١٤ - إِبْرَاهِيم
14 - Ibraheem (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } فيه أبحاث: البحث الأول: قال صاحب «الكشاف»: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } مفعول ثان لقوله: {وَأَنذِرِ } وهو يوم القيامة. البحث الثاني: الألف واللام في لفظ {ٱلْعَذَابَ } للمعهود السابق، يعني: وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره وهو شخوص أبصارهم، وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم. البحث الثالث: الإنذار هو التخويف بذكر المضار، والمفسرون مجمعون على أن قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } هو يوم القيامة، وحمله أبو مسلم على أنه حال المعاينة، والظاهر يشهد بخلافه، لأنه تعالى وصف اليوم بأن عذابهم يأتي فيه وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: {أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة. وحجة أبي مسلم: أن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } تفسير : [المنافقون: 10] ثم حكى الله سبحانه ما يقول الكفار في ذلك اليوم، فقال: {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } واختلفوا في المراد بقوله: {أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } فقال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه، وقال: بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم: نجب دعوتك ونتبع الرسل، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيباً لهم: {أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ } ومعناه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى، وهو قوله تعالى: { أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } تفسير : [النحل: 38] إلى غير ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم الله تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى، ومعنى: ما لكم من زوال، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى هرم أو عن فقر إلى غنى، ثم إنه تعالى زادهم تقريعاً آخر بقوله: {وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم، وهم قوم نوح وعاد وثمود، وظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر، فإذا لم يعتبر كان مستوجباً للذم والتقريع. ثم قال: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال. فإن قيل: ولماذا قيل: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } ولم يكن القوم يقرون بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم؟ قلنا: إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا وانقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا فائدة في طلب الدنيا، والواجب الجد والاجتهاد في طلب الدين، والواجب على من عرف هذا أن يكون خائفاً وجلاً فيكون ذلك زجراً له هذا إذا قرىء بالتاء أما إذا قرىء بالنون فلا شبهة فيه لأن التقدير كأنه تعالى قال: أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم، وليس كل ما بين لهم تبينوه. أما قوله: {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } فالمراد ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الإبتداء وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله كثير، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ} قال ابن عباس: أراد أهل مكة. {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} وهو يوم القيامة؛ أي خوفهم ذلك اليوم. وإنما خصّهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثّواب، لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي. {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي في ذلك اليوم {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ} أي أمهلنا. {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة. {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} أي إلى الإسلام. {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}. فيجابوا: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ} يعني في دار الدنيا.{مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} قال مجاهد: هو قسم قريش أنهم لا يبعثون. ابن جريج: هو ما حكاه عنهم في قوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38]. {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} فيه تأويلان: أحدهما ـ ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة؛ أي لا تبعثون ولا تحشرون؛ وهذا قول مجاهد. الثاني ـ {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي من العذاب. وذكر البَيْهَقِيّ عن محمد بن كعب القُرَظيّ قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربعة، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً، يقولون: {أية : رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [غافر: 11] فيجيبهم الله {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} تفسير : [غافر: 12]. ثم يقولون: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [السجدة: 14] ثم يقولون: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} فيجيبهم الله تعالى {أية : أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ } تفسير : [إبراهيم: 44] فيقولون: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37]. ويقولون: {أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ} تفسير : [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها أبداً؛ خرجه ٱبن المبارك في «دقائقه» بأطول من هذا ـ وقد كتبناه في كتاب «التذكرة» ـ وزاد في الحديث {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} قال هذه الثالثة، وذكر الحديث وزاد بعد قوله: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم؛ قال: فحدّثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قيل الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} كقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ} تفسير : [المؤمنون: 99] الآية، وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون:9-10] الآيتين، وقال تعالى مخبراً عنهم في حال محشرهم: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ} تفسير : [السجدة: 12] الآية، وقال: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا} تفسير : [الأنعام: 27] الآية، وقال تعالى: {أية : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} تفسير : [فاطر: 37] الآية، قال تعالى رداً عليهم في قولهم هذا {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذلك، قال مجاهد وغيره: {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38] الآية، {وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر {أية : حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} تفسير : [القمر: 5] وقد روى شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن: أن علياً رضي الله عنه قال في هذه الآية: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} قال: أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلظا واستفحلا وشبا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصاً على رأسه اللحم، فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ما ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فصوِّبِ العصا، فصوبها، فهبطا جميعاً، قال: فهو قوله عز وجل: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال). قال أبو إسحاق: وكذلك هي في قراءة عبد الله: (وإن كاد مكرهم) قلت: وكذا روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنهما قرآ (وإن كاد) كما قرأ علي، وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أذنان عن علي، فذكر نحوه، وكذا روي عن عكرمة: أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان: أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام ذلك بعده فرعون ملك القبط في بناء الصرح، فعجزا وضعفا، وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر، وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها، نودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ ففرق، ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح، فصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك، فذلك قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}. ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها {لَتزولُ منه الجبالُ} بفتح اللام الأولى وضم الثانية، وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، وكذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر شيئاً من الجبال ولا غيرها، وإِنما عاد وبال ذلك عليهم، قلت: ويشبه هذا قول الله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} تفسير : [الإسراء: 37]، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} يقول: شركهم؛ كقوله: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} تفسير : [مريم: 90] الآية، وهكذا قال الضحاك وقتادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنذِرِ } خوِّف يا محمد {ٱلنَّاسِ } الكفار {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } هو يوم القيامة {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا {رَبَّنَا أَخّرْنَا } بأن تردّنا إلى الدنيا {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ } بالتوحيد {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } فيقال لهم توبيخاً {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ } حلفتم {مِن قَبْلُ } في الدنيا {مَا لَكُم مّنْ } زائدة {زَوَالٍ } عنها إلى الآخرة؟
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{وأنذر النّاس يَوْمَ يأتيهم العذاب}معناه وأنذرهم باليوم الذي يأتيهم فيه العذاب، يعني يوم القيامة. وإنما خصه بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب أيضاً لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي وإن تضمن ترغيباً للمطيع. {فيقول الذين ظلَموا ربّنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرُّسل} طلبوا رجوعاً إلى الدنيا حين ظهر لهم الحق في الآخرة ليستدركوا فارط ذنوبهم، وليست الآخرة دار توبة فتقبل توبتهم، كما ليست بدار تكليف فيستأنف تكليفهم. فأجابهم الله تعالى عن هذا الطلب فقال: {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوالٍ} فيه وجهان: أحدهما: ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة، قاله مجاهد. الثاني: ما لكم من زوال عن العذاب، قاله الحسن. قوله عز وجل:{وقد مكروا مكرهم}فيه قولان: أحدهما: أنه عنى بالمكر الشرك، قاله ابن عباس. الثاني: أنه عنى به العتو والتجبّر، وهي فيمن تجبر في ملكه وصعد مع النسرين في الهواء، قاله علي رضي الله عنه. وقال ابن عباس: هو النمرود بن كنعان بن سنحاريب بن حام بن نوح بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً وصعد منه مع النسور، فلما علم أنه لا سبيل إلى السماء اتخذه حصناً وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصرح عليهم، فهلكوا جميعاً، فهذا معنى قوله {وقد مكروا مكرهم}. {وعند الله مكرهم} فيه وجهان: أحدهما: وعند الله مكرهم عالماً به لا يخفى عليه، قاله علي بن عيسى. الثاني: وعند الله مكرهم محفوظاً عليهم حتى يجازيهم عليه، قاله الحسن وقتادة. {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}فيه قراءتان. إحداهما: بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، ومعناها وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، احتقاراً له، قاله ابن عباس والحسن. الثانية: بفتح اللام الأولى وضم الثانية، ومعناها وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال استعظاماً له. قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم{وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال}. وفي{الجبال} التي عنى زوالها بمكرهم قولان: أحدهما: جبال الأرض. الثاني: الإسلام والقرآن، لأنه لثبوته، ورسوخه كالجبال.
ابن عبد السلام
تفسير : {زَوَالٍ} عن الدنيا إلى الآخرة، أو زوال عن العذاب.
النسفي
تفسير : {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } أي يوم القيامة. و{يوم} مفعول ثان لـ {أنذر} لا ظرف إذ الإنذار لا يكون في ذلك اليوم {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أي الكفار {رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك فيقال لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } أي حلفتم في الدنيا أنكم إذا متم لا تزالون عن تلك الحالة ولا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرتم بالبعث كقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ }تفسير : [النحل:38] و{ما لكم} جواب القسم. وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: {أقسمتم} ولو حكى لفظ المقسمين لقيل ما لنا من زوال، أو أريد باليوم يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى فإنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب. يقال: سكن الدار وسكن فيها ومنه {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر لأن السكنى من السكون وهو اللبث والأصل تعديته بـ «في» نحو «قر في الدار وأقام فيها» ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل: «سكن الدار» كما قيل «تبوأها»، ويجوز أن يكون سكنوا من السكون أي قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد لا يحدثونها بما لقي الأولون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم فيعتبروا ويرتدعوا {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ } بالأخبار أو المشاهدة وفاعل {تبين} مضمر دل عليه الكلام أي تبين لكم حالهم و{كَيْفَ } ليس بفاعل لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإنما نصب {كيف} بقوله {فَعَلْنَا بِهِمْ } أي أهلكناهم وانتقمنا منهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرهُمْ } وهو مضاف إلى الفاعل كالأول والمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو إلى المفعول أي عند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } بكسر اللام الأولى ونصب الثانية والتقدير: وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلى الله عليه وسلم فعبر عن النبي عليه السلام بالجبال لعظم شأنه، و«كان تامة» و«إن» نافية واللام مؤكدة لها كقوله {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 33] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً دليله قراءة ابن مسعود {وما كان مكرهم} وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية عليُّ، أي وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن أماكنها فـ «إن» مخففة من «إن» واللام مؤكدة. {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } يعني قوله {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} تفسير : [غافر: 51] {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي }تفسير : [المجادلة: 21] {مخلف} مفعول ثانٍ لـ {تحسبن} وأضاف {مخلف} إلى {وعده} وهو المفعول الثاني له والأول {رسله} والتقدير مخلف رسله وعده وإنما قدم المفعول الثاني على الأول ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله: {أية : إن الله لا يخلف الميعاد}تفسير : [آل عمران: 9] ثم قال {رسله} ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب لا يماكر {ذُو ٱنتِقَامٍ } لأوليائه من أعدائه وانتصاب {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ } على الظرف للانتقام أو على إضمار اذكر والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة وتبدل السماوات غير السماوات وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك «بدلت الدراهم دنانير» وفي الأوصاف كقولك «بدلت الحلقة خاتماً» إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل واختلف في تبديل الأرض والسماوات فقيل تبدل أوصافها وتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض وإنما تغير. وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً. وقيل: تخلق بدلها أرض وسماوات أخر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة. وعن علي رضي الله عنه: تبدل أرضاً من فضة وسماوات من ذهب {وَبَرَزُواْ } وخرجوا من قبورهم {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } هو كقوله: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } تفسير : [غافر: 16] لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره كان الأمر في غاية الشدة
الخازن
تفسير : {وأنذر الناس} يعني وخوف الناس يا محمد بيوم القيامة وهو قوله سبحانه وتعالى {يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا} يعني ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي {ربنا أخرنا إلى أجل قريب} يعني أمهلنا مدة يسيرة قال بعضهم: طلبوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا فينفعهم ذلك وهو قوله تعالى {نجب دعوتك ونتبع الرسل} فأجيبوا بقوله {أولم تكونوا أقسمتم من قبل} يعني في دار الدنيا {مالكم من زوال} يعني ما لكم عنها انتقال ولا بعث ولا نشور.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} يقول: أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم العذاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} قال: يوم القيامة {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب} قال: مدة يعملون فيها من الدنيا {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل} لقوله {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} تفسير : [النحل: 38] {ما لكم من زوال} قال: الانتقال من الدنيا إلى الآخرة. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: بلغني أن أهل النار ينادون {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} فرد عليهم {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} إلى قوله {لتزول منه الجبال}. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ما لكم من زوال} عما أنتم فيه إلى ما تقولون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ما لكم من زوال} قال: بعث بعد الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} قال: سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود. وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم {وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} قال: قد والله بعث الله رسله وأنزل كتبه وضرب لكم الأمثال فلا يصم فيها إلا الأصمّ ولا يخيب فيها إلا الخائب، فاعقلوا عن الله أمره. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} قال: عملتم بمثل أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وضربنا لكم الأمثال} قال: الأشباه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وإن كان مكرهم} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن الحسن رضي الله عنه قال: أربعة أحرف في القرآن {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} ما مكرهم وقوله {أية : لاتَّخَذنٰه من لدنا إن كنا فاعلين} تفسير : [الأنبياء: 17] ما كنا فاعلين. وقوله {إن كان للرحمن ولد} ما كان للرحمن من ولد وقوله {ولقد مكناهم في ما إن مكناهم فيه} ما مكناكم فيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن كان مكرهم} يقول شركهم. كقوله {أية : تكاد السموات يتفطرن منه} تفسير : [مريم: 90]. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} قال: هو كقوله {أية : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إدَّاً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا} تفسير : [مريم: 88-90]. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه، أن الحسن كان يقول: كان أهون على الله وأصغر من أن تزول منه الجبال، يصفهم بذلك. قال قتادة رضي الله عنه: وفي مصحف عبد الله بن مسعود {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} وكان قتادة رضي الله عنه يقول عند ذلك {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا} أي لكلامهم ذلك. وأخرج ابن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر: كان يقرأ {وإن كان مكرهم} بالنون {لتزول} برفع اللام الثانية وفتح الأولى. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن عمر بن الخطاب أنه قرأ "وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال" يعني بالدال. وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ {وإن كان مكرهم} وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب، أنه قرأ {وإن كان مكرهم}. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، أنه قرأ "وإن كاد مكرهم". قال: وتفسيره عنده {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال} هذا {أية : أن دعوا للرحمن ولداً} تفسير : [مريم: 91]. وأخرج ابن جرير عن مجاهد، أنه كان يقرأ {لتزول} بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} ثم فسرها فقال: إن جباراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه خشبة، ثم ربط أرجلهن بأوتاد، ثم جوَّعهن، ثم جعل على رأس الخشبة لحماً ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثم ربطهن إلى قوائم التابوت، ثم خلى عنهن يردهن اللحم، فذهبن به ما شاء الله تعالى. ثم قال لصاحبه: افتح فانظر ماذا ترى. ففتح فقال: أنظر إلى الجبال.... كأنها الذباب..! قال: أغلق. فأغلق، فطرن به ما شاء الله، ثم قال: افتح... ففتح. فقال: انظر ماذا ترى. فقال: ما أرى إلا السماء، وما أراها تزداد إلا بعداً. قال: صوّب الخشبة. فصوّبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدتها فكادت تزول عن مراتبها. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أخذ الذي حاجَّ إبراهيم عليه السلام في ربه نسرين صغيرين، فربّاهما حتى استغلظا واستعلجا وشبّا، فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت. وجوّعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت، ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ قال: أرى كذا وكذا. حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب. قال: صوّب العصا. فَصَوَّبَها فهبطا. قال: فهو قول الله تعالى {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} وكذلك هي في قراءة ابن مسعود {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه، أن بخت نصر جوّع نسوراً، ثم جعل عليهن تابوتاً، ثم دخله وجعل رماحاً في أطرافها واللحم فوقها، فَعَلَتْ تذهب نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ ففرق، ثم سمع الصوت فوقه فصوب الرماح فقوضت النسور، ففزعت الجبال من هدّتها، وكادت الجبال أن تزول من حسّ ذلك. فذلك قوله {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} كذا قرأها مجاهد. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: إن نمرود صاحب النسور لعنه الله، أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلاً، ثم أمر بالنسور فاحتمل، فلما صعد قال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: أرى الماء وجزيرة - يعني الدنيا - ثم صعد فقال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: ما نزداد من السماء إلا بعداً. قال: اهبط. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة، أن جبّاراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى من في السماء. فسلط عليه أضعف خلقه، فدخلت بعوضة في أنفه فأخذه الموت، فقال: اضربوا رأسي. فضربوه حتى نثروا دماغه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} قال: انطلق ناس وأخذوا هذه النسور، فعلقوا عليها كهيئة التوابيت ثم أرسلوها في السماء، فرأتها الجبال فظنت أنه شيء نزل من المساء، فتحركت لذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته فلقي لوطاً على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به وقال: إني مهاجر إلى ربي. وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة فراخ من فراخ النسور، فربّاهن بالخبز واللحم... حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، قرنهنّ بتابوت وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلاً من لحم لهن، فطرن حتى إذا دهم في السماء أشرف فنظر إلى الأرض وإلى الجبال تدب كدبيب النمل، ثم رفع لهن اللحم ثم نظر، فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكة في ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، فألقى اللحم فأتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن قد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم يفعلن. فذلك قوله {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} وهي في قراءة عبد الله بن مسعود "وإن كاد مكرهم" فكان طيورهن به من بيت المقدس، ووقوعهن في جبال الدخان. فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً، أخذ في بنيان الصرح فبناه حتى أسنده إلى السماء، ارتقى فوقه ينظر يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد {أية : فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون}تفسير : [النحل: 26] يقول: من مأمنهم وأخذهم من أساس الصرح، فانتقض بهم.... وسقط فتبلبلت ألسنة الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل وكان قبل ذلك بالسريانية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إن الله عزيز ذو انتقام} قال: عزيز والله في أمره يملي وكيده متين، ثم إذا انتقم انتقم بقدره. وأخرج مسلم وابن جرير والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ثوبان رضي الله عنه قال: حديث : جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم، حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قلت: أين الناس يومئذ؟ قال على الصراط ". تفسير : وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: "أرض بيضاء كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: تبدل الأرض أرضاً بيضاء، كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة. قال البيهقي: الموقوف أصح. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن زيد بن ثابت قال: أتى اليهود النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه فقال: "حديث : جاؤوني... سأخبرهم قبل أن يسألوني {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: أرض بيضاء كالفضة، فسألهم فقالوا: أرض بيضاء كالنقي ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن علي قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} قال: "أرض بيضاء، لم يعمل عليها خطيئة ولم يسفك عليها دم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أنس بن مالك أنه تلا هذه الآية {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة، لم يعمل عليها الخطايا، ثم ينزل الجبار عز وجل عليها. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب في الآية قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} زعم أنها تكون فضة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} قال: أرض كأنها فضة والسماوات كذلك. وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} قال: يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها، وتمد مدّ الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل الفضة، لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها. وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه، عن سهل بن سعد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفرة، نزلاً لأهل الجنة. قال: فأتاه رجل من اليهود فقال: بارك الله عليك أبا القاسم... ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: تكون الأرض خبزة واحدة يوم القيامة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى. قال: إدامهم ثور. قالوا: ما هذا؟ قال هذا ثور بالأم، يأكل من زيادة كبدها سبعون ألفاً ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب رضي الله عنه، حديث : أن رجلاً من يهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ما الذي تبدل به؟ فقال: خبزة. فقال اليهودي: درمكة بأبي أنت. قال: فضحك ثم قال: قاتل الله يهود، هل تدرون ما الدرمكة؟ لباب الخبز ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن ومن تحت قدميه. وأخرج البيهقي في البعث عن عكرمة رضي الله عنه قال: تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: خبز يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل، عن أبي أيوب الأنصاري قال: "حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود وقال: أرأيت إذ يقول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "أضياف الله، لن يعجزهم ما لديه" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية. قال: بلغنا أن هذه الأرض تطوى وإلى جنبها أخرى، يحشر الناس منها إليها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في الآية قال: تغير السموات جناناً ويصير مكان البحر ناراً، وتبدل الأرض غيرها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: الأرض كلها نار يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} الآية. قال: هذا يوم القيامة، خلق سوى الخلق الأوّل. وأخرج البخاري في تاريخه، حديث : عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الأرض يوم القيامة؟ قال: هي رخام من الجنة". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {مقرنين في الأصفاد} قال: الكبول. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {مقرنين في الأصفاد} قال: في القيود والاغلال. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {في الأصفاد} قال: في السلاسل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {في الأصفاد} يقول: في وثاق.
ابو السعود
تفسير : {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ} خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعلامِه أن تأخيرَهم لماذا، وأمرٌ له بإنذارهم وتخويفِهم منه، والمرادُ بالناس الكفارُ المعبّرُ عنهم بالظالمين كما يقتضيه ظاهرُ إتيانِ العذاب، والعدولُ إليه من الإضمار للإشعار بأن المرادَ بالإنذار هو الزجرُ عما هم عليه من الظلم شفقةً عليهم لا التخويفُ للانزعاج والإيذاء، فالمناسبُ عدمُ ذكرِهم بعنوان الظلمِ، أو الناسُ جميعاً فإن الإنذارَ عام للفريقين كقوله تعالى: { أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ} تفسير : [يس: 11] والإتيانُ يُعمّهما من حيث كونُهما في الموقف وإن كان لحوقُه بالكفار خاصةً، أي أنذِرهم وخوِّفهم {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} المعهودُ وهو اليوم الذي وُصف بما لا يوصف من الأوصاف الهائلةِ أعني يومَ القيامة، وقيل: هو يومُ موتِهم معذَّبـين بالسكَرات ولقاءِ الملائكة بلا بشرى، أو يومُ هلاكِهم بالعذاب العاجلِ، ويأباه القصرُ السابق {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي فيقولون، والعدولُ عنه إلى ما عليه النظمُ الكريم للتسجيل عليهم بالظلم وللإشعار بأن ما لقُوه من الشدة إنما هو لظلمهم، وإيثارُه على صيغة الفاعل حسبما ذكر، أو لا للإيذان بأن الظلمَ في الجملة كافٍ في الإفضاء إلى ما ذكر من الأهوال من غير حاجةٍ إلى الاستمرار عليه كما ينبىء عنه صيغةُ الفاعلِ، وعلى تقدير كونِ المرادِ بالناس مَنْ يعمّ المسلمين أيضاً فالمعنى الذين ظلموا منهم وهم الكفارُ، أو يقول: كلُّ من ظلم بالشرك والتكذيب من المنذَرين وغيرِهم من الأمم الخاليةِ فإن إتيانَ العذاب يعُمهم كما يشعر بذلك وعدُهم باتباع الرسل. {رَبَّنَا أَخّرْنَا} رُدَّنا إلى الدنيا وأمهلنا {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} إلى أمد وحدَ من الزمان قريب {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} أي الدعوةَ إليك وإلى توحيدك أو دعوتَك لنا على ألسنة الرسلِ، ففيه إيماءٌ إلى أنه صدّقوهم في أنهم مرسَلون من عند الله تعالى {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} فيما جاءونا به أي نتدارك ما فرّطنا فيه من إجابة الدعوةِ واتّباع الرسل، والجمعُ إما باعتبار اتفاقِ الجميعِ على التوحيد وكونِ عصيانهم للرسول صلى الله عليه وسلم عصيانا لهم جميعاً، وإما باعتبار أن المحْكيَّ ظالمو الأمم جميعاً والمقصودُ بـيانُ وعدِ كل أمة باتباع رسولِها، {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ} على إضمار القولِ معطوفاً على (فيقول) أي فيقال لهم توبـيخاً وتبكيتاً: ألم تؤخَّروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم إذ ذاك بألسنتكم بطراً وأشرَاً وجهلاً وسفهاً {مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ} مما أنتم عليه من التمتع بالحظوظ الدنيوية أو بألسنة الحال حيث بنيتم مَشيداً وأمّلتم بعيداً ولم تحدّثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة، وفيه إشعارٌ بامتداد زمانِ التأخير وبُعد مداه أو ما لكم من زوال من هذه الدار إلى دار أخرى للجزاء كقوله تعالى: { أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل: 38] وصيغةُ الخطاب في جواب القسم لمراعاة حالِ الخطاب في أقسمتم كما في قوله: حلف بالله ليخرُجَن، وهو أدخلُ في التوبـيخ من أن يقال: ما لنا مراعاةً لحال المُقسِم. ذكر البـيهقيُّ عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمسُ دعَوات يجيبهم الله تعالى في أربع منها فإذا كانت الخامسةُ لم يتكلموا بعدها أبداً يقولون: { أية : رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ} تفسير : [غافر: 11] فيجيبهم الله تعالى: { أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـىّ ٱلْكَبِيرِ} تفسير : [غافر: 12] ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: { أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} تفسير : [السجدة: 14] الآية، ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} تفسير : فيجيبهم الله تعالى: {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ} الآية، ثم يقولون: { أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: { أية : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37] فيقولون: { أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ} تفسير : [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله تعالى: { أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها أبداً، إن هو إلا زفيرٌ وشهيق وعند ذلك انقطع رجاؤُهم وأقبل بعضهم ينبَح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنمُ، اللهم إنا بك نعوذ وبكنفك نلوذ عز جارُك وجل ثناؤُك ولا إلٰهَ غيرُك.
القشيري
تفسير : أفسدوا في أول أُمورهم، وقصَّروا في الواجب عليهم، ولم يكن للخَلَلِ في أحوالهم جبران، ولا لعذرهم قبول لتصحَّ الحجة عليهم، فافتضح المجرم منهم، وخاب الكافر، وحُقَّ الحكمُ عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانذر الناس} اى خوفهم جميعا يا محمد {يوم يأتيهم العذاب} اى من يوم القيامة او من يوم موتهم فانه اول ايام عذابهم حيث يعذبون بالسكرات وهذا الانذار للكفرة اصالة وللمؤمنين تبعية وان لم يكونوا معذبين {فيقول الذين ظلموا} منهم بالشرك والتكذيب {ربنا اخرنا} ردنا الى الدنيا وامهلنا {الى اجل قريب} الى امد وحدّ من الزمان قريب قال سعدى المفتى لعل فى النظم تضمينا والتقدير ردنا الى ذى اجل قريب اى قليل وهو الدنيا مؤخرا عذابنا. وقال الكاشفى [عذاب مارا تأخير كن ومارا بدنيا فرست ومهلت ده تامدتى نزديك او] اخر آجالنا وابقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك {نجب دعوتك} جواب للامر اى الدعوة اليك والى توحيدك {ونتبع الرسل} فيما جاؤنا به اى نتدارك ما فرطنا فيه من اجابة الدعوة واتباع الرسل {أولم تكونوا اقسمتم من قبل} على اضمار القول عطفا على فيقول اى فيقال لهم توبيخا وتبكيتا ألم تؤخروا فى الدنيا ولم تكونوا اقسمتم اى حلفتم اذ ذاك بألسنتكم تكبرا وغرورا {ما لكم من زوال} مما انتم عليه من التمتع جواب للقسم او بألسنة الحال حيث بنيتم شديدا واملتم بعيدا ولم تحدثوا انفسكم بالانتقال عن هذه الحال. وفيه اشعار بامتداد زمان التأخير وما لكم من زوال من هذه الدار الى دار اخرى للجزاء فالاول مبنى على انكار الموت والثانى على انكار البعث. وفى التأويلات النجمية يشير به الى التناسخية فانهم يزعمون ان لا زوال لهم ولا للدنيا بان واحدا منهم اذا مات انتقل روحه الى قالب آخر فاراد بهذا الجواب ان لو رجعناكم الى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما اقسمتم من قبل على انه مالكم من زوال. قال فى التعريفات التناسخ عبارة عن تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر من غير تخلل زمان بين التعلقين للتعشق الذاتى بين الروح والجسد
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقول للناس على وجه التخويف لهم من عقابه، ويحذرهم يوم يجيئهم العذاب من الله على معاصيهم في دار الدنيا، وهو يوم القيامة، ويقول {الذين ظلموا} نفوسهم بارتكاب المعاصي وترك الواجبات يا {ربنا أخرنا إلى أجل قريب} أي ردنا الى الدنيا واجعل ذلك مدة قريبة نجب دعوتك فيها ونتبع رسلك فيما يدعوننا اليه، فيقول الله تعالى {أولم تكونوا أقسمتم} وحلفتم في دار الدنيا {ما لكم من زوال}. قال مجاهد: معناه إِنهم اقسموا في الدنيا أنه ليس لهم انتقال من الدنيا الى الآخرة. وقال الحسن: معناه {من زوال} الى العذاب. والأجل الوقت المضروب لانقضاء الأمد، والأمد مدة من المدد، فانما طلبوا أجلاً يستدركون فيه ما فات من الفساد بالصلاح، وفي المعلوم أنهم يبعدون من الفلاح. وفي الآية دلالة على ان أهل الآخرة غير مكلفين بخلاف ما يقول النجار وجماعة من المجبرة، لانهم لو كانوا مكلفين لما كان لقوله {أخرنا إلى أجل قريب} معنى، لانهم مكلفون، وكانوا يؤمنون ويتخلصون من العقاب. وقوله {فيقول} رفع عطفاً على قوله {يوم يأتيهم العذاب} وليس بجواب الامر لانه لو كان جواباً له لجاز فيه النصب والرفع، فالنصب مثل قول الشاعر: شعر : يا ناق سيري عنقاً فسيحا الى سليمان فنستريحا تفسير : والرفع على الإِستئناف وذكر الفراء ان العلاء بن سبابة كان لا ينصب في جواب الأمر بالفاء قال: والعلاء هو الذي علم معاذاً ولهواً وأصحابه.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} من يوم يأتيهم العذاب او هو مبنىّ وبدل من يوم تشخص فيه الابصار او هو ظرف للافعال السّابقة او متعلّق بذكّر بدلاً من انذر النّاس والمراد منه يوم حضور الموت {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} اى يقال لهم ذلك.
الأعقم
تفسير : {وأنذر الناس} بالقرآن {يوم يأتيهم العذاب} وهو يوم القيامة {أخّرنا إلى أجل قريب} ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك، وقيل: عند الموت يقولون ذلك، فقال تعالى مجيباً لهم ويحتمل أن بعض الملائكة أجابهم توبيخاً لهم: {أولم تكونوا أقسمتم} حلفتم من قبل في الدنيا {ما لكم من زوال} أي لا نبعث وإنما هي الحياة الدنيا كقولهم لا يبعث الله من يموت بلي، وقيل: تم الكلام على قوله: {أقسمتم من قبل} يريد أقسموا بالله جهد ايمانهم لا يبعث الله من يموت، ثم ابتدأ فقال: ما لكم من زوال يريد عما أنتم فيه ولا تجابون إلى ما تريدون ثم زادهم توبيخاً فقال: {وسكنتم في مساكن الذي ظلموا أنفسهم}، قيل: سكنتم ديار من كذب الرسل، وكذلك سكنوا الظلمة مساكن من كان قبلهم ممن كانوا أعظم شأن، وقيل: مساكنهم دورهم، وقيل: أراد رأيتم قبورهم {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} أي عرفتم ما نزل بهم من البلاء والهلاك والعذاب المعجل {وضربنا لكم الأمثال} أي الأشباه، وقيل: ضربنا لكم صفات ما فعلوا وما فعل بهم {وقد مكروا مكرهم}، قيل: احتالوا ودبروا لجميع ما كان عندهم، قيل: هم كفار قريش دبروا في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: الأمم الماضية {وعند الله مكرهم} يعني مكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} المراد استعظام مكرهم {فلا تحسبَّن الله مخلف وعده رسله}، قوله: {أية : إنا لننصر رسلنا} تفسير : [غافر: 51]{أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجادلة: 21] {أية : إن الله لا يخلف الميعاد} تفسير : [آل عمران: 9] {إن الله عزيز ذو انتقام} لأوليائه من أعدائه {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} التبديل التغيير واختلف في تبديل الأرض والسماوات قيل: تبدل أوصافها تسير على الأرض جبالها وتفجر بحارها وتستوي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وعن ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغيّر وأنشد: شعر : وما الناس بالناس الذين عرفتهم ولا الدار بالدار التي كنت تعرفُ تفسير : وتبديل السماء بانتشار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاق قمرها وكونها أتراباً، وقيل: يخلق بدلها أرض وسماوات أخر، وعن ابن مسعود وأنس يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخط عليها أحد خطيئة، وعن علي (عليه السلام): "تبدل أرض من فضة وسموات من ذهب" وروي أرض من فضة بيضاء كالصحائف {وترى المجرمين} المرطين بالمعاصي {يومئذ مقرنين في الأصفاد} فوق بعضهم مع بعض ومع الشياطين، وقرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين، والأصفاد القيود، وقيل: الأغلال {سرابيهلم من قطران} السرابيل جمع سربال وهو القميص، وقيل: ما لبس فهو سربال من قطران، والقطران النحاس والصفر المذاب {وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس} بحرمة {ما كسبت} وقيل: ما عملت، قوله تعالى: {إن الله سريع الحساب}، قيل: يحاسب مع كل أحد، أسرع من طرفة عين {هذا بلاغ} كفاية في التذكير والموعظة {ولينذروا به} أي يخوفوا به {وليعلموا إنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} أي ذوو العقول والله أعلم.
الهواري
تفسير : قوله: { وَأَنذِرِ النَّاسَ} أي: في الدنيا { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذَابُ} أي: أنذرهم اليوم ذلك اليوم { فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا والذين نافقوا { رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}. سألوا الرجعة إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويجيبوا الدعوة ويتّبعوا الرسل ويكملوا الفرائض. قال الله: { أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ} أي: في الدنيا { مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} أي: من الدنيا إلى الآخرة، يعني المشركين خاصة. ثم انقطع الكلام. ثم قال للذين بعث فيهم محمد { وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} أي: بشركهم، يعني من أهلك من الأمم السالفة، فخلفتموهم بعدهم في مساكنهم {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي: كيف أهلكناهم. أي: إنكم لتمرون بمنازلهم ومساكنهم وترون آثارهم. {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ}. قال مجاهد: الأشباه. وقال الحسن: يعني أنكم إن كفرتم أهلكناكم كما أهلكناهم؛ يُخوِّفهم بذلك.
اطفيش
تفسير : {وَأَنذِرِ النَّاسَ} يا محمد {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذَابُ} يوم القيامة أو يوم الموت وهو مفعول ثان لأنذر لا ظرفه لأَن يوم القيامة أو يوم الموت أعنى وقت احتضاره ليس وقتاً للإِنذار ولا يخفى ما فى الأَمر بالإِنذار بذلك اليوم من التهويل. قال الغزالى فى الإِحياء: إِن أعلم العلماء وأعرف الحكماء ينكشف له عقبى الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم ولا غم إلا التفكر فى خطر تلك الأَحوال وما ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أو سعادة دائمة لكان ذلك كافياً فى استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا. {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} بالشِّرك والمعاصى {رَبَّنَا أَخِّرْنَا} أى أخر عذابنا أى العذاب الذى استوجبناه {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} بأَن تردنا إِلى الدنيا وتمهلنا فيها زماناً قليلا وأخر آجالنا بمدة قليلة مقدار ما نؤمن ونجيب دعوتك. {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} أى دعاءك إِيانا إِلى التوحيد والعمل الصالح. {وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} فيهما بأَن نوحد كما وحدوا ونعمل كما عملوا أو نتبع دعاءهم إِيانا إِليهما فيقال لهم. {أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ} أى حين كنتم فى الدنيا. {مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} جواب أقسمتم جاء بلفظ الخطاب على مطابقة أقسمتم ولو حكى كما قالوا حين أقسموا لقبل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لنا من زوال لأَنهم كانوا فى الدنيا يقولون والله ما لنا من زوال عن حال الموت إِذا متنا إِلى حال البعث كما قال جل جلاله وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت أو يقولون بطرا وغروراً وسفها والله ما لنا من زوال عن الدنيا بالموت أنكروا الموت عناداً مع علمهم بأَنه لا بد منهُ أو يقولون بلسان حالهم والله لا نموت حيث أملوا بعيدا أو بنوا مشيداً وفعلوا فعالا كأَنهم لا يجازون عليها.
اطفيش
تفسير : {وَأَنْذِرِ النَّاسَ} أَنذر يا محمد الناس قومك وغيرهم أَى أَخبرهم بما يخافون وهو متعد لاثنين الثانى هو قوله {يَوْمَ} على حذف مضاف أى أنذر الناس هول يوم {يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} أى عرفهم هوله الآن ليعملوا له، وهو يوم القيامة أو يوم الموت فإنه أول وقت عذابهم {فيَقُولُ الَّذينَ ظَلَمُوا} من أهل مكة وغيرهم {رَبَّنَا أَخِّرْنَا} عن العذاب أو أخر عذابنا لننجو منه أبدا بأَن ترد الدنيا وأموالها وبناءَها وتكليفنا فيها وتمهلنا فيها ولو مدة قليلة أَو تحضر لنا ذلك فى مقامنا هذا فنستدرك ما فات {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} مدة من الزمان قصيرة مقدار ما نقضى ما ضيعنا، أَو مقدار آجالنا السابقة فى الدنيا فإنها قليلة ولو طالت، أَو هذا يوم الموت لا يوم القيامة إِذ أَيقوا بالعذاب حين الموت {نُجِبْ دَعْوَتَكَ} دعاءَك السابق لنا فى الدنيا إلى التوحيد والعمل الصالح والتقوى {وَنَتَّبِعِ الرًّسُلَ} هذا كالنعت الكاشف لأَن من أجاب الدعوة فقد اتبع الرسول وإجابة الدعاء اتباع للرسل، أَو نتبع الرسل فيما توحى إليهم أيضاً زيادة على ما مضى {أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسمْتُم مِّنْ قَبْلُ} أى فى الدنيا {مَا لَكم مِّنْ زوَالٍ} يقول لهم الملائكة أو الملك الواحد كجبريل، أو يخلق الله الكلام فى آذانهم أو قلوبهم، أو قول حال، ويتبادر هنا أن لا يقدر كلام بين الواو والهمزة لأَنا إِذا قدرنا تمنيتم التأْخير أَو أَطلبتم التأْخير يبقى لم تكونوا أَقسمتم نفياً وإخباراً، مع أن المراد به الإثبات بالاستفهام التوبيخى أو التقريرى فإنهم مقسمون ما لهم من زوال، وساكنون فى مساكن الذين ظلموا لا غير ساكنين، وهذا وإن قيل انسحب على ذلك تمنيهم التأْخير على معنى تمنيتم التأْخير وطلبتموه وتمنيتم أنكم لم تكونوا أقسمتم إلخ، فبأى لفظ يفاد هذا؟ أبمذكور أو بمحذوف؟ نعم ينسحب التوبيخ بتقدير أَلم تؤَخروا فى الدنيا ولم تكونوا أقسمتم، والمراد الزوال عن الموت أو عن قبورهم بالبعث كما قال الله عز وجل عنهم: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} تفسير : [النحل: 38]، وهذا أنسب بأَن اليوم يوم القيامة، أَو الزوال عن الدنيا بالموت، علموا أنهم يموتون لكن يقولون بطرا لا نموت أو حالهم حال من يعتقد أنه لا يموت إذ أملوا بعيداً وبنوا مشيدا يحسب أن ماله أَخلده، يقول أهل النار:"أية : ربنا أمتنا اثنتين"تفسير : [غافر: 11] إلخ، فيجيبهم الله عز وجل: ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده إلخ ثم يقولون: "أية : ربنا أبصرنا"تفسير : [السجدة: 12]، فيجيبهم عز وجل: {أية : فذوقوا بما نسيتم"تفسير : [السجدة: 14] إلخ، ثم يقولون: ربنا أخرنا إلى أجل إلخ: فيجيبهم سبحانه وتعالى: أَو لم تكونوا إلخ ثم يقولون: ربنا أخرجنا نعمل إلخ فيجيبهم: أَو لم نعمركم إلخ ثم يقولون: ربنا غلبت إلخ فيجيبهم تبارك وتعالى: "أية : اخسئوا فيها "تفسير : [المؤمنون: 108] إلخ، فهذه خمسة أدعية وخمسة أجوبة لا جواب لهم بعدها ولا يتكلمون بعدها إلا نباحا وزفيرا، وذلك الترتيب عندى لا يتعينان، ولو تم الأخير أعادنا الله الرحمن الرحيم ببركة ما هو الاسم الأعظم الذى لا يرد الداعى به من ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ} خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بعد إعلامه أن تأخير عذابهم لماذا وأمر له بإنذارهم وتخويفهم منه فالمراد بالناس الكفار المعبر عنهم بالظالمين كما يقتضيه ظاهر إتيان العذاب وإلى ذلك ذهب أبو حيان وغيره. ونكتة العدول إليه من الإضمار على ما قاله شيخ الإسلام الإشعار بأن المراد بالإنذار هو الزجر عما هم عليه من الظلم شفقة عليهم لا التخويف للإزعاج والإيذاء فالمناسب عدم ذكرهم بعنوان الظلم، وقال الجبائي: وأبو مسلم: المراد بالناس ما يشمل أولئك الظالمين وغيرهم من المكلفين، والإنذار كما يكون للكفار يكون لغيرهم كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } تفسير : [يس: 11] والإتيان يعم الفريقين من كونهما في الموقف وإن كان/ لحوقه بالكفار خاصة، وأياً ما كان ـ فالناس ـ مفعول أول ـ لأنذر ـ وقوله سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } مفعوله الثاني على معنى أنذرهم هوله وما فيه. فالإيقاع عليه مجازي أو هو بتقدير مضاف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً للإنذار لأنه في الدنيا، والمراد بهذا اليوم اليوم المعهود وهو اليوم الذي وصف بما يذهل الألباب وهو يوم القيامة، وقيل: هو يوم موتهم معذبين بالسكرات ولقاء الملائكة عليهم السلام بلا بشرى. وروي ذلك عن أبـي مسلم، أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، وتعقب بأنه يأباه القصر السابق، وأجيب بما فيه ما فيه. {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أي فيقولون، والعدول عنه إلى ما في النظم الجليل للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعليته لما ينالهم من الشدة المنبـىء عنها القول؛ وفي العدول عن الظالمين المتكفل بما ذكر مع اختصاره وسبق الوصف به للإيذان على ما قيل بأن الظلم في الجملة كاف في الإفضاء إلى ما أفضوا إليه من غير حاجة إلى الاستمرار عليه كما ينبـىء عنه صيغة اسم الفاعل، والمعنى ـ على ما قال الجبائي وأبو مسلم ـ الذين ظلموا منهم وهم الكفار، وقيل: يقول كل من ظلم بالشرك والتكذيب من المنذرين وغيرهم من الأمم الخالية: {رَبَّنَا أَخّرْنَا} أي عن العذاب أو أخر عذابنا، ففي الكلام تقدير مضاف أو تجوز في النسبة، قال الضحاك ومجاهد: انهم طلبوا الرد إلى الدنيا والإمهال {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي أمد واحد من الزمان قريب، وقيل: إنهم طلبوا رفع العذاب والرجوع إلى حال التكليف مدة يسيرة يعملون فيها ما يرضيه سبحانه. والمعنى على ما روي عن أبـي مسلم أخر آجالنا وابقنا أياماً {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} أي الدعوة إليك وإلى توحيدك أو دعوتك لنا على ألسنة الرسل عليهم السلام، ففيه إيماء إلى أنهم صدقوهم في أنهم رسل الله سبحانه وتعالى. {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } فيما جاؤا به أي نتدارك ما فرطنا به من إجابة الدعوة واتباع الرسل عليهم السلام، ولا يخلو ذكر الجملتين عن تأكيد والمقام حري به، وجمع إما باعتبار اتفاق الجميع على التوحيد وكون عصيانهم للرسول صلى الله عليه وسلم عصياناً لهم جميعاً عليهم السلام، وإما باعتبار أن المحكي كلام ظالمي الأمم جميعاً والمقصود بيان وعد كل أمة بالتوحيد واتباع رسولها على ما قيل. {أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ} على تقدير القول معطوفاً على «فيقول» والمعطوف عليه هذه الجملة أي فيقال لهم توبيخاً وتبكيتاً: ألم تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا حلفتم إذ ذاك بألسنتكم بطراً وأشراً وسفهاً وجهلاً {مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } مما أنتم عليه من التمتع بالحظوظ الدنياوية أو بألسنة الحال ودلالة الأفعال حيث بنيتم مشيداً وأملتم بعيداً ولم تحدثوا أنفسكم بالانتقال إلى هذه الأحوال والأهوال، وفيه إشعار بامتداد زمان التأخير وبعد مداه أو مالكم من زوال وانتقال من دار الدنيا إلى دار أخرى للجزاء كقوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } تفسير : [النحل: 38] وروي هذا عن مجاهد، وأياً ما كان {فمالكم} الخ جواب القسم، و {مَنْ} صلة لتأكيد النفي، وصيغة الخطاب فيه لمراعاة حال الخطاب في {أَقْسَمْتُمْ} كما في حلف بالله تعالى ليخرجن وهو أدخل في التوبيخ من أن يقال ـ ما لنا ـ مراعاة لحال المحكي الواقع في جواب قسمهم، وقيل هو ابتداء كلام من قبل الله تعالى جواباً لقولهم: {رَبَّنَا أَخّرْنَا } أي مالكم من زوال عن هذه الحال وجواب القسم لا يبعث الله من في القبور محذوفاً وهو خلاف المتبادر. / وهذا أحد أجوبة يجاب بها أهل النار على ما في بعض الآثار، فقد ذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربع منها فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً، يقولون: {أية : رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [غافر: 11] فيجيبهم الله عز وجل {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } تفسير : [غافر: 12] ثم يقولون: {أية : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون} تفسير : [السجدة: 12] فيجيبهم جل شأنه {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } تفسير : [السجدة: 14] الآية، ثم يقولون: {رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } فيجيبهم تبارك وتعالى: {أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ } الآية، ثم يقولون: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } تفسير : [فاطر: 37] فيجيبهم جل جلاله: {أية : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } تفسير : [فاطر: 37] فيقولون: {أية : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } تفسير : [المؤمنون: 106] فيجيبهم جل وعلا: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها إِن هو إلا زفير وشهيق، وعند ذلك انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنم، اللهم إنا نعوذ بك من غضبك ونلوذ بكنفك من عذابك ونسألك التوفيق للعمل الصالح في يومنا لغدنا والتقرب إليك بما يرضيك قبل أن يخرج الأمر من يدنا.
ابن عاشور
تفسير : {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}. عطف على جملة { أية : ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون } تفسير : [إبراهيم: 42]، أي تَسَلّ عنهم ولاتملل من د عوتهم وأنذرهم. والناس يعم جميع البشر. والمقصود: الكافرون، بقرينة قوله: {يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا}. ولك أن تجعل الناس ناساً معهودين وهم المشركون. و{يوم يأتيهم العذاب}. منصوب على أنه مفعول ثانٍ لــــ {أنذر}، وهو مضاف إلى الجملة. وفعل الإنذار يتعدى إلى مفعول ثانٍ على التوسع لتضمينه معنى التحذير، كما في الحديث «حديث : ما من نبي إلا أنذر قومه الدجال»تفسير : . وإتيان العذاب مستعمل في معنى وقوعه مجازاً مرسلاً. والعذاب: عذاب الآخرة، أو عذاب الدنيا الذي هُدّد به المشركون. و{الذين ظلموا}: المشركون. وطلب تأخير العذاب إن كان مراداً به عذاب الآخرة فالتأخير بمعنى تأخير الحساب، أي يقول الذين ظلموا: أرجعنا إلى الدنيا لنجيب دعوتك. وهذا كما في قوله تعالى: { أية : رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } تفسير : [سورة المؤمنون: 99، 100]، فالتأخير مستعمل في الإعادة إلى الحياة الدنيا مجازاً مرسلاً بعلاقة الأول. والرسل جميع الرسل الذي جاءُوهم بدعوة الله. وإن حمل على عذاب الدنيا فالمعنى: أن المشركين يقولون ذلك حين يرون ابتداء العذاب فيهم. فالتأخير على هذا حقيقة. والرسل على هذا المحمل مستعمل في الواحد مجازاً، والمراد به محمد. والقريب: القليل الزمن. شبه الزمان بالمسافة، أي أخّرنا مقدار ما نجيب به دعوتك. {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} لما ذُكر قبل هذه الجملة طلب الذين ظلموا من ربهم تعين أن الكلام الواقع بعدها يتضمن الجواب عن طلبهم فهو بتقدير قول محذوف، أي يقال لهم. وقد عُدل عن الجواب بالإجابة أو الرفض إلى التقرير والتوبيخ لأن ذلك يستلزم رفض ما سألوه. وافتتحت جملة الجواب بواو العطف تنبيهاً على معطوف عليه مقدر هو رفض ما سَألوه، حُذف إيجازاً لأن شأن مستحق التوبيخ أن لا يعطى سؤله. التقدير كلا وألَم تكونوا أقسمتم.. الخ. والزوال: الانتقال من المكان. وأريد به هنا الزوال من القبور إلى الحساب. وحذف متعلق {زوال} لظهور المراد، قال تعالى: { أية : وأقسموا بالله جهَد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } تفسير : [سورة النحل: 38]. وجملة {ما لكم من زوال} بيان لجملة {أقسمتم}. وليست على تقدير قول محذوف ولذلك لم يسرع فيها طريق ضمير المتكلم فلم يقل: ما لنا من زوال، بل جيء بضمير الخطاب المناسب لقوله: {أولم تكونوا أقسمتم}. وهذا القسم قد يكون صادر من جميع الظالمين حين كانوا في الدنيا لأنهم كانوا يتلقون تعاليم واحدة في الشرك يتلقاها الخلف عن سلفهم. ويجوز أن يكون ذلك صادراً من معظم هذه الأمم أو بعضها ولكن بقيتهم مضمرون لمعنى هذا القسم. وكذلك الخطاب في قوله: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} فإنه يعم جميع أمم الشرك عدا الأمة الأولى منهم. وهذا من تخصيص العموم بالعقل إذ لا بد أن تكون الأمة الأولى من أهل الشرك لم تسكن في مساكن مشركين. والمراد بالسكنى: الحلول، ولذلك عُدّي بحرف الظرفية خلافاً لأصل فعله المتعدي بنفسه. وكان العرب يمرون على ديار ثمود في رحلتهم إلى الشام ويحطون الرحال هنالك، ويمرون على ديار عاد في رحلتهم إلى اليمن. وتبيّنُ ما فعل الله بهم من العقاب حاصل من مشاهدة آثار العذاب من خسف وفناء استئصال. وضَرب الأمثال بأقوال المواعظ على ألسنة الرسل ــــ عليهم السلام ــــ، ووصف الأحوال الخفية. وقد جمع لهم في إقامة الحجة بين دلائل الآثار والمشاهدة ودلائل الموعظة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 44- وبين - أيها النبى - للناس أهوال يوم القيامة الذى يأتيهم فيه العذاب فيقول الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى: ربنا أخِّر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل من الزمان قريب، نتدارك ما فرطنا بإجابة دعوتك إلى التوحيد واتباع الرسل. فيقال لهم: أتقولون اليوم هذا ونسيتم أنكم حلفتم من قبل فى الدنيا أنكم إذا متم لا تزول عنكم هذه النعمة، إن كان بعث يوم القيامة؟. 45- وسكنتم فى الدنيا فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى من الأمم قبلكم، وظهر لكم بمشاهدة آثارهم كيف عاقبناهم فلم تنزجروا، وبيَّنا لكم صفات ما فعلوا وما حل بهم، فلم تعتبروا. 46- وقد دبَّر هؤلاء المشركون تدبيرهم لإبطال الدعوة، وعند الله علْم مكرهم وما كان مكرهم لتزول منه الشريعة الثابتة ثبات الجبال. 47- فلا تظن - أيها الرسول - أن الله تعالى مُخْلف رسله ما وعدهم به من النصر، لأنه غالب لا يمنعه أحد عما يريد، شديد الانتقام ممن كفر به وعصى رسله. 48- فينتقم منهم يوم القيامة حين نجعل الأرض غير الأرض الموجودة الآن، ونجعل السموات غير السموات كذلك، ويخرج الخلائق من قبورهم لحكم الله الذى لا شريك له ولا غالب له. 49- وترى الكافرين يوم القيامة مشدودين بالقيود مع شياطينهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (44) - خَوِّفْ أَيُّها الرَّسُولُ هؤُلاءِ الظَّالِمِينَ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيَامَةِ وَشَدَّتِهِ، إِذْ يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ: رَبَّنا آخِّرْنا إِلَى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ، وَنُؤْمِنْ بِكَ، وَبِكُتُبِكَ وَرُسُلِكَ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لَقَدْ كُنْتُمْ أَقْسَمْتُمْ، وَأَنْتُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، أَنَّهُ لاَ زَوَالَ لَكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لاَ حَشْرَ وَلاَ مَعَادَ وَلا حِسَابَ؟ فَذُوقُوا هَذَا العَذَابِ بِذَاكَ الكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا خطاب من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يُنذِرهم بضرورة الاستعداد ليوم القيامة، وأنه قادمٌ لا محالةَ. وكلمة "يوم" هي ظَرْف زمان، وظرف الزمان لا بُدَّ له من حَدثٍ يقع فيه، ويوم القيامة ليس محلَّ إنذار أو تبشير؛ لأن الإنذار أو البشارة لا بُدّ أنْ يكونا في وقت التكليف في الحياة الدنيا. وهكذا يكون المُنْذر به هو تخويفهم مِمّا يحدث لهم في هذا اليوم، فما سوف يحدث لهم هو العذاب؛ وكأنه قنبلة موقوتة ما إنْ يأتي يوم القيامة حتى تنفجر في وجوههم. وهنا يقول أهل ظُلْم القمة في العقيدة، وظُلْم الرسالة بمقاومتها؛ وظلم الكون المُسبِّح لله: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ...} [إبراهيم: 44]. وهم يطلبون تأجيل العذاب لِمُهْلة بسيطة، يُثبتون فيها أنهم سيُجيبون الدعوة ويطيعون الرسول، وهم يطلبون بذلك تأجيل قيامتهم. فيكون الجواب من الحق سبحانه: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} [إبراهيم: 44]. فأنتم قد سبق وأنْ أقسمتُم بأن الله لا يبعث مَنْ يموت؛ وقد قال الحق سبحانه ما قلتم: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ..} تفسير : [النحل: 38]. وساعة ترى كلمة "بلى" بعد نَدْب، فهذا يعني تكذيب ما جاء قبلها، وهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ظَنُّوا أنهم لن يُبعثُوا، وظنُّوا أنهم بعد الموت سيصيرون تراباً؛ وهم الذين قالوا: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [المؤمنون: 37]. وهكذا أكَّدوا لأنفسهم أنه لا بَعْث من بَعْد الحياة، ومن بعد البعث سنسمع من كل فرد فيهم: {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. أو: أنهم ظَنُّوا أن الذين أنعَم الله عليهم في الدنيا؛ لن يحرمهم في الآخرة، كما أورد الحق سبحانه هذا المَثل، في قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 32-36]. والذي يقول ذلك فَهِم أنه سوف يموت؛ لكنه توهّم أن جنته تلك ستظل على ما هي عليه، وأنكر قيام الساعة، وقال: "حتى لو قامت الساعة، ورُدِدتُ إلى الله فسأجد أفضل من جنتي تلك". وهو يدعي ذلك وهو لم يُقدّم إيماناً بالله ليجده في الآخرة، فهو إذن مِمَّنْ أنكروا الزوال أي البعث من جديد، ووقع في دائرة مَنْ لم يُصدّقوا البعث، وسبق أنْ قال الحق سبحانه ما أورده على ألسنتهم: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [السجدة: 10]. والذين أنكروا البعث يُورِد الحق سبحانه لنا حواراً بينه وبينهم، فيقول سبحانه وتعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [غافر: 11]. فيرد الحق سبحانه عليهم: {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} تفسير : [غافر: 12]. وفي موقع آخر من القرآن نجد حواراً واستجداءً منهم لله؛ يقولون: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً ..} تفسير : [السجدة: 12]. ويأتي رَدُّ الحق سبحانه عليهم: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ..} تفسير : [السجدة: 14]. وفي موقع ثالث يقول الواحد منهم عند الموت: {أية : رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ..} تفسير : [المؤمنون: 99-100]. فيأتي ردّ الحق سبحانه: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..} تفسير : [المؤمنون: 100]. وبعد دخولهم النار يقولون: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} تفسير : [المؤمنون: 107]. فيقول الحق سبحانه: {أية : قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108]. وفي موضع آخر يقولون عند اصطراخهم في النار: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ..} تفسير : [فاطر: 37]. فيأتي الرد من الحق سبحانه: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37]. ونلحظ أنهم في كل آيات التوسُّل لله كي يعودوا إلى الحياة الدنيا يقولون (ربنا)، وتناسَوْا أنهم مأخوذون إلى العذاب بمخالفات الألوهية؛ ذلك أن الربوبية عطاؤها كان لكم في الدنيا، ولم ينقصكم الحق سبحانه شيئاً على الرغم من كفركم. هكذا يكون حال هؤلاء الذين أقسموا أن الحق سبحانه لن يبعثهم، وأنكروا يوم القيامة، وأنه لا زوال لهم. أي: لا بَعْث ولا نشور. ويتابع الحق سبحانه القول الكريم: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} متى سمعت يا أكمل الرسل أهوال يوم القيامة وأحوال الأنام فيها {أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} الناسين عهود الحق ومواثيقه التي عهدوا معه في بدء فطرتهم أي بشيء يفعلون {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} في اليوم الموعود، وحينئذٍ انقطعت أسباب النجاة وتدبيرات الخلاص ولا يسع لهم التدارك أصلاً {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أنفسهم بتكذيب الله وتكذيب رسله حين رأوا العذاب، مناجين متضرعين متمنين: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ} أي: أعدنا وأرجعنا إلى الدنيا وأمهلنا فيها {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي: أيام قلائل {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} وتقبلها عن ألسنة رسلك {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} ونصدقهم بجميع ما جاءوا به من عندك فيقال لهم على سبيل التهكم والتقريع: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ} أيها الظالمون المسرفون {أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ} في دار الدنيا بطرين مغرورين {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] أي: ما لنا وبال ولأموالنا زوال، وما لنا عن أماكننا ارتحال وانتقال. {وَ} مع قولكم هذا ويمينكم عليه {سَكَنتُمْ} وتمكنتم أيها المسرفون المفرطون {فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} قبلكم أمثالكم مثل: عاد وثمود وهم أيضاً، مقسمين بما أقسمتم {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} وظهر عندكم الآن {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} وكيف انتقمنا عنهم وأستأصلناهم {وَ} صار أمر إهلاكهم من الفضاحة إلى أن {ضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45] لتعتبروا عن حالهم وتتركوا أفعالهم؛ لئلا تُنتقموا أمثالهم، ومع ذلك لم تعتبروا ولم تتركوا، فالآن تصابون وتؤاخذون بأشد مما أصيبوا وأُخذوا. {وَ} لا يفيدكم اليوم المكر والحيلة كما لا يفيد لهم مكرهم حين أخذهم؛ إذ {قَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} الذي خيلوه دلائل قاطعة وظنوه براهين ساطعة {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} إي: لم يفهموا أن عند الله سبحانه ما يزيل مكرهم وحيلهم {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} في المتانة والقوة {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] إذ لا يعارض فعله ولا ينازع حكمه، بل له الغلبة والاستيلاء والتعزز والكبرياء.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44] يعني أرجعنا إلدنيا {أَخِّرْنَآ} لنطيعك {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} كما أخرتنا وألبستنا لازدياد الإثم بمعاصيك في الدنيا. ثم أجابهم بقوله: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} يشير به إلى المناسخة فإنهم يزعمون ألاّ زوال لهم في الدنيا ولا أحد منهم إذا مات ينقل روحه إلى قالب آخر فأرادوا بهذا الجواب أن لو رجعناكم إلى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما أقسمتم من قبل على ما لكم من زوال. {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [إبراهيم: 45] أي: أقمتم مقامات الظالمين على أنفسهم في السير على قدمي الظلم والمعاصي إلى منازل الأشقياء {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} أي: بعد أن تبين لكم {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي: بالأشقياء حين نزلهم منازلهم وشاهدتم أحوالهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} يشير إلى أن الحقائق والمعاني الغيبية لا تتبين إلا بالأمثال كقوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً}تفسير : [النحل: 75]. {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] أي: إن كان مكرهم هذا الأمر لا يقدر بشر إلا بإذن الله {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] في جزاء أهل المكر {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} في ذاته لا يهدي إليه كل ماكر {ذُو ٱنْتِقَامٍ} لأهل المكر حيث ينتقم منهم على قدر مكرهم. {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ} [إبراهيم: 48] أي: نبدل أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب وتبدل السماوات بالأسرار بسماوات الأرواح، فإن شموس الأحوال إذا تجلت على كواكب الأسرار أفنت تحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عند إشراق تجلي أنوار الربوبية بحقائق أنوار الوجود الحقيقي. كما قال: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}تفسير : [الزمر: 69] {وَبَرَزُواْ} عن الوجود المجازي {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ} أي: لله ووحدانيته {الْقَهَّارِ} لا يعجزه ما سواه فإن شموس الأرواح عند تجلي نور الألوهية تمحى بسطوته كما تمحى الكوكب عند تجلي شموس الأفلاك والأرواح.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ } أي: صف لهم صفة تلك الحال وحذرهم من الأعمال الموجبة للعذاب الذي حين يأتي في شدائده وقلاقله، { فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا } بالكفر والتكذيب وأنواع المعاصي نادمين على ما فعلوا سائلين للرجعة في غير وقتها، { رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي: ردَّنا إلى الدنيا فإنا قد أبصرنا، { نُجِبْ دَعْوَتَكَ } والله يدعو إلى دار السلام { وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ } وهذا كله لأجل التخلص من العذاب وإلا فهم كذبة في هذا الوعد {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه }. تفسير : ولهذا يوبخون ويقال لهم: { أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ } عن الدنيا وانتقال إلى الآخرة، فها قد تبين حنثكم في إقسامكم، وكذبكم فيما تدعون، { وَ } ليس عملكم قاصر في الدنيا من أجل الآيات البينات، بل { سَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } من أنواع العقوبات؟ وكيف أحل الله بهم العقوبات، حين كذبوا بالآيات البينات، وضربنا لكم الأمثال الواضحة التي لا تدع أدنى شك في القلب إلا أزالته، فلم تنفع فيكم تلك الآيات بل أعرضتم ودمتم على باطلكم حتى صار ما صار، ووصلتم إلى هذا اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار من اعتذر بباطل. { وَقَدْ مَكَرُوا } أي: المكذبون للرسل { مَكْرَهُمْ } الذي وصلت إرادتهم وقدر لهم عليه، { وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي: هو محيط به علما وقدرة فإنه عاد مكرهم عليهم {أية : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله }. تفسير : { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ } أي: ولقد كان مكر الكفار المكذبين للرسل بالحق وبمن جاء به -من عظمه- لتزول الجبال الراسيات بسببه عن أماكنها، أي: {أية : مكروا مكرا كبارا } تفسير : لا يقادر قدره ولكن الله رد كيدهم في نحورهم. ويدخل في هذا كل من مكر من المخالفين للرسل لينصر باطلا أو يبطل حقا، والقصد أن مكرهم لم يغن عنهم شيئا، ولم يضروا الله شيئا وإنما ضروا أنفسهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):