Verse. 1802 (AR)

١٤ - إِبْرَاهِيم

14 - Ibraheem (AR)

ہٰذَا بَلٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوْا بِہٖ وَلِيَعْلَمُوْۗا اَنَّمَا ہُوَاِلٰہٌ وَّاحِدٌ وَّلِيَذَّكَّرَ اُولُوا الْاَلْبَابِ۝۵۲ۧ
Hatha balaghun lilnnasi waliyuntharoo bihi waliyaAAlamoo annama huwa ilahun wahidun waliyaththakkara oloo alalbabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هذا» القرآن «بلاغ للناس» أي أنزل لتبليغهم «ولينذروا به وليعلموا» بما فيه من الحجج «أنما هو» أي الله «إله واحد وليذكّر» بإدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ «أولوا الألباب» أصحاب العقول.

52

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس؛ كقوله: {أية : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] أي: هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن؛ كما قال في أول السورة: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} الآية، {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي: ليتعظوا به، {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي: يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو، {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: ذوو العقول. آخر تفسير سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والحمد لله رب العالمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هَٰذَا } القرآن {بَلَٰغٌ لّلنَّاسِ } أي أُنزل لتبليغهم {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ } بما فيه من الحجج {أَنَّمَا هُوَ } أي الله {إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ } بإدغام التاء في الأصل مِنَ الذال يتعظ {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَٰبِ } أصحاب العقول.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {هذا بلاغ للناس} فيه قولان: أحدهما: هذا الإنذار كاف للناس، قاله ابن شجرة. الثاني: هذا القرآن كافٍ للناس، قاله ابن زيد. {ولينذروا به} فيه وجهان: أحدهما: بالرسول. الثاني: بالقرآن. {وليعلموا أنما هو إله واحدٌ} لما فيه من الدلائل على توحيده. {وليذكّرَ أولوا الألباب} فيه وجهان: أحدهما: وليتعظ، قاله الكلبي. الثاني: ليسترجع يعني بما سمع من المواعظ. أولو الألباب، أي ذوو العقول. وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ابو السعود

تفسير : {هَـٰذَا} أي ما ذكر من قوله سبحانه: { أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً} تفسير : إلى قوله: {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} {بَلاَغٌ} كفايةٌ في العظة والتذكيرِ من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورةُ الكريمة أو كلُّ القرآن المجيدِ من فنون العظات والقوارعِ {لِلنَّاسِ} للكفار خاصةً على تقدير اختصاصِ الإنذار بهم في قوله تعالى: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أو لهم وللمؤمنين كافةً على تقدير شمولِه لهم أيضاً وإن كان ما شرح مختصاً بالظالمين {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} عطفٌ على مقدر واللامُ متعلقةٌ بالبلاغ أي كفاية لهم في أن يُنصَحوا أو ينذَروا به، أو هذا بلاغٌ لهم ليفهموه ولينذَروا به، على أن البلاغَ بمعنى الإبلاغ كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ} تفسير : [النور: 54, العنكبوت: 18] أو متعلقة بمحذوف أي ولينذَروا به أُنزل أو تُليَ، وقرىء لينذروا به من نذر بالشيء إذا علِمه وحذِره واستعدّ له. {وَلِيَعْلَمُواْ} بالتأمل فيما فيه من الدلائل الواضحةِ هي إهلاكُ الأمم وإسكانُ آخرين (في) مساكنهم، وغيرُهما مما سبق ولحِق {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} لا شريكَ له، وتقديمُ الإنذار لأنه الداعي إلى التأمل المؤدِّي إلى ما هو غايةٌ له من العلم المذكور والتذكر في قوله تعالى: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي ليتذكروا ما كانوا يعملونه من قبلُ من التوحيد وغيرِه من شؤون الله عز وجل ومعاملتِه مع عباده فيرتدعوا عما يُرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفارُ ويتدرعوا بما يُحظيهم من العقائد الحقةِ والأعمال الصالحةِ، وفي تخصيص التذكرِ بأولي الألباب تلويحٌ باختصاص العلمِ بالكفار ودَلالةٌ على أن المشارَ إليه بهذا ما ذكرنا من القوارع المَسوقةِ لشأنهم لا كلُّ السورةِ المشتملةِ عليها على ما سيق للمؤمنين أيضاً، فإن فيه ما يفيدهم فائدةً جديدةً، وحيث كان ما يفيده البلاغُ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمراً حادثاً وبالنسبة إلى أولي الألباب الثباتَ على ذلك حسبما أُشير إليه عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر، ورُوعيَ ترتيبُ الوجودِ مع ما فيه من الختم بالحسنى والله سبحانه أعلم.. ختم الله لنا بالسعادة والحسنى ورزقنا الفوز بمرضاته في الأولى والعقبى آمين. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قرأ سورةَ إبراهيمَ أعطيَ من الأجر عشرَ حسناتٍ بعدد مَنْ عبدَ الأصنامَ ومن لم يعبُدْ » تفسير : والحمد لله وحده.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} [الآية: 52]. قال جعفر: موعظة للخلق وإنذار لهم ليجتنبوا قرناء السوء، ومجالسة المخالفين فإن القلوب إذا تعودت مجالسة الأضداد تنعكس وتنتكس. قال بعضهم: كشف للخلق ما ندبوا به وأمروا له وجعل ذلك إعذارًا إليهم، وإنذارًا لهم.

