Verse. 1798 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْاَرْضُ غَيْرَ الْاَرْضِ وَالسَّمٰوٰتُ وَبَرَزُوْا لِلہِ الْوَاحِدِ الْقَہَّارِ۝۴۸
Yawma tubaddalu alardu ghayra alardi waalssamawatu wabarazoo lillahi alwahidi alqahhari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في حديث الصحيحين وروى مسلم حديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أين الناس يومئذ قال: "" على الصراط "" (وبرزوا) خرجوا من القبور (لله الواحد القهار).

48

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما قال: {عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ } بين وقت انتقامه فقال: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } وعظم من حال ذلك اليوم، لأنه لا أمر أعظم من العقول والنفوس من تغيير السموات والأرض وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ }. المسألة الثانية: اعلم أن التبديل يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الذات باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى. والثاني: أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز، أنه يقال بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل، ومنه قوله تعالى: { أية : فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] ويقال: بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى، ويقال: تبدل زيد إذا تغيرت أحواله، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه قوله: { أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56] وقوله: { أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـتَيْهمْ جَنَّتَيْنِ } تفسير : [سبأ: 16] إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان: القول الأول: أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً » تفسير : وقوله: {والسموات} أي تبدل السموات غير السموات، وهو كقوله عليه السلام: «حديث : لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» تفسير : والمعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها، وكونها أبواباً، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان. والقول الثاني: أن المراد تبديل الذات. قال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة، فهذا شرح هذين القولين، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ } المراد هذه الأرض، والتبدل صفة مضافة إليها، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجوداً، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل، وإلا لامتنع حصول التبدل، فوجب أن يكون الباقي هو الذات. فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون: إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها. واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ } تفسير : [المطففين: 18] وقوله: { أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ } تفسير : [المطففين: 7]، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } وإنما ذكر الواحد القهار ههنا، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة، ونظيره قوله: { أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } تفسير : [غافر: 16] ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم، فقال: {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ }. واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أموراً: فالصفة الأولى: كونهم مقرنين في الأصفاد. يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته. والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان. وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد. إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: {مُّقرِّنِينَ } ثلاثة أوجه: أحدها: قال الكلبي: مقرنين كل كافر مع شيطان في غل، وقال عطاء: هو معنى قوله: { أية : وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } تفسير : [التكوير: 70] أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته، أو ما فعل ذلك، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية، والسعادة بالعناية الصمدانية، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد، بسبب الميل إلى عالم الجسم، وهذا هو المراد بقوله: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة، والحوادث الفاسدة، وهو المراد من قول عطاء: إن كل كافر مع شيطانه يكون مقروناً في الأصفاد. والقول الثاني: في تفسير قوله: {مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } هو قرن بعض الكفار ببعض، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات، والخسارات هي المراد بقوله: {مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ }. والقول الثالث: قال زيد بن أرقم: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها. وأما قوله: {فِى ٱلأَصْفَادِ } ففيه وجهان: أحدها: أن يكون ذلك متعلقاً بمقرنين، والمعنى: يقربون بالأصفاد. والثاني: أن لا يكون متعلقاً به، والمعنى: أنهم مقرنون مقيدون، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه. الصفة الثانية: قوله تعالى: {سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } السرابيل جمع سربال وهو القميص، والقطران فيه ثلاث لغات: قطران وقطران وقطرن، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب، لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال، وهذا البدن جارٍ مجرى السربال والقميص له، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم، فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر، وقرأ بعضهم {مّن قَطِرآن } والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره. قال أبو بكر بن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } ونظيره قوله تعالى: { أية : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الزمر: 24] وقوله: { أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } تفسير : [القمر: 48]. واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس. وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب: { أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ } تفسير : [الهمزة: 6، 7] وقال في الوجه: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } بمعنى تتغشى، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال: {لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } قال الواحدي: المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضاً أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه. وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب. ثم قال تعالى: {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لّلنَّاسِ } أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل: إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن، وقيل: بل إشارة إلى كل هذه السورة، وقيل: بل إشارة إلى المذكور من قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } إلى قوله: {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } وأما قوله: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } أي بهذا البلاغ. ثم قال: {وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب مراراً أن النفس الإنسانية لها شعبتان: القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء، معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله. والشعبة الثانية: القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأ‍لْبَـٰبِ } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين. المسألة الثانية: هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة. المسألة الثالثة: قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله، إن شاء أطاع وإن شاء عصى، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى: { أية : لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1] فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية، وأما آخر السورة فلأن قوله: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى. واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة. المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث الرسل لتذكير أولى الألباب، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولى الألباب لما كان الأمر كذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى ورضي عنه: تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة في أواخر شعبان سنة إحدى وستمائة ختم بالخير والغفران في صحراء بغداد، ونسأل الله الخلاص من الغموم والأحزان والفوز بدرجات الجنان والخلاص من دركات النيران، إنه الملك المنان، الرحيم الديان، بحمد الله وحسن توفيقه وصلاته وسلامه على خاتم النبيين محمد وآله وسلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} أي ٱذكر يوم تبدّل الأرض، فتكون متعلقة بما قبله. وقيل: هو صفة لقوله: «يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ». واختلف في كيفية تبديل الأرض، فقال كثير من الناس: إن تبدّل الأرض عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومدّ أرضها؛ ورواه ابن مسعود رضي الله عنه؛ خرجه ٱبن ماجه في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شَهْر بن حَوْشَب، قال حدّثني ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرضُ مدَّ الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا؛ وذكر الحديث. وروي مرفوعاً من حديث أبي هُريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تبدّل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العُكَاظيّ لا ترى فيها عِوجاً ولا أَمْتاً ثم يزجر الله الخلق زجرةً فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى (من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها» تفسير : ذكره الغَزْنَويّ. وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها، وتناثر نجومها؛ قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها، فمرّة كالمهل ومرة كالدّهان؛ حكاه ابن الأنباريّ؛ وقد ذكرنا هذا الباب مبيَّناً في كتاب «التذكرة» وذكرنا ما للعلماء في ذلك، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. روى مسلم حديث : عن ثَوْبان مولَى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك؛ وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهوديّ أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الظُّلمة دون الجِسر»تفسير : . وذكر الحديث. وخرّج عن عائشة قالت: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: «يَوْم تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ» فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط»تفسير : . خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء، وخرجه الترمذيّ عن عائشة وأنها هي السائلة، قال: هذا حديث حسن صحيح؛ فهذه الأحاديث تنصّ على أن السموات والأرض تُبدَّل وتُزَال، ويخلق الله أرضاً أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجِسْر. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُحشَر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاءَ عَفْراء كقُرْصَة النَّقِيّ ليس فيها عَلَمٌ لأحد»تفسير : . وقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن عليّ عن قول الله عز وجل: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ» قال: تُبدّل خُبْزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: {أية : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ}. تفسير : [الأنبياء: 8] وقال ابن مسعود: إنها تبدّل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يُعمَلْ عليها خطيئة. وقال ابن عباس: بأرض من فضّة بيضاء. وقال عليّ رضي الله عنه: تبدّل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين، وحسبك. {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي من قبورهم، وقد تقدّم. قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ} وهم المشركون. {يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة. {مُّقَرَّنِينَ} أي مشدودين {فِي ٱلأَصْفَادِ} وهي الأغلال والقيود، واحدها صَفْد وصَفَد. ويقال: صَفَدته صَفْداً أي قيّدته والاسم الصَّفَد، فإذا أردت التكثير قلت: صَفَّدته تصفِيداً؛ قال عمرو بن كُلْثوم:شعر : فآبُوا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايَا وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا تفسير : أي مقيّدينا. وقال حسان:شعر : مِن كلِّ مَأسُورٍ يُشَدُّ صِفَادُهُ صَقْرٍ إذَا لاَقَى الْكَرِيهةَ حَامِ تفسير : أي غلُّهُ، وأصفدته إصفاداً أعطيته. وقيل: صَفَدته وأَصْفَدته جاريان في القيد والإعطاء جميعاً؛ قال النابغة:شعر : فَـلَمْ أُعَـرِّض أَبَيْـتَ الَّلْعـن بالصَّفَـدِ تفسير : فالصَّفَد العطاء؛ لأنه يُقيِّد ويُعْبد؛ قال أبو الطيب: شعر : وقَيَّدتُ نفسِي في ذَرَاكَ مَحَبَّةً ومَن وَجَدَ الإحسانَ قَيْداً تَقيَّدَا تفسير : قيل: يقرن كل كافر مع شيطان في غُلّ، بيانه قوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] يعني قرناءهم من الشياطين. وقيل: إنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي. {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} أي قمصهم، عن ابن دُرَيد وغيره، واحدها سِربال، والفعل تَسربلتُ وسَربلتُ غيري؛ قال كعب بن مالك:شعر : تَلْقَاكُمُ عَصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاودَ في الْهَيْجَا سَرَابِيلُ تفسير : «مِن قَطِرَانٍ» يعني قطران الإبل الذي تُهْنَأ به؛ قاله الحسن. وذلك أبلغ لاشتعال النار فيهم. وفي الصحيح: أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سِربال من قطران ودِرْع من جَرَب. وروي عن حماد أنهم قالوا: هو النُّحاس. وقرأ عيسى بن عمر: «قَطْرَانٍ» بفتح القاف وتسكين الطاء. وفيه قراءة ثالثة: كسر القاف وجزم الطاء؛ ومنه قول أبي النَّجْم:شعر : جَوْنٌ كَأَنَّ الْعَرَقَ الْمَنْتُوحَا لَبَّسَهُ الْقِطْرَانَ والْمُسُوحَا تفسير : وقراءة رابعة: «مِنْ قِطْرٍآنٍ» رويت عن ابن عباس وأبي هُريرة وعِكْرمة وسعيد بن جُبير ويعقوب؛ والقِطْر النحاس والصُّفْر المذاب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} تفسير : [الكهف: 96]. والآن: الذي قد ٱنتهى إلى حَرِّه؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَبَيْنَ حَمِيمٍ آن} تفسير : [الرحمن: 44]. {وَتَغْشَىٰ} أي تضرب {وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} فَتُغَشِّيها. {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي بما كسبت. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تقدّم. قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ} أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ؛ أي تبليغ وعظة. {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي ليخوَّفوا عقاب الله عز وجل، وقرىء. «وَلِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال، يقال: نَذِرت بالشيء أَنْذَر إذا علمت به فاستعددتَ له، ولم يستعملوا منه مصدراً كما لم يستعملوا من عسى وليس، وكأنهم ٱستغنوا بأن والفعل كقولك: سَرَّني أن نَذِرتُ بالشيء. {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين. {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وليتّعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات في «وَلِيُنْذَرُوا» «وَلِيَعْلَمُوا» «وَلِيَذَّكَرَ» متعلقة بمحذوف؛ التقدير: ولذلك أنزلناه. وروى يَمَان بن رِئَاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم؛ قيل: وأين هو؟ قال قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} إلى آخرها.

