Verse. 1797 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

فَلَا تَحْسَبَنَّ اللہَ مُخْلِفَ وَعْدِہٖ رُسُلَہٗ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَزِيْزٌ ذُو انْتِقَامٍ۝۴۷ۭ
Fala tahsabanna Allaha mukhlifa waAAdihi rusulahu inna Allaha AAazeezun thoo intiqamin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا تحسبنَّ الله مخلف وعده رسله» بالنصر «إن الله عزيز» غالب لا يعجزه شيء «ذو انتقام» ممن عصاه.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: { أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [إبراهيم: 42] وقال في هذه الآية: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين، لزم إما كونه غافلاً وإما كونه مخلفاً في الوعد، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلاً وقوله: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } يعني قوله: { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } تفسير : [غافر: 51] وقوله: { أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21]. فإن قيل: هلا قيل مخلف رسله وعده، ولم قدم المفعول الثاني على الأول؟ قلنا: ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، إن الله لا يخلف الميعاد، ثم قال: {رُسُلَهُ } ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته، وقرىء: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بجر الرسل ونصب الوعد، والتقدير: مخلف رسله وعده، وهذه القراءة في الضعف، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزاً } أي غالب لا يماكر ذو انتقام لأوليائه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} ٱسم الله تعالى و «مخلف» مفعولا تحسب؛ و «رُسُلَهُ» مفعول «وَعْدِهِ» وهو على الاتساع، والمعنى: مخلف وعدِه رسلَه؛ قال الشاعر:شعر : تَرَى الثَّوْرَ فيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رأسَهُ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَّمْسِ أَجْمَعُ تفسير : قال القُتَبيّ: هو من المقدّم الذي يوضحه التأخير، والمؤخّر الذي يوضحه التقديم، وسواء في قولك: مخلف وعدِه رسلَه، ومخلف رسلِه وعدَه. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} أي من أعدائه. ومن أسمائه المنتقم وقد بيّناه في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مقرراً لوعده ومؤكداً: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} أي: من نصرتهم في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة، لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا يغالب، وذو انتقام ممن كفر به وجحده {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } تفسير : [المرسلات: 15]، ولهذا قال: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} أي: وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، وهي هذه، على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ، ليس فيها مَعْلَم لأحد»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ عن داود عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة: أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «حديث : على الصراط»تفسير : ، رواه مسلم منفرداً به دون البخاري، والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به، وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه أحمد أيضاً عن عفان عن وهيب عن داود، عن الشعبي، عنها، ولم يذكر مسروقاً. وقال قتادة: عن حسان بن بلال المزني عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} قالت: قلت: يا رسول الله فأين الناس يومئذ؟ قال: «حديث : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم»تفسير : وروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة عن مجاهد، عن ابن عباس: حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر: 67] فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «حديث : هم على متن جهنم»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، سمعت الحسن قال: قالت عائشة: يا رسول الله {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} فأين الناس يومئذ؟ قال: «حديث : إن هذا شيء ما سألني عنه أحد - قال - على الصراط يا عائشة»تفسير : ، ورواه أحمد عن عفان عن القاسم بن الفضل، عن الحسن به. وقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني الحسن بن علي الحلواني، حدثني أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد، يعني: أخاه أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرحبي: أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال: كنت نائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي» تفسير : فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أينفعك شيئاً إن حدثتك؟» تفسير : قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه، فقال:«حديث : سل»تفسير : فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هم في الظلمة دون الجسر» تفسير : قال: فمن أول الناس إجازة؟ فقال: «حديث : فقراء المهاجرين»تفسير : ، فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: «حديث : زيادة كبد النون» تفسير : قال: فما غذاؤهم في أثرها؟ قال: «حديث : ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» تفسير : قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «حديث : من عين فيها تسمى سلسبيلاً»تفسير : . قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال: حديث : أينفعك إن حدثتك؟ تفسير : قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد، قال: «حديث : ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل منيّ المرأة، أذكرا بإِذن الله تعالى، وإذا علا منيّ المرأة مني الرجل، أنثا بإذن الله» تفسير : قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به»تفسير : قال أبو جعفر بن جرير الطبري: حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن حبراً من اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: «حديث : أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به. وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون، وربما قال: قال عبد الله، وربما لم يقل، فقلت له: عن عبد الله؟ فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} قال: أرض كالفضة البيضاء نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا، قال: أراه قال: قياماً حتى يلجمهم العرق. وروي من وجه آخر عن شعبة عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود بنحوه، وكذا رواه عاصم عن زر عن ابن مسعود به. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون: لم يخبر به، أورد ذلك كله ابن جرير. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عَتَّاب، حدثنا جرير بن أيوب عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} قال: «حديث : أرض بيضاء لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة» تفسير : ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس بالقوي، ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن سنان عن جابر الجعفي، عن أبي جبيرة عن زيد قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود، فقال: «حديث : هل تدرون لم أرسلت إليهم؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة» تفسير : فلما جاؤوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي، وهكذا روي عن علي وابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر: أنها تبدل يوم القيامة بأرض بيضاء من فضة. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: تصير الأرض فضة والسموات ذهباً. وقال الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب، قال: تصير السمٰوات جناناً. وقال أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي أو عن محمد بن قيس في قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم، وكذا روى وكيع عن عمر بن بشير الهمداني عن سعيد بن جبير في قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه. وقال الأعمش عن خيثم قال: قال عبد الله بن مسعود: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة من ورائها، ترى كواعبها، وأكوابها، ويلجم الناس العرق، أو يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب. وقال الأعمش أيضاً عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض عرقاً حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب، قالوا: مم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ويلقون. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن كعب في قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} قال: تصير السمٰوات جناناً، ويصير مكان البحر ناراً، وتبدل الأرض غيرها. وفي الحديث الذي رواه أبو داود: «حديث : لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر ناراً أو تحت النار بحراً» تفسير : وفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يبدل الله الأرض غير الأرض، والسمٰوات، فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ثم يزجر الله الخلق زجرة، فإذا هم في هذه المبدلة»تفسير : . وقوله: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ} أي: خرجت الخلائق جميعها من قبورهم لله {ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي: الذي قهر كل شيء وغلبه، ودانت له الرقاب، وخضعت له الألباب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بالنصر {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب لا يعجزه شيء {ذُو ٱنتِقَامٍ } ممن عصاه.

الشوكاني

تفسير : {مُخْلِفَ } منتصب على أنه مفعول {تحسبنّ}، وانتصاب {رسله} على أنه مفعول {وعده}، قيل: وذلك على الاتساع، والمعنى: مخلف رسله وعده. قال القتيبي: هو من المقدّم الذي يوضحه التأخير. والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وسواء في ذلك مخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده، ومثل ما في الآية قول الشاعر:شعر : ترى الثور فيها مدخل الظلّ رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع تفسير : وقال الزمخشري: قدّم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله:{أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 9]. ثم قال {رسله} ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته. والمراد بالوعد هنا: هو ما وعدهم سبحانه بقوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }تفسير : [غافر: 51] و {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21]. وقرىء "مخلف وعدهَ رسِله" بجرّ {رسله} ونصب {وعده}. قال الزمخشري: وهذه القراءة في الضعف كمن قرأ: {أية : قتل أولادهم شركائهم}تفسير : [الأنعام: 137]. {إنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب لا يغالبه أحد {ذُو ٱنتِقَامٍ } ينتقم من أعدائه لأوليائه والجملة تعليل للنهي، وقد مرّ تفسيره في أوّل آل عمران. {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } قال الزجاج: انتصاب {يوم} على البدل من {يوم يأتيهم}، أو على الظرف للانتقام. انتهى. ويجوز أن ينتصب بمقدّر يدل عليه الكلام، أي: واذكر، أو وارتقب، والتبديل قد يكون في الذات، كما في: بدّلت الدراهم دنانير، وقد يكون في الصفات كما في: بدّلت الحلقة خاتماً. والآية تحتمل الأمرين. وقد قيل: المراد: تغير صفاتها. وبه قال الأكثر، وقيل تغير ذاتها، ومعنى {*والسمٰوات} أي: وتبدّل السمٰوات غير السمٰوات على الاختلاف الذي مرّ {وَٱلسَّمَـٰوٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي: برز العباد لله، أو الظالمون كما يفيده السياق، أي: ظهروا من قبورهم، أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه. والتعبير على المستقبل بلفظ الماضي للتنبيه على تحقق وقوعه كما في قوله: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [يس: 51، الزمر: 68، ق: 20] و{الواحد القهار} المتفرد بالألوهية الكثير القهر لمن عانده. {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } معطوف على {برزوا} أو على {تبدّل}، والمجيء بالمضارع لاستحضار الصورة، والمجرمون هم: المشركون، و{يومئذٍ} يعني: يوم القيامة، و {مُقْرِنِينَ } أي: مشدودين إما بجعل بعضهم مقروناً مع بعض، أو قرنوا مع الشياطين، كما في قوله: {أية : نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }تفسير : [الزخرف: 36]. أو جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم، والأصفاد: الأغلال، والقيود. والجار والمجرور متعلق بمقرّنين، أو حال من ضميره. يقال: صفدته صفداً، أي: قيدته، والاسم: الصفد، فإذا أردت التكثير، قلت صَفَّدته. قال عمرو بن كلثوم:شعر : فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا تفسير : وقال حسان بن ثابت:شعر : من بين مأسور يشدّ صفاده صقر إذا لاقى الكريهة حامي تفسير : ويقال: صفدته وأصفدته: إذا أعطيته. ومنه قول النابغة:شعر : ولم أعرّض أبيت اللعن بالصفد تفسير : {سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } السرابيل: القُمص، واحدها سربال. ومنه قول كعب بن مالك:شعر : تلقاكم عصب حول النبيّ لهم من نسج داود في الهيجا سرابيل تفسير : والقطران: هو قطران الإبل الذي تهنأ، به أي: قمصانهم من قطران تطلى به جلودهم، حتى يعود ذلك الطلاء كالسرابيل. وخصّ القطران لسرعة اشتعال النار فيه مع نتن رائحته. وقال جماعة: هو النحاس، أي: قمصانهم من نحاس. وقرأ عيسى بن عمر "من قطران" بفتح القاف، وتسكين الطاء. وقرىء بكسر القاف وسكون الطاء. وقرىء بفتح القاف والطاء. رويت هذه القراءة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويعقوب وهذه الجملة في محل نصب على الحال {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } أي: تعلو وجوههم وتضر بها؛ وخص الوجوه؛ لأنها أشرف ما في البدن، وفيها الحواس المدركة، والجملة في محل نصب على الحال أيضاً، و {لّيَجْزِىَ ٱللَّهُ } متعلق بمحذوف، أي: يفعل ذلك بهم ليجزي {كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } من المعاصي، أي: جزاء موافقاً لما كسبت من خير أو شرّ {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لا يشغله عنه شيء. وقد تقدّم تفسيره. {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ } أي: هذا الذي أنزل إليك بلاغ، أي: تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير. قيل: إن الإشارة إلى ما ذكره سبحانه هنا من قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً } إلى{سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي: هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة. وقيل: الإشارة إلى جميع السورة. وقيل: إلى القرآن. ومعنى: {لِلنَّاسِ } للكفار، أو لجميع الناس على ما قيل في قوله: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ}، {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } معطوف على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا به، والمعنى: وليخوفوا به، وقرىء (ولينذروا) بفتح الياء التحتية والذال المعجمة. يقال: نذرت بالشيء أنذر: إذا علمت به فاستعددت له. {وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } أي: ليعلموا بالأدلة التكوينية المذكورة سابقاً وحدانية الله سبحانه، وأنه لا شريك له {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: وليتعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات متعلقة بمحذوف، والتقدير: وكذلك أنزلنا، أو متعلقة بالبلاغ المذكور، أي: كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحجج والبراهين وحدانيته سبحانه، وأنه لا شريك له، وليتعظ بذلك أصحاب العقول التي تعقل وتدرك. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ } قال: عزيز والله في أمره، يملي وكيده متين، ثم إذا انتقم انتقم بقدرة. وأخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان، قال: «جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في "الظلمة دون الجسر". وأخرج مسلم أيضاً وغيره من حديث عائشة، قالت: أنا أوّل من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } قالت: أين الناس يومئذٍ؟ قال: حديث : على الصراط»تفسير : . وأخرج البزار، وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وابن عساكر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قول الله {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } قال: «حديث : أرض بيضاء، كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل بها خطيئة»تفسير : . وأخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عنه موقوفاً نحوه، قال البيهقي: والموقوف أصح. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: أتى اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : جاءوني يسألونني وسأخبرهم قبل أن يسألوني {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } قال: أرض بيضاء كالفضة، فسألهم فقالوا: أرض بيضاء كالنقيّ»تفسير : . وأخرج ابن مردويه مرفوعاً عن عليّ نحو ما تقدّم عن ابن مسعود. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن أنس موقوفاً نحوه، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة، وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي»تفسير : وفيهما أيضاً من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده...»تفسير : الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } قال: الكبول. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة في {الأصفاد} قال: القيود والأغلال. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: في السلاسل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فِى ٱلأَصْفَادِ } يقول: في وثاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي {سَرَابِيلُهُم } قال: قمصهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {مّن قَطِرَانٍ } قال: قطران الإبل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: هذا القطران يطلى به حتى يشتعل ناراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو النحاس المذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قرأ {مّن قَطِرَانٍ } فقال: القطر: الصفر، والآن: الحارّ. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة نحوه. وأخرج مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لّلنَّاسِ } قال: القرآن، {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } قال: القرآن.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{يوم تبدل الأرض غير الأرض}فيه قولان: أحدهما: أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة، لم تعمل عليها خطيئة، قاله ابن مسعود. وقال ابن عباس: تبدل الأرض من فضة بيضاء. الثاني: أنها هي هذه الأرض، وإنما تبدل صورتها ويطهر دنسها، قاله الحسن. {السمواتُ}فيها ستة أقاويل: أحدها: أن السموات تبدل بغيرها كالأرض فتجعل السماء من ذهب، والأرض من فضة، قاله علي بن أبي طالب. الثاني: أن السموات تبدل بغيرها كالأرض، فتصير السموات جناناً والبحار نيراناً وتبدل الأرض بغيرها، قاله كعب الأحبار. الثالث: أن تبديل السموات تكوير شمسها وتكاثر نجومها، قاله ابن عيسى. الرابع: أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتب، قاله القاسم بن يحيى. الخامس: أن تبديلها أن تنشق فلا تظل، قاله ابن شجرة. السادس: أن تبديلها اختلاف أحوالها، تكون في حال كالمهل، وفي حال كالوردة، وفي حال كالدهان، حكاه ابن الأنباري. {وبرزوا لله الواحد القهار}أي صاروا إلى حكم الله تعالى وأمره فروى الحسن قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله يوم تبدَّل الأرض غير الأرض أين الناس يومئذٍ؟ قال "حديث : إن هذا الشيء ما سألني عنه أحد ثم قال على الصراط يا عايشة ".

البقاعي

تفسير : ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في أن المراد الأمة لبلوغ الأمر كل مبلغ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم: {فلا تحسبن الله} أي الذي له الكمال كله، فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل {مخلف وعده رسله} في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم، ويسكن أولياءه الأرض من بعدهم؛ ثم علل ذلك بقوله - مؤكداً لأن كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي الأيام تعرّض السامع للإنكار: {إن الله} أي ذا الجلال والإكرام {عزيز} أي يقدر ولا يقدر عليه {ذو انتقام *} ممن يخالف أمره. ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، وكان أعظم يوم يظهر فيه الانتقام، بينه بقوله: {يوم تبدل} أي تبديلاً غريباً عظيماً {الأرض} أي هذا الجنس {غير الأرض} أي التي تعرفونها {والسماوات} بعد انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها؛ والتبديل: تغيير الشيء أو صفته إلى بدل {وبرزوا} أي الظالمون الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعرضون على الله للحساب؛ والبروز: ظهور الشخص مما كان ملتبساً به {لله} أي الذي له صفات الكمال {الواحد} الذي لا شريك له {القهار *} الذي لا يدافعه شيء عن مراده، فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك: روى مسلم والترمذي حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض} الآية قلت: يا رسول الله فأين يكون للناس يومئذ؟ قال: على الصراط . تفسير : ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال: {وترى المجرمين} أي وتراهم، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي؛ والإجرام: قطع ما يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز {يومئذ} أي إذ كانت هذه الأمور العظام {مقرنين} أي مجموعاً كل منهم إلى نظيره، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعاً فيه شدة وضيق {في الأصفاد *} أي القيود، والمراد هنا الأغلال، أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقرنون فيها مع أشكالهم؛ ثم بين لباسهم بقوله: {سرابيلهم} أي قمصهم السابغة {من قطران} وهو ما يهنأ به الإبل، ومن شأنه أنه سرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح. ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار، بين أنه يسلطها عليهم فقال: {وتغشى} ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان، فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه، ذكره وقدمه تعجيلاً لإفهام الإهانة فقال: {وجوههم النار} أي تعلوها باشتعالها، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرامها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم، فقال معبراً بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع، لاقتضاء سياق القهر لهما: بـ {ليجزي الله} أي الذي له الكمال كله {كل نفس} طائعة أو عاصية. ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء، لأن ذلك أبدع وأدق في الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب، والقبيحة عند إرادة العقاب، فلذلك أسقط الباء - التي ستذكر في "حم المؤمن" وقال: {ما كسبت} والجزاء: مقابلة العمل بما يقتضيه من خير أو شر؛ والكسب: فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر، ومن جزاء المؤمن عقوبة من عاداه في الله. ولما كان حساب كل نفس جديراً بأن يستعظم، قال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة المطلقة {سريع الحساب *} أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا شأن عن شأن. ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء، وأخرست الفصحاء، وبهرت العقول، ترجمها سبحانه بما يصلح عنواناً لجميع القرآن فقال: {هذا} أي الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور {بلاغ} أي كافٍ غاية الكفاية في الإيصال {للناس} ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم، فإن مادة "بلغ" بأي ترتيب كان - تدور على الوصول، وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء الناشىء عن الضعف: بلغ المكان بلوغاً: وصل إليه؛ وبُلغ الرجل - كعني: جهد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كنه ضميره، والبلاغ - كسحاب: الكفاية، لأنها توصل إلى القصد، وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر، وتبلغت به العلة: اشتدت. والغلباء: الحديقة المتكاثفة، ومن القبائل: العزيزة الممتنعة، والأغلب: الأسد. ولغب: أعيا - لاجتهاده في البلوغ، واللغب: ما بين الثنايا من اللحم، واللغب - ككتف: الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء، وكذا الضعيف الأحمق، والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب - بالضم، والتغلب: طول الطرد. والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد، وبغل تبغيلاً: بلّد وأعيا، والإبل: مشت بين الهملجة والعنق. ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة، عطف عليه النذارة بانياً للمفعول، لأن النافع مطلق النذارة، وكل أحد متأهل لأن يكون واعظاً به مقبولاً، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام، فقال: {ولينذروا} أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة {به} فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا. ولما أشار إلى جميع الفروع فعلاً وتركاً، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول، صرح به على حدته لجلالته في قوله: {وليعلموا أنما هو} أي الإله {إله واحد} فيكون همهم واحداً. ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلاً وفرعاً، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات، والبطش بمن خالفه من الأمم، وأشار إلى أن أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل، فأدغم تاء التفعل، فقال: {وليذكر} أي منهم {أولوا الألباب *} أي الصافية، والعقول الوافية، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة. ويعلموا - بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى بأن يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحداً منهم بما كسب، فيكون ذلك منه انسلاخاً من رتبة الحكم التي هي خاصته، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين، فقد تكفلت هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولاً وفروعاً، وعلم الحقيقة نهايات وشروعاً، على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر السورة على أولها، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب.

ابو السعود

تفسير : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} لم يرَدْ به والله سبحانه أعلم ما وعده بقوله تعالى: { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} تفسير : [غافر: 51] الآية، وقولِه: { أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى} تفسير : [المجادلة: 21] كما قيل فإنه لا اختصاصَ له بالتعذيب لا سيما الأخرويُّ، بل ما سلف آنفاً من وعده بتعذيب الظالمين بقوله تعالى: { أية : إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 42] الآية، كما يُفصح عنه الفاءُ الداخلة على النهي الذي أريد به تثبـيتُه عليه الصلاة والسلام على ما كان عليه من الثقة بالله تعالى والتيقّن بإنجاز وعدِه المذكور المقرونِ بالأمر بإنذارهم يوم إتيانِ العذاب المتضمِّنِ لذكر تعذيبِ الأممِ السالفة، بسبب كفرِهم وعصيانِهم رسلَهم بعد ما وعدهم بذلك كما فُصّلت قصةُ كل منهم في القرآن العظيم، فكأنه قيل: وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة، وأخبرناك بما يلقَوْنه من الشدائد، وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا، وبما أجَبْناهم به وقرَعناهم بعدم تأملِهم في أحوال من سبَقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعد ما وعدنا رسلَهم بإهلاكهم، فدُمْ على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافِنا رسلَنا وعدَنا {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ لا يماكَر وقادرٌ لا يقادَر {ذُو ٱنتِقَامٍ} لأوليائه من أعدائه، والجملةُ تعليلٌ للنهي المذكور وتذيـيلٌ له، وحيث كان الوعدُ عبارةً عما ذكرنا من تعذيبهم خاصة لم يذيَّل بأن يقال: إن الله لا يخلف الميعاد، بل تعرض لوصف العزة والانتقامِ المُشعِرَين بذلك، والمرادُ بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبّر عنه بالمكر.

القشيري

تفسير : أي لا تحسبنَّه يخلف رسله وعده؛ لأنه لا يخلف الوعد لصدقه في قوله، وله أن يعذبهم بما وعدهم لحقِّه في مُلْكِه، وهو {عَزِيزٌ} لا يصل إليه أحد، وإن كان ولياً. {ذُو ٱنْتِقَامٍ} لا يفوته أحد وإن كان (... ).

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} بتعذيب الظالمين ونصر المؤمنين واصله مخلف رسله وعده وقدم المفعول الثانى اعلامه بان لا يخلف وعده احدا فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها. والمعنى دم على ما كنت عليه من اليقين بعدم اخلافنا رسلنا وعدنا {ان الله عزيز} غالب لا يماكر قادر لا يدافع {ذو انتقام} لاوليائه من اعدائه. قال فى القاموس انتقم منه عاقبه. [ودر معالم از مرتضى على رضى الله عنه نقل ميكند كه اين آيت درقصه نمرود جباراست كه جون سلامت ابراهيم از آتش مشاهده كرد كفت بزرك خدايى دارد ابراهيم كه اورا از آتش رهانيد من خواهم كه برآسمان روم واورا به بينم اشراف مملكت كفتند كه آسمان بغايت مرتفع است وبدو رفتن با آسانى ميسر نشود نمرود نشنيد وفرمود تاصرحى سازند درسه سال بغايت بلندكه ارتفاع آن بنجهزار كزبود ودو فرسخ عرض آن بود وجون برانجا رفت آسمانرا همجنان ديدكه در زمين ميديد روز ديكر آن بنا بنهاد وبادى مهيب بوزيد وآن بنارا از بيخ وبنياد بكند وجون آن صرح از باى در آمد وخلق بسيار هلاك شد نمرود خشم كرفت وكفت برآسمان روم وباخداى ابراهيم كه مناره مرا بيفكند جنك كنم بس جهار كركس برورش داد تاقوت تمام كرفتند وصندوقى جهار كوشة ساخت ودو دريكى فوقانى وديكرى تحتانى در راست كرد برجهار طرف او جها نيزه كه زير وبالا توانستى شد تعبيه نمود بس كركسانرا كرسنه داشتند وجهار مردار برسر نيزها كرده اطراف صندوق را برتن كركسان بستند ايشان ازغايت جوع ميل ببالا كرده جانب مردار برواز نمودند وصندوق راكه نمرود بايك تن در آنجا بود بهوا بعد ازشبانروزى نمرود در فوقانى كشاده آسمانرا برهمان حال ديد كه برزمين ميديد رفيق را كفت تادر تحتانى بكشاد كفت بنكر تاجه مى بينى آنكس نكاه كرد وجواب دادكه روز ستبق مشاهده نمود ورفيق كه باب تحتانى بكشود بجزدود وتاريكى جيزى مشهود نبود نمرود بترسيدى] فنودى ايها الطاغى اين تريد. قال عكرمة كان معه فى التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرمى بسهم فعاد اليه السهم متلطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر فىالهواء وقيل طائر اصابه السهم فقال كفيت شغل اله السماء ثم امر نمرود صاحبه ان يصوب الخشبات وينكس اللحم ففعل فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال هفيف التابوت والنسور ففزعت فظنت انه قد حدث حادث فى السماء وان الساعة قد قامت فكادت تزول عن اماكنها وهو المراد من مكرهم. يقال ان نمرود اول من تجبر وقهر وسن سنن السوء واول من لبس التاج فاهلكه الله ببعوضة دخلت فى خياشيمه فعذب بها اربعين يوما ثم مات شعر : سوى اوخصمى كه تير انداخته بشه كارش كفايت ساخته تفسير : وفى المثنوى شعر : اى خنك انراكه ذلت نفسه واى آن كزسركشى شد جون كه او بندكى اوبه از سلطانى است كه انا خيردم شيطانى است فرق بين وبركزين تواى جليس بندكى آدم از كبر بليس تفسير : ايها المؤمنون اين الانبياء والمرسلون واين الاولياء المقربون واين الملوك الماضية والجبارون المتكبرون ما لكم لا تنظرون اليهم ولا تعتبرون فاجتهدوا فى الطاعات وان كنتم تعقلون واتقوا يوم ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون

الطوسي

تفسير : قرىء في الشواذ {مخلف وعدَه رسلِه} وهي شاذة رديئة، لأنه لا يجوز ان يفصل بين المضاف والمضاف إِليه، وانشد الفراء: شعر : فزججتها بمزجة زج القلوص ابي مزاده تفسير : والمعنى زج ابي مزادة القلوص، والصحيح ما عليه القراء، وتقديره مخلف وعده رسله، كما تقول هذا معطي زيد درهماً، والمعنى مخلف رسله وعده. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {لا تحسبن الله} اي لا تظنه مخلف ما وعدك به من الظفر بهم والظهور عليهم، فانه لا يخلف ما وعد رسله به. ثم أخبر ان الله تعالى قادر لا يغالب ينتقم ممن يكفر بنعمه ويكذب انبيائه. والانتقام هو العقاب. {يوم تبدل الأرض غير الأرض} العامل في {يوم} الانتقام، وتقديره ذو انتقام يوم تبدل. والتبديل التغيير برفع الشيء الى بدل. وقيل ان تبديل الارض بغيرها برفع الصورة التي كانت عليها الى صورة غيرها. وقال ابن عباس ومجاهد وأنس بن مالك وابن مسعود: يبدل الله هذه الارض بأرض بيضاء كالفضة، لم يعمل عليها خطيئة. والاول قول الحسن. وقوله {والسمٰوات} تقديره تبدل السمٰوات غير السمٰوات وحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل تبديل الارض بتسيير الجبال وتفجير بحارها وكونها مستوية {أية : لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} تفسير : وتبديل السمٰوات انتشار كواكبها، وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها. وقوله {وبرزوا لله الواحد القهار} معناه يظهرون من قبورهم. والبروز الظهور وبرز يبرز بروزاً، فهو بارز، وبارز قرنه مبارزة {لله الواحد القهار} والمعنى الواحد لا شبه له ولا نظير. والقهار المالك الذي لا يضام.

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بوعد النّصرة واسكان الارض من غير معاند {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} فى موضع التّعليل.

الهواري

تفسير : قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} أي: ما وعدهم من النصر في الدنيا والجنة في الآخرة { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} أي: عزيز في نقمته، ذو انتقام من أعدائه بعذابه. قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} أي: قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: تبدَّل الأرض بيضاء كأنها فضة لم يعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها محجمة من دم حرام. وبرزوا حفاة عراة كما خلقوا حتى يلجهم العرق، و (أية : لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) تفسير : [هود:105]. ذكروا عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} وقوله: (أية : وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ) تفسير : [الزمر:67]، فأين يكون الناس يومئذٍ؟ قال: حديث : هم يومئذٍ على جسر جهنم . تفسير : قوله: { وَتَرَى المُجْرِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين { يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} أي: في السلاسل؛ كل إنسان وشيطانه الذي كان قرينه في الدنيا في سلسلة واحدة. { سَرَابِيلُهُم} [أي: قمصهم] {مِّن قَطِرَانٍ}. قال الحسن: القَطِرَان الذي تُطلى به الإِبل. قال: (أية : قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ) تفسير : [سورة الحج:19]. وهي نار. وقال مجاهد: {مِنْ قِطْرٍ آنٍ}، يقول: من صفر حارٌ قد انتهى حرّه. {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ}. وقال في آية أخرى: (أية : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ) تفسير : [الزمر: 24] أي: يُجَر على وجهه في النار. {لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي: ما عملت. {إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}. قال بعضهم: يقضي بين الخلق يوم القيامة في قدر نصف يوم من أيام الدنيا. وقال في آية أخرى: (أية : وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ) تفسير : [الأنعام: 62].

اطفيش

تفسير : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بالنصر وإعلاء كلمة الدين ووعده مفعول ثان قدم وأُضيف إِليه مخلف ورسله مفعول أول وإِنما قدم الوعد اعتناء به من حيث أنه لا يخلف الوعد أصلا سواء كان رسله أم لا، وإِذا كان لا يخلف وعده أحدا فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوة خلقه، والكلام فى النهى عن حسبان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخلفا كالكلام فى النهى عن حسبانه غافلا وقد مر وقرىء بنصب وعد على أنه مفعول ثان، وجر رسل على إِضافة مخلف إليه وفصل بينهما، قال ابن هشام يجوز الفصل فى السعة بين المضاف والمضاف إِليه فى ثلاث مسائل إِحداها أن يكون المضاف مصدراً والمضاف إِليه فاعله والفاصل إِما مفعوله وإِما ظرفه، الثانية أن يكون المضاف وصفا والمضاف إِليه إِما مفعوله الأَول والفاصل مفعوله الثانى كقراءة بعضهم فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله أو ظرفه، الثالثة أن يكون الفاصل قسماً {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ} غالب لا يقدر أحد على المكر به ولا يرد ما أراد {ذُو انتِقَامٍ} لأَوليائه من أعدائه.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} إذا تقرر أن مكرهم مكتوب عند الله، وأنه مجازيهم عليه وأن مكرهم لا يزول به ما هو كالجبال، وهو دين الله فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله وأَنت من رسله فلا يخلف وعدك بالنصر "أية : إنا لننصر رسلنا" تفسير : [غافر: 51] "أية : كتب الله لأَغلبن أنا ورسلى"تفسير : [المجادلة: 21] ووعده مفعول ثان قدم الوعد وأُضيف إليه مخلف تخفيفاً، وإِنما قدم على طريق الاعتناءِ به وأنه المقصود بالإفادة، كما قدم شركاءَ على الجن فى قوله:"أية : وجعلوا لله شركاءَ الجن"تفسير : [الأنعام: 100] لأًن الاعتناءَ بذم الإشراك أقوى من ذم من يجعلونه شريكا، وأدخل فى القصد بالإفادة، كذلك نفى خلف الوعد أدخل فى القصد من كون المخلف رسله لأن عدم خلفه نفى لصفة الذم عنه فهو أحق مطلقاً، فيتفرع عنه أنه فى حق الرسل أولى من غيرهم، والمفعول الأول فى غير باب ظن هو الذى هو فاعل فى المعنى، والرسل يأْخذون الوعد فهم الأول، وأَولى من هذا أن الأول هو الوعد؛ لأَنه المتخلف {إِنَّ الله عَزِيزٌ} غالب لا يغلب مكر ما مكر، ولا دافع عما أراد {ذُو انْتِقامٍ} من أعدائِه الظالمين لأوليائِه المظلومين.

الالوسي

تفسير : {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} تثبيت له صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه من الثقة بالله سبحانه والتيقن بانجاز وعده تعالى بتعذيب الظالمين المقرون/ بالأمر بإنذارهم كما يفصح عنه الفاء، وقال الطيبـي: واستحسنه التلميذ أنه يجوز أن يحمل الوعد على المفاد بقوله تعالى: {أية : وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ } تفسير : [إبراهيم: 46] وقد جعله وجهاً آخر لما ذكره الزمخشري من تفسيره له بقوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } تفسير : [غافر: 51] و {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وفيه نظر لأنه لا اختصاص لذلك ـ كما قيل ـ بالتعذيب لا سيما الأخروي، وإضافة {مُخْلِفَ} إلى الوعد عند الجمهور من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول الثاني كقولهم: هذا معطى درهم زيداً، وهو لما كان يتعدى إلى اثنين جازت إضافته إلى كل منهما فينصب ما تأخر، وأنشد بعضهم نظيراً لذلك قوله:شعر : ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع تفسير : وذكر أبو البقاء أن هذا قريب من قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار. وفي «الكشاف» أن تقديم الوعد ليعلم أنه تعالى لا يخلف الوعد أصلاً كقوله سبحانه: {أية : لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 9] ثم قال جل شأنه: {رُسُلَهُ } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته. ونظر فيه ابن المنير بأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع (احتمال) إطلاقه (وهو هنا كذلك) فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأن الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد سبحانه على ألسنة رسله عليهم السلام فالمهم ذكر الوعد وكونه على ألسنة الرسل عليهم السلام لا يتوقف عليه التهديد والتخويف. وقال صاحب «الإنصاف»: أن هذا النظر قوي إلا أن ما اعترض عليه هو القاعدة عند أهل البيان، كما قال الشيخ عبد القاهر في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } تفسير : [الأنعام: 100] أنه قدم {شُرَكَاء} للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله تعالى شركاء مطلقاً ثم ذكر {ٱلْجِنَّ} تحقيراً أي إذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا. وتعقب بأنه لا يدفع السؤال بل يؤيده، وكذا ما ذكره الفاضل الطيبـي فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في «الكشف» من أن ذلك الإعلام إنما نشأ من جعل الاهتمام بشأن الوعد فهو ما سيق له الكلام وما عداه تبع، وإفادة هذا الأسلوب الترقي كإفادة {أية : ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } تفسير : [طه: 5] الإجمال والتفصيل. نعم إن الظاهر من حال صاحب «الكشاف» أنه أضمر فيما قرره اعتزالاً وهذه مسألة أخرى، وقيل: {مُخْلِفَ} هنا متعد إلى واحد كقوله تعالى: {أية : لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 9] فأضيف إليه وانتصب {رُسُلَهُ} بوعده إذ هو مصدر ينحل إلى أن والفعل وقرأت فرقة {مخلف وعده رسله} بنصب {وعده} وإضافة {مخلف } إلى {رسله} ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهذه القراءة تؤيد إعراب الجمهور في القراءة الأولى وأنه مما يتعدى {مُخْلِفَ} هنا إلى مفعولين. {إنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب لا يماكر وقادر لا يقادر {ذُو ٱنتِقَامٍ} من أعدائه لأوليائه فالجملة تعليل للنهي المذكور وتذييل له، وحيث كان الوعد عبارة عن تعذيبهم خاصة كما مرت إليه الإشارة لم يذيل ـ كما قال بعض المحققين ـ بأن يقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ } تفسير : [آل عمران: 9] بل تعرض لوصف العز والانتقام المشعرين بذلك؛ والمراد بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبر عنه بالمكر.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جميع ما تقدم من قوله: { أية : ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون } تفسير : [إبراهيم: 42]. وهذا محل التسلية. والخطاب للنبيء. وتقدم نظيره آنفاً عند قوله: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، لأن تأخير ما وعد الله رسوله عليه الصلاة والسلام من إنزال العقاب بأعدائه يشبه حال المخلف وعده، فلذلك نهي عن حُسبانه. وأضيف {مخلف} إلى مفعوله الثاني وهو {وعده} وإن كان المفعول الأول هو الأصل في التقديم والإضافة إليه لأن الاهتمام بنفي إخلاف الوعد أشد، فلذلك قدم {وعده} على {رسله}. و{رسله} جمع مراد به النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة، فهو جمع مستعمل في الواحد مجازاً. وهذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله منجز له ما وعده من نصره على الكافرين به. فأما وعده للرسل السابقين فذلك أمر قد تحقق فلا يناسب أن يكون مراداً من ظاهر جمع {رسله}. وجملة {إن الله عزيز ذو انتقام} تعليل للنهي عن حُسبانه مُخلف وعده. والعزة: القدرة. والمعنى: أن موجب إخلاف الوعد منتف عن الله تعالى لأن إخلاف الوعد يكون إما عن عَجز وإما عن عدم اعتياد الموعود به، فالعزة تنفي الأول وكونُه صاحب انتقام ينفي الثاني. وهذه الجملة تذييل أيضاً وبها تمّ الكلام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن الله عزيز: أي غالب لا يحال بينه وبين مراده بحال من الأحوال. ذو انتقام: أي صاحب انتقام ممن عصاه وعصى رسوله. يوم تبدل الأرض: أي اذكر يا رسولنا للظالمين يوم تبدل الأرض. وبرزوا لله: أي خرجوا من القبور لله ليحاسبهم ويجزيهم. مقرنين: أي مشدودة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم. في الأصفاد: الأصفاد جمع صفد وهو الوثاق من حبل وغيره. سرابيلهم: أي قمصهم التي يلبسونها من قطران. هذا بلاغ: أي هذا القرآن بلاغ للناس. أولوا الألباب: أصحاب العقول. معنى الآيات: ما زال السياق في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهم يعانون من صلف المشركين وظلمهم وطغيانهم فيقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} إنه كما لم يخلف رسله الأولين لا يخلفك أنت، إنه لا بد منجز لك ما وعدك من النصر على أعدائك فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي غالب لا يغلب على أمره ما يريده لا بد واقع {ذُو ٱنْتِقَامٍ} شديد ممن عصاه وتمرد على طاعته وحارب أولياءه، واذكر {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ} كذلك {وَبَرَزُواْ} أي ظهروا بعد خروجهم من قبورهم في طريقهم إلى المحشر إجابة منهم لدعوة الداعي وقد برزوا {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ} يا رسولنا تراهم {مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} مشدودة أيديهم وأرجلهم إلى أعناقهم، هؤلاء هم المجرمون اليوم بالشرك والظلم والشر والفساد أجرموا على أنفسهم أولاً ثم على غيرهم ثانياً سواء ممن ظلموهم وآذوهم أو ممن دعوهم إلى الشرك وحملوهم عليه، الجميع قد أجرمو في حقهم، {سَرَابِيلُهُم} قمصانهم التي على أجسامهم {مِّن قَطِرَانٍ} وهو ما تدهن به الإبل: مادة سوداء محرقة للجسم أو من نحاس إذ قُرئ من قِطرٍآن أي من نحاس أُحمي عليه حتى بلغ المنتهى في الحرارة {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} أي وتغطي وجوههم النار بلهبها، هؤلاء هم المجرمون في الدنيا بالشرك والمعاصي، وهذا هو جزاؤهم يوم القيامة، فعل تعالى هذا بهم {لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} فما بين أن وجدوا في الدنيا وبين أن انتهوا إلى نار جهنم واستقروا في أتون جحيمها إلا كمن دخل مع باب وخرج مع آخر، وأخيراً يقول تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي هذا القرآن بلاغ للناس من رب الناس قد بلغه إليهم رسول رب الناس {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي بما فيه من العظات والعبر والعرض لألوان العذاب وصنوف الشقاء لأهل الإِجرام والشر والفساد، {وَلِيَعْلَمُوۤاْ} أي بما فيه من الحجج والدلائل والبراهين {أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي معبود واحد لا ثاني له وهو الله جل جلاله، فلا يعبدوا معه غيره إذ هو وحده الرب والإله الحق، وما عداه فباطل، {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول المدركة الواعية فيعملوا على إنجاء أنفسهم من غضب الله وعذابه، وليفوزوا برحمته ورضوانه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان صدق وعد الله من وعدهم من رسله وأوليائه. 2- بيان أحوال المجرمين في العرض وفي جهنم. 3- بيان العلة في المعاد الآخر وهو الجزاء على الكسب في الدنيا. 4- قوله تعالى في آخر آية من هذه السورة: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} هذه الآية صالحة لأن تكون عنواناً للقرآن الكريم إذ دلت على مضمونة كاملاً مع وجازة اللفظ وجمال العبارة، والحمد لله أولاً وآخراً.

د. أسعد حومد

تفسير : (47) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ وَعَدَ رُسُلَهُ بِالنَّصْرِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ؛ وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ لَنْ يُخْلِفَ وَعْدَهُ لِرُسُلِهِ، وَإِنَّهُ سَيَنْصُرُهُمْ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُغَالَبُ، وَلاَ يَمْتَنِعُ عَلَيهِ شَيءٌ أَرَادَهُ، وَإِنَّهُ سَيَنْصُرُهُ، وَهُوَ ذُو انْتِقَامٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَجَحَدَ بِآيَاتِهِ. (وَهذا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ يُقْصَدُ مِنْهُ تَثْبِيتُ أُمَّتِهِ عَلَى ثِقَتِهِمْ بِوَعْدِ اللهِ، وَبِأَنَّهُ سَيُنْزِلُ عِقَابَهُ بِالظَّالِمِينَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولو كان لمكرهم مفعولٌ أو فائدة لَمَا قال الحق سبحانه أن وعده لرسله لن يُخْلفَ، ولكن مكرَهم فاسدٌ من أوله وبلا مفعول، وسبحانه هو القائل: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. إذن: فوَعْد الله لرُسله لا يمكن أن يُخْلفَ. والوعود في القرآن كثيرة؛ فهناك وَعْد الشيطان لأوليائه، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً ..}تفسير : [البقرة: 168] وهناك وَعْد من الله للمؤمنين: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النور: 55]. فإذا كان الحق سبحانه لا يُخلِف وَعْده لأتباع الرسول؛ أَيُخلِف وَعْده للرسول؟ طبعاً لا؛ لأن الوعد على إطلاقه من الله؛ مُوفىً؛ فكيف إذا كان للرسل وللمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} تفسير : [غافر: 51]. والنصر يقتضي هزيمة المقابل، ويحتاج النصر لصفة تناسبه؛ والصفة المناسبة هي صدوره من عزيز لا يُغلب؛ والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى صفة؛ والصفة المناسبة هي تحقُّق الهزيمة بأمر مُنتقِم جبّار. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ ...}.

الجيلاني

تفسير : وإذا كان الأمر كذلك: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء {مُخْلِفَ} إنجاز {وَعْدِهِ} الذي وعد به {رُسُلَهُ} من إهلاك عدوهم وتعذيبهم بأشد العذاب {إِنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء {عَزِيزٌ} غالب قادر على جميع مراداته ومقدوراته {ذُو ٱنْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47] شديد على من أراد انتقامه وبطشه من أعدائه نصرة على أوليائه. قله لهم يا أكمل الرسل: لا تغتروا عن إمهال الله إياكم أيها المسرفون في دنياكم؛ إذ ينتقم عنكم {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ} وتغير تغييراً كلياً، بأن دكت الجبال دكاً وصارت مسوى لا عوج لها ولا أمتاً، وصارت {غَيْرَ ٱلأَرْضِ} التي كانت قبل هذا {وَ} طويت {ٱلسَّمَٰوَٰتُ} المحسوسة، وانتثرت الكواكب، وكورت الشمس، فصارت أيضاً غير تلك السماوات، وبالجملة: تضعفت أركان العالم وتغيرت أوضاعها وأشكالها واضمحلت آثارها وتلاشت أجزاؤها، وتداخلت أرجاؤها وأقطارها {وَبَرَزُواْ} أي: ظهروا وخرجوا أي: الأموات من أجداث أجسادهم بعد خلع تعيناتهم وجلباب هوياتهم {لِلَّهِ} المظهر لهم الظاهر فيهم {ٱلْوَاحِدِ} في ذاته وصفاته وأحواله وجميع شئونه وتجلياته، المستقل في وجوده {الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] للأغيار والسوى مطلقاً. {وَتَرَى} حينئذٍ {ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ} الذين أجرموا بالله بإثبات الوجود لغيره وإسناد الحوادث إلى أسبابها العادية {مُّقَرَّنِينَ} مقيدين {فِي ٱلأَصْفَادِ} [إبراهيم: 49] أي: سلاسل التقليدات والتقييدات وأغلال التعينات والتخمينات. {سَرَابِيلُهُم} أي: قمائص تعيناتهم وتشخصاتهم {مِّن قَطِرَانٍ} أي: من غرابيب الظلمة العدمية، وهو في اللغة: دهن الأبهل والعرر، كالزفت أسود في غاية السواد، منتن نتنه في غاية الكراهة {وَتَغْشَىٰ} أي: تستر {وُجُوهَهُمُ} التي تلي الحق {ٱلنَّارُ} [إبراهيم: 50] أي: نار البعد والحرمان وسعير الخذلان والخسران. وما ذلك؛ أي: انتقامهم وأخذهم إلاَّ {لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ} الحكيم العليم المتقن في أفعاله ومأموراته ومنهياته وجميع تدبيراته {كُلَّ نَفْسٍ} متعينة بتعين مخصوص {مَّا كَسَبَتْ} وامتثلت ما أُمرت به ونُهيت عنه أو أعرضت {إِنَّ ٱللَّهَ} الرقيب على عباده، المطلع لجميع أفعالهم {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [إبراهيم: 51] يحاسبهم ويجازيهم على مقتضى حسابه عدلاً منه. {هَـٰذَا} أي: ما ذكر من أوصاف يوم القيامة وأهوالها وأفزاعها {بَلاَغٌ} أي: تذكرة كافية وموعظة وافية {لِّلنَّاسِ} الذين نسوا طريق التوحيد وأعرضوا عنها بعروض الغفلة لهم، فليتعظوا {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} عن المعاصي والإجرام حتى لا يؤخذوا عليها، وليجتنبوا عن الشرك ولا يركنوا إليه {وَلِيَعْلَمُوۤاْ} عموم العباد إيماناً وإذعاناً {أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} يُعبد بالحق ويُرجع إليه إلى أن ينكشفوا بالحقيقة الحقية {وَلِيَذَّكَّرَ} خصوصاً {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52] الناظرين بنور الله، الفانين به، الباقين ببقائه. جعلنا الله ممن ذكر له فتذكر، وتحقق في مقر التوحيد وتقرر. خاتمة السورة. عليك أيها اللبيب المتذكر لمرتبة الأحدية التي هي ينبوع بحر الوجود أن تتذكر وتتعظ بمواعظ الكتاب الإلهي من مواعيده، وإنذاراته وحكمه وأسراره؛ لتتفطن بتطوراته وتجلياته، وشئونه في مراتب تنزلاته؛ حتى يسهل لك التقيظ من المنامات العارضة والغفلات الطارئة عليك من الإضافات الحاصلة بين الشئون والتجليات المبعدة عن صرافة الوحدة الذاتية، ويتيسر لك الوصول إلى منع جميع الأسماء والصفات، المستتبعة لأنواع الكثرات، ومرجع جميع الكائنات والفاسدات المترتبة عليها. فاعلم أيها الطالب القاصد لسلوك طريق الهداية الموصلة إلى صفاء التوحيد الذاتي أن التوجه إليها والوقوف على أماراتها لا يتيسر إلا بعد تنبيه منبه نبيه، وإرشاد مرشد كامل خبير بصير. لذلك جرت عادة الله، واستمرت سنته السنية على إرسال الرسل والأنبياء المؤدين بالكتب والصحف؛ لتمكن لهم إرشاد الناقصين المنحطين عن درجة التدبر والتدرب في غوامض طرق العرفان ومغالق مسالك التوحيد، ومع ذلك لا يتيسر لهم إلا البلاغ من التبليغ والتوفيق، إنما هو من عند العزيز العليم. وأكمل الرسل نبينا صلى الله الله عليه وسلم، وأفضلْ الكتب القرآن الجامع المنزل عليه، الناسخ لجميع ما نزل قبله من الكتب؛ لذلك قال سبحانه على سبيل العموم: {هَـٰذَا} [إبراهيم: 52] أي: القرآن {بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ} [إبراهيم: 52] أي: كامل من التبليغ والإرشاد لقاطبة الأنام إلى توحيد الملك العلام، فلك أن تتأمل يه وتتذكر به على الوجه المأمور؛ لتتمكن من قعد الصدق عند الملك الغفور.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بنجاتهم ونجاة أتباعهم وسعادتهم وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا وعقابهم في الآخرة، فهذا لا بد من وقوعه لأنه، وعد به الصادق قولا على ألسنة أصدق خلقه وهم الرسل، وهذا أعلى ما يكون من الأخبار، خصوصا وهو مطابق للحكمة الإلهية، والسنن الربانية، وللعقول الصحيحة، والله تعالى لا يعجزه شيء فإنه { عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }. أي: إذا أراد أن ينتقم من أحد، فإنه لا يفوته ولا يعجزه، وذلك في يوم القيامة، { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ } تبدل غير السماوات، وهذا التبديل تبديل صفات، لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد الأديم ويلقى ما على ظهرها من جبل ومَعْلم، فتصير قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتكون السماء كالمهل، من شدة أهوال ذلك اليوم ثم يطويها الله -تعالى- بيمينه. { وَبَرَزُوا } أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم، ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء، { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي: المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة، وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه. { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين وصفهم الإجرام وكثرة الذنوب، { يَوْمَئِذٍ } في ذلك اليوم { مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ } أي: يسلسل كل أهل عمل من المجرمين بسلاسل من نار فيقادون إلى العذاب في أذل صورة وأشنعها وأبشعها. { سَرَابِيلُهُمْ } أي: ثيابهم { مِنْ قَطِرَانٍ } وذلك لشدة اشتعال النار فيهم وحرارتها ونتن ريحها، { وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ } التي هي أشرف ما في أبدانهم { النَّارُ } أي: تحيط بها وتصلاها من كل جانب، وغير الوجوه من باب أولى وأحرى، وليس هذا ظلما من الله لهم وإنما هو جزاء لما قدموا وكسبوا، ولهذا قال تعالى: { لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ } من خير وشر بالعدل والقسط الذي لا جور فيه بوجه من الوجوه. { إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } كقوله تعالى: {أية : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } تفسير : ويحتمل أن معناه: سريع المحاسبة فيحاسب الخلق في ساعة واحدة، كما يرزقهم ويدبرهم بأنواع التدابير في لحظة واحدة لا يشغله شأن عن شأن وليس ذلك بعسير عليه. فلما بين البيان المبين في هذا القرآن قال في مدحه: { هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ } أي: يتبلغون به ويتزودون إلى الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات، لما اشتمل عليه من الأصول والفروع، وجميع العلوم التي يحتاجها العباد. { وَلِيُنْذَرُوا بِهِ } لما فيه من الترهيب من أعمال الشر وما أعد الله لأهلها من العقاب، { وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } حيث صرف فيه من الأدلة والبراهين على ألوهيته ووحدانيته، ما صار ذلك حق اليقين، { وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } أي: العقول الكاملة ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وبذلك صاروا أولي الألباب والبصائر. إذ بالقرآن ازدادت معارفهم وآراؤهم، وتنورت أفكارهم لما أخذوه غضًّا طريًّا فإنه لا يدعو إلا إلى أعلى الأخلاق والأعمال وأفضلها، ولا يستدل على ذلك إلا بأقوى الأدلة وأبينها. وهذه القاعدة إذا تدرب بها العبد الذكي لم يزل في صعود ورقي على الدوام في كل خصلة حميدة. والحمد لله رب العالمين. تم تفسير سورة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام