Verse. 1803 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

الۗرٰ۝۰ۣ تِلْكَ اٰيٰتُ الْكِتٰبِ وَقُرْاٰنٍ مُّبِيْنٍ۝۱
Aliflamra tilka ayatu alkitabi waquranin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «وقرآن مبين» مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {تِلْكَ } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. والمراد بالكتاب والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان. أما قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم {رُّبَمَا } خفيفة الباء والباقون مشددة قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، وقيس وبكر يثقلونها، وأقول في هذه اللفظة لغات، وذلك لأن الراء من رب وردت مضمومة ومفتوحة، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع حرف ما، وتارة بدونها وأيضاً تارة مع التاء وتارة بدونها وأنشدوا: شعر : أسمى ما يدريك أن رب فتية باكرت لذتهم بأذكر مسرع تفسير : ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلي: شعر : أزهير أن يشب القذال فإنني رب هيضل مرس كففت بهيضل تفسير : والهيضل جماعة متسلحة، وأيضاً هذه الكلمة قد تجيء حالتي تشديد الباء وتخفيفها مع حرف «ما» كقولك: ربما وربما وتارة مع التاء، وحرف «ما» كقولك: ربتما وربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمومة وقد تكون مفتوحة، فيقال: رب وربما وربتما حكاه قطرب قال أبو علي: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث، نحو: ثم وثمت، ورب وربت، ولا ولات، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في «البسيط». المسألة الثانية: رب حرف جر عند سيبويه، ويلحقها «ما» على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شيء، وذلك كقوله: شعر : رب ما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال تفسير : فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة، فإن المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسماً ولم يكن حرفاً، كما أن قوله تعالى: { أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } تفسير : [المؤمنون: 55] لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم، ومما يدل على أن «ماء» قد يكون اسماً إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر: شعر : يا رب من ينقص أزوادنا رحن على نقصانه واغتدين تفسير : فكما دخلت رب على كلمة «من» وكانت نكرة، فكذلك تدخل على كلمة (ما) فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخلوها كفت الحرف عن العمل الذي كان له، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت «ما» عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية، والله أعلم. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل، وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير، فإذا قال الرجل: ربما زارنا فلان، دل ربما على تقليله الزيارة. قال الزجاج: ومن قال إن رب يعني بها الكثرة، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة، وعلى هذا التقدير: فههنا سؤال، وهو أن تمني الكافر الإسلام مقطوع به، وكلما رب تفيد الظن، وأيضاً أن ذلك التمني يكثر ويتصل، فلا يليق به لفظة {رُّبَمَا } مع أنها تفيد التقليل. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع للتقليل، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك، والمقصود منه: إظهار التوقع والاستغناء عن التصريح بالغرض، فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك، وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك، ومنه قول القائل: شعر : قد أترك القرن مصفراً أنامله تفسير : والوجه الثاني: في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد، ومعناه: أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجراً عن هذا الفعل فكيف كثيره؟ والوجه الثالث: في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن كلمة «رب» مختصة بالدخول على الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها. وقال بعضهم: ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر: شعر : ربما تكره النفوس من الأمر تفسير : وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أن كلمة «رب» في هذا البيت داخلة على الإسم وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضياً، فأين أحدهما من الآخر؟ إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقلي، وإنما الرجوع فيه إلى النقل والاستعمال، ولو أنهم وجدوا بيتاً مشتملاً على هذا الاستعمال لقالوا إنه جائز صحيح وكلام الله أقوى وأجل وأشرف، فلم لم يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه وصحته. ثم نقول إن الأدباء أجابوا عن هذا السؤال من وجهين: الأول: قالوا: إن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودوا. الثاني: أن كلمة «ما» في قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } اسم و {يَوَدُّ } صفة له، والتقدير: رب شيء يوده الذين كفروا. قال الزجاج: ومن زعم أن الآية على إضمار كان وتقديره ربما يود الذين كفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه ألا ترى أن كان لا تضمر عنده ولم يجز عبد الله المقبول وأنت تريد كان عبد الله المقبول. المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } على محمل آخر، والأصح ما قاله الزجاج فإنه قال: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً، وهذا الوجه هو الأصح. وأما المتقدمون فقد ذكروا وجوهاً. قال الضحاك: المراد منه ما يكون عند الموت، فإن الكافر إذا شاهد علامات العقاب ود لو كان مسلماً. وقيل: إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت وجوههم، وقيل: بل عند دخولهم النار ونزول العذاب، فإنهم يقولون: { أية : أَخّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [إبراهيم: 44] وروى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار، فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من النار، فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين » تفسير : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة. قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. قال القاضي: هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، وعلى أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب، وهذان الأصلان عنده مردودان، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا مسلمين، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار، والله أعلم. فإن قيل: إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه، والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب وهذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة وتألم القلب. قلنا: أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا، فالله سبحانه أرضى كل أحد بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال: { أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } تفسير : [الحجر: 47]، والله أعلم. أما قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وقوله: {وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ } يقال: لهيت عن الشيء ألهي لهياً، وجاء في الحديث أن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه. قال الكسائي والأصمعي: كل شيء تركته فقد لهيت عنه وأنشد: شعر : صرمت حبالك فاله عنها زينب ولقد أطلت عتابها لو تعتب تفسير : فقوله فاله عنها أي اتركها وأعرض عنها. قال المفسرون: شغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة فسوف يعلمون. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذة الآية على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين، والدليل عليه أنه تعالى قال لرسوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ } فحكم بأن إقبالهم على التمتع واستغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن الإيمان والطاعة ثم إنه تعالى أذن لهم فيها، وذلك يدل على المقصود. قالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً بل هذا تهديد ووعيد. قلنا ظاهر قوله: {ذَرْهُمْ } إذن أقصى ما في الباب أنه تعالى نبه على أن إقبالهم على هذه الأعمال يضرهم في دينهم، وهذا عين ما ذكرناه من أنه تعالى أذن في شيء مع أنه نص على كون ذلك الشيء مفسدة لهم في الدين. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين، والأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنان: الحرص على المال وطول الأمل » تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم أنه نقط ثلاث وقال: « حديث : هذا ابن آدم، وهذا الأمل، وهذا الأجل، ودون الأمل تسع وتسعون منية فإن أخذته إحداهن، وإلا فالهرم من ورائه » تفسير : وعن علي عليه السلام أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : تقدّم معناه. و«الكتاب» قيل فيه: إنه اسم لجنس الكتب المتقدّمة من التوراة والإنجيل، ثم قرنهما بالكتاب المبين. وقيل: الكتاب هو القرآن، جمع له بين الاسمين.

البيضاوي

تفسير : وهي تسع وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {الرَ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } الإِشارة إلى آيات السورة و {ٱلْكِتَـٰبِ } هو السورة، وكذا القرآن وتنكيره للتفخيم أي آيات الجامع لكونه كتاباً كاملاً وقُرآناً يبين الرشد من الغي بياناً غريباً.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين، ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن كفار قريش لما عرضوا على النار، تمنوا أن لو كانوا مسلمين. وقيل: إن المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمناً. وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 27] وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله في قوله: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار، وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم، حدثنا ابن أبي فروة العبدي: أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته، فيخرجهم، فذلك حين يقول: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن حماد عن إبراهيم، وعن خصيف عن مجاهد، قالا: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ فإذا قالوا ذلك، قال الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قال: فعند ذلك قوله: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}، وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم، وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن العباس، هو الأخرم، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ، وابن علية يحيى بن موسى، حدثنا معرف بن واصل عن يعقوب بن نباتة عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن ناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إله إلا الله، وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم، فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرؤون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، ويدخلون الجنة، ويسمون فيها الجهنميين»تفسير : ، فقال رجل: يا أنس أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار» تفسير : نعم أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا، ثم قال الطبراني: تفرد به الجهبذ. (الحديث الثاني): قال الطبراني أيضاً: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام، وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب، فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: ياليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا ـ قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { الۤرَ تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ }» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عوض الاستعاذة. (الحديث الثالث): قال الطبراني أيضاً: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم أبو روق، واسمه عطية بن الحارث، حدثني صالح بن أبي طريف قال: سألت أبا سعيد الخدري، فقلت له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}؟ قال: نعم، سمعته يقول: «حديث : يخرج الله ناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم» تفسير : وقال: «حديث : لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم، أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون، حتى يخرجوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: ياليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم - قال - فذلك قول الله:{ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} فيسمون في الجنة الجهنميين؛ من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا رب أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة، فيذهب ذلك الاسم عنهم» تفسير : فأقرّ به أبو أسامة، وقال: نعم. (الحديث الرابع): قال ابن أبي حاتم، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد عن محمد بن جبر عن محمد بن علي، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة، وهو قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}»تفسير : . وقوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} تهديد شديد لهم ووعيد أكيد؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 30]. وقوله: {أية : كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} تفسير : [المرسلات: 46]، ولهذا قال: {وَيُلْهِهِمُ ٱلأمَلُ} أي: عن التوبة والإنابة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: عاقبة أمرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {الر } الله أعلم بمراده بذلك {تِلْكَ } هذه الآيات {ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن والإِضافة بمعنى «مِن» {وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ} مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {الر } قد تقدّم الكلام في محله مستوفي، والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتعريف في {الكتاب}. قيل: هو للجنس، والمراد جنس الكتب المتقدّمة. وقيل: المراد به القرآن، ولا يقدح في هذا ذكر القرآن بعد الكتاب، فقد قيل: إنه جمع له بين الإسمين، وقيل: المراد بالكتاب: هذه السورة، وتنكير القرآن للتفخيم، أي: القرآن الكامل {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من {ربما}. وقرأ الباقون بتشديدها، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون، ومنه قول الشاعر:شعر : ربما ضربة سيف صقيل بين بصرى وطعنة نجلاء تفسير : وتميم وربيعة يثقلونها. وقد تزاد التاء الفوقية، وأصلها أن تستعمل في القليل. وقد تستعمل في الكثير. قال الكوفيون: أي يودّ الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين. ومنه قول الشاعر:شعر : رب رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقيال تفسير : وقيل: هي هنا للتقليل؛ لأنهم ودّوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب. قيل: و"ما" هنا لحقت ربّ لتهيئها للدخول على الفعل. وقيل: هي نكرة بمعنى شيء، وإنما دخلت "ربّ" هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلاّ على الماضي؛ لأن المترقب في أخباره سبحانه كالواقع المتحقق، فكأنه قيل: ربما ودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين، أي: منقادين لحكمه مذعنين له من جملة أهله. وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة. والمراد: أنه لما انكشف لهم الأمر، واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر وأن الدين عند الله سبحانه هو الإسلام لا دين غيره، حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي لمجرد التحسر والتندم ولوم النفس على ما فرّطت في جنب الله. وقيل: كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال المسلمين. وقيل: عند خروج عصاة الموحدين من النار، والظاهر أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم. {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } هذا تهديد لهم أي: دعهم عما أنت بصدده من الأمر لهم والنهي، فهم لا يرعوون أبداً ولا يخرجون من باطل ولا يدخلون في حق، بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الدنيا، فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلاّ بذلك، ولا تشتغل بغيره، والمعنى: اتركهم على ما هم عليه من الاشتغال بالأكل ونحوه من متاع الدنيا ومن إلهاء الأمل لهم عن اتباعك فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم. وفي هذا من التهديد والزجر ما لا يقدر قدره، يقال: ألهاه كذا أي: شغله، ولهى هو عن الشيء يلهى، أي: شغلهم الأمل عن اتباع الحق، وما زالوا في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذي عينين، وانكشف الأمر ورأوا العذاب يوم القيامة، فعند ذلك يذوقون وبال ما صنعوا. والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر، وهذه الآية منسوخة بآية السيف. {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ } أي: وما أهلكنا قرية من القرى بنوع من أنواع العذاب {إِلاَّ وَلَهَا } أي: لتلك القرية {كِتَابٌ } أي أجل مقدّر لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه {مَّعْلُومٌ } غير مجهول ولا منسيّ، فلا يتصوّر التخلف عنه بوجه من الوجوه. وجملة {لَهَا كِتَابٌ} في محل نصب على الحال من {قرية} وإن كانت نكرة؛ لأنها قد صارت بما فيها من العموم في حكم الموصوفة، والواو للفرق بين كون هذه الجملة حالاً، أو صفة فإنها تعينها للحالية كقولك: حالي رجل على كتفه سيف. وقيل: إن الجملة صفة {لقرية}. والواو لتأكيد اللصوق بين الصفة والموصوف. {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } أي: ما تسبق أمة من الأمم أجلها المضروب لها، المكتوب في اللوح المحفوظ؛ والمعنى: أنه لا يأتي هلاكها قبل مجيء أجلها {وما يستأخرون} أي: وما يتأخرون عنه، فيكون مجيء هلاكهم بعد مضي الأجل المضروب له، وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى مع التغليب، ولرعاية الفواصل، ولذلك حذف الجار والمجرور، والجملة مبينة لما قبلها، فكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترّ به العقلاء، فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدّم ولا يتأخر. وقد تقدم تفسير الأجل في أوّل سورة الأنعام. ثم لما فرغ من تهديد الكفار شرع في بيان بعض عتوّهم في الكفر، وتماديهم في الغيّ مع تضمنه لبيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد بيان كفرهم بالكتاب، فقال {وَقَالُواْ يأَيُّهَاٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ} أي قال: كفار مكة مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومتهكمين به حيث أثبتوا له إنزال الذكر عليه مع إنكارهم لذلك في الواقع أشدّ إنكار، ونفيهم له أبلغ نفي، أو أرادوا: بـ {يأيها الذي نزل عليه الذكر} في زعمه، وعلى وفق ما يدعيه {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } أي: إنك بسبب هذه الدعوى التي تدّعيها من كونك رسولاً لله مأموراً بتبليغ أحكامه لمجنون، فإنه لا يدّعي مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلاً، فقولهم هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم هو كقول فرعون: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27]. {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } {لو ما} حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني، ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحثّ على الفعل الداخلة هي عليه، والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ }. قال الفراء: الميم في {لو ما} بدل من اللام في "لولا". وقال الكسائي: لولا ولو ما سواء في الخبر والاستفهام. قال النحاس: لو ما ولولا وهلا واحد. وقيل: المعنى: لو ما تأتينا بالملائكة فيعاقبونا على تكذيبنا لك. {ما ننزل ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقّ } قرىء (ما ننزل) بالنون مبنياً للفاعل، وهو الله سبحانه فهو على هذا من التنزيل، والمعنى على هذه القراءة: قال الله سبحانه مجيباً على الكفار لما طلبوا إتيان الملائكة إليهم: ما ننزل نحن {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقّ } أي: تنزيلاً متلبساً بالحق الذي يحق عنده تنزيلنا لهم فيما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، وليس هذا الذي اقترحتموه مما يحق عنده تنزيل الملائكة، وقرىء "ننزل" مخففاً من الإنزال، أي: ما ننزل نحن الملائكة إلاّ بالحق، وقرىء "ما تنزل" بالمثناة من فرق مضارعاً مثقلاً مبنياً للفاعل من التنزيل بحذف إحدى التاءين، أي: تتنزل، وقرىء أيضاً بالفوقية مضارعاً مبنياً للمفعول. وقيل: معنى {إلا بالحق} إلا بالقرآن. وقيل: بالرسالة، وقيل: بالعذاب {وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } في الكلام حذف، والتقدير: ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة، وما كانوا إذا منظرين. فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة. ثم أنكر على الكفار استهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم: {يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } فقال سبحانه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } أي: نحن نزلنا ذلك الذكر الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك. وفيه وعيد شديد للمكذبين به، المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الضمير في {له} لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أولى بالمقام. ثم ذكر سبحانه أنه عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } أي: رسلاً، وحذف لدلالة الإرسال عليه، أي: رسلاً كائنة من قبلك {فِى شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم. قال الفراء: الشيع: الأمة التابعة بعضهم بعضاً فيما يجتمعون عليه، وأصله من شاعه: إذا تبعه. وإضافته إلى {الأوّلين} من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة، أو من حذف الموصوف عند آخرين منهم. {وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: ما يأتي رسول من الرسل شيعته إلاّ كانوا به يستهزءون، كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى الله عليه وسلم، وجملة {إلاّ كانوا به يستهزءون} في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها صفة {رسول} أو في محل جر على أنها صفة له على اللفظ لا على المحل. {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: مثل ذلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم {نَسْلُكُهُ } أي: الذكر. {فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }، فالإشارة إلى ما دلّ عليه الكلام السابق من إلقاء الوحي مقروناً بالاستهزاء. والسلك: إدخال الشيء في الشيء، كالخيط في المخيط، قاله الزجاج، قال: والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا نسلك الضلال في قلوب المجرمين. وجملة {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } في محل نصب على الحال من ضمير {نسلكه} أي: لا يؤمنون بالذكر الذي أنزلناه، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما قبلها فلا محل لها، وقيل: إن الضمير في {نسلكه} للاستهزاء، وفي: {لا يؤمنون} به للذكر، وهو بعيد، والأولى أن الضميرين للذكر {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } أي مضت طريقتهم التي سنّها الله في إهلاكهم، حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء. وقال الزجاج: وقد مضت سنّة الله في الأوّلين بأن سلك الكفر والضلال في قلوبهم. ثم حكى الله سبحانه إصرارهم على الكفر وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء، فقال: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم } أي: على هؤلاء المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم المكذبين له المستهزئين به {بَاباً مِنَ ٱلسَّمَاء } أي: من أبوابها المعهودة، ومكناهم من الصعود إليه {فَظَلُّواْ فِيهِ } أي: في ذلك الباب {يَعْرُجُونَ } يصعدون بآلة، أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد، ولا يعاند عند مشاهدتها معاند. وقيل: الضمير في {فظلوا} للملائكة، أي: فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب، والكفار يشاهدونهم، وينظرون صعودهم من ذلك الباب {لَقَالُواْ } أي: الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوّهم: {إِنَّمَا سُكّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا } قرأ ابن كثير "سكرت" بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، وهو من سكر الشراب، أو من السكر، وهو سدّها عن الإحساس، يقال: سكر النهر: إذا سدّه وحبسه عن الجري. ورجح الثاني بقراءة التخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: سكرت: غشيت وغطت، ومنه قول الشاعر:شعر : وطلعت شمس عليها مغفر وجعلت عين الجزور تسكر تفسير : وبه قال أبو عبيد، وأبو عبيدة، وروي عن أبي عمرو أيضاً أنه من سكر الشراب، أي: غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشي السكران ما غطى عقله، وقيل: معنى سكرت: حبست، كما تقدم، ومنه قول أوس بن حجر:شعر : فصرت على ليلة ساهره فليست بطلق ولا ساكره تفسير : قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } أضربوا عن قولهم {سكرت أبصارنا} ثم ادّعوا أنهم مسحورون، أي: سحرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شيء من الأشياء كائناً ما كان، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقي لعارض السكر، أو أن عقولهم قد سحرت، فصار إدراكهم غير صحيح. ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحدّ فلا تنفع فيه موعظة، ولا يهتدي بآية. وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: التوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: الكتب التي كانت قبل القرآن و{قرآن مبين} قال: مبين، والله هداه ورشده وخيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } قال: ودّ المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار. وأخرج سعيد بن منصور، وهناد بن السريّ في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: ما يزال الله يشفع ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول: من كان مسلماً فليدخل الجنة، فذلك قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ }. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } فقالا: هذا حيث يجمع الله من أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب الله لهم فيخرجهم بفضله ورحمته. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند، قال السيوطي صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن ناساً من أمتي يعذبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلاّ أخرجه الله من النار"تفسير : . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ }. وأخرج ابن أبي عاصم في السنّة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً نحوه. وأخرج إسحاق بن راهويه، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج هناد بن السريّ، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وفي الباب أحاديث في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } الآية قال: هؤلاء الكفرة. وأخرج أيضاً عن أبي مالك في قوله: {ذَرْهُمْ } قال: خلّ عنهم. وأخرج ابن جرير عن الزهري في قوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ } قال: نرى أنه إذا حضره أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدّم، وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدّم ما شاء. قلت: وكلام الزهري هذا لا حاصل له ولا مفاد فيه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } قال: القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {مَا نُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقّ } قال: بالرسالة والعذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } قال: وما كانوا لو نزلت الملائكة بمنظرين من أن يعذبوا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } قال: عندنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فِى شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } قال: أمم الأوّلين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } قال: الشرك نسلكه في قلوب المشركين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن مثله أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } قال: وقائع الله فيمن خلا من الأمم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } قال ابن جريج: قال ابن عباس: فظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم لقالوا: {إِنَّمَا سُكّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا } قال: قريش تقوله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في الآية عن ابن عباس أيضاً يقول: ولو فتحنا عليهم باباً من أبواب السماء فظلت الملائكة تعرج فيه يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك: إنما أخذ أبصارنا، وشبه علينا، وإنما سحرنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {سكرت أبصارنا} قال: سدّت، وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه قال: ومن قرأ "سكرت" مخففة، فإنه يعني: سحرت.

الماوردي

تفسير : {ألر تلك أياتُ الكتاب وقرآن مبينٍ}فيه تأويلان: أحدهما: أن الكتاب هو القرآن، جمع له بين الاسمين. الثاني: أن الكتاب هو التوراة والانجيل، ثم قرنها بالقرآن بالقرآن المبين. وفي المراد بالمبين ثلاثة أوجه: أحدها: المبين إعجازه حتى لا يعارض. الثاني: المبين الحق من الباطل حتى لا يشكلا. الثالث: المبين الحلال من الحرام حتى لا يشتبها. قوله عز وجل:{رُبما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} وفي زمان هذا التمني ثلاثة أقاويل: أحدها: عند المعاينة في الدنيا حين يتبين لهم الهدى من الضلالة، قاله الضحاك. الثاني: في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين. الثالث: إذا دخل المؤمن الجنة، والكافر النار. وقال الحسن: إذا رأى المشركون المؤمنين وقد دخلوا الجنة وصاروا هم إلى النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين. وربما مستعملة في هذا الموضع للكثير، وإن كانت في الأصل موضوعة للتقليل، كما قال الشاعر: شعر : ألا ربّما أهدت لك العينُ نظرة قصاراك مِنْها أنها عنك لا تجدي تفسير : وقال بعضهم هي للتقليل أيضاً في هذا الموضع، لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. و {تلك} يمكن أن تكون إشارة إلى حروف المعجم - بحسب بعض الأقوال - ويمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والعبر ونحوها التي تضمنتها آيات التوراة والإنجيل، وعطف القرآن عليه. قال مجاهد وقتادة: {الكتاب} في الآية، ما نزل من الكتب قبل القرآن، ويحتمل أن يريد بـ {الكتاب} القرآن، ثم تعطف الصفة عليه. وقرأ نافع وعاصم "ربَما" بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بشدها، إلا أن أبا عمرو قرأها على الوجهين، وهما لغتان، وروي عن عاصم "رُبُما" بضم الراء والباء مخففة، وقرأ طلحة بن مصرف "ربتما" بزيادة تاء، وهي لغة. و {ربما} للتقليل وقد تجيء شاذة للتكثير، وقال قوم: إن هذه من ذلك، ومنه: رب رفد هرقته. ومنه: شعر : رب كأس هرقت يا ابن لؤي. تفسير : وأنكر الزجاج أن تجيء "رب" للتكثير. و"ما" التي تدخل عليها "رب" قد تكون اسماً نكرة بمنزلة شيء، وذلك إذا كان في الضمير عائد عليه، كقول الشاعر: [الخفيف] شعر : ربما تكره النفوس من الأمــــ ـر له فرجة كحل العقال تفسير : التقدير: رب شيء، وقد تكون حرفاً كافاً لرب وموطئاً لها لتدخل على الفعل إذ ليس من شأنها أن تدخل إلا على الأسماء، وذلك إذا لم يكن ثم ضمير عائد كقول الشاعر: [جذيمة الأبرش] [المديد] شعر : ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات تفسير : قال القاضي أبو محمد: وكذلك دخلت "ما" على "من" كافة، في نحو قوله: وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه. ونحو قول الشاعر: [الطويل] شعر : وإنا لمما نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم تفسير : قال الكسائي والفراء: الباب في "ربما" أن تدخل على الفعل الماضي، ودخلت هنا على المستقبل إذ هذه الأفعال المستقبلة من كلام الله تعالى لما كانت صادقة حاصلة ولا بد جرت مجرى الماضي الواقع. قال القاضي أبو محمد: وقد تدخل رب على الماضي الذي يراد به الاستقبال، وتدخل على العكس. والظاهر في {ربما} في هذه الآية أن "ما" حرف كاف - هكذا قال أبو علي، قال: ويحتمل أن تكون اسماً، ويكون في {يود} ضمير عائد عليه، التقدير: رب ود أو شيء يوده {الذين كفروا لو كانوا مسلمين}. قال القاضي أبو محمد: ويكون {لو كانوا مسلمين} بدلاً من "ما". وقالت فرقة: تقدير الآية: ربما كان يود الذين كفروا. قال أبو علي: وهذا لا يجيزه سيبويه، لأن كان لا تضمر عنده. واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن لو كانوا مسلمين، فقالت فرقة: هو عند معاينة الموت في الدنيا - حكى ذلك الضحاك - وفيه نظر، لأنه لا يقين للكافر حينئذ بحسن حال المسلمين، وقالت فرقة: هو عند معاينة أهوال يوم القيامة - قاله مجاهد - وهذا بين، لأن حسن حال المسلمين ظاهر، فتود، وقال ابن عباس وأنس بن مالك: هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة، واحتج لهذا القول بحديث روي في هذا من طريق أبي موسى الأشعري وهو: أن الله إذا أدخل عصاة المسلمين النار نظر إليهم الكفار فقالوا: ليس هؤلاء من المسلمين فماذا أغنت عنهم لا إله إلا الله؟ قال: فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرجوا من النار كل مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فحينئذ يود الذين كفروا أن لو كانوا مسلمين ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ومن العبر في هذه الآية حديث الوابصي الذي في صدر ذيل الأمالي، ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية. وقوله: {ذرهم يأكلوا} الآية وعيد وتهديد، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف. وقوله: {فسوف يعلمون} وعيد ثان، وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين؟ ومعنى قوله: {ويلههم} أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها عن النظر والإيمان بالله ورسوله. ومعنى قوله: {وما أهلكنا من قرية} الآية، أي لا تستبطئن هلاكهم فليس قرية مهلكة إلا بأجل وكتاب معلوم محدود. والواو في قوله: {ولها} هو واو الحال. وقرأ ابن أبي عبلة "إلا لها" بغير واو. وقال منذر بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله: {أية : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} تفسير : [الزمر: 73] وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْكِتَابِ} القرآن، أو التوراة والإنجيل.

