Verse. 1795 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَسَكَنْتُمْ فِيْ مَسٰكِنِ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْۗا اَنْفُسَہُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِہِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْاَمْثَالَ۝۴۵
Wasakantum fee masakini allatheena thalamoo anfusahum watabayyana lakum kayfa faAAalna bihim wadarabna lakumu alamthala

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وسكنتم» فيها «في مساكن الذين ظلموا أنفسهم» بالكفر من الأمم السابقة «وتبين لكم كيف فعلنا بهم» من العقوبة فلم تنزجروا «وضربنا» بينا «لكم الأمثال» في القرآن فلم تعتبروا.

45

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} أي في بلاد ثَمود ونحوها فهلا ٱعتبرتم بمساكنهم، بعد ما تبيّن لكم ما فعلنا بهم، وبعد أن ضربنا لكم الأمثال في القرآن. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ «وَنُبَيّنْ لَكُمْ» بنون والجزم على أنه مستقبل ومعناه الماضي؛ وليناسب قوله: «كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ». وقراءة الجماعة، «وَتَبَيَّنَ» وهي مثلها في المعنى؛ لأن ذلك لا يتبين لهم إلا بتبييّن الله إياهم. قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة؛ عن ابن عباس وغيره. {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} «إن» بمعنى «ما» أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه؛ «وإن» بمعنى «ما» في القرآن في مواضع خمسة: أحدها هذا. الثاني ـ {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 94]. الثالث ـ {أية : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا} تفسير : [الأنبياء: 17] أي ما كنا. الرابع ـ {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} تفسير : [الزخرف: 81]. الخامس: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} تفسير : [الأحقاف: 26]. وقرأ الجماعة «وإن كان» بالنون. وقرأ عمرو بن عليّ وابن مسعود وأبيّ «وإن كاد» بالدال. والعامة على كسر اللام في «لتزول» على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصباً. وقرأ ابن محيِصن وابن جريج والكسائيّ «لَتَزُولُ» بفتح اللام الأولى على أنها لام الابتداء ورفع الثانية «وإن» مخفّفة من الثّقيلة، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم؛ أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه؛ قال الطَّبرَيّ: الاختيار القراءة الأولى؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة؛ قال أبو بكر الأنباريّ: ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدّثناه أحمد بن الحسين: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة حدّثنا وكيع بن الجرّاح عن إسرائيل عن أبي إسحق عن عبد الرحمن بن دانيل قال سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن جبّاراً من الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم من في السموات، فعمَدَ إلى فراخ نُسُور، فأمر أن تطعم اللحم، حتى ٱشتدت وعَضَلتْ وٱستعلجتْ أمر بأن يُتخذ تابوتٌ يسع فيه رجلين؛ وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته، وأن يُستوثق من أرجل النسور بالأوتاد؛ وتُشدّ إلى قوائم التابوت، ثم جلس هو وصاحب له في التابوت وأَثَارَ النّسورَ، فلما رأت اللحم طلبته، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله؛ فقال الجبّار لصاحبه: ٱفتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: أرى الجبال كأنها ذباب، فقال: أغلق الباب؛ ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد؛ فقال الجبّار لصاحبه: ٱفتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بُعْداً، فقال: نَكِّس العصا فنكّسها، فانقضّت النّسور. فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدّة كادت الجبال تزول عن مراتبها منها؛ قال: فسمعت عليّاً رضي الله عنه يقرأ «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ» بفتح اللام الأولى من «لتزول» وضم الثانية. وقد ذكر الثّعلبيّ هذا الخبر بمعناه، وأن الجبَّار هو النّمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، وقال عِكرمة: كان معه في التابوت غلام أمرد، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخاً بالدماء وقال: كُفيتُ نَفْسَك إلهَ السّماء. قال عِكرِمة: تَلطّخ بدم سمكة من السماء، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلّق. وقيل: طائر من الطير أصابه السّهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن يُنكِّس اللحم، فهبطت النّسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنّسور ففزعت، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء، وأنّ الساعة قد قامت، فذلك قوله: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ». قال القُشَيريّ: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال. وذكر الماورديّ عن ابن عباس: أن النّمرود بن كنعان بَنَى الصّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعاً، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد منه مع النّسور، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء ٱتخذه حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصّرح عليهم فهلكوا جميعاً، فهذا معنى «وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ» وفي الجبال التي عَنَى زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما ـ جبال الأرض. الثاني ـ الإسلام والقرآن؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال. وقال القُشَيريّ: «وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ» أي هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف. «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ» بكسر اللام؛ أي ما كان مكرهم مكراً يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مَثَل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: «وَإنْ كَانَ مَكْرُهُمْ» في تقديرهم «لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالَ» وتؤثر في إبطال الإسلام. وقرىء «لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» بفتح اللام الأولى وضم الثانية؛ أي كان مكراً عظيماً تزول منه الجبال، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} تفسير : [نوح: 22] والجبال لا تزول ولكنّ العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَسَكَنتُمْ } فيها {فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر من الأمم السابقة {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } من العقوبة فلم تنزجروا {وَضَرَبْنَا } بيّنّا {لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } في القرآن فلم تعتبروا.

ابن عطية

تفسير : يقول عز وجل: {وسكنتم} أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر من الأمم السالفة، فنزلت بهم المثلات، فكان نولكم الاعتبار والاتعاظ. وقرأ الجمهور "وتبين" بتاء. وقرأ السلمي - فيما حكى المهدوي - "ونُبين" بنون عظمة مضمومة وجزم، على معنى: أو لم يبين، عطف على {أية : أو لم تكونوا} تفسير : [إبراهيم: 44] قال أبو عمرو: وقرأ أبو عبد الرحمن: بضم النون ورفع النون الأخيرة. وقوله: {وعند الله مكرهم} هو على حذف مضاف تقديره: وعند الله عقاب مكرهم أو جزاء مكرهم، ويحتمل قوله تعالى: {وقد مكروا مكرهم} أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام، والضمير لمعاصريه، ويحتمل أن يكون مما يقال للظلمة يوم القيامة والضمير للذين سكن في منازلهم. وقرأ السبعة سوى الكسائي: "وإن كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال" بكسر اللام من {لتزول} وفتح الأخيرة، وهي قراءة علي بن أبي طالب وجماعة سكنوا وهذا على أن تكون "إن" نافية بمعنى ما، ومعنى الآية: تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، هذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين، وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم، أي وإن كان شديداً إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور. وقرأ الكسائي: "وإن كان مكرهم لَتزولُ منه الجبال" بفتح اللام الأولى من {لتزول} وضم الأخيرة، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن وثاب، وهذا على أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة، ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته، أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة. وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي بن كعب "وإن كاد مكرهم"، ويترتب مع هذه القراءة في {لتزول} ما تقدم. وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي بن كعب "ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال". وحكى الطبري عن بعض المفسرين أنهم جعلوا هذه الآية إشارة إلى ما فعل نمرود إذ علق التابوت من الأنسر، ورفع لها اللحم في أطراف الرماح بعد أن أجاعها ودخل هو وحاجبه في التابوت، فعلت بهما الأنسر حتى قال له نمرود: ماذا ترى؟ قال: أرى بحراً وجزيرة - يريد الدنيا المعمورة - ثم قال: ماذا ترى؟ قال: أرى غماماً ولا أرى جبلاً، فكأن الجبال زالت عن نظر العين بهذا المكر، وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب. وذلك عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا. وقوله: {فلا تحسبن الله} الآية، تثبيت للنبي عليه السلام ولغيره من أمته، ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسب مثل هذا، ولكن خرجت العبارة هكذا، والمراد بما فيها من الزجر من شارك النبي عليه السلام في أن قصد تثبيته. وقرأ جمهور الناس "مخلف وعده" بالإضافة، "رسلَه" بالنصب، وإضافة "مخلف" إلى الوعد، إذ للإخلاف تعلق بالوعد على تجوز، وإنما حقيقة تعلقه بالرسل، وهذا نحو قول الشاعر: [الطويل] شعر : ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع تفسير : وكقولك: هذا معطي درهم زيداً. وقرأت فرقة: "مخلف وعدَه رسلِه" بنصب الوعد وخفض الرسل، على الإضافة، وهذه القراءة ذكرها الزجاج وضعفها، وهي تحول بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهي كقول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : فزججتها بمزجّة زج القلوص أبي مزادة تفسير : وأما إذا حيل في نحو هذا بالظرف فهو أشهر في الكلام كما قال الشاعر: شعر : لله در اليوم من لامها تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : كما خط الكتاب بكفِّ يوماً يهوديٍّ يقارب أو يزيل تفسير : والمعنى: لا تحسب يا محمد - أنت ومن اعتبر بالأمر من أمتك وغيرهم - أن الله لا ينجز ميعاده في نصره رسله، وإظهارهم، ومعاقبة من كفر بهم، في الدنيا أو في الآخرة، فإن الله عزيز لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة لا سبيل إلى عفوه عنهم. وقوله: {يوم تبدل الأرض} الآية، {يوم} ظرف للانتقام المذكور قبله. ورويت في "تبديل الأرض" أقوال، منها في الصحيح: أن الله يبدل هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي، وفي الصحيح: أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه. وروي أنها تبدل أرضاً من فضة. وروي: أنها أرض كالفضة من بياضها. وروي أنها تبدل من نار. وقال بعض المفسرين: تبديل الأرض: هو نسف جبالها وتفجير بحارها وتغييرها حتى لا يرى فيها عوج ولا أمت: فهذه حال غير الأولى، وبهذا وقع التبديل. قال القاضي أبو محمد: وسمعت من أبي رضي الله عنه: أنه روي: أن التبديل يقع في الأرض، ولكن يبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة - إن صح السند بها - وفريق الكفرة يكونون على نار. ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله تعالى. وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها. ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش" تفسير : ، وروي عنه أنه قال: "حديث : الناس وقت التبديل على الصراط" تفسير : ، وروي أنه قال "حديث : الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه ". تفسير : و {برزوا} مأخوذ من البراز، أي ظهروا بين يديه لا يواريهم بناء ولا حصن. وقوله: {الواحد القهار} صفتان لائقتان بذكر هذه الحال.