القشيري

تفسير : الحجج ظاهرة، والأمارات لائحة، والدواعي واضحة، والمهلة متسعة، والرسول عليه السلام مُبَلِّغ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد. ولكنَّ القسمةَ سابقةٌ، والتوفيقَ عن القيام ممنوعٌ، والربُّ - سبحانه - فعَّالٌ لما يريد، فَمَنْ اعتبر نجا، ومن غفل تردَّى. ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} هذا محل اعتبار العارفين لانهم الناس بالحقيقة ليزيد شوقهم الى جمال معروفهم وخوفهم من فراقه واجلالهم من عظمة وجهه منه ما لم يعلموا منه لانهم من معرفته بالحقيقة فى ظنونهم وقت ام رموهم فاذا عاينوه عرفوه وعرفوا جهلهم به وما كان من تقصيرهم فى معرفته وعبوديته وذلك حين وقعوا فى بحر توحيده ورؤية وحدانيته بقوله هو اله واحد وما وصفنا من فنائهم فى بقائه وبقائهم فى بقائه ببقائه لا بتذكر فيه الا البّاء الحقيقية وعلماء المعرفة وعشاق المشاهدة وامناء خزائن المملكة قال جعفر فى قوله هذا بلاغ للناس ولينذروا به موعظة للخلق وانذرار لهم ليجتنبوا قرناء السوء ومجالسة المخالفين فان القلوب اذا تعودت مجالسة الاضداد تنكس وتنتكس قال بعضهم كشف للخلق ما ندبوا له وامروا به وجعل ذلك اعذارا اليهم وانذارا لهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {هذا} القرآن بما فيه من فنون العظات والقوارع {بلاغ للناس} كفاية لهم فى الموعظة والتذكير. قال فى القاموس البلاغ كسحاب الكفاية {ولينذورا به} عطف على مقدر واللام متعلقة بالبلاغ اى كفاية لهم فى ان ينصحوا وينذروا به. وفى التأويلات اى لينتبهوا بهذا البلاغ قبل المفارقة عن الابدان فينتفعوا به فان الانتباه بالموت لا ينفع {وليعلموا} بالتأمل فيما فيه من الآيات {انما هو اله واحد} [آنكه اوست خداى يكتا} اى لا شريك له فيعبدوه ولا يعبدوا الها غيره من الدنيا والهوى والشيطان وما يعبدون من دون الله {وليذكر اولوا الالباب} اى لتذكروا ما كانوا يعملون من قبل من التوحيد وغيره من شؤون الله ومعاملته مع عباده فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التى يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحصنهم من العقائد الحقة والاعمال الصالحة. قال البيضاوى اعلم انه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هى الغاية والحكمة فى انزال الكتب تكميل الرسل للناس واستكمال القوة النظرية التى منتهى كمالها التوحيد واستصلاح القوة العملية التى هو التدرع بلباس التقوى. قال فى بحر العلوم {وليذكر اولوا الالباب} اى وليتعظ ذووا الالباب من الاولين والآخرين قال الله تعالى {أية : ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله} تفسير : ويكفيهم ذلك عظة ان اتعظوا والعقول فى ذلك متفاوتة فيجزى كل احد منهم على قدر عقله قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الجنة مدينة من نور لم ينظر اليها ملك مقرب ولا نبى مرسل جميع ما فيها من القصور والغرف والازواج والخدام من النور اعدها الله للعاقلين فاذا ميز الله اهل الجنة من اهل النار ميز اهل العقل فجعلهم فى تلك المدينة فيجزى كل قوم على قدر عقولهم فيتفاوتون فى الدرجات كما بين مشارق الارض ومغاربها بالف ضعف" تفسير : يقول الفقير اشير بالعقلاء ههنا من اختاروا الله على غيره وان كانا متفاوتين فى مراتبهم بحسب تفاوت عقولهم وعلومهم بالله وهم المرادون فيما ورد "حديث : اكثر اهل الجنة البله" تفسير : والعقلاء فى عليين فالابله وهو من اختار الجنة ونعيمها دون من اختار الله وقربه فى المرتبة فانه العابد بالمعاملات الشرعية وهذا العارف بالاسرار الالهية والعارف فوق العابد ألا ترى ان مقامه من نور ومقام العابد من الجوهر والنور فوق الجوهر فى اللطافة: قال الكمال الخجندى شعر : نيست مارا غم طوبى وتمناى بهشت شيوه مردم نا اهل بود همست بست تفسير : وقال الملوى الجامى شعر : يا من ملكوت كل شيء بيده طوبى لمن ارتضاك ذخره الغده اين بس كه دلم جز توندارد كامى توخواه بده كام دلم خواه مده تفسير : جعلنا الله ممن اختاره على غيره فى المحافظة على حدوده واتعظ بموعظته ونصيحته وخلص له امر محياه ومماته ورزقنا الفوز بشرف عفوه ومرضاته برسوله محمد وعترته الطيبين الطاهرين آمين. تمت سورة ابراهيم بعون الله الكريم صبيحة اليوم الاول من ذى الحجة من سنة ثلاث ومائة وألف.

الهواري

تفسير : قوله: { هَذَا بِلاَغٌ لِّلنَّاسِ} أي: القرآن بلاغ للمؤمنين، والناس ها هنا المؤمنون. بلاغ، أي: يبلغهم إلى الجنة. {وَلِيُنذَرُوا بِهِ} أي: بالقرآن {وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ليس له شريك، وقد علموا ذلك وتيقّنوه { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}. أي: أولو العقول، وهم المؤمنون.

اطفيش

تفسير : {هَذَا} أى القرآن أو ما فيه من العظة والتذكير أو المذكور الذى هو السورة أو ما فيها من ذلك أو ما وصفه بقوله ولا تحسبن الله إِلى قوله الحساب {بَلاَغٌ لِلنَّاسِ} أى تبليغ أى ذو تبليغ أو مبلغ بفتح اللام أو البلاغ الكفاية أى يكفيهم ذلك فى الوعظ والناس على العموم وقيل المراد المؤمنون {وَلِيُنذَرُوا بِهِ} أى بهذا البلاغ والعطف على محذوف متعلق بالبلاغ أى بلاغ لينصحوا أو لينذروا به أو ليتعلق بمحذوف هكذا أى ولينذروا به نزل أو تلى والإِنذار تخويف وقرىء بفتح الباء والذال من نذر به بكسر الذال إِذا علمه واستعد له {وَلِيَعْلَمُوا} بما فيه من الحجج {أنَّمَا هُوَ} أى الله {إِلَهٌ وَاحِدٌ} وذلك أنهم إِذا خافوا ما أُنذروا به نظروا لأَنفسهم ما يلجمون به منه فيتوصوا إِلى التوحيد والطاعة لأَن الخشية أم الخير كله {وَلِيَذَّكَّرَ} بتذكر أُبدلت التاء دالا وسكنت وأُدغمت فى الذال {أُوْلُوا الأَلْبَابِ} أصحاب العقول فيرتدعوا عما يهلكهم وأفاد قوله لينذروا به تكميل الرسل وبقوله وليعلموا أنما هو إِله واحد استكمالهم القوة النظرية التى منتهى كمالها التوحيد وبقوله وليذكر إِلى آخره استصلاح القوة العملية التى هى التدرع بلباس التقوى فتلك ثلاث فوائد للبلاغ هن الغاية والحكمة فى إِنزال الكتب جعلنا الله من الفائزين بهن ـ صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {هَذَا} مضمون ما ذكره من قوله: "أية : ولا تحسبن"تفسير : [آل عمران: 169، إبراهيم: 42] إلى هنا، أَو القرآن الذى هو هذه السورة، فإن بعض القرآن قرآن، أَو ما فيه أو ما فيها من العظة والتذكير {بَلاَغٌ لِلنَّاسِ} هو ما فيه كفاية فى الترهيب والترغيب، أَو كأَنه هذا مبلغ لهم إلى الخير إن عملوا به، فيكون بمعنى الوصف {وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} عطف على محذوف أَى أَنزلناه ليبشروا به ولينذروا به، أَو لينصحوا ولينذروا {وَلِيَعْلَمُوا} بالتدبر فيه وفى سائِر الدلائِل {أَنَّمَا هُوَ} أى الله {إِلهٌ وَاحِدٌ} فلا يعبد سواه {وَلِيَذَّكَّرَ} يتذكر {أَولُوا الأَلْبَابَ} فيجعلوا لأَنفسهم عن النار درعا بالإِيمان والتقوى والعمل الصالح. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

الالوسي

تفسير : {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ} أي ما ذكر من قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً } تفسير : [إبراهيم: 42] إلى هنا، وجوز أن يكون الإشارة إلى القرآن وهو المروي عن ابن زيد أو إلى السورة والتذكير باعتبار الخبر وهو {بَلاَغٌ} والكلام على الأول أبلغ فكأنه قيل: هذا المذكور آنفاً كفاية في العظة والتذكير من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن المجيد من فنون العظات والقوارع، وأصل البلاغ مصدر بمعنى التبليغ وبهذا فسره الراغب في الآية، وذكر مجيئه بمعنى الكفاية في آية أخرى {لِلنَّاسِ} للكفار خاصة على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله سبحانه: {أية : وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ } تفسير : [إبراهيم: 44] أو لهم وللمؤمنين كافة على تقدير شمولهم أيضاً وإن كان ما شرح مختصاً بالظالمين على ما قيل. {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} عطف على محذوف أي لينصحوا أو لينذروا به أو نحو ذلك فتكون اللام متعلقة بالبلاغ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف وتقديره ولينذروا به أنزل أو تلي، وقال الماوردي: الواو زائدة، وعن المبرد هو عطف مفرد على مفرد أي هذا بلاغ وإنذار، ولعله تفسير معنى لا إعراب. وقال ابن عطية: أي هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به فجعل ذلك خبراً لهو محذوفاً، وقيل اللام لام الأمر، قال بعضهم: وهو حسن لولا قوله سبحانه: {وَلِيَذَّكَّرَ} فإنه منصوب لا غير، وارتضى ذلك أبو حيان وقال: إن ما ذكر لا يخدشه إذ لا يتعين عطف {ليذكر} على الأمر بل يجوز أن يضمر له فعل يتعلق به، ولا يخفى أنه تكلف. وقرأ يحيى بن عمارة الذراع عن أبيه وأحمد بن يزيد السلمي {ولينذروا} بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء إذا علم به فاستعد له قالوا: ولم يعرف لنذر بمعنى علم مصدر فهو كعسى وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها، وقيل: إنهم استغنوا بأن والفعل عن صريح المصدر، وفي "القاموس" ((نذر بالشيء كَفرحَ عَلِمَه فَحَذِرَه وأنذره بالأمر إنذاراً ونذراً ونذيراً أعلمه وحذره)). وقرأ مجاهد وحميد بتاء مضمومة وكسر الذال. {وَلِيَعْلَمُواْ} بالنظر والتأمل بما فيه من الدلائل الواضحة التي هي إهلاك الأمم وإسكان آخرين مساكنهم وغيرهما مما تضمنه ما أشار إليه {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} لا شريك له أصلاً، وتقديم الإنذار لأنه داع إلى التأمل المستتبع للعلم المذكور {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلألْبَـٰبِ} أي ليتذكروا شؤون الله تعالى ومعاملته مع عباده ونحو ذلك فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحظيهم لديه عز وجل من العقائد الحقة والأعمال الصالحة. وفي تخصيص التذكر بأولي الألباب إعلاء لشأنهم. وفي "إرشاد العقل السليم" أن في ذلك تلويحاً باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار إليه بهذا القوارع المسوقة لشأنهم لا كل السورة المشتملة عليها وعلى ما سيق للمؤمنين أيضاً فإن فيه ما يفيدهم فائدة جديدة، وللبحث فيه مجال، وفيه أيضاً أنه حيث كان ما يفيده البلاغ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمراً حادثاً وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ذلك عبر عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر وروعي ترتيب الوجود مع ما/ فيه من الختم بالحسنى. وذكر القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب. تكميل الرسل عليهم السلام للناس المشار إليه بالإنذار واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها ما يتعلق بمعرفة الله تعالى المشار إليه بالعلم، واستصلاح القوة التي هي التدرع بلباس التقوى المشار إليه بالتذكر، والظاهر أن المراد بأولي الألباب أصحاب العقول الخالصة من شوائب الوهم مطلقاً، ولا يقدح في ذلك ما قيل: إن الآية نزلت في أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، وقد ناسب مختتم هذه السورة مفتتحها وكثيراً ما جاء ذلك في سور القرآن حتى زعم بعضهم أن قوله تعالى: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } معطوف على قوله سبحانه: {أية : لّتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ } تفسير : [إبراهيم: 1] وهو من البعد بمكان، نسأله سبحانه عز وجل أن يمن علينا بشآبيب العفو والغفران. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} قال ابن عطاء: أراد عليه السلام أن يجعل سبحانه قلبه آمناً من الفراق والحجاب، وقيل: اجعل بلد قلبـي ذا أمن بك عنك {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } تفسير : [إبراهيم: 35] من المرغوبات الدنية والمشتهيات الحسية. وقال جعفر رضي الله تعالى عنه: أراد عليه السلام لا تردني إلى مشاهدة الخلة ولا ترد أولادي إلى مشاهدة النبوة، وعنه أنه قال: أصنام الخلة خطرات الغفلة ولحظات المحبة، وفي رواية أخرى أنه عليه السلام كان آمناً من عبادة الأصنام في كبره وقد كسرها في صغره لكنه علم أن هوى كل إنسان ضمنه فاستعاذ من ذلك. وقال الجنيد قدس سره: أي امنعني وبني أن نرى لأنفسنا وسيلة إليك غير الافتقار، وقيل: كل ما وقف العارف عليه غير الحق سبحانه فهو صنمه، وجاء النفس هو الصنم الأكبر {رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ} بالتعلق بها والانجذاب إليها والاحتجاب بها عنك سبحانك {فَمَن تَبِعَنِى} في طريق المجاهدة والخلة ببذل الروح بين يديك {فَإِنَّهُ مِنّى } طينته من طينتي وقلبه من قلبـي وروحه من روحي وسره من سري ومشربه في الخلة من مشربـي {وَمَنْ عَصَانِى } وفعل ما يقتضي الحجاب عنك {أية : فإنك غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [إبراهيم: 36] فلا أدعو عليه وأفوض أمره إليك. قيل: إن هذا منه عليه السلام دعاء للعاصي بستر ظلمته بنوره تعالى ورحمته جل شأنه إياه بإفاضة الكمال عليه بعد المغفرة. ومن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : . وفي "أسرار التأويل" أنه عليه السلام أشار بقوله: {وَمَنْ عَصَانِى } إلى مقام الجمع ولذا لم يقل: ومن عصاك ويجوز أن يقال: إنما أضاف عصيانهم إلى نفسه لأن عصيان الخلق للخالق غير ممكن، وما من دابة إلاّ وربـي آخذ بناصيتها فهم في كل أحوالهم مجيبون لداعي ألسنة مشيئته سبحانه وإرادته القديمة، وسئل عبد العزيز المكي لم لم يقل الخليل ومن عصاك؟ فقال لأنه عظم ربه عز وجل وأجله من أن يثبت أن أحداً يجترىء على معصيته سبحانه وكذا أجله سبحانه من أن يبلغ أحد مبلغ ما يليق بشأنه عز شأنه من طاعته حيث قال {فَمَن تَبِعَنِى} {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} قيل: إن من عادة الله تعالى أن يبتلي خليله بالعظائم لينزعه عن نفسه وعن جميع الخليقة لئلا يبقى بينه وبينه حجاب من الحدثان، فلذا أمر جل شأنه هذا الخليل أن يسكن من ذريته في وادي الحرم بلا ماء ولا زاد لينقطع إليه ولا يعتمد إلا عليه عز وجل، وناداه باسم الرب طمعاً في تربية عياله وأهله بألطافه وايوائهم إلى جوار كرامته {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} التي يصل العبد بها إليك ويكون مرآة تجليك {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} تميل بوصف الإرادة والمحبة ليسلكوهم إليك ويدلوهم عليك، قال ابن عطاء من انقطاع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى إليه وجوه الخلق وجعل مودته في صدورهم ومحبته في/ قلوبهم، وذلك من دعاء الخليل عليه السلام لمّا قطع أهله عن الخلق والأسباب قال: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} قيل: أي ثمرات طاعتك وهي المقامات الرفيعة والدرجات الشريفة. وقال الواسطي: ثمرات القلوب وهو أنواع الحكمة ورئيس الحكمة رؤية المنة والعجز عن الشكر على النعمة وهو الشكر الحقيقي ولذلك قال: {أية : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تفسير : [إبراهيم: 37] أي يعلمون أنه لا يتهيأ لأحد أن يقوم بشكرك وثمرة الحكمة تزيل الأمراض عن القلوب كما أن ثمرة الاشجار تزيل أمراض النفوس. وقيل: أي أرزقهم الأولاد الأنبياء والصلحاء، وفيه إشارة إلى دعوته بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم المعنى له بقوله: {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً} تفسير : [البقرة: 129] وأي الثمرات أشهى من أصفى الأصفياء وأتقى الأتقياء وأفضل أهل الأرض والسماء وحبيب ذي العظمة والكبرياء فهو عليه الصلاة والسلام ثمرة الشجرة الإبراهيمية وزهرة رياض الدعوة الخليلية بل هو صلى الله عليه وسلم ثمرة شجرة الوجود ونور حديقة الكرم والجود ونور حدقة كل موجود صلى الله عليه وسلم عليه إلى اليوم المشهود {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} قال الخواص: ما نخفي من حبك وما نعلن من شكرك. وقال ابن عطاء: ما نخفي من الأحوال وما نعلن من الآداب، وقيل: ما نخفي من التضرع في عبوديتك وما نعلن من ظاهر طاعتك في شريعتك، وأيضاً ما نخفي من أسرار معرفتك وما نعلن من وظائف عبادتك، وأيضاً ما نخفى من حقائق الشوق إليك في قلوبنا وما نعلن في غلبة مواجيدنا بإجراء العبرات وتصعيد الزفرات:شعر : وارحمتا للعاشقين تكلفوا ستر المحبة والهوى فضاح بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح وإن همو كتموا تحدث عنهم عند الوشاة المدمع السحاح تفسير : وقال السيد على البندنيجي قدس سره:شعر : كتمت هوى حبيه خوف إذاعة فلله كم صب أضربه الذيع ولكن بدت آثاره من تأوهي إذا فاح مسك كيف يخفى له ضوع {أية : وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْء فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [إبراهيم: 38] فيعلم ما خفي وما علن {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [إبراهيم: 42] قيل: الظالم من تجاوز طوره وتبختر على بساط الأنانية زاعماً أنه قد تضلع من ماء زمزم المحبة واستغرق في لجي بحر الفناء، توعده الله تعالى بتأخير فضيحته إلى يوم تشخص فيه أبصار سكارى المعرفة والتوحيد وهو يوم الكشف الأكبر حين تبدو أنوار سطوات العزة فيستغرقون في عظمته بحيث لا يقدرون على الالتفات إلى غيره فهناك يتبين الصادق من الكاذب:شعر : إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى تفسير : وقوله سبحانه: {أية : مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } تفسير : [إبراهيم: 43] شرح لأحوال أصحاب الأبصار الشاخصة وهم سكارى المحبة على الحقيقة، قال ابن عطاء في: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } هذه صفة قلوب أهل الحق متعلقة بالله تعالى لا تقر إلا معه سبحانه ولا تسكن إلا إليه وليس فيها محل لغيره {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } طلبوا تدارك ما فات وذلك بتهذيب الباطن والظاهر والانتظام في سلوك الصادقين وهيهات ثم هيهات، ثم أجيبوا بما يقصم الظهر ويفصم عرى الصبر وهو قوله سبحانه: {أية : أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ } تفسير : [إبراهيم: 44] الآية {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } تفسير : [إبراهيم: 48] وذلك عند انكشاف أنوار حقيقة الوجود فيظهر هلاك كل شيء إلا وجهه. وقيل: الإشارة في الآية إلى تبدل أرض قلوب العارفين من صفات البشرية إلى الصفات الروحانية المقدسة بنور شهود جمال الحق وتبدل سمٰوات الأرواح من عجز صفات الحدوث وضعفها عن أنوار العظمة بإفاضة الصفات الحقة، وقيل: تبدل أرض الطبيعة بأرض النفس عند الوصول إلى مقام القلب، وسماء القلب بسماء السر، وكذا تبدل أرض النفس بأرض القلب، وسماء السر بسماء الروح، وكذا كل مقام يعبره السالك يتبدل ما فوقه وما تحته كتبدل سماء التوكل في توحيد الأفعال بسماء الرضا في توحيد الصفات، ثم سماء الرضا بسماء التوحيد عند كشف الذات {أية : وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } تفسير : [إبراهيم: 49] بسلاسل الشهوات {سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } وهو قطران أعمالهم النتنة {وَتَغْشَىٰ } تستر {أية : وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ } تفسير : [إبراهيم: 50] في جهنم الحرمان وسعير الإذلال والاحتجاب عن رب الارباب. {هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } [إبراهيم: 52] وهم علماء الحقيقة وأساطين المعرفة وعشاق الحضرة وأمناء خزائن المملكة، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن ذكر فتذكر وتحقق في مقر التوحيد وتقرر بمنه سبحانه وكرمه.

ابن عاشور

تفسير : الإشارة إلى الكلام السابق في السورة كلها من أيْنَ ابتدأتهُ أصبت مراد الإشارة، والأحسن أن يكون للسورة كلها. والبلاغ اسم مصدر التبليغ، أي هذا المقدار من القرآن في هذه السورة تبليغ للناس كلهم. واللام في {للناس} هي المعروفة بلام التبليغ، وهي التي تدخل على اسم من يَسمع قولاً أو ما في معناه. وعطف {ولينذروا} على {بلاغ} عطف على كلام مقدر يدل عليه لفظ {بلاغ}، إذ ليس في الجملة التي قبله ما يصلح لأن يعطف هذا عليه فإن وجود لام الجر مع وجود واو العطف مانع من جعله عطفاً على الخبر، لأن المجرور إذا وقع خبر عن المبتدإ اتصل به مباشرة دون عطف إذ هو بتقدير كائِن أو مستَقر، وإنما تعطف الأخبار إذا كانت أوصافاً. والتقدير هذا بلاغ للناس ليستيقظوا من غفلتهم ولينذروا به. واللام في {ولينذروا} لام كي. وقد تقدم قريب من نظم هذه الآية في قوله تعالى { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها } تفسير : في سورة الأنعام (92). والمعنى وليعلموا مِما ذكر فيه من الأدلة مَا الله إلا إلهٌ واحد، أي مقصور على الإلهية الموحدة. وهذا قصر موصوف على صفة وهو إضافي، أي أنه تعالى لا يتجاوز تلك الصفة إلى صفة التعدد بالكثرة أو التثليث، كقوله: { أية : إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } تفسير : [سورة النساء: 171]. والتذكر: النظر في أدلة صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ووجوب اتباعه، ولذلك خص بذوي الألباب تنزيلاً لغيرهم منزلة من لا عقول لهم { أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } تفسير : [سورة الفرقان: 44]. وقد رتبت صفات الآيات المشار إليها باسم الإشارة على ترتيب عقلي بحسب حصول بعضها عقب بعض، فابتدىء بالصفة العامة وهي حصول التبليغ. ثم ما يعقب حصول التبليغ من الإنذار ثم ما ينشأ عنه من العلم بالوحدانية لما في خلال هذه السورة من الدلائل. ثم بالتذكير في ما جاء به ذلك البلاغ وهو تفاصيل العلم والعمل. وهذه المراتب هي جامع حكمة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم موزعة على من بَلّغ إليهم. ويختص المسلمون بمضمون قوله: {وليذكر أولوا الألباب}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاس} الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس وأوضح هذا المعنى في قوله: {أية : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وبين أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائناً من كان في قوله: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} تفسير : [هود: 17] الآية. قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. بين في هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم العلم بأنه تعالى إله واحد، وأن من حكمه أن يتعظ أصحاب العقول. وبين هذا في مواضع أخر فذكر الحكمة الأولى في أول سورة هود في قوله: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [هود: 1-2] الآية، كما تقدم إيضاحه، وذكر الحكمة الثانية في قوله: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [ص: 29] وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، واحد الألباب لب بالضم، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَلاَغٌ} {وَاحِدٌ} {أُوْلُواْ} {ٱلأَلْبَابِ} (52) - هذا القُرْآنُ بَلاَغٌ لِجَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ، مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، لِيَتَّعِظُوا بِهِ، وَلِيَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ، وَلِيَسْتَدِلُّوا بِمَا فِيهِ مِنَ الحُجَجِ وَالدَّلاَلاَتِ عَلَى أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لا إِلهَ غَيْرُهُ، وَلْيَتَذَكَّر ذَوُو العُقُولِ وَالأَفْهاَم ِ(الأَلْبَابِ). بَلاَغٌ لِلنَّاسِ - كِفَايَةٌ فِي العِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ. الأَلْبَابِ - العُقُولِ وَالأَفْهَامِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية هي مِسْك الختام لسورة إبراهيم، ذلك أنها ركَّزَتْ الدعوة؛ بلاغاً صدر عن الله ليبلغه لرسوله الذي أُيِّد بالمعجزة؛ لِيحمِلَ منهج الحياة للإنسان الخليفة في الأرض. وإذا ما صدرتْ قوانينُ حركة الحياة للإنسان الخليفة في الأرض المخلوق لله، وجب ألاَّ يتزيَّد عليها أحدٌ بإكمال ولا بإتمام؛ لأن الذي خلق هو الذي شرَّع، وهذه مسألة يجب أن تكون على ذِكْر من بَالِ كل إنسان مُكلَّف. وحين تقرأ هذا القَوْل الحكيم: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ..} [إبراهيم: 52]. تجد أنه يحمل إشارة إلى القرآن كله؛ ذلك أن حدود البلاغ هو كل شيء نزل من عند الله. وقول الحق سبحانه: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ..} [إبراهيم: 52]. قد أعطانا ما يعطيه النص القانوني الحديث، ذلك أن النصَّ القانوني الحديث يوضح أنه لا عقوبةَ إلا بنصٍّ يُجرِّم الفعل، ولا بُدَّ من إعلان النصِّ لكافَّة الناس؛ ولذلك تُنشَر القوانين في الجريدة الرسمية للدولة، كي لا يقولَ أحد: أنا أجهل صدور القانون. وكلنا يعلم أن الحق سبحانه قد قال: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. فمهمة الرسول - إذنْ - هي البلاغ عن الله لمنهج الحياة الذي يصون حركة الحياة. ويقول سبحانه عن مهمة الرسول: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40]. ويقول سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 39]. ويقول الحق سبحانه على لسان الرسول: {أية : لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ..} تفسير : [الأعراف: 93]. ويقول أيضاً: {أية : أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ..} تفسير : [هود: 57]. وهكذا لا توجد حُجّة لقائل: إني أُخِذْتُ بذنب لم أعرف أنه ذنبٌ وقْتَ التكليف. لا حُجّة لقائلِ هذا القول؛ لأن الحق سبحانه يقول في نفس الآية: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ..} [إبراهيم: 52]. والإنذار: تخويف بشرٍّ سوف يقع من قبل زمنه، ليوضح لك بشاعة المخالفة، وكذلك التبشير هو تنبيه لخير قادم لم يَأتِ أوانه كي تستعدّ لاستقباله. وقَوْل الحق سبحانه: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ..} [إبراهيم: 52]. يتضمن البشارة أيضاً؛ ولكنه يرتكز ويؤكد من بعد ذلك في قوله: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ..} [إبراهيم: 52]. لأن الخيبة ستقع على مرتكب الذنوب. وأقول: إن الإنذار هنا هو نعمة؛ لأنه يُذكِّر الإنسان فلا يُقدِم على ارتكاب الذنب أو المعصية، فساعةَ تُقدم للإنسان مغبة العمل السيء؛ فكأنك تُقدم إليه نعمة، وتُسدي إليه جميلاً ومعروفاً. ويتابع سبحانه: {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [إبراهيم: 52]. وهذه هي القضية العقدية الأولى، والتي تأتي في قِمّة كل القضايا؛ فهو إله واحد نصدر جميعاً عن أمره؛ لأن الأمر الهام في هذه الحياة أن تتضافر حركة الأحياء وتتساند؛ لا أن تتعاند. ولا يرتقي بنيان، ما إذا كنتَ أنت تبني يوماً ليأتي غيرك فيهدم ما بنيتَ. ومهمة حركة الحياة أن نُؤدِّي مهمتنا كخلفاء لله في الأرض؛ بأن تتعاضدَ مواهبنا، لا أن تتعارضَ، فيتحرك المجتمع الإنساني كله في اتجاه واحد؛ لأنه من إله واحد وأمر واحد. وحين يقول الحق سبحانه: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ ..} [إبراهيم: 52]. فهو يحدد لنا قِوَام الدين بعد تلقّيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُبلّغه مَنْ سمعه لمن لم يسمعه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى مَنْ لم يسمعها ". تفسير : وذلك لتبقى سلسلة البلاغ متصلة، وإنْ لم يُبلغ قوم فالوِزْر على مَنْ لم يُبلّغ، وبذلك يحرم نفسه من شرف التبعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فَمنْ يعلم حكماً من أحكام الدين؛ فالمطلوب منه هو تبليغه للغير؛ مثلما طلب الحق سبحانه من رسوله أن يُبلِّغ أحكامه. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143]. وهكذا شهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بلَّغكم وبَقِي على كل مسلم يعلم حُكْما من أحكام الدين أن يُبلِّغه لِمَنْ لا يعرفه؛ فقد ينتفع به أكثر منه؛ وبعد أن سمع الحكم قد يعمل به، بينما مَنْ أبلغه الحكم لا يعمل به. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامع ". تفسير : ولذلك أقول دائماً: إياك أن تخلط بين المعلومة التي تُقال لك: وبين سلوك مَنْ قالها لك، ولنسمع الشاعر الذي قال: شعر : خُذْ عِلْمي ولاَ تركَنْ إلى عَملِي وَاجْنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للحطَبِ تفسير : وهكذا يتحمل المسلم مسئولية الإبلاغِ بما يعرف من أحكام الدين لمن لا عِلْمَ لهم بها؛ لتظل الرسالة موصولة، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ..} تفسير : [آل عمران: 110]. أي: أنكم يا أمة محمد، قد أخذتم مهمة الأنبياء. ولأن البلاغ قد جاء من الله على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول أمين في تبليغه؛ لذلك لا يمكن أنْ يصدرَ عن الواحد الحكيم أوامر متضاربة، ولكن التضارب إنما ينشأ من اختلاف الآخر؛ أو من عدم حكمة الآمر، ولْنُدقِّق جيداً في قول الحق سبحانه: {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [إبراهيم: 52]. فكلمة "واحد" جاءت لتمنع مجرّد تصوُّر الشراكة؛ فلا أحدَ مثله، وهو أحدٌ غير مُركَّب من أجزاء؛ فليس له أجهزة تشبه أجهزة البشر مثلاً؛ فلو كان له أجهزة لَكانَ في ذاته يحتاجُ لأبعاضه، وهذا لا يصِحُّ ولا يمكن تخيُّله مع الله سبحانه وتعالى. وتلك هي القضية الأساسية التي يعيها أولو الألباب الذين يستقبلون هذا البلاغ. وأولو الألباب هي جمع، ومفرد "ألباب" هو "لُبّ"، ولُبّ الشيء هو حقيقة جوهره؛ لأن القشرةَ توجد لتحفظَ هذا اللُّب، والمحفوظ دائماً هو أنفَسُ من الشيء الذي يُغلّفه لِيحفظه. وهكذا يكون أولو الألباب هم البشر الذين يستقبلون القضية الإيمانية بعقولهم؛ ويُحرِّكون عقولهم ليتذكروها دائماً؛ ذلك أن مشاغل الحياة ومُتعتها وشهواتها قد تَصْرِف الإنسان عن المنهج؛ ولذلك قال الحق سبحانه هنا: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52]. أي: يتذكر أصحاب العقول أن الله واحدٌ أحد؛ فلا إلهَ إلا هو؛ ولذلك شهد سبحانه لنفسه قبل أنْ يشهدَ له أيُّ كائن آخر، وقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. وهذه شهادةُ الذات للذاتِ، ويُضيف سبحانه: {أية : وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. وشهادة الملائكة هي شهادة المُواجهة التي عايشوها، وشهادة أُولي الألبابِ هي شهادة الاستدلال. وشهد الحق سبحانه أيضاً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول؛ وكذلك شهد الرسول لنفسه، فهو يقول مثلنا جميعاً: "حديث : أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله ". تفسير : وهكذا فعَلى أُولي الألباب مهمة. أنْ يتذكَّروا ويُذكِّروا بأنه إله واحد أحدٌ.