النسفي

تفسير : {الر تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ } {تلك} إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب، والقرآن المبين السورة، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً وأي قرآن مبين كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال وللغرابة في البيان {رُّبَمَا } بالتخفيف: مدني وعاصم، وبالتشديد غيرهما، و«ما» هي الكافة لأنها حرف يجر ما بعده، ويختص الاسم النكرة فإذا كفت وقع بعدها الفعل الماضي والاسم. وإنما جاز {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود، ووداتهم تكون عند النزع أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين، وإذا رأوا المسلمين يخرجون من النار فيتمنى الكافر لو كان مسلماً، كذا رُوى عن ابن عباس رضي الله عنهما {لَوْ كَانُواْ مَسْلِمِينَ } حكاية ودادتهم. وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم كقولك: «حلف بالله ليفعلن» ولو قيل: «حلف يالله لأفعلن» و«لو كنا مسلمين» لكان حسناً وإنما قلل بـ «رب» لأن أهوال القيامة تشغلهم عن التمني فإذا أفاقوا من سكرات العذاب ودوا لو كانوا مسلمين. وقول من قال: إن «رب» يعني بها الكثرة سهو لأنه ضد ما يعرفه أهل اللغة لأنها وضعت للتقليل

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {الرَ تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والمراد بالكتاب وبالقرآن المبين: الكتاب الذي وعد به الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وتنكير القرآن للتفخيم، والتعظيم والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً وأي قرآن كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان وقيل: أراد بالكتاب التوراة والإنجيل، لأن عطف القرآن على الكتاب والمعطوف غير المعطوف عليه وهذا القول ليس بالقوي، لأنه لم يجر للتوراة والإنجيل ذكر حتى يشار إليهما. وقيل: المراد بالكتاب القرآن وإنما جمعهما بوصفين, وإن كان الموصوف واحداً لما في ذلك من الفائدة وهي التفخيم والتعظيم، والمبين الذي يبين الحلال من الحرام، والحق من الباطل {ربما} قرىء بالتخفيف والتشديد وهما لغتان ورب للتقليل وكم للتكثير، وإنما زيدت ما مع رب ليليها الفعل تقول رب رجل جاءني وربما جاءني زيد وإن شئت جعلت ما بمنزلة شيء كأنك قلت رب شيء فتكون المعنى رب شيء {يود الذين كفروا} وقيل: ما في ربما بمعنى حين أي رب حين يود يعني يتمنى الذين كفروا لأن التمني هو: تشهي حصول ما يوده، واختلف المفسرون في الوقت الذي يتمنى الذي كفروا {لو كانو مسلمين} على قولين أحدهما: أن ذلك يكون عند معاينة العذاب وقت الموت فحيئنذ يعلم الكافر أنه كان على الضلال، فيتمنى لو كان مسلماً، وذلك حين لا ينفعه ذلك التمني. قال الضحاك: هو عند حالة المعاينة والقول الثاني: إن هذا التمني يكون في الآخرة، وذلك حين يعاينون أهوال يوم القيامة وشدائده وما يصيرون عليه من العذاب, فحينئذ يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وقال الزجاج: أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً وقيل إذا رأى الكافر أن الله تعالى يرحم المسلمين، ويشفع بعضهم في بعض حين يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين والقول المشهور أن ذلك التمني حين يخرج الله المؤمنين من النار عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيغفرها الله لهم بفضل رحمته فيأمر الله بكل من كان من أهل القبلة في النار، فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين"تفسير : ذكره البغوي بغير سند، وكذا ذكره ابن الجوزي وقال: وإليه ذهب ابن عباس في رواية عنه عن أنس بن مالك ومجاهد وعطاء وأبو العالية وإبراهيم يعني النخعي. فإن قلت: رب إنما وضعت للتقليل، وتمني الذين كفروا لو كانوا مسلمين يكثر يوم القيامة فكيف قال: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. قلت: قال صاحب الكشاف هو وارد على مذهب العرب في قولهم لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على فعله، ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكاً فيه أو كان قليلاً لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغمِّ المظنون كما يتحرزون من المتيقن ومن القليل منه كما يتحرزون من الكثير وقال غيره إن هذا القليل أبلغ في التهديد ومعناه يكفيك قليل الندم في كونه زاجراً لك عن هذا الفعل. فيكف بكثيره؟ وقيل: إن شغلهم بالعذاب لا يقرعهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم. فإن قلت: رب لا تدخل إلا على الماضي فكيف قال: ربما يود وهو في المستقبل قلت لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه كأنه قال: ربما ود. قوله سبحانه وتعالى {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} يعني دع يا محمد هؤلاء الكفار يأكلوا في دنياهم ويتمتعوا بلذاتها {ويلههم الأمل} يعني ويشغلهم طول الأمل عن الإيمان والأخذ بطاعة الله تعالى {فسوف يعلمون} يعني إذا وردوا القيامة، وذاقوا وبال ما صنعوا وهذا فيه تهديد ووعيد لمن أخذ بحظه من الدنيا، ولذاتها ولم يأخذ بحظه من طاعة الله عز وجل، وقال بعض أهل العلم: ذرهم تهديد وفسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين وهذه الآية منسوخة بآية القتال، وفي الآية دليل على أن إيثار التلذذ، والتنعم في الدنيا يؤدي إلى طول الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. قال علي بن أبي طالب: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى فإن طول الأمل، ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ربما} بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني. و{ربما} بضم الباء خفيفة: الشموني. الباقون بالفتح والتشديد {ما ننزل} بالنون {الملائكة} بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. {ما تنزل} بضم التاء وفتح الزاي المشددة {الملائكة} بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء {ما تنزل} بالإدغام: البزي وابن فليح {سكرت} خفيفة: ابن كثير {فتحنا} بالتشديد: يزيد {الريح} على التوحيد: حمزة وخلف {صراط على} بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون {عليّ} جاراً ومجروراً {وعيون} بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد. الباقون بضمها {نبىء عبادي} مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. والآخرون بالإسكان. الوقوف {آلر} قف كوفي {مبين} ه {مسلمين}{يعلمون} ه {معلوم} ه {وما يستأخرون} ه {لمجنون} ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام {الصادقين} ه {منظرين} ه {لحافظون} ه {الأولين} ه {يستهزءُون} ه {المجرمين} ه {الأولين} ه {يعرجون} ه {مسحورون} ه {للناظرين} لا {رجيم} لا ه {مبين} ه {موزون} ه {برازقين} ه {خزائنه} ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل. {فأسقيناكموه} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال {بخازنين} ه {الوارثون} ه {المستأخرين} ه {يحشرهم} ط {عليم} ه {مسنون} ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية {السموم} ه {مسنون} ه {ساجدين} ه {أجمعون} ه لا {إلا إبليس} ط {الساجدين} ه {مسنون} ه {رجيم} ه {الدين} ه {يبعثون} ه {من المنظرين} لا ه {المعلوم} ه {أجمعين} لا ه {المخلصين} ه {مستقيم} ه {الغاوين} ه {أجمعين} ه {أبواب} ط {مقسوم} ه {وعيون} ه لإرادة القول بعده {آمنين} ه {متقابلين} ه {بمخرجين} ه {الرحيم} لا {الأليم} ه. التفسير قال جار الله: {تلك} إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة. وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان. أما قوله {ربما يود} فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب في أخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود. و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل. وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا. ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟ وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك. والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك. وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن. فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة. وقوله {لو كانوا مسلمين} إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن". ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن". ومتى تكون هذه الودادة؟ قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً. وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل. وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب. وقيل: إذا اسودت وجوههم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة. فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية"تفسير : . وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين {ذرهم} ظاهره أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه سبحانه وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين. وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ. وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين {و} معنى {يلههم الأمل} يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة. لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه. وألهاني غيره. عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً وقال: هذا الإنسان. وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله. وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل. فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب {فسوف يعلمون} سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد. ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب} أي مكتوب {معلوم} وهو أجلها الذي كتب في اللوح. قال جار الله: قوله {ولها كتاب} جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة {إلا} وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق. قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة. وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: أراد مجموع الأمرين. قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه. فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام. وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله {وما يستأخرون} حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق {يستأخرون} وهو عنه للعلم به. ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي. فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه صلى الله عليه وسلم. ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية. {لو ما تأتينا بالملائكة} "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟ والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟ فأجاب الله سبحانه عن شبههم بقوله {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه تعالى يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله {وما كانوا إذاً منظرين} فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم. وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب. قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا. وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم. ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} فقال على سبيل التوكيد {إنا نحن نزلنا الذكر} ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال {وإنا له لحافظون} لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف. وقيل: الضمير في {له} لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] والقول الأول أوضح. ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء. ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف. وقيل: حفظ بالدرس. والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت. ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه سبحانه أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه. وههنا نكتة هي أنه سبحانه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف. ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الكلام إضمار والتقدير {ولقد أرسلنا من قبلك} رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه. ومعنى {في شيع الأولين} في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم. قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله {أية : حق اليقين}تفسير : [الواقعة: 95] و{أية : بجانب الغربي}تفسير : [القصص: 44] وقوله {وما يأتيهم} حكاية حال ماضية. وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله سبحانه ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل. قوله {كذلك نسلكه} السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط. وقالت الأشاعرة: الضمير في {نسلكه} يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه {يستهزءُون} وأما الضمير في قوله {لا يؤمنون به} فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك. والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره. وقال بعض الأدباء منهم: قوله {لا يؤمنون به} تفسير للكناية في قوله {نسلكه} أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده. وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر. والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين. ومحل {لا يؤمنون به} نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله {كذلك نسلكه} والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه تعالى سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟ أما قوله {وقد خلت سنة الأولين} فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم. وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة. ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا} أي هؤلاء الكفار {فيه يعرجون} يتصاعدون {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري. والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو. فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها. عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله. قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال {فظلوا} ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار. وقيل: الضمير في {فظلوا} للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها. وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟ وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم. ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً. ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير. الدليل الآخر قوله {وزيناها} أي بالشمس والقمر والنجوم {للناظرين} بنظر الاعتبار والاستبصار. وقال المنجمون. إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر. ونظير هذه الآية قوله تعالى في "حم السجدة" {أية : وزينا السماء الدنيا بمصابيح}تفسير : [فصلت: 12] ومثله في سورة الملك. الدليل الثالث قوله {وحفظناها} أي البروج أو السماء {من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع} نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق. وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة {فاتبعه} أي أدركه ولحقه {شهابٌ مبين} ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد. والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً. قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين. وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى عليه السلام ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟ والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار. آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله سبحانه {أية : هل ترى من فطور}تفسير : [الملك: 3] وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟ وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟ قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون"تفسير : آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟ والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه. آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بقي بعد وفاته؟ الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة. آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟ وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة. آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟ وأجيب بأنه تعالى أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل. وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر. آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه. لا يقال: إنه تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟ والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها. الدليل الرابع: قوله {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي} وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد. الدليل الخامس قوله: {وأنبتنا فيها} أي في الأرض أو في الجبال الرواسي {من كل شيء موزون} بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب. وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة. وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها. وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة. يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات. وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات. {وجعلنا لكم فيها} أي في الأرض أو في تلك الموزونات {معايش} ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف". {ومن} عطف على معايش أي جعلنا لكم من {لستم له برازقين} أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين. وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله تعالى وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: {أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}تفسير : [هود: 6] وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: {أية : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}تفسير : [النمل: 18] والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة. يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر. ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره. قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية. وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور. والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف. فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء. قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه تعالى نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود. الدليل السادس: قوله {وأرسلنا الرياح} ومن قرأ الريح فاللام للجنس {لواقح} قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها. قاله الحسن وقتادة والضحاك. وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: شعر : ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : يريد المطاوح جمع مطيحة. وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل. وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله تعالى: {أية : حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً}تفسير : [الأعراف: 57] أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم {فأسقيناكموه} أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له. والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: {أية : نسقيكم مما في بطونه}تفسير : [النحل: 66] ولم يختلفوا في قوله: {أية : وسقاهم ربهم شراباً طهوراً}تفسير : [الدهر: 21] ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه. {وما أنتم له بخازنين} نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه. الدليل السابع: قوله {وإنا لنحن نحيي ونميت} والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه. قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان {ونحن الوارثون} مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: {أية : ولله ميراث السموات والأرض}تفسير : [الآية: 180] قوله: {ولقد علمنا} عن ابن عباس في رواية عطاء {المستقدمين} يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته. ويروى أنه صلى الله عليه وسلم رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية. والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم. وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال. وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت. وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء. وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها. وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد. والظاهر العموم وأن علمه تعالى شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى. ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: {وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم} فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء. الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها. وقد أجمع المفسرون على أنه آدم عليه السلام، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر رضي الله عنه أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس. والأقرب أنه تعالى خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار. وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء. وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة. أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار. وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن. والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين. المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة. وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً. قال في الكشاف: قوله: {من حمإٍ} صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ. قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما. قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر. قوله: {والجانّ} قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين. والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب {خلقناه من قبل} قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و {السموم} الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل. ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم. قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق. الله منها الجان. ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها. على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها. ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته. والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم. والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان. {فإذا سوّيته} عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً. {ونفخت فيه من روحي} النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر. فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به. قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه. وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: {أية : يسألونك عن الروح}تفسير : [الإسراء: 85]. ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: {روحي} للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: {فقعوا} تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ. قال المبرد: قوله {كلهم} أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا. وقوله: {أجمعون} أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل {أجمعون} توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة. ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟ فقال: {أبى أن يكون مع الساجدين} يعني إباء استكبار. ثم قال سبحانه وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف {يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين} وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟ قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود {قال لم أكن لأسجد} اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد {لبشر} وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: {فاخرج منها} أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة. وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: {أية : ما دامت السموات والأرض}تفسير : [هود: 107] أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه. قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة. أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو. وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: {إني خالق بشراً} ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: {أية : لما خلقت بيدي}تفسير : [الآية: 75] خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: {وإن عليك اللعنة} فافهم. {قال رب فأنظرني} قد مر مثله في أول "الأعراف". ومعنى {الوقت المعلوم} أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً. وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله {قال رب بما أغويتني} قد مر مباحثه في "الأعراف". ومفعول {لأزينن} محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: شعر : وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم. قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً. ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر {قال} الله سبحانه {هذا} يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي. وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته تعالى فأشير إليه بقول: {هذا} أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي. {صراط عليّ} تقريره وتأكيده، ومن قرأ {عليّ} بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع. {مستقيم} لا عوج له. وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر {إلا عبادك} بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله تعالى في الاستثناء قائلاً {إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك} أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة. وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: {أية : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم}تفسير : [إبراهيم: 22] وهذا يناسب أصول الاعتزال {وإن جهنم لموعدهم أجميعن} قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين. {لها سبعة أبواب} أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين. وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين. وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله سبحانه. والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة. فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها. ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: {إن المتقين في جنات وعيون} فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح. وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم. والآية أيضاً وردت عقيب قوله: {إلا عبادك منهم المخلصين} {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم. والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية. ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله تعالى: {أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان}تفسير : [الرحمن: 46] ثم قال {أية : ومن دونهما جنتان}تفسير : [الرحمن: 62] وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: {أية : فيها أنهار من ماء غير آسن}تفسير : [محمد: 15] الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك. ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم. ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد. فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة {ادخلوها} فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك. ومعنى {بسلام} أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع. قوله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} قد مر تفسيره في "الأعراف" {إخواناً} نصب على الحال. وكذلك {على سرر متقابلين} والمراد بالإخوة. إخوة الدين والتعاطف. والسرر جمع سرير. قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور. وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه. والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم. عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال. فقوله: {إن المتقين} إشارة إلى المنفعة وقوله: {ادخلوها} رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: {ونزعنا} إلى قوله: {لا يمسهم فيها نصب} أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال. فقوله: {إن للمتقين} إشارة إلى المنفعة وقوله: {ادخلوها} رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله {ونزعنا} إلى قوله: {لا يمسهم فيها نصب} أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: {ونزعنا ما في صدورهم} إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: {لا يمسهم} إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: {وما هم بمخرجين} مفيد لمعنى الخلود. ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: {نبىء عبادي} وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي". التأويل: {ربما يود الذين كفروا} أي النفوس الكافرة {لو كانوا} مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح. ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: {ذرهم يأكلوا} {وما أهلكنا من قرية} من القرى البدنية بإفساد استعدادها {إلا ولها كتاب} مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله {ما تسبق من أمة أجلها} متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها {وما يستأخرون} لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها {وقالوا} يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر {لو ما تأتينا} بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم {إنا نحن نزلنا} كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين {أية : كتب في قلوبهم الإيمان}تفسير : [المجادلة: 22] والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ. {ولو فتحنا} على من أسلكنا الكفر في قلوبهم {باباً من} سماء القلب لأنكروا فتح الباب. ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع {وزيناها} لأهل النظر السائرين إلى الله {وحفظناها من} وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق {والأرض مددناها} فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب {وجعلنا لكم فيها معايش} هي أسباب الوصول والوصال {ومن لستم له برازقين} وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله تعالى بأجمعها {وأرسلنا} رياح العناية {لواقح} لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه. {فأنزلنا من} سماء الهداية {ماء} الحكمة {وما أنتم له بخازنين} في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً. وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا {ونحن الوارثون} بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا {وإن ربك هو} يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: {وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة {إلى يوم يبعثون} أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة. {بما أغويتني} أضللتني من طريق الأمارية {لأزينن} للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها {ولأغوينهم أجمعين} عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف. {هذا صراط} أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه {لها سبعة أبواب} من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم. فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة. {ادخلوها بسلام} والسلام من الله الجذبات {آمنين} من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت. {ونزعنا} فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها. وفي قوله: {نبىء عبادي} إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

