Verse. 1804 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَوْ كَانُوْا مُسْلِـمِيْنَ۝۲
Rubama yawaddu allatheena kafaroo law kanoo muslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«رُبَّمَا» بالتشديد والتخفيف «يود» يتمنى «الذين كفروا» يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين «لو كانوا مسلمين» ورب للتكثير فإنه يكثر منهم تمني ذلك وقيل للتقليل فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة.

2

Tafseer

القرطبي

تفسير : «رُبّ» لا تدخل على الفعل، فإذا لحقتها «ما» هيّأتها للدخول على الفعل تقول: ربما قام زيد، وربما يقوم زيد. ويجوز أن تكون «ما» نكرة بمعنى شيء، و«يودّ» صفة له؛ أي رب شيء يودّ الكافر. وقرأ نافع وعاصم «ربما» مخفّف الباء. الباقون مشدّدة، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربّما؛ قال الشاعر:شعر : رُبَما ضربةٍ بسيف صقيلٍ بين بُصْرَى وطعنةٍ نجلاء تفسير : وتميم وقيس وربيعة يثقلونها. وحكي فيها: رُبَّمَا ورُبَمَا، ورُبَّتَمَا ورُبَتَمَا، بتخفيف الباء وتشديدها أيضاً. وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير؛ أي يودّ الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين؛ قاله الكوفيون. ومنه قول الشاعر:شعر : ألا ربّما أهدت لك العين نظرةً قُصاراك منها أنها عنك لا تُجدِي تفسير : وقال بعضهم: هي للتقليل في هذا الموضع؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها؛ لشَغْلهم بالعذاب، والله أعلم. وقال: «رُبَمَا يَوَدُّ» وهي إنما تكون لما وقع؛ لأنه لصدق الوعد كأنه عِيان قد كان. وخرّج الطبرانيّ أبو القاسم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن ناساً من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيّرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نَفَعكم فلا يبقى موحّد إلا أخرجه الله من النار ـتفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}. قال الحسن: إذا رأى المشركون المسلمين وقد دخلوا الجنة وما رأواهم في النار تمنّوا أنهم كانوا مسلمين. وقال الضحاك: هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبيّن لهم الهدى من الضلالة. وقيل: في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين.

البيضاوي

تفسير : {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} حين عاينوا حال المسلمين عند نزول النصر أو حلول الموت أو يوم القيامة. وقرأ نافع وعاصم {ربما} بالتخفيف، وقرىء {ربما} بالفتح والتخفيف وفيه ثمان لغات ضم الراء وفتحها مع التشديد والتخفيف وبتاء التأنيث ودونها، وما كافة تكفه عن الجر فيجوز دخوله على الفعل وحقه أن يدخل الماضي لكن لما كان المترقب في أخبار الله تعالى كالماضي في تحققه أجرى مجراه. وقيل: ما نكرة موصوفة كقوله:شعر : رُبَّمَا تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْــ ــر لَهُ فُرْجَةً كَحلِّ العِقَالِ تفسير : ومعنى التقليل فيه بالإِيذان بأنهم لو كانوا يودون الإِسلام مرة فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه كل ساعة. وقيل تدهشهم أهوال القيامة فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا ذلك، والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك: حلف بالله ليفعلن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رُّبَمَا } بالتشديد والتخفيف {يَوَدُّ } يتمنى {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } و «رُبَّ» للتكثير، فإنه يكثر منهم تمني ذلك وقيل للتقليل فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة.

ابن عبد السلام

تفسير : {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ} إذا رأوا المسلمين دخلوا الجنة أن يكونوا أسلموا، ربما ها هنا للتكثير.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فسقوا لو كانوا مجتهدين، وربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين، وربما يود الذين نسوا لو كانوا ذاكرين. قال عبد الله بن المبارك: ما خرج أحد من الدنيا مؤمن ولا كافر إلا على ندامة، وملامة لنفسه فالكافر لما يرى من سوء ما يجازى به، والمؤمن لرؤية تقصيره فى القيام بواجب الخدمة وترك الحرمة وشكر النعمة. قال ابن الفرجى: الكفر ههنا كفران النعمة ومعناه: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعنى جهلوا نعم الله تعالى عندهم، وعليهم أن لو كانوا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}. إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس رشفوا. ويقال إذا صارت المعارفُ ضروريةً أحرقَتْ نفوسَ أقوامٍ العقوبةُ، وقطَّعَتْ قلوبَهم الحَسْرَةُ. ويقال لو عرفوا حالَهم وحالَ المؤمنين لَعَلِمُوا أن العقوبةَ بإِهلاكهم حاصلةٌ لقوله تعالى بعدئذ: قوله جلّ ذكره: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. قيمةُ كل امرئٍ على حسب هِمَّتِه؛ فإذا كانت الهمةُ مقصورةً على الأكل والتمتع بالصفة البهيمية لا يُحَاسَبُ، وعلى العقل لا يُطَالَبُ: فالتَّكليفُ يتبعه التشريف! وغداً سوف يعلمون.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربما} رب ههنا للتكثير كما فى مغنى اللبيب. والمعنى بالفارسية (اى بساوقت كه} {يود} يتمنى في الآخرة {الذين كفروا} بالقرآن وبكونه من عند الله {لو كانوا مسلمين} يعنى فى الدنيا مستسلمين لاحكام الله تعالى واوامره ونواهيه ومفعول يود محذوف لدلالة لو كانوا مسلمين عليه أى يودون الاسلام على أن لو للتمنى حكاية لوداداتهم فلا تقتضى جوابا وانما جيء بها على لفظ الغيبة نظرا الى انهم مخبر عنهم ولو نظر الى الحكاية لقيل لو كنا مسلمين واما من جعل لو الواقعة بعد فعل يفهم منه معنى التمنى حرفا مصدرية فمفعول يود عنده لو كانوا مسلمين على ان يكون الجملة فى تأويل المفرد وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم القيامة واجتمع اهل النار ومعهم من شاء الله من اهل القبلة قال الكفار لمن فى النار من اهل القبلة ألستم مسلمين فقالوا بلى قالوا فما اغنى عنكم اسلامكم وانتم معنا فى النار قالوا كانت لنا ذنوب فاخذنا بها فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من اهل القبلة فى النار فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" تفسير : وفى الحديث "حديث : لا يزال الرب يرحم ويشفع اليه حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة فعند ذلك يتمنون الاسلام" تفسير : اى يتمنونه اشد التمنى ويودونه اشد الودادة والا فنفس الودادة ليست بمختصة بوقت دون وقت بل هى مستمرة فى كل آن يمر عليهم قبل دخول النار وبعده كما يدل عليه رب التكثيرية. وقال بعضهم ربما يود الذين فسقوا لو كانوا مطيعين وربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين وربما يود الذين غفلوا لو كانوا ذاكرين شعر : اكر مرده مسكين زبان داشتى بفرياد وزارى فغان داشتى كه اى زنده جون هست امكان كفت لب ازذكر جون مرده برهم مخفت جومارا بغفلت بشد روزكار توبارى دمى جند فرصت شمار تفسير : وقال عبد الله بن المبارك ما خرج من الدنيا من مؤمن وكافر الا على ندامة وملامة لنفسه فالكافر لما يرى من سوء ما يجازى به والمؤمن لرؤية تقصيره فى القيام بموجب الخدمة وترك الحرمة وشكر النعمة. وقال ابن العرجى الكفران هنا كفران النعمة ومعناه ربما يود الذين جهلوا نعم الله عندهم وعليهم ان لو كانوا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة. يقول الفقير عبارة الكفر وان كانت شاملة لكفر الوحدة وكفر النعمة لكن الآية نص فى الاول ولا مزاحمة فى باب المعانى الثوانى التى هى من قبيل الاشارات القرآنية والمدلولات المحتملة فعليك العمل بالكل فانه سلوك لخير السبل

الجنابذي

تفسير : {رُّبَمَا يَوَدُّ..} قرئ بتخفيف ربّ وتشديدها وما كافّة او نكرة موصوفة، ولو للتّمنّى او مصدريّة؛ والمعنى يودّ الّذين كفرو كثيراً اسلامهم حين الافاقة من سكر اهويتهم او حين الملال من تعب كفرهم، واستعمال ربّ للتّكثير كاستعماله للتّقليل شائع كثير، وفى ربّ ستّ عشرة لغة ضمّ الرّاء وفتحها مع تشديد الياء وتخفيفها مفتوحة والكلّ مع تجرّدها عن التّاء واتّصالها بها حال كون التّاء ساكنة ومفتوحة وضمّ الحرفين مع التّشديد والتخفيف وضمّ الرّاء وفتحها مع اسكان الباء مخفّفة.

اطفيش

تفسير : {رُّبَمَا} وقرأ غير نافع وعاصم بتشديد الباء وقرئ ربما بفتح الراء والتخفيف وبفتحها والتشديد. وذكر ابن هشام فى رب ست عشرة لغة ضم الراء وفتحها وكلاهما مع التشديد والتخفيف وذلك أربع مع تاء التأْنيث ساكنة أو محركة ومع التجرد فذلك اثنتا عشرة والضم والفتح مع إِسكان الباء وضم الراء والباء مع التشديد والتخفيف فذلك ست عشرة وفيها أكثر من ذلك، وذلك لأَن الراء مثلثة والباء مثلثة وتسكن أيضاً وتزداد التاء تسكن وتثلث وإِذا ضربت ذلك كله بعضا فى بعض بلغت نحو سبعين، ولا وجه للإِطالة فى ذلك وإِنما الوجه بيان ما قرىء به هنا ورب فى ذلك للتكثير لأَن كل كافر يتمنى لو كان مسلماً، والآية مسوقة للتخويف فلا يناسبها التقليل: ذكره ابن هشام وهو وجه صحيح خال عن التكلف وذكر أن الكثير فى رب التكثير وذكر عن ابن درستويه وجماعة أنها أبدا للتكثير. وعن الجمهور أنها أبدا للتقليل وعليه الزجاج وقيل إِن الكثير فيها التقليل واختار ابن مالك أنها للتكثير أكثر وتنفيد التحقيق فى ذلك كله، وقيل هى للتحقيق وأما التكثير والتقليل فمن خارج. وقال الرضى وضعت للتقليل ثم استعملت فى التكثير حتى صارت فيه كالحقيقة وفى التقليل كالمجاز المحتاج لقرينة. وقيل هى فى الآية للتقليل لأَن أهوال القيامة تدهشهم فتقل إِفاقتهم وتمنيهم. وقيل هى فيها للتقليل على معنى قول النصوح ربما تندم إِشارة إِلى أن الحزم البعد عن مظنة الضرر ولو كان الضرر على سبيل الندور أو الشك فكيف الكثير المحقق. فكأَنه قيل لو كانوا يودون الإِسلام مرة واحدة يوم القيامة لوجب أن يسارعوا إِليه اليوم ولو كان ودادهم على شك فكيف وهم يودونه يومئذ فى كل ساعة ولو كانوا فى دهش بلا شك. وما كافة ومعناها التوكيد وهى مهيئة للدخول على الفعل ويجوز أن تكون نكرة مجرورة المحل رب موصوفة بالجملة بعدها واقعة على الوداد أى رب واد {يَوَدُّ} يحب ويتمنى {الَّذِينَ كَفَرُوا} ورابط الصفة محذوف أى رب وداد يوده الذين كفروا وهذه الهاء المقدرة رابطا مفعول مطلق لا مفعول به والمفعول به مذكور بعد وإِن جعلت واقعة على شىء كانت الهاء المقدرة مفعولا به أى رب شىء يوده الذين كفروا، فيكون المفعول به المذكور بعد بدلا منه هذه الهاء المحذوفة أو من ما ولو كان معرفة اغتفارا فى الثوانى لما لا يغتفر فى الأوائل وذلك المفعول هو قوله {لَوْ} مصدرية {كَانُوا مُسْلِمِينَ} فى تأويل المصدر أى ربما يود الذين كفروا كونهم مسلمين وإِذا جعلت ما نكرة موصوفة بالوجهين فهى مبتدأ محذوف الخبر تقديره موجود أو واقع أو نحو ذلك ويجوز كونها نكرة تامة مفعولا ليود فلا يقدر ضمير، وعلى كل حال فلها محلان جر ورفع أو جر ونصب وكونها كافة أولى، والغالب كما قال ابن هشام إِذا كفت بما أن تدخل على فعل ماض لفظا ومعنى وقد تدخل على المستقبل كهذه الآية وقيل هو مؤول بالماضى لتحقق الوقوع فسهل تأْويله بالماضى وهذا الماضى مردود بالتأْويل للاستقبال ولا يخفى ما فيه من التكلف حيث عبر بالمضارع عن الماضى المستعمل فى الاستقبال مع أنه يغنى عن ذلك كله إِبقاء المضارع على حاله من الاستقبال كما استعمل للاستقبال بعدها فى قوله: شعر : "فإِن أهلك فرب فتى سيبكى" تفسير : ولا محوج لذلك التكلف إِلا نكتة تنزيل المستقبل منزلة الواقع لتحقق الوقوع وهذه النكتة لا تفى بضعف ذلك التكلف وإِلا تخريج على ما هو الغالب من وقوع الماضى بعدها حتى نزل المستقبل منزلة ما مضى من حيث أنه لا بد واقع ولا حاجة إِلى هذا التخريج لما فيه من التكلف فقد وقع الاستقبال بعدها فى البيت المذكور وفى قول هند زوج أبى سفيان: يا رب قائلة غدا. وإنما قيل لو كانوا مسلمين بلفظ الغيبة لأَنهم مخبر عنهم ولو روعى ما يعتقدون من التمنى ويقولون لقيل لو كنا مسلمين، وإِن قلت فى أى وقت يتمنون الإِسلام، قلت: يوم القيامة إِذا رأوا المسلمين ناجين من النار فائزين بالجنة، وهذا قول الزجاج أو عند معاينة الموت وهو قول الضحاك أو عند حلول النصر بالمؤمنين فى الدنيا ذكره القاضى، وزعم بعض عن ابن عباس وأبى موسى الأَشعرى وأنس وجابر بن عبد الله وعلى أنه عند خروج الموحدين من النار وأن المشركين يعيرونهم ما أغنى عنكم توحيدكم وأن الله جل جلاله يغضب لهم فيخرجهم بشفاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويسمون الجهنميين عند أهل الجنة فيدعون الله فيمحو هذا الاسم عنهم فيسمون عتقاء رب العالمين، ونسب ذلك لمجاهد وعطاء وأبى العالية والنخعى ورووا ذلك حديثاً، قال الشيخ هود ذلك رواية كاذبة مفتراة على الله لا أصل لها فى كتابه.

اطفيش

تفسير : {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} الأصل فى ربما التقليل، ويود يحب أو يتمنى، والكفر إشراك أو شامل للفسق، ولو مصدرية، والمصدر مفعول يود، وما كافة مهيئَة للفعل بعد رب، والأَصل أَن يكون ماضيا ولا يكون مضارعا إِلا إن نزل منزلة الماضى لتحقق وقوعه، وهو باق على الاستقبال، أَو بمعنى الماضى مجازا، ولا حاجة إلى جعل ما نكرة موصوفة حذف عائِدها، أَى رب شىءٍ يوده الذين، وهو الإِسلام، أَو رب إِسلام يوده الذين، ولا إلى جعل لو إِقناعية محذوفة الجواب، أَى لسرهم ذلك، أَو تخلصوا مما فيه؛ لأَن الأَصل عدم الحذف، والتقليل نسبى، فإِن أَكثر أَوقات الأشقياءِ الذهول عن ود الإسلام بما هم فيه من السوءِ، ولو كان الود كثيرا بكثرة الوادين وتكرر تلك المرة، وذلك أَنهم يودون الإسلام فى الدنيا حين رأَوا المسلمين غالبين، أَو حين عاينوا الموت على غضب الله، أَو حين دخلوا النار، بل فى كل ذلك، وحين القبر وحين البعث، أَو اعتبر أَن الود لو كان قليلا لوجبت المسارعة إليه فكيف وهو كثير متكرر لظهور الفوز بالإِسلام، قال أَبو على القالى فى الأَمالى: حدثنا عبد الرحمن بن خلف قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا أَبو عبد الله القرشى قال حدثنا عبد الله بن عبد العزيز قال أخبرنا ابن العلاءِ أَحسبه أَبا عمر أَو أَخاه عن جويرية بنت أَسماءَ عن إسماعيل ابن أَبى حكيم: بعثنى عمر بن عبد العزيز فى الفداءِ حين ولى، فبينما أَجول فى القسطنطينية إذ سمعت صوتا يتغنى: أَرقت وبان عنى من يلوم، أَبياتا شعر ساقها القالى، قال أبو عبد الله القشرى: والشعر لنفيلة الأَشجعى، قال: سمعت العتبى يقول: صحف فى اسمه فقال نفيلة قال إسماعيل ابن حكيم: فسأَلته حين دخلت عليه فقلت له: من أَنت؟ قال: أَنا الوابصى الذى أُخذت فعذبت فجذعت فدخلت فى دينهم، فقلت: إِن أَمير المؤمنين بعثنى فى الفداءِ وأَنت والله أُحب أَن أَفديه إِلى إِن لم تكن بطنت فى الكفر، قال: والله لا أَجعل: فقلت له: لقد كنت قارئا للقرآن، قال: والله لقد كنت من أَقرإِ الناس، فقلت: ما بقى معك من القرآن؟ قال: لا شىءَ إلا هذه الآية: "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" واعلم أَن قولهم: حدثنا وقولهم: أَخبرنا، وقولهم أنبأَنا بمعنى واحد، ويجوز جعلها للكثرة لكثرة ودهم، وتعينت ما للوصفية فى قوله: شعر : ربما تكره النفوس من الأَمر له فرجة كحل العقال قد يصاب الجبان فى آخر الصف وينجو مقارع الأَبطال تفسير : لرجوع هاءِ له إليه، أَى رب شىءٍ تكرهه النفوس، كان لأَبى عمرو ابن العلاءِ غلام جيد أَراده الحجاج فهرب به إلى اليمن، أَو قرأَ "أية : غرفة بيده" تفسير : [249] بفتح الغين وقال له: إِن لم تأْت بحجة عليه أَقتلك فهرب إلى اليمن، فبينما هو مهموم إِذ جاءَ أِعرابى ينشد الأبيات فقال له: ما وراءَك؟ قال: مات الحجاج، فقال: لا أَدرى بأَيهما أَنا أَنشد فرحا بموته أَو بفتح فاءَ فرجة، وقيل بضم أَول فرجة وغرفة، ولا داعى إلى دعوى أَن الأَصل لو كنا مسلمين، وإِنما ذلك لو قيل: ربما يود الذين كفروا قائِلين.

الالوسي

تفسير : {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بما يجب الايمان به {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } مؤمنين بذلك، وقيل: المراد/ كفرهم بالكتاب والقرآن وبكونه من عند الله تعالى وودادتهم الانقياد لحكمه والإذعان لأمره، وفيه إيذان بأن كفرهم إنما كان بالجحود، وفيه نظر، وهذه الودادة يوم القيامة عند رؤيتهم خروج العصاة من النار. أخرج ابن المبارك وابن أبـي شيبة والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس وأنس رضي الله تعالى عنهم أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا: هذا حيث يجمع الله تعالى بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار فيقول المشكرون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون فيغضب الله تعالى لهم فيخرجهم بفضل رحمته. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ناساً من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله تعالى أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية»تفسير : . وأخرج غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه وأبـي موسى الأشعري وأبـي سعيد الخدري نحو ذلك يرفعه كل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وروي ذلك عن كثير من السلف الصالح، فقول الزمخشري: إن القول به باب من الودادة بيت من السفاهة قعيدته عقيدته الشوهاء، وقال الضحاك: إن ذلك في الدنيا عند الموت وانكشاف وخامة الكفر لهم، وعن ابن مسعود أن الآية في كفار قريش ودوا ذلك يوم بدر حين رأوا الغلبة للمسلمين، وفي رواية عنه وعن أناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن ذلك حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار. وذكر ابن الأنباري أن هذه الودادة من الكفار عند كل حالة يعذب فيها الكافر ويسلم المسلم. ورب على كثرة وقوعها في كلام العرب لم تقع في القرآن إلا في هذه الآية، ويقال فيها رب بضم الراء وتشديد الباء وفتحها ورب بفتح الراء ورب بضمهما وربت بالضم وفتح الباء والتاء وربت بسكون التاء وربت بفتح الثلاثة وربت بفتح الأولين وسكون التاء وتخفيف الباء من هذه السبعة وربتا بالضم وفتح الباء المشددة ورب بالضم والسكون ورب بالفتح والسكون فهذه سبع عشرة لغة حكاها ما عدا ربتا ابن هشام في «المغني» وحكى أبو حيان إحدى عشر منها ـ ربتا ـ وإذا اعتبر ضم الاتصال بما والتجرد منها بلغت اللغات ما لا يخفى، وزعم ابن فضالة في "الهوامل والعوامل" أنها ثنائية الوضع كقد وأن فتح الباء مخففة دون التاء ضرورة وأن فتح الراء مطلقاً شاذ، وهي حرف جر خلافاً للكوفية والأخفش في أحد قوليه وابن الطراوة زعموا أنها اسم مبني ككم واستدلوا على اسميتها بالإخبار عنها في قوله:شعر : إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عاراً عليك ورب قتل عار تفسير : فرب عندهم مبتدا وعار خبره، وتقع عندهم مصدراً كرب ضربة ضربت، وظرفاً كرب يوم سرت، ومفعولاً به كرب رجل ضربت، واختار الرضى اسميتها إلا أن إعرابها عنده رفع أبداً على أنها مبتدأ لا خبر له كما اختار ذلك في قولهم: أقل رجل يقول ذلك إلا زيداً، وقال: إنها إن كفت بما فلا محل لها حينئذ لكونها كحرف النفي الداخل على الجملة ومنع ذلك البصريون بأنها لو كانت اسماً لجاز أن يتعدى إليها الفعل بحرف الجر فيقال برب رجل عالم مررت، وأن يعود عليها الضمير ويضاف إليها وجميع علامات الاسم منتفية عنها، وأجيب عن البيت بأن المعروف ـ وبعض ـ بدل رب، وإن صحت تلك الرواية فعار خبر مبتدأ محذوف أي هو عار كما صرح به في قوله:شعر : يا رب هيجا هي خير من دعـه تفسير : والجملة صفة المجرور أو خبره إذ هو في موضع مبتدأ، ويردّ قياسها على كم كما قال/ أبو علي: إنهم لم يفصلوا بينها وبين المجرور كما فصلوا بين كم وما تعمل فيه وفي مفادها أقوال. أحدها: أنها للتقليل دائماً وهو قول الأكثرين، وعد في "البسيط" منهم الخليل وسيبويه، والأخفش والمازني والفارسي والمبرد والكسائي والفراء وهشام وخلق آخرون. ثانيها: أنها للتكثير دائماً وعليه صاحب "العين". وابن درستويه وجماعة، وروي عن الخليل. ثالثها: واختاره الجلال السيوطي وفاقاً للفارابـي وطائفة أنها للتقليل غالباً والتكثير نادراً. رابعها: عكسه وجزم به في "التسهيل" واختاره ابن هشام في «المغني». وخامسها: أنها لهما من غير غلبة لأحدهما نقله أبو حيان عن بعض المتأخرين. سادسها: أنها لم توضع لواحد منهما بل هي حرف إثبات لا يدل على تكثير ولا تقليل وإنما يفهم ذلك من خارج واختاره أبو حيان. سابعها: أنها للتكثير في المباهاة وللتقليل فيما عداه وهو قول الأعلم وابن السيد. ثامنها: أنها لمبهم العدد وهو قول ابن الباذش وابن طاهر وتصدر وجوباً غالباً، ونحو قوله:شعر : تيقنت أن رب امرىء خيل خائنا أمين وخوان يخال أمينا تفسير : وقوله:شعر : ولو علم الأقوام كيف خلفتهم لرب مفد في القبور وحامد تفسير : يحتمل أن يكون كما قال الشمني ضرورة، وقال أبو حيان: المراد تصدرها على ما تتعلق به فلا يقال: لقيت رب رجل عالم، وذكروا أنها قد تسبق كقوله:شعر : ألا رب مأخوذ باجرام غيره فلا تسأمن هجران من كان أجرما تفسير : وبيا صدر جواب شرط غالباً كقوله:شعر : فإن أمس مكروباً فيا رب فتية تفسير : ومن غير الغالب يا "رب كاسية" الحديث ولا تجر غير نكرة وأجاز بعضهم جرها المعرف بأل احتجاجاً بقوله:شعر : ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهن المهار تفسير : وأجاب الجمهور بأن الرواية بالرفع وإن صح الجر فأل زائدة، وفي وجوب نعت مجرورها خلف فقال المبرد وابن السراج والفارسي وأكثر المتأخرين وعزي للبصريين يجب لإجرائها مجرى حرف النفي حيث لا تقع إلا صدراً ولا يقدم عليها ما يعمل في الاسم بعدها، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة فالأقيس في مجرورها أن يوصف بجملة لذلك، وقد يوصف بما يجري مجراها من ظرف أو مجرور أو اسم فاعل أو مفعول وجزم به ابن هشام في «المغني» وارتضاه الرضي، وقال الأخفش والفراء والزجاج وابن طاهر وابن خروف وغيرهم لا يجب وتضمنها القلة أو الكثرة يقوم مقام الوصف واختاره ابن مالك وتبعه أبو حيان ونظر في الاستدلال المذكور بما لا يخفى، وتجر مضافاً إلى ضمير مجرورها معطوفاً بالواو كرب رجل وأخيه ولا يقاس على ذلك عند سيبويه، وما حكاه الأصمعي من مباشرة رب للمضاف إلى الضمير حيث قال لأعرابية ألفلان أب أو أخ؟ فقالت: رب أبيه رب أخيه تريد رب أب له رب أخ له تقديراً للانفصال لكون أب وأخ من الأسماء التي يجوز الوصف بها فلا يقاس عليه اتفاقاً، وتجر ضميراً مفرداً مذكراً يفسره نكرة منصوبة مطابقة للمعنى الذي يقصده المتكلم غير مفصولة عنه؛ وسمع جره في قوله:شعر : وربه عطب أنقذت من عطبه تفسير : على نية من وهو شاذ، وجوز الكوفية مطابقة الضمير للنكرة المفسرة تثنية وجمعاً وتأنيثاً كما في قوله:شعر : ربها فتية دعوت إلى ما يورث الحمد دائماً فأجابوا تفسير : والأصح أن هذا الضمير معرفة جرى مجرى النكرة، واختار ابن عصفور تبعاً لجماعة أنه نكرة وأن جرها إياه ليس قليلاً ولا شاذاً خلافاً لابن مالك، وأنها زائدة في الإعراب لا المعنى، وأن محل مجرورها على حسب/ العامل لا لازم النصب بالفعل الذي بعد أو بعامل محذوف خلافاً للزجاج ومتابعيه في قولهم: بذلك لما يلزم عليه من تعدي الفعل المتعدي بنفسه إلى مفعوله بالواسطة وهو لا يحتاج إليها فيعطف على محله كما يعطف على لفظه كقوله:شعر : وسن كسنيق سناء وسنما ذعرت بمدلاح الهجير نهوض تفسير : وأنها تتعلق كسائر حروف الجر وقال الرماني وابن طاهر لا تتعلق كالحرف الزائدة وأن التعلق بالعامل الذي يكون خبراً لمجرورها أو عاملاً في موضعه أو مفسراً له قاله أبو حيان، وقال ابن هشام قول الجمهور إنها معدية للعامل إن أرادوا المذكور فخطأ إنه يتعدى بنفسه أو محذوفاً يقدر بحصل ونحوه كما صرح به جماعة ففيه تقدير ما معنى الكلام مستغنى عنه ولم يلفظ به في وقت، ثم على التعليق قال لكذة: حذفه لحن، والخليل وسيبويه نادر كقوله:شعر : ودوية قفر تمشي نعامها كمشي النصارى في خفاف اليرندج تفسير : أي قطعتها ويرد لكذة هذا وقولهم: رب رجل قائم ورب ابنة خير من ابن، وقوله:شعر : ألا رب من تغتشه لك ناصح وموتمن بالغيب غير أمين تفسير : والفارسي والجزولي كثير وبه جزم ابن الحاجب ورابعها: واجب كما نقله صاحب "البسيط" عن بعضهم وخامسها: ونقل عن ابن أبـي الربيع يجب حذفه إن قامت الصفة مقامه وإلا جاز الأمران سواء كان دليل أم لا؟ ويجب عند المبرد والفارسي وابن عصفور، وهو المشهور كما قال أبو حيان: ورأي الأكثرين كونه ماضياً معنى، وقال ابن السراج: يأتي حالاً، وابن مالك يأتي مستقبلاً واختاره في «البحر» إلا أنه قال بقلته وكثرة وقوع الماضي، وأنشد له قول سليم القشيري:شعر : ومعتصم بالجبن من خشية الردى سيردى وغاز مشفق سيؤب تفسير : وقول هند:شعر : يا رب قائلة غدا يا لهف أم معاوية تفسير : وجعل كابن مالك الآية من ذلك وتأولها الأكثرون بأنه وضع فيها المضارع موضع الماضي على حد {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} تفسير : [الكهف: 99] وتعقبه ابن هشام بأن فيه تكلفاً لاقتضائه أن الفعل المستقبل عبر به عن ماض متجوز به عن المستقبل، وأجاب الشمني بأنه لا تكلف فيه لأنهم قالوا: إن هذه الحالة المستقبلة جعلت بمنزلة الماضي المتحقق فاستعمل معها ربما المختصة بالماضي وعدل إلى لفظ المضارع لأنه كلام من لا خلاف في إخباره فالمضارع عنده بمنزلة الماضي فهو مستقبل في التحقيق ماض بحسب التأويل وهو كما ترى، وعن أبـي حيان أنه أجاب عن بيت هند بأنه من باب الوصف بالمستقبل لا من باب تعلق ربما بما بعدها وهو نظير قولك، رب مسيء اليوم يحسن غداً أي رب رجل يوصف بهذا الوصف وتأول الكوفيون كما في "المطول" الآية بأنها بتقدير كان أي ربما كان يود الذين كفروا فحذف لكثرة استعمال كان بعد ربما، وضعف ذلك أبو حيان بأن هذا ليس من مواضع إضمار كان، وفي «جمع الجوامع» وشرحه أن ـ ما ـ تزاد بعد رب فالغالب الكف وإيلائها حينئذ الفعل الماضي لأن/ التكثير أو التقليل إنما يكون فيما عرف حده والمستقبل مجهول كقوله:شعر : ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبـي شمالات تفسير : وقد يليها المضارع (كربما يود) الآية وقد يليها الجملة الاسمية نحو:شعر : ربمـا الجـامل المـؤبل فيهـم تفسير : وقد لا تكف نحو:شعر : ربما ضربة بسيف صقيل بين بصري وطعنة نجلاء تفسير : وقيل: يتعين بعدها الفعلية إذا كفت وإليه ذهب الفارسي وأول البيت على أن ما نكرة موصوفة بجملة حذف مبتدأها أي رب شيء هو الجامل، وقد يحذف الفعل بعدها كقوله:شعر : فذلك أن يلق الكريهة يلقها حميداً وأن يستغن يوماً فربما تفسير : وقد تلحق بها ما ولا تكف كقوله:شعر : ماوى يا ربتما غارة شعواء كالكية بالميسم تفسير : انتهى. وبنحو تأويل الفارسي البيت أول بعضهم الآية فقال: إن ما نكرة موصوفة بجملة {يَوَدُّ } إلى آخره والعائد محذوف، والفعل المتعلق به رب محذوف أي رب شيء يوده الذين كفروا تحقق وثبت ونحوه قول ابن أبـي الصلت:شعر : ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال تفسير : والتزم كون المتعلق محذوفاً لأنها حينئذ لا يجوز تعلقها بيود ولا بد لها من فعل تتعلق به على ما صححه جمع، وأما على ما اختاره الرضي من كونها مبتدأ لا خبر له والمعنى قليل أو كثير وداد الذين كفروا فلا حاجة إليه، وهذا التأويل على ما قال السمرقندي أحد قولي البصريين، وتعقبه العلامة التفتازاني بأنه لا يخفى ما فيه من التعسف وبتر النظم الكريم أي قطع {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } عما قبله، ووجه التعسف أن المعنى على تقليل أو تكثير ودادهم لا على تقليل أو تكثير شيء إلا أن يراد رب شيء يودونه من حيث إنهم يودونه، والمختار عندي ما اختاره أبو حيان وكذا صاحب "اللب" من أن رب تدخل على الماضي والمضارع إلا أن دخولها على الماضي أكثر، ومن تتبع أشعار العرب رأى فيها مما دخلت فيه على المضارع ما يبعد ارتكاب التأويل معه كما لا يخفى على المنصف المتتبع. واختلفوا في مفادها هنا فذهب جمع كثير إلى أنه التقليل وهو ظاهر أكثر الآثار حيث دلت على أن ودادهم ذلك عند خروج عصاة المسلمين من جهنم وبقائهم فيها. نعم زعم بعضهم أن الحق أن ما فيها محمول على شدة ودادهم إذ ذاك وأن نفس الوداد ليس مختصاً بوقت دون وقت بل هو متقرر مستمر في كل آن يمر عليهم. ووجه الزمخشري الإتيان بأداة التقليل على هذا بأنه وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك وربما ندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكاً فيه أو قليلاً لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من التعرض للغم المتيقن ومن القليل منه كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة فبالحري أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة اهـ. والكلام عليه على ما قيل من الكناية الإيمائية وفي ذلك من المبالغة ما لا يخفى، قال ابن المنير: لا شك أن العرب تعبر عن المعنى بما يؤدي عكس مقصوده كثيراً، ومنه والله تعالى أعلم {أية : قَدْ تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ } تفسير : [الصف: 5] المقصود منه توبيخهم على أذاهم لموسى عليه السلام على توفر علمهم برسالته ومناصحته لهم، وقوله:شعر : قد أترك القرن مصفراً أنامله تفسير : / فإنه إنما يتمدح بالإكثار من ذلك وقد عبر بقد المفيدة للتقليل، وقد اختلف توجيه علماء البيان لذلك فمنهم من وجهه بما ذكر عن الزمخشري من التنبيه بالأدنى على الأعلى، ومنهم من وجهه بأن المقصود في ذلك الإيذان بأن المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الضد وذلك شأن كل ما بلغ نهايته أن يعود إلى عكسه، وقد أفصح المتنبـي عن ذلك بقوله:شعر : ولجدت حتى كدت تبخل حائلا للمنتهى ومن السرور بكاء تفسير : وكلا الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها، والعمدة في ذلك على سياق الكلام لأنه إذا اقتضى مثلاً تكثيراً فدخلت فيه عبارة يشعر ظاهرها بالتقليل استيقظ السامع لأن المراد المبالغة على إحدى الطريقتين المذكورتين، وقال في "الكشف": الأصل في هذا الباب أن استعارة أحد الضدين للآخر تفيد المبالغة للتعكيس ولا تختص بالتهكم والتمليح على ما يوهمه ظاهر لفظ صاحب "المفتاح" في موضع فهو الذي عد المفازة من هذا القبيل لقصد التفاؤل ثم قد يختص موقعها بفائدة زائدة كما ذكره الزمخشري في هذا المقام، وليس في ذلك كناية إيمائية وإنما ذلك من فوائد هذه الاستعارة وسيجيء إن شاء الله تعالى فيه كلام أتم بسطاً في سورة التكوير اهـ. والحق أنه لا مانع من القول بالكناية الإيمائية كما لا يخفى، وقيل؛ إن التقليل بالنسبة إلى زمان ذهاب عقلهم من الدهشة بمعنى أنه تدهشهم أهوال القيامة فيبهتون فإن وجدت منهم إفاقة ما تمنوا ذلك، وظاهر صنيع العلامة التفتازاني في "المطول" اختياره، وجوز أن تكون مستعارة للتكثير والقول بالاستعارة له لا يحتاج إليه على القول المحكي عن صاحب "العين" ومن معه حسبما سمعت، وذكر ابن الحاجب أنها نقلت من التقليل إلى التحقيق كما نقلوا قد إذا دخلت على المضارع منه إليه. ومفعول {يَوَدُّ} محذوف أي الإسلام بدلالة {لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} بناءاً على أن {لَوْ} للتمني والجملة في موقع الحال أي قائلين لو كانوا مسلمين، وتقدير المفعول ما ذكرنا هو الذي ذهب إليه غير واحد، وقال الشهاب: تقديره النجاة ولا ينبغي تقدير الإسلام لأنه يصير تقديره يودوا الإسلام لو كانوا مسلمين وهو حشو وفيه نظر. وقال صاحب "الفرائد": إن {لَّوْ كَانُواْ } إلى آخره منزل منزلة المفعول. وتعقب بأنه غير ظاهر إذ ليس ذلك مما يعمل في الجمل إلا أن يكون بمعنى ذكروا التمني ويجري مجرى القول على مذهب بعض النحاة. والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك: حلف بالله تعالى ليفعلن ولو قلت لأفعلن لجاز، وعلى ذلك جاز قوله تعالى: {أية : تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيّتَنَّهُ } تفسير : [النمل: 49] بالنون والياء وإيثار الغيبة أكثر لئلا يلبس والتعليل بقلة التقدير ليس بشيء كما كشف ذلك في "الكشف"، وأنكر قوم ورود {لَوْ } للتمني، وقالوا ليست قسماً برأسها وإنما هي الشرطية أشربت معنى التمني وعلى الأول الأصح لا جواب لها على الأصح. وقد نص على ذلك ابن الضائع وابن هشام الخضراوي، ونقل أنهما قالا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط سهو؛ وذكر أبو حيان أن الذي يظهر أنها لا بد لها من جواب لكنه التزم حذفه لإشرابها معنى التمني لأنه متى أمكن تقليل القواعد وجعل الشيء من باب المجاز كان أولى من تكثير القواعد وادعاء الاشتراك لأنه يحتاج إلى وضعين والمجاز ليس فيه إلاّ وضع واحد وهو الحقيقة، وقيل: إنها هنا امتناعية شرطية والجواب محذوف تقديره لفازوا ومفعول {يَوَدُّ } ما علمت، وزعم بعضهم مصدريتها فيما إذا وقعت بعدما يدل على التمني فالمصدر حينئذٍ هو المفعول وهو على القول بأن {مَا } نكرة موصوفة بدل منها كما في «البحر». وقرأ عاصم ونافع {رُّبَمَا } بتخفيف الباء وعن أبـي عمرو التخفيف والتشديد، وقرأ طلحة بن مصرف/ وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ربتما بزيادة تاء هذا، وإنما أطنبت الكلام في هذه الآية لا سيما فيما يتعلق ـ برب ـ لما أنه قد جرى لي بحث في ذلك مع بعض العظاميين فأبان عن جهل عظيم وحمق جسيم، ورأيته ورب الكعبة أجهل من رأيت من صغار الطلبة ـ برب ـ نعم له من العظاميين أمثال أصمهم الله تعالى وأعمى بالهم وقللهم ولا أكثر أمثالهم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي وهو مفتتح الغرض وما قبله كالتنبيه والإنذار. و{ربما} مركبة من (رب). وهو حرف يدل على تنكير مدخوله ويجر ويختص بالأسماء. وهو بتخفيف الباء وتشديدها في جميع الأحوال. وفيها عدة لغات. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بتشديدها. واقترنت بها (ما) الكافة لــــ(ربّ) عن العمل. ودخول (ما) بعد (رب) يكُف عملها غالباً. وبذلك يصح دخولها على الأفعال. فإذا دخلت على الفعل فالغالب أن يراد بها التقليل. والأكثر أن يكون فعلاً ماضياً، وقد يكون مضارعاً للدلالة على الاستقبال كما هنا. ولا حاجة إلى تأويله بالماضي في التحقق. ومن النحويين من أوجب دخولها على الماضي، وتأول نحو الآية بأنه منزّل منزلة الماضي لتحققه. ومعنى الاستقبال هنا واضح لأن الكفار لم يَودّوا أن يكونوا مسلمين قبل ظهور قوة الإسلام من وقت الهجرة. والكلام خبر مستعمل في التهديد والتهويل في عدم اتباعهم دين الإسلام. والمعنى: قد يود الذين كفروا لو كانوا أسلموا. والتقليل هنا مستعمل في التهكم والتخويف، أي احذروا وَدادتكم أن تكونوا مسلمين، فلعلها أن تقع نادراً كما يقول العرب في التوبيخ: لعلك ستندم على فعلك، وهم لا يشكون في تندمه، وإنما يريدون أنه لو كان الندم مشكوكاً فيه لكان حقاً عليك أن تفعل ما قد تندم على التفريط فيه لكي لا تندم، لأن العاقل يتحرز من الضُر المظنون كما يتحرز من المتيقن. والمعنى أنهم قد يودّون أن يكونوا أسلموا ولكن بعد الفوات. والإتيان بفعل الكون الماضي للدلالة على أنهم يودون الإسلام بعد مضي وقت التمكن من إيقاعه، وذلك عندما يقتلون بأيدي المسلمين، وعند حضور يوم الجزاء، وقد ودّ المشركون ذلك غير مرة في الحياة الدنيا حين شاهدوا نصر المسلمين. وعن ابن مسعود: ودّ كفارُ قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر المسلمين. ويتمنّون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم، قال تعالى: {أية : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا} تفسير : [سورة الفرقان: 27]. وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ودّ الذين كفروا في النار لو كانوا مسلمين، على أنهم قد ودُّوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عناداً وكفراً. قال تعالى: {أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} تفسير : [سورة الأنعام: 27، 28]، أي فلا يصرحون به. و{لو} في {لو كانوا مسلمين} مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي حرف امتناع لامتناع، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع الحصول، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير قول محذوف يقوله المتمني، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى حكايته بالمعنى. فأصل {لو كانوا مسلمين} لو كُنّا مسلمين. والتزم حذف جواب {لو} اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول، فأفادت {لو} معنى المصدرية فصار المعنى: يودّ الذين كفروا كونهم مسلمين، ولذلك عَدُّوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس مدلولها بالوضع.

الشنقيطي

تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أنهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله{أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنعام: 27] وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} تفسير : [الأنعام: 31] الآية، وقوله: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً}تفسير : [الفرقان: 27] إلى غير ذلك من الآيات، وأقوال العلماء في هذه الآية راجعة إلى شيء واحد. لأن من يقول إن الكافر إذا احتضر وعاين الحقيقة تمنى أنه كان مسلماً، ومن يقول إنه إذا عاين النار ووقف عليها تمنى أنه كان مسلماً، ومن يقول إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين، كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على الكفر وتمنوا أنهم كانوا مسلمين. وقرأ نافع وعاصم {ربَمَا} بتخفيف الباء، وقرأ الباقون بتشديدها، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم وقيس وربيعة، ومن الأول قول عدي بن الرعلاء الغساني: شعر : ربما ضربة بسيف صقيل بين بصري وطعنة نجلاء تفسير : والثاني كثير جداً ومنه قول الآخر: شعر : ألا ربما أهدت لك العين نظرة قصاراك منها أنها عنك لا تجدى تفسير : ورب في هذا الموضع قال بعض العلماء للتكثير أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين. ونقل القرطبي هذا القول عن الكوفيين قال ومنه قول الشاعر. شعر : ألا ربما أهدت لك العين البيت تفسير : وقال بعض العلماء هي هنا للتقليل لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لثقلهم بالعذاب. فإن قيل: ربما لا تدخل إلا على الماضي فما وجه دخولها على المضارع في هذا الموضع؟ فالجواب أن الله تعالى لما وعد بوقوع ذلك صار ذلك الوعد للجزم بتحقيق وقوعه كالواقع بالفعل ونظيره قوله تعالى {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] الآية ونحوها من الآيات، فعبر بالماضي تنزيلاً لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع بالفعل.

د. أسعد حومد

تفسير : (2) - يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ حِينَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. (وَرُبَّما كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا قَلِيلُ الحُصُولِ). وَقِيلَ بَلْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ يَوَدُّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ أَنْ لَوْ كَانَ مُسْلِماً. وَفِي الحَدِيثِ: (حديث : إِذا اجْتَمَعَ أَهْلُ النَّارِ، وَمَعَهُمْ مِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، قَالَ الكُفَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: أَلَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالُوا: فَمَا أَغْنَى عَنْكُمُ الإِسْلاَمُ، وَقَدْ صِرْتُمْ مَعَنَا إِلَى النَّارِ؟ قَالُوا: كَانَتْ لَنَا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنَا بِهَا. فَسَمِعَ اللهُ مَا قَالُوا، فَأَمَرَ بِمَنْ كَانَ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الكُفَّارُ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ فَنَخْرُجَ كَمَا خَرَجُوا)تفسير : . ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ. (رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ). رُبَّ - لِلتَّقْلِيلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"رُبَّ" حرف يستعمل للتقليل، ويُستعمل أيضاً للتكثير على حَسْب ما يأتي من بعده، وهو حَرْفٌ الأصل فيه أن يدخلَ على المفرد. ونحن نقول "رُبَّ أخٍ لك لم تلدْه أمك" وذلك للتقليل، مثلما نقول "ربما ينجح الكسول". ولكن لو قُلْنا "ربما ينجح الذكي" فهذا للتكثير، وفي هذا استعمال للشيء في نقيضه، إيقاظاً للعقل كي ينتبه. وهنا جاء الحق سبحانه: بـ"رُب" ومعها حرف "ما" ومن بعدهما فعل. ومن العيب أن تقول: إن "ما" هنا زائدة؛ ذلك أن المتكلم هو ربُّ كل العباد. وهنا يقول الحق سبحانه: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]. فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أنْ يُسلموا؟ إن "يودّ" تعني"يحب" و"يميل" و"يتمنى"، وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى "طلب". ويقال في اللغة: إن طلبت أمراً يمكن أن يتحقق، ويمكن ألاّ يتحقق؛ فإنْ قُلْتَ: "يا ليت الشبابَ يعود يوماً" فهذا طَلبٌ لا يمكن أن يتحققَ؛ لذلك يُقال إنه "تمني". وإنْ قلت "لعلِّي أزور فلاناً" فهذا يُسمّى رجاء؛ لأنه من الممكن أن تزور فلاناً. وقد تقول: "كم عندك؟" بهدف أن تعرف الصورة الذهنية لمَنْ يجلس إليه مَنْ تسأله هذا السؤال، وهذا يُسمّى استفهاماً. وهكذا إنْ كنت قد طلبتَ عزيزاً لا يُنال فهو تمنٍّ؛ وإن كنت قد طلبتَ ما يمكن أن يُنَال فهو الترجيّ، وإن كنتَ قد طلبتَ صورته لا حقيقته فهو استفهام، ولكن إنْ طلبت حقيقة الشيء؛ فأنت تطلبه كي لا تفعل الفعل. والطلب هنا في هذه الآية؛ يقول: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]. فهل يتأتَّى هذا الطلب؟ وَلْنَر متى يودُّون ذلك. إن ذلك التمنِّي سوف يحدث إنْ وقعتْ لهم أحداثٌ تنزع منهم العناد؛ فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..} تفسير : [النمل: 14]. وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر، ونال منهم المسلمون الغنائم أنْ قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، وأخذنا تلك الغنائم. أي: أن هذا التمنِّي قد حدث في الدنيا، ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم. يقول الحق سبحانه: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ..} تفسير : [المؤمنون: 100]. ويعلق الحق سبحانه على هذا القول: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..} تفسير : [المؤمنون: 100]. وسيتمنون أيضاً أن يكونوا مسلمين، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12]. إذن: فسيأتي وقت يتمنّى فيه الكفار أن يكونوا مسلمين، إذَا مَا عاينوا شيئاً ينزع منهم جحودهم وعنادهم، ويقول لهم: إن الحياة التي كنتم تتمسَّكون بها فانية؛ ولكنكم تطلبون أن تكونوا مسلمين وقت أنْ زال التكليف، وقد فات الأوان. ويكفي المسلمين فَخْراً أن كانوا على دين الله، واستمسكوا بالتكليف، ويكفيكم عاراً أنْ خَسِرْتم هذا الخسران المبين، وتتحسروا على أنكم لم تكونوا مسلمين. وفي اليوم الآخر يُعذِّب الحق سبحانه العصاة من المسلمين الذين لم يتوبوا من ذنوبهم، ولم يستغفروا الحق سبحانه، أو ممَّنْ لم يغفر لهم سبحانه وتعالى ذنوبهم؛ لعدم إخلاص النية وحُسْن الطوية عند الاستغفار، ويدخل في ذلك أهل النفاق مصداقاً لقوله تعالى: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 80]. فيدخلون النار ليأخذوا قدراً من العذاب على قدر ما عَصَوْا وينظر لهم الكفار قائلين: ما أغنتْ عنكم لا إله إلا الله شيئاً، فأنتم معنا في النار. ويطلع الحق سبحانه على ذلك فيغار على كل مَنْ قال لا إله إلا الله؛ فيقول: أخرجوهم وطهِّروهم وعُودوا بهم إلى الجنة، وحينئذ يقول الكافرون: يا ليتنا كنا مسلمين، لنخرج من النار، ونلحق بأهل الجنة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الآية: 2] قال: ذلك يوم القيامة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} [الآية: 8] يعني بالرسالة والعذاب.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [2] 291- أخبرني عثمان بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن عباد المَكِّي، نا حاتم بن إسماعيل، نا أبو الحسن الصَّيْرفي - وهو بسام - عن يزيد بن صُهيب الفقير، قال: كنَّا عند جابر، فذكر الخوارج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ ناسا من أمتي يُعَذَّبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يُعَيِّرهم أهل الشرك، فيقولون لهم: ما نرى ما كنتم تُخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم؛ نَفَعكم. لِما يريد الله أن يُريَ أهل الشِّرك من الحسرة، فما يبقى موحِّد إلا أخرجه الله، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} ".

همام الصنعاني

تفسير : 1428- حدثنا عبد الرَّزاق، عن مَعْمَر، عن حمَّاد، عن إبراهيم، في قوله تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}: [الآية: 2]، قال: إنَّ أهْلَ النار يقولون: كنَّا أهْلَ شِرْكٍ وكُفْرٍ، فما شأن هؤلاء الموحدين؟ ما أغنى عَنْهُمْ عبادتهم إياه، قال: فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ من كَانَ فيها من المسلمين، قال: فعِنْدَ ذلِكَ {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}. 1429- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن خَصِيف، عن مجاهد قال: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم، قال: فإذا قالوا: قال الله: أخْرِجُوا مَنْ كان من قلبه مثقال ذَرَّةٍ فعند ذلك {رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} قل: يوم القيامة.