Verse. 1796 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

وَقَدْ مَكَرُوْا مَكْرَہُمْ وَعِنْدَ اللہِ مَكْرُہُمْ۝۰ۭ وَاِنْ كَانَ مَكْرُہُمْ لِتَزُوْلَ مِنْہُ الْجِبَالُ۝۴۶
Waqad makaroo makrahum waAAinda Allahi makruhum wain kana makruhum litazoola minhu aljibalu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وقد مكروا) بالنبي صلى الله عليه وسلم (مكرهم) حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه (وعند الله مكرهم) أي علمه أو جزاؤه (وإن) ما (كان مكرهم) وإن عظم (لتزول منه الجبال) المعنى لا يعبأ به ولا يضر إلا أنفسهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات وفي قراءة بفتح لام لتزول ورفع الفعل فإن مخففة والمراد تعظيم مكرهم وقيل المراد بالمكر كفرهم ويناسبه على الثانية "" تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا "" وعلى الأول ما قرئ وما كان.

46

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: {وَقَدْ مَكَرُواْ } إلى ماذا يعود؟ على وجوه: الأول: أن يكون الضمير عائداً إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وهذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. والثاني: أن يكون المراد به قوم محمد صلى الله عليه وسلم والدليل عليه قوله: { أية : وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ } تفسير : [إبراهيم: 45] يا محمد وقد مكر قومك مكرهم وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله: { أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } تفسير : [الأنفال: 30] وقوله: {مَكْرَهُمْ } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم. الثالث: أن المراد من هذا المكر ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، وكان قد جوعها ورفع فوق الجوانب الأربعة من التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه في ذلك التابوت فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الدنيا عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها فنكس تلك العصي التي علق عليها اللحم فسفلت النسور وهبطت إلى الأرض، فهذا هو المراد من مكرهم. قال القاضي: وهذا بعيد جداً لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه وما جاء فيه خبر صحيح معتمد ولا حجة في تأويل الآية ألبتة. المسألة الثانية: قوله: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } فيه وجهان: الأول: أن يكون المكر مضافاً إلى الفاعل كالأول. والمعنى: ومكتوب عند الله مكرهم فهو يجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه. والثاني: أن يكون المكر مضافاً إلى المفعول، والمعنى: وعند الله مكرهم الذي يمكر بهم وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون. أما قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } فاعلم أنه قرأ الكسائي وحده {لِتَزُولَ } بفتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى منه، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية. أما القراءة الأولى: فمعناها أن مكرهم كان معداً لأن تزول منه الجبال، وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله: { أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يتفطرن ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ } تفسير : [مريم: 90]. وأما القراءة الثانية: فالمعنى: أن لفظ «إن» في قوله؛ {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } بمعنى «ما» واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل. والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } تفسير : [آل عمران: 179]. { أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 179] والجبال ههنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأمر دين الإسلام وإعلامه ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان. ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية: { أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } تفسير : [إبراهيم: 47] أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم. والمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودلائل شريعته، وقرأ علي وعمرو: {إِن كَانَ مَكْرِهِمْ }.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَدْ مَكَرُواْ } بالنبيّ صلى الله عليه وسلم {مَكْرِهِمْ } حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي علمه أو جزاؤه {وَإِن } ما {كَانَ مَكْرُهُمْ } وإن عظم {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } المعنى لا يُعْبَأُ به ولا يضرّ إلا أنفسهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها وقيل شرائع الإِسلام المشبهة بها في القرار والثبات وفي قراءة بفتح لام «لتزول» ورفع الفعل فـ «إن» مخففة والمراد تعظيم مكرهم وقيل: المراد بالمكر كفرهم. ويناسبه على الثانية{أية : تَكَاَدُ السَّمَٰوَاتُ يَتَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا}تفسير : [90:19] وعلى الأول ما قرىء وما كان.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَكْرَهُمْ} الشرك "ع"، أو بالعتو والتجبر، وهي فيمن تجبر في ملكه وصعد مع النسرين في الهواء، قاله علي وابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنهماـ {وَعِندَ الَّلهِ مَكْرُهُمْ} يحفظه ليجازيهم عليه، أو يعلمه فلا يخفى عنه {لِتَزُولَ} وما كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال احتقاراً لمكرهم "ع"، {لَتزولُ} وكاد أن يزيلها تعظيماً لمكرهم، والجبال: جبال الأرض، أو الإسلام والقرآن لأنه في ثبوته كالجبال.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} حال من الضمير الأول في فعلنا بهم أو من الثاني أو منهما جميعاً، وإنما قُدّم عليه قوله تعالى: {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} لشدة ارتباطِه بما قبله أي فعلنا، والحالُ أنهم قد مكروا في إبطال الحقِّ وتقديرِ الباطل مكرَهم العظيمَ الذي استفرغوا في عمله المجهودَ وجاوزوا فيه كل حد معهود، بحيث لا يقدِر عليه غيرُهم، فالمرادُ بـيانُ تناهيهم في استحقاق ما فُعل بهم أو قد مكروا مكرَهم المذكورَ في ترتيب مبادىءِ البقاءِ ومدافعةِ أسبابِ الزوالِ، فالمقصودُ إظهارُ عجزهم واضمحلالُ قدرتِهم وحقارتُها عند قدرة الله تعالى {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي جزاءُ مكرِهم الذي فعلوه، على أن المكرَ مضافٌ إلى فاعله، أو أخذُه تعالى بهم على أنه مضاف إلى مفعوله، وتسميتُه مكراً لكونه بمقابلة مكرِهم وجوداً وذِكراً أو لكونه في صورة المكرِ في الإتيان من حيث لا يشعرون، وعلى التقديرين فالمرادُ به ما أفاده قوله عز وجل: { أية : كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 45] لا أنه وعيدٌ مستأنفٌ، والجملةُ حالٌ من الضمير في مكروا أي مكروا مكرَهم وعند الله جزاؤه أو ما هو أعظمُ منه، والمقصودُ بـيانُ فسادِ رأيِهم حيث باشروا فعلاً مع تحقق ما يوجب تركَه {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} في العِظَم والشدة {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} أي وإن كان مكرُهم في غاية المتانةِ والشدةِ، وعبّر عن ذلك بكونه مسوًّى ومُعدًّا لإزالة الجبال عن مقارّها لكونه مثلاً في ذلك، والجملةُ المصدرةُ بأن الوصليةِ معطوفةٌ على جملة مقدرة والمعنى وعند الله جزاءُ مكرهم أو المكرُ الذي يحيق بهم إن لم يكن مكرُهم لتزولَ منه الجبال وإن كان الخ، وقد حُذف ذلك حذفاً مطرداً لدِلالة المذكور عليه دَلالةً واضحةً فإن الشيء إذا تحقق عند وجودِ المانعِ القويِّ فلأن يتحققَ عند عدمِه أولى، وعلى هذه النُكتة يدور ما في أن الوصليةِ من التأكيد المعنوي، والجواب محذوفٌ دل عليه ما سبق وهو قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} وقيل: إنْ نافية واللامُ لتأكيدها كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 33] وينصره قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وما كان مكرُهم، فالجملة حينئذ حالٌ من الضمير في مكروا لا من قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي مكروا مكرَهم والحالُ أن مكرهم لم يكن لتزولَ منه الجبال على أنها عبارةٌ عن آيات الله تعالى وشرائعِه ومعجزاتِه الظاهرة على أيدي الرسلِ السالفةِ عليهم السلام التي هي بمنزلة الجبالِ الراسياتِ في الرسوخ، وأما كونُها عبارةً عن أمر النبـي صلى الله عليه وسلم وأمرِ القرآن العظيم كما قيل فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلَكون لا الساكنون في مساكنهم من المخاطبـين وإن خُصّ الخطاب بالمنذرين، وقيل: هي مخففةٌ من إنّ، والمعنى إنه كان مكرُهم ليزول منه ما هو كالجبال في الثبات مما ذكر في الآيات والشرائعِ والمعجزات والجملةُ كما هي حال من ضمير مكروا أي مكروا مكرَهم المعهودَ وإنّ الشأنَ كان مكرُهم لإزالة الآياتِ والشرائعِ على أنه لم يكن يصحّ أن يكون منهم مكرٌ كذلك، وكان شأنُ الآياتِ والشرائعِ مانعاً من مباشرة المكرِ لإزالته، وقد قرأ الكسائي لَتزولُ بفتح اللام على أنها الفارقة، والمعنى تعظيمُ مكرِهم فالجملةُ حالٌ من قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي عنده تعالى جزاءُ مكرهم أو المكرُ بهم والحال أن مكرهم بحيث تزول منه الجبالُ أي في غاية الشدة، وقرىء بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرىء (وإن كاد مكرهم) هذا هو الذي يقتضيه النظمُ الكريم وينساق إليه الطبعُ السليم. وقد قيل إن الضمير في مكروا للمنذَرين والمرادُ بمكرهم ما أفاده قوله عز وجل: { أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} تفسير : [الأنفال: 30] الآية، وغيرُه من أنواع مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل الوجهَ حينئذ أن يكون قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ} الخ، حالاً من القول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحالُ أنهم ـ مع ما فعلوا من الإقسام المذكورِ، مع ما ينافيه من السكون في مساكن المهلَكين وتبـيّن أحوالُهم وضرْبُ الأمثال ـ قد مكروا مكرَهم العظيم أي لم يكن الصادر عنهم مجردَ الإقسام الذي وُبِّخوا به بل اجترؤا على مثل هذه العظيمة، وقوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} حالٌ من ضمير مكروا حسبما ذكرنا من قبل، وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} مسوقٌ لبـيان عدم تفاوتِ الحال في تحقيق الجزاءِ بـين كون مكرِهم قوياً أو ضعيفاً كما مر هناك وعلى تقدير كون إنْ نافيةً فهو حال من ضمير مكروا، والجبالُ عبارةٌ عن أمر النبـي صلى الله عليه وسلم أي وقد مكروا، والحالُ أن مكرهم ما كان لتزول منه هاتيك الشرائعُ والآياتُ التي هي في القوة كالجبال، وعلى تقدير كونها مخففةً من الثقيلة واللامُ مكسورةٌ يكون حالاً منه أيضاً على معنى أن ذلك المكرَ العظيم منهم كان لهذا الغرض، على معنى أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكرٌ كذلك المكر لِما أن شأنَ الشرائعِ أعظم من أن يمكُرَ بها ماكرٌ، وعلى تقدير فتح اللام فهو حالٌ من قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} كما ذكرنا من قبل فليُتأمل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقد مكروا مكرهم} اى فعلنا بالذين ظلموا ما فعلنا والحال انهم قد مكروا فى ابطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذى استفرغوا فى عمله المجهود وجاوزنا فى كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم والمكر خديعة {وعند الله مكرهم} اى جزاء مكرهم الذى فعلوه {وان} وصلية {كان مكرهم} فى العظم والشدة {لتزول منه الجبال} مسوى لازالة الجبال عن مقارّها معدا لذلك. قال فى الارشاد اى وان كان فى غاية المتانة والشدة وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدا لذلك لكونه مثلا فى ذلك

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وإن كان مكرُهم)؛ "إن" نافية، واللام للجحود، ومن قرأ "لّتزول"؛ بفتح اللام، فإن مخففة، واللام فارقة؛ و (يوم تُبدل): بدل من (يوم يأتيهم)، أو ظرف للانتقام، أو مقدر باذكر، أو (بمخلف وعده). ولا يجوز ان ينتصب بمخلف؛ لأن ما قبل "إن" لا يعمل فيما بعدها. و(السماوات): عطف على (الأرض)، أي: وتبدل السماوات. يقول الحق جل جلاله: {وقد مكروا} بك يا محمد {مكرَهُم} الكلي، واستفرغوا جهدهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، {وعند الله مكرُهُم} اي: مكتوب عنده فعلهم، فيجازيهم عليه. أو عند الله ما يمكرهم به جزاء لمكرهم، وإبطالاً له، {وإن كان مكرُهُم} في العظم والشدة، {لِتزولَ منه الجبال} الثوابت لو زالت؛ تقديراً، أو ما كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال، أي: الشرائع والنبوات الثابتة كالجبال الرواسي. والمعنى على هذا تحقير مكرهم؛ لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة، أو: وإن مكرهم لَتزولُ منه الجبال من شدته، ولكن الله عصم ووقى. وقيل: الآية متصلة بما قبلها، أي وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، ومكروا مكرهم في إبطال الحق. {فلا تحسبن اللهَ مخلفَ وعدِهِ رسلَه}، يعني: وعد النصر على الأعداء، وقدَّم المفعول الثاني، والأصل: مخلف رسله وعده، فقدَّم الوعد؛ ليُعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً على الإطلاق، ثم قال: {رسله}؛ ليعلم أنه لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟! فقدَّم الوعد أولاً بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. {إن الله عزيز}: غالب لا يماكر، قادر لا يدافع، {ذو انتقام} لأوليائه من أعدائه. يظهر ذلك {يوم تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ}، أ اذكر {يوم تبدل الأرض غير الأرض}، فتبدل أرض الدنيا يوم القيامة بأرض بيضاء عفراء، كقُرْصَة النقِيّ، كما في الصحيح. {و} تبدل {السماوات} بأن تنشق وتُطوى كطي السجل للكتب، ويبقى العرش بارزاً، وهو سماوات الجنة. قال البيضاوي: والتبديل يكون في الذات، كقوله: بدلت الدراهم بالدنانير، وعليه قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} [النساء: 56]، وفي الصفة، كقولك: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وغيرت شكلها. وعليه قوله: {أية : يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} تفسير : [الفرقان: 70]. والآية تحتملها، فعن علي رضي الله عنه: تبدل أرضاً من فضة وسماوات من ذهب، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: هي تلك الأرض، وإنما تغير صفاتها، ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِِ فَتبْسَط، وتُمَدّ مد الأديم العكَاظيّ، "لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتا" ". تفسير : قال ابن عطية: وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عَفراءَ لم يُعْصَ اللهُ فيها، ولا سُفِكَ فيها دم، وليس فيها مَعْلم لأحد. ورُوي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المُؤْمِنُ في وَقْتِ التبديلِ في ظل العرْشِ". ورُويَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الناسُ، وقتَ التبديل، على الصِّرَاط" تفسير : . ورُوي أنه قال: "حديث : الناس حينئذٍ أضْيَافُ الله؛ فلا يُعجزهم ما ". تفسير : وفي سراج المريدين لابن العربي: أن الله خلق الأرض مختلفة محدودبة؛ ويخلقها يوم القيامة مستوية، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، متماثلة بيضاء كخبرة النقى، كما في الصحيح، وأما تبديل السماوات فليس في كيفيتها حديث، وإنما هو مجهول. وفي حديث مسلم: "حديث : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال: هم على الصراط" تفسير : . قال: يحتمل أنه الصراط المعروف، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره، تستقر الأقدام عليه، وكأنه الأظهر؛ للحديث الآخر. وقد سألته عائشة ـ وضي الله عنها ـ أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هُمْ في الظُّلْمَةِ دُونَ الجسْر".تفسير : والجسر: الصراط. هـ. أما تبديل الأرض: فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر، فلا يقع البعث والحشر، إلا على الأرض المبدلة؛ كقوله: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ تفسير : [الكهف: 47]، وقوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً } تفسير : [طه: 105 ـ 106].. ثم قال: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} تفسير : [طه: 108]. وقوله: {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}تفسير : [الواقعة: 1]، ثم قال: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} تفسير : [الواقعة: 4 ـ 5] إلى غير ذلك من الآيات. والأرواح حينئذٍ أضياف الله، أو في ظل العرش، أو دون الجسر، حيث يعلم الله. وأما تبديل السماوات فظاهر الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلاً. والله تعالى أعلم. {وبرزوا للهِ الواحدِ القهار}، أي: وبرزوا من أجداثهم؛ لمحاسبة الواحد القهار، أو لمجازاته. وتوصيفه بالوصفين؛ للدلالة على أنه في غاية الصعوبة، كقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]، وأن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره، ولا مستجار، {وترى المجرمين يومئذٍ مُقَرَّنين}: قرن بعضهم إلى بعض {في الأصفاد}: في القيود، أو الأغلال، كل واحد قُرن مع صاحبه، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله {أية : وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} تفسير : [التكوير: 7]: أو قُرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. فقوله: {في الأصفاد}: متعلق بمقرنين، أو حال من ضميره. والصفد: القيد أو الغل. {سرابيلُهُم}: قُمصانُهم، والسربال: القميص، {من قَطرانٍ}، وهو الذي يهنأ به الإبل، أي: تدهن به. وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جُعِل قَميصَ أهل النار. قال البيضاوي: وهو أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة، يُطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم. على أنَّ التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. هـ. {وتغشى وجوهَهُم النار}، أي: تكسوها وتأكلها؛ لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يخضعوا بها إلى الخالق، كما تطلع على أفئدتهم؛ لأنها فارغة من المعرفة والنور، مملوءة بالجهالات والظلمة. ونظيره قوله: {أية : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ } تفسير : [الزمر: 24]، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48]. فعل ذلك بهم؛ {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} من الإجرام، أو ما كسبت مطلقاً؛ لأنه إذا بيَّن أن المجرمين معاقبون لإجرامهم؛ علم أن المطيعين يُثابون لطاعتهم. ويتعين ذلك إذا علق اللام ببرزوا. {إن الله سريع الحساب}، فيحاسب الناس في ساعة واحدة؛ لأنه لا يشغله حسابٌ عن حساب، فكل شخص يظهر له أنه واقف بين يديه، يُحاسب في وقتِ حسابِ الآخر؛ لأن ذلك وقت خرق العوائد. {هذا} القرآن، أو ما فيه من الوعظ والتذكير، أو ما وصفه من قوله {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...} تفسير : [إبراهيم: 42] إلخ، {بلاغ للناس}؛ أي: كفاية لهم عن غيره في الوعظ وبيان الأحكام، يقال: أعطيته من المال ما فيه بلاغ له، أي: كفاية، أو بلاغ؛ أي: تبليغ لهم، كقوله: {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [الشورى: 48]، {أية : وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [النور: 54].وقوله: {وليُنذروا به}: عطف على محذوف، أي: ليُنصحوا به، ولينذروا به، أو متعلق بمحذوف، أي: ولينذروا به أنزلناه، {وليعلموا أنما هو إله واحد} بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، أو المنبهة على ما يدل عليه. {وليذَّكَّر} أي: ليتعظ به {أولو الألباب} أي: القلوب الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه، فيرتدعوا عما يُرديهم، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتاب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. الإشارة: قد مكر أهلُ الغفلة بالأولياء، قديماً وحديثاً، واحتالوا على إطفاء نورهم، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم؛ {إن الله عزيز ذو انتقام} فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسوم والأشكال، فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات؛ فتنقلب كلها نوراً مجموعاً ببحر الأنوار، وبمحيطات أفلاك الأسرار، فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون{أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35]. وبرزوا من سجن الأكوان لشهود الواحد القهار. وقال الورتجبي: يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر، تبدل من هذه الأوصاف، وظلمة الخلقية، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها، وأنها صارت مَشْرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته، بوصف الجبارية والقهارية بقوله: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} تفسير : [الزمر: 69] وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال العدم؛ من استيلاء قهر أنوار القدم، قال: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. وقيل: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقال: متى كانوا شيئاً حتى صاروا لا شيء؟! لأنهم أقل من البهاء في الهواء في جنب الحق. هـ. وترى المجرمين، وهم الغافلون، مقرنين في قيود الأوهام، والشكوك، مسجونين في محيطات الأكوان، سرابيلهم ظلمة الغفلة، تغشى وجوههم نارُ القطيعة، لا تظهر عليها بهجة المحبين، ولا أسرار العارفين. فعل ذلك بهم؛ ليظهر فضيلة المجتهدين. هذا بلاغ للناس، وليُنذروا به وبال الغفلة والحجاب، وليتحقق أولو الألباب أن الوجود إنما هو للواحد القهار. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الجنابذي

تفسير : {وَقَدْ مَكَرُواْ} صرف الخطاب عنهم او الضّمير راجع الى الّذين ظلموا {مَكْرَهُمْ} ما كان فى وسعهم وجهدهم {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} يعنى مكرهم ثابت عند الله فيجازيهم عليه، او عند الله مكرهم فلا ينفذوا ولا يؤثّرا الاّ باذنه، او عند الله مكرهم يعنى ان يمكر بهم مكراً لائقاً بحالهم {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} انّه كان مكرهم او ان شرطيّة وصليّة او نافية اى وان كان مكرهم لعظمه مستعدّاً {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} وما كان مكرهم لتزول منه الجبال بل كان اعظم، وقرئ بفتح اللاّم ورفع الفعل على ان يكون ان هى المخفّفة واللاّم للفصل.

الهواري

تفسير : قال: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ} أي: محفوظ لهم حتى يجازيهم به. { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ}. قال الكلبي: إن نمروذ الذي بنى الصرح ببابل أراد أن يعلم علم السماء، فعمد إلى تابوت فجعل فيه غلاماً. ثم عمد إلى نسور أربعة فأجاعهن، ثم ربط كل نسر بقائمة من قوائم التابوت، ثم رفع لهم لحماً في أعلى التابوت، فجعل الغلام يفتح الباب الأعلى فينظر إلى السماء فيراها كهيئتها. ثم يفتح الباب الأسفل فينظر إلى الأرض فيراها مثل اللجة. فلم يزل كذلك حتى جعل ينظر فلا يرى الأرض، وإنما هو الهواء، وينظر فوق فيرى السماء كهيئتها. فلما رأى ذلك صوّب اللحم، فتصوّبت النسور. فيقال، والله أعلم، إنه مرّ بجبل فخاف الجبل أن يكون أمر من الله، فكاد الجبل أن يزول من مكانه. فذلك قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ}. وذكر بعضهم أن نمروذ كان في التابوت ومعه صاحبه. فهو الذي جعل بأمره أن ينظر. فلما هاله ذلك أمره، فنكس اللحم، فانحدرت النسور. فبعث الله عليه أضعف خلقه: بعوضة، فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فمات. وقال بعضهم: في قراءة عبدالله بن مسعود: {وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ}. وذلك تفسيرها عندهم. قال بعضهم: ذلك المكر ما عمل بالنسور، فلا أعلمه إلا قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَد جِئْتُمْ شَيْئاً إِداً} أي: عظيماً {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي: يتشقّقنَ منه{وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا} أي: بأن دعوا {أية : لِلرَّحْمَنِ وَلَداً}تفسير : [سورة مريم:88-91]. وتفسير الحسن في هذا الحرف. {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: هم أهون على الله من ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ} احتال هؤلاء الظالمون احتيالهم العظيم المستفرغ فيه جهدهم لإِبطال الحق وتقرير الباطل ومكركم يا كفار قريش يستحقر دونه ويقل ولم يتأَثر مكرهم فيكف يتأَثر مكركم وزعم بعض أن الضميرين لكفار قريش ومكرهم ما قال الله جل جلاله منهم وإِذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، الآية والصحيح الأَول {وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ} أى مكرهم الذى مكروا به ثابت مكتوب محفوظ عند الله معلوم له يجازيهم به أعظم منه فإِضافة المكر للهاء إِضافة مصدر للفاعل ويجوز أن يكون المعنى عند الله المكر الذى يمكرهم جزاء لمكرهم وإِبطالا له فإِضافته إِضافة للمفعول، والوجه الأَول أظهر لأَنه المراد فى قوله وقد مكروا مكرهم فلتكن المعرفة الثانية عين الأَول على الغالب، {وَإِن} هذه إِن الشرطية الوصلية {كَانَ مَكْرُهُمْ لِتزُولَ مِنْهُ} أى به {الْجِبَالُ} هذه لام الجر والتعليل متعلقة بخبر كان للمحذوف الذى هو كون خاص أى وإِن كان مكرهم فى العظم والشدة معدى لإِزالة ما هو عظيم راسخ كالجبال أى إِن مكرهم محفوظ عند الله للجزاء والإِبطال وإِن عظم مكرهم عظيم كما تقول إِنى مدركك وإِن مررت وإِنى غالبك ولو فعلت ما فعلت. قال ابن هشام: الذى يظهر أن اللام لام الجر والتعليل وأن إِن شرطية أى وعند الله جزاء مكرهم وهو مكر أعظم منه وإِن كان مكرهم لشدته معدى لأَجل زوال الأُمور العظام المشبهة فى عظمها الجبال كما تقول فلان أشجع من فلان وإِن كان معدى للنوازل وقيل إن نافية لتأْكيد النفى وهى المشهورة بلام الجحود بناء على أنها لا تختص بالنافى الذى هو ما أو لم، وقد رده ابن هشام لأَنها لا تكون بعد غيرهما من أدوات النفى وباختلاف فاعلى كان وتزول ويجاب بأَن اختلاف الفاعل لا يفوت التأكيد المسوقة هى لأَجله وعلى هذا القول يكون الجبال مثلا لأَمر النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحوه وهو الشرائع والنبوة إذ هى كالجبال فى القوة والرسوخ فيكون المراد تحقير مكرهم أى ما كان مكرهم مزيلا لذلك، وبهذا قال الحسن وجماعة: ويدل له قراءة ابن مسعود وما كان مكرهم، وقيل إِن مخففة من الثقيلة أى وإِنه كان مكرهم لأَجل أن تزول منه الجبال أى ما هو فى العظم كالجبال وهو الآيات والشرائع وقرئ لتزول بفتح اللام الأُولى كالثانية وهو لغة من يفتح لام كى وقرأ على وعمر وإن كاد مكرهم بالدال أى قرب ونسب بعضهم هذه القراءة لابن مسعود والصحيح عنه ما مر وقرأ الكسائى لتزول بفتح اللام الاُولى وضم الثانية على أن إن مخففة واللام لام الفرق بين النفى والإِثبات فيكون المراد تعظيم مكرهم أى إنه كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال ولكن الله أبطله ونصر أولياءه، وبذلك قرأ ابن عباس أيضاً ويوافق هذه القراءة ما ذكره الشيخ هود عن الكلبى، أنها نزلت فى أمر نمرود الذى بنى الصرح ببابل أراد أن يعلم علم السماء فعمد إِلى تابوت فجعل فيه غلاماً ثم عمد إلى نسور أربعة فأَجاعهن ثم ربط كل نسر بقائمة من قوائم التابوت ورفع لهم لحماً فى أعلى التابوت فجعل الغلام يفتح الباب الأَعلى فينظر إلى السماء فيراها كهيئتها ثم يفتح الباب الأَسفل فيراها كاللجة فلم يزل كذلك ينظر فلا يرى الأَرض وإِنما هو الهواء وينظر فوقه فيرى السماء كهيئتها فما رأى ذلك صوب اللحم فنصبت النسور فمن بحيل فخاف الجبل أن يكون أمر من السماء فكاد الجبل يزول من مكانه وذلك قوله تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} وذكر بعضهم أن نمرود كان فى التابوت ومعه صاحبه فهو الذى جعل يأْمره أن ينظر أو لما هاله ذلك، أمره أن ينكس اللحم فانحدرت النسور فبعث الله أضعف خلقه باعوضة فى منخره حتى وصلت إلى دماغه فمات انتهى كلام الشيخ هود. وذكر فى عرائس القرآن أن أول جبار كان فى الأَرض نمرود ابن كنعان وكان الناس يمتارون الطعام منه فخرج إِبراهيم يمتار مع الناس وكان إِذا مر به الناس قال: من ربكم. قالوا: أنت. ومر به إِبراهيم عليه السلام فقال له النمرود: من ربك؟ قال: الذى يحيى ويميت. قال: أنا أُحيى وأُميت. قال إِبراهيم: فإِن الله يأْتى بالشمس ـ الآية ـ فرده بغير طعام فرجع فمر على كثيب من رمل أعفر فقال لآخذن من هذا فآتى أهلى فتطيب به نفسهم حتى أدخل عليهم، فأَخذ منه فأَتى به أهله فوضع متاعه ثم نام فقامت امرأته إِلى متاعه ففتحته فإِذا هو أجود دقيق رآه أحد فمآخذته وصنعت له منه طعاماً فقدمته إِليه وكان عهده بأَهله لا طعام لهم، فقال: من أين هذا، فقالت: من الطعام الذى جئت به. فعلم إبراهيم أن الله رزقه له فحمد الله وشكره ثم إِن نمرود قال إِن كان ما يقول إِبراهيم حقا فلا أنتهى حتى أعلم من فى السماء فبنى صرحا عظيما عاليا ببابل ورام منه الصعود إِلى السماء لينظر إِلى إله إبراهيم على زعمه. فقال ابن عباس ووهب كان طول الصرح فى السماء خمس مائة ذراع وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وقال كعب ومقاتل كان طوله فرسخين ثم عمد إِلى أربعة أفراخ من النسور وأطعمها اللحم وسقاها الخمر ورباها حتى شبت واستعجلت وقعد فى تابوت وحمل معه رجلا آخر وحمل قوسه ونبله وجعل لذلك التابوت بابا من أعلاه وبابا من أسفله ثم ربط التابوت بأَرجل النسور وعلق اللحم على عصى فوق التابوت ثم خلى عن النسور فنظرن وصعدن طعاما فى اللحم حتى أبعدن فى الهواء فقال النمرود لفتاه افتح الباب الأَسفل فانظر إِلى الأَرض كيف تراها؟ فقال أرى الأَرض مثل اللجة البيضاء والجبال مثل الدخان فطارت النسور وارتفعت حتى حالت الريح بينهما وبين الطيران فقال لفتاه افتح الباب الأَعلى ففتحه فإِذا السماء كهيئتها والأَرض سوداء مظلمة ونودى أيها الطاغى الباغى أعلى الله تتمرد، قال عكرمة فأَمر غلامه فرمى بسهم فعاد إِليه السهم ملطخاً بالدم، فقال كفيت نفسك إِله السماء واختلفوا فى ذلك السهم من أى شىء تلطخ؟ قال عكرمة من سمكة فى بحر بين السماء والأَرض علقت هناك، قربت نفسها إِلى الله تعالى وقال بعضهم أصاب السهم طائرا ثم أمر غلامه أن يقلب العصى وينكس اللحم ففعل فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال خفيق التابوت ففزعت فظنت أنه قد حدث أمر من السماء وأن الساعة قد قامت فذلك قوله تعالى: ومكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإِن كان مكرهم لتزول منه الجبال ثم أرسل الله سبحانه ريحاً على صرحه فأَلقت رأسه فى البحر وخر عليهم الباقى فتبلبلت ألسن الناس من الفزع وتكلموا بثلاث وسبعين لسانا فلذلك سميت ببابل وكان كلام الناس قبل ذلك بالسريانية كذا قال البغوى، ويرده أن صالحا وقومه يتكلمون قبل ذلك بالعربية وكذا جرهم من عرب اليمن ومنهم من تعلم إسماعيل العربية وكذا طسم ودخيش وبعث إِليه ملكا إِن آمن تركته على ملكه فقال: هل رب غيرى فجاء ثانيا وثالثا وأبى وقال لا أعرف ما تقول ألربك جنود؟ قال: نعم. قال: فليقاتلنى إِن كان ملكا فإِن الملوك تتقاتل. قال الملك: نعم إن شئت قال قد شئت قال فاجمع جنودك إِلى ثلاثة أيام تأتيك جنود ربى فجمع، فأَوحى الله عز وجل إِلى خازن البعوض أن افتح منها باب فلما أصبحوا فى اليوم الثالث نظر نمرود إِلى الشمس وقال ما بالها لم تطلع؟ فظن أنها أبطأَت، فقال الملك: حال دونها جنود ربى فأَكلت البعوض لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق من الناس والدواب إِلا العظام إلا النمرود فلم يصبه شىء، فقال له الملك: أفتؤمن؟ قال: لا. فأَمر الله بعوضة فقرصت شفته العليا فشرمت وعظمت ثم السفلى كذلك ودخلت فى منخره وصارت فى دماغه وأكلت منه حتى صارت مثل الفرخ فمكث أربعمائة سنة تضرب رأسه كما تجبر أربعمائة سنة فمات، انتهى. ويأتى كلام آخر فى بناء الصرح وقصة التابوت والنسور مروية عن على أيضا فى تفسير الآية واستبعدها بعض العلماء، وقال إن الخطر فيها عظيم ولا يكاد عاقل أن يقدر على مثله ولا خبر يكاد فيها صحيح يعتمد عليه، وقيل إن المكر فى الآية قولهم اتخذ الله ولدا كما قال الله سبحانه وتعالى {أية : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} {أية : لقد جئتم شيئا إدا} تفسير : إِلى قوله: {أية : وتخر الجبال هدا}

اطفيش

تفسير : {وقَدْ مَكَرُوا مَكْرهُمْ} استخرجوا مكرهم من أنفسهم، ولم يبقوا منه شيئاً فى مضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل أو التقييد أو الإخراج "أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا"تفسير : [الأنفال: 30] لإبطال الحق وإظهار الباطل، ودل على استفراغ مكرهم التأْكيد بالمصدر المضاف إليهم إضافة استغراق {وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ} بالنبى والدين معلوم، أى عند الله جزاءُ مكرهم، أَو مكرهم عنده، ومكتوب فيجازيهم عليه فإضافة مكر للهاء إضافة للفاعل كالسابق واللاحق، أو عند الله جزاءٌ يمكره لهم فالإضافة للمفعول، أو يمكر بهم بإبطال مكرهم، والمكر فى هذا متعد لتضمنه معنى الضر، أو الجزاءِ، أَو تقدر الباءُ أى مكر بهم، وتسمية الجزاءِ مكرا استعارة ومشاكلة، وقيل: المكر فى ذلك كله بمعنى الكفر، كقوله عز وجل:{أية : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا}تفسير : [مريم: 90]، إلخ، {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} أن مخففة واللام للتعليل فى قوله: {لِتزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} لعظمه وشدته، ولكن لمن تزل أى معد لإزالة الجبال المستعار لفظها للمعجزات والآيات لجامع الثبات أى أعدوا مكراً عظيماً لدفع الحق الذى هو كالجبال، ويجوز أن يكون شرطاً وصليا أغنى عن جوابه قوله: وعند الله مكرهم أى عند الله مكرهم يجازيهم، ولو كان مكرهم عظيماً معداً لإِزالة ما هو عظيم، واللام للتعليل، أو المراد المقاربة لزوال الجبال الحقية مبالغة بالتشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه فيكون كقوله "أية : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال"تفسير : [مريم: 90] وقيل نافية واللام لام الجحود أى وما مكرهم تزول منه الجبال بل هو هين كقوله تعالى: {أية : وما كان الله ليعذبهم} تفسير : [الأنفال: 33]، والجبال فى هذا على حقيقتها، أو مراد بها الحق العظيم وهو المعجزات والآيات.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} حال من الضمير الأول في {أية : فَعَلْنَا بِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 45] أو من الثاني أو منهما جميعاً، وقدم عليه قوله تعالى: {أية : وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [إبراهيم: 45] لشدة ارتباطه على ما قيل بما قبله أي فعلنا بهم ما فعلنا والحال أنهم قد مكروا في إبطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذي استفرغوا في عمله المجهود وجاوزوا فيه كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم، والمراد بيان تناهيهم في استحقاق ما فعل بهم، أو وقد مكروا مكرهم المذكور في ترتيب مبادي، البقاء ومدافعة أسباب الزوال فالمقصود إظهار عجزهم واضمحلال قدرتهم وحقارتها عند قدرة الله سبحانه قاله شيخ الإسلام، وهو ظاهر في أن هذا من تتمة ما يقال لأولئك الذين ظلموا، وهو المروي عن محمد بن كعب القرظي، فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال: بلغني أن أهل النار ينادون {أية : رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } تفسير : [إبراهيم: 44] الخ فيرد عليهم بقوله سبحانه: {أية : أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ } تفسير : [إبراهيم: 44] إلى قوله تعالى: {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} وذكره ابن عطية احتمالاً، وقيل غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً. وظاهر كلام غير واحد أن استفادة المبالغة في {مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} من الإضافة، وفي «الحواشي الشهابية» أن {مَكْرَهُمْ} منصوب على أنه مفعول مطلق لأنه لازم فدلالته على المبالغة لقوله تعالى الآتي: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } الخ لا لأن إضافة المصدر تفيد العموم أي أظهروا كل مكر لهم أو لأن إضافته وأصله التنكير لإفادة أنهم معروفون بذلك وللبحث فيه مجال. {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي جزاء مكرهم على أن الكلام على حذف مضاف، وجوز أن لا يكون هناك مضاف محذوف، والمعنى مكتوب عنده تعالى مكرهم ومعلوم له سبحانه وذلك كناية عن مجازاته تعالى لهم عليه، وأياً ما كان فإضافة {مَكَرَ} إلى الفاعل وهو الظاهر المتبادر، وقيل: إنه مضاف إلى مفعوله على معنى عنده تعالى مكرهم الذي يمكرهم به وتعقبه أبو حيان بأن المحفوظ أن مكر لازم ولم يسمع متعدياً، وأجيب بأنه يجوز أن يكون المكر متجوزاً به أو مضمناً معنى الكيد أو الجزاء، والكلام في نسبة المكر إليه تعالى وأنه إما باعتبار المشاكلة أو الاستعارة مشهور، وذكر بعض المحققين أن المراد بهذا المكر ما أفاده قوله تعالى: {أية : كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 45] لا أنه وعيد مستأنف. والجملة حال من الضمير في {مَكَرُواْ} أي مكروا مكرهم وعند الله تعالى جزاؤه أو هو ما أعظم منه. والمقصود بيان فساد رأيهم حيث باشروا فعلاً مع تحقق ما يوجب تركه. {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } أي وإن كان مكرهم في غاية الشدة والمتانة، وعبر عن ذلك بكونه (معدى) لإزالة الجبال عن مقارها لكونه مثلاً في ذلك. {وَإِنْ} شرطية وصلية عند جمع، والمراد أنه سبحانه مجازيهم على مكرهم ومبطله إن لم يكن في هذه الشدة وإن كان فيها، ولا بد على هذا الوجه من ملاحظة الإبطال وإلا فالجزاء المجرد عن ذلك لا يكاد يتأتى معه النكتة التي يدور عليها ما في إن الوصلية/ من التأكيد المعنوي. وجوز أن يكون المعنى أنه تعالى يقابلهم بمكرهم، ولا يمنع من ذلك كون مكرهم في غاية الشدة فهو سبحانه وتعالى أشد مكراً، ولا حاجة حينئذ إلى ملاحظة الإبطال فتدبر. وعن الحسن وجماعة أن {إن} نافية واللام لام الجحود و {كَانَ } تامة، والمراد بالجبال آيات الله تعالى وشرائعه ومعجزاته الظاهرة على أيدي الرسل السالفة عليهم السلام التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات والقصد إلى تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الآيات والنبوات. وجوز أن تكون {كَانَ} ناقصة وخبرها إما محذوف أو الفعل الذي دخلت عليه اللام على الخلاف الذي بين البصريين والكوفيين. وأيد هذا الوجه بما روي عن ابن مسعود من أنه قرأ {وما كان} بما النافية، وتعقب بأن فيه معارضة للقراءة الدالة على عظم مكرهم كقراءة الجمهور، وأجيب بأن الجبال في تلك القراءة يشار بها إلى ما راموا إبطاله من الحق كما أشرنا إليه وفي هذه على حقيقتها فلا تعارض إذ لم يتواردا على محل واحد نفياً وإثباتاً. ورد بأنه إذا جعل الحق شبيهاً بالجبال في الثبات كان مثلها بل أدون منها في هذا المعنى، فإذا نفى إزالته إياه انتفى إزالته جبال الدنيا وحينئذ يجيء الإشكال. وتعقبه الشهاب بأن هذا غير وارد لأن المشبه لا يلزم أن يكون أدون من المشبه به في وجه الشبه بل قد يكون بخلافه ولو سلم فقد يقدر على إزالة الأقوى دون الآخر لمانع كالشجاع يقدر على قتل أسد ولا يقدر على قتل رجل مشبه به لامتناعه بعدة أو حصن ولا حصن أحصن وأحمى من تأييد الله تعالى شأنه للحق بحيث تزول الجبال يوم تنسف نسفاً ولا يزول انتهى، وإلى تفسير {ٱلْجِبَالُ} على هذه القراءة بما ذكرنا ذهب شيخ الإسلام ثم قال: وأما كونها عبارة عن أمر النبـي صلى الله عليه وسلم وأمر القرآن العظيم ـ كما قيل ـ فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلكون لا الساكنون في مساكنهم من المخاطبين. وإن خص الخطاب بالمنذرين وسيظهر لك قريباً إن شاء الله تعالى جواز ذلك على بعض الأقوال في الآية، والجملة حال من الضمير في {مَكَرُواْ} لا من قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} وجوز أبو البقاء. وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة والمعنى إن كان مكرهم ليزول منه ماهو كالجبال في الثبات من الآيات والشرائع والمعجزات، والجملة أيضاً حال من الضمير المذكور أي مكروا مكرهم المعهود وأن الشأن كان مكرهم لإزالة الحق من الآيات والشرائع على معنى أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكر كذلك وكان شأن الحق مانعاً من مباشرة المكر لإزالته. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن وثاب والكسائي {لِتَزُولَ } بفتح اللام الأولى ورفع الفعل ـ فإن على ذلك عند البصريين مخففة واللام هي الفارقة، وعند الكوفيين نافية واللام بمعنى إلا، والقصد إلى تعظيم مكرهم فالجملة حال من قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي عنده تعالى جزاء مكرهم أو المكر بهم والحال أن مكرهم بحيث تزول منه الجبال أي في غاية الشدة. وقرىء {لتزولَ} بالفتح والنصب، وخرج ذلك على لغة جاءت في فتح لام كي. وقرأ عمر وعلي وأبـي وعبد الله وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو إسحٰق السبيعي وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم ورحمهم {وإن كاد} بدال مكان النون و {لتزول} بالفتح والرفع، وهي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ونقل أبو حاتم عن أبـي رضي الله تعالى عنه أنه قرأ {ولولا كلمه الله لزال من مكرهم الجبال} وحمل ذلك بعضهم على التفسير لمخالفته لسواد المصحف مخالفة ظاهرة؛ هذا ومن الناس من قال: إن الضمير في {مَكَرُواْ} للمنذرين، والمراد بمكرهم ما أفاده قوله عز وجل: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } تفسير : [الأنفال: 30] وغيره من أنواع مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال/ شيخ الإسلام: ولعل الوجه حينئذ أن يكون قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ} الخ حالاً من القول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحال أنهم مع ما فعلوا من الإقسام المذكور مع ما ينافيه قد مكروا مكرهم العظيم أي لم يكن الصادر عنهم مجرد الإقسام الذي وبخوا به بل اجترؤا على مثل هذه العظيمة. وقوله سبحانه: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} حال من ضمير {مَكَرُواْ} حسبما ذكر من قبل. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} إلى آخره مسوق لبيان عدم تفاوت الحال في تحقيق الجزاء بين كون مكرهم قوياً أو ضعيفاً كما مرت الإشارة إليه، وعلى تقدير كون {إن} نافية فهو حال من ضمير {مَكَرُواْ} والجبال عبارة عن أمر النبـي صلى الله عليه وسلم أي وقد مكروا والحال أن مكرهم ما كان لتزول منه هاتيك الشرائع والآيات التي هي كالجبال في القوة، وعلى تقدير كونها مخففة من الثقيلة واللام مكسورة يكون حالاً منه أيضاً، على معنى أن ذلك المكر العظيم منهم كان لهذا الغرض، والقصد إلى أنه لم يصح أن يكون منهم مكر كذلك لما أن شأن الشرائع أعظم من أن يمكر بها. وعلى تقدير فتح اللام فهو حال من قوله تعالى: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} كما ذكر سابقاً اهـ. ويجوز أن يراد بمكرهم شركهم كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس، والجبال على حقيقتها وأمر الجملة على ما قال. وحاصل المعنى لم يكن الصادر عنهم مجرد الإقسام مع ما ينافيه بل اجترؤا على الشرك وقالوا: {أية : ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } تفسير : [مريم: 88-90] وقد روي عن الضحاك أنه صرح بأن ما نحن فيه كهذه الآية، ثم إن القول بجعل الضمير للمنذرين قول بعدم دخول هذا الكلام في حيز ما يقال، وهو الظاهر كما قيل، وكذا حمل الجبال على معناها الحقيقي. وفي «البحر» الذي يظهر أن زوال الجبال مجاز ضرب مثلاً لمكر قريش وعظمه والجبال لا تزول، وفيه من المبالغة في ذم مكرهم ما لا يخفى. وأما ما روى أن جبلاً زال بحلف امرأة اتهمها زوجها وكان ذلك الجبل من حلف عليه كاذباً مات فحملها للحلف فمكرت بأن رمت نفسها من الدابة وكانت وعدت من اتهمت به أن يكون في المكان الذي وقعت فيه من الدابة فأركبها زوجها وذلك الرجل وحلفت على الجبل أنها ما مسها غيرهما فنزلت سالمة وأصبح الجبل قد اندك وكانت المرأة من عدنان. وما روي من قصة نمروذ بن كوش بن كنعان أو بخت نصر واتخاذ الأنسر وصعودهما إلى قرب السماء في قصة طويلة مشهورة، وما فعل بعضهم من حمل الجبال على دين الإسلام والقرآن وحمل المكر على اختلافهم فيه من قولهم: هذا سحر، هذا شعر، هذا إفك فأقول ينبو عنها ظاهر اللفظ، وبعيد جداً قصة الأنسر اهـ. واستبعد ذلك أيضاً ـ كما نقل الإمام ـ القاضي وقال: إن الخطر في ذلك عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء خبر صحيح معتمد ولا حاجة في تأويل الآية إليه، ونعم ما قال في خبر النسور فإنه وإن جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وعن مجاهد وابن جبير وأبـي عبيدة والسدي وغيرهم إلا أن في الأسانيد ما لا يخفى على من نقر. وقد شاع ذلك من أخبار القصاص وخبرهم واقع عن درجة القبول ولو طاروا إلى النسر الطائر، ومثل ذلك فيما أرى خبر المتهمة فافهم والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون عطفَ خبر على خبر، ويجوز أن يكون حالاً من {الناس} في قوله: {وأنذر الناس}، أي أنذرهم في حال وقوع مكرهم. والمكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضمارُهُ. وتقدم في قوله تعالى: { أية : ومكروا ومكر الله } تفسير : في سورة آل عمران (54)، وفي قوله: { أية : أفأمنوا مكر الله } تفسير : في سورة الأعراف (99). وانتصب {مكرهم} الأول على أنه مفعول مطلق لفعل {مكروا} لبيان النوع، أي المكر الذي اشتهروا به، فإضافة {مكر} إلى ضمير {هم} من إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك إضافة {مكر} الثاني إلى ضمير {هم}. والعندية إما عندية عِلم، أي وفي علم الله مكرهم، فهو تعري بالوعيد والتهديد بالمؤاخذة بسوء فعلهم، وإما عندية تكوين ما سُمي بمكر الله وتقديره في إرادة الله فيكون وعيداً بالجزاء على مكرهم. وقرأ الجمهور {لتزول} ـــ بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها ـــ فتكون (إن) نافية ولام {لتزول} لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال. وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي. وقرأ الكسائي وحده ــــ بفتح اللام الأولى ــــ من {لَتزولُ} ورفع اللام الثانية على أن تكون {إنْ} مخففة من {إنْ} المؤكدة وقد أكمل إعمالها، واللام فارقة بينها وبين النافية، فيكون الكلام إثباتاً لزوال الجبال من مكرهم، أي هو مكر عظيم لَتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول، أي جديرة، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة. وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى: { أية : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً } تفسير : [سورة مريم: 90].

القطان

تفسير : مقرنين: مربوطين. في الاصفاد: في القيود. سرابيلهم: ثيابهم. من قطران: نوع من الزيوت شديدة الاشتعال اسود اللون تدهن به الابل عندما يصيبها الجرب. تغشى وجوههم النار: تعلوها وتغطيها. هذا بلاغ للناس: كفاية في الموعظة. {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}. ولقد مكروا ودبّروا في إبطال الحق وبالرسول الكريم، وعند الله علمُ مكرهم، وان كان مكرهم من القوة والتأثير حتى لَيؤدي إلى زوال الجبال، والله تعالى محيطٌ بهم وبمكرِهم. قراءات: قرأ الكسائي: "لتزول" بفتح اللام الاولى، وضم اللام الاخيرة. وقرأ الباقون: "لتزول" بكسر اللام الاولى وفتح اللام الاخيرة كما هو في المصحف. {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}. لا تظنَّ ايها الرسول ان الله تعالى مخلفٌ رُسُلَه ما وعدَهم به من النصر، فما لهذا المكرِ من أثر، وما يعوق تحقيقَ وعد الله لرسله بالنصر، وأخذِ هؤلاء الماكرين أخْذَ عزيز مقتدر، ان الله شديدُ الانتقام لا يدع الظالمَ يفلت، ولا يدع الماكر ينجو. {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ}. ان الله تعالى سينتقم من هؤلاء الكفارِ يومَ القيامة يوم تتبدَّل الأرضُ والسماوات. ولا ندري كيف يتم هذا، ولا طبيعةَ الأرض الجديدة وطبيعةَ السماوات، وكلُّ ما بعدَ الموت شيء غير عاديّ بالنسبة إلينا واللهُ أعلمُ بذلك. {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} خرجوا من قبورهم، ووقفوا مكشوفين بارزين لا يستُرهم ساترٌ بينَ يدي الله الواحد القهار. وبعد ان وصف نفسه بكونه القهار، بين عجز المجرمين وذلتهم فقال: {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} وهي صورة عن مَشاهدِ يوم القيامة فيها منظرٌ واقعي للمجرمين كأنك تراه، وهم يخبُّون في قُيودِهم. {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ}. وهذا مشهد آخر لباسهم فيه من هذا الزيت القبيح، والنارُ تغشى وجوههم، وفي ذلك ما فيه من الذل والتحقير. {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. لقد فعل الله بهم ذلك ليؤديَ الى كل نفس جزاءَها بما فعلت، إن خيراً فخير وان شرا فشر، ان الله سريع الحساب يوم القيامة. {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. هنا يختم الله السورة بمثل ما بدأت.. بإعلانٍ لجميع البشرية في الكون أجمع. هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، لنُصحِهم وإنذارِ هم من عذاب الله، وليكون لديهم العلمُ الحقيقي أن الله إلهٌ واحد عِدةَ آلهة كما يقول المشركون، وليتذكَّر اولو العقول عظَمةَ ربهم، ويتَّعظوا فيبتعدوا عما فيه هلاكهم، ويرجعوا الى ربهم في كل احوالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (46) - فِي تَفْسِيرِ هذِه ِالآيَةِ قَوْلاَنِ: الأَوَّلُ - إِنَّ الذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفَسِهِمْ مِنْ شِرْكٍ بِاللهِ، وَكُفْرٍ بِآيَاتِهِ وَرُسُلِهِ، مَا ضَرَّ الجِبَالَ شَيْئاً، وَلاَ أَثَّرَ فِيها. وَآيَاتُ اللهِ وَشَرْعُهُ وَدِينُهُ هِيَ كَالجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ رُسُوخاً وَثَبَاتاً، وَلِذلِكَ فَلَنْ يُؤْثِّرَ فِيهَا مَكْرُهُمْ شَيْئاً لِتَفَاهَتِهِ، وَضَعْفِ أَثَرِهِ. وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ (إِن) بِمَعْنَى (مَا). وَالثَّانِي - إِنَّ مَكْرَهُمْ وَكُفْرَهُمْ تَكَادُ الجِبَالُ لِتَزُول مِنْهُ لِدِقَّةِ تَدْبِيِرِهِ، وَقُوَّةِ إِحْكَامِهِ، أَوْ لِضَخَامَةِ مَا فِيهِ مِنْ كُفْرٍ وَعُتُوٍّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمكْر - كما نعلم - هو تبييت الكَيْد في خفاء مستورٍ، ومأخوذ من الشجرة المكمورة؛ أي: الشجرة التي تُدارِي نفسها. ونحن نرى في البساتين الكبيرة شجرةً في حجم الإصْبع؛ وهي مجدولةٌ على شجرة أخرى كبيرة. ولا تستطيع أن تتعرف على ورقة منها، أو أن تنسب تلك الورقة إلى مكان خروجها، ومن أيّ فرع في الشجرة المُلتْفة إلا إذا نزعتها من حول الشجرة التي تلتفّ من حولها. ومَنْ يُبيِّت إنما يشهد على نفسه بالجُبْن والضعف وعدم القدرة على المواجهة، قد يصلح أن تُبيِّت مُسَاوٍ لك؛ أما أنْ تُبّيت على الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؛ فتلك هي الخيبة بعينها. ولذلك يقول الحق سبحانه في مواجهة ذلك: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54]. وقال عن مَكْر هؤلاء: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43]. ونعلم أننا حين ننسب صِفةً لله فنحن نأخذها في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. وعادة ما ننسب كل فعل من الله للخير، كقوله سبحانه: {أية : وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} تفسير : [الأنبياء: 89]. {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54]. وقوله هنا: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ..} [إبراهيم: 46]. أي: قاموا بالتبييت المناسب لحيلتهم ولتفكيرهم ولقوتهم؛ فإذا ما قابل الحق سبحانه ذلك؛ فلسوف يقابله بما يناسب قوته وقدرته المطلقة، وهو سبحانه قد علم أزلاً بما سوف يمكرونه، وتركهم في مَكْرهم. فانتصارات الرسالات مرهونٌ بقوة المُرْسَل وأتباعه، وهم يقابلون خصوماً هُم حيثية وجود الرسالة؛ ذلك أنهم قد ملأوا الأرض بالفساد، ويريدون الحفاظ على الفساد الذي يحفظ لهم السلطة؛ والدين الجديد سيدُكُّ سيادتهم ويُزلزلها؛ لذلك لا بُدَّ ألاّ يدخروا وُسْعاً في محاولة الكَيْد والإيقاع بالرسول للقضاء على الرسالة. وقد حاولوا ذلك بالمواجهة وقت أنْ كان الإسلام في بدايته؛ فأخذوا الضعاف الذين أسلموا، وبدءوا في تعذيبهم؛ ولم يرجع واحد من هؤلاء عن الدين. وحاولوا بالحرب؛ فنصر الله الذين آمنوا، ولم يَبْق لهم إلا المَكْر، وسبحانه القائل: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. وحاولوا أن يفسدوا خليّة الإيمان الأولى، وهي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وظنُّوا أنهم إنْ نجحوا في ذلك؛ فسوف تنفضُّ الرسالة. فحاولوا أن يشتروه بالمال؛ فلم يُفلحوا. وحاولوا أن يشتروه بالسيادة والمُلْك فلم ينجحوا، وقال قولته المشهورة: "حديث : والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ". تفسير : ثم قرروا أن يقتلوه وأن يُوزِّعوا دمه بين القبائل، وأخذوا من كل قبيلة شاباً ليضربوا محمداً صلى الله عليه وسلم بالسيوف ضَرْبة رجلٍ واحد ولكنه صلى الله عليه وسلم يهاجر في تلك الليلة، وهكذا لم ينجح تبييتهم: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ..} [إبراهيم: 46]. أي: أنه سبحانه يعلم مكرهم. ويتابع سبحانه قائلاً: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} [إبراهيم: 46]. أي: اطمئن يا محمد، فلو كان مكرهم يُزيل الجبال فلنْ ينالوك، والجبال كانت أشد الكائنات بالنسبة للعرب، فلو كان مكرهم شديداً تزول به الجبال، فلن يُفلِحوا معك يا رسول الله، ولن يُزَحزِحوك عن هدفك ومهمتك. والحق سبحانه يقول: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الحشر: 21]. وإذا كان مكرهم يبلغ من الشدة ما تزول به الجبال؛ فاعلم أن الله أشدُّ بَأْساً. ويُقدِّم سبحانه من بعد ذلك حيَثْية عدم فاعلية مَكْرهم، فيقول: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 467 : 7 : 20 - سفين قال، كانت قرآءة عبد الله {وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال}. [الآية 46].

همام الصنعاني

تفسير : 1420- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}: [الآية: 46]، قال: ذلك حين دَعوا لله ولداً. وقال في آية أخرى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}تفسير : : [مريم: 90-91]. 1421- قال مَعْمَر، عن الحسن: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}: [الآية: 46]، قال: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. 1422- عبد الرزاق، قال مَعْمَر، وأخبرني الكلبي: أن نمرودَ عمدَ إلى صندوق فجعل فيه رجُلاً وجعل في نواحيه نسُوراً، وجعل في وسطه رمحاً وفي طرف الرمحِ لحماً، فكانت النُّسوُ تلحق اللحم وهي تصْعَدُ بالصُندوق حتى خَالَطَ الرجل الظلمة. فلم ير شيئاً، فنكس الرمح فانحطت النسور حتى وقعت قريباً من جبل، فَظَنَّ الجبل أنَّه حَدَث شيء فزال الجبل من مكانِهِ.