الثعالبي

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: { الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}: قال مجاهد وقتادة: {ٱلْكِتَـٰبِ }: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن، ويحتمل أنْ يراد بـــ {ٱلْكِتَـٰبِ } القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و«رُبَّمَا»: للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً للتكثير. وقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة، وروي فيه حديثٌ من طريق أبي موسَى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} تقدَّم نظير {تِلْكَ آيَاتُ} أول الرعد، والإشارة بـ"تِلْكَ" إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره. وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان. والمراد بـ"الكِتَابِ" والـ"قُرآن المبينِ": الكتاب الذي وعد به محمد ـ صلوات الله وسلام عليه ـ، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل. فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم قال: "وقُرْءَانٍ"، وكلاهما واحدٌ؟. قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بعضه إلى بعض. وقيل: المراد بـ"الكِتَابِ" التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبالـ"قرآن": هذا الكتاب. قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ} في "رُبَّ" قولان: أحدهما: أنها حرف جرٍّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، وابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور. وقيل: تفيد التكثير في مواضع الافتخار؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3253ـ فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ تفسير : وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير. وفيها سبعة عشرة لغة وهي: "رُبَّ" بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و"رُب" بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و"رُبُّ" بضم الراء والباء معاً مشددة ومخففة، و"رُبَّت". وأشهرها: "رُبَّ" بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصرف، وزيد بن علي: "رُبَّتما"، ولها أحكام كثيرة: منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف] شعر : 3254ـ رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي تفسير : ضرورة في رواية من جرَّ "الجَاملِ". ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط] شعر : 3255ـ...................... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ تفسير : والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عدم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل] شعر : 3256ـ يَا رُبَّ قائلةٍ غَداً يَا لَهْفَ أم مُعاوِيَه تفسير : ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر] شعر : 3257ـ فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ تفسير : وقول هند: [مجزوء الكامل] شعر : 3258ـ يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً .......................... تفسير : وقول سليم: [الطويل] شعر : 3259ـ ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ تفسير : فإن حرف التنفيس، و "غداً" خلَّصاه للاستقبال. و"رُبَّ" تدخل على الاسم، و"رُبَّما" على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي. و"ما" في "رُبمَا"، تحتمل وجهين: أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ "رُبَّ" مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا "ما" هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس:27] في "إنَّ" وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 3260ـ رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّل فِيهِمْ .......................... تفسير : في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه. والثاني: أنَّ "مَا" نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على "ما" محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل:1] ونحوه. قوله: "لَوْ كَانُوا" يجوز في "لَوْ" وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول "يوَدُّ" محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية. والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة:96]؛ وحينئذٍ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا "ما" كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت "لَوْ" وما في حيِّزها بدلاً من "مَا". فصل المعنى: يتمنَّى الذين كفروا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها. قال الضحاك: حال المعاينة. وقيل: يوم القيامة. والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار. روى أبو موسى الأشعريُّ ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحينئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ ". تفسير : فإن قيل: "رُبمَا" للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار. فالجواب: أنَّ "رُبمَا" يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط] شعر : 3261ـ أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ ......................... تفسير : وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثيره؟. وقيل: إنَّ شغلهم بالعذاب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً. فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ. فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله ـ تعالى ـ يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزياداتِ؛ كما قال تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}تفسير : [الحجر:47]. قوله تعالى: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ}تفسير : [الحجر:3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، {وَيُلْهِهِمُ} يشغلهم "الأملًُ" عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ. وقال بعض العلماء: "ذَرْهُمْ"، تهديدٌ، و {سَوْفَ يَعْلَمُونَ}، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ. قوله: "وذَرْهُمْ"، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه بـ"تَرَكَ"، بل يستعمل منه المضارع نحو: {أية : وَيَذَرُهُمْ}تفسير : [الأعراف:186]، ومن مجيء الماضي قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ "ذَرُوا الحَبشَة ما وَذَرتْكُم"، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: {أية : مَا وَدَّعَكَ}تفسير : [الضحى:3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل] شعر : 3262أ ـ سَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ تفسير : و"يَأكلُوا" مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة:17، 278] أنَّ "تَرَكَ" و"وَذرَ" يكونان بمعنى "صيَّر"، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين. قوله تعالى: {وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ}، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير ـ رضي الله عنه ـ كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث. قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 3262ب ـ صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ تفسير : أي: اتركها، وأعرض عنها. فصل في سبب شقاء العبد قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا. فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء. وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: "حديث : نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ ". تفسير : وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل. قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ}، أي: من أهل قرية، {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ} فيه أوجه: أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران: أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع "كِتَابٌ" به فاعلاً. والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و"كِتَابٌ" مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ. الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: "إلاَّ لَهَا" بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ. الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة لـ"قَرْيَةٍ"، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ}تفسير : [الشعراء:208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: "جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ". وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك ـ أيضاً ـ في البقرة عند قوله: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة:216]. قال أبو حيَّان ـ رحمه الله ـ: "ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين". قال شهاب الدين: "وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك". ثم قال أبو حيان: "وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد "إلاَّ" يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك". قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف بـ"إلا"، ثم قال: وأما نحو: "مَا جَاءَنِي رجُلٌ إلاَّ راكِبٌ" على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبْح؛ لجعلك الصفة كالاسم. وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ "إلاَّ" لا تعترض بين الصِّفة والموصوف. قال ابن مالكٍ: ـ وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله "مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ": إنَّ الجملة بعد "إلاَّ" صفة لـ"أحَدٍ"ـ: إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: "إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف". قال شهابُ الدين ـ رحمه الله ـ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه. فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه ـ أيضاً ـ [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: {أية : مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ}تفسير : [الشعراء:208]. ويقويه ـ أيضاً ـ: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}تفسير : [الزمر:73]. فصل لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ. قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن ـ تعالى ـ أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين. قوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} "مِنْ أمةٍ" فاعل "تَسْبِقُ"، و"مِنْ" مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ. قال الواحدي: "وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد". قال الزمخشري: "معنى: "سَبَقَ": إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز]، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبق فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه". وحمل على لفظ "أمَّةٍ" في قوله: "أجَلهَا"، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق "يَسْتَأخِرُون" وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من مات أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء. قوله: "وقَالُوا"، يعنى مشركي مكَّة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ}، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم. والعامة على: "نُزِّلَ" مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: "نَزلَ"، مخفَّفاً مبنيًّا للفاعل. {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ}تفسير : [الأعراف:184]. وإما لأنهم كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون. قوله: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ}، "لَوْ مَا": حرف تحضيضٍ؛ كـ"هَلاًّ"، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ "لولا" متردِّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3263ـ......................... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا تفسير : والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لفظاً أو تقديراً عند البصريين. وقوله: [الوافر] شعر : 3264ـ ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي تفسير : مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين. فمن مجيء "لَوما" حرف امتناعٍ قوله: [البسيط] شعر : 3265ـ لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي تفسير : واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟. فقال الزمخشري: "لَوْ" ركبت مع "لا"، ومع "مَا"؛ لمعنيين، وأمَّا "هَلْ" فلم تركَّب إلاَّ مع "لا" وحدها؛ للتحضيض. واختلف ـ أيضاً ـ في "لَوْمَا" هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على "لَوْلاَ" وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي. وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها. فصل في معنى الآية المعنى: لو كنت صادقاً في ادَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ}تفسير : [الأنعام:8] ويحتمل أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت:53]. ثم إنه ـ تعالى ـ أجاب عن شبهتهم بقوله: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله ـ تعالى ـ الملائكة. قال المفسرون: المراد بالحق ـ هنا ـ الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين. قوله: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ}، قرأ أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: "ما تُنزَّلُ" بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، "المَلائِكةُ": مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى: {أية : وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان:25]؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله ـ تعالى ـ فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله ـ تعالى ـ. وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري ـ جل ذكره ـ. "المَلائِكةَ"، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ}تفسير : [الأنعام:111]، ويناسب قوله قبل ذلك: "ومَا أهْلَكْنَا"، وقوله بعده: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا}تفسير : [الحجر:9]، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم. والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و"المَلائِكةُ" مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: {أية : تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأنعام:152]، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا}تفسير : [القدر:4]. وقرأ زيد بن علي: "مَا نَزلَ" مخففاً مبنيًّا للفاعل، و"الملائكةُ" مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء:193]. قوله: {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: متلبسين بالحق، وجعله الزمخشري ـ رحمه الله ـ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ. قوله "إذَنْ" قال الزمخشري: "إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم". قال صاحب النظم: "لفظة "إذَنْ" مركبة من "إذْ"، وهو اسم بمنزلة "حِينَ"؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه "إنْ" فصار: ِإذْ أنْ، ثم استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار "إذَنْ"، ومجيء لفظة "أنْ" دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا". قوله: "نَحْنُ" إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير "لَهُ" للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر:1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ". فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه ـ تعالى ـ كيف يحفظ القرآن؟. فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، يغير نظم القرآن. وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته. وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ. وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ أحداً حاول بتغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله ـ تعالى ـ حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله ـ تعالى ـ، لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارى، متوفرة على إبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات. فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله ـ عز وجل ـ بحفظه وما حفظ الله ـ عز وجل ـ فلا خوف عليه؟. فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه ـ تعالى ـ لما أراد حفظه، فيَّضهُم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم زادوا، لجاز ـ أيضاً ـ أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور ـ أيضاً ـ مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.

البقاعي

تفسير : {بسم الله} الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد {الرحمن} الذي جمع خلقه في رحمة البيان {الرحيم *} الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان. لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان، وأوله وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله في الفرقة، فقال تعالى: {الر تلك} أي هذه الآيات العالية المقام، النفسية المرام {آيات الكتاب} أي الكامل غاية الكمال الذي لا كتاب على الحقيقة غيره، الجامع لجمع ما يقوم به الوجود من الخيرات، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد، الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده. ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه، وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب، وكفاية المستهزئين، فكان كما قال سبحانه {و} آيات {قرآن} أي قرآن جامع ناشر مفصل واصل، إذ التنوين للتعظيم {مبين *} لجميع ما يجمع الهمم على الله فيوصل إلى السعادة، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبساً - هو متصف بها، مع كونه جامعاً للأصول ناشراً للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه، ولا فصم يؤتى منه إليه، فأعجب لأمر حاوٍ لجميع وفرق وفصل ووصل: والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره، لأن أصل الإبانة الفصل: فهذا شرح كونه بلاغاً، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغاً جامعاً للأمور الموصلة إلى الله، مغنياً عن جميع الأسباب، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه {ذرهم يأكلوا}، {لا تمدن عينيك} { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه. مع أن المفهومين - مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران، فالكتاب: ما يدون في الطروس، والقرآن: ما يقرأ باللسان، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة، والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة، وسيأتي قوله { وإنا له لحافظون} مؤيداً لذلك، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع. أما "كتب" - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل: كتبت الكتاب أكتبه وهو من الجمع، والكتاب أيضاً: الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو آلته، والمكتب - كمعظم: العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيهاً له بالمكتوب، والكتيبة: الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف - انتهى. وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة؛ وقال القزاز: وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء، فكأنه سمي بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض، كتبت المزادة - إذا خرزتها، يعني: فضممت بعضها إلى بعض. والكتبة - بالضم: السير يخرز به، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي عليها، والإكتاب: شد رأس القربة، والكتيبة: جماعة تكتبوا، أي تجمعوا، وتكتب الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض، ومنه الكتاب - بضم الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال القزاز إنه مخفف، وفي القاموس: وزنه كرمان - وزاد أنه مدور الرأس، وكتبت الناقة تكتيباً: صررتها، واكتتب بطنه: أمسك، والمكتوتب: الممتلىء والمنتفخ؛ ويلزم الجمع القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة، فمن القطع: الكتاب بمعنى الفرض والحكم والقدر؛ والبتك: القطع ولذلك قيل للسيف: باتك، أي قاطع، ومن الغلبة والقدرة: الكتاب بمعنى القدر، قال ابن الأعرابي: والكاتب عندهم العالم، وقال القزاز: والكاتب: الحافظ، وهذان يرجعان أيضاً إلى نفس الجمع - لجمع الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم؛ وكبت الله العدو - بتقديم الموحدة: صرفه ذليلاً، وهو من تكبت الرجل - إذا تقبض، وعبارة القزاز: كبت أعداءه: ردهم بغيظهم، أي فانقمعوا وانجمعوا عما كانوا انتشروا له، وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه، وبكته تبكيتاً - إذا أنبّه أو ضربه بعصى أو سيف ونحوهما، لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها. وأما قرأ، مهموزاً - وينقلب إلى رقأ، وأرق، وأقر، وغير مهموز يائياً وتراكيبه خمسة: قري، وقير، ورقي، وريق، وواوياً وتراكيبه ستة: قرو، وقور، ورقو، وروق، ووقر، وورق - فهو للجمع أيضاً، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه الانتشار، فمن الجمع: قرأت القرآن، أي تلوته فجعلت بعض حروفه وكلماته وآياته تالياً لبعض متصلاً به مجموعاً معه، ويلزم القراءة النسك، ومنه القارىء والمتقرىء والقراء - كرمان. أي الناسك، ويلزم عنه الفقه، ولذا قيل: تقرأ - إذا تفقه، وهو من الجمع نفسه أيضاً لأن الناسك جمع النسك إلى القراءة وانجمع همه، والفقيه جمع الفقه إليها؛ قال في المجمل: والقرآن من القرء وهو الجمع، أي وزناً ومعنى، وفي القاموس: وقرأ عليه السلام: أبلغه كأقرأه، ولا يقال: أقرأه، إلا إذا كان السلام مكتوباً؛ وقال الزبيدي في مختصر العين: وقرأت المرأة قرءاً، إذا رأت دماً، وأقرأت - إذا حاضت فهي مقرىء - انتهى. فكأنه عبر بذلك عند رؤية الدم لأنه لا يعرف أن المرأة جمعته إلا برؤيته، وهو من الانتشار الذي قد يلزم الجمع، أو يكون فعل هنا للإزالة، فمعناه: أزالت إمساك الدم كما أن هذا معنى أقرأت فإن فعل - لخفته وكثرة دوره - يتصرف في معاني جميع الأبواب، وقال في المجمل: وأقرأت المرأة: خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر، قلت: فالأول يكون فيه أفعل للإزالة، والثاني للدخول في الشيء كما تقول: اتهم الرجل وأنجد - إذا دخل في تهامة أو نجد، قال: والقرء: وقت يكون للطهر مرة وللحيض مرة، قلت: فالأول للجمع نفسه، والثاني لأنه دليل الجمع، قال: والجمع قروء، ويقال: "القروء" هو الطهر، وذلك أن المرأة الطاهرة كان الدم اجتمع وامتسك في بدنها فهو من: قريت الماء، وقرى الآكل الطعام في شدقه، وقد يختلف اللفظان فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر، والمعنى واحد إذا كان الأصل واحداً، وقوم يذهبون إلى أن القرء: الحيض، وفي القاموس: والقرء - ويضم: الحيض والطهر ضد - وقد تقدم تخريج ذلك، والوقت - لأنه جامع لما فيه، والقافية - لأنها جامعة لشمل الأبيات، جمعه أقرؤ وقروء، وجمع الحيض أقراء، وكأن العلة في ذلك أنه لما كان جمع الكثرة هو الأصل في الجمع، لأن المراد بالجمع نفسه الكثرة، فكلما كان أكثر كان به أجدر، لمّا كان الأصل كذلك، وكان القرء بمعنى الطهر هو الأصل في مدلول الجمع، كان أحق بجمع الكثرة الذي هو أعرق في الجمع، ولما كان القرء بمعنى الحيض فرعاً، كان له جمع القلة الذي هو فرع في باب الجمع؛ وأقرأت: حاضت وطهرت، وأقرأت الرياح: هبت لوقتها - لأن هبوبها دال على اجتماعها كظهور دم الحيض، وقرأ الشيء: جمعه وضمه، والحامل: ولدت - لأن ظهور الولد هو المحقق لجمعها إياه في بطنها، وأقرأ: رجع ودنا وأخر واستأخر وغاب وانصرف وتنسك كتقرأ، بعضه للإيجاب وبعضه للسلب، والمقرأة - كمعظمة: التي ينتظر بها انقضاء أقرائها، وقد قرئت: حبست لذلك، وأقراء الشعر: أنواعه وانحاؤه - لأنها جامعة للأجزاء، والقرءة - بالكسر: الوباء - لجمعه الهم، واستقرأ الجمل الناقة: تاركها لينظر ألقحت أم لا - من التتبع والسبر، وهو بمعنى جمع الأدلة، وقرأت الناقة - إذا حملت، فهي قارىء، أي جمعت في بطنها ولداً، وأقرأت - إذا استقر الماء في رحمها؛ ومن الإمساك: رقأ الدم والدمع رقوءاً - إذا انقطعا، قال أبو زيد: والرَّقوء - أي بالفتح: ما يوضع على الدم فيسكن، ورقأ بينهم: أصلح وأفسد، وفي الدرجة: صعد، وهي المرقاة وتكسر، ورقأ العرق: ارتفع - منه ما هو بمعنى الجمع ومنه ما هو بمعنى الانتشار والعلو الذي ربما لزماه، ومن الإمساك: الأرق، وهو السهر لأنه يمسك النوم، والإرقان: دود يكون في الزرع - فكأنه يوجب الهم الذي يكون عنه الأرق، ويمكن أن يكون من الانتشار الذي ربما يلزم الجمع، ويمكن أن يكون من الجمع نفسه، لأنه يجمع الهم - والله أعلم؛ وفي القاموس: والإرقان بالكسر: شجر أحمر، والحناء، والزعفران، ودم الأخوين - كأنه سبب للعكوف عليه بالاسترواح إليه، أو أنه يجمع بصبغه لوناً إلى لون، والإرقان أيضاً: آفة تصيب الزرع والناس كالأرقان محركة وبكسرتين وبفتح الهمزة وضم الراء، والأرق والأرقان - بفتحهما، والأراق - كغراب، واليرقان - محركة، وهذه أشهر داء يتغير منه لون البدن فاحشاً إلى صفرة أو سواد - كأن ذلك لمّا كان سبب الأرق كان هو الأرق البليغ، وزرع مأروق وميروق: مؤوف، والأقر - بضمتين: واد واسع مملوء حمضاً ومياهاً، وهو واضح في معنى الجمع، قد مضى من هذه المادة جملة في آخر سورة يوسف عليه السلام عند قوله تعالى {أية : إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى}تفسير : [يوسف:109] وتأتي بقيتها إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله{أية : وفي آذانهم وقراً} تفسير : [ الكهف:57]. ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى {وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب} كان كأنه قيل: ما له لم يبين للكفرة سوء عاقبتهم بياناً يردهم؟ فقال سبحانه باسطاً لقوله { ولينذروا به} {ربما يود} أشار تعالى بكونه مضارعاً إلى أن ودهم لذلك يكون كثيراً جداً متكرراً، وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع {الذين كفروا} أي ولو وقتاً ما والود: التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع، وإظهار ميل الطباع له إليه، وفيه اشتراك بين التمني والحب - قال الرماني، وهو هنا للتمني فإنه بين مودودهم بقوله: {لو كانوا} أي كوناً جبلياً {مسلمين *} أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره؛ قال الرماني: والإسلام: إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره، وإسلام الصبي إلى من يعلمه، فالإسلام الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار والعمل به - انتهى. وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء من ذلك في القيامة وما قبلها، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله{ أية : فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا} تفسير : [ إبراهيم:44]، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال، هذا - أعني التقليل - مدلول "رب"، وقال بعضهم: إنها قد ترد للتكثير، وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني: إنه أغلب أحوالها، واستدل بشواهد لا تدل عند التأمل. ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت: من قال: إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب، فإن قال قائل: فلم جازت في قوله {ربما يود الذين كفروا} و {رب} للتقليل؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد، والرجل يتهدد الرجل فيقول: لعلك ستندم على فعلك؟ وهو لا يشك أنه يندم، ويقول: ربما ندم الإنسان على ما صنعت، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيراً، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} انتهى. فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء للعنان وتنبيهاً على وجوب الأخذ بالأحوط، وذلك واقع في التهديد، وفرق كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف كثرته من تلك العبارة، وزيدت ما فيها تأكيداً من حيث إنها تفهم أن الأمر لا يكون إلا كذلك، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها؛ قال الإمام أبو حيان: والظاهر أن ما في رب، مهيئة، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها، وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى. ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان، أو لأن "ما" إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على المعرفة - قال الرماني. ولما طرق لهم سبحانه الاحتمال، كان كأنه قيل: هل جوزوه فأخذوا في الاستعداد له؟ فقيل: بل استمروا على عنادهم، فقال - مستأنفاً ملتفتاً إلى ما أشار إليه في أول سورة ابراهيم في قوله {أية : الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} تفسير : [ إبراهيم:3] من المانع لهم عن الإذعان -: {ذرهم} يا أعز الخلق عندنا! كالبهائم {يأكلوا ويتمتعوا} والتمتع: التلذذ، وهو طلب اللذة حالاً بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالاً بعد حال {ويلههم} أي يشغلهم عن أخذ حظهم من السعادة {الأمل} أي رجاءهم طول العمر وبلوغ ما يقدره الوهم من الملاذ من غير سبب مهيىء لذلك ولما كان هذا امراً لا يشتغل به إلا أحمق، سبب عنه التهديد بقوله: {فسوف يعلمون *} أي ما يحل بهم بعد ما فسحنا لهم من زمن التمتع. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنه الآي المختتم بها سورة ابراهيم من لدن قوله سبحانه{ أية : ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} تفسير : [إبراهيم:42] إلى خاتمتها، أعقب ذلك بقوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} أي عند مشاهدة تلك الأحوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيداً لذلك الوعيد { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} ثم أعقب تعالى: هذا ببيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان، لا انفكاك لها عنها ولا تقدم ولا تأخر، إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، وقال تعالى: { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} وكان هذا يزيد أيضاحاً قوله عز وجل:{ أية : إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} تفسير : [إبراهيم: 42] وقوله: [ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} وقوله: {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض}تفسير : [إبراهيم: 48] الآية؛ وتأمل نزول قوله: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله، وأما افتتاح السورة بقوله: { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} فإحالة على أمرين واضحين: أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر، والثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل والغيوب والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضاً، فكيف لا يكون المتوعد به في قوة الواقع المشاهد، لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من التوقف والتكذيب! ثم أعقب هذا بقوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} انتهى. ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل، وكان من المعلوم جداً من أحوالهم الاستعجال بالعذاب تكذيباً واستهزاء، كان الكلام في قوة أن يقال: فقالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر! عجل لنا ما تتوعدنا به، وكان هذا غائظاً موجعاً حاملاً على تمني سرعة الإيقاع بهم، فقيل في الجواب: إن لهم أجلاً بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا يهمل، لأنه لا يبدل القول لديه، فليستعدوا فإن الأمر غيب، فما من لحظة إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيه العذاب، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم المعلوم {وما} جعلنا هذا خاصاً بهم، بل هو عادتنا، ما {أهلكنا} أي على ما لنا من العظمة، وأكد النفي فقال: {من قرية} أي من القرى. ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به، وكان تقديره سبحانه وكتُبه من عالم الغيب، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ منه سابق تقديره على زمن الإهلاك، فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه، والتي بالواو هي زيادة في الخبر السابق، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في العطف، فقال: {إلا ولها} أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها {كتاب معلوم *} أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ، أو يكون التقدير: فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم: هل يودون الإسلام أم لا؟ ثم بين الآية السابقة بقوله: {ما تسبق} وأكد الاستغراق بقوله: {من أمة} وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله: {أجلها} أي الذي قدرناه لها {وما يستأخرون *} أي عنه شيئاً من الأشياء، ولم يقل: تستأخر - حملاً على اللفظ كالماضي، لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعنتاً. ثم لما أجابهم بهذا الجواب الدال على تمام القدرة وكمال العلم الدالين على الوحدانية، عطف على ما تقدم أنه في قوة الملفوظ قوله دالاً على تركهم الجواب إلى التعنت والسفه: {وقالوا} أي لم يجوزوا أنهم يودون ذلك، بل استمروا على العناد وقالوا: {ياأيها الذي} ولما كان تكذيبهم بالتنزيل نفسه، بني للمفعول قوله: {نزل عليه} أي بزعمه {الذكر} وبينوا أنهم ما سموه تنزيلاً إلا تهكماً، فقالوا مؤكدين لمعرفتهم بأن قولهم منكر: {إنك لمجنون} أي بسبب ادعائك أن الله أنزل عليك ذكراً والذي تراه جني يلقى إليك تخليطاً، فكان هذا دليلاً على عنادهم، فإنهم أقاموا الشتم مقام الجواب عما مضى صنعه المغلوب المقطوع في المناظرة، تم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا: {لو ما} أي هلا ولم لا {تأتينا بالملائكة} دليلاً على صدقك إما للشهادة لك وإما لإهلاك من خالفك {إن كنت} أي جبلة وطبعاً {من الصادقين *} فيما تقول، أي ما وجه اختصاصك عنا بنزول الملائكة عليك ورؤيتك إياهم وأنت مثلنا في الإنسانية والنسب والبلد؟ هذا بعد أن قامت على صدقه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي أعظمها القرآن الداعي لهم إلى المبارزة كل حين المبكت لهم بالعجز عن المساجلة كل وقت.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {الۤرَ} و {الۤمۤ} قال: فواتح يفتتح بها كلامه {تلك آيات الكتاب} قال التوراة والإِنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {الۤرَ تلك آيات الكتاب} قال: الكتب التي كانت قبل القرآن {وقرآن مبين} قال: مبين، والله هداه ورشده وخيره. قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}. أخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قالوا: ودّ المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم حين عرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ربما يود الذين كفروا} قال: ذلك يوم القيامة، يتمنى الذين كفروا {لو كانوا مسلمين} قال: موحدين. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قال: هذا في الجهنميين، إذا رأوهم يخرجون من النار. وأخرج سعيد بن منصور وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما زال الله يشفع ويدخل الجنة ويشفع ويرحم، حتى يقول: من كان مسلماً فليدخل الجنة. فذلك قوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}. وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث، عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما، أنهما تذاكرا هذه الآية {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} فقالا: هذا حيث يجمع الله بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون...! فيغضب الله لهم، فيخرجهم بفضل رحمته. وأخرج سعيد بن منصور وهناد والبيهقي، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قال: إذا خرج من النار من قال لا إله إلا الله. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ناساً أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم. فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ". تفسير : وأخرج ابن أبي عاصم في السنة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {الۤرَ تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ". تفسير : وأخرج اسحق ابن راهويه وابن حبان والطبراني وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري أنه سئل: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية شيئاً {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}؟ قال: نعم، سمعته يقول: "حديث : يُخْرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون: ألستم كنتم تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فاذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم. فذلك قول الله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قال: فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا ربنا، أذهب عنا هذا الاسم، يأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم ". تفسير : وأخرج هناد بن السري والطبراني في الأوسط وأبو نعيم، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرؤون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:حديث : أول من يأذن الله عز وجل له يوم القيامة في الكلام والشفاعة، محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال له: "قلْ تسمعْ وسلْ تُعْطَه. قال: فَيَخرُّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يُثْنِ عليه أحدٌ، فيقال: ارفع رأسك. فيرفع رأسه فيقول: أي رب، أمتي.. أمتي.. فيخرج له ثلث من في النار من أمته، ثم يقال: قل تسمع، وسل تعط. فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد. فيقال: ارفع رأسك. فيرفع رأسه ويقول: أي رب، أمتي.. أمتي.. فيخرج له ثلث آخر من أمته، ثم يقال له: قل تسمع، وسل تعط. فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد. فيقال: ارفع رأسك. فيرفع رأسه ويقول: رب، أمتي.. أمتي.. فيخرج له الثلث الباقي"تفسير : . فقيل للحسن: أن أبا حمزة يحدث بكذا وكذا. فقال: يرحم الله أبا حمزة، نسي الرابعة. قيل: وما الرابعة؟ قال: من ليست له حسنة إلا لا إله إلا الله. فيقول: رب، أمتي.. أمتي.. فيقال له: يا محمد، هؤلاء ينجيهم الله برحمته حتى لا يبقى أحد ممن قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقول أهل جهنم {ما لنا من شافعين، ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} وقوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يقوم نبيكم رابع أربعة، فيشفع فلا يبقى في النار إلا من شاء الله من المشركين، فذلك قوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}. وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أصحاب الكبائر من موحّدي الأمم كلها، الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل منهم جهنم لا تزرقّ أعينهم ولا تسودّ وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وصورهم على النار من أجل السجود، فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء. فيغضب الله لهم غَضَباً لم يغضَبْه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة... مكتوب في جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن. فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم، فيبعث الله ملكاً فيمحوه، ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها، يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم. وذلك قوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن زكريا بن يحيى صاحب القضيب قال: سألت أبا غالب رضي الله عنه عن هذه الآية {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} فقال: حدثني أبو أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : انها نزلت في الخوارج حين رأوا تجاوز الله عن المسلمين وعن الأمة والجماعة، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين ". تفسير : وأخرج الحاكم في الكنى، عن حماد رضي الله عنه قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قال: حدثت أن أهل الشرك قالوا لمن دخل النار من أهل الإِسلام: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون...؟ فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا لهم. فيشفعون لهم فيخرجون، حتى ان إبليس ليتطاول رجاء أن يدخل معهم، فعند ذلك {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} .

ابو السعود

تفسير : سورة الحجر مكية إلا آية 87 فمدنية وآياتها تسع وتسعون آية {الۤرَ} قد مر الكلام فيه وفي محله في مطلع سورة الرعدِ وأخواتِها {تِلْكَ} إشارةٌ إليه أي تلك السورةُ العظيمةُ الشأن {آيَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ} الكاملِ المعهود الغنيِّ عن الوصف به المشهورُ بذلك من بـين الكتب الحقيقُ باختصاص اسمِ الكتاب به على الإطلاق، أي بعضٌ منه مترجمٌ مستقلٌّ باسم خاصَ فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميع المنزَلِ إذ ذاك إذ هو المتسارِعُ إلى الفهم حينئذ عند الإطلاق وعليه يترتب فائدةُ وصف الآياتِ بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ لا على جعله عبارةً عن السورة، إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبةِ من الشهرة حتى يُستغنىٰ عن التصريح بالوصف على أنها عبارةٌ عن جميع آياتها، فلا بد من جعل (تلك) إشارةٌ إلى كل واحد منها، وفيه من التكلف ما لا يخفى كما ذكر في سورة الرعد {وَقُرْءانٍ} أي قرآنٍ عظيمِ الشأن {مُّبِينٍ} مظهر لما في تضاعيفه من الحِكَم والأحكام أو لسبـيل الرشدِ والغيِّ أو فارقٍ بـين الحق والباطل والحلالِ والحرام، ولقد فُخّم شأنه العظيم مع ما جُمع فيه من وصفي الكتابـية والقرآنية على الطريقتين، إحداهما اشتمالُه على صفات كمالِ جنس الكتبِ الإلٰهيةِ فكأنه كلُّها، والثانيةُ طريقةُ كونِه ممتازاً عن غيره نسيجَ وحدِه بديعاً في بابه خارجاً عن دائرة البـيانِ، وأُخّرت الثانية لما أن الإشارةَ إلى امتيازه عن سائر الكتبِ بعد التنبـيه على انطوائه على كمالات غيرِه من الكتب أدخلُ في المدح كيلا يُتوَهّم من أول الأمرِ أن امتيازَه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصةٍ به من غير اشتمالٍ على نعوت كمالِ سائرِ الكتب الكريمة، وهكذا الكلامُ في فاتحة سورةِ النمل خلا أنه قُدّم فيها القرآنُ على الكتاب لما سيذكر هناك. ولمّا بـيِّن كونُ السورة الكريمةِ بعضاً من الكتاب والقرآنِ لتوجيه المخاطَبـين إلى حُسن تلقّي ما فيها من الأحكام والقِصص والمواعظ شُرع في بـيان ما تتضمّنه فقيل: {رُّبَمَا} بضم الراء وتخفيف الباء المفتوحةِ، وقرىء بالتشديد وبفتح الراء مخففاً وبزيادة التاء مشدداً، وفيه ثماني لغات: فتح الراء وضمها مشدداً ومخففاً وبزيادة التاء أيضاً مشدداً ومخففاً، ورُبّ حرفُ جر لا يدخُل إلا على الاسم، وما كافةٌ مصحّحةٌ لدخوله على الفعل وحقُّه الدخولُ على الماضي، ودخولُه على قوله تعالى: {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لما أن المترقَّب في أخباره تعالى كالماضي المقطوعِ في تحقيق الوقوع، فكأنه قيل: ربما وَد الذين كفروا، والمرادُ كفرُهم بالكتاب والقرآن وبكونه من عند الله تعالى {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} منقادين لحكمه ومذعِنين لأمره، وفيه إيذانٌ بأن كفرَهم إنما كان بالجحود بعد ما علموا كونَه من عند الله تعالى، وتلك الوَدادةُ يومَ القيامة أو عند موتهم أو عند معاينةِ حالِهم وحال المسلمين، أو عند رؤيتهم خروجَ عصاةِ المسلمين من النار. روى أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه أنه قال النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا كان يوم القيامة واجتمع أهلُ النار في النار ومعهم مَنْ شاء الله تعالى من أهل القِبلة قال لهم الكفارُ: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامُكم وقد صِرتم معنا إلى النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوبٌ فأُخِذْنا بها، فيغضب الله سبحانه لهم بفضل رحمته فيأمُر بكل من كان من أهل القِبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ يوَدّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين تفسير : . وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا يزال الربُّ يرحم ويُشفع إليه حتى يقول مَنْ كان من المسلمين فليدخُل الجنة، فعند ذلك يتمنَّوْن الإسلام. والحقُّ أن ذلك محمولٌ على شدة وَدادتِهم وأما نفسُ الودادةِ فليست بمختصة بوقت دون وقت بل هي مقرَّرة مستمرّةٌ في كل آن يمر عليهم، وأن المراد بـيانُ ذلك على ما هو عليه من الكثرة وإنما جيء بصيغة التقليلِ جرياً على سنن العرب فيما يقصِدون به الإفراط فيما يعكسون عنه، تقول لبعض قوادِ العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: ربَّ فارسٍ عندي، أو لا تعدمُ عندي فارساً وعنده مناقبُ جمّةٌ من الكتائب، وقصدُه في ذلك التماري في تكثير فرسانه ولكنه يريد إظهارَ براءته من التزيد وإبرازَ أنه ممن يقلل ـ لعلو الهمة ـ كثيرَ ما عنده فضلاً عن تكثير القليل، وهذه طريقةٌ إنما تسلك إذا كان الأمر من الوضوح بحيث لا يحوم حوله شائبةُ ريب فيُصار إليه هضماً للحق، فدل النظمُ الكريم على وَدادةِ الكافرين للإسلام في كل آن من آنات اليومِ الآخر، وأن ذلك من الظهور بحيث لا يشتبه على أحد ولو جيء بكلام يدل على ضده وعلى أن تلك الودادةَ مع كثرتها في نفسها مما يُستقل بالنسبة إلى جناب الكبرياءِ، وهذا هو الموافقُ لمقام بـيانِ حقارةِ شأنِ الكفارِ وعدمِ الاعتدادِ بما هم فيه من الكفر والتكذيب كما ينطق به قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ} الآية، أو ذهاباً إلى الإشعار بأن من شأن العاقلِ إذا عنّ له أمرٌ يكون مظنونَ الحمد، أو قليلاً ما يكون كذلك أن لا يفارقَه ولا يقارِفَ ضدّه، فكيف إذا كان متيقن الحمد؟ كما في قولهم: لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندِم الإنسان على ما فعل، فإن المقصودَ ليس بـيانَ كونِ الندم مرجوَّ الوجود بلا تيقن به، أو قليلَ الوقوع بل التنبـيهُ على أن العاقلَ لا يباشر ما يرجىٰ فيه الندم أو يقِلّ وقوعُه فيه، فكيف بقطعيّ الوقوع؟ وأنه يكفي قليلُ الندم في كونه حاجزاً عن ذلك الفعلِ، فكيف كثيرُه؟ والمقصودُ من سلوك هذه الطريقة إظهارُ الترفع والاستغناءِ عن التصريح بالغرض بناءً على ادعاء ظهورِه فالمعنى لو كانوا يودون الإسلامَ مرة واحدة لوجب عليهم أن يفارقوه، فكيف وهم يودّونه كل آن؟ وهذا أوفقُ بمقام استنزالِهم عما هم عليه من الكفر، وهذان طريقان متمايزانِ ذاتاً ومقاماً فمن ظنَّهما واحداً فقد نأىٰ عن توفية المقام حقَّه.

القشيري

تفسير : أسمعهم هذه الحروف مُقَطَّعَةً على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة في الخطاب، فأعرضوا عن كل شيءٍ وسمعوا لها. ونبههم القرآنُ إلى أن هذه التي يسمعونها آياتُ الكتاب، فقال لهم لما حضرت ألبابُهم، واستعدت لسماع ما يقول آذانُهم: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}. ووصف القرآن بأنه مبين؛ لأنه يُبَينُ للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما يقوي رجاءَهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعجَ أسرارهم، ويبيِّن للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - تحقيقَ ما مَنَعَ غَيْرَه بعد سؤاله... ألم تر إلى ربك قال لموسى عليه السلام: "لن تراني" بعد سؤاله: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143].

البقلي

تفسير : {الۤرَ} فهم النقد بما بدا من فلق الالهام اخبارا كسر بصورة الالف واللام والراء ان الله سبحانه بين بالالف بحر الاثبات لانه خبر عن الاولية الا ترى كيف قدمها على اوّل اسمه الله وبين باللام بحر النفى لانها شقيقة لام لا وبين بالراء بحر كشف الربوبية وظهور انوار الرؤية وهذه من شرائط المعرفة فمن لم يسبح فى بحر === بنعت الفناء لوجدان عين الحقيقة وحق البقاء لا يبلغ الى بحر الربوبية ولا يدرك لطائفها ولا يصل الى عيان كشف الرؤية بحقائقها وقد انقلبت هذه الحروف من اماكنها ابهاما واشارة لفهوم الفهماء وادراك علوم العلماء الا تراها فى نسق صورة الايمان كيف كانت اولها لا اله ثم ذكر محل الاثبات بالالف الا الله ولم يذكر الراء لان الاكثرين استغرقوا فى البحرين ولم يصلوا الى البحر الثالث لاجل ذلك لم يذكر الراء فى هذه الكلمة وهذا سر عجيب لا يعرفه الا اهل السر من اهل التوحيد وهى اصل الكتاب لان الكتاب جاء مخبرا بمجموعه عن اسرارها بلسان صاحب الواقعة عليه السلام الى ترى الى قوله {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} اى هذه الحروف المتشابهة اصل هذا الكتاب والكتاب تفسيرها يترجمها بما فيها فى السورة بلسان القرن والقرآن مجمع اوصاف الربوبية وخبر ما كان فى الحروف المعجمة يخبر بلسان مبين يبين عند كل عارف عالم القران مبين فى ذاته ليس فيه ابهام لكن لم يخرج جلاله وجماله من حجاب الحروف بنعت التبيين الا لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد فيبين عن اسراره على قدر افهام السامعين فالموحد يسمع من حيث التوحيد فيوله والعارف يسمع من حيث المعرفة فيبهت والعاشق يسمع من حيث العشق فيتيه والمشتاق يسمع من حيث الشوق فيهيم والمحب يسمع من حيث منه لانهم من معرفته بالحقيقة فى ظنونهم وقت ام القرآن بوصفه لاهل السرّ فالايئس يستانس بجمال والسكران يطير بفهم خطابه ولذة سماعه قال الاستاد بين للمومنين ما يسكن قلوبهم وللمريدين ما يقوى رجاءهم وللمحبين ما يهيج اشتياقهم وللمشتاقين ما ينوّر اسرارهم ولما عظم شان القران فى خبر الملكوت والجبروت لانقياد الاكوان والحدثان عند جناب الرحمن وخضوع العارفين بنعت الفناء على جناب عز البقاء وبلغوا باياديه القدمية ومننه الازلية عليهم الى مقام النظر الى جماله وجلاله ومعاينة ذاته وصفاته وبروز انوار جلالهم بين اطباق الاكوان ويراها مع عزتها اهل الطغيان يتمنون انهم كانوا منقادين مستسلمين كما كان اهل المعرفة والحقيقة فيه للحق منقادين بقوله {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} المساقطين عن طريق الحق يودون انهم من المريدين ولم يكونوا من المنكرين وان يكونوا من المجتهدين ولم يكونوا من الكسالى البطرين وان يكونوا من الوافين ولم يكونوا من الساخطين وانيكونوا من المتوكلين ولم يكونوا بتدابيرهم لاجل الرزق من المقيمين وانيكونوا من العالمين ولم يكونوا من الجاهلين ومن الموقنين لا من الشاكين ومن العارفين لا من المقلدين ومن الموحدين لا من المدعين ومن المخلصين لا من المرائين قال بعضهم ربما يود الذين فسقوا لو كانوا مطيعين قيل ربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين وربما يود الذين غفلوا لو كانوا ذاكرين قال ابن الفرح الكفر ههنا كفران النعمة معناه ربما يود الذين جهلوا نعم الله عندهم وعليهم ان لو كانوتا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة قيل اذا صارت المعارف ضرورية احترقت نفوس اقوام عقوبة وتقطعت قلوب اخرين حسرة ثم سلّى قلب حبيبه عن انكارهم وطيب بخطابه فواده فقال {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وصف المنكرين بشره بطونهم وشهوات فروجهم واصل نفوسهم شبههم بالبهائم وجعلهم اجهل منها باملهم ومنازعتهم المقادير لان البهائم لا يكون لها امل قال تعالى اولئك كالانعام بل هم اضل فهم لا يعلمون حقائق فسادهم وجهلهم بالله وباوليائه بترهاتهم وطاعاتهم وما اخدوا من ايام الطاعات بالمخالفات عند معاينة العقوبة ووقوع الحسرة قال ابو عثمان اسوء الناس حالا من كان شغله ببطنه وفرجه وتنفيذ شهوته حينئذ لا يلحقه انوار العصمة ولا يصل ابدا الى مقام التوبة قال ابو سعيد القرشى فى هذه الاية من شغله تربية نفسه وطلب مرادها والتمتع بهذه الفانية عن الاقبال علينا فاعرض عنهم ولا تقبل عليهم وذرهم وما هم فيه فلم يصل الينا الا من كان لنا ولم يكن لسوانا عنده قدر ولا خطر قال سهل اخبر الله عز وجل عن اخلاف === ان همتهم الاكل والتمتع فانساهم ذكر قرب الاجل ويعز عليهم ما ياملون من عيشهم على هذه الجملة فسوف يعلمون ان الذى لهم فيه هلاكهم وذلك الذى يبعدهم عن مدارج اهل السعادة فان من اراد الله به الخير جعل همته فيما يقربه اليه من المقام على الطاعات واجتناب المخالفات ومحاسبة النفس ومن ك ان بهذه الحالة يلهيه ذلك عن الاكل والشرب والتمتع.

اسماعيل حقي

تفسير : {الر} اسم للسورة وعليه الجمهور اى هذه السورة مسماة بالر. وقال الكاشفى (علما را در حروف مقطعه اقاويل بسيارست جمعة بر آنندكه مطلقا درباب آن سخن كفتن سلوك سبيل جرأتست. ودرينابيع آورده كه فاروق را از معنى اين حروف برسيدند فرمودند اكردروى سخن كويم متكلف باشم وحق تعالى بيغمبر خودرا فرموده كه بكو وما ابا من المتكلفين] يقول الفقير انما عد حضرة الفاروق رضى الله عنه المقال فيه من باب التكلف لا من قبيل ما يعرف بالذوق الصحيح والمشرب الشافى واللسان قاصر عن افادة ما هو كذلك على حقيقته لانه ظرف الحروف والالفاظ لا ظرف المعانى والحقائق ولا مجال له لكونه منتهيا مقيدا ان يسع فيه ما لا نهاية له. وفيه اشعار بان الكلام فيه ممكن فى الجملة. واما قول من قال ان هذه الحروف من اسرار استأثر الله بعلمها ففى حق القاصرين عن فهم حقائق القرآن والخالين عن ذوق هذا الشأن وعلم عالم المشاهدة والعيان والا فالذى استأثر بعلمه انما هى الممتنعات وهى ما لم يشم رائحة الوجود بل بقى فى غيب العلم المكنون بخلاف هذه الحروف فانها ظهرت فى عالم العين وما هو كذلك لا بد وان يتعلق به علم الاكملين لكونه من مقدوراتهم فالفرق بين علم الخالق والمخلوق ان علم الخالق عام شامل بخلاف علم المخلوق فافهم هداك الله [وبعضى كويند هرحرفى اشارت باسميست جنانجه در الر الف اشارت باسم الله است ولام باسم جبريل ورا باسم حضرت رسول صلى الله عليه وسلم اين كلام ازخداى تعالى بواسطه جبريل برسول رسيده] {تلك} السورة العظيمة الشأن {آيات الكتاب} الكامل الحقيق باختصاص اسم الكتاب على الاطلاق على ما يدل عليه اللام اى بعض من جميع القرآن او من جميع المنزل او من جميع المنزل اذ ذاك او آيات اللوح المحفوظ {وقرآن} عظيم الشأن {مبين} مظهر لما فى تضاعيفه من الحكم والمصالح او لسبيل الرشد والغى او فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام فهو من ابان المتعدى ويمكن ان يجعل من اللازم الظاهر امره فى الاعجاز او الواضحة معانيه للمتدبرين او البين للذين انزل عليهم لانه بلغتهم واساليبهم وعطف القرآن على الكتاب من عطف احدى الصفتين على الاخرى اى الكلام الجامع بين الكتابية والقرآنية. وفى التأويلات النجمية يشير بكلمة {تلك} الى قوله {الر} اى كل حرف من هذه الحروف حرف من آية من {آيات الكتاب و} هى {قرآن مبين}. فالالف اشارة الى آية {أية : الله لا اله الا هو الحى القيوم } تفسير : واللام اشارة الى آية {أية : ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشاء } تفسير : والراء اشارة الى آية {أية : ربنا ظلمنا} تفسير : فالله تعالى اقسم بهذه الآيات الثلاث باشارة هذه الحروف الثلاثة ثم اقسم بجميع القرآن بقوله {وقرآن مبين}

ابن عجيبة

تفسير : قلت: رُب: حرف جر، تدل على التقليل غالباً. وفيها ثماني لغات: التخفيف، والتثقيل مع ضم الراء وفتحها بالتاء، وتدخل عليها (ما) فتكفها عن العمل، ويجوز دخولها حينئذٍ على الفعل، ويكون ماضياً، أو منزلاً منزلته في تحقيق وقوعه، وقد تدخل على الجملة الاسمية؛ كقول الشاعر: شعر : رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبَّلُ فِيهمْ وَعَناجِيجُ بَيْنَهُنَّ المِهَارُ تفسير : وجملة: (إلا ولها): صفة لقرية، والأصل ألا يدخلها الواو، كقوله {أية : إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} تفسير : [الشعراء: 208]، لكن لما شابهت صورة الحال دخلت عليها؛ تأكيداً لوصفها بالموصوف. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المعظم، {تلك} الآيات التي تتلوها هي {آياتُ الكتاب} الذي أنزلناه إليك، {و} آيات {قرآنٍ} عربي {مبينٍ}؛ واضح البيان، مبيناً للرشد والصواب، فمن تمسك به وآمن بما فيه كان من المسلمين الناجين، ومن كان تنكب عنه وكفر به كان من الكافرين الهالكين، وسيندم حين لا ينفع الندم، كما قال تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}: متمسكين بما فيه حتى يكونوا من الناجين. وهذا التمني قيل: يكون عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج العصاة من النار، وهذا أرجح؛ لحديثٍ في ذلك. ومعنى التقليل فيه: أنه تدهشهم أهوال يوم القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا أن لو كانوا مسلمين. قال تعالى: {ذرهم}: دعهم اليوم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم {ويُلهِهمُ الأملُ}: ويشغلهم توثقهم بطول الأعمار، واستقامة الأحوال، عن الاستعداد للمعاد، {فسوف يعلمون} سوء صنيعهم إذا عاينوا جزءؤهم. والأمل للتهديد، والغرض: حصول الإياس من إيمانهم، والإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنَّ نصحهم بعد هذا تعب بلا فائدة. وفيه إلزام الحجة لهم. وفيه التحذير عن إيثار التنعم، وما يؤدي إليه طول الأمل من الهلاك عاجلاً وآجلاً، ولذلك قال تعالى بعُد: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم} أي: أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ، {ما تسبق من أمة أجلها}؛ أي: أجَل هلاكها، {وما يستأخرون} عنه ساعة، وتذكير الضمير في {يستأخرون}؛ للحمل على المعنى، لأن الأمة واقعة على الناس. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر هذا التهديد العظيم، والخطر الجسيم لمن تمتع بدنياه، وعكف على حظوظه وهواه: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}. ولله در القائل: شعر : تَفَكَّرتُ فِي الدُّنيا وفي شَهَواتِها ولَذاتِها حَتَّى أَطَلْتُ التَّفَكُّرَا وَكيْفَ يَلَذُّ العَيشُ مَنْ هُو سَالِكٌ سَبِيلَ المَنَايا رائِحا أوْ مُبكِّرا فَلاَ خَيْرَ في الدُّنْيَا ولاَ في نَعِيِمهَا لحُرِّ مقلِّ كانَ أوْ مُكْثِرا ثمَّ أجاب من اقتراح الآيات

الطوسي

تفسير : قرأ أهل المدينة وعاصم {ربما} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وروي عن أبي عمرو: الوجهان. قال أبو علي أنشد أبو زيد: شعر : ماويّ يا ربتما غارة شعواء كاللذعة بالميسم تفسير : قال الازهري: الماوي الرحمة، وأنشد ايضاً ابو زيد: شعر : يا صاحبا ربه إِنسان حسن يسأل عنك اليوم او تسأل عن تفسير : وقال قطرب, والسكري: ربّما، وربَما، وربتما, وربُّ، ربَّ: ست لغات، قال سيبويه (رب) حرف وتلحقها (ما) على وجهين: احدهما - ان تكون نكرة بمعنى شيء كقوله: شعر : ربما تجزع النفوس من الأمـــ ـــر له فرجة كحلّ العقال تفسير : فـ (ما) في هذا البيت إِسم؛ لما يقدر من عود الذكر اليه من الصفة. والمعنى: رب شيء تكرهه النفوس، واذا عاد اليه الهاء كان إِسماً، ولم يجز أن يكون حرفاً. والضرب الآخر ان تدخل (ما) كافة نحو الآية، ونحو قول الشاعر: شعر : ربما أوفيت في علم يرفعن ثوبي شمالات تفسير : والنحويون يسمون (ما) هذه كافة يريدون: أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان هيأها لدخولها على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى ان (رب) انما تدخل على الاسم المفرد؛ نحو رب رجل يقول ذلك, وربه رجل يقول، ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل، كما قال {ربما يود الذين كفروا} فوقع الفعل بعدها - في الآية - وهو على لفظ المضارع، ووقع في قوله (ربما أوفيت في علم) على لفظ الماضي، وهكذا ينبغي في القياس لأنها تدل على أمر قد وقع ومضى، وإِنما وقع - في الآية - على لفظ المضارع، لأنه حكاية لحال آتية كما ان قوله {أية : وإِن ربك ليحكم بينهم} تفسير : حكاية لحال آتية ايضاً، ومن حكاية الحال قول القائل: شعر : جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالايماض تفسير : ومن زعم ان الآية على اضمار (كان) وتقديره ربما كان يود، فقد خرج عن قول سيبويه، لأنهم لا يضمرون على مذهبه (كان) في قول القائل: عبد الله المقتول اي كن عبد الله المقتول. واما اضمار (كان) بعد إِن خيراً فخيراً، فإِنما جاز ذلك, لإِقتضاء الحرف له، فصار اقتضاء الحرف له كذكره، فاما ما أنشده ابن حبيب، فيهان ابن مسكين: شعر : لقد رزيت كعب بن عوف وربما فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها تفسير : فان قوله (فتى) يحتمل ضروباً: احدها - ان يكون لما جرى ذكر (رزيت) استغنى بجري ذكره عن اعادته، فكانه قال: ربما رزيت فتى، فأنتصب فتى برزيت المضمرة، كقوله {أية : آلآن وقد عصيت}تفسير : فاستغنى بذكر آمنت المعلوم عن اظهاره بعد، ويجوز ان يكون انتصب بـ (رزيت) هذه المذكورة، كأنه قال: لقد رزيت كعب بن عوف فتى وربما لم يكن يرضى اي رزيت فتى لم يكن يضام، ويكون هذا الفصل وهو اجنبي بمنزله قوله: شعر : ابو أمه حي أبوه يقاربه تفسير : ويجوز ان يكون رفعا بفعل مضمر كانه قال ربما لم يرضى فتى كقوله: شعر : وقلما وصال على طول الصدود يدوم تفسير : ويجوز ان تكون (ما) نكرة بمنزلة شيء ويكون فتى وصفاً لها، كأنه قال: رب شيء فتى لم يكن كذا، فهذه الاوجه فيها ممكنة، ويجوز في الآية ان تكون (ما) بمنزلة شيء و (ودّ) صفة له، لان (ما) لعمومها تقع على كل شيء فيجوز ان يعنى بها الودّ كأنه رب ودّ يودّه الذين كفروا، ويكون يودّ في هذا الوجه حكاية حال لانه لم يكن كقوله {أية : فارجعنا نعمل صالحاً} تفسير : وقوله {أية : يا ليتنا نردّ ولا نكذب } تفسير : واما من خفف، فلانه حرف مضاعف والحروف المضاعفة قد تحذف، وان لم يحذف غير المضاعف، فمن المضاعف الذي حذف (ان، وان, ولكن) قد حذف كل واحد من الحروف، وليس كل المضاعف يحذف، لاني لا أعلم الحذف في (ثم)، قال الهذلي: شعر : ازهير إِنْ يشب القذال فانني رب هيضل لجب لففت بهيضل تفسير : واما دخول التاء في (ربتما) فان من الحروف ما يدخل عليه حرف التأنيث نحو (ثمَّ, وثمّت، ولا، ولات) قال الشاعر: شعر : ثمت لا يحزونني غير ذالكم ولكن سيحزنني المليك فيعقبا تفسير : فلذلك الحق التاء في قوله "ربتما" وقال المبرد: قال الكسائي: العرب لا تكاد توقع (رب) على أمر مستقبل؛ وهذا قليل في كلامهم، وإِنما المعنى عندهم ان يوقعوها على الماضي, كقولهم: ربما فعلت ذلك، وربما جاءني فلان. وإِنما جاء هذا في القرآن، على ما جاء في التفسير، ان ذلك يكون يوم القيامة. وإِنما جاز هذا، لأن كل شيء من أمر الله خاصة فإِنه وإِن لم يكن وقع بعد، فهو كالماضي الذي قد كان، لأن وعده آت لا محالة, وعلى هذا عامة القرآن، نحو قوله {أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض}تفسير : وقوله {أية : وسيق الذين اتقوا} {أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} تفسير : ومع هذا يحسن ان يقال - في الكلام - اذا رأيت الرجل يفعل ما يشاء، تخاف عليه, ربما يندم، وربما يتمنى ان لا تكون فعلت، قال: وهذا كلام عربي حسن, ومثله قال الفراء والمبرد وغيرهم. فان قيل لم قال {ربما يود الذين كفروا} ورب للتقليل؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - انه شغلهم العذاب عن تمني ذلك الا في القليل. والثاني - انه أبلغ في التهديد كما تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم أنه يندم ندماً طويلاً، أي يكفيك قليل الندم، فكيف كثيره. فان قيل: لم قال {تلك آيات الكتاب وقرآن} والكتاب هو القرآن؟ ولم أضاف الآيات الى الكتاب، وهي القرآن, وهل هذا إِلا اضافة الشيء الى نفسه؟! قلنا: إِنما وصفه بالكتاب والقرآن, لإِختلاف اللفظين، وما فيهما من الفائدتين وإِن كانا لموصوف واحد، لأن وصفه بالكتاب يفيد انه مما يكتب ويدوّن، والقرآن يفيد أنه مما يؤلف ويجمع بعض حروفه الى بعض قال الشاعر: شعر : الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وقال مجاهد وقتادة: المراد بالكتاب: ما كان قبل القرآن من التوراة والانجيل، فعلى هذا سقط السؤال: فأما إِضافة الشيء الى نفسه، فقد بينا الوجه فيما مضى فيه، وانه يجري مجرى قولهم مسجد الجامع وصلاة الظهر ويوم الجمعة. وقوله تعالى {أية : لحق اليقين}تفسير : وهو مستعمل مشهور وبينا الوجه فيه، ووصف القرآن بانه مبين لانه يظهر المعنى للنفس, والبيان ظهور المعنى للنفس بما يميزه من غيره، لان معنى إِبانته منه فصل منه، فاذا ظهر النقيضان في معنى الصفة فقد بانت وفهمت. و (الود) التمنى يقال: وددته اذا تمنيته، ووددته اذا أحببته أود فهيما جميعاً ودَّاً. وقال الحسن: اذا رأى المشركون المؤمنين دخلوا الجنة تمنوا أنهم كانوا مسلمين، وقال مجاهد: اذا رأى المشركون المسلمين يغفر لهم ويخرجون من النار يودون لو كانوا مسلمين.

الجنابذي

تفسير : ظاهر الصّدق والمعنى او يبيّن الغىّ عن الرّشد والحقّ عن الباطل، وعطف القرآن على الكتاب للاشارة الى انّ المشار اليه كما انّه آيات كتاب النّبوّة وكتاب الفرق كذلك آيات كتاب الولاية وكتاب الجمع، وتنكير القرآن للاشارة الى انّه آيات شأن من شؤن الولاية لا انّه آيات حقيقة الولاية.

الأعقم

تفسير : {الر} قد ذكرنا ما قالوا فيه، وقيل: هو اسم للسورة، وقيل: إنها حروف أسماء الله تعالى: {تلك آيات الكتاب} التوراة والانجيل، وقيل: الكتب التي كتبت قبل القرآن، وقيل: أراد به القرآن، وقيل: تلك إشارة إلى السورة {وقرآن مبين} أي بين الحق والباطل {ربما} قرأ عاصم خفيفة الباء، وروي ذلك عن ابن عباس، والباقون يشددون الباء مفتوحة، وقوله: {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} أي يتمنون ذلك قيل: وقت المعاينة إذا عاينوا أحكام الآخرة وهو عند الموت، وقيل: عند مشاهدتهم المسلمين وهو يوم القيامة إذا عاينوا آجالهم {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} وهذا وعيد لهم {ويلههم الأمل} أي يشغلهم إمهالهم عن اتباع القرآن والرسول وآمالهم أنهم على دين {فسوف يعلمون} حين يحل بهم العذاب أو يوم القيامة {وما أهلكنا من قرية} من أهل قرية {إلاَّ ولها كتاب معلوم} أي كتاب كتب فيه وقت هلاكهم، وقيل: كتاب معلوم أجل معلوم، وقيل: هو اللوح المحفوظ {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} {وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر} أراد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {إنك لمجنون} أي زائل العقل {لو ما تأتينا بالملائكة} أي هلاّ تأتينا بالملائكة بالعذاب، وقيل: تشهد لك بالنبوة، ثم قال تعالى: {ما تنزل الملائكة إلا بالحق} الذي هو الموت، وقيل: ما ننزل لهم إلاَّ بالوحي والقرآن الذي هو الحق {وما كانوا إذاً منظرين} يعني غير نزول الملائكة.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الحجر، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}. قد فسّرناه في غير هذا الموضع. قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} هو كقوله: (أية : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) تفسير : [المؤمنون:99-100] وكقوله: (أية : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) تفسير : [الأَنعام: 27] وكقوله: (أية : ياَ لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ) تفسير : [الأَحزاب:66]. وذلك لما رأوا من كرامة الله للمؤمنين وثوابه إياهم، فتمنّوا أن لو كانوا مسلمين ومؤمنين لينالوا ما نال المسلمون من ثواب الله وجزيل عطائه. وقد تأوّلت الفرقة الشاكّة هذه الآية على غير تأويلها، وردّت على الله تنزيله، فقالوا: هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار، فيعيّرهم أهل النار، ويقولون: قد كان هؤلاء مسلمين فما أغنى عنهم؛ قالوا: فيغضب لهم ربهم فيخرجهم ـ زعموا ـ من النار ويدخلهم الجنة. قالوا: فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}. فزعموا أن الله مخرج أقواماً من النار قد احترقوا وصاروا حمماً. فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة هؤلاء الجهنّميون. قالوا: فيدعون ربّهم فيمحي ذلك الاسم عنهم، فيسمّون عتقاءَ ربّ العالمين، افتراء على الله، وكذباً عليه، وجحوداً بتنزيله إذ يقول: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} يعني الشرك {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} يعني الكبائر الموبقة (أية : فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير : [البقرة:81] وقال: (أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) تفسير : [المائدة:37]. وقال: (أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) تفسير : [الصافات:9] أي: دائم لا ينقطع. وقال: (أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) تفسير : [الزخرف:75] أي: يائسون. وقال: (أية : كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ) تفسير : [الحج:22]. وقال: (أية : لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) تفسير : [فاطر:36] وقال: {أية : وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}تفسير : [الزخرف:77] وقال: {أية : وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} تفسير : [غافر:49] قالت لهم الخزنة: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَما دُعَاء الكَافِرِينَ} أي: أهل النار (أية : إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ) تفسير : [غافر:50]. فكيف بعد هذا من تنزيل الله ومحكم كتابه تزعم الفرقة الشاكة أن أهل جهنم يخرجون منها ويدخلون الجنة؟ يتّبعون الروايات الكاذبة التي ليس لها أصل في كتاب الله، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فالله الحاكم بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الر} تقدم الكلام فيه {تِلْكَ} الآيات الرفيعة الشأن التى هى آيات السورة {آيَاتُ الْكِتَابِ} أى آيات من الكتاب الذى هو القرآن والإِضافة للتبعيض {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} عطف باعتبار الصفة التى هى مبين وإِلا فالقرآن هو الكتاب أو هو عطف تفسير والتنكير للتعظيم كأَنه قيل الكتاب الكامل فى جمع الحجج وما يحتاج إِليه وبيان الرشد من الغى أو الكامل فى الجمع والوضوح وقيل المراد بالكتاب والقرآن المبين السورة. وقال مجاهد وقتادة الكتاب جنس الكتب المنزلة قيل كالتوراة والإِنجيل والقرآن كتاب الله المنزل على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ واعترض بأَنه لم يجر لغير القرآن ذكر، ويجاب بأَن نحو التوراة والإِنجيل معهود الذكر فى الأَلسنة فأَل للعهد ويسهل ذلك عطف القرآن عليه.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الر} لا يعلم معناه إلا الله. أَو أَحرف من أوائِل أَسماء الله. الله لطيف رحيم، أَو تنبيه للوحى بذكر أَسماءِ الحروف الهمزة واللام والراء بمعنى تنبيه إلى كلام يوحى إليه مركب من نوع هذه الحروف، ومع ذلك هو معجز ليس كسائِر الحروف، وفى ذلك معجزة إِذ علم صلى الله عليه وسلم أَسماءَ الحروف مع أَنه لم يتعلم فإِن من لم يتعلم ا ب ت ث لا يعرف أَسماءَ الحروف لو قلت له: أَلف أَو ياءَ أَو تاءَ أَو ثاء فقد يثبت أَنه قال: بين السين ولا تغور الميم ومد الرحمن، أَو اسم لسورة؛ أَى اقرأَ هذه الأحرف أى استعد لنوعها، أَو هذه سورة أَو اقرأْها أَو استعد لقراءَة ذلك. {تِلْكَ} الإشارة إلى السورة أَو إلى آياتها، فإِنه تجوز الإشارة إلى ما يوجد بعد كما تجوز إلى ما وجد لاستحضاره بكونه معلوما. وبعض القرآن قرآن فلا يعارض بقوله: وقرآن، أَو إِلى ما فى اللوح المحفوظ، وإلى جميع آيات القرآن {آيَاتُ الْكِتَابِ} المعهود أو الكامل أو الكتب كلها فإنه هى، فخم بتعريف الكتاب بتنكير قرآن فى قوله: {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} عكس ما فى النمل إِذ فخم فيه بتعريف قرآن ثم بتنكير كتاب تفننا فى العبارة البليغة، والعطف تنزيل لتغاير الصفات منزلة تغاير الذات فى آيات السورة، والمؤلف الجامع للكمال حتى كأَن غيره ناقص ولا نقص، أَو لكونه كالكتب كلها، ولكونه مقرونا بعضه ببعض كآية إِيمان بآية كفر، أَو متلوا ظاهر المعنى والإِعجاز والبلاغة من أبان اللازم، أَو مظهر للصواب من الخطإِ والفرائِض وما يحتاج إِليه من أَبان المتعدى.

الالوسي

تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ الر} قد تقدم الكلام فيه {تِلْكَ} اختار غير واحد أنه إشارة إلى السورة أي تلك السورة العظيمة الشأن {آيَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} الكامل الحقيقي باختصاص اسم الكتاب به على الإطلاق كما يشعر به التعريف أي بعض منه مترجم مستقل باسم خاص فالمراد به جميع القرآن أو جميع المنزل إذ ذاك {وَقُرْءانٍ} عظيم الشأن كما يشعر به التنكير {مُّبِينٍ} مظهر في تضاعيفه من الحكم والأحكام أو لسبيل الرشد والغي أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام أو ظاهر معانيه أو أمر إعجازه، فالمبين إما من المتعدي أو اللازم، وفي جمع وصفي الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما فيه حيث أشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه كلها، وبالثاني إلى كونه ممتازاً عن غيره نسيج وحده بديعاً في بابه خارجاً عن دائرة البيان قرآناً غير ذي عوج ونحو هذا فاتحة سورة النمل خلا أنه أخر هٰهنا الوصف بالقرآنية عن الوصف بالكتابية لما أن الإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره منها أدخل في المدح لئلا يتوهم من أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف/ خاصة به من غير اشتماله على نعوت كمال سائر الكتب الكريمة وعكس هناك نظراً إلى حال تقدم القرآنية على حال الكتابية قاله بعض المحققين. وجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ؛ وذكر أن تقديمه هنا باعتبار الوجود وتأخيره هناك باعتبار تعلق علمنا لأنا إنما نعلم ثبوت ذلك من القرآن. وتعقب بأن إضافة الآيات إليه تعكر على ذلك إذ لا عهد باشتماله على الآيات. والزمخشري جعل هنا الإشارة إلى ما تضمنته السورة والكتاب وما عطف عليه عبارة عن السورة. وذكر هناك أن الكتاب إما اللوح وإما السورة وإما القرآن فآثر هٱهنا أحد الأوجه هناك. قال في الكشف: لأن الكتاب المطلق على غير اللوح أظهر، والحمل على السورة أوجه مبالغة كما دل عليه أسلوب قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الرعد: 1] وليطابق المشار إليه فإنه إشارة إلى آيات السورة ثم قال: وإيثار الحمل على اتحاد المعطوف والمعطوف عليه في الصدق لأن الظاهر من إضافة الآيات ذلك. ولما كان في التعريف نوع من الفخامة وفي التنكير نوع آخر وكان الغرض الجمع عرف الكتاب ونكر القرآن هٱهنا وعكس في النمل وقدم المعرف في الموضعين لزيادة التنويه ولما عقبه سبحانه بالحديث عن الخصوص هنالك قدم كونه قرآناً لأنه أدل على خصوص المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز، وتعقب تفسير ذلك بالسورة دون جميع القرآن أو المنزل إذ ذاك بأنه غير متسارع إلى الفهم والمتسارع إليه عند الإطلاق ما ذكر وعليه يترتب فائدة وصف الآيات بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمال لا على جعله عبارة عن السورة إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبة من الشهرة حتى يستغني عن التصريح بالوصف على أنها عبارة عن جميع آياتها فلا بد من جعل تلك إشارة إلى كل واحدة منها، وفيه من التكلف ما لا يخفى. ثم إن الزمخشري بعد أن فسر المتعاطفين بالسورة أشار إلى وجه التغاير بينهما بقوله كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان ورمز إلى أنه لما جعل مستقلاً في الكمال والغرابة قصد قصدهما فعطف أحدهما على الآخر فالغرض من ذكر الذات في الموضعين الوصفان، وهذه فائدة إيثار هذا الأسلوب، ومن هذا عده من عده من التجريد قاله في "الكشف". وقال الطيبـي بعد أن نقل عن البغوي توجيه التغاير بين المتعاطفين بأن الكتاب ما يكتب والقرآن ما يجمع بعضه إلى بعض، فإن قلت: رجع المآل إلى أن الكتاب - وقرآن وصفان لموصوف واحد أقيما مقامه فما ذلك الموصوف وكيف تقديره؟ فإن قدرته معرفة رفعه {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} وإن ذهبت إلى أنه نكرة أباه لفظ {الكتاب} قلت: أقدره معرفة {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} في تأويل المعرفة لأن معناه البالغ في الغرابة إلى حد الإعجاز فهو إذاً محدود بل محصور إلى آخر ما قاله، وهو كلام خال عن التحقيق كما لا يخفى على أربابه، وقيل: المراد بالكتاب التوراة والإنجيل وبالقرآن الكتاب المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، وأخرج ذلك ابن جرير عن مجاهد وقتادة، وأمر العطف على هذا ظاهر جداً إلا أن ذلك نفسه غير ظاهر، وفي المراد بالإشارة عليه خفاء أيضاً. وفي «البحر» أن الإشارة على هذا القول إلى ءايات الكتاب وهو كما ترى. ثم إنه سبحانه لما بين شأن الآيات لتوجيه المخاطبين إلى حسن تلقي ما فيها من الأحكام والقصص والمواعظ شرع جل شأنه في بيان المتضمن فقال عز قائلاً: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ...}.

سيد قطب

تفسير : هذا المقطع الأول في سياق السورة، يتحدث عن طبيعة الكتاب الذي يكذب به المشركون.. ويهددهم بيوم يتمنون فيه لو كانوا مسلمين! كما يكشف لهم عن سبب إرجاء هذا اليوم عنهم، فهو موقوت بأجل معلوم.. ويذكر تحدياتهم واستهزاءهم وطلبهم الملائكة، ثم يهددهم بأن نزول الملائكة يكون معه الهلاك والتدمير! وأخيراً يكشف عن العلة الحقيقية للتكذيب.. إنها ليست نقص الدليل ولكنه العناد الأصيل!.. ألف. لام. را.. {تلك آيات الكتاب وقرآن مبين}.. هذه الأحرف ونظائرها هي الكتاب وهي القرآن. هذه الأحرف التي في متناول الجميع، هي {تلك} الآيات العالية الأفق البعيدة المتناول، المعجزة التنسيق. هذه الأحرف التي لا مدلول لها في ذاتها هي القرآن الواضح الكاشف المبين. فإذا كان قوم يكفرون بآيات الكتاب المعجز ويكذبون بهذا القرآن المبين فسيأتي يوم يودون فيه لو كانوا غير ما كانوا؛ ويتمنون فيه لو آمنوا واستقاموا: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}.. ربما.. ولكن حيث لا ينفع التمني ولا تجدي الودادة.. ربما.. وفيها التهديد الخفي، والاستهزاء الملفوف؛ وفيها كذلك الحث على انتهاز الفرصة المعروضة للإسلام والنجاة قبل أن تضيع، ويأتي اليوم الذي يودون فيه لو كانوا مسلمين؛ فما ينفعهم يومئذ أنهم يودون! وتهديد آخر ملفوف: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}.. ذرهم فيما فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع. لا تأمل فيها ولا تدبر ولا استطلاع. ذرهم في تلك الدوامة: الأمل يلهي والمطامع تغر، والعمر يمضي والفرصة تضيع. ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين، الذين ضلوا في متاهة الأمل والغرور، يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع، ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود، وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم منه مانع. وأن ليس وراءهم حسيب؛ وأنهم ناجون في النهاية بما ينالون مما يطعمون! وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية. فالأمل البراق ما يزال يخايل لهذا الإنسان، وهو يجري وراءه، وينشغل به، ويستغرق فيه، حتى يجاوز المنطقة المأمونة؛ وحتى يغفل عن الله، وعن القدر، وعن الأجل؛ وحتى ينسى أن هنالك واجباً، وأن هنالك محظوراً؛ بل حتى لينسى أن هنالك إلهاً، وأن هنالك موتاً، وأن هناك نشوراً. وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعهم له.. {فسوف يعلمون}.. حيث لا ينفع العلم بعد فوات الأوان.. وهو أمر فيه تهديد لهم، وفيه كذلك لمسة عنيفة لعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم. وإن سنة الله لماضية لا تتخلف؛ وهلاك الأمم مرهون بأجلها الذي قدره الله لها؛ مترتب على سلوكها الذي تنفذ به سنة الله ومشيئته: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم. ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون}.. فلا يغرنهم تخلف العذاب عنهم فترة من الوقت، فإنما هي سنة الله تمضي في طريقها المعلوم. ولسوف يعلمون. وذلك الكتاب المعلوم والأجل المقسوم، يمنحه الله للقرى والأمم، لتعمل، وعلى حسب العمل يكون المصير. فإذا هي آمنت وأحسنت وأصلحت وعدلت مد الله في أجلها، حتى تنحرف عن هذه الأسس كلها، ولا تبقى فيها بقية من خير يرجى، عندئذ تبلغ أجلها، وينتهي وجودها، إما نهائياً بالهلاك والدثور، وإما وقتياً بالضعف والذبول. ولقد يقال: إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل. وهي مع ذلك قوية ثرية باقية. وهذا وهم. فلا بد من بقية من خير في هذه الأمم. ولو كان هو خير العمارة للأرض، وخير العدل في حدوده الضيقة بين أبنائها، وخير الإصلاح المادي والإحسان المحدود بحدودها. فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها فلا تبقى فيها من الخير بقية. ثم تنتهي حتماً إلى المصير المعلوم. إن سنة الله لا تتخلف. ولكل أمة أجل معلوم: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون}.. ويحكي السياق سوء أدبهم مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد جاءهم بالكتاب والقرآن المبين، يوقظهم من الأمل الملهي، ويذكرهم بسنة الله، فإذا هم يسخرون منه ويتوقحون: {وقالوا: يأيها الذي نزّل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين!}.. وتبدو السخرية في ندائهم: {يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر}.. فهم ينكرون الوحي والرسالة؛ ولكنهم يتهكمون على الرسول الكريم بهذا الذي يقولون. ويبدو سوء الأدب في وصفهم للرسول الأمين: {إنك لمجنون}.. جزاء على دعوته لهم بالقرآن المبين. وهم يتمحكون فيطلبون الملائكة مصدقين: {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين!}. وطلب نزول الملائكة يتكرر في هذه السورة وفي غيرها، مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع غيره من الرسل قبله: وهو كما قلنا ظاهرة من ظواهر الجهل بقيمة هذا الكائن الإنساني الذي كرمه الله، فجعل النبوة في جنسه، ممثلة في أفراده المختارين. والرد على ذلك التهكم وتلك الوقاحة وهذا الجهل هو ذكر القاعدة التي تشهد بها مصارع السالفين: أن الملائكة لا تنزل على الرسول إلا لهلاك المكذبين من قومه حين ينتهي الأجل المعلوم؛ وعندئذ فلا إمهال ولا تأجيل: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظَرين}.. فهل هو ما يريدون وما يتطلبون؟! ثم يردهم السياق إلى الهدى والتدبير.. إن الله لا ينزل الملائكة إلا بالحق، ليحقوه وينفذوه. والحق عند التكذيب هو الهلاك. فهم يستحقونه فيحق عليهم. فهو حق تنزل به الملائكة لتنفذه بلا تأخير. وقد أراد الله لهم خيراً مما يريدون بأنفسهم، فنزل لهم الذكر يتدبرونه ويهتدون به، وهو خير لهم من تنزيل الملائكة بالحق الأخير! لو كانوا يفقهون: {إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون}.. فخير لهم أن يقبلوا عليه. فهو باق محفوظ لا يندثر ولا يتبدل. ولا يلتبس بالباطل ولا يمسه التحريف وهو يقودهم إلى الحق برعاية الله وحفظه، إن كانوا يريدون الحق، وإن كانوا يطلبون الملائكة للتثبيت.. إن الله لا يريد أن ينزل عليهم الملائكة، لأنه أراد بهم الخير فنزل لهم الذكر المحفوظ، لا ملائكة الهلاك والتدمير. وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد الله الحق بحفظ هذا الذكر؛ فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب ـ إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة ـ ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصوناً محفوظاً لا تتبدل فيه كلمة، ولا تحرف فيه جملة، لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل، وتصونه من العبث والتحريف. لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام الفتن الأولى كثرت فيه الفرق، وكثر فيه النزاع، وطمت فيه الفتن، وتماوجت فيه الأحداث. وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن وفي حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من اليهود ـ خاصة ـ ثم من "القوميين" دعاة "القومية" الذين تسمّوا بالشعوبيين! ولقد أدخلت هذه الفرق على حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما احتاج إلى جهد عشرات العلماء الأتقياء الأذكياء عشرات من السنين لتحرير سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغربلتها وتنقيتها من كل دخيل عليها من كيد أولئك الكائدين لهذا الدين. كما استطاعت هذه الفرق في تلك الفتن أن تؤول معاني النصوص القرآنية، وأن تحاول أن تلوي هذه النصوص لتشهد لها بما تريد تقريره من الأحكام والاتجاهات.. ولكنها عجزت جميعاً ـ وفي أشد أوقات الفتن حلوكة واضطرابا ـ أن تحدث حدثاً واحداً في نصوص هذا الكتاب المحفوظ؛ وبقيت نصوصه كما أنزلها الله؛ حجة باقية على كل محرف وكل مؤول؛ وحجة باقية كذلك على ربانية هذا الذكر المحفوظ. ثم جاء على المسلمين زمان ـ ما نزال نعانيه ـ ضعفوا فيه عن حماية أنفسهم، وعن حماية عقيدتهم، وعن حماية نظامهم، وعن حماية أرضهم، وعن حماية أعراضهم وأموالهم وأخلاقهم. وحتى عن حماية عقولهم وإدراكهم! وغيّر عليهم أعداؤهم الغالبون كل معروف عندهم، وأحلوا مكانه كل منكر فيهم.. كل منكر من العقائد والتصورات، ومن القيم والموازين، ومن الأخلاق والعادات، ومن الأنظمة والقوانين... وزينوا لهم الانحلال والفساد والتوقح والتعري من كل خصائص "الإنسان" وردوهم إلى حياة كحياة الحيوان.. وأحياناً إلى حياة يشمئز منها الحيوان.. ووضعوا لهم ذلك الشر كله تحت عنوانات براقة من "التقدم" و"التطور" و "العلمانية" و "العلمية" و "الانطلاق" و "التحرر" و "تحطيم الأغلال" و "الثورية" و "التجديد".. إلى آخر تلك الشعارات والعناوين.. وأصبح "المسلمون" بالأسماء وحدها مسلمين. ليس لهم من هذا الدين قليل ولا كثير. وباتوا غثاء كغثاء السيل لا يمنع ولا يدفع، ولا يصلح لشيء إلا أن يكون وقوداً للنار.. وهو وقود هزيل!.. ولكن أعداء هذا الدين ـ بعد هذا كله ـ لم يستطيعوا تبديل نصوص هذا الكتاب ولا تحريفها. ولم يكونوا في هذا من الزاهدين. فلقد كانوا أحرص الناس على بلوغ هذا الهدف لو كان يبلغ، وعلى نيل هذه الأمنية لو كانت تنال! ولقد بذل أعداء هذا الدين ـ وفي مقدمتهم اليهود ـ رصيدهم من تجارب أربعة آلاف سنة أو تزيد في الكيد لدين الله. وقدروا على أشياء كثيرة.. قدروا على الدس في سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى تاريخ الأمة المسلمة. وقدروا على تزوير الأحداث ودس الأشخاص في جسم المجتمع المسلم ليؤدوا الأدوار التي يعجزون عن أدائها وهم سافرون. وقدروا على تحطيم الدول والمجتمعات والأنظمة والقوانين. وقدروا على تقديم عملائهم الخونة في صورة الأبطال الأمجاد ليقوموا لهم بأعمال الهدم والتدمير في أجسام المجتمعات الإسلامية على مدار القرون، وبخاصة في العصر الحديث: ولكنهم لم يقدروا على شيء واحد ـ والظروف الظاهرية كلها مهيأة له ـ.. لم يقدروا على إحداث شيء في هذا الكتاب المحفوظ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه؛ وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا يدفع ولا يمنع؛ فدل هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقاً تنزيل من عزيز حكيم. لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجرد وعد. أما هو اليوم ـ من وراء كل تلك الأحداث الضخام؛ ومن وراء كل تلك القرون الطوال. فهو المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب، والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول: {إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون}.. وصدق الله العظيم.. ويعزي الله سبحانه نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيخبره أنه ليس بدعاً من الرسل الذين لقوا الاستهزاء والتكذيب، فهكذا المكذبون دائماً في عنادهم الذميم: {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين. وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون}.. وعلى هذا النحو الذي تلقى به المكذبون أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم، يتلقى المكذبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم به. وعلى هذا النحو نجري هذا التكذيب في قلوبهم التي لا تتدبر ولا تحسن الاستقبال، جزاء ما أعرضت وأجرمت في حق الرسل المختارين: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين}.. نَسلُكه في قلوبهم مكذّباً بما فيه مستهزأ به؛ لأن هذه القلوب لا تحسن أن تتلقاه إلا على هذا النحو. سواء في هذا الجيل أم في الأجيال الخالية أم في الأجيال اللاحقة؛ فالمكذبون أمة واحدة، من طينة واحدة: {وقد خلت سنة الأولين}.. وليس الذي ينقصهم هو توافر دلائل الإيمان، فهم معاندون ومكابرون، مهما تأتهم من آية بينة فهم في عنادهم ومكابرتهم سادرون. وهنا يرسم السياق نموذجاً باهراً للمكابرة المرذولة والعناد البغيض: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلّوا فيه يعرجون، لقالوا: إنما سكّرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون}.. ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب يفتح لهم فيها. يصعدون بأجسامهم، ويرون الباب المفتوح أمامهم، ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها.. ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون: لا. لا. ليست هذه حقيقة. إنما أحد سكّر أبصارنا وخدّرها فهي لا ترى إنما تتخيل: {إنما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}.. سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر، فكل ما نراه وما نتحركه تهيؤات مسكّر مسحور! يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري. ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء. ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان. وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل. فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة. إنما هم قوم مكابرون. مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف! إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير، مثيراً لشعور الاشمئزاز والتحقير.. وهذا النموذج ليس محلياً ولا وقتياً، ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين.. إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته، وتستغلق بصيرته، وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي، وينقطع عن الوجود الحي من حوله، وعن إيقاعاته وإيحاءاته. هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها "المذاهب العلمية!" وهي أبعد ما تكون عن العلم؛ بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة.. إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله؛ ويجادلون في وجوده ـ سبحانه ـ وينكرون هذا الوجود.. ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته، بلا خالق، وبلا مدبر، وبلا موجه.. يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و "أخلاقية!" كذلك. ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس، والتي لا تنفصل عنه بحال.. "علمية".. هي وحدها "العلمية"! وعدم الشعور بوجود الله سبحانه، مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية، هو دلالة لا تنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النّكدة. كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لا تقل تبجحاً عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا: إنما سكّرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون!}.. فالشواهد الكونية أظهر وأوضح من عروجهم إلى السماء. وهي تخاطب كل فطرة غير معطلة خطاباً هامساً وجاهراً، باطناً وظاهراً، بما لا تملك هذه الفطرة معه إلا المعرفة والإقرار. إن القول بأن هذا الكون موجود بذاته؛ وفيه كل تلك النواميس المتوافقة لحفظه وتحريكه وتدبيره؛ كما أن فيه كل تلك الموافقات لنشأة الحياة في بعض أجزائه.. وهي موافقات لا تحصى.. إن هذا القول بذاته يرفضه العقل البشري، كما ترفضه الفطرة من أعماقها. وكلما توغل "العلم" في المعرفة بطبيعة هذا الكون وأسراره وموافقاته؛ رفض فكرة التلقائية في وجود هذا الكون وفي حركته بعد وجوده؛ واضطر اضطرارا إلى رؤية اليد الخالقة المدبرة من ورائه.. هذه الرؤية التي تتم للفطرة السوية بمجرد تلقي إيقاعات هذا الكون وإيحاءاته. قبل جميع البحوث العلمية التي لم تجئ إلا أخيرا! إن الكون لا يملك أن يخلق ذاته، ثم يخلق في الوقت نفسه قوانينه التي تصرف وجوده. كما أن نشأة الحياة لا يفسرها وجود الكون الخالي من الحياة. وتفسير نشأة الكون ونشأة الحياة بدون وجود خالق مدبر تفسير متعسف ترفضه الفطرة كما يرفضه العقل أيضا: كما أخذ يرفضه العلم المادي نفسه أخيرا: يقول عالم الأحياء والنبات "رسل تشارلز إرنست" الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا: "لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات؛ فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة. وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات. ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بفشل وخذلان ذريعين. ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده! ولكنه إذ يفعل ذلك، فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذي خلق الأشياء ودبرها. "إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها. وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق. ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيماناً راسخا" وهذا الذي يكتب هذا التقرير لم يبدأ بحثه من التقريرات الدينية عن نشأة الحياة. إنما بدأ بحثه من النظر الموضوعي لنواميس الحياة. والمنطق السائد في بحثه هو منطق "العلم الحديث" ـ بكل خصائصه ـ لا منطق الإلهام الفطري، ولا منطق الحس الديني. ومع ذلك فقد انتهى إلى الحقيقة التي يقررها الإلهام الفطري، كما يقررها الحس الديني. ذلك أن الحقيقة متى كان لها وجود، اعترض وجودها كل سالك إليها من أي طريق يسلكه إليها: أما الذين لا يجدون هذه الحقيقة فهم الذين تعطلت فيهم أجهزة الإدراك جميعا! والذين يجادلون في الله ـ مخالفين عن منطق الفطرة وعن منطق العقل، وعن منطق الكون.. أولئك كائنات تعطلت فيها أجهزة الاستقبال والتلقي جميعا.. إنهم العُمْي الذين يقول الله تعالى فيهم {أية : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى }. تفسير : وإذا كانت هذه حقيقتهم؛ فإن ما ينشئونه من مذاهب "علمية!" اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة والإنسانية والتاريخ الإنساني؛ يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط، صادر عن أعمى، معطل الحواس الأخرى، محجوباً عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعاً ـ على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها. وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئاً؛ فضلاً على أن يكيف نظرته، ويقيم منهج حياته، على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلاً! إن هذه قضية إيمانية اعتقادية، وليست قضية رأي وفكر! إن الذي يقيم تفكيره، ويقيم مذهبه في الحياة، ويقيم نظام حياته كذلك، على أساس أن هذا الكون المادي هو منشئ ذاته، ومنشئ الإنسان أيضا.. إنما يخطئ في قاعدة الفكرة والمذهب والنظام؛ فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير؛ ولا يمكن أن تلتحم في جزيئة واحدة مع حياة مسلم، يقيم اعتقاده وتصوره، ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية الله للكون وخلقه وتدبيره. ومن ثم يصبح القول بأن ما يسمى "الاشتراكية العلمية" منهج مستقل عن المذهب المادي مجرد جهالة أو هراء! ويصبح الأخذ بما يسمى "الاشتراكية العلمية" ـ وتلك قاعدتها ونشأتها ومنهج تفكيرها وبناء انظمتها ـ عدولاً جذرياً عن الإسلام: اعتقاداً وتصوراً ثم منهجا ونظاما.. حيث لا يمكن الجمع بين الأخذ بتلك "الاشتراكية العلمية" واحترام العقيدة في الله بتاتاً. ومحاولة الجمع بينهما هي محاولة الجمع بين الكفر والاسلام.. وهذه هي الحقيقة التي لا محيص عنها.. إن الناس في أي أرض وفي أي زمان؛ إما أن يتخذوا الإسلام ديناً، وإما ان يتخذوا المادية ديناً. فإذا اتخذوا الإسلام دينا امتنع عليهم أن يتخذوا "الاشتراكية العلمية" المنبثقة من "الفلسفة المادية"، والتي لا يمكن فصلها عن الأصل الذي انبثقت منه، نظاما.. وعلى الناس أن تختار.. إما الإسلام، وإما المادية، منذ الابتداء! إن الإسلام ليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمير. إنما هو نظام قائم على عقيدة.. كما أن "الاشتراكية العلمية" ـ بهذا الاصطلاح ـ ليست قائمة على هواء، إنما هي منبثقة انبثاقاً طبيعيا من "المذهب المادي" الذي يقوم بدوره على قاعدة مادية الكون وإنكار وجود الخالق المدبر اصلا، ولا يمكن الفصل بين هذا التركيب العضوي.. ومن ثَمَّ ذلك التناقض الجذري بين الإسلام وما يسمى "الاشتراكية العلمية" بكل تطبيقاتها! ولا بد من الاختيار بينهما.. ولكل أن يختار وأن يتحمل عند الله تبعة ما يختار!!!

ابن عاشور

تفسير : {الۤرَ}. تقدم الكلام على نظير فاتحة هذه السورة في أول سورة يونس. وتقدم في أول سورة البقرة ما في مثل هذه الفواتح من إعلان التحديد بإعجاز القرآن. الإشارة إلى ما هو معروف قبل هذه السورة من مقدار ما نزل بالقرآن، أي الآيات المعروفة عندكم المتميزة لديكم تميزاً كتميز الشيء الذي تمكن الإشارة إليه هي آيات الكتاب. وهذه الإشارة لتنزيل آيات القرآن منزلة الحاضر المشاهد. و{الكتاب} علم بالغلبة على القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للهدى والإرشاد إلى الشريعة. وسمي كتاباً لأنهم مأمورون بكتابة ما ينزل منه لحفظه ومُراجعته؛ فقد سمي القرآن كتاباً قبل أن يُكتب ويجمع لأنه بحيث يكون كتاباً. ووقعت هذه الآية في مفتتح تهديد المكذبين بالقرآن لقصد الإعذار إليهم باستدعائهم للنظر في دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحقية دينه. ولمّا كان أصل التعريف باللام في الاسم المجعول علماً بالغلبة جائياً من التوسل بحرف التعريف إلى الدلالة على معنى كمالِ الجنس في المعرف به لم ينقطع عن العلَم بالغلَبة أنه فائق في جنسه بمعونة المقام، فاقتضى أن تلك الآيات هي آيات كتاب بالغ منتهى كمال جنسه، أي من كتب الشرائع. وعطف {وقرآن} على {الكتاب} لأن اسم القرآن جعل علماً على ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز والتشريع، فهو الاسم العلَم لكتاب الإسلام مثل اسم التوراة والإنجيل والزبور للكتب المشتهرة بتلك الأسماء. فاسم القرآن أرسخ في التعريف به من الكتاب لأن العلَم الأصلي أدخل في تعريف المسمى من العلَم بالغلبة، فسواء نكّر لفظ القرآن أو عرف باللام فهو علم على كتاب الإسلام. فإن نكّر فتنكيره على أصل الأعلام، وإن عُرّف فتعريفه لِلَمْح الأصل قبل العلمية كتعريف الأعلام المنقولة من أسماء الفاعلين لأن «القرآن» منقول من المصدر الدال على القراءة، أي المقروء الذي إذا قرىء فهو منتهى القراءة. وفي التسمية بالمصدر من معنى قوة الاتصاف بمادة المصدر ما هو معلوم. وللإشارة إلى ما في كل من العلمين من معنى ليس في العلم الآخر حسن الجمع بينهما بطريق العطف، وهو من عطف ما يعبر عنه بعطف التفسير لأن «قرآن» بمنزلة عطف البيان من «كتاب» وهو شبيه بعطف الصفة على الموصوف ومَا هو منه، ولكنه أشبهه لأن المعطوف متبوع بوصف وهو {مبين}. وهذا كله اعتبار بالمعنى. وابتُدىء بالمعرّف باللام لما في التعريف من إيذان بالشهرة والوضوح وما فيه من الدلالة على معنى الكمال، ولأن المعرّف هو أصل الإخبار والأوصاف. ثم جيء بالمنكر لأنه أريد وصفه بالمبين، والمنكّر أنسب بإجراء الأوصاف عليه، ولأن التنكير يدل على التفخيم والتعظيم، فوزعت الدلالتان على نكتة التعريف ونكتة التنكير. فأما تقديم الكتاب على القرآن في الذكر فلأن سياق الكلام توبيخ الكافرين وتهديدهم بأنهم سيجيء وقت يتمنون فيه أن لو كانوا مؤمنين. فلما كان الكلام موجهاً إلى المنكرين ناسب أن يستحضر المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم بعنوانه الأعم وهو كونه كتاباً، لأنهم حين جادلوا ما جادلوا إلا في كتاب فقالوا: {أية : لَوْ أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} تفسير : [الأنعام: 157] ولأنهم يعرفون ما عند الأمم الآخرين بعنوان كتاب، ويعرفونهم بعنوان أهل الكتاب. فأما عنوان القرآن فهو مناسب لكون الكتاب مقروءاً مدروساً وإنما يقرأه ويدرسه المؤمنون به. ولذلك قدم عنوان القرآن في سورة النمل كما سيأتي. والمبين: اسم فاعل من أبان القاصر الذي هو بمعنى بَان مبالغة في ظهوره، أي ظهور قُرآنيته العظيمة، أي ظهور إعجازه الذي تحققه المعاندون وغيرهم. وإنما لم نجعل المبين بمعنى أبان المتعدي لأن كونه بيّنا في نفسه أشد في توبيخ منكريه من وصفه بأنه مظهر لما اشتمل عليه. وسيجيء قريب من هذه الآية في أول سورة النمل.

الواحدي

تفسير : {الر} أنا الله أرى {تلك آيات} هذه آيات {الكتاب} الذي هو قرآن مبين للأحكام. {ربما يودُّ...} الآية. نزلت في تمنِّي الكفَّار الإِسلام عند خروج مَنْ يخرج من النَّار. {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} يقول: دع الكفَّار يأخذوا حظوظهم من دنياهم {ويلههم الأمل} يشغلهم الأمل عن الأخذ بحظِّهم من الإِيمان والطَّاعة {فسوف يعلمون} إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا. {وما أهلكنا من قرية} يعني: أهلها {إلاَّ ولها كتابٌ معلوم} أجلٌ ينتهون إليه. يعني: إنَّ لأهل كلِّ قرية أجلاً مؤقَّتاً لا يُهلكهم حتى يبلغوه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- تلك آيات الكتاب المنزل المقروء المبين الواضح. 2- يود ويتمنى الذين جحدوا بأيات اللَّه - سبحانه وتعالى - كثيرا عندما يرون عذاب يوم القيامة، أن لو كانوا قد أسلموا فى الدنيا وأخلصوا دينهم لله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الۤر: الله أعلم بمراده بذلك، تكتب الۤر. ويقرأ: ألِفْ، لاَمْ، را. تلك آيات الكتاب: الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف المقطعة تلك آيات الكتاب أي القرآن. يود: يحب ويرغب متمنياً أن لو كان من المسلمين. ويتمتعوا: أي بالملذات والشهوات. ويلههم الأمل: أي بطول العمر وبلوغ الأوطار وإدراك الرغائب الدنيوية. إلا ولها كتابٌ معلوم: أي أجل محدود لإِهلاكها. ما تسبق من أمة أجلها: أي لا يتقدم أجلها المحدد لها ومن زائدة للتأكيد. معنى الآيات: بما أن السورة مكية فإنها تعالج قضايا العقيدة وأعظمها التوحيد والنبوة والبعث. قوله تعالى: {الۤر}: الله أعلم بمراده به، ومن فؤائد هذه الحروف المقطعة تنبيه السامع وشده بما يسمع من التلاوة، إذ كانوا يمنعون سماعه خشية التأثر به، فكانت هذه الفواتح التي لم يألفوا مثلها في كلامهم تشدهم إلى سماع ما بعدها من القرآن، وقوله: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} من الجائز القول: الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف الۤر، والۤـمۤ، طسۤ، حـمۤ عۤسۤقۤ. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} المبين: المبين للحق والباطل والهدى والضلال وقوله تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}: يخبر تعالى أن يوماً سيأتي هو يوم القيامة عندما يرى الكافر المسلمين يدخلون الجنة ويدخل هو النار يود يومئذ متمنياً أن لو كان من المسلمين. وقد يحدث الله تعالى ظروفاً في الدنيا وأموراً يتمنى الكافر فيها لو كان من المسلمين. وقوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي اتركهم يا رسولنا، أي اترك الكافرين يأكلوا ما شاءوا من الأطعمة، ويتمتعوا بما حصل لهم من الشهوات والملذات، ويلههم الأمل عن التفكير في عاقبة أمرهم. إذ همهم طولُ أعمارهم، وتحقيق أوطارهم، فسوف يعلمون إذا رُدّوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون أنهم كانوا في الدنيا مخطئين بإعراضهم عن الحق ودعوة الحق والدين الحق وقوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي من أهل قرية بعذاب الإِبادة والاستئصال {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ}، أي لها أجلٌ مكتوبٌ في كتابٍ محدد اليوم والساعة. وقوله {... مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي بناءً على كتاب المقادير فإن أمة كتب الله هلاكها لا يمكن أن يتقدم هلاكها قبل ميقاته المحدد، ولا أن يستأخر عنه ولو ساعة. وفي هذا تهديدٌ وتخويف لأهل مكة وهو يحاربون دعوة الحق ورسول الحق لعل قريتهم قد كتب لها كتابٌ وحدد لها أجلٌ وهم لا يشعرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- القرآن الكريم مبينٌ لكل ما يُحتاج في إسعاد الإِنسان وإكماله. 2- إنذار الكافرين وتحذيرهم من مواصلة كفرهم وحربهم للإِسلام فإن يوماً سيأتي يتمنون فيه أن لو كانوا مسلمين. 3- تقرير عقيدة القضاء والقدر فما من شيء إلا وسبق به علم الله وكتبه عنده في كتاب المقادير الحياة كالموت، والربح كالخسارة، والسعادة كالشقاء، جميع ما كان وما هو كائن وما سيكون سبق به علم الله وكتب في اللوح المحفوظ.

القطان

تفسير : ربما: بتشديد الباء وتخفيفها، تفيد التقليل. ذرهم: اتركهم. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}. الف، لام، را... من هذه الأحرف تتالف آيات الكتاب المعجزة، وهي القرآن الواضح المبين الذي يبَين لمن تأملَه وتدبَّره رُشدَه وهُداه. {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}. سيأتي يومٌ يتمنّى فيه الذين كفروا لو كانوا مسلمين في دار الدنيا، وهو يومُ القيامة عندما يَرَوْنَ العذاب، لكن هذا التمني لن يفيدَهم شيئا. قراءات: قرأ نافع وعاصم: "ربما" بفتح الباء بدون تشديد. والباقون: "ربما" بالتشديد. {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. دعهم أيها الرسول في غفلَتِهم، يأكلون، ويتمتعون في شهواتهم ولذّاتهم، وتُلهيهم الآمال.. فسوف يعلمون سوءَ أعمالهم عندما يرون العذاب. وفي هذا وعيدٌ شديد. {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}. إننا لم نُهلك أيّاً من الأمم السابقة إلاّ بعد أجلٍ مقدّر لا يُنسى ولا يُغفل. هذه سنّة الله الماضية التي لا تتخلّف، وهلاكُ الأمم مرهون بآجالها، وهذا ما أكده بقوله تعالى: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}. فلا يغرَّنَّهم تخلُّفُ العذاب عنهم فترةً من الزمن، فإن أجَلهم آتٍ لا يسبقونه ولا يتأخرون عنه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُ} {ٱلْكِتَابِ} {وَقُرْآنٍ} (1) - أَلِفْ. لاَمْ، را. وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هذِهِ الآيَاتُ هِيَ آيَاتُ القُرآنِ الجَلِيِّ الوَاضِحِ (المُبِينِ).

الثعلبي

تفسير : {الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} يعني وآيات قرآن. {رُّبَمَا يَوَدُّ}. قرأ عاصم وأهل المدينة: بتخفيف الباء. وقرأ الباقون: بتشديده، وهما لغتان. قال أبو حاتم وأهل الحجاز: يخففون ربما. وقيس وبكر وتميم: يثقلّونها وإنما أُدخل ما على رُب ليتكلم بالفعل بعدها. {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}. روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إ ذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من يشاء الله من أهل القبلة. قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم شيئاً؟ وقد صرتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فغضب الله لهم بفضل رحمته فأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار يخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين"تفسير : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: ما يزال الله يدخل الجنة ويرحم ويشفع حتى يقول لمن كان من المسلمين: ادخلوا الجنة فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين {ذَرْهُمْ} يا محمد يعني الذين كفروا {يَأْكُلُواْ} في الدنيا {وَيَتَمَتَّعُواْ} من لذاتها {وَيُلْهِهِمُ} ويشغلهم {ٱلأَمَلُ} عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} بما وردوا القيامة ونالوا وبال ما صنعوا فنسختها آية القتال {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي من أهل قرية {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} أجل مؤقت قد كتبناها لهم لا يعذبهم ولا يهلكهم حتى يلقوه {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ} من ملة {أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} ونظيرها {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 34] {وَقَالُواْ} يعني مشركي مكة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} يعني القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَّوْ مَا} هلاّ {تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ} شاهدين لك على صدق ما تقول {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. قال الكسائي: لولا ولوما سواء في الخبر والاستفهام. ومنه قول ابن مقبل: شعر : لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ببعض مافيكما إذ عبتما عودي تفسير : يريد لولا الحياء {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ}. قرأ أهل الكوفة: ننزل الملائكة بضم النون ورفع اللام، الملائكة نصباً، واختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون: بفتح التاء ورفع اللام في الملائكة رفعها، واختاره أبو عبيد اعتباراً بقوله {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ}تفسير : [القدر: 4]. {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} بالعذاب ولو نزلت {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} القرآن {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من الباطل ومن الشياطين وغيرهم أن يزيدوا فيه وينقصوا منه ويبدلوا حرفاً، نظيره قوله: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42] الآية. وقيل بأن الهاء في قوله له راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يعني وإنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء نظيره {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67]. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} في الآية إضمار، مجازها ولقد أرسلنا من قبلك في شيع أُمم من الأولين. قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: فرق الأولين وواحدتها شيعة وهي الفرقة والطائفة من الناس {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كما فعلوا بك يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} يعني كما أسلكنا الكفر والتكذيب والإستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأولين كذلك نسلكه أي نجعله وندخله في قلوب مشركي قومك {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني حتى لا يؤمنوا بمحمد، وفي هذه الآية ردَّ على المعتزلة، فقال سلكه يسلكه سلكاً وسلوكاً وأسلكه إسلاكاً. قال عدي بن زيد: شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرّد وقد سلكوك في قوم عصيب تفسير : {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} وقائع الله لا من خلا من هكذا في الأُمم نخوف أهل مكة. {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم} يعني ولو فتحنا على هؤلاء القائلين لوما تأتينا بالملائكة {بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ} فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم عياناً، لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، هذا قول ابن عباس وأكثر العلماء. قال الحسن: هذا العروج راجع إلى بني آدم يعني فظل هؤلاء الكافرون يه يعرجون أي يصعدون ومنه المعراج {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ} سدّت {أَبْصَارُنَا} قاله ابن عباس، وقال الحسن: سحرت. قتادة: أخذت. الكلبي: أغشيت وعميت. وكان أبو عمرو وأبو عبيدة يقولان: هو من سكر الشراب ومعناه قد عش أبصارنا السكر، المؤرخ: دير بنا. وقرأ مجاهد وابن كثير: سكرت بالتخفيف أي حبست ومنعت بالنظر كما سكر النهر ليحبس الماء {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} سحرنا محمد.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السورة التي نبدأ خواطرنا عنها هي سورة الحجر تبدأ بالكلام عن جامع البلاغ، ومنهج لحياة الحياة وهو القرآن الكريم الذي قد جاء بالخبر اليقين في قضية الألوهية الواحدة، والتي ذكرنا في آخر السورة السابقة بأن أُولِي الألباب يستقبلونها بعقولهم. ويقول الحق سبحانه في مُسْتهل السورة: {الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}. والسورة كما نرى قد افْتُتِحَتْ بالحروف التوقيفية؛ والتي قلنا: إن جبريل عليه السلام نزل وقرأها هكذا؛ وحفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلغها لنا صلى الله عليه وسلم هكذا؛ وهي قد نزلتْ أوَّل ما نزلت على قوم برعوا في اللغة؛ وهم أهل فصاحة وبيان، ولم نجد منهم مَنْ يستنكرها. وهي حروف مُقطّعة تنطَق بأسماء الحروف لا مُسمَّياتها، ونعلم أن لكل حرف اسماً، وله مسمى؛ فحين نقول أو نكتب كلمة "كتب"؛ فنحن نضع حروفاً هي الكاف والباء والتاء بجانب بعضها البعض، لتكون الكلمة كما ننطقها أو نقرؤها. ويقال عن ذلك إنها مُسمَّيات الحروف، أما أسماء الحروف؛ فهي "كاف" و"باء" و"تاء". ولا يعرف أسماء الحروف إلا المُتعلِّم؛ ولذلك حين تريد أن تختبر واحداً في القراءة والكتابة تقول له: تَهَجَّ حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق أسماءَ الحروف؛ عرفنا أنه يُجيد القراءة والكتابة. وهذا القرآن - كما نعلم - نزل مُعجِزاً للعرب الذين نبغوا في اللغة، وكانوا يقيمون لها أسواقاً؛ مثل المعارض التي نقيمها نحن لصناعاتنا المتقدمة. ولذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي معجزة الرسول الخاتم من جنس ما نبغوا فيه، فلو كانت المعجزة من جنسٍ غير ما نبغوا فيه ولم يَألفوه لَقَالوا: لو تعلمنا هذا الأمر لَصنعْنَا ما يفوقه. وجاءتهم معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغُوا فيه؛ وباللغة العربية وبنفس المُفْردات المُكوّنة من الحروف التي تُكوِّنون منها كلماتكم، والذي جعل القرآن مُعْجِزاً أن المُتكلّم به خالق وليس مخلوقاً. وفي "الر" نفس الخامات التي تصنعون منها لُغَتكم. وهذا بعض ما أمكن أن يلتقطه العلماء من فواتح السور. علينا أن نعلم أن لله في كلماته أسراراً؛ فهو القائل سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ..} تفسير : [آل عمران: 7]. أي: أن القرآن به آيات مُحْكمات، هي آيات الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب، أما الآيات المتشابهات فهي مثل تلك الآيات التي تبدأ بها فواتح بعض من السور؛ ومَنْ في قلوبهم زَيْغ يتساءلون: ما معناها؟ وهم يقولون ذلك لا بَحْثاً عن معنى؛ ولكن رغبةً للفتنة. ولهؤلاء نقول: أتريدون أنْ تفهموا كل شيء بعقولكم؟ إن العقل ليس إلا وسيلةَ إدراك؛ مِثْله مِثْل العين، ومِثْل الأذن. فهل ترى عيناك كل ما يمكن أن يُرَى؟ طبعاً لا؛ لأن للرؤية بالعين قوانينَ وحدوداً، فإنْ كنتَ بعيداً بمسافة كبيرة عن الشيء فلن تراه؛ ذلك أن العين لا ترى أبعد من حدود الأفق. وكل إنسان يختلف أُفْقه حسب قوة بصره؛ فهناك مَنْ أنعم الله عليه ببصر قوي وحادٍّ؛ وهناك مَنْ هو ضعيفُ البصرِ؛ ويحتاج إلى نظارة طبية تساعده على دِقّة الإبصار. فإذا كانت للعين - وهي وسيلة إدراك المرائي - حدود، وإذا كانت للأذن، وهي وسيلة إدراك الأصوات بحد المسافة الموجية للصوت؛ فلا بُدَّ أن تكون هناك حدود للعقل، فهناك ما يمكن أن تفهمه؛ وهناك مَا لا يمكن أن تفهمه. والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن آيات القرآن: "حديث : ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به ". تفسير : وذلك حفاظاً على مواقيت ومواعيد ميلاد أيِّ سِرٍّ من الأسرار المكنونة في القرآن الكريم، فلو أن القرآن قد أعطى كل أسراره في أول قَرْن نزل فيه؛ فكيف يستقبل القرونَ الأخرى بدون سِرٍّ جديد؟ إذن: فكُلَّما ارتقى العقل البشري؛ كلما أَذِن الله بكشف سِرٍّ من أسرار القرآن. ولا أحد بقادر على أن يجادل في آيات الأحكام. ويقول الحق سبحانه عن الآيات المتشابهة: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ..} تفسير : [آل عمران: 7]. وهناك مَنْ يقرأ هذه الآية كالآتي: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم مـ" وتناسى مَنْ يقرأ تلك القراءة أن مُنْتهى الرسوخ في العلم أن تؤمن بتلك الآيات كما هي. والحق سبحانه هنا يقول: {الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [االحجر: 1]. و (تلك) إشارة لما سبق ولِمَا هو قادم من الكتاب، و (آيات) جمع "آية". وهي: الشيء العجيب الذي يُلْتفت إليه. والآيات إما أنّ تكونَ كونية كالليل والنهار والشمس والقمر لتثبت الوجود الأعلى، وإما أنْ تكونَ الآيات المُعْجزة الدالة على صِدْق البلاغ عن الله وهي معجزات الرسل، وإما أن تكونَ آيات القرآن التي تحمل المنهج للناس كافّة. ويضيف الحق سبحانه: {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [االحجر: 1]. فهل الكتاب هو شيء غير القرآن؟ ونقول: إن الكتاب إذا أُطلِق؛ فهو ينصرف إلى كل ما نزل من الله على الرسل؛ كصحف إبراهيم، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى؛ وكل تلك كتب، ولذلك يسمونهم "أهل الكتاب". أما إذا جاءت كلمة "الكتاب" مُعرَّفة بالألف واللام؛ فلا ينصرف إلا للقرآن، لأنه نزل كتاباً خاتماً، ومُهيْمناً على الكتب الأخرى. وبعد ذلك جاء بالوصف الخاص وهو (قرآن)، وبذلك يكون قد عطف خاصاً على عامٍّ، فالكتاب هو القرآن، ودلَّ بهذا على أنه سيكتب كتاباً، وكان مكتوباً من قبل في اللوح المحفوظ. وإن قيل: إن الكتب السابقة قد كُتِبت أيضاً؛ فالردّ هو أن تلك الكتب قد كُتِبت بعد أن نزلتْ بفترة طويلة، ولم تُكتب مِثْل القرآن ساعة التلقِّي من جبريل عليه السلام، فالقرآن يتميز بأنه قد كُتِب في نفس زمن نُزوله، ولم يُترك لقرون كبقية الكتب ثم بُدئ في كتابته. والقرآن يُوصَف بأنه مُبِين في ذاته ومُبِين لغيره؛ وهو أيضاً مُحيط بكل شيء. وسبحانه القائل: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 38]. وأيُّ أمر يحتاج لحكم؛ فإما أن تجده مُفصَّلاً في القرآن، أو نسأل فيه أهل الذكر، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 7]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {رُّبَمَا} ربَّ للتقليل و {مَآ} نكره موصوفة أي رب شيء {لَّوْمَا} للتحضيض كلولا وهلاّ {شِيَعِ} جمع شيعة وهي الفرقة والطائفة من الناس {نَسْلُكُهُ} ندخله، والسَّلْك: إدخال الشيء في الشيء {يَعْرُجُونَ} عَرَج: صعد، والمعارج المصاعد {سُكِّرَتْ} سُدَّت ومنعت {بُرُوجاً} البروج: منازل الكواكب السيارة وأصله الظهور ومنه تبرج المرأة وهو إظهار زينتها {لَوَاقِحَ} جمع لاقح وهي الريح التي تحمل المطر، والتي لا تأتي بخير تسمى الريح العقيم، أو ملقّحة للشجر أي تحمل اللّقاح له {صَلْصَالٍ} طين يابس يسمع له صلصلة إذا يبس {حَمَإٍ} الحمأ: الطين الأسود {مَّسْنُونٍ} منتن متغير قال الفراء: هو المتغيّر وأصله من سننتُ الحجر إذا حككته به {ٱلسَّمُومِ} الريح الحارة القاتلة. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ}. التفسِير: {الۤرَ} إشارة إلى إعجاز القرآن أي هذا الكتاب العجيب المعجز كلام الله تعالى وهو منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية الألف واللام والراء {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي هذه آيات الكتاب، الكامل في الفصاحة والبيان، المتعالي عن الطاقة البشرية، {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} أي قرآنٍ عظيم الشأن، واضحٍ بيّن، لا خلل فيه ولا اضطراب {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ربما تمنى الكفار {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} أي لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك عند معاينة أهوال الآخرة {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} أي دَعْهم يا محمد يأكلوا كما تأكل البهائم، ويستمتعوا بدنياهم الفانية {وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ} أي يشغلهم الأمل بطول الأجل، عن التفكر فيما ينجيهم من عذاب الله {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي عاقبة أمرهم إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهو وعيد وتهديد {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} أي وما أهلكنا أهل قرية من القرى الظالمة التي كذبت رسل الله {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} أي إلا لها أجل محدود لإِهلاكها {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي لا يتقدم هلاك أمةٍ قبل مجيء أوانه {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي ولا يتأخر عنهم قال ابن كثير: وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإِرشاد لهم إلى الإِقلاع عما هم عليه من العِناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك {وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} قال كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم على جهة الاستهزاء والتهكم: يا من تزعم وتدعي أن القرآن نزل عليك {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} أي إنك حقاً لمجنون، أكّدوا الخبر بإنَّ واللام مبالغة في الاستخفاف والاستهزاء بمقامه الشريف عليه السلام {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي هلاّ جئتنا بالملائكة لتشهد لك بالرسالة إن كنت صادقاً في دعواك أنك رسول الله!! قال تعالى رداً عليهم {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي ما ننزّل ملائكتنا إلا بالعذاب لمن أردنا إهلاكه {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} أي وفي هذه الحالة وعندئذٍ لا إمهال ولا تأجيل، والغرض أن عادة الله تعالى قد جرت في خلقه أنه لا ينزل الملائكة إلا لمن يريد إهلاكهم بعذاب الاستئصال، وهو لا يريد ذلك مع أمته صلى الله عليه وسلم لعلمه تعالى أنه يخرج من أصلابهم من يعبد الله، ففيه ردٌ عليهم فيما اقترحوا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} أي نحن بعظمة شأننا نزلنا عليك القرآن يا محمد {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي ونحن الحافظون لهذا القرآن، نصونه عن الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، قال المفسرون: تكفَّل الله بحفظ هذا القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان، ولا على التبديل والتغيير كما جرى في غيره من الكتب فإن حفظها موكولٌ إلى أهلها لقوله تعالى {أية : بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 44] وانظر الفرق بين هذه الآية {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} حيث ضمن حفظه وبين الآية السابقة حيث وكل حفظه إليهم فبدَّلوا وغيَّروا {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً في طوائف وفرق الأمم الأولين {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي وما جاءهم رسولٌ إلاّ سخروا منه واستهزءوا به، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى كما فعل بك هؤلاء المشركون فكذلك فُعل بمن قبلك من الرسل فلا تحزن {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كذلك نسلك الباطل والضلال والاستهزاء بأنبياء الله في قلوب المجرمين، كما سلكناه وأدخلناه في قلوب أولئك المستهزئين {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي لا يؤمنون بهذا القرآن وقد مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء من الهلاك والدمار؟ ثم بيَّن تعالى أن كفار مكة لا ينقصهم توافر براهين الإِيمان فهم معاندون مكابرون، وفي ضلالهم وعنادهم سائرون فقال {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي لو فرض أننا أصعدناهم إلى السماء، وفتحنا لهم باباً من أبوابها، فظلوا يصعدون فيه حتى شاهدوا الملائكة والملكوت {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أي لقالوا - لفرط مكابرتهم وعنادهم - إنما سُدَّت أبصارنا وخُدعت بهذا الارتقاء والصعود {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} أي سحرنا محمد وخيَّل إلينا ذلك وما هو إلا سحر مبين قال الرازي: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه، وإِلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكّوا في تلك الرؤية، وبقوا مصرين على الكفر والعناد كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر، والقرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإِنس أن يأتوا بمثله، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} أي جعلنا في السماء منازل تسير فيها الأفلاك والكواكب {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} أي زيناها بالنجوم ليُسرَّ الناظر إليها {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} أي حفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين مطرود من رحمة الله {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} أي إلا من اختلس شيئاً من أخبار السماء فأدركه ولحقه شهاب ثاقب فأحرقه {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} أي بسطناها ووسعناها وجعلنا فيها جبالاً ثوابت {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} أي أنبتنا في الأرض من الزروع والثمار من كل شيءٍ موزونٍ بميزان الحكمة، بدقةٍ وإحكام وتقدير {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أي ما تعيشون به من المطاعم والمشارب {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} أي وجعلنا لكم من العيال والمماليك والأنعام من لستم له برازقين، لأننا نخلق طعامهم وشرابهم لا أنتم {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} أي ما من شيء من أزراق الخلق والعباد ومنافعهم إلا عندنا خزائنه ومستودعاته {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي ولكن لا ننزله إلا على حسب حاجة الخلق إليه، وعلى حسب المصالح، كما نشاء ونريد {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي تلقِّح السحاب فيدر ماءً، وتلقّح الشجر فيتفتَّح عن أوراقه وأكمامه، فالريح كالفحل للسحاب والشجر {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي فأنزلنا من السحاب ماءً عذباً، جعلناه لسقياكم ولشرب أرضكم ومواشيكم {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي لستم بقادرين على خزنه بل نحن بقدرتنا نحفظه لكم في العيون والآبار والأنهار، ولو شئنا لجعلناه غائراً في الأرض فهلكتم عطشاً كقوله {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك: 30] {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ} أي الحياة والموت بيدنا ونحن الباقون بعد فناء الخلق، نرث الأرض ومن عليها وإلينا يُرجعون {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} أي أحطنا علماً بالخلق أجمعين، الأموات منهم والأحياء قال ابن عباس: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة وقال مجاهد: المستقدمون: الأمم السابقة، والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والغرضُ أنه تعالى محيطٌ علمه بمن تقدم وبمن تأخر، لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} أي وإن ربك يا محمد هو يجمعهم للحساب والجزاء {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيمٌ في صنعه عليمٌ بخلقه، ولما ذكر تعالى الموت والفناء، والبعث والجزاء، نبّههم إلى مبدأ أصلهم وتكوينهم من نفسٍ واحدة، ليشير إلى أن القادر على الإِحياء قادر على الإِفناء والإِعادة، وذكّرهم بعداوة إبليس لأبيهم آدم ليحذروه فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} أي خلقنا آدم من طين يابسٍ يسمع له صَلْصلة أي صوت إذا نُقر {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} أي من طين أسود متغيّر {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} أي ومن قبل آدم خلقنا الجانَّ - أي الشياطين ورئيسهم إبليس - من نار السموم وهي النار الحارة الشديدة التي تنفذ في المسامّ فتقتل بِحرها قال المفسرون: عني بالجانِّ هنا "إبليس" أبا الجنِّ لأن منه تناسلت الجن فهو أصل لها كما أن آدم أصل للإِنس {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} أي اذكر يا محمد وقت قول ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين يابسٍ، أسود متغيّر قال ابن كثير: فيه تنويهٌ بذكر آدم في الملائكة قبل خلقه له، وتشريفه إيّاه بأمر الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس عدوه عن السجود له حسداً وكفراً {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي سويت خَلْقه وصورته، وجعلته إنساناً كاملاً معتدل الأعضاء {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} أي أفضتُ عليه من الروح التي هي خلقٌ من خلقي فصار بشراً حياً {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} أي خرو له ساجدين، سجود تحيةٍ وتكريم لا سجود عبادة، قال المفسرون: وإنما أضاف الروح إليه تعالى على سبيل التشريف والتكريم كقوله "بيت الله، ناقة الله! شهر الله" وهي من إضافة الملك إلى المالك، والصنعة إلى الصانع {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} أي سجد لآدم جميع الملائكة لم يمتنع منهم أحد {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} الاستثناء منقطع لأن إبليس خلقٌ آخر غير الملائكة، فهو من نار وهم من نور، وهم لا يعصون الله ما أمرهم وهو أبى وعصى، فليس هو من الملائكة بيقين، ولكنه كان بين صفوفهم فتوجه إليه الخطاب والمعنى: سجد جميع الملائكة لكنْ إبليس امتنع من السجود بعد أن صدر له الأمر الإِلهي {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي ما المانع لك من السجود؟ وأيُّ داعٍ دعا بك إلى الإِباء والامتناع؟ وهو استفهام تبكيتٍ وتوبيخ {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} أي قال إبليس: لا ينبغي ولا يليق لمثلي أن يسجد لآدم وهو مخلوق من طينٍ يابسٍ متغير، فهو من طينٍ وأنا من نار فكيف يسجد العظيم للحقير، والفاضل للمفضول؟ رأى عدوُّ الله نفسه أكبر من أن يسجد لآدم، ومنعه كبره وحسده عن امتثال أمر الله {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي اخرجْ من السماوات فإنك مطرودٌ من رحمتي {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} أي وإن عليك لعنتي إلى يوم الجزاء والعقوبة {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي قال اللعين: أمهلني وأخرني إلى يوم البعث {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} أي قال له الله: إنك من المؤجلين إلى حين موتِ الخلائق قال القرطبي: أراد بسؤاله الإِنظار - إلى يوم يبعثون - ألا يموت، لأن البعث لا موتَ بعده، فأجابه المولى بالإِنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم موت الخلائق، فيموت إبليس ثم يُبعث {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي بسبب إغوائك وإضلالك لي {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي لأزيننَّ لذرية آدم المعاصي والآثام {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي ولأظلَّنهم عن طريق الهدى أجمعين {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي إلا من استخلصته من عبادك لطاعتك ومرضاتك فلا قدرة لي على إِغوائه {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} أي قال تعالى: هذا طريق مستقيم واضح، وسنة أزليةٌ لا تتخلف وهي {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي إن عبادي المؤمنين لا قوة لك على إضلالهم {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} استثناء منقطع لأن الغاوين ليسوا من عباد الله المخلصين والمعنى لكنْ من غوى وضل من الكافرين فلك عليهم تسلط، لأن الشيطان إنما يتسلط على الشاردين عن الله، كما يتسلط الذئب على الشاردة من القطيع {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي موعد إبليس وأتباعه جميعاً {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} أي لجهنم سبعة أبواب يدخلون منها لكثرتهم وروي عن عليّ أنها أطباقٌ، طبقٌ فوق طبق وأنها دركاتٌ بعضها أشد من بعض {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} أي لكل جماعة من أتباع إبليس بابٌ معينٌ معلوم، قال ابن كثير: كلٌ يدخل من بابٍ بحسب عمله، ويستقر في دَرَكٍ بقدر عمله. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- المجاز المرسل في {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} المراد أهلها وهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحالّ. 2- الاستعارة التخيليَّة في {عِندَنَا خَزَائِنُهُ} فهو تمثيل لكمال قدرته، شبَّه قدرته على كل شيء بالخزائن المودوعة فيها الأشياء، وإخراج كل شيء بحسب ما اقتضته حكمته على طريق الاستعارة. 3- الطباق بين {نُحْيِي ... وَنُمِيتُ} وبين {ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ ... ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ}. 4- جناس الاشتقاق في {خَزَائِنُهُ ... وخَازِنِينَ}. 5- السجع الذي له وقع على السمع مثل {ٱلْمُجْرِمِينَ}، {ٱلأَوَّلِينَ}، {ٱلْمُنظَرِينَ} الخ. لطيفَة: ذكر أن رجلاً أراد أن يمتحن الأديان أيها أصح وأحسن؟ فعمد إلى التوراة والإِنجيل والقرآن - وكان خطاطاً - فنسخ من كل كتاب نسخة بخط جميل وزاد فيها ونقص، ثم عرض التوراة على علماء اليهود فقبلوها وتصفحوها وأكرموه بالمال، ثم عرض الإِنجيل الذي نسخه بيده على القسس فاشتروه بثمن كبير وأكرموه، ثم عرض نسخة القرآن على شيوخ المسلمين فنظروا فيه فلما رأوا فيه بعض الزيادة والنقص أمسكوا به فضربوه ثم رفعوا أمره إلى السلطان فحكم بقتله، فلما أراد قتله أشهر إسلامه وأخبرهم بقصته وأنه امتحن الأديان فعرف أن الإِسلام دين حق. انظر تفسير القرطبي 10/6.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} هذه السورة مكية بلا خلاف مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر في آخر السورة قبلها أشياء من أحوال القيامة من تبديل السماوات والأرض وأحوال الكفار في ذلك اليوم وان ما أتى به على حسب التبليغ والإِنذار ابتدأ في هذه السورة بذكر القرآن الذي هو بلاغ للناس وأحوال الكفر وودادتهم. {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} وتلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب والقرآن المبين السورة وتنكير القرآن للتفخيم والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً وأي قرآن مبين كأنه قيل الكتاب الجامع للكامل والغرابة في البيان والظاهر ان ما في ربما مهيئة وذلك انها من حيث هي حرف جر على خلاف فيه لا يليها إلا الأسماء فجيء بما مهيئة لمجيء الفعل بعدها وفي رب لغات وأحكام ذكرت في النحو وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجيء في القرآن إلا في هذا الموضع وقد اختلفوا تفيد التقليل أم التكثير والذي يظهر ان ذلك يفهم من سياق الكلام لا من وضعها ومثال هذا التركيب القرآني قول الشاعر: شعر : ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقل تفسير : وما مهيئة لمجيء الفعل بعدها ودعوى أنها نكرة موصوفة بعيد كتأويل من قال: رب شىء توده وحذف الضمير العائد على شىء وأكثر ما يأتي الفعل بعدها ماضياً كقول الشاعر: شعر : ربما أوفيت في علم ترفض ثوبي شمالات وقد جاء مستقبلا ً تفسير : فقال سليم القشيري: شعر : ومعتصم بالحي من خشية الردى سيردي وغاز مشفق سيؤوب تفسير : فيود مستقبل لا يحتاج إلى تأويله بمعنى ود وكثرة مجيء لو بعدود ينسبك منها مصدر تقديره ان لو كانوا مسلمين أي كونهم مسلمين ومن لم يثبت أو لو حرف مصدري يتأول مفعولاً محذوفاً لود وجواباً للو فيقدر يود الذين كفروا الإِسلام لو كانوا مسلمين لينجوا بذلك. {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ} أمر تهديد لهم ووعيد أي ليسوا ممن يرعوي عما هو فيه من الكفر والتكذيب ولا ممن تنفعه النصيحة والتذكير فهم إنما حظهم حظ البهائم من الأكل والتمتع بالحياة الدنيا والأمل في تحصيلها هو الذي يلهيهم ويشغلهم عن الإِيمان بالله تعالى وبرسوله وفي قوله: يأكلوا ويتمتعوا إشارة إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للموت والتأهب له ليس من أخلاق من يطلب النجاة من عذاب الله تعالى. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد أي فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وما يؤولون إليه في الدنيا من الذل والقتل والسبي وفي الآخرة من العذاب السرمدي ولما توعدهم بما يحل بهم أردف ذلك بما يشعر بهلاكهم وأنه لا يستبطأ فإِن له أجلاً لا يتعدّاه والمعنى من أهل قرية كافرين والظاهر أن المراد بالهلاك هلاك الاستئصال لمكذبي الرسل وهو أبلغ في الزجر ومن قرية مفعول أهلكنا ومن لاستغراق الجنس. {وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} جملة حالية ومن زائدة تفيد استغراق الجنس أي: ما تسبق أمة وأنث أجلها على لفظ أمة وجمع وذكر في وما يستأخرون حملاً على المعنى وحذف عنه لدلالة الكلام عليه. قال الزمخشري: الجملة واقعة صفة لقرية والقياس ان لا تتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ}تفسير : [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال جاءني زيد عليه ثوب وجاءني زيد وعليه ثوب "انتهى". ووافقه على ذلك أبو البقاء فقال: الجملة نعت لقرية كقولك: ما لقيت رجلاً إلا عالماً قال: وقد ذكرنا حال الواو في مثل هذا في البقرة في قوله: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216]، وهذا الذي قاله الزمخشري وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحداً قاله من النحويين، وهو مبني على أن ما بعد لا يجوز أن يكون صفة وقد منعوا ذلك. قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف بالاثم، قال: ونحو ما جاءني رجل إلا راكب تقديره إلا رجل راكب وفيه قبح لجعل الصفة كالاسم. وقال أبو علي الفارسي: تقول ما مررت بأحد إلا قائماً فكأنما حال من أحد ولا يجوز إلا قائم لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف. وقال ابن مالك: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشري من قوله في نحو ما مررت بأحد إلا زيد خير منه ان الجملة بعد إلا صفة لأحد لأنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه وأبطل ابن مالك قول الزمخشري أن الواو توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالمؤمنون. {وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} الآية، قال مقاتل نزلت في عبد الله بن أمية والنضر بن الحرث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة وهذا الوصف بأنه نزل عليه الذكر قالوه على جهة الاستهزاء والاستخفاف لأنهم لا يقرون بتنزيل الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون وهذا كقول فرعون ان رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون إذ لو كان مؤمناً برسالة موسى عليه السلام ما أخبر عنه بالجنون ثم اقترحوا عليه أن يأتيهم بالملائكة شاهدين بصدقك وبصحة دعواك وإنذارك كما قال: {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 7]، أو معاقبين على تكذيبك كما كانت باقي الأمم المكذبة. ولو ما حرف تحضيض بمعنى هلا، وقرىء: ما تنزل بشد التاء أصله تتنزل بشد التاء أصله تتنزل فأدغم التاء في التاء. {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} الظاهر أن معناها كما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي أرادها الله تعالى لعباده لا على اقتراح كافر ولا باختيار معترض ثم ذكر عادة الله تعالى في الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب في أثرها إذ لم يؤمنوا فكان الكلام ما ننزل الملائكة إلا بحق لا باقتراحكم وأيضاً فلو نزلت لم تنظر وأبعد ذلك بالعذاب أي تؤخروا المعنى وهذا لا يكون إذ كان في علم الله ان منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن. {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي حافظون له من الشياطين وفي كل وقت تكفل تعالى بحفظه فلا تعتريه زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل بخلاف غيره من الكتب المتقدمة فإِنه تعالى لم يتكفل بحفظها بل قال تعالى: (ان الربانيين والأحبار استحفظوها) ولذلك وقع فيها الاختلاف وحفظه إياه دليل على أنه من عنده تعالى إذ لو كان من قول البشر لتطرق إليه ما تطرق لكلام البشر. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} لما ذكر تعالى استهزاء الكفار به ونسبته إلى الجنون واقتراح نزول الملائكة سلاه الله تعالى بأن ما أرسل من قبلك كان ديدين هؤلاء معك وتقدم تفسير الشيع في أواخر الانعام ومفعول أرسلنا محذوف أي أرسلنا من قبلك رسلاً. قال الزمخشري: وما يأتيهم حكاية حال ماضية لأن ما لا تدخل على مضارع إلا وهو في موضع الحال "انتهى". هذا الذي ذكره هو قول الأكثرين أن ما تخلص المضارع للحال وتعنيه وذهب غيره إلى أن ما يكثر دخولها على المضارع مراداً به الحال وتدخل عليه مراداً به الاستقبال وأنشد شاهداً على ذلك قول أبي ذئيب: شعر : "أودي بني وأودعوني حسرة عند الرقاد وغيره ما تقلع" تفسير : وقال الأعشى يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : "له نافلات ما يغب نوالها وليس عطاء اليوم مانعه غدا" تفسير : وقال تعالى: {أية : مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ}تفسير : [يونس: 15]. {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} الظاهر عود الضمير على الاستهزاء المفهوم من قوله: يستهزؤن، والباء في به للسبب والمجرمون هنا كفار قريش ومن دعاهم الرسول إلى الإِيمان. و{لاَ يُؤْمِنُونَ} إذ كان إخباراً مستأنفاً فهو من العام المراد به الخصوص فيمن حتم عليه إذ قد آمن عالم ممن كذب الرسول. {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} في تكذيبهم رسولهم أو في إهلاكهم حين كذبوا رسلهم واستهزؤوا بهم وهو تهديد لمشركي قريش والضمير في عليهم عائد على المشركين وذلك لفرط تكذيبهم وبعدهم عن الإِيمان حتى ينكروا ما هو مشاهد. بالأعين المحسوس مماس بالأجساد بالحركة والانتقال وهذا بحسب المبالغة التامة في إنكار الحق والظاهر الضمير في فظلوا عائد على من عاد عليه في قوله: عليهم أي لو فتح لهم باب من السماء وجعل لهم معراج يصعدون فيه لقالوا هو شىء نتخيله لا حقيقة له وقد سحرنا بذلك وجاء لفظ فظلوا مشعراً بحصول ذلك في النهار ليكونوا مستوضحين لما عاينوا. {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} الآية، لما ذكر تعالى حال منكري النار وكانت مفرعة على التوحيد ذكر دلائله السماوية وبدأ بها ثم اتبعها بالدلائل الأرضية والبروج جمع برج. قال ابن عيسى الرفاني: البروج اثنا عشر برجاً: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. وهي منازل الشمس والقمر والظاهر أن الضمير في وزيناها عائد على البروج لأنها المحدث عنها والأقرب في اللفظ وقيل على السماء وهو قول الجمهور وخص بالناظرين لأنها من المحسوس الذي لا يدرك إلا بنظر العين ويجوز أن يكون نظر القلب لما فيها من الزينة المعنوية وهو ما فيها من حسن الحكم وبدائع الصنع وغرائب القدرة والضمير في وحفظناها عائد على السماء وكذلك قال الجمهور ان الضمير في وزيناها عائد على السماء حتى لا تختلف الضمائر وحفظ السماء وهو بالرجم بالشهب على ما تضمنته الأحاديث الصحاح. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} الآية، ومعنى مددناها بسطناها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها ولما كانت هذه الجملة تقدمها جملة فعلية كان النصب على الاشتغال أرجح من الرفع على الابتداء فلذلك نصب والأرض والرواسي الجبال والظاهر أن الضمير في فيها عائد على الأرض الممدودة وقال ابن عباس وغيره: موزون مقدر بقدر وتقدم تفسير المعايش في أول الأعراف والظاهر أن من لمن يعقل ويراد به العيال والمماليك والخدم الذين يحسبون أنهم يرزقونهم ويخطئون فإِن الله هو الرزاق يرزقكم وإياهم ومن مجرور معطوف على الضمير في لكم وحسن العطف الفصل بينهما بقوله: فيها معايش، أو يدخل معهم ما لا يعقل بحكم التغليب كالانعام والدواب وما بتلك المثابة مما رزقه الله تعالى وقد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرازقون لهم وتقدم شرح الخزائن وان نافية ومن زائدة والظاهر أن المعنى وما من شىء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والانعام به فتكون الخزائن وهي ما تحفظ فيه الأشياء مستعارة من المحسوس الذي هو الجسم إلى المعقول. و{لَوَاقِحَ} جمع لاقح يقال: ريح لاقح جائيات بخير من إنشاء السحاب الماطر كما قيل للتي لا تأتي بخير بل شر ريح عقيم. و{ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ} قال ابن عباس: الأموات. و{ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} الأحياء. {وَإِنَّ رَبَّكَ} فيه التفات وخروج من ضمير العظمة للواحد إلى الاسم الظاهر تنبيهاً على أن المتصف بتلك الأفعال السابقة هو ربك المالك لك والناظر في مصلحتك وهو توكيد للفظ الرب.

الجيلاني

تفسير : {الۤر} أيها الإنسان الأفضل الأكمل، الأليق لأن يفيض عليه سبحانه لطائف رموزات أسرار الربوبية، ولوائح رقائق سرائر الألوهية اللامعة اللائحة من مقر الرحمة العامة، والكرامة الكاملة الشاملة {تِلْكَ} الآيات المذكورة في هذه السورة {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي: بعض آيات الكتاب الجامع الناسخ للكتب السالفة {وَ} آيات {قُرْآنٍ} فرقان فارق بين الهداية والضلالة، والرشد والغي {مُّبِينٍ} [الحجر: 1] ظاهر البيان لأولي البصائر المتأملين في حكم إيجاد الموجودات، سيما الإنسان الكامل المميز الممتاز بأنواع الفضائل والكرامات، سيما العقل المفاض له من العقل الكلي ليتوجه به نحو موجدهن ويتدبر به أمر مبدئه ومعاده، ومن لم يصرفه إلى ما خُلق لأجله، وجبل لمصلحته فقد كفر وضل ضلالاً بعيداً بمراحل عن مرتبة الإنسانية؛ وذلك من غاية اتهمامكم في الغفلة، وعمههم وسركتهم بمزخرفات الدنيا الدنيَّة. وحين فاقوا عن سكرتهم أحياناً {رُّبَمَا يَوَدُّ} أي: قلما يحب ويستحسن على وجه التمني {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ستروا الحق، ولم يصرفوا عقولهم إلى كشفه {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] مصرفين عقولهم إلى معرفة الله، ومفوضين أمورهم كلها إليه، ومتوكلين على الله في جميع حالاتهم، لكن من شدة طغيانهم، ونهاية غوايتهم وخسرانهم لم يقبلوا دعوتك، ولم يؤمنوا بك وبكتابه يا أكمل الرسل عناداً واستكباراً؛ حتى ينجومن خذلان الدنيا وخسران الآخرة. {ذَرْهُمْ} يا أكمل الرسل وشُغلهم في دنياهم {يَأْكُلُواْ} من مأكولاتها المورثة لأنواع المرض في قلوبهم {وَيَتَمَتَّعُواْ} بمزخرفاتها الفانية ولذاتها الوهمية {وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ} ويشغلهم عن الاشتغال بالطاعات، ويحرمهم عن اللذات الأخروية مطلقاً {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3] قبح صنيعهم، وسوء فعالهم حين انكشف الأمر وتبلى السرائر، فحينئذٍ يتنبهون بما فوتوا لأنفسهم من اللذات الروحانية باعراضهم عن الله وكتابه ونبيه. {وَ} من سنتنا القديمة: إنَّا {مَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر: 4] أي: ما أردنا إهلاك قرية من القرى الهالكة إلاَّ وكتبنا أولاً في لوحنا المحفوظ، وعلمنا القديم لإهلاكها أجلاً معلوماً ووقتاً معيناً. بحيث {مَّا تَسْبِقُ} وما تتقدم {مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} الذي عين لإهلاكها {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 5] عنه، بل متى وصلوا إليه هلكوا حتماً، بحيث لا يسع له التقديم والتأخير أصلاً. {وَ} كيف لا نهلكهم ونعذبهم بأشد العذاب ولا ننتقم عنهم؛ إذ هم {قَالُواْ} حين دعوتك إياهم وإلقائك إليهم شعائر الإيمان والإسلام منادين لك، مستهزئين معك متهكمين: {يٰأَيُّهَا} النبي {ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ} من عند ربه {ٱلذِّكْرُ} أي: الكتاب المبين له أمثال هذه الكلمات التي نسمع منك {إِنَّكَ} في دعوتك وادعائك النبوة والكتاب {لَمَجْنُونٌ} الحجر:6] مخبط مختل العقل، يخبطك الجن، ويعلمك أمثال هذه الكلمات والحكايات، تخليت أنهم ملائكة ينزلون إليك بها، وإن اطلعت على الملائكة وصاحبت معهم، مع أنك بشر مثلنا؟!. {لَّوْ مَا} أي: هلاَّ {تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ} المنزلين إليك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الحجر: 7] في دعواك حتى نراهم ونسمع قولهم، مثل رؤيتك إياهم. قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ} لكل واحد من البشر، بل لمن نؤتى الحكمة منه له في أصل فطرته واستعداده، وهم الأنبياء والرسل المأمورون بالإرشاد والتكميل، وماننزلهم {إِلاَّ} تأيدداً لهم ملتبساً {بِٱلحَقِّ} أي: بالدين الثابت المطابق للواقع؛ ليتدين بدينهم من يتبعهم، ويؤمن لهم إطاعةً وانقياداً، ولو اطلع الكل على نزولهم، ورأوا صورهم لبطل حكمة الإطاعة والإرسال والتكميل؛ إذ الكل في الرشد والهداية على السواء حنيئذٍ {وَ} أيضاً {مَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} [الحجر: 8] منتظرين إلى يوم الجزاء، إذ الكل ناجون مهديون في النشأة الأولى. {إِنَّا نَحْنُ} بمقتضى حكمتنا {نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} أي: الكتب على الأنبياء والرسل على وجه يعجز البشر عن إتيان مثله؛ لكون ألفاضه ومعلوماته، ونظمه واتساقه خارجة عن مقتضيات مداركهم وقولهم؛ لذلك ينسبون أكثر الأنبياء والرسل إلى الجنون والخبط {وَ} مع ذلك {إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] عن تحريف أهل الزيغ والضلال المنحرفين عن جادة التوحيد. {وَ} لا تحزن يا أكمل الرسل من استهزائهم معك وتكذيبهم، فإنهم من الديدنة القديمة بين أهل الضلال، فإنا {لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} رسلاً حين شاع أنواع الفسوف والعصيان {فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} [الحجر: 10] أي: فئتهم وفرقهمز {وَ} هم من خمبث طينتهم، وشدة شكيمتهم وضغينتهم {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر: 11] بأنواع الاستهزاء من نسبة الكذب والجنون، وأنواع العيوب. {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} وندخله {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الحجر: 12] الذين تعلقت إرادتنا ومشيئتنا بإهلاكهم وتعذيبهم على مقتضى أوصافنا القهرية والجلالية.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1] إلى قوله: {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} [الحجر: 8]. قوله: {الۤرَ تِلْكَ} يشير بكلمة تلك إلى قوله: {الۤرَ} أي: كل حرف من هذه الحروف حرف آية من {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} وهي {قُرْآنٍ مُّبِينٍ}. والألف إشارة إلى آية: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [البقرة: 255]. واللام إشارة إلى آية: {أية : وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الفتح: 14]. والراء إشارة إلى آية: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23] فالله تعالى أقسم بهذه الآيات الثلاث بإشارة هذه الحروف الثلاثة، ثم أقسم بجميع القرآن بقوله: {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ * رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الحجر: 1-2] يشير إلى النفس الكافرة وصفاتها المتمردة وتمنيها أن {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] أي: مستسلمين ؟لأحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه، كما استسلم من مؤمني القلب والروح وصفاتها، وذلك يكون عند استيلاء سلطان الذكر على الروح والقلب ونشور صفاتهما وتبدلت أحوالها من الأمارية بالمطمئنة، فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان أن كانت من بدء الخلقة مسلمة مؤمنة كالقلب والروح. وأما قوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ} [الحجر: 3] التهديد للنفس ذاقت حلاوة الإسلام، ثم عادت المشئومة إلى طبعها واستحلت مشاربها من نعيم الدنيا، واستحسنت زخارفها فيهددها بأكل شهوات الدنيا والتمتع بنعيمها، ثم قال: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ما خسروا من أنواع السعادات والكرامات والدرجات والقربات، وما فات منهم من الأحوال السنية والمقامات العلية، وما أورثتهم الدنيا الدنية من البعد من الله والمقت وعذاب نار القطيعة والحرمان. ثم قال: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ} [الحجر: 4] أي: وما أهلكنا بالخذلان من عاد من قوله: {قَرْيَةٍ} المولى إلى قرية الدنيا {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} أي: إلا ولها مكتوب في أم الكتاب ما كان معلوماً الله في الأزل من سوء أعماله وأحواله {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} [الحجر: 5] حتى يظهر منه ما هو سبب هلاكه واستوفت نفسه من الحظوظ ما يبطل الحقوق {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 5] بحظه بعد استيفاء أسباب هلاكه وعذابه {وَقَالُواْ} [الحجر: 6] هذا الخطاب مع القلب الذاكر {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] إذ توقعت من المتمردة الإسلام. {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ} [الحجر: 7] أي: هلا تأتينا بصفات الملائكة المنقادين، وحتى إذا اتصفنا بصفاتهم نؤمن بما أنزل إليك من مواهب الحق تعالى، فيه إشارة إلى أن النفس الأمارة بالسوء لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من الأنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة موصوفة بصفات الملائكة، وتنورت بإشراق أنوار تجلي صفات الله تعالى {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الحجر: 7] أنك تريد لنا الهداية فأجابهم القلب: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ} [الحجر: 8] أي: ما تنزل الصفات الملائكية {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} [الحجر: 8] أي: إلا بالنفس مطمئنة مستحقة مستعدة بهذه الصفات ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعدادها القبول {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} [الحجر: 8] أي مؤخرين من الهلاك والتلف لضيق نطاق طاقتهم. ثم أخبر عن سطوة سلطان الذكر أي: أنها محفوظة بكلام الحق بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] إلى قوله: {أية : بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} تفسير : [الحجر: 15]. قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} [الحجر: 9] أي: في قلوب المؤمنين وهو قوله: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الصافات: 35] نظيره {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة: 22]، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 4] والمنافق يقول: لا إله إلا الله، ولكن لم ينزله الله في قلبه فلم يحصل فيه الإيمان {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] أي: في قلب المؤمن لما يقدر المؤمن على حفظه؛ لأنه ناسٍ وأسلكه الله في قلبه. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} [الحجر: 10] أي: أسلكنا الإيمان والكفر في قلوب {شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ} [الحجر: 10] فمن أسلكنا في قلوبهم الكفر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى معظما لكتابه مادحا له { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } أي: الآيات الدالة على أحسن المعاني وأفضل المطالب، { وَقُرْآنٍ مُبِينٍ } للحقائق بأحسن لفظ وأوضحه وأدله على المقصود، وهذا مما يوجب على الخلق الانقياد إليه، والتسليم لحكمه وتلقيه بالقبول والفرح والسرور. فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه وذلك حين ينكشف الغطاء وتظهر أوائل الآخرة ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون. فـ { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا } بلذاتهم { وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ } أي: يؤملون البقاء في الدنيا فيلهيهم عن الآخرة، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أن ما هم عليه باطل وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم ولا يغتروا بإمهال الله تعالى فإن هذه سنته في الأمم. { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } كانت مستحقة للعذاب { إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ } مقدر لإهلاكها. { مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } وإلا فالذنوب لا بد من وقوع أثرها وإن تأخر.