الخازن

تفسير : {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} يعني بالكفر والمعاصي ممن كان قبلكم من كفار الأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} يعني وقد عرفتم كيف كان عقوبتنا إياهم {وضربنا لكم الأمثال} يعني الأمثال التي ضربها الله عز وجل في القرآن ليتدبروها، ويعتبروا بها فيجب على كل من شاهد أحوال الماضين من الأمم الخالية، والقرون الماضية, وعلم ما جرى لهم وكيف أهلكوا أن يعتبر بهم, ويعمل في خلاص نفسه من العقاب والهلاك. قوله سبحانه وتعالى {وقد مكروا مكرهم} اختلفوا في الضمير إلى من يعود في قوله، وقد مكروا فقيل يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وهذا القول صحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب مذكور وقيل: إن المراد بقوله وقد مكروا كفار قريش الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ومكرهم ما ذكره الله تعالى بقوله تعالى {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآية والمعنى وأنذر الناس يا محمد، يوم يأتيهم العذاب يعني بسبب مكرهم بك. وقوله تعالى {وعند الله مكرهم} يعني جزاء مكرهم وقيل إن مكرهم مثبت عند الله ليجازيهم به يوم القيامة {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} يعني وإن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال وقد حكي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قولاً آخر: وهو أنها نزلت في نمرود الجبار الذي حاجّ إبراهيم في ربه فقال نمرو: إن كان ما يقول إبراهيم حقاً فلا أنتهى حتى أصعد إلى السماء فأعلم ما فيها فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور فرباهن حتى كبرت وشبت، واتخذ تابوتاً من خشب وجعل له باباً من أعلى وباباً من أسفل ثم جوع النسور ونصب خشبات أربعاً في أطراف التابوت وجعل على رؤوس تلك الخشبات لحماً أحمر وقعد هو في التابوت، وأقعد معه رجلاً آخر، وأمر بالنسور فربطت في أطراف التابوت من أسفل فجعلت النسور كلما رأت اللحم رغبت فيه، وطارت إليه فطارت النسور يوماً أجمع حتى بعدت في الهواء فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا منها ففتح ونظر فقال له إن السماء كهيئتها فقال له: افتح الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها ففعل فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان. قال: فطارت النسور يوماً آخر وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى ففعل فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة فنودي أيها الطاغي أين تريد؟ قال عكرمة: وكان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب وأخذ معه الترس، ورمى بسهم فعاد إليهم السهم ملطخاً بدم سمكة قذفت بنفسها من بحر في الهواء وقيل إن طائراً أصابه السهم فلما رجع إليهم السهم ملطخاً بالدم قال كفيت إله السماء ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوب الخشبات إلى أسفل, وينكس اللحم ففعل فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال خفيق التابوت والنسور ففزعت، وظنت أنه قد حدث حدث من السماء إن الساعة قد قامت فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال واستبعد العلماء هذه الحكاية وقال: إن الخطر فيه عظيم ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر العظيم وليس فيه خير صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه الحكاية بتأويل الآية البتة {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} يعني فلا تحسبن الله يا محمد مخلف ما وعد به رسله من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين فإنه ناصر رسله وأوليائه ومهلك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير تقديره ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده {إن الله عزيز} أي غالب {ذو انتقام} يعني من أعدائه قوله عز وجل {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} ذكر المفسرون في معنى هذا التبديل قولين أحدهما أنه تبدل صفة الأرض والسماء لا ذاتهما فأما تبديل الأرض فبتغيير صفتها وهيئتها مع بقاء ذاتها وهو أن تدك جبالها وتسوى وهادها وأوديتها، وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارة وغيرها لا يبقى على وجهها شيء إلا ذهب، وتمد مد الأديم وأما تبديل السماء فهو أن تنتثر كواكبها وتطمس شمسها، وقمرها ويكوران كونها تارة كالدهان، وتارة كالمهل وبهذا القول قال جماعة من العلماء: ويدل على صحة هذا القول ما روي عن سهل بن سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس بها علم لأحد"تفسير : أخرجاه في الصحيحين العفراء بالعين المهملة، وهي البيضاء إلى الحمرة ولهذا شبهها بقرصة النقى، وهو الخبر الجيد البياض الفائق المائل إلى حمرة كأن النار ميلت بياض وجهها إلى الحمرة وقوله: ليس به علم لأحد يعني ليس فيها علامة لأحد بتبديل هيئتها، وزوال جبالها وجميع بنائها فلا يبقى فيها أثر يستدل به والقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء وهذا قول جماعة من العلماء، ثم اختلفوا في معنى هذا التبديل فقال ابن مسعود في معنى هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية لم يسفك بها دم، ولم يعمل عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال أبيّ بن كعب في معنى التبديل: بأن تصير الأرض نيراناً والسماء جناناً وقال أبو هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه عن أبي سعيد الخدري قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة"تفسير : أخرجاه في الصحيحين بزيادة فيه. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح هذا الحديث: أما النزل فبضم النون والزاي ويجوز إسكان الزاي وهو ما يعد للضيف عند نزوله وأما الخبزة فبضم الخاء. وقال أهل اللغة: هي الظلمة التي توضع في الملة يتكفؤها بالهمزة بيده أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتسوى لأنها ليست منبسطة كالرقاقة, وقد حققنا الكلام في اليد في حق الله سبحانه وتعالى وتأويلها مع القطع باستحالة الجارحة عليه ليس كمثله شيء، ومعنى الحديث أن الله سبحانه وتعالى، يجعل الأرض كالظلمة أي الرغيف العظيم وتكون طعاماً نزلاً لأهل الجنة والله على كل شيء قدير. فإن قلت: إذا فسرت التبديل بما ذكرت فكيف يمكن الجمع بينه وبين قوله تعالى {أية : يومئذ تحدث أخبارها}تفسير : [الزلزلة: 4] وهو أن تحدث أخبارها, وهو أن تحدث بكل ما عمل عليها، قلت: وجه الجمع بين الآيتين أن الأرض تبدل أولاً صفتها مع بقاء ذاتها كما تقدم فيومئذ تحدث أخبارها ثم بعد ذلك تبدل تبديلاً ثانياً، وهو أن تبدل ذاتها بغيرها كما تقدم أيضاً ويدل على صحة هذا التأويل ما روي"حديث : عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه سلم عن قوله تعالى {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله فقال: "على الصراط""تفسير : أخرجه مسلم وروى ثوبان بأن"حديث : حبراً من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض قال: "هم في الظلمة دون الجسر""تفسير : ذكره البغوي بغير سند، ففي هذين الحديثين دليل على أن تبديل الأرض ثاني مرة يكون بعد الحساب والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى {وبرزوا} يعني وخرجوا من قبورهم {لله} يعني لحكم الله، والوقوف بين يديه للحساب {الواحد القهار} صفتان لله تعالى فالواحد الذي لا ثاني له, ولا شريك معه المنزه عن الشبه والضد والند والقهار الذي يقهر عباده على ما يريد، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَسَكَنتُمْ...} الآية: المعنَى: بقول اللَّه عزَّ وجلَّ: وسكَنْتُم أيها المُعْرِضُون عَنْ آيات اللَّه مِنْ جميعِ العالمِ في مَسَاكِن الذين ظَلَمُوا أنفسهم بالكُفْر من الأمم السَّالفة، فنزلَتْ بهم المُثَلاَثُ، فكان حَقُّكُم ٱلاعتِبارَ وَٱلاتعاظ. وقوله: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ }: أي: جزاء مكرهم، وقرأ السبعة سوى الكسائِيِّ: «وإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ» - بكسر اللام من «لِتَزُولَ» وفتح الأخيرة -؛ وهذا على أن تكون «إِنْ» نافيةً بمعنى «مَا»، ومعنى الآية تحقيرُ مَكْرِهم، وأنه مَا كَانَ لِتَزُولَ منه الشرائعُ والنبوَّاتُ وإِقدارُ اللَّه بها التي هي كالْجِبَالِ في ثبوتها وقوَّتها، هذا تأويلُ الحَسَن وجماعة المفسِّرين وتحتملُ عندي هذه القراءةُ أنْ تكونَ بمعنى تَعْظِيمِ مَكْرهم، أي: وإِن كان شديداً، وقرأ الكسائيّ: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» - بفتح اللام الأولَى من لَتَزُولُ، وضمِّ الأخيرة -، وهي قراءة ابن عبَّاس وغيره، ومعنى الآية: تعظيمُ مكرِهِمْ وشدَّتُه، أي: أنه مما يشقى به، ويزيلُ الجبالَ عن مستقرَّاتها، لقوَّته، ولكنَّ اللَّه تعالى أبطله ونَصَرَ أولياءه، وهذا أشَدُّ في العبرة، وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبيٌّ: «وإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ»، وذكر أبو حاتم أنَّ في قراءة أبيٍّ: «وَلَوْلاَ كَلِمَةُ اللَّهِ لَزَالَ مِنْ مَكْرِهِمُ الجِبَالُ». وقوله سبحان: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...} الآية: تثبيت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ولغيره من أمَّته، ولم يكُنِ النبيُّ عليه السلام ممَّن يَحْسَبَنَّ مثْلَ هذا، ولكنْ خَرجَتِ العبارةُ هكذا، والمراد بما فيها من الزجْرِ غَيْرُهُ؛ {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ}: لا يمتنعُ منْه شيء، {ذُو ٱنتِقَامٍ }: من الكَفَرة.

ابو السعود

تفسير : {وَسَكَنتُمْ} من السُّكنى بمعنى التبوّؤ والإيطان، وإنما استُعمل بكلمة في حيث قيل: {فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} جرياً على الأصل لأنه منقولٌ عن مطلق السكون الذي حقُّه التعديةُ بها أو من السكون واللُّبث، أي قرِرْتم في مساكنهم مطمئنين سائرين سيرتَهم في الظلم بالكفر والمعاصي غيرَ محدّثين لأنفسكم بما لقُوا بسبب ما اجترحوا من الموبقات، وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقِه فيما سلفه إيذانٌ بأن غائلةَ الظلم آئلةٌ إلى صاحبه، والمرادُ بهم إما جميعُ مَنْ تقدّم من الأمم المهلَكة عن تقدير اختصاصِ الاستمهال، والخطابُ السابقُ بالمنذرين، وإما أوائلُهم من قوم نوحٍ وهود على تقدير عمومِهما للكل، وهذا الخطابُ وما يتلوه باعتبار حالِ أواخرهم {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} بمشاهدة الآثار وتواترِ الأخبار {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد، وكيف منصوبٌ بما بعده من الفعل وليس الجملةُ فاعلاً لتبـيّن كما قاله بعضُ الكوفيـين، بل فاعله ما دلت هي عليه دَلالةً واضحةً أي فعلنا العجيبَ بهم، وفيه من المبالغة ما ليس في أن يقال: ما فعلنا بهم كما مر في قوله تعالى: { أية : لَيَسْجُنُنَّهُ} تفسير : وقرىء وبُـيِّن {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} أي بـينا لكم في القرآن العظيم ـ على تقدير اختصاصِ الخطاب بالمنذَرين أو على ألسنة الأنبـياءِ عليهم السلام على تقدير عمومِه لجميع الظالمين ـ صفاتِ ما فعلوا وما فُعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبةِ لكل ظالم، لتعتبروا بها وتقيسوا أعمالَكم على أعمالهم ومآلَكم على مآلهم وتنتقلوا من حلول العذاب العاجلِ إلى حلول العذابِ الآجل فترتدعوا عما كنتم فيه من الكفر والمعاصي، أو بـيّنا لكم أنكم مثلُهم في الكفر واستحقاقِ العذاب، والجملُ الثلاثُ في موقع الحال من ضمير أقسمتم، أي أقسمتم بالخلود والحالُ أنكم سكنتم في مساكن المهلَكين بظلمهم وتبـين لكم فعلُنا العجيبُ بهم ونبهناكم على جلية الحال بضرب الأمثالِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [الآية: 45]. قال أبو عثمان: مجاورة الفسَّاق وأهل المعاصى من غير ضرورة من فسق كامن، ومعصية مستترة فى القلب لأن الله تعالى ذم فريقًا من عباده. فقال: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} ولم يعذر من أقام فيها وقال: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 97].

القشيري

تفسير : أحللنا بهم العقوبة، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم، وجريتم على منهاجهم، وفعلتم مثلَ فِعْلِهم، وبإمهالنا لكم اغتررتم...فانْتَظِرَوا منَّا ما عاملناكم به جزاءً لكم على ما أسلفتم. ويقال إن معاشرةَ أهل الهوى والفسق ومجاورتَهم مُشَارَكةٌ لهم في فِعْلِهم، فيستقبلُ فاعلُ ذلك استقبالَهم، ومَنْ سَلَكَهُم ينخرط في التردِّي نحو وَهْدَةِ هلاكهِ مِثْلَهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} السّكون فى اوطان الظلم من اهلية فطرة النفس الامارة اليها === الشهوات تميل الى محلها من الافات لتزيد حظوظ هواها ومن لم يخرج نفسه فى زمان الارادة من جوار المدعين تعودت نفسه عادة الظلم فى الدعاوى الباطلة ويقع عليه ما وقع على المدعين الكاذبين قال ابو عثمان مجاورة الفساق واهل المعاصى من غير ضرورة من فسق كامن ومعصية مستترة فى القلب لان الله === قوما من عباده فقال وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا انفسهم ولم يعذر من مقام فيها فقال الم يكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها ويقال ان معاشرة اهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم فى فعلهم ويستقبل فاعله ما استقبلهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا انفسهم} بالشرك والمعاصى كعاد وثمود غير محدثين لانفسكم بما لقوا من العذاب بسبب ما اكتسبوا من السيآت {وتبين لكم} بمشاهدة الآثار وتواتر الاخبار {كيف فعلنا بهم} من الاهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد وليس الجملة فاعلا لتبين لان الاستفهام له صدر الكلام ولان كيف لا يكون الا ظرفا او خبرا او حالا بل فاعله ما دلت عليه دلالة واضحة اى فعلنا العجيب بهم {وضربنا لكم الامثال} اى بينا لكم فى القرآن العظيم صفات ما فعلوا وما فعل بهم من الامور التى هى فى الغرابة كامثال المضروبة لكل ظالم لتعتبروا بها وتقيسوا اعمالكم على اعمالهم ومآلكم على مآلهم وتنتقلوا من حلول العذاب العاجل الى حلول العذاب الآجل فترتدعوا عما كنتم فيه من الكفر والمعاصى يعنى انكم سمعتم هذا كله فى الدنيا فلم تعتبروا فلو رجعتم بعد هذا اليوم لا ينفعكم الموعظة ايضا: وفى المثنوى شعر : قصه آن آبكيرست اى عنود كه دراوسه ماهئ اشكرف بود جند صيادى سوى آن آبكير بركذشتند وبديدند آن ضمير بس شتابيدند تادام آورند ماهيان واقف شدند وهو شمند آنكه عاقل بود عزم راه كرد عزم راه مشكل ناخواه كرد كفت بااينها ندارم مشورت كه يقين شستم كنند از مقدرت مهر زاد وبود برجانشان تند كاهلى وحمقشان برمن زند مشورت را زنده بايد نكو كه ترا زنده كند آن زنده كو اى مسافر با مسافر رأن زن زانكه يابت بسته دارد رأى زن ازدم حب الوطن بكذر مأيست كه وطن آن سوست جان اين سوى نيست كفت آن ماهئ زيرك ره كنم دل زرأى ومشورتشان بركنم نيست وقت مشورت هين راه كن جون على توآه اندر جاه كن شب روبنهان روى كن جون عسس سوى دريا عزم كن زين آبكير محرم آن آه كميابست وبس بحرجو وترك اين كرداب كير سينه باساخت مى رفت آن حذور از مقام باخطر تبحر نور همجو آهو كزبى اوسك بود مى دود تادر تنش يكرك بود خواب خركوش وسك اندر بى خطاست خواب خوددر جشم ترسنده كجاست رنجها بسيار ديد وعاقبت رفت آخر سوى امن وعافيت خويشتن افكند در درياى زرف كه نيابد حد آن را هيج طرف بس جو صيادان بياوردند دام نيم عاقل را ازان شد تلخ كام كفت آه من فوت كردم فرصه را جون نكشتم همره آن رهنما بركذشته حسرت آوردن خطاست باز نايد رفته ياد آن هباست كفت ماهئ دكر وقت بلا جونكه ماند از سايه عاقل جدا كوسوى دريا شد وازغم عتيق فوت شد ازمن جنان نيكو رفيق ليك زان ننديشم وبرخود زنم خويشتن را اين زمان مرده كنم بس برآرم اشكم خود برزبر بشت زيرم مى روم برآب بر مى روم برى جنانكه خس رود نى بسباحى جنانكه كس رود مرده كردم خويش وبسبارم بآب مرك بيش ازمرك امنست وعذاب همجنان مردوشكم بالافكند آب مى بردش نشيب وكه بلند هريكى زان قاصدان غصه بس برد كه دريغا ماهئ بهتر بمرد بس كرفتش يك صياد ارجمند بس بروتف كرد وبرخاكش فكند غلط وغلطان رفت بنهان اندر آب ماند آن احمق همى كرد اضطراب دام افكندند اندر دام ماند احمقى اورا دران آتش فشاند برسر آتش بيشت تابه با حمقت كشته او همخوابه او همى جوشيد از تف سعير عقل مى كفتش ألم يأتك نذير او همى كفت از شكنجه وزبلا همجو جان كافران قالوا بلى باز مى كفتى كه اكر اين بارمن وارهم زين محنت كردن شكن من نسازم جز بدر يايى وطن آبكيريرا نسازم من سكن آن ندامت از نتيجه رنج بود نى زعقل روشن جون كنج بود مى كند او توبه وبير خرد بانك لو ردوا لعادوا مى زند تفسير : فينبغى للمؤمن ان يكثر ذكر الموت فانه لا غنية للمؤمن عن ست خصال. اولاها علم يدله على الآخرة. والثانية رفيق يعينه على طاعة الله ويمنعه عن معصية الله. والثالثة معرفة عدوه والحذر منه. والرابعة عبرة يعتبر بها. والخامسة انصاف الخلق لكيلا تكون له يوم القيامة خصماء. والسادسة الاستعداد للموت قبل نزوله لكيلا يكون مفتضحا يوم القيامة

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي وحده {لتزول} بفتح اللام الأولى، وضمِّ الثانية. وروي ذلك عن علي (ع). الباقون بكسر اللام الاولى وفتح الثانية. قال أبو علي: من كسر اللام الأولى وفتح الثانية جعل (إِن) بمعنى (ما) والتقدير وما كان مكرهم لتزول، ومثل ذلك قوله {أية : إِن الكافرون إِلاّ في غرور}. تفسير : ومعناه ما الكافرون، ومعنى الآية {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم} اي جزاء مكرهم، فحذف المضاف كما حذف من قوله {أية : ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم} تفسير : اي جزاؤه، والمعنى قد عرف الله مكرهم، فهو يجازيهم عليه وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. و {الجبال} كأنه اراد بها القرآن وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأعلامه ودلالاته أي ما كان ليزول منه ما هو مثل الجبال في امتناعه ممّن أَراد إِزالته. ومن قرأ بفتح اللام الأولى وضمّ الثانية جعل (إِن) هي المخففة من الثقيلة على تعظيم أمر مكرهم، وهو في تعظيم مكرهم، كما قال في موضع آخر{أية : ومكروا مكراً كبّاراً}تفسير : أي قد كان مكرهم من الكبر والعظم بحيث يكاد يزيل ما هو مثل الجبال في الامتناع، على من أراد إِزالته ومثله في تعظيم الأمر قول الشاعر: شعر : ألم ترَ صدعاً في السماء مبينا على ابن لبينى الحارث بن هشام تفسير : وقال آخر: شعر : بكى حارث الجولان من موت ربه وحوران منه خاشع متضائل تفسير : وقال أوس: شعر : ألم تكسف الشمس شمس النهار مع النجم والقمر الواجب تفسير : فهذا كله على تعظيم الامر وتفخيمه ويدل على ان الجبال يعني بها أمر النبي صلى الله عليه وسلم قوله بعد ذلك {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} اي بعد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم في قوله {أية : ليظهره على الدين كله}تفسير : وفي قوله {أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون}تفسير : وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا في تعظيم الشيء وتفخيمه قال ابن مقبل: شعر : اذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى لها شاعراً مثلي اطب واشعرا واكثر بيتاً شاعراً ضربت به بطون جبال الشعر حتى تيسرا تفسير : يقول الله تعالى للكفار {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم زوال} مما انتم عليه من النعيم وأنتم {سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بارتكاب المعاصي وكفران نعم الله، فأهلكهم الله {وضربنا لكم الأمثال} والمعنى ان مثلكم كمثلهم في الاهلاك اذا اقمتم على ما اقاموا عليه، من الفساد والتتابع في المعاصي {ومكروا مكرهم} يعني الكفار الذين ظلموا انفسهم مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم واحتالوا له، ومكروا بالمؤمنين وخدعوهم {وعند الله} جزاء مكرهم، ولم يكن مكرهم ليبطل حجج القرآن وما معك من دلائل النبوّة، فلا يبطل شيء منه، لانه ثابت بالدليل والبرهان. وعلى القراءة الأولى ولو كان مكرهم يزيل الجبال من عظمه وشدته، لما أزال أمر النبي صلى الله عليه وسلم لانه أثبت من الجبال. وروي عن علي (ع) وجماعة انهم قرؤوا {وإن كاد مكرهم} من المقاربة. قال سعيد بن جبير وغيره: ان قوله {ومكروا مكرهم} نزلت في صاحب النسرين الذي أراد صعود السماء. وقال قوم: مكرهم كفرهم بالله وشركهم في عبادته.

الجنابذي

تفسير : {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} يعنى استننتم بسننهم ووقفتم فى مقامهم او سكنتم فى منازلهم الصّوريّة بحيث شاهدتم آثار عذابهم وهلاكهم {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} موافقة لاحوالكم وانتقالكم الى الآخرة، او ضربنا لكم امثال الّذين ظلموا حتّى تتنبّهوا او تجتنبوا مثل افعالهم.

اطفيش

تفسير : {وَسَكَنْتُمْ فِى مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} بالشرك والمعاصى من الأمم السالفة كقوم هود وقوم صالح، والخطاب لجملة الكفار ولا يخلون من سكون مساكن الأُمم السالفة ويجوز أن يريد خصوص كفار قريش ويريد بسكونهم مبيتهم ليلا فى نحو ديار ثمود إِذا سافروا ويجوز أن يكون المراد بالسكون سكون النفوس واطمئنانها آخذة لمساكن الظالمين مساكن أو بايتين فيها وأخذوا لسير هؤلاء فى الكفر والمعاصى غير خائبين أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء، أما سكن بمعنى اطمئنان فيتعدى بالحرف نحو سكن فى كذا وسكن بكذا وأما سكن بمعنى أقام فأصله التعدى بقى كما فى الآية وقد تضمن معنى تبوءوا فيتعدى بنفسه تقول سكن الدار أى تبوأها أى اتخذها منزلا {وَتَبَيَّنَ لَكُمُ} الفاعل مستتر عائد إلى الفعل أى تبين لكل فعلنا بهم بسكون العين ويدل له {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} وقيل عائد إِلى مصدر تبين، وقيل الفاعل جملة كيف فعلنا بهم وقد مر البحث فى مجىء الفاعل جملة وفعل الله بهم إِهلاكه إِياهم وانتقامه منهم وقرئ ونبين بالنون والرفع وعليه فالجملة مفعول به وعلق العامل بالاستفهام بمعنى أن أداة الاستفهام هى المنقلة له عن أصله الذى هو العمل فى المفرد إِلى العمل فى الجملة وعلى هذه القراءة تكون جملة نبين لكم كيف فعلنا بهم معترضة أو حالا على تقدير المبتدأ أى ونحن نبين أو تقدير قد التحقيقية والمضارع فيها للحال. {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} صفات ما فعل الظالمون وما فعل بهم الجارية مجرى المثل فى الغرابة الملوح بها إِلى أنكم مثلهم فى الظلم واستحقاق ما استحقوا من الهلاك.

اطفيش

تفسير : {وَسَكَنْتُمْ فِى مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والمعاصى كعاد وثمود، وهذا يقوى أن الناس عام لا قريش خاصة لأَن قريشاً لم يسكنوا منازل عاد وثمود فهذه السكنى لغيرهم، والكلام على المجموع فيها لا على الجميع، اللهم إلا أن يقول سكنها أوائل قريش، أو أُريد بالسكنى ما يشمل مبيتهم فيها أو نزولهم مطلقاً فيها حين السفر، والجملة معطوفة على أَقسمتم، فالاستفهام منسحب عليها، وكذا ما بعدها كأنه قيل: ألم تكونوا تبين لكم إلخ، ألم تكونوا ضربنا لكم الأمثال {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} فاعل تبين ضمير مستتر عائد إلى الحال أو الفعل أو مدلول عليه بفعلنا، فعل الله الهلاك والعذاب وإخراب المنازل، كما تشاهدونها فى أسفاركم، وتسمعون فى الأخبار، وقال الكوفيون: كيف فعلنا بكم فاعل تبين {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} بينا لكم فى القرآن أخبارا عن الأُمم السابقة شبيهة بالأَمثال فى الحسن والغرابة من الجزاء على أفعال، وفى الغرابة من أفعالهم والجزاء عليها بأَنواع الهلاك، فالأمثال استعارة تصريحية، شبه الأفعال والجزاءَ عليها بالأمثال المضروبة، أو بينا لكم أمثالكم فى الكفر والعقاب، وهم الأُمم السابقة، والأول أولى.

الالوسي

تفسير : {وَسَكَنتُمْ} من السكنى بمعنى التبوء والاستيطان وهو بهذا المعنى مما يتعدى بنفسه تقول سكنت الدار واستوطنتها إلا أنه عدي هنا بفي حيث قيل: {فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } جرياً على أصل معناه فإنه منقول عن سكن بمعنى قر وثبت وحق ذلك التعدية بفي، وجوز أن يكون المعنى وقررتم في مساكنهم مطمئنين سائرين سيرتهم في الظلم بالكفر والمعاصي غير محدثين أنفسكم بما لقوا بسبب ما اجترحوا من الموبقات، وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقه فيما سلف إيذان بأن غائلة الظلم آيلة إلى صاحبه، والمراد بهم ـ كما قال بعض المحققين ـ إما جميع من تقدم من الأمم المهلكة على تقدير اختصاص الاستمهال والخطاب السابق بالمنذرين، وإما أوائلهم من قوم نوح وهود على تقدير عمومها للكل، وهذا الخطاب وما يتلوه باعتبار حال أواخرهم. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} أي ظهر لكم على أتم وجه بمعاينة الآثار وتواتر الأخبار {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد، وفاعل {تَّبَيَّنَ} مضمر يعود على ما دل عليه الكلام أي فعلنا العجب بهم أو حالهم أو خبرهم أو نحو ذلك، وكيف في محل نصب ـ بفعلنا ـ وجملة الاستفهام ليست معمولة ـ لتبين ـ لأنه لا يعلق، وقيل: الجملة فاعل {تَّبَيَّنَ} بناء على جواز كونه جملة وهو قول ضعيف للكوفيين. وذهب أبو حيان إلى ما ذهب إليه الجماعة ثم ذكر أنه لا يجوز أن يكون الفاعل {كَيْفَ} لأنه لا يعمل فيها ما قبلها إلا فيما شذ من قولهم: على كيف تبيع الأحمرين وقولهم: انظر إلى كيف تصنع. وقرأ السلمي فيما حكاه عنه أبو عمرو الداني {ونبين} بنون العظمة ورفع الفعل، وحكى ذلك أضاً صاحب «اللوامح» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذلك على إضمار مبتدأ أي ونحن نبين والجملة حالية، وقال المهدوي عن السلمي أنه قرأ بنون العظمة إلا أنه جزم الفعل عطفاً على {تكونوا} [إبراهيم: 44] أي أو لم نبين لكم. {وَضَرَبْنَا لَكُمُ} أي في القرآن العظيم على تقدير اختصاص الخطاب بالمنذرين أو على ألسنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تقدير عمومه لجميع الظالمين./ {ٱلأَمْثَالَ} أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة لتعتبروا وتقيسوا أعمالكم على أعمالهم وما لكم على ما لهم وتنتقلوا من حلول العذاب العاجل إلى العذاب الآجل فتردعوا عما كنتم فيه من الكفر والمعاصي، وجوز أن يراد من الأمثال ما هو جمع مثل بمعنى الشبيه أي بينا لكم أنهم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب. وروي هذا عن مجاهد، والجمل الثلاث في موقع الحال من ضمير {أية : أَقْسَمْتُمْ } تفسير : [إبراهيم: 44] أي أقسمتم أن ليس لكم زوال والحال أنكم سكنتم في مساكن المهلكين بظلمهم وتبين لكم فعلنا العجيب بهم ونبهناكم على جلية الحال بضرب الأمثال.

الواحدي

تفسير : {وسكنتم} في الدُّنيا {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} يعني: الأمم الكافرة {وتبيَّن لكم كيف فعلنا بهم} فلم تنزجروا {وضربنا لكم الأمثال} في القرآن فلم تعتبروا. {وقد مكروا مكرهم} يعني: مكرهم بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وما همُّوا به من قتله أو نفيه {وعند الله مكرهم} هو عالمٌ به لا يخفى عليه ما فعلوا، فهو يجازيهم عليه {وإن كان} وما كان {مكرهم لتزول منه الجبال} يعني: أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَيْ: ما كان مكرهم ليبطل أمراً هو في ثبوته وقوَّته كالجبال. {فلا تحسبن الله} يا محمد {مخلف وعده رسله} ما وعدهم من الفتح والنَّصر {إنَّ الله عزيز} منيع {ذو انتقام} من الكفَّار يجازيهم بما كان من سيئاتهم. {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسمٰوات} تُبدَّل الأرض بأرضٍ كالفضَّة بيضاء نقيَّة يُحشر النَّاس عليها، والسَّماء من ذهبٍ {وبرزوا} وخرجوا من القبور، كقوله تعالى: {وبرزوا لله جميعاً}. {وترى المجرمين} الذين زعموا أنَّ لله شريكاً وولداً يوم القيامة {مقرنين} موصولين بشياطينهم. كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ في غلٍّ، والأصفاد: سلاسل الحديد والأغلال. {سرابيلهم} قُمصهم {من قطران} وهو الهِناء الذي يُطلى به الإِبل، وذلك أبلغ لاشتعال النَّار فيهم {وتغشى وجوههم} وتعلو وجوههم {النار}. {ليجزي الله كلَّ نفس} من الكفَّار {ما كسبت} أَيْ: ليقع لهم الجزاء من الله سبحانه بما كسبوا. {هذا} القرآن {بلاغ للناس} أَيْ: أنزلناه إليك لتبلِّغهم {ولينذروا به} ولتنذرهم أنت يا محمد {وليعلموا} بما ذُكر فيه من الحجج {أنما هو إله واحدٌ وليذكر} وليتَّعظ {أولوا الألباب} أهل اللُّبِّ والعقل والبصائر.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَسَـٰكِنِ} (45) - وَقَدْ بَلَغَكُمْ مَا أََنْزَلْنَاهُ مِنَ العِقَابِ الشَّدِيدِ بِالأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ بِهِمْ، وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِن هؤُلاءِ المِكَذِّبِينَ، وَلَمْ تَعْتَبِرُوا، وَلَمْ تَزْدَجِرُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ، وَالآنَ تَسْأَلُونَ التَّأخِيرَ لِلتَّوْبَةِ حِينَ نَزَلَ بِكُمُ العَذَابُ، فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَقَدْ فَاتَ الأَوَانُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسكون هو الاطمئنان إلى الشيء من عدم الإزعاج، ونعلم أن المرأة في الزواج تعتبر سكناً، والبيت سكن، وهنا يتكلم الحق سبحانه عن مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أي: أنكم لم تتعِظُوا بالسوابق التي ما كان يجب أن تغيبَ عنكم، فأنتم تمرون في رحلات الصيف والشتاء على مدائن صالح، وترون آثار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وتمرون على الأحقاف؛ وترون ماذا حاقَ بقوم عاد. وكُلُّ أولئك نالوا العقاب من الله، سواء بالريح الصرصر العاتية، أو: أنه سبحانه قد أرسل عليهم حاصباً من السماء، أو: أنزل عليهم الصيحة؛ أو: أغرقهم كآل فرعون، وأخذ كل قوم من هؤلاء بذنبه. وصدق الله وَعْده في عذاب الدنيا؛ فلماذا لم تأخذوا عِبْرة من ذلك؛ وأنه سبحانه وتعالى صادق حين تحدَّث عن عذاب الآخرة؟ وهنا قال الحق سبحانه: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ..} [إبراهيم: 45]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. أي: أنكم تمرُّون على تلك الأماكن التي أقامها بعضٌ مِمَّنْ سبقُوكم وظلمُوا أنفسهم بالكفر؛ وأنزل الحق سبحانه عليهم العقَاب؛ ولذلك يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45]. نعم؛ فحين تمشي في أرض قوم عاد، وترى حضارتهم التي قال عنها الحق سبحانه: {أية : إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 7-8]. وهي حضارة لم نكشف آثارها بعد؛ وما زالت في المطمورات وكل مطمور في الأرض بفعل من غضب السماء؛ تضع السماءُ ميعادَ كشفٍ له ليتعظَ أهلُ الأرض؛ ويحدث هذا الكشف كلما زاد الإلحاد واستشرى. قد حدث أن اكتشفنا حضارة ثمود، وكذلك حضارة الفراعنة؛ وهي الحضارة التي سبقتْ كل الحضارات في العلوم والتكنولوجيا، ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من الاندثار الذي شاءه الله. وما زال الناس يتساءلون: لماذا لم يترك المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومُسجّلة في خطوات يمكن أن تفهمها البشرية من بعد ذلك؟ {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45]. أي: أن الحق سبحانه يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد وَضُحَتْ أمام الذين عاصروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مساكن الأقوام التي سبقتهم؛ وكفروا برسالات الرسل، وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه الأمثال بهؤلاء القوم وبما حدث لهم. والمَثلُ إنما يضربه الله لِيُقرِّب بالشيء الحسي ما يُقرِّب إلى الأذهانِ الشيءَ المعنوي. ويستمر قوله الحق من بعد ذلك: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ...}.