Verse. 1818 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاۗءِ بُرُوْجًا وَّزَيَّنّٰہَا لِلنّٰظِرِيْنَ۝۱۶ۙ
Walaqad jaAAalna fee alssamai buroojan wazayyannaha lilnnathireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد جعلنا في السماء بروجا» اثني عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل له الجدي والدلو «وزيناها» بالكواكب «للناظرين».

16

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد. ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية، ومنها أرضية، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية، فقال: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ } قال الليث: البرج واحد من بروج الفلك، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجاً، ونظيره قوله تعالى: { أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً } تفسير : [الفرقان: 61] وقال: { أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } تفسير : [البروج: 1] ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة، وكل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار، وهو المطلوب، وأما قوله: {وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ * وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] فلا نعيد ههنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله: {وَزَيَّنَّـٰهَا } أي بالشمس والقمر والنجوم {لِلنَّـٰظِرِينَ } أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله: {وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ }. فإن قيل: ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه. قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ الله السماء منهم كما قد يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول: معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة. ثم قيل للقتل رجم تشبيهاً له بالرجم بالحجارة، والرجم أيضاً السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله: {لأَرْجُمَنَّكَ } أي لأسبنك، والرجم اسم لكل ما يرمى به، ومنه قوله: { أية : وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] أي مرامي لهم، والرجم القول بالظن، ومنه قوله: { أية : رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [الكهف: 22] لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضاً اللعن والطرد، وقوله الشيطان الرجيم، قد فسروه بكل هذه الوجوه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمى بشهاب. وقوله: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } لا يمكن حمل لفظة {إِلا } ههنا على الاستثناء، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها، وإنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع. قال الزجاج: موضع {مِن } نصب على هذا التقدير. قال: وجائز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممن. قال ابن عباس: في قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } يريد الخطفة اليسيرة، وذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يحيله فيصير غولاً يضل الناس في البراري. وقوله: {فَأَتْبَعَهُ } ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله: { أية : فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الأعراف: 175] معناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكواكب شهاباً، والسنان شهاباً لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار. واعلم أن في هذا الموضع أبحاثاً دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة الجن، ونذكر منها ههنا إشكالاً واحداً، وهو أن لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار الغيوب عنهم، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً لأن كل غيب يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولاً وكون القرآن حقاً، والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز، وبهذا الطريق يندفع الدور، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : لما ذكر كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته ليُستدلّ بها على وحدانيته. والبروج: القصور والمنازل. قال ابن عباس: أي جعلنا في السماء بروج الشمس والقمر؛ أي منازلهما. وأسماء هذه البروج: الحَمَل، والثَّوْر، والجَوْزاء، والسَّرطان، والأَسَد، والسُّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدّلو، والحوت. والعرب تَعُدّ المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجَلِّ العلوم، ويستدلّون بها على الطرقات والأوقات والخِصب والجَدْب. وقالوا: الفَلَك اثنا عشر برجاً، كلّ برج مِيلان ونصف. وأصل البروج الظهور؛ ومنه تبرّج المرأة بإظهار زينتها. وقد تقدّم هذا المعنى في النساء. وقال الحسن وقتادة: البروج النجوم، وسميت بذلك لظهورها وٱرتفاعها. وقيل: الكواكب العظام؛ قاله أبو صالح، يعني السبعة السيارة. وقال قوم: «بروجاً»؛ أي قصوراً وبيوتاً فيها الحرَس، خلقها الله في السماء. فالله أعلم. {وَزَيَّنَّاهَا} يعني السماء؛ كما قال في سورة المُلْك: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} تفسير : [الملك: 5]. {لِلنَّاظِرِينَ} للمعتبرين والمتفكرين.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا } اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد والتجربة مع بساطة السماء. {وَزَيَّنَّـٰهَا } بالأشكال والهيئات البهية. {لِلنَّـٰظِرِينَ } المعتبرين المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها، وما زينها به من الكواكب الثوابت والسيارات، لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، وبهذا قال مجاهد وقتادة: البروج ههنا هي الكواكب. (قلت): وهذا كقوله تبارك وتعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} تفسير : [الفرقان: 61] الآية. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر. وقال عطية العوفي: البروج ههنا هي قصور الحرس. وجعل الشهب حرساً لها من مردة الشياطين؛ لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع، جاءه شهاب مبين فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه، فيأخذها الآخر، ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحاً به في الصحيح. كما قال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله؛ كأنه سلسلة على صفوان - قال علي: وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك - فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا، واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده، وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض - وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض - فتلقى على فم الساحر أو الكاهن، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقاً؛ للكلمة التي سمعت من السماء» تفسير : ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة. وقال ابن عباس {مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ} أي: معلوم، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عتيبة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة، ومنهم من يقول: مقدر بقدر. وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن، ويقدر بقدر، وقال ابن زيد: ما يزنه أهل الأسواق. وقوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ} يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش، وهي جمع معيشة. وقوله: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَٰزِقِينَ} قال مجاهد: هي الدواب والأنعام. وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام، والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم، لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمآءِ بُرُوجًا } اثني عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: (المريخ) وله الحمل والعقرب، (والزهرة) ولها الثور والميزان، و(عطارد) وله الجوزاء والسنبلة، و(القمر) وله السرطان، و(الشمس) ولها الأسد، و(المشتري) وله القوس والحوت، و(زحل) وله الجدي والدلو {وَزَيَّنَّٰهَا } بالكواكب {لِلنَّٰظِرِينَ }.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم وعجز أصنامهم، ذكر قدرته الباهرة وخلقه البديع ليستدل بذلك على وحدانيته، فقال: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا } الجعل إن كان بمعنى الخلق، ففي السماء متعلق به، وإن كان بمعنى التصيير، ففي السماء خبره، والبروج في اللغة: القصور والمنازل، والمراد بها هنا: منازل الشمس والقمر والنجوم السيارة، وهي: الاثنا عشر المشهورة كما تدل على ذلك التجربة، والعرب تعدّ المعرفة بمواقع النجوم ومنازلها من أجل العلوم. ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب. وقالوا: الفلك إثنا عشر برجاً، وأسماء هذه البروج: الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت. كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة المشتغلين بهذا العلم، ويسمون الحمل والأسد والقوس: مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي: مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو: مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت: مثلثة مائية. وأصل البروج: الظهور، ومنه: تبرج المرأة: بإظهار زينتها. وقال الحسن وقتادة: البروج: النجوم، وسميت بذلك، لظهورها وارتفاعها. وقيل: السبعة السيارة منها، قاله أبو صالح. وقيل: هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس. والضمير في {وزيناها} راجع إلى السماء، أي: وزينا السماء بالشمس والقمر والنجوم والبروج للناظرين إليها، أو للمتفكرين المعتبرين، المستدلين إذا كان من النظر، وهو الاستدلال. {وَحَفِظْنَـٰهَا } أي: السماء {مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ } قال أبو عبيدة: الرجيم: المرجوم بالنجوم، كما في قوله: {أية : رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] والرجم في اللغة: هو الرمي بالحجارة، ثم قيل: للعن والطرد والإبعاد: رجم. لأن الرامي بالحجارة يوجب هذه المعاني. {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } استثناء متصل، أي: إلاّ ممن استرق السمع، ويجوز أن يكون منقطعاً، أي: ولكن من استرق السمع {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } والمعنى: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحي وغيره إلاّ من استرق السمع، فإنها تتبعه الشهب فتقتله أو تخبله، ومعنى {فأتبعه}: تبعه ولحقه أو أدركه. والشهاب: الكوكب أو النار المشتعلة الساطعة كما في قوله: {أية : بِشِهَابٍ قَبَسٍ }تفسير : [النمل: 7] قال ذو الرمة:شعر : كأنه كوكب في إثر عفريت تفسير : وسمي الكوكب شهاباً، لبريقه شبه النار، والمبين: الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم. قال القرطبي: واختلف في الشهاب، هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفة: يقتل، فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجنّ قولان: أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجنّ. قال ذكره الماوردي، ثم قال: والقول الأوّل أصح. قال: واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث؟ فقال الأكثرون: نعم، وقيل: لا، وإنما ذلك بعد المبعث، قال الزجاج: والرمي بالشهب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده؛ لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم. قال كثير من أهل العلم: نحن نرى انقضاض الكواكب، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى. ثم يصير ناراً إذا أدرك الشيطان. ويجوز أن يقال: يرمون بشعلة من نار الهواء فيخيل إليناء أنه نجم يسري. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا } أي: بسطناها وفرشناها، كما في قوله: {أية : وَٱلاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 30]، وفي قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ }تفسير : [الذاريات: 48] وفيه ردّ على من زعم أنها كالكرة. {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِيَ } أي: جبال ثابتة، لئلا تحرك بأهلها، وقد تقدم بيان ذلك في سورة الرعد. {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } أي: أنبتنا في الأرض من كل شيء مقدّر معلوم، فعبر عن ذلك بالوزن؛ لأنه مقدار تعرف به الأشياء، ومنه قول الشاعر:شعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرّة عندي لكل مخاصم ميزانه تفسير : وقيل: معنى {موزون} مقسوم. وقيل: معدود. والمقصود من الإثبات الإنشاء والإيجاد؛ وقيل: الضمير راجع إلى الجبال أي: أنبتنا في الجبال من كل شيء موزون من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحو ذلك. وقيل: موزون بميزان الحكمة، ومقدّر بقدر الحاجة. وقيل: الموزون: هو المحكوم بحسنه، كما يقال: كلام موزون، أي: حسن: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } تعيشون بها من المطاعم والمشارب جمع معيشة. وقيل: هي الملابس. وقيل: هي التصرف في أسباب الرزق مدّة الحياة. قال الماوردي: وهو الظاهر. قلت: بل القول الأوّل أظهر، ومنه قول جرير:شعر : تكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالمرقق والضباب تفسير : {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ } معطوف على معايش، أي: وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين، وهم المماليك والخدم والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله، وإن ظنّ بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب، ويجوز أن يكون معطوفاً على محل {لكم} أي: جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش، وهم من تقدّم ذكره، ويدخل في ذلك الدواب على اختلاف أجناسها، ولا يجوز العطف على الضمير المجرور في {لكم} لأنه لا يجوز عند الأكثر إلاّ بإعادة الجارّ. وقيل: أراد الوحش. {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } "إن" هي النافية و"من" مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من، ومع لفظ {شيء} المتناول لكل الموجودات الصادقة على كل فرد منها. فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شيء، والخزائن جمع خزانة: وهي المكان الذي يحفظ فيه نفائس الأمور، وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور؛ والمعنى: أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجوب بمقدار كيف شاء. وقال جمهور المفسرين: إن المراد بما في هذه الآية هو المطر، لأنه سبب الأرزاق والمعايش؛ وقيل: الخزائن المفاتيح أي: ما من شيء إلا عندنا في السماء مفاتيحه، والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود، بل قد يصدق الشيء على المعدوم على الخلاف المعروف في ذلك {وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي ما ننزله من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد إلاّ بقدر معلوم. والقدر: المقدار؛ والمعنى: أن الله سبحانه لا يوجد للعباد شيئاً من تلك الأشياء المذكورة إلاّ متلبساً ذلك الإيجاد بمقدار معين حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال سبحانه: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء } تفسير : [الشورى: 27]. وقد فسر الإنزال بالإعطاء، وفسر بالإنشاء، وفسر بالإيجاد، والمعنى متقارب، وجملة وما {ننزله} معطوفة على مقدّر، أي: وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه ننزله وما ننزله، أو في محل نصب على الحال. {وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } معطوف على {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } وما بينهما اعتراض. قرأ حمزة "الريح" بالتوحيد. وقرأ من عداه {الرياح} بالجمع. وعلى قراءة حمزة فتكون اللام في الريح للجنس. قال الأزهري: وجعل الرياح لواقح لأنها تحمل السحاب: أي تقله وتصرفه، ثم تمرّ به فتنزله. قال الله سبحانه: {أية : حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً } تفسير : [الأعراف: 57] أي: حملت. وناقة لاقح: إذا حملت الجنين في بطنها. وبه قال الفراء وابن قتيبة. وقيل: {لواقح} بمعنى: ملقحة. قال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي: مبقل. والمعنى: أنها تلقح الشجر أي: بقوّتها. وقيل: معنى {لواقح} ذوات لقح. قال الزجاج: معناه وذات لقحة، لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدرّ اللقحة. يقال: رامح أي: ذو رمح، ولابن أي: ذو لبن، وتامر أي: ذو تمر. قال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنها جمع ملقحة. وفي هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل، ولقاح الشجر بلقاح الحمل. {فأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } أي: من الحساب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، وقيل: من جهة السماء، والمراد بالماء هنا ماء المطر {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } أي: جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم. قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي؛ وأسقيته نهراً أي: جعلته شرباً له، وعلى هذا {فأسقيناكموه} أبلغ من سقيناكموه. وقيل: سقى وأسقى بمعنى واحد {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ } أي ليست خزائنه عندكم، بل خزائنه عندنا، ونحن الخازنون له، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } وقيل المعنى: إن ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم: أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه. {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ } أي نوجد الحياة في المخلوقات ونسلبها عنها متى شئنا، والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته - عزّ وجلّ - وأنه القادر على البعث والنشور والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته. ولهذا قال: {وَنَحْنُ ٱلْوٰرِثُونَ } أي للأرض ومن عليها، لأنه سحبانه الباقي بعد فناء خلقه، الحيّ الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع وجوده. {أية : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 180]. {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ } هذه اللام هي الموطئة للقسم، وهكذا اللام في: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـأخِرِينَ }، والمراد: من تقدّم ولادة وموتاً، ومن تأخر فيهما. وقيل: من تقدّم طاعة ومن تأخر فيها. وقيل: من تقدّم في صف القتال ومن تأخر. وقيل المراد بالمستقدمين: الأموات، وبالمستأخرين: الأحياء. وقيل المستقدمين: هم الأمم المتقدّمون على أمة محمد، والمستأخرون: هم أمة محمد. وقيل: المستقدمون: من قتل في الجهاد، والمستأخرون: من لم يقتل. {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } أي هو المتولى لذلك، القادر عليه دون غيره، كما يفيده ضمير الفصل من الحصر. وفيه أنه سبحانه يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لأنه الأمر المقصود من الحشر {إِنَّهُ حَكِيمٌ } يجري الأمور على ما تقتضيه حكمته البالغة {عَلِيمٌ } أحاط علمه بجميع الأشياء، لا يخفى عليه شيء منها، ومن كان كذلك فله القدرة البالغة على كل شيء مما وسعه علمه، وجرى فيه حكمه سبحانه لا إله إلا هو. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا } قال: كواكب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: الكواكب العظام. وأخرج أيضاً عن عطية قال: قصوراً في السماء فيها الحرس. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال الرحيم: الملعون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } أراد أن يخطف السمع كقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } تفسير : [الصافات: 10]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ابن عباس يقول: «إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل». وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } قال: معلوم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } قال: بقدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الأشياء التي توزن. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ما أنبتت الجبال مثل الكحل وشبهه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ } قال: الدوابّ والأنعام. وأخرج هؤلاء عن منصور، قال: الوحش. وأخرج البزار، وابن مردويه، وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئاً، قال له: كن فكان»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: {إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } قال: المطر خاصة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى. ثم قرأ: {وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } ». وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فتدرّ كما تدرّ اللقحة ثم تمطر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله المبشرة فتقمّ الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفاً ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فتمطر. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والديلمي بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه»تفسير : . وأخرج الطيالسي، وسعيد ابن منصور، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدّم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـأخِرِينَ }». وهذا الحديث هو من رواية أبي الجوزاء عن ابن عباس. وقد رواه عبد الرزاق، وابن المنذر من قول أبي الجوزاء قال الترمذي: وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن كثير: في هذا الحديث نكارة شديدة. وأخرج الحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: المستقدمين: الصفوف المقدّمة، والمستأخرين: الصفوف المؤخرة. وقد وردت أحاديث كثيرة في أن خير صفوف الرجال أولها وشرّها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أوّلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ومقاتل بن حبان أن الآية في صفوف القتال. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: المستقدمين: في طاعة الله، والمستأخرين في معصية الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: يعني بالمستقدمين: من مات، وبالمستأخرين: من هو حيّ لم يمت. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً قال: المستقدمين: آدم ومن مضى من ذريته، والمستأخرين: في أصلاب الرجال. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن قتادة نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد جعلنا في السماء بروجاً}فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنها قصور في السماء فيها الحرس، قاله عطية. الثاني: أنها منازل الشمس والقمر، قاله علي بن عيسى. الثالث: أنها الكواكب العظام، قاله أبو صالح، يعني السبعة السيارة. الرابع: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة. الخامس: أنها البروج الاثنا عشر. وأصل البروج الظهور، ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت نفسها. {وزيناها للناظرين} أي حسنّاها. {وحفظناها من كل شيطان رجيم} يعني السماء. وفي الرجيم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الملعون، قاله قتادة. الثاني: المرجوم بقول أو فعل، ومنه قول الأعشى: شعر : يظل رجيماً لريب المنون والسقم في أهله والحزن تفسير : الثالث: أنه الشتيم. زعم الكلبي أن السموات كلها لم تحفظ من الشياطين إلى زمن عيسى، فلما بعث الله تعالى عيسى حفظ منها ثلاث سموات، إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفظ جميعها بعد بعثه وحرسها منهم بالشهب. قوله عز وجل:{إلا من استرق السمع}ومسترق السمع من الشياطين يسترقه من أخبار الأرض دون الوحي، لأن الله تعالى قد حفظ وحيه منهم. ومن استراقهم له قولان: أحدهما: أنهم يسترقونه من الملائكة في السماء. الثاني: في الهواء عند نزول الملائكة من السماء. وفي حصول السمع قبل أخذهم بالشهاب قولان: أحدهما: أن الشهاب يأخذهم قبل وصولهم إلى السمع، فيصرفون عنه. الثاني: أنه يأخذهم بعد وصول السمع إليهم. وفي أخذهم بالشهاب قولان: أحدهما: أنه يخرج ويحرق ولا يقتل، قاله ابن عباس. الثاني: أنه يقتل، قاله الحسن وطائفة. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، قاله ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة. الثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الإستراق وانقطع الإحراق. وفي الشهب التي يرجمون بها قولان: أحدهما: أنها نور يمتد بشدة ضيائه فيحرقهم ولا يعود، كما إذا أحرقت النار لم تعد. الثاني: أنها نجوم يرجمون بها وتعود إلى أماكنها، قال ذو الرمة: شعر : كأنه كوكب في إثر عفريةٍ مُسَوَّمٌ في سوادِ الليل منقضبُ تفسير : قوله عز وجل:{والأرض مددناها} أي بسطناها. قال قتادة. بسطت من مكة لأنها أم القرى. {وألقينا فيها رواسي} وهي الجبال. {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني مقدر معلوم، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما قيل {موزون} لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء. قاله الشاعر: شعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مِرّةٍ عندي لكل مُخاصِم ميزانُه تفسير : الثاني: يعني به الأشياء التي توزن في أسواقها، قاله الحسن وابن زيد. الثالث: معناه مقسوم، قاله قتادة. الرابع: معناه معدود، قاله مجاهد. ويحتمل خامساً: أنه ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدراً وأعم نفعاً مما لا ثمن له. قوله عز وجل:{وجعلنا لكم فيها معايش} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها الملابس، قاله الحسن. الثاني: أنها المطاعم والمشارب التي يعيشون فيها، ومنه قول جرير: شعر : تكلفني معيشة آل زيدٍ ومَن لي بالمرقق والصنابِ تفسير : الثالث: أنها التصرف في أسباب الرزق مدة أيام الحياة، وهو الظاهر. {ومن لستم له برازقين}فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الدواب والأنعام، قاله مجاهد. الثاني: أنها الوحوش، قاله منصور. الثالث: العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم {أية : نحن نرزقهم وإياكم} تفسير : [الإسراء: 31] قاله ابن بحر.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر تعالى أنهم لو رأوا الآية المذكورة في السماء لعاندوا فيها - عقب ذلك بهذه الآية - فكأنه قال: وإن في السماء لعبراً منصوبة غير هذه المذكورة، وكفرهم بها، وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو. و"البروج": المنازل، واحدها برج، وسمي بذلك لظهوره، ووضوحه، ومنه تبرج المرأة: ظهورها وبدوها، والعرب تقول: برج الشيء: إذا ظهر وارتفع. و"حفظ السماء" هو بالرجم بالشهب" على ما تضمنته الأحاديث الصحاح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشياطين تقرب من السماء أفواجاً" تفسير : ، قال: فينفرد المارد منها، فيعلو فيسمع، فيرمى بالشهاب. فيقول لأصحابه - وهو يلتهب - إنه من الأمر كذا وكذا - فيزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة، فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا... الحديث. وقال ابن عباس: إن الشهب تجرح وتؤذي ولا تقتل، وقال الحسن: تقتل. قال القاضي أبو محمد: وفي الأحاديث ما يدل على أن الرجم كان في الجاهلية ولكنه اشتد في وقت الإسلام وحفظ السماء حفظاً تاماً. وقال الزجاج: لم يكن إلا بعد النبي عليه السلام، بدليل أن الشعراء لم يشبهوا به في السرعة إلا بعد الإسلام. وذكر الزهراوي عن أبي رجاء العطاردي أنه قال: كنا لا نرى الرجم بالنجوم قبل الإسلام. و {رجيم} فعيل بمعنى مفعول. فإما من رجم الشهب، وإما من الرجم الذي هو الشتم والذم. ويقال: تبعت الرجل واتبعته بمعنى واحد. و {إلا} بمعنى: لكن. قال القاضي أبو محمد: هذا قول، والظاهر أن الاستثناء من الحفظ، وقال محمد بن يحيى عن أبيه: {إلا من استرق السمع}، فإنها لم تحفظ منه - ذكره الزهراوي. وقوله تعالى: {والأرض مددناها} روي في الحديث: "حديث : أن الأرض كانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة فثبتها الله بالجبال"تفسير : . يقال: رسا الشيء يرسو: إذا رسخ وثبت. وقوله: {موزون} قال الجمهور: معناه مقدر محرر بقصد وإرادة، فالوزن - على هذا - مستعار. وقال ابن زيد: المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة والفلز كله وغير ذلك مما يوزن. قال القاضي أبو محمد: الأول أعم وأحسن. و {معايش} جمع معيشة. وقرأها الأعمش بالهمز وكذلك روى خارجة عن نافع. والوجه ترك الهمز لأن أصل ياء معيشة الحركة. فيردها إلى الأصل الجمع، بخلاف: مدينة ومدائن. وقوله: {ومن لستم له برازقين} يحتمل أن تكون {من} في موضع نصب وذلك على ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون عطفاً على {معايش}، كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش، وهي ما يؤكل ويلبس، ثم عدد النعم في الحيوان والعبيد والصناع وغير ذلك مما ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم. والوجه الثاني: أن تكون {من} معطوفة على موضع الضمير في {لكم} وذلك أن التقدير: وأنعشناكم وأنعشنا أمماً غيركم من الحيوان. فكأن الآية - على هذا - فيها اعتبار وعرض آية. والوجه الثالث: أن تكون {من} منصوبة بفعل مضمر يقتضيه الظاهر، تقديره: وأنعشنا من لستم له برازقين. ويحتمل أن تكون {من} في موضع خفض عطفاً على الضمير في {لكم} وهذا قلق في النحو لأن العطف على الضمير المجرور، وفيه قبح، فكأنه قال: ولمن لستم له برازقين، وأنتم تنتفعون به. وقوله: {وإن من شيء} قال ابن جريج: وهو المطر خاصة. قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن تكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات. و"الخزائن" المواضع الحاوية، وظاهر هذا أن الماء والريح ونحو ذلك موجود مخلوق، وهو ظاهر في قولهم في الريح: عتت على الخزان وانفتح منها قدر حلقة الخاتم، ولو كان قدر منخر الثور لأهلك الأرض؛ إلى غير هذا من الشواهد. وذهب قوم إلى أن كونها في القدرة هو خزنها، فإذا شاء الله أوجدها. قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ظاهر في أشياء كثيرة. وهو لازم في الاعراض إذا عممنا لفظة {شيء} وكيفما كان الأمر فالقدرة تسعه وتتقنه. وقوله: {ننزله} ما كان من المطر ونحوه: فالإنزال فيه متمكن، وما كان من غير ذلك فإيجاده والتمكين من الانتفاع به، إنزال على تجوز. وقرأ الأعمش: "وما نرسله". وقوله: {بقدر معلوم} روي فيه عن ابن مسعود وغيره: أنه ليس عام أكثر مطراً من عام، ولكن الله تعالى ينزله في مواضع دون مواضع.

ابن عبد السلام

تفسير : {بُرُوجاً} قصوراً فيها الحرس، أو منازل الشمس والقمر، أو الكواكب العظام أي السبعة السيارة، أو النجوم، أو البروج الإثنا عشر، وأصله الظهور برجت المرأة أظهرت محاسنها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجًا }: «البروج»: المنازلُ، واحدها بُرْج، وسمي بذلك لظهوره؛ ومنه تَبَرُّج المرأة: ظهورُها وبدوُّها، و«حِفْظ السماء»: هو بالرجمِ بالشُّهُب؛ على ما تضمنته الأحاديثُ الصِّحاح، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَّمَاءِ أَفْوَاجاً، قَالَ: فَيَنْفَرِدُ المَارِدُ مُنْها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ، فَيُرْمَى بالشِّهَابِ، فَيَقُولُ لأَصْحَابِه: إِنَّهُ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَيَزِيدُ الشَّيَاطِينُ فِي ذَلِكَ، وَيُلْقُونَ إِلَى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً وَنَحْوَ هَذَا... » تفسير : الحديث: «وإِلاَّ»: بمعنى: «لكِنْ»، ويظهر أن ٱلاستثناء من الحِفْظِ، وقال محمَّد بن يحيى عن أبيه: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ}، فإِنها لم تُحْفَظْ منه. وقوله: {مَّوْزُونٍ }: قال الجمهور: معناه: مقدَّر محرَّر بقصدٍ وإِرادةٍ، فالوزن على هذا: مستعارٌ. وقال ابنُ زَيْد: المراد ما يُوزَنُ حقيقةً؛ كالذهب والفضة وغَيْرِ ذلك مما يُوزَن، والـــ {مَعَـٰيِشَ }: جمع مَعِيشَة، وقوله: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَٰزِقِينَ }: يحتمل أن يكون عطْفاً على {مَعَـٰيِشَ }؛ كأن اللَّه تعالى عدَّد النعم في المعايِشِ، وهي ما يؤكل ويُلْبَسُ، ثم عدَّد النعم في الحيوانِ والعَبِيدِ وغيرِ ذلك ممَّا ينتفعُ به النَّاسُ، وليس علَيْهم رِزْقُهُمْ. وقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ }. قال ابن جُرَيْج: هو المطر خاصَّة. قال * ع *: وينبغي أنْ يكون أعمَّ من هذا في كثيرٍ من المخلوقات.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} الآية، "جَعلْنَا": يجوز أن يكون بمعنى "خَلقْنَا" فيتعلق به الجارُّ، وأن يكون بمعنى صيِّرنا؛ فيكون مفعوله الأول: "بُرُوجاً" ومفعوله الثاني: الجارَّ، فيتعلق بمحذوفٍ، و"للنَّاظِرينَ" متعلق بـ "زَينَّاهَا"، والضمير لـ"السَّماءِ" أي: زيَّناها بالشَّمس، والقمرِ، والنجوم. وقيل: للبروج: وهي الكواكب، زيَّنَّاها بالضوءِ، والنظر عينيّ. وقيل: قلبي وحذف متعلقه؛ ليعُمَّ. فصل في دلائل التوحيد السماوية والأرضية لما أجاب عن منكري النبوة، وقد ثبت أنَّ القول بالنبوةِ فرعٌ على القول بالتوحيد، أتبعه ـ تعالى ـ بدلائل التوحيد وهي: منها سماويَّة، ومنها أرضية، فبدأ بذكر السماوية، فقال ـ عز وجل ـ: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}. قال اللَّيثُ ـ رحمه الله ـ: البُرُوج واحدها بُرْج من بُروجِ الفلك، والبُرُوج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: بَرجَتِ المرأةُ، أي: ظهرت، وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب السيارة. والعرب تعدُّ المعرفة بمواقعِ النُّجوم، وأبوابها من أجلِّ العُلومِ، ويستدلُّون بها على الطُّرقاتِ، والأوقاتِ، والخصب، والجدْبِ، وقالوا: الفلكُ: اثنَا عشر بُرْجاً، كلُّ برجٍ ميلان، ونصف للقمر. وقال ابن عطية: هي قصورٌ في السماءِ، وعليها الحرسُ. {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} مَرجُومٍ، وقيل: ملعُون. قال ابنُ عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ كانت الشياطين لا يحجبون عن السمواتِ، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها؛ فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منعوا من ثلاث سماواتٍ، فلما و لد محمدٌ صلى الله عليه وسلم من السماوات أجمع، فما منهم من أحدٍ يريد استراق السمع، إلاَّ رمي بشهابٍ. فلمَّا منعُوا من تلك المقاعد، ذكروا ذلك لإبليس، فقال: حدث في الأرض حدثٌ، قال: فبعثهم، فوجد رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يتلو القرآن، فقالوا والله حدث. فإن قيل: ما معنى: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} والشيطانُ لا قدرة له على هدم السماء، فأيُّ حاجة إلى حفظ السماء منه؟ قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان، فحفظ الله السماء منهم، كما قد يحفظ منازلنا ممَّن يخشى منه الفساد. والرَّميُ في اللغة: الرميُ بالحجارة، والرَّجمُ أيضاً: السبُّ والشتمُ؛ لأنه رميٌ بالقولِ القبيح، والرجمُ: القول بالظنِّ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : رَجْماً بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [الكهف:22]؛ لأنه يرميه بذلك الظنِّ، والرجم أيضاً: اللَّعن، والطَّرد. قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: في محل نصب على الاستثناء المتصل، والمعنى: فإنها لم تحفظ منه؛ قاله غير واحدٍ. الثاني: منقطعٌ، ومحله النصب أيضاً، أي: لكن من استرق السمع. قال الزجاج ـ رحمه الله ـ. موضع: "مَنْ" نصبٌ على التقدير، قال: "وجاز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممَّن". الثالث: أنه بدلٌ من "كُلِّ شَيطانٍ" فيكون محله الجرَّ، قاله الحوفي، وأبو البقاءِ، وتقدم عن الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الكلام موجبٌ. الرابع: أنه نعتٌ لـ"كُلِّ شَيْطانٍ" فيكون محله الجر، على خلاف في هذه المسألة. الخامس: أنَّه في محلِّ رفع بالابتداءِ، وخبره الجملة من قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ}، وإنما دخلت الفاء؛ لأنَّ "مَنْ" إمَّا شرطيةٌ، وإمَّا موصولةٌ، مشبهةٌ بالشرطية. قاله أبو البقاء وحينئذٍ يكونُ من باب الاستثناءِ المنقطع. والشِّهَابُ: الشُّعلةُ مِنَ النَّارِ، وسُمِّي بها الكوكبُ؛ لشدَّة ضَوئِه، وبَريقه، وكذلك سُمَّي السِّنانُ شِهَاباً، ويجمع على: "شُهُبٍ" في الكثرةِ، و"أشْهُبٍ" في القلَّة، والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلطٌ بسوادٍ؛ تَشْبِيهاً بالشِّهاب؛ لاختلاطه بالدُّخانِ، ومنه: كَتيبةٌ شهباءُ لسوادِ القَوْمِ، وبياض الحديدِ، ومِنْ ثمَّ غلط الناس في إطلاقهم الشُّبهة على البياضِ الخالص. وقال القرطبيُّ: "أتْبَعَه": أدركهُ ولَحِقهُ، شهابٌ مُبِينٌ، أي: كوكبٌ مُضيءٌ، وكذلك: {أية : بِشِهَابٍ قَبَسٍ}تفسير : [النمل:7] أي: شُعلة نارٍ في رَأسِ عُودٍ، قاله ابن عزيزٍ؛ وقال ذُو الرُّمَّة: [البسيط] شعر : 3270ـ كَأنَّه كَوكَبٌ فِي إثْرِ عِفْريَةٍ مُسَوَّمٌ فِي سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضبُ تفسير : وسُمِّي الكَوكَبُ شِهَاباً، لأنَّ بَريقَهُ يُشْبِه النَّار. وقيل: شهابٌ شُعلة من نار تبين لأهل الأرضِ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقتهم، كما إذا أحرقت النارُ، لم تعد، بخلاف الكواكب فِإنه إذا أحرق، عاد إلى مكانه. فصل قال ابن عبَّاسٍِ ـ رضي الله عنه ـ: "إلاَّ مِنَ اسْترقَ السَّمْعَ" يريد الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركبُ بعضهم بعضاً إلى سماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة، فيُرمون من الكواكب، فلا تخطيء أبداً، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرقُ وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله؛ فيصير غولاً؛ فيقتل الناس في البراري. روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذَا قَضَى اللهُ الأمْرَ فِي السَّماءِ، ضَربَتِ المَلائِكةُ بأجْنِحَتهَا خضعاناً لقوله كَأنَّه سِلسِلَةٌ على صِنْوانٍ، فإذَا فزعَ عَنْ قُلوبِهمْ، قالوا: مَاذَا قَال ربُّكُمْ؟ قَالُوا: الَّذي قَالَ الحَقُّ وهُوَ العليُّ الكَبيرُ، فَيُسْمعها مُسْترِقُ السَّمْع، ومُسْترِقُ السمعِ هَكذَا بَعضهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ووَصفَ سُفْيَانُ بِكفِّه فحرَّقها وبدَّدَ بيْنَ أصَابعهِ، فيَسْمَعُ الكَلِمة، فيُلْقِهَا إلى مَنْ تَحْتهُ ثُمَّ يُلْقيها الآخرُ إلى مَنْ تَحْتهُ، حتَّى يُلقِيهَا على لِسانِ السَّاحر، والكَاهنِ، ورُبَّما أدْركهُ الشِّهابُ قبْلَ أنْ يلقِيهَا، ورُبَّما ألْقَاهَا قبلَ أن يُدرِكَهُ، فيَكذِب مَعَهَا مِائةَ كِذْبة، فيقالُ: ألَيْس قد قَالَ لَنَا اليَوْمَ كَذَا وكَذَا، فيصدق بتِلْكَ الكَلمةِ الَّتي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ ". تفسير : وهذا لم يكن ظاهراً قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمانه عليه السلام وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساساً لنبوته صلى الله عليه وسلم. قال يعقوب من عتبة بن المغيرة بن الأخنسِ بن شريق: إنَّ أول من قرع للرَّمي بالنجوم، هذا الحيُّ من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجُلٍ منهم يقال له: عمرو بنُ أميَّة، أحدُ بني علاج، وكان أدْهَى العرب، فقالوا له: ألَمْ تَرَ مَا حَدثَ في السماء من القذف بالنُّجُومِ؟ قال: بلى فانظروا، فإن كانت معالمُ النجوم التي يُهْتدَى بها في البرِّ، والبَحْر، ويعرف بها الأنواءُ من الصيف، والشتاء، لما يصلحُ الناس من معايشهم، هي التي يرمى بها، فهي ـ والله ـ طيُّ الدنيا، وهلاك الخلق الذين فيها، وإن كان نجوماً غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا الأمر أراد الله لهذا الخلق. قال معمرٌ: قلت للزهريِّ: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال: أفرأيت قوله: {أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ}تفسير : [الجن:9] الآية قال: وقد غلظتْ، وشدِّد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: إنَّ الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن النجم ينقضُّ، ويرمي الشيطان، ثم يعود إلى مكانه. فصل قال القرطبي: "اختلفوا في الشِّهاب: هل يقتل أم لا؟. فقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الشِّهاب يَجرح، ويَحرِقُ، ويُخْبلُ، ولا يَقْتلُ. وقال الحسنُ، وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا في قتلهم بالشهب قبل إلقائها السمع إلى الجنِّ قولان: أحدهما: يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم، ولو لم يصل لانقطع الاستراق، وانقطع الاحراقُ، ذكره الماوردي". قال القرطبي: "والقول الأول أصح؛ على ما يأتي بيانه في "الصافات"". فصل قال ابن الخطيب: "في هذا الموضع أبحاثٌ دقيقة على ما ذكرناها في سورة الملك، وفي سورة الجن، ونذكر ههنا إشكالاً واحداً وهو: أنّ لقائل أن يقول: إذا جوَّزتم في الجملة، أن يصعد الشيطان إلى السماوات، ويختلط بالملائكةِ، ويسمع أخبار الغيوب منهم، ثم إنه ينزل، ويلقي تلك الغيوب، فعلى هذا يجب أن يخرج الإخبار عن المغيَّبات عن كونه معجزاً، لأنَّ كل غيبٍ يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم فيه هذا الاحتمال؛ فيخرجُ عن كونه معجزاً دليلاً على الصدقِ، ولا يقال: إن الله ـ تعالى ـ أخبر عنهم أنَّهم عجزوا بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّا نقول: هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبكون القرآن الكريم حقًّا، والقطع بهذا، لا يمكن إلاَّ بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً، ولا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذٍ يلزم الدور، وهو محالٌ باطلٌ. ويمكن أن يجاب عنه: بأنا نثبت كون محمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً، بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته، نقطع بأن الله عَجَّزَ الشياطين عن تلقف الغيب، وبهذا الطريق يندفع الدَّور". قوله: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} "الأرْضَ": نصبٌ على الاشتغال، ولم يقرأ بغيره؛ لأنه أرجع من حيث العطف على جملة فعلية قبلها، وهي قوله: {أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً}تفسير : [الحجر:16]. وقال أبو حيَّان: "ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية، كان النَّصب أرجح من الرفع". قال شهاب الدين: لَمْ يعدُّوا هذا من القرائن المرجحة للنصب، إنما عدو عطفها على جملة فعلية قبلها، لا عطف جملة فعلية عليها، ولكنه القياس، إذ يعطف فيه فعلية على مثلها، بخلاف ما لو رفعت، إذ تعطف فعلية على اسمية، لكنهم لم يعتبروا ذلك. والضمير في "فِيهَا": للأرض. وقيل: للرَّواسي. وقيل: لهما. فصل لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التَّوحيد، أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع: الأول: قوله: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} قال ابن عباسٍ: بسطناها على وجه الماءِ، وبسطت من تحت الكعبة. النوع الثاني: قوله: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} وهي الجبال الثوابت واحدها راسٍ، والجمع راسية وجم الجمع رواسي، قال ابن عباسٍ: لما بسط الله الأرض على الماء، مالت بأهلها كالسفينة؛ فأرساها الله بالجبال؛ لكيلا تميل بأهلها. النوع الثالث: قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}، يجوز فِي "مِنْ" أن تكون تبعيضية، وهو الصحيح، وأن تكون مزيدة عند الكوفيين، والأخفش، والضمير في قوله: "فِيهَا" يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض، وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي، إلاَّ أنَّ رجوعها إلى الأرض أولى؛ لأن أنواع النبات المنتفع بها، إنما تتولَّد في الأرض، وأما الجبلية، فقليلة النفع. وقيل: رجوع الضمير إلى الجبال أولى؛ لأنَّ المعادن من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وغيرها؛ إنَّما تتولد في الجبال، والأشياء الموزونة في العرف والعادة، هي المعادن لا النبات. وفي المراد بالموزون وجوه: قيل: المقَّدر بقدر الحاجة، أي: أنَّ الله ـ تعالى ـ يثبت ذلك المقدر بقدر ما يحتاج إليه الناس؛ لقوله: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}تفسير : [الرعد:8] وقوله تعالى: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر:21]. وقيل: المناسب المطابق للحكمة كقولهم: كلامٌ موزونٌ، أي: متناسب بعيد عن اللغو، والمعنى: موزونٌ بميزان الحكمة، والعقل. وقيل: موزونٌ؛ بمعنى أنَّ الذي تنبته الأرض نوعان: المعادنُ، والنباتُ، أما المعادن: فهي بأسرها موزونة، وأما النبات: فيرجع عاقبته إلى الوزنِ، كالمخترف، والفواكه في الأكثر. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} جمع معيشة، أراد الله بها المطاعم، والمشارب، والملابس، وقيل: ما يعيش به المرءُ في الدنيا، وقد تقدَّم الكلام على المعايش في الأعرافِ. قوله تعالى: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}، يجوز في خمسة أوجه: أحدها: قول الزجاج: أنه منصوب بفعلٍ مقدرٍ، تقديره: وأغنينا من لستم له برازقين، كالعبد، والدَّواب، والوحوش. الثاني: أنه منصوب عطفاً على "مَعايِشَ"، أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لسْتُمْ له برازقين من الدَّواب المنتفع بها. الثالث: أنه منصوب عطفاً على محل "لَكُمْ". الرابع: أنه مجرور عطفاً على "كُمْ" المجرور بها اللام؛ وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي الكوفيين، وبعض البصريين، وتقدم تحقيقه في البقرة، عند قوله: {أية : وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة:217]. الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ومن لستم له برازقين، جعلنا له فيها معايش، وسمع من العرب: ضربت زيداً، وعمرو، برفع "عمرو"؛ مبتدأ محذوف الخبر، أي: وعمرو ضربته، و"مَنْ" يجوز أن يراد بها العقلاء، أي: من لستم له برازقين من مواليكم الذين تزعمون أنكم ترزقونهم، أو يراد بها غير العقلاء، أي: من لستم له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم؛ قال الله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ}تفسير : [النور:45]، وقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل:18] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، ويجوز أن يراد بها النوعان؛ وهو حسنٌ لفظاً ومعنًى. قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ}، "إنْ": نافية، و"مِنْ" مزيدة في المبتدإ، و"عِنْدَنَا" خبره، و"خَزائِنهُ" فاعل به؛ لاعتماده على النَّفي، ويجوز أن يكون "عِندَنَا" خبراً لـ"ما" بعده، والجملة خبر الأولى، والأول أولى؛ لقرب الجارِّ من المفرد. قال الواحدي: "الخَزائِنُ: جمع الخِزانَة، وهي اسمُ المكان الذي يُخْزنُ فيه الشيء، أي: يحفظ، والخِزانةٌ ـ أيضاً ـ عمل الخازن، ويقال: خَزَنَ الشَّيء يَخْزنهُ، إذ أحْرزَهُ". و"خَزَائِنهُ" هو المطر؛ لأنه سبب الأرزاق، والمعايش لبني آدم، وسائر الحيوانات. قوله: "إلاَّ بقدَرٍ معلوم" يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من المفعول، أي: إلا ملتبساً بقدرٍ. قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: يريد: قدر الكفايةِ، لكل أرضِ حدُّ مقدرٌ، وقال الحكم: ما من عامٍ بأكثر مطرٍ، من عام آخر؛ ولكنه يمطر قومٌ، ويحرمُ آخرون، وربما كان في البحر، يعني أنه ـ تعالى ـ ينزل المطر كلَّ عامٍ بقدرٍ معلومٍ، غير أنَّه يصرفه إلى من يشاء حيث يشاء. ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدلُّ على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، لا يدلُّ على أنه ـ تعالى ـ ينزله في جميع الأعوامِ على قدر واحد، فتفسير الآية بهذا المعنى تحكُّمٌ بغير دليلٍ. وقال ابنُ الخطيب: "وتخصيص قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} بالمطر تحكم محضٌ؛ لأن قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ} يتناول جميع الأشياء، إلا ما خصه الدليل". روى جعفر، عن محمدٍ، عن أبيه، عن جده، قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله في البر، والبحر، وهو تأويل قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}. قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} الآية "لَواقِحَ": حالٌ مقدرة من "الرِّياحِ"، وفي اللواقح أقوال: أحدها: أنها جمع "مُلْقِح"؛ لأنه من ألْقَحَ يُلقحُ، فهو ملقحٌ، وجمعه مَلاقح، فحذفت الميم؛ تخفيفاً، يقال: ألْقحَتِ الريحُ السَّحاب، كما يقال: ألْقحَ الفَحْلُ الأنثَى؛ ومثله: الطَّوائِحُ، وأصله المطاوحُ؛ لأنه من أطَاحَ يُطِيحُ، قال: [الطويل] شعر : 3271ـ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ تفسير : وهذا قول أبي عبيدة. والثاني: أنه جمع لاَقِح، يقال: لقَحَتِ الريحُ: إذا حملتِ الماء، وقال الأزهري: حَوامِلُ تَحْمِلُ السَّحابَ؛ كقولك: ألقحتِ الناقةُ، فلَقِحَتْ، إذا حملتِ الجَنين:َ في بَطْنِهَا، فشُبِّهتِ الريحُ بِهَا؛ ومنه قوله: [الطويل] شعر : 3272ـ إذَا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوانٌ مُضرَّةٌ ضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاس أنْيَابُهَا عُصْلُ تفسير : الثالث: أنَّها جمع لاقحٍ، على النسب؛ كالابنِ وتامرِ، أي: ذات لقاحٍ، لأنَّ الرِّيحَ إذا مَرَّت على الماءِ، ثُم مرَّت على السَّحابِ، والماءِ، كان فيها لقاحٌ قاله الفراء. فصل قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: الرياحُ لوَاقِحُ الشَّجر والسَّحاب؛ وهو قول الحسن، وقتادة، والضحاك؛ لأنها تحمل الماء إلى السحاب؛ وأصله من قولهم: لقَحتِ الناقة، وألْقَحَهَا الفحلُ، إذا ألقى الماء فيها فحملت. قال ابن مسعودٍ في تفسير هذه الآية: بعث الله الرياحَ؛ لتلقيح السحاب، فتحمل الماء، وتمجّه في السحاب، ثم إنه يعصرُ السحاب، ويدره كما يدر اللقحة. وقال عبيدُ بن عمير: يبعثُ الله الريح المبشرة، فتقم الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة، فتؤلف السحاب بعضه إلى بعضٍ، فتجعله ركاماً، ثم يبعثُ اللوَاقِحُ اللوَاقِحَ، فتَلْقِحُ الشَّجر ثم تلا عبيد: "وأرسلنا الرياح لواقح" قال أبو بكر بنِ عيَّاشٍ ـ رضي الله عنه ـ: لا تقطر القطرةُ من السماء إلا بعد أن تعمل الرياحُ الأربعة فيها، فالصَّبا تُهيِّجه، والشَّمالُ تَجمعُه والجَنوبُ تُدرُّه، والدَّبُور تُفرِّقه. فصل قال القرطبيُّ: "روي عن مالك ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}، أي: ذوات لقح، فلقاحُ القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولقاح الشَّجر كُلها: أن تثمر ويسقط منها ما يسقط، ويثيبت منها ما يثبت". قال ابن العربيِّ ـ رحمه الله ـ: إنما عوَّل مالكٌ على هذا التفسير على تشبيه الشجر بلقاح الجملِ، وأنَّ الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه من الروحُ، كان بمنزلةِ تحبب الثَّمر، وتسنبله؛ لأنه سمِّي باسم تشتركُ فيه كلُّ حاملةٍ، وهو اللِّقاحُ، وعليه جاء الحديث: "حديث : نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الحبِّ حتَّى يَشْتد ". تفسير : قال ابن عبد البرِّ: "الإبارُ عند أهل العلم في النخل: التَّلقيحُ، وهو أن يأخذ شيئاً من طَلع ذكور النخلِ؛ فيدخله بين ظهراني طلع الإناث، [ومعنى] ذلك في سائر الثمار [ظهور الثمرة] من التِّين، وغيره، حتَّى تكون الثَّمرة مرئية، حين ينظر إليها، والمعتبر عند مالك ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه فيما يذكر من الثِّمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط، وفي الزروع ظهوره من الأرض". فصل قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : مِنَ ابتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أن تُؤبَّر، فَثمَرتُهَا لِلبَائعِ، إلاَّ أن يَشْترِطَ المُبتