليه وسلم فكيف ينهى عنه مع أنه أعلم الناس بما يحال فى حق الله عز وجل - وبما يجب؟ الجواب أن المراد التهييج على قوة الثبات على ترك الحساب، أَو الإخبار بأنه لا يغفل، وأنه رقيب يعاسرهم فى الحساب، أو الخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم ممن يمكن توهم الغفلة منه، أَو لمن جرى الظلم بينهما فهو نهى للمظلوم ليتسلى وللظالم ليرتدع {إِنَّمَا يَؤَّخِّرُهُمْ} يؤَخر عقابهم، وأسند التأْخير إليهم مع أنه للعقاب تهويلا عليهم هم مؤخرون لأمر مهول {لِيَوْمٍ} لأَجل يوم يستحق أن يكون العقاب فيه أَو إلى يوم {تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} ترتفع عن قدامها إلى فوق وجوانب، فهى تتحرك أيضا فى داخلها، أَو تفتح وتلزم النظر فى موضع واحد، والجملة نعت يوم، والأبصار أبصار الظالمين فأَل للعهد أو للحقيقة يرادون بها لا للاستغراق إن المقام ليس له إلا أن يقال: المراد يشخص فيه كل بصر للهول، فكيف ينجو هؤلاءِ من الشخوص مع ظلمهم، ولا نسلم أَن أَبصار المؤمنين لا تشخص فإنه يوم شديد على كل أَحد.
الالوسي
تفسير : . {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } خطاب لكل من توهم غفلته تعالى، وقيل: للنبـي صلى الله عليه وسلم كما هو المتبادر، والمراد من النهي تثبيته عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه من عدم ظن أن الغفلة تصدر منه عز شأنه كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ } تفسير : [القصص: 88] {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] أي دم على ذلك، وهو مجاز كقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ } تفسير : [النساء: 136] وفيه إيذان بكون ذلك الحسبان واجب الاحتراز عنه في الغاية حتى نهى عنه من لا يمكن تعاطيه، وجوز أن يكون المراد من ذلك على طريق الكناية أو المجاز بمرتبتين الوعيد والتهديد، والمعنى لا تحسبن الله تعالى يترك عقابهم للطفه وكرمه بل هو معاقبهم على القليل والكثير، وأن يكون ذلك استعارة تمثيلية أي لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ولكن معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير، وإلى هذه الأوجه أشار الزمخشري. وتعقب الوجه الأول بأنه غير مناسب لمقام النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتوهم منه عدم الدوام على ما هو عليه من عدم الحسبان ليثبت، وفيه نظر. وفي «الكشف» الوجه هو الأول لأن في إطلاق الغافل عليه سبحانه وإن كان على المجاز ركة يصان كلام الله تعالى عنها، وفي الكناية النظر إلى المجموع فلم يجسر العاقل عليه تعالى عنه، ويجوز أن يكون الأول مجازاً في المرتبة الثانية بجعل عدم الغفلة مجازاً عن العلم، ثم جعله مجازاً عن الوعيد غير سديد لعدم منافاة إرادة الحقيقة. والأسلم من القيل والقال ما ذكرناه أولاً من كون الخطاب لكل من توهم غفلته سبحانه وتعالى لغير معين، وهو الذي اختاره أبو حيان، وعن ابن عيينة أن هذا تسلية للمظلوم وتهديد للظالم فقيل له: من قال هذا؟ فغضب وقال: إنما قاله من علمه، وقد نقل ذلك في "الكشاف" فاستظهر صاحب "الكشف" كونه تأييداً لكون الخطاب لغير معين، وجوز أن يكون جارياً على الأوجه إذ على تقدير اختصاص الخطاب به عليه الصلاة والسلام أيضاً لا يخلو عن التسلية للطائفتين فتأمل، والمراد بالظالمين أهل مكة الذين عدت مساويهم فيما سبق/ أو جنس الظالمين وهم داخلون دخولاً أولياً، والآية على ما قال الطيبـي مردودة إلى قوله تعالى: {أية : قَلَ تَمَتَّعُواْ} تفسير : [إبراهيم:30] و {أية : قلَ لّعِبَادِىَ } تفسير : [إبراهيم: 31] واختار جعلها تسلية له عليه الصلاة والسلام وتهديداً للظالمين على سبيل العموم. وقرأ طلحة "ولا تحسب" بغير نون التوكيد. {إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ } يمهلهم متمتعين بالحظوظ الدنيوية ولا يعجل عقوبتهم، وهو استئناف وقع تعليلاً للنهي السابق أي لا تحسبن الله تعالى غافلاً عن عقوبة أعمالهم لما ترى من التأخير إنما ذلك لأجل هذه الحكمة، وإيقاع التأخير عليهم مع أن المؤخر إنما هو عذابهم قيل: لتهويل الخطب وتفظيع الحال ببيان أنهم متوجهون إلى العذاب مرصدون لأمر ما لا أنهم باقون باختيارهم، وللدلالة على أن حقهم من العذاب هو الاستئصال بالمرة وأن لا يبقى منهم في الوجود عين ولا أثر، وللإيذان بأن المؤخر ليس من جملة العذاب وعنوانه، ولو قيل: إنما يؤخر عذابهم لما فهم ذلك. وقرأ السلمي والحسن والأعرج والمفضل عن عاصم ويونس بن حبيب عن أبـي عمرو وغيرهم {نؤخرهم} بنون العظمة وفيه التفات {لِيَوْمِ} هائل {تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ} أي ترتفع أبصار أهل الموقف فيدخل في زمرتهم الظالمون المعهودون دخولاً أولياً أي تبقى مفتوحة لا تطرف ـ كما قال الراغب ـ من هول ما يرونه، وفي «البحر» شخص البصر أحد النظر ولم يستقر مكانه، والظاهر أن اعتبار عدم الاستقرار لجعل الصيغة من شخص الرجل من بلده إذا خرج منها فإنه يلزمه عدم القرار فيها أو من شخص بفلان إذا ورد عليه ما يقلقه كما في "الأساس". وحمل بعضهم الألف واللام على العهد أي أبصارهم لأنه المناسب لما بعده والظاهر مما روي عن قتادة فقد أخرج عبد بن حميد وغيره عنه أنه قال في الآية: شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترتد إليهم، واختار بعضهم حمل أل على العموم قال: لأنه أبلغ في التهويل، ولا يلزم عليه التكرير مع بعض الصفات الآتية، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما قيل فيه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على الجمل السابقة، وله اتصال بجملة { أية : قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } تفسير : [سورة إبراهيم: 30] الذي هو وعيد للمشركين وإنذار لهم بأن لا يغتروا بسلامتهم وأمنهم تنبيهاً لهم على أن ذلك متاع قليل زائل، فأكد ذلك الوعيد بهذه الآية، مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام على ما يتطاولون به من النعمة والدعة، كما دل عليه التفريع في قوله { أية : فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } تفسير : [سورة إبراهيم: 47]. وفي معنى الآية قوله: { أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } تفسير : [سورة المزمل: 11]. وباعتبار ما فيه من زيادة معنى التسلية وما انضم إليه من وصف فظاعة حال المشركين يوم الحشر حسن اقتران هذه الجملة بالعاطف ولم تفصل. وصيغة {لا تحسبن} ظاهرها نهي عن حسبان ذلك. وهذا النهي كناية عن إثبات و تحقيق ضد المنهي عنه في المقام الذي من شأنه أن يثير للناس ظَنّ وقوع المنهي عنه لقوة الأسباب المثيرة لذلك. وذلك أن إمهالهم وتأخير عقوبتهم يشبه حالة الغافل عن أعمالهم، أي تحقق أن الله ليس بغافل، وهو كناية ثانية عن لازم عدم الغفلة وهو المؤاخذة، فهو كناية بمرتبتين، ذلك لأن النهي عن الشيء يأذن بأن المنهي عنه بحيث يتلبس به المخاطب، فنهيه عنه تحذير من التلبس به بقطع النظر عن تقدير تلبس المخاطب بذلك الحسبان. وعلى هذا الاستعمال جاءت الآية سواء جعلنا الخطاب لكل من يصح أن يخاطب فيدخل فيه النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ أم جعلناه للنبي ابتداء ويدخل فيه أمته. ونفي الغفلة عن الله ليس جارياً على صريح معناه لأن ذلك لا يظنه مؤمن بل هو كناية عن النهي عن استعجال العذاب للظالمين. ومنه جاء معنى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم. والغفلة: الذهول، وتقدم في قوله تعالى: { أية : وإن كنا عن دراستهم لغافلين } تفسير : في سورة الأنعام (156). والمراد بالظلم هنا الشرك، لأنه ظلم للنفس بإيقاعها في سبب العذاب المؤلم، وظلم لله بالاعتداء على ما يجب له من الاعتراف بالوحدانية. ويشمل ذلك ما كان من الظلم دون الشرك مثل ظلم الناس بالاعتداء عليهم أو حرمانهم حقوقهم فإن الله غير غافل عن ذلك. ولذلك قال سفيان بن عُيَيْنة هي تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. وقوله: {فيه الأبصار} مبنية لجملة {ولا تحسبن الله غافلاً} الخ. وشخوص البصر: ارتفاعه كنظر المبهوت الخائف. وأل في {الأبصار} للعموم، أي تشخص فيه أبصار الناس من هول ما يرون. ومن جملة ذلك مشاهدة هول أحوال الظالمين. والإهطاع: إسراع المشي مع مد العنق كالمتختل، وهي هيئة الخائف. وإقناع الرأس: طأطأته من الذل، وهو مشتق من قَنَع من باب مَنَع إذا تذلّل. و{مهطعين مقنعي رؤوسهم} حالان. وجملة {لا يرتد إليهم طرفهم} في موضع الحال أيضاً. والطَرْف: تحرك جفن العين. ومعنى {لا يرتد إليهم} لا يرْجع إليهم، أي لا يعود إلى معتاده، أي لا يستطيعون تحويله. فهو كناية عن هول ما شاهدوه بحيث يبقون ناظرين إليه لا تطرف أعينهم. وقوله: {وأفئدتهم هواء} تشبيه بليغ، إذ هي كالهواء في الخلو من الإدراك لشدة الهول. والهواء في كلام العرب: الخلاء. وليس هو المعنى المصطلح عليه في علم الطب وعلم الهيئة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يؤخر عقاب الكفار إلى يوم تشخص فيه الأبصار من شدة الخوف وأوضح ذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنبياء: 97] الآية. ومعنى شخوص الأبصار أنها تبقى منفتحة لا تغمض من الهول وشدة الخوف.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: عما يعمل الظالمون: أي المشركون من أهل مكة وغيرهم. ليوم تشخص فيه الأبصار: أي تنفتح فلا تغمض لشدة ما ترى من الأهوال. مهطعين مقنعي رؤوسهم: أي مسرعين إلى الداعي الذي دعاهم إلى الحشر، رافعي رؤوسهم. وأفئدتهم هواء: أي فارغة من العقل لشدة الخوف والفزع. نجب دعوتك: أي على لسان رسولك فنعبدك ونوحدك ونتبع الرسل. ما لكم من زوال: أي عن الدنيا إلى الآخرة. وقد مكروا مكرهم: أي مكرت قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال: أي لم يكن مكرهم بالذي تزول منه الجبال فإنه تافه لا قيمة له فلا تعبأ به ولا تلتفت إليه. معنى الآيات: في هذا السياق الكريم تقوية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر ليواصل دعوته إلى ربه إلى أن ينصرها الله تعالى وتبلغ المدى المحدد لها والأيام كانت صعبة على رسول الله وأصحابه لتكالب المشركين على أذاهم، وازدياد ظلمهم لهم فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} من قومك إنه إن لم ينزل بهم نقمته ولم يحل بهم عذابه إنما يريد أن يؤخرهم {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} أي تنفتح فلا تغمض ولا تطرف لشدة الأهوال وصعوبة الأحوال، {مُهْطِعِينَ} أي مسرعين {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} أي حال كونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم أي رافعين رؤوسهم مسرعين للداعي الذي دعاهم إلى المحشر، قال تعالى: {أية : وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}تفسير : [ق: 41] {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي لا تغمض أعينهم من الخوف {وَأَفْئِدَتُهُمْ} أي قلوبهم {هَوَآءٌ} أي فارغة من الوعي والإدراك لما أصابها من الفزع والخوف ثم أمر تعالى رسوله في الآية [44] بإنذار الناس مخوفاً لهم من عاقبة أمرهم إذا استمروا على الشرك بالله والكفر برسوله وشرعه، {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي أشركوا بربهم، وآذوا عباده المؤمنين {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي يطلبون الإِنظار والإِمهال {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} أي نوحدك ونطيعك ونطيع رسولك، فيقال لهم: توبيخاً وتقريعاً وتكذيباً لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ} أي حلفتم {مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي أطلبتم الآن التأخير ولم تطلبوه عندما قلتم ما لنا من زوال ولا ارتحال من الدنيا إلى الآخرة، {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالشرك والمعاصي {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} أي عرفتم {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي بإهلاكنا لهم وضربنا لكم الأمثال في كتبنا وعلى ألسنة رسلنا فيوبخون هذا التوبيخ ولا يجابون لطلبهم ويقذفون في الجحيم، وقوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} أي وقد مكر كفار قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قرروا حبسه مغللاً في السجن حتى الموت أو قتله، أو نفيه وعزموا على القتل ولم يستطيعوه {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي علمه ما أرادوا به، وجزاؤهم عليه، وقوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} أي ولم يكن مكرهم لتزول منه الجبال فإنه تافه لا وزن له ولا اعتبار فلا تحفل به أيها الرسول ولا تلتفت، فإنه لا يحدث منه شيء، وفعلاً قد خابوا فيه أشد الخيبة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تأخير العذاب عن الظلمة في كل زمان ومكان لم يكن غفلة عنهم، وإنما هو تأخيرهم إلى يوم القيامة أو إلى أن يحين الوقت المحدد لأخذهم. 2- بيان أهوال يوم القيامة وصعوبة الموقف فيه حتى يتمنى الظالمون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا ويوحدوا ربهم في عبادته. 3- التنديد بالظلم وبيان عقاب الظالمين بذكر أحوالهم. 4- تقرير جريمة قريش في ائتمارها على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القطان
تفسير : تشخص: ترتفع. مهطعين: مسرعين الى الداعي. مقنعي رؤوسِهم: رافعين رؤوسهم كثيرا. لا يرتد اليهم طرفهم: لا يرجع، كأن ابصارهم جامدة من الهول. وافئدتهم هواء: خالية من العقل والفهم لفرط الدهش والحيرة. من زوال: من انتقال. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ}. الخطاب في صورته للنبيّ عليه الصلاة والسلام، والمراد به جميع الناس. وفيه تسليةٌ للمؤمنين، وتهديد للكافرين.. فإن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون في محاربة الاسلام. {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}. إنما يُمْهِلهم ويمتّعهم بكثيرٍ من لذات الحياة، ليوم شديد الهول تبقى فيه أبصارُهم شاخصةً مفتوحة من الفزع. {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}. إنها صورةٌ رهيبة وهم معروضون رافعين لرؤوسهم، وطرفهم جامد لا يتحرك من شدة الهول، وأفئدتهم خاوية مضطربة لا إدراك فيها ولا وعي.. هذا هو اليوم الذي يؤخّرهم الله إليه، والذي ينتظُرهم بعد الإمهال. {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}. وانذِر الناس ايها الرسول أنه إذا جاء اليوم فلا اعتذارَ ولا نكال، يوم يقول الظالمون الجاحدون حين يرون ذلك الهول: ربّنا ارجعْنا الى الدنيا، وأمهلْنا امداً قريبا حتى نجيب فيه دعوة الرسل الى توحيدك، فيأتيهم الرد: ألم تَحلِفوا في الدنيا أنكم إذا متُّم لا تُخرَجون لبعثٍ ولا حساب، فكيف ترون الآن، واين قولكم "ما لنا من زوال"؟! {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ}. وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين ظَلموا أنفسَهم بالكفر والمعاصي من الأمم قبلكم، وقد ظهر لكم بمشاهدة آثارِهم كيف عاقبناهم، وضربنا لكم الأمثالَ الواضحة، ثم بعد ذلك كله تُقسِمون "ما لكم من زوال" فلم ترعووا ولم تتوبوا من كفركم، والآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب. قراءات: قرأ أبو عمرو: "انما نؤخرهم" بالنون والباقون "يؤخرهم".
د. أسعد حومد
تفسير : {غَافِلاً} {ٱلظَّالِمُونَ} {ٱلأَبْصَارُ} (42) - وَلاَ تَحْسَبَنَّ، يَا مُحَمَّدُ، اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَفْعَلُهُ الظَّالِمُونَ مِنْ مُحَارَبَةِ الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذَا كَانَ قَدْ أَنْظَرَهُمْ وَأَجَّلَهُمْ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُحْصِي عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَيُؤَخِّرُ إِنْزَالَ عِقَابِهِ بِهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ شَدِيدُ الهَوْلِ، تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ وَالرُّعْبِ. تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - تَرْتَفِعُ الأَبْصَارُ وَتَبْقَى مَفْتُوحَةً مِنَ الهَوْلِ وَالفَزَعِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ}. قال ميمون بن مهران: فهذا وعيد للظالم وتعزية المظلوم {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} يمهلهم ويؤخر عذابهم. وقرأه العامة: بالتاء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ}، وقرأ الحسن والسّلمي: بالنون. {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} أي لاتغمض من هول ماترى في ذلك اليوم قاله الفراء. {مُهْطِعِينَ} قال قتادة: مسرعين. سعيد بن جبير عنه: منطلقين. عابد بن الأوزاعي وسعيد بن جبير: الإهطاع سيلان كعدو الذئب. مجاهد: مديمي النظر. الضحاك: شدّة النظر من غير أن يطرف، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، الكلبي: ناظرين. مقاتل: مقبلين إلى النار. ابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه، وأصل الإهطاع في كلام العرب البدار والإسراع، يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع. قال الشاعر: شعر : وبمهطع سرح كأنَّ زمامَهُ في رأسِ جذع من أراك مشذبِ تفسير : وقال آخر: شعر : بمستهطع رسل كأن جديلَهُ بقدوم رعن من صوام ممنع تفسير : وقال آخر: شعر : تعبدني نمرُ بن سعد، وقد أرى ونمر بن سعد لي معيع ومهطعُ تفسير : {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} رافعيها. قال القتيبي: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه، ومنه الإقناع في الصلاة. قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد وأصل الإقناع في كلام العرب رفع الرأس. قال الشماخ شعر : يباكرن العضاه بمقنعات نواجذهن كالجدا الوقيع تفسير : يعني برؤوس مرفوعات إليها ليتناولها. قال الراجز: شعر : أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئاً أطمعا تفسير : {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} لا يرجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} قال ابن عباس: خالية من كل خير. مجاهد ومرة بن شرحبيل وابن زيد: منخرقة خربة ليس فيها خير ولا عقل، كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هواء. هذه رواية العوفي عن ابن عباس. سعيد بن جبير: تمور في أجوافهم ليس لها مكان يستقر فيه. قتادة: انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من فواههم ولا تعود إلى أمكنتها. الأخفش: جوفاء لا عقول لها. والعرب تسمي كلّ أجوف نخباً وهواء، ومنه أهواء وهو الخط الذي بين الأرض والسماء. قال زهير يصف ناقه: شعر : كان الرجل منها فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء تفسير : وقال حبان شعر : ألا أبلغ أبا سفيان عنّى فأنت مجوف نخب هواء تفسير : {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} وهو يوم القيامة {فَيَقُولُ} عطف على يوم يأتيهم وليس بجواب فلذلك وقع {ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أشركوا {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ} أمهلنا {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الدنيا يعني أرجعنا إليها {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} فيجابون {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ} حلفتم {مِّن قَبْلُ} في دار الدنيا {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} فيها أي لا يبعثون، وهو قوله {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ}تفسير : [النحل: 38]، {وَسَكَنتُمْ} في الدنيا {فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر والمعصية قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي جزاء مكرهم {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ}. قرأه العامة: بالنون. وقرأ عمر وعلي وأبن مسعود: وأُبيّ: وإن كاد مكرهم ما يزال. {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}. قرأه العامة: بكسر اللام الأول وفتح الثانية. وقرأ ابن جريج والكسائي: بفتح الميم الأُولى وضم الثانية بمعنى قراءة العامة الزجاج في قوله {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}، أي ما كان مكرهم لتزول. أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الإسلام وثبوته كثبوت الجبال الراسخة؛ لأن الله وعده إظهار دينه على الأديان كلّها، وقيل معناه: كان مكرهم. قال الحسن: إن كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن يزول منه الجبال، وقال خمس مواضع في القرآن (إن) بمعنى (ما) قوله {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ}، وقوله: {أية : لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 17] وقوله: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}تفسير : [الزخرف: 81] {أية : فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ}تفسير : [الأحقاف: 26] وقوله {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 94] ومن فتح اللام الأُولى فعلى استعظام مكرهم. قال ابن جرير: الاختيار القراءة الأُولى؛ لأنها لو كانت قالت لم يكن ثابتة وكان مكرهم ما ذكره علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وغيره قالوا: نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه قال: إن كان ما يقوله إبراهيم حقاً فلا انتهي حتى أعلم ما في السماء، فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور وعلفها اللحم وربّاها حتى شبت واستعلجت ثم قعد في تابوت وجعل معه رجلا آخر، وجعل له باباً من أعلى وباباً من أسفل وربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم فوق التابوت على عصا ثم خلى النسور فطرن وصعدن طمعاً في اللحم حتى بعدن في الهواء. قال نمرود لصاحبه افتح الباب الأول وانظر في السماء هل ترى منه شيئاً ففتح ونظر، فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها ففعل ذلك فقال أرى الأرض مثل اللجة البيضاء، والجبال مثل الدخان، وطارت النسور وارتفعت حتى حالت بينها وبين التابوت فقال لصاحبه افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغية أين تريد. قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرمى عليهم فعاد إليه السهم متلطخاً بدم. فقال: كفيت نفسك إله السماء واختلفوا في ذلك السهم من أي شيء تلطخ. قال عكرمة: سمكة فدت نفسها لله من بحر في الهواء معلق. وقال بعضهم: من طائر من الطيور أصابه السهم. قالوا: ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس اللحم ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال حفيف التابوت في النسور ففزعت وظنت أن قد حدث بها حدث في السماء أو أن القيامة قد قامت فذلك قوله {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}. {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بالنصر لاؤليائه وهلاك أعدائه وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ولا يحسبن الله مخلف رسله وعده؛ لأن الخلف يقع بالوعد. يقول الشاعر: شعر : ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائر باد إلى الشمس أجمع تفسير : وقال القتيبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وهو قولك يخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده؛ لأنه الخلف يقع بالوعد كما يقع بالرسل. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} وروى عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: البدل عرض كالفضة نبضاً نقية لم يسل فيها دم ولم يعمل عليها خطيئه. وقال علي (رضي الله عنه) في هذه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب. وروى سهل بن سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد ". تفسير : فقال سعيد بن جبير ونجد ومحمد بن كعب القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. روى خيثمة عن ابن مسعود قال: تبدل الأرض ناراً يصير الأرض كلها يوم القيامة ناراً والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها وتلجم الناس العرق ولم يبلغوا الحساب بعد. قال كعب: يصير السماوات جناناً ويصير مكان البحر ناراً وتبدل الأرض غيرها. ابن عباس: الأرض هي تلك الأرض وإنما تبدل كلها وجبالها وأنهارها. ثم أنشد: شعر : فما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا بالدار الدار التي كنت أعرف تفسير : وتصديق قول ابن عباس، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيهاً عوجاً وأمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأُولى من كان في بطنها كان في بطنها وما كان على ظهرها كان على ظهرها ". تفسير : وقيل: تبدل الأرض غير الأرض بأرض [بيضاء كالفظة]. الشعبي عن مسروق "حديث : عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: {تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} أين يكون الناس يومئذ قال: على الصراط ". تفسير : وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي أسماء عن ثوبان قال: "حديث : سأل نفر من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: هم في الظلمة دون الحشر ". تفسير : وروى حيكم بن ثوبان الكلابي عن أبي أيوب الأنصاري قال: حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم خبر من اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عزّ وجلّ في كتابه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَات} فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله فلم يعجزهم ما لديه . تفسير : {وَبَرَزُواْ} ظهروا وخرجوا من قبورهم {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} الغلاب الذي يفعل ما يشاء وقهر العباد بالموت {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ} المشركين {يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ} مشدودين بعضهم ببعض، وقيل مقرنين بالشياطين. بيانه قوله {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ}تفسير : [الصافات: 22] وهم الشياطين، فقال ابن زيد: مقرّنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم في الأصفاد بالقيود والأغلال، واحدها صفد والصفاد أيضاً القيد وجمعه صفد يقال: صفدته صفداً وأصفاداً التكثر، قلت: صفدته تصفيداً. قال عمرو بن كلثوم: شعر : فأتوا بالنهاب وبالسبايا وأبناء الملوك مصفدينا تفسير : {سَرَابِيلُهُم} قمصهم واحدها سربال والفعل منه تسربلت وسربلت غيري {مِّن قَطِرَانٍ} وهو الذي تهنأ به الإبل ويقال له الخضخاض. قال الحسن وقرأ عيسى بن عمر: {قَطرَانٍ} بفتح القاف وتسكين الطاء، وفيه لغة ثالثة قِطران بكسر القاف وجزم الطاء، ومنه قول أبي النجم: شعر : جون كأن العرق المنتوحا لبسه القطران والمسوحا تفسير : وقرأ عكرمة: برواية زيد: قطران على كلمتين منونتين {قَطِرَانٍ} والقطر النحاس الصفر المذاب. قال الله {أية : آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً}تفسير : [الكهف: 96] والآن الذي انتهى خبره قال الله تعالى {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}تفسير : [الرحمن: 44] {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} إلى قوله {هَـٰذَا} أي هذا القرآن {بَلاَغٌ} تبليغ وعظة {لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ} حجج الله التي أقامها فيه {أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لا شريك له {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن ذكر الحق سبحانه وأوضح النِّعم العامة على الكون، والنعم الخاصة التي أنعم بها سبحانه على مَنْ توطَّنوا مكة، ومن نسلهم مَنْ وقف ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف العَنَت، بعد ذلك جاء الحق سبحانه بهذه الآية تعزيةً وتسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ..} [إبراهيم: 42]. وأرضية التصوير التي سبقتْها تشتمل بدايةَ التكوين لهذا المكان الذي وُجدوا به، وكيفية مَجِيء النعم إلى مَنْ توطنوا هذا المكان؛ حيث تجيء إليهم الثمرات، ونعمة المَهَابة لهم حيث يعصف سبحانه بمَنْ يُعاديهم كأبرهة ومَنْ معه. {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5]. حيث يقول سبحانه من بعد هذه الآية مباشرة: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ* إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4]. ورغم ذلك وقفوا من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف الإنكار والتعنُّت والتصدِّي والجُحُود، وحاولوا الاستعانة بكل خُصوم الإسلام؛ ليحاربوا هذا الدين؛ ولذلك يوضح الحق سبحانه هنا تسريةً عن الرسول الكريم. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ..} [إبراهيم: 42]. لماذا؟ وتأتي الإجابة في النصف الثاني من الآية: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]. وقوله الحق: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ..} [إبراهيم: 42]. أي: لا تظننّ؛ فَحَسِب هنا ليست من الحساب والعدّ، ولكنها من "حسب" "يحسب"؛ وقوله الحق الذي يوضح هذه المسألة: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2]. أي: أَظَنَّ الناس. فحسِب يحسَب ليستْ - إذن - من العَدِّ؛ ولكن من الظنِّ. والحُسْبان نسبة كلامية غير مَجْزوم بها؛ ولكنها راجحة. والغفلة التي ينفيها سبحانه عنه؛ هي السَّهْو عن أمر لعدم اليقظة أو الانتباه، وطبعاً وبداهةً فهذا أَمْرٌ لا يكون منه سبحانه، فهو القيُّوم الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم. وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله والمؤمنين معه تبعاً؛ فحين يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فهو يخاطب في نفس الوقت كلَّ مَنْ آمن به. ولكن، أكانَ الرسول يظنُّ الله غافلاً؟ لا، ولنلحظْ أن الله حين يُوجِّه بشيء فقد يحمل التوجيه أمراً يُنفّذه الإنسانُ فعلاً؛ ويطلب الله منه الاستدامة على هذا الفعل. والمَثلُ: حين تقول لواحد لا يشرب الخمر "لا تشرب الخمر" وهو لا يشرب الخمر؛ فأنت تطالبه بقولك هذا أنْ يستمرَّ في عدم شُرْب الخمر، أي: استمِرّ على ما أنت عليه، فعلاً في الأَمْر، أو امتناعاً في النهي. وهل يمكن أن تأتي الغفلة لله؟ وأقول: حين ترى صفةً توجد في البشر؛ ولا توجد في الحق سبحانه فعليك أنْ تُفسِّر الأمر بالكمالات التي لله. والذي يفعل ظلماً سيتلقى عقاباً عليه، وحين يتأخر العقاب يتساءل الذين رَأَوْا فِعْل الظُّلم فهم يتهامسون: تُرَى هل تَمَّ نسيان الظلم الذي ارتكبه فلان؟ هل هناك غفلة في الأمر؟ وهم في تساؤلاتهم هذه يريدون أن يعلنوا موقفهم من مرتكب الذنب؛ وضرورة عقابه، وعلى ذلك نفهم كلمة: {غَافِلاً} [إبراهيم: 42]. في هذه الآية بمعنى "مُؤجِّل العقوبة". ولمن يتساءلون عليهم أنْ يتذكَّروا قول الحق سبحانه: {أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [الأعراف: 183]. وعلى ذلك فليست هناك غفلة؛ ولكن هناك تأجيل للعقوبة لهؤلاء الظالمين؛ ذلك أن الظلم يعني أَخْذ حقٍّ من صاحبه وإعطاءه للغير؛ أو أَخْذه للنفس. وإذا كان الظلم في أمر عقديّ فهو الشرك؛ وهو الجريمة العظمى، وإنْ ظلمتَ في أمر كبيرة من الكبائر فهذا هو الفِسْق، وإنْ ظلمتَ في صغيرة فهو الظلم. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يُورِد كل حكم يناسب الثلاثة مواقف؛ فيقول عن الذي تغاضى عن تجريم الشرك: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44]. ويقول عن تجريم كبيرة من الكبائر: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [المائدة: 47]. ويقول عمَّنْ يتغاضى عن تجريم صغيرة بما يناسبها من أحكام الدين: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [المائدة: 45]. وإذا وُجِد محكوم عليه، وهو واحد - بأحكام متعددة فالحكم مُتوقِّف على ما حكم به. وحين ننظر في مسألة الظلم هذه نجد أن الظالم يقتضي مظلوماً، فإنْ كان الظُّلْم - والعياذ بالله - هو ظُلم القمة وهو الشرك بالله، فهذا الظلم ينقسم - عند العلماء - إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: وهو إنكار وجود الله وألوهيته دون أن ينسبها لأحد آخر؛ وهذا هو الإلحاد، وهو ظُلْم في واجب وجوديته سبحانه. والنوع الثاني: هو الاعتراف بألوهية الله, وإشراك آخرين معه في الألوهية، وهذا الشرك ظُلْم للحق في ذاتية وواحدية تفرُّده. والنوع الثالث: هو القول بأن الله مُكوَّن من أجزاء؛ وهذا ظُلْم لله في أحدية ذاته. ويقول بعض العارفين: إن أول حقٍّ في الوجود هو وجوده سبحانه. ومنهم الشاعر الذي قال: شعر : وأوَّل حَقٍّ في الوُجُودِ وُجُوده وكُلُّ حُقوقِ الكوْنِ منه استمدَّت فَلا هُو جَمْعٌ كمَا قال مُشْركٌ ولاَ هُوَ في الأَجْزاءِ يَا حُسْن مِلَّتي تفسير : والظلم الذي ورد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، هو ظلم القمة؛ ظُلْم في العقيدة الإلهية، ومعه ظلم آخر هو ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم. ويُلخِّص الشاعر ظُلْمهم للرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: شعر : لَقَّبتمُوه أَمِيناً في صِغَرٍ وَمَا الأمينُ على قَوْل بِمُتَّهمِ تفسير : وهم قد سَمَّوا الرسول من قبل الرسالة بالأمين؛ وبعد الرسالة نزعوا منه هذا الوصف، وكانوا يَصِفونه قبل الرسالة بالصادق، ولم يقولوا عنه مرة قبل الرسالة إنه ساحر، ولم يتهموه من قبل الرسالة بالجنون. فكيف كانت له أوصاف الصِّدق والنطق بالحق؛ والتحدث عن رجاحة قدرته في الحكم؟ كيف كانت له تلك الصفات قبل الرسالة؛ وتنزعونها منه من بعد الرسالة؟ إن هذا هو ظلم سلْب الكمال، فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم كمال قبل أن يُرسلَ؛ فظلمتموه بعد الرسالة وأنكرتم عليه هذا الكمال؛ وهو ظُلْم مُزْدَوج. فقد سبق أن اعترفتم له من قبل الرسالة بالأمانة؛ ولكن من بعد الرسالة أنكرتُم أمانته، وكان صادقاً من قبل الرسالة؛ وقلتم إنه غَيْر صادق بعدها. ولم تكن له صفة نَقْص قبل الرسالة؛ فجئتم أنتم له بصفة نقص؛ كقولكم: ساحر؛ كاهن؛ مجنون، وفي هذا ظُلْم للرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا أيضاً ظُلْم للمجتمع الذي تعيشون فيه، لأن مَنْ يريد استمرار الاستبداد بكلمة الكفر، ويريد أن يستمرَّ في السيادة والاستغلال والتحكُّم في الغير؛ فكُلُّ ذلك ظُلْم للمجتمع؛ وفوق ذلك ظُلْم للنفس؛ لأن مَنْ يفعل ذلك قد يأخذ متعة بسيطة؛ ويحرِم نفسه من متعة كبيرة؛ هي متعة الحياة في ظِلِّ منهج الله، وينطبق عليه قول الحق الرحمن: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 118]. وفوق ظُلْم النفس وظُلْم المجتمع هناك ظُلْم يمارسه هذا النوع من البشر ضد الكون كُلِّه فيما دون الإنسان؛ من جماد وحيوان ونبات؛ ذلك أن الإنسانَ حين لا يكون على منهج خالقه؛ والكون كله مُسخَّر لمنهج الخالق؛ فلن يرعى الإنسانُ ذلك في تعامله مع الكون، وسبحانه القائل: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. حين يُسبِّح كل ما في الكون يشذّ عن ذلك إنسانٌ لا يتبع منهج الله؛ فالكون كله يكرهه، وبذلك يظلم الإنسان نفسه ويظلم الكون أيضاً. وهكذا عرفنا ظُلْم القمة في إنكار الألوهية؛ أو الشرك به سبحانه، أو توهُّم أنه من أجزاء، وظُلْم نزع الكمال عن الرسول؛ وهو الواسطة التي جاءت بخبر الإيمان؛ وظُلْم الكون كله؛ لأن الكون بكل أجناسه مُسبّح لله. وقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ..} [إبراهيم: 42]. نجد فيه كلمة "يعمل". ونعلم أن هناك فَرْقاً بين "عمل" و "فعل"، والفعل هو أحداث كل الجوارح، ما عدا اللسان الذي يقال عن حدثه "القول". فكل الجوارح يأخذ الحادث منها اسماً؛ وحدث اللسان يأخذ اسماً بمفرده، ذلك أن الذي يكب الناس على مناخرهم في النار إنما هو حصائد ألسنتهم، والفعل والقول يجمعهما كلمة "عمل". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه "يعمل"، ذلك أن المشركين الذين استقبلوا القرآن كانوا يُرْجِفون بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم بالكلام؛ وكل الأفعال التي قاموا بها نشأتْ عن طريق تحريض بالكلام. وتأتي هذه الآية الكريمة التي يُؤكّد فيها سبحانه أنه يُمكّن لهم الذنوب ليُمكِّن لهم العقوبة أيضاً؛ ويأتي قوله: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]. ونعلم أنه قد حدثتْ لهم بعضٌ من الظواهر التي تؤكد قُرْب انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فَقُتل صناديدهم وبعض من سادتهم في بدر؛ وأُسِر كبراؤهم، وهكذا شاء سبحانه أنْ يأتيَ بالوعد أو الوعيد؛ جاء بالأمر الذي يدخل فيه كُلُّ السامعين، وهو عذابُ الآخرة؛ إنْ ظَلُّوا على الشرك ومقاومة الرسالة. و: {تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]. يعني: تفتح بصورة لا يتقلَّب بها يَمْنة أو يَسْرة من هَوْل ما يرى؛ وقد يكون عدم تقلُّب البصر من فَرْط جمال ما يرى، والذي يُفرِّق بينهما سِيَال خاص بخَلْق الله فقط؛ وهو سبحانه الذي يخلقه. فحين ترى إنساناً مذعوراً من فَرْط الخوف؛ فسِحْنته تتشكَّل بشكل هذا الخوف، أما مَنْ نظر إلى شيء جميل وشَخصتْ عيناه له، يصبح لملامحه انسجامُ ارتواء النظر إلى الجمال؛ ولذلك يقول الشاعر: شعر : جَمَالُ الذي أهْواهُ قَيْد نَاظِريّ فَلْيتَ لِشَيءٍ غيرِهِ يتحوَّلِ تفسير : ويمكننا أن نفرق بين الخائف وبين المستمتع بملامح الوجه المنبسطة أو المذعورة. ونعلم أن البصر ابن للمرائي؛ فساعة تتعدّد المرائي؛ فالبصر يتنقّل بينها؛ ولذلك فالشخص المُبصر مُشتَّت المرائي دائماً؛ ويتنقل ذِهْنه من هنا إلى هناك. أما مَنْ أنعم الله عليهم بنعمة حَجْز أبصارهم - المكفوفين - فلا تشغله المرائي؛ ولذلك نجدهم أحرصَ الناس على العِلْم؛ فأذهانهم غير مشغولة بأيِّ شيء آخر، وبُؤْرة شعور كل منهم تستقبل عن طريق الأذن ما يثبت فيها. ولذلك يقال عنهم "صناديق العلم" إنْ أرادوا أنْ يعلموا؛ فلا أحدَ من الذين يتعلمون منهم يكون فارغاً أبداً؛ مثَلة مِثل الصندوق الذي لا يفرغ. ولا أحد يتحكم في العاطفة الناشئة عن الغرائز إلا الله؛ فأنت لا تقول لنفسك "اغضب" أو "اضحك"؛ لأنه هو سبحانه الذي يملك ذلك، وهو القائل: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} تفسير : [النجم: 43]. والضحك والبكاء مسائل قَسْرية لا دخلَ لأحد بها. ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن: {أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ ..} تفسير : [الأحزاب: 10]. فمرّة تشخص الأبصار، ويستولي الرعب على أصحابها فلا يتحولون عن المشهد المُرْعِب، ومرَّة تزوغ الأبصار لعله يبحث لنفسه عن مَنْفذ أو مَهْربٍ فلا يجد. ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء الذين تزوغ أبصارهم، فيقول: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، يقول تعالى: { وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } حيث أمهلهم وأدرَّ عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثما، حتى إذا أخذه لم يفلته {أية : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } تفسير : والظلم -هاهنا- يشمل الظلم فيما بين العبد وربه وظلمه لعباد الله. { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ } أي: لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال وما أزعجها من القلاقل. { مُهْطِعِينَ } أي: مسرعين إلى إجابة الداعي حين يدعوهم إلى الحضور بين يدي الله للحساب لا امتناع لهم ولا محيص ولا ملجأ، { مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ } أي: رافعيها قد غُلَّتْ أيديهم إلى الأذقان، فارتفعت لذلك رءوسهم، { لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } أي: أفئدتهم فارغة من قلوبهم قد صعدت إلى الحناجر لكنها مملوءة من كل هم وغم وحزن وقلق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):