البيضاوي

تفسير : {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} بدل من {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ} أو ظرف للانتقام، أو مقدر باذكر أو لا يخلف وعده. ولا يجوز أن ينتصب بمخلف لأن ما قبل أن لا يعمل فيما بعده. {وَالسَّمَواتِ} عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات، والتبديل يكون في الذات كقولك: بدلت الدراهم دنانير وعليه قوله: {أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56] وفي الصفة كقولك بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وغيرت شكلها، وعليه قوله: {أية : يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ }تفسير : [الفرقان: 70] والآية تحتملهما، فعن علي رضي الله تعالى عنه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب، وعن ابن مسعود وأنس رضي الله تعالى عنهما: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها. ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : تبدل الأرض غير الأرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظي {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } تفسير : [طه: 107] اعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتبديل أرضاً وسماء على الحقيقة، ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة على ما أشعر به قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ }تفسير : [المطففين: 18] وقوله: {أية : إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ }تفسير : [المطففين: 7] {وَبَرَزُواْ } من أجداثهم {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} لمحاسبته ومجازاته، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة كقوله: {أية : لمنِ ٱلملك ٱليوم للهِ ٱلوٰحد ٱلْقَهار }تفسير : [غافر: 16] فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلاْرْضِ وَٱلسَّمَٰوٰتُ} هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في حديث الصحيحين: وروى مسلم حديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أين الناس يومئذ؟ قال: (على الصراط ) { وَبَرَزُواْ } خرجوا من القبور {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {تُبَدَّلُ الأَرْضُ} بأرض بيضاء كالفضة لم تعمل عليها خطيئة، أو بأرض من فضة بيضاء، أو هي هذه الأرض تبدل صورتها ويطهر دنسها {وَالسَّمَاواتُ} تبدل بغيرها كالأرض فتصير جناناً، والبحار ناراً، أو بجعل السماوات ذهباً والأرض فضة، قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو بتناثر نجومها وتكوير شمسها، أو طيها كطي السجل، أو انشقاقها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ...}، الآية: {يَوْمٍ } ظِرفٌ للانتقامِ المذْكُورِ قبله، وروي في تَبْدِيلِ الأرض أَخْبَارٌ منها في الصَّحِيحِ: « حديث : يُبَدِّلُ اللَّهُ هَذِهِ الأَرْضَ بأَرْضٍ عَفْرَاءَ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا قرصة نَقي »تفسير : ، وفي الصحيح: « حديث : إِنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُهَا خُبْزَةً يَأْكُلُ ٱلْمُؤْمِنُ مِنْهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ » تفسير : وروي أنها تبدَّلُ أَرضاً من فِضَّةٍ، وروي أنها أرض كالفضَّة مِنْ بياضها، وروي أنها تبدَّل من نارٍ. قال * ع *: وسمعتُ من أبي رحمه اللَّه؛ أنه روي أنَّ التبديل يَقَعُ في الأرضِ، ولكنْ يبدَّل لكلِّ فريقٍ بما يقتضيه حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يكُونُ على خُبْزٍ يأكُلُ منه بحَسَبِ حاجته إِليه، وفريقٌ يكونُ على فضَّة، إِن صحَّ السند بها، وفريقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ على نارٍ، ونحو هذا ممَّا كله واقِعٌ تحْتَ قدرةِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، وأكثر المفسِّرين على أنَّ التبديلَ يكونُ بأرضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فيها، ولا سُفِكَ فِيهَا دَمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: « حديث : المؤمنون وقْتَ التبديل في ظلِّ العرش »تفسير : ، وروي عنه أنه قال: « حديث : النَّاسُ وقْتَ التبديل على الصِّراط »تفسير : ، ورُوِيَ أنه قال: ( حديث : الناسُ حينئذٍ أضْيَافُ اللَّهِ، فلا يُعْجِزُهُم ما لَدَيْهِ » تفسير : وفي «صحيح مسلم» من حديث ثَوْبَان"حديث : في سؤال الحَبْرِ، وقوله: يا مُحَمَّدُ، أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمٰوَاتُ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: « هُمْ فِي الظُلْمَةِ دُونَ الجسر» » تفسير : الحديثَ بطوله، وخرَّجه مسلمٌ وابنُ مَاجَه جميعاً، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، ثم أسنَدَا عَنْ عائشة، قَالَتْ: « حديث : سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ السَّمٰوَاتُ} فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسِ؟ قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ »تفسير : ، وخرَّجه الترمذيُّ من حديث عائشة، "قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، { وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر:67]، فَأَيْنَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:« عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ»، قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسن صحيح. انتهى من «التذكرة». {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ }: أي الكفَّار، و{مُّقَرَّنِينَ }: أي: مربوطين في قَرْنٍ، وهو الحَبْلُ الذي تُشَدُّ به رؤوس الإِبِلِ والبَقَرِ، و{ٱلأَصْفَادِ }: هي الأغلال، واحِدُها صَفَد، والسَّرابيل: القُمُصُ، والــ {قَطِرَانٍ}: هو الذي تهنأ به الإِبل، وللنار فيه ٱشتعالٌ شديدٌ، فلذلك جعل اللَّهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ منه، وقرأ عمر بن الخطاب وعليٌّ وأبو هريرة وابنُ عبَّاس وغيرهم: «مِنْ قِطْرٍ آنٍ»، والقِطْر: القَصْدِير، وقيل: النُّحَاس، وروي عن عمر أنَّه قال: ليس بالقَطِرَانِ، ولكنَّه النُّحَاس يسر بلونه، و«آن»: صفة، وهو الذائبُ الحارُّ الذي تناهَى حَرُّه؛ قال الحَسَن: قد سُعِّرَتْ عليه جهنَّم منْذُ خُلِقَتْ، فتناهَى حَرُّه. وقوله سبحانه: {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ...} الآية: جاء من لفظة الكَسْب بما يعم المُسِيءَ والمُحْسِنَ؛ لينبِّه على أنَّ المحسن أيضاً يجازَى بإِحسانه خيراً. وقوله سبحانه: {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ...} الآية: إِشارةٌ إِلى القرآن والوعيدِ الذي تضمنَّه، والمعنى: هذا بلاغٌ للناس، وهو لينذروا به وليذَّكَّر أولو الألباب، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصَحْبِه وسلَّم تسليماً.

ابو السعود

تفسير : {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} ظرفٌ لمضمر مستأنفٌ ينسحب عليه النهيُ المذكور أي ينجزه يوم الخ، أو معطوفٌ عليه نحوُ وارتقب يومَ تبدّل الأرض غيرَ الأرض، أو الانتقام وهو يوم يأتيهم العذابُ بعينه ولكن له أحوالٌ جمّة يُذكر كلَّ مرة بعنوان مخصوص، والتقيـيدُ به مع عموم انتقامِه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصودُ من تعذيب الكفرة المؤخرِ إلى ذلك اليوم بموجب الحكمةِ الداعيةِ إليه، وقيل: بدلٌ من { أية : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [إبراهيم: 44] أو نُصب باذكرْ أو إضمارِ لا يخلف وعده يوم تبدل الخ، وفيه أيضاً ما في الوجه الثالث من الحاجة إلى الاعتذار، ولا يجوز أن ينتصب بقوله: مخلَف وعدِه لأن ما قبل إنّ لا يعمل فيما بعده، وقيل: هو غيرُ مانع لأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ} جملةٌ اعتراضية فلا يبالىٰ بها فاصلاً. واعلم أن التبديلَ قد يكون في الذات كما في: بدلتُ الدراهمَ دنانيرَ وعليه قوله عز وجل: { أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء: 56] وقد يكون في الصفات كما في قولك: بدلتُ الحلْقةَ خاتماً إذا غيّرتَ شكلها ومنه قوله تعالى: { أية : يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} تفسير : [الفرقان: 70] على بعض الأقوال، والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين. فعن علي رضي الله عنه: "تبدل أرضاً من فضة وسمواتٍ من ذهب" وعن ابن مسعود رضي الله عنه" "تبدل الأرض بأرض كالفضة بـيضاءَ نقيةٍ لم يُسفك فيها دمٌ ولم يعمَلْ عليها خطيئة" وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "هي تلك الأرضُ وإنما تُغيّر صفاتُها" وأنشد شعر : وما الناسُ بالناس الذين عهِدتهم وما الدارُ بالدار التي كنت تعلمُ تفسير : وتبدّلُ السموات بانتثار كواكبها وكسوفِ شمسِها وخسوفِ قمرِها وانشقاقها وكونها أبواباً، ويدل عليه ما روي عن أبـي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : تبدل الأرضُ غيرَ الأرض فتبسطُ وتمد مدَّ الأديمِ العُكَاظِيِّ لا ترى فيها عِوجاً ولا أمْتاً » تفسير : {وَٱلسَّمَـٰوٰتُ} أي وتبدل السمواتُ غيرَ السموات حسبما مر من التفصيل، وتقديمُ تبديلِ الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظمَ أثراً بالنسبة إلينا. {وَبَرَزُواْ} أي الخلائق أو الظالمون المدلولُ عليهم بمعونة السباق، والمرادُ بروزُهم من أجداثهم التي في بطون الأرضِ أو ظهورُهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرًّا ويزعُمون أنها لا تظهر، أو يعملون عمل من يزعمُ ذلك، ولعل إسنادَ البروز إليهم مع أنه لأعمالهم للإيذان بتشكّلهم بأشكال تناسبها، وهو معطوفٌ على تبدل، والعدولُ إلى صيغة الماضي للدِلالة على تحقق وقوعِه، أو حالٌ من الأرض بتقدير قد والرابطُ بـينها وبـين صاحبِها الواو {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} للحساب والجزاء، والتعرُّضُ للوصفين لتهويل الخطبِ وتربـيةِ المهابة وإظهار بطلانِ الشركِ، وتحقيقُ الانتقامِ في ذلك اليوم على تقدير كونِه ظرفاً له، وتحقيقُ إتيان العذاب الموعودِ على تقدير كونِه بدلاً من يوم يأتيهم العذاب فإن الأمرَ إذا كان لواحد غلاّبٍ لا يعار وقادر لا يُضارّ ولا يغار كان في غاية ما يكون من الشدة والصعوبة. {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ} عطف على برزوا، والعدولُ إلى صيغة المضارع لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على الاستمرار، وأما البروزُ فهو دفعيٌّ لا استمرار فيه وعلى تقدير حاليةِ برزوا فهو معطوفٌ على تبدل ويجوز عطفُه على عامل الظرف المقدم على تقدير كونِه ينجزه {يَوْمَئِذٍ} يومَ إذ برزوا له عز وجل أو يوم إذ تبدل الأرضُ أو يوم يُنجِز وعدَه {مُقْرِنِينَ} قُرن بعضهم مع بعض حسب اقترانهم في الجرائم والجرائر، أو قُرنوا مع الشياطين الذين أغوَوْهم أو قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغة والملَكات الردِيّة والأعمال السيئة غِبَّ تصور كلَ منها وتشكلهما بما يناسبهما من الصور الموحشة والأشكال الهائلة، أو قرنت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم وهو حال من المجرمين {فِى ٱلأَصْفَادِ} في القيود أو الأغلال، وهو إما متعلقٌ بقوله تعالى: {مُقْرِنِينَ} أو حال من ضميره أي مصفّدين.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} [الآية: 48]. قال الواسطى فى هذه الآية: ذلك لما يظهر من كشف حقائقه فى بنى آدم من أنبيائه وأوليائه، لأن الأرض والسماوات لا تثبت على ما يثبت، يظهر على الأبدان من أنوار الحق. قيل لبعضهم: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقيل: متى كانوا شيئًا حتى صاروا لا شئ؟ هم أقل من الهباء فى الهواء فى جنب الحق.

القشيري

تفسير : لا يختلف عَيْنُها وإنما تختلف صورتها، وكذلك إذا انكدرت النجوم، وانشقت السماء يقال ما بدّل عينها وإنما بدَّل الأزمانَ والمكانَ على الناس باختلافهم أحوالهم في السرور والمحن؛ كَمَنْ صار من الرخاء إلى البلاء يقول: تغيَّر الزمانُ والوقتُ... وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء. ويقال إن آدم لما قتل أحدُ ابنيه الآخرَ قال: شعر : تغيرت البلادُ ومَنْ عليها فوجهُ الأرضِ مُعْبَرٌّ قبيحُ تفسير : وفي هذه القصة من كان صاحب بسطٍ فَرُدَّ إلى حال القبض، ومن كان صاحب أُنسٍ فصار صاحب حجاب - يصحُّ أن يقال بدل له الأرض، قال بعضهم: شعر : ما الناس بالناس الذي عهدي بهم ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها تفسير : وكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة، وكانت الأرض به راجفة، وكان النهار له ليلاً، وكان الليل له ويلا، وكما قيل: شعر : فما كانت الدنيا بسهل ولا الضحا بِطَلْقٍ ولا ماءُ الحياة ببارد

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} الاشارة فى الحقيقة الى تبدل ارض قلوب العارفين من صفات البشرية واوصاف النفسانية والخواطر الردية الى الروحانية المقدسة لنور شهود جمال الحق وتبدل سماوات الارواح من عجز الحدوثية وصفاتها وضعفها عن رؤية انوار العظمة صرفا ==== قال تعديته فالارواح والقلوب يخرج من ضيق القبض الى محل البسط من خفقان اخوف الى روح الرجاء ومن رسوم العبودية الى مشاهدة الربوبية وبروز اهل هذه القلوب والارواح من اماكن غيبه سكارى حيارى من شدة ولههم من جماله ديموميته فى ميادين وحدانيته الازلية خرجوا بنعت المبارزة والمفاخرة بولايته وقربته يا اخى لو رايتهم لرايت عليهم اطراف اردية الكبرياء متعلقون بحقوق ازار عظمة الجبار يستغيثون بنعت الوله من فراقه فى وصاله حتى لو رايتهم ما رايت عليهم رسوم البشريات بل رايت عليهم سمات الالوهيات فما الناس بالناس الذين عهدتهم شعر : ولا الدار بالدار التى كنت اعرف ولو تريد ان ذلك ارض الظاهر تفسير : وسماء الظاهر انها تبدل من هذه الصفات وظلمة الخليقة الى انها منورة ببروز انوار جلال الحق عليها وانها صارت مشرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته بوصف الجبارية والقهارية بقوله واشرقت الارض بنور ربها وهناك يا اخى يدخل الوجود تحت اذيال القدم من استيلاء قهر انوار القدم قال كل شئ هالك الا وجهه قيل فاين الاشياء اذناك قال عادت الى مصادرها وقال متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شئ لانهم اقل من الهباء فى الهواء فى جنب الحق وقال الواسطى فى هذه الاية ذاك لما يظهر من كشف حقائقه فى بنى ادم من انبيائه واوليائه لان الارض والسموات لا يثبت لما يظهر على الابدان من انوار الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {يوم تبدل الارض غير الارض والسموات} اى اذكر يوم تبدل هذه الارض المعروفة ارضا اخرى غير معرفة وتبدل السموات غير السموات ويكون الحشر وقت التبديل عند الظلمة دون الجسر او يكون الناس على صراط كما حديث : روى عن عائشة رضى الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل تذكرون اهاليكم يوم القيامة قال "اما عند مواطن ثلاثة فلا عند الصراط والكتاب والميزان" قالت قلت يا رسول الله يوم تبدل الارض غير الارض اين الناس يومئذ قال "سألتنى عن شيء ما سألنى احد قبلك الناس يومئذ على الصراط" تفسير : والتبديل قد يكون فى الذات كما بدلت الدراهم دنانير وقد يكون فى الصفات كما فى قولك بدلت الحلقة خاتما اذا اذبتها وغيرت شكلها والاية تحتملهما. نقل القرطبى عن صاحب الافصاح ان الارض والسماء لا تبدلان مرتين المرة الاولى تبدل صفتهما فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتتناثر كواكبها وتخسف الشمس والقمر اى يذهب نورهما ويكون مرة كالدهان ومرة كالمهل وتكشف الارض وتسير جبالها فى الجو كالسحاب وتسوى اوديتها وتقطع اشجارها وتجعل قاعا صفصفا اى بقعة مستوية والمرة الثانية تبدل ذاتهما وذلك اذا وقفوا فى المحشر فتبدل الارض بارض من فضة لم يقع عليها معصية وهى الساهرة والسماء تكون من ذهب كما جاء عن على رضى الله عنه. والاشارة تبدل ارض البشرية بارض القلوب فتضمحل ظلماتها بانوار القلوب وتبدل سموات الاسرار بسموات الارواح فان شموس الارواح اذا تجلت لكواكب الاسرار انمحت انوار كواكبها بسطوة اشعة شموسها بل تبدل ارض الوجود المجازى عند اشراق تجلى انوار الربوبية بحقائق انوار الوجود الحقيقى كما قال {أية : واشرقت الارض بنور ربها} تفسير : {وبرزوا} اى خرج الخلائق من قبورهم {لله الواحد القهار} اى لمحاسبته ومجازاته وتوصيفه بالوصفين للدلالة على ان الامر فى غاية الصعوبة كقوله {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} تفسير : فان الامر اذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لاحد الى غيره ولا مستجار. يقول الفقير سمعت شيخى وسندى قدس سره وهو يقول فى هذه الآية هذا ترتيب انيق فان الذات الاحدية تدفع بوحدتها الكثرة وبقهرها الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى. وقال فى المفاتيح القهار هو الذى لا موجود الا وهو مقهور تحت قدرته مسخر لقضائه عاجز فى قبضته. وقيل هو الذى اذل الجبابرة وقصم ظهورهم بالاهلاك

الجنابذي

تفسير : {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ} بدل من يوم يأتيهم العذاب او ظرف لمخلف وعده او لعزيزٌ او لذو انتقامٍ او متعلّق بذكّر او اذكر مقدّراً {غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} او تبدّل ارض عالم الطّبع ارض عالم البرزخ وارض عالم المثال وذلك حين ظهور القائم عجّل الله فرجه فى العالم الصّغير بالموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ، وهو حين اتيان السّاعة والقيامة الصّغرى كما فسّر السّاعة بظهور القائم وبالقيامة وتلك الارض المبدّلة لمّا لم يكن معها مادّة حاجبة وظلمة وامتداد مكانىّ وبعد جمسانىّ لا ترى فيها عوجاً ولا امتاً بحيث ترى البيضة الّتى فى المغرب من المشرق، وكذا لا يحجب اهل تلك الارض ولا قصورها بعضها بعضاً بل يرى الكلّ فى الكلّ ومن وراء الكلّ، لانّ الكلّ مرائى متعاكسات وغير حاجبات لما وراءها ولذلك قال {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} بحيث كلّما كان باطناً منهم فى الدّنيا صار بارزاً هناك وتحدّث الارض اخبارها بابراز ما كان مكموناً فيها، والتّوصيف بالوحدة والقهاريّه لظهور سلطان الوحدة هناك.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} متعلق بانتقام أو بدل من يوم يَأتيهم أو مفعول لذاكر أو متعلق بمحذوف أى لا يخلف وعده، وأولى من هذا أن يتعلق بقوله مخلف فتكون جملة أن ومعموليها معترضة ولا مانع من ذلك وليس كما زعم بعض أن ما قبل إِن يعمل فيما بعدها والمعنى يوم تبدل الأَرض التى تعرفونها بأَرض غير هذه الأَرض المعروفة وقرىء نبدل بالنون والبناء للفاعل وتصب الأَرض، وعلى كل حال فيغير منصوب على نزع الخافض، أى تبدل بغير الأَرض أو على أنه مفعول ثان، لأَن المعنى تصير غير الأَرض {وَالسَّمَٰوَاتُ} بالرفع عطفا على الأَرض المرفوع، والتقدير وتبدل السماوات غير السماوات وهو مبتدأ محذوف الخبر أى والسماوات كذلك ومن نصب الأَرض قرأ بنصب السماوات بكسرة وذلك تبديل ذات، وهو الأَصل والمتبادر كقولك بدلت الدراهم بالدنانير. قال على تبدل الأَرض أرضا من فضة والسماوات سماوت من ذهب. وقال ابن مسعود أيضا تبدل الأَرض بأَرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك بها دم. وفى رواية محجمة من دم حرام ولم تعمل بها خطيئة زاد بعضهم وليس فيها معلم لأَحد. قال الضحاك تبدل أرضا من فضة بيضاء كالصحائف، وقال أيضاً أبو هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظى تبدل الأَرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه، وقال أيضا أبو سعيد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : تكون الأَرض خبزة يضيف الله بها أهل الجنة" تفسير : قال بعضهم وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأَرض بيضاء لم يعص الله فيها ولا سفك فيها دم وليس فيها معلم لأَحد، وقيل تنشر لهم صخرة بيت المقدس وروى أنها تبدل أرضا من نار. قال أُبى بن كعب تبدل الأَرض نيرانا والسماء جنانا وذكر بعضهم أن الأَرض تبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، ففريق يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته وهم سائر المؤمنين وفريق يكون على فضة وهم المؤمنون الزهاد الذين لا يأكلون فى الدنيا إلا قوتا ولا رغبة لهم فى الطعام، يعصمهم الله فى ذلك اليوم عن الطعام وفريق على نار وهم الكفار، وأخرج الترمذى وابن ماجه ومسلم وغيرهم "حديث : عن عائشة قالت إن أول ناس سأَلوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى قوله تعالى {يوم تبدل الأرض غير الأَرض} قال أرض بيضاء كأَنها فضة لم يسفك عليها دم حرام" تفسير : والتبديل فى ذلك كله تبديل ذات، ويدل له أيضا ما أخرجه مسلم عن ثوبان "حديث : جاء حبر من اليهود إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال أين الناس {يوم تبدل الأرض غير الأرض} فقال فى الظلمة دون الحشر" تفسير : وذكره البغوى بلا سند. وأخرج مسلم "حديث : عن عائشة أيضا قالت: يا رسول الله أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأَرض؟ فقال: على الصراط" تفسير : وروى عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : المؤمنون وقت التبديل فى ظل العرش وعنه الناس يومئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه" تفسير : وأخرج الترمذى "حديث : عن عائشة أين يكون المؤمنون يوم تبدل الأَرض جميعا قبضته والسماوات مطويات بيمينه قال على الصراط يا عائشة"تفسير : . قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح لكن لم أره فى كتاب الترمذى بل فى تذكرة القرطبى ولا يلزم أن يكون الحاصل بالتبديل أرضا وسماء على الحقيقة وقيل إِن التبديل فى الآية تبديل صفة كقولك بدلت الفضة خاتما إِذا أذبتها وصنعتها خاتما، ونسبه بعض إِلى الأَكثر وقال به ابن عباس وذلك بأَن تدك جبال الأَرض وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارات وتسوى أوديتها فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا وتنتثر كواكب السماوات وتكسف الشمس ويخسف القمر وتنشق السماوات وتكون أبوابا وتارة تكون كالمهل وتارة كالدهان، قال أبو هريرة فى رواية قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : تبدل الأَرض غير الأَرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" تفسير : وأما رواية سهل بن سعد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء أى ماثلة إِلى حمرة فى بياض وقيل شديدة البياض كقرصة النقى أى الخبز الأَبيض الجيد ليس فيها علم لأَحد"تفسير : ، أى علامة فلا دليل فيه لاحتمال أن يكون لا علاقة فيها لأَحد لكونها غير ذات الأَرض التى كانت فى الدنيا وأن يكون لا علامة فيها لتغيير جبالها وأوديتها وشجرها وعمارتها ولا يبعد أن تجعل الأَرض هى جهنم بلا تبديل ذاتها والسماوات الجنة بلا تبديل ذاتها ولو بدلت صفاتهن وإِن قلت فى بعض الرواة إن الأَرض تجعل من فضة وفى بعضها كفضة قلت تحمل رواية من فضة على رواية كفضة بل يبالغ فى التشبيه حتى تجعل من جنس الفضة، وإِن قلت كيف تبدل ذاتها مع قوله تعالى: يومئذ تحدث أخبارها قلت إِنما تحدث قبل التبديل وقيل البعث وإِن قلنا تحدث بعد البعث بأَعمال أهلها فإِنها تحدث بعده وقبل التبديل أو تبدل صفتها فتحدث ثم تبدل ذاتها {وَبَرَزُوا للهِ} أى خرج الناس من قبورهم أو كانوا تحت ما يسترهم فى الدنيا وبعد الموت وكانوا بعد ذلك بلا ساتر، واللام بمعنى إِلى أى برزوا إِلى الله ولا يخفى على الله شىء وتقدم كلام فى مثل هذا {الْوَاحِدِ} الذى لا شريك له فى شىء {الْقَهَّارِ} القاهر لعباده على ما يريد وفى ذكر الوصفين دلالة على أن الأَمر فى غاية الصعوبة لأَن المعنى أنهم يبعثون للمحاسب المجازى الذى هو واحد غالب لا ملجأَ لأَحد عنه ولا مغيث.

اطفيش

تفسير : {يَوْم تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرِضَ وَالسمَاوَاتُ} اذكر يوم أَو هو ظرف متعلق بانتقام، أَو بدل من يوم المتقدم، أَو متعلق بمخلف، وتبدل متعد لاثنين أى نصير هذه الأرض غيرها تزال وتجعل مكانها أرضاً من فضة فيكون التبديل من تحت الأرجل فلا يقال: أَين يكون الناس والسموات غير السموات، فحذف تذهب ويجعل فى موضعهن سماوات من ذهب كما روى ذلك عن على، وروى عن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاءَ لم يعص الله عليها، كما تقول: بدلت الدنانير بالدراهم، فذلك تبديل ذات ومنه بدلناهم جلوداً غيرها ويجوز أَن يراد تبديل الصفة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبدل الأَرض غير الأَرض"تفسير : تمد مد الأديم العكاظى "أية : لا ترى فيها عوجاً ولا أَمتا" تفسير : [طه: 107] وذلك أن تبدل الجبال وتزال الأَشجار وتسوى، وأما السماوات فتكور شمسها وقمرها وتناثر نجومها، وكونها تراة كالمهل، وتارة كالدهان {وَبَرَزُوا} ظهروا من قبورهم، أى ويبرزون للجزاء على أَعمالهم، والعطف على تبدل، ولتحققه قال برزوا بالفعل الماضى {لِلَّهِ} لأجل جزاءِ الله، لا لله لأَنه لم يخفوا عنه فى قبورهم {الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} فالامر أشد ما يكون؛ لأَنه إذا كان الأمر لواحد غالب قهار ولا سيما من لا تبدو له البدوات لا يطمع أحد فى خلاف ذلك الأَمر، ولا يستغيث بغيره، وهو لا يخلف الوعيد، ولو كان له شريك فيه لاختلفا فيضعف فيطمع، وكذا لو كان غير غالب، ولو كان تبدو له لرجع عنه لخوف أَو لعاقبة أَمر أَو لرقة، تعالى الله عن ذلك، ولا مغيث سواه "أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" تفسير : [غافر: 16].

الالوسي

تفسير : {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} ظرف لمضمر مستأنف ينسحب عليه النهي المذكور أي ينجزه يوم إلى آخره أو معطوف عليه نحو {أية : فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ } تفسير : [الدخان: 10] إلى آخره، وجعله بعض الفضلاء معمولاً لأذكر محذوفاً كما قيل في شأن نظائره، وقيل: ظرف للانتقام وهو {أية : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [إبراهيم: 44] بعينه ولكن له أحوال جمة يذكر/ كل مرة بعنوان مخصوص، والتقييد مع عموم انتقامه سبحانه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصود من تعذيب الكفرة المؤخر إلى ذلك اليوم بموجب الحكمة المقتضية له. وجوز أبو البقاء تعلقه بلا يخلف الوعد مقدراً بقرينة السابق، وفيه الوجه قبله من الحاجة إلى الاعتذار. وقال الحوفي: هو متعلق ـ بمخلف ـ و {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ } تفسير : [إبراهيم: 47] جملة اعتراضية، وفيه رد لما قيل: لا يجوز تعلقه بذلك لأن ما قبل إنّ لا يعمل فيما بعدها لأن لها الصدارة، ووجهه أنها لكونها وما بعدها اعتراضاً لا يبالي بها فاصلاً. وجوز الزمخشري انتصابه على البدلية من {أية : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ } تفسير : [إبراهيم: 44] وهو بدل كل من كل، وتبعه بعض من منع تعلقه ـ بمخلف ـ لمكان ماله الصدر. والعجب أن العامل فيه حينئذ ـ أنذر ـ فيلزم عليه ما لزم القائل بتعلقه بما ذكر فكأنه ذهب إلى البدل له عامل مقدر وهو ضعيف. وقوله تعالى: {وَالسَّمَٰوَاتُ} عطف على المرفوع أي وتبدل السمٰوات غير السمٰوات، والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومنه قوله تعالى: {أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56] وقد يكون في الصفات كما في قولك: بدلت الحلقة خاتماً إذا غيرت شكلها، ومنه قوله سبحانه: {أية : يُبَدّلُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ } تفسير : [الفرقان: 70] والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين نص ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال تبدل الأرض يزاد فيها وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظي وتصير مستوية لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. وتبدل السمٰوات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها وحاصله يغير كل عما هو عليه في الدنيا. وأنشد:شعر : وما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدار بالدار التي كنت أعلم تفسير : وقال ابن الأنباري: تبدل السمٰوات بطيها وجعلها مرة كالمهل ومرة وردة كالدهان. وأخرج ابن أبـي الدنيا وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه تكون الأرض كالفضة والسمٰوات كذلك. وصح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: تبدل الأرض أرضاً بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة، وروي ذلك مرفوعاً أيضاً، والموقوف ـ على ما قال البيهقي ـ أصح. وقد يحمل قول الإمام كرم الله تعالى وجهه على التشبيه. وقال الإمام: لا يبعد أن يقال المراد بتبديل الأرض جعلها جهنم وبتبديل السمٰوات جعلها الجنة، وتعقب بأنه بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن والثابت في الكلام والحديث خلافه، وأجيب بأن الثابت خلقهما مطلقاً لا خلق كلهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما ثم تصير السمٰوات والأرض بعضاً منهما، وفيه أن هذا وإن صححه لا يقر به، والاستدلال على ذلك بقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ } تفسير : [المطففين: 18] وقوله سبحانه: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ } تفسير : [المطففين: 7] في غاية الغرابة من الإمام فإن في إشعار ذلك بالمقصود نظراً فضلاً عن كونه دالاً عليه. نعم جاء في بعض الآثار ما يؤيد ما قاله، فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن أبـي بن كعب أنه قال في الآية: تصير السمٰوات جناناً ويصير مكان البحر نارا وتبدل الأرض غيرها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: الأرض كلها نار يوم القيامة؛ وجاء في تبديل الأرض/ روايات آخر. فقد أخرج ابن جرير عن ابن جبير أنه قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه. وأخرج عن محمد بن كعب القرظي مثله. وأخرج البيهقي في "البعث" عن عكرمة كذلك. وأخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبـي أيوب حديث : أن رجلاً من يهود سأل النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تبدل به الأرض؟ فقال: خبزة فقال اليهودي: درمكة بأبـي أنت فضحك صلى الله عليه وسلم ثم قال: قاتل الله تعالى يهود هل تدرون ما الدرمكة؟ لباب الخبزتفسير : . وقد تقدم خبر أن الأرض تكون يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة وهو في "الصحيحين" من رواية أبـي سعيد الخدري مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم أن التبديل يقع في الأرض ولكن تبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله، ففريق من المؤمنين يكونون على خبز يأكلون منه وفريق يكونون على فضة؛ وفريق الكفرة يكونون على نار، وليس تبديلها بأي شيء كان بأعظم من خلقها بعد ان لم تكن. وذكر بعضهم أنها تبدل أولاً صفتها على النحو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم تبدل ذاتها ويكون هذا الأخير بعد أن تحدث أخبارها، ولا مانع من أن يكون هنا تبديلات على أنحاء شتى. وفي «صحيح مسلم» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً أن الناس يوم تبدل على الصراط، وفيه من حديث ثوبان: «حديث : أن يهودياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هم في الظلمة دون الجسر»تفسير : ولعل المراد من هذا التبديل نحو خاص منه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وتقديم تبديل الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظم أمراً بالنسبة إلينا. {وَبَرَزُواْ } أي الخلائق أو الظالمون المدلول عليهم بمعونة السياق كما قيل، والمراد بروزهم من أجداثهم التي في بطون الأرض. وجوز أن يكون المراد ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سراً ويزعمون أنها لا تظهر أو يعملون عمل من يزعم ذلك، ووجه إسناد البروز إليهم مع أنه على هذا لأعمالهم بأنه للإيذان بتشكلهم بأشكال تناسبها. وأنت تعلم أن الظاهر ظهورهم من أجداثهم، والعطف على {تُبَدَّلُ } والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع. وجوز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة وأن تكون حالاً من {ٱلأَرْضِ} بتقدير قد والرابط الواو. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما {وبرزوا} بضم الباء وكسر الراء مشددة، جعله مبنياً للمفعول على سبيل التكثير باعتبار المفعول لكثرة المخرجين {لِلَّهِ} أي لحكمه سبحانه ومجازاته {ٱلْوَاحِدِ} الذي لا شريك له {ٱلْقَهَّارِ} الغالب على كل شيء، والتعرض للوصفين لتهويل الخطب وتربية المهابة لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم قهار لا يشاركه غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له ولا مغيث سواه وفي ذلك أيضاً تحقيق إتيان العذاب الموعود على تقدير كون {يَوْمَ تُبَدَّلُ } بدلاً من {أية : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [إبراهيم: 44].

ابن عاشور

تفسير : استئناف لزيادة الإنذار بيوم الحساب، لأن في هذا تبيين بعض ما في ذلك اليوم من الأهوال؛ فلك أن تجعل {يوم تبدل الأرض} متعلقاً بقوله: {سريع الحساب} قُدّم عليه للاهتمام بوصف ما يحصل فيه، فجاء على هذا النظم ليحصل من التشويق إلى وصف هذا اليوم لما فيه من التهويل. ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف تقديره: اذكُرْ يوم تبدل الأرض، وتجعل جملة {إن الله سريع الحساب} على هذا تذييلاً. ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف دل عليه قوله: {ليجزي الله كل نفس ما كسبت}. والتقدير يجزي اللّهُ كلّ نفس بما كسبت يومَ تبدل الأرض.. الخ. وجملة {إن الله سريع الحساب} تذييل أيضاً. والتبديل: التغيير في شيء إما بتغيير صفاته، كقوله تعالى: { أية : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } تفسير : [سورة الفرقان: 70]، وقولك: بدلتُ الحَلقة خاتماً وإما بتغيير ذاته وإزالتها بذات أخرى، كقوله تعالى: { أية : بدلناهم جلوداً غيرها } تفسير : [سورة النساء: 56]، وقوله: { أية : وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } تفسير : [سورة سبأ: 16]. وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة: إما بتغيير الأوصاف التي كانت لها وإبطال النُظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا، وإما بإزالتها ووجدان أرض وسماوات أخرى في العالم الأخروي. وحاصل المعنى استبدال العالم المعهود بعالم جديد. ومعنى {وبرزوا لله الواحد القهار} مثل ما ذكر في قوله: { أية : وبرزوا لله جميعاً } تفسير : [سورة إبراهيم: 21]. والوصف بـ {الواحد القهار} للرد على المشركين الذين أثبتوا له شركاء وزعموا أنهم يدافعون عن أتباعهم. وضمير {برزوا} عائد إلى معلوم من السياق، أي وبرز الناس أو برز المشركون. والتقرين: وضع اثنين في قرن، أي حبل. والأصفاد جمع صِفاد بوزن كتاب، وهو القيد والغل. والسرابيل: جمع سِربال وهو القميص. وجملة {سرابيلهم من قطران} حال من {المجرمين}. والقطران: دهن من تركيب كيمياوي قديم عند البشر يصنعونه من إغلاء شَجر الأرز وشجر السرو وشجر الأبهل ــــ بضم الهمزة والهاء وبينهما موحدة ساكنة ــــ وهو شجر من فصيلة العرعر. ومن شجر العرعر بأن تقطع الأخشاب وتجعل في قبة مبنية على بلاط سَوِي وفي القبة قناة إلى خارج. وتُوقد النار حول تلك الأخشاب فتصعد الأبخرة منها ويسري ماء البخار في القناة فتصب في إناء آخر موضوع تحت القناة فيتجمع منهماء أسود يعلوه زبد خاثر أسود. فالماء يعرف بالسائل والزَبَد يعرف بالبرقي. ويتخذ للتداوي من الجرب للإبل ولغير ذلك مما هو موصوف في كتب الطب وعلم الأَقْرَبَاذين. وجعلت سرابيلهم من قطران لأنه شديد الحرارة فيؤلم الجِلدَ الواقعَ هو عليه، فهو لباسهم قبل دخول النار ابتداء بالعذاب حتى يقعوا في النار ــــ. وجملة {إن الله سريع الحساب} مستأنفة، إما لتحقيق أن ذلك واقع كقوله: { أية : إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } تفسير : [سورة الذاريات: 5، 6]، وإما استئناف ابتدائي. وأخرت إلى آخر الكلام لتقديم {يوم تبدل الأرض} إذا قُدر معمولاً لها كما ذكرناه آنفاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتُ} {ٱلْوَاحِدِ} (48) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ تُبَدَّلُ الأَرْضُ فَتُصْبحُ غَيْرَ الأَرْضِ التِي يَعْرِفُهَا البَشَرُ، وَتُبَدَّلُ السَّمَاءُ فَتُصْبِحُ غَيْرَ السَّمَاءِ التِي يَرَوْنَهَا. وَتَخْرُجُ الخَلائِقُ جَمِيعاً مِنَ القُبُورِ، وَيُسَاقُونَ لِيَقِفُوا أَمَامَ اللهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، الذِي قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الأَلْبَابُ، فَلاَ مُغِيْثَ لأَِحَدٍ، وَلاَ مُجِيرَ لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : يُبَدِّلُ اللهُ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ فَيَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الأَدِيمِ العُكَاظِيِّ، فَلاَ تَرَى عِوَجاً وَلاَ أَمْتاًتفسير : ). بَرَزُوا للهِ - خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ إِلى الحِسَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويُخوّفهم الحق سبحانه هنا من يوم القيامة بعد أن صَوّر لهم ما سوف يدّعونه، بأن يُؤخّر الحق حسابهم، وأنْ يُعيدهم إلى الدنيا لعلّهم يعملون عملاً صالحاً، ويجيبوا دعوة الرسل. ويوضح سبحانه هنا أن الكون الذي خلقه الله سبحانه، وطرأ عليه آدم وخلفتْه من بعده ذريته؛ قد أعدّه سبحانه وسخَّره في خدمة آدم وذريته من بعده؛ وهم يعيشون في الكون بأسباب الله المَمْدودة في أنفسهم، والمنثورة في هذا الكون لكل مخلوق لله، مؤمنهم وكافرهم؛ فمَنْ يأخذ بتلك الأسباب هو مَنْ يغلب. وسبحانه القائل: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. وهكذا شاء الله أنْ يهبَ عباده الارتقاء في الدنيا بالأسباب؛ أما حياة الآخرة فنحن نحياها بالمُسبِّب؛ وبمجرد أنْ تخطرَ على بال المؤمن رغبةٌ في شيء يجده قد تحقق. وهذا أمر لا يحتاج إلى أرض قَدَّر فيها الحق أقواتها، وجعل فيها رواسي؛ وأنزل عليها من السماء ماء، إذن: فهي أرض غير الأرض؛ وسماء غير السماء؛ لأن الأرض التي نعرفها هي أرض أسباب؛ والسماء التي نعرفها هي سماء أسباب. وفي جنة الآخرة لا أسبابَ هناك؛ لذلك لا بُدّ أن تتبدَّل الأرض، وكذلك السماء. وقوله الحق: {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]. فهو يعني ألا يكون هناك أحد معهم سِوى ربهم؛ لأن البروز هو الخروج والمواجهة. والمؤمن وجد ربه إيماناً بالغيب في دُنْياه؛ وهو مؤمن به وبكل ما جاء عنه؛ كقيام الساعة، ووجود الجنة والنار. وكلنا يذكر حديث : حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد أصحابه حين سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحتَ؟ فقال الصحابي: أصبحتُ مؤمناً بالله حقاً. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لكل حق حقيقة؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال الصحابي: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي: تساوي الذهب بالتراب - وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون. فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "عرفت فالزم" ". تفسير : هذا هو حال المؤمن، أما الكافر فحاله مختلف. فهو يبرز ليجد الله الذي أنكره، وهي مواجهة لم يَكُنْ ينتظرها، ولذلك قال الحق سبحانه في وَصْف ذاته هنا: {ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]. وليس هناك إله آخر سيقول له "اتركهم من أجل خاطري". وفي آية أخرى يقول عن هؤلاء: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..} تفسير : [النور: 39]. أي: أنه يُفَاجأ بمثل هذا الموقف الذي لم يستعِد له. وقوله: {ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]. أي: القادر على قَهْر المخلوق على غير مُرَاده. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 468 : 8 : 2 - سفين عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ} قال، تبدل بأرض بيضآء كالفضة، لم تعمل فيها خطية قط، ولم يسفك فيها دم حرام قط. [الآية 48].

همام الصنعاني

تفسير : 1423- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ}: [الآية: 48]، قال: حديث : بلغنا أنَّ عائشةَ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقالت: أين الناس يَوْمئذٍ؟ قال: "هُم عَلَى الصِّراطِ ". تفسير : 1424- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ}: [الآية: 48]، قال: تبدل أرضاً بيضاء كالفظة، لم تُعْمَلْ فِيهَا خطيئة، ولم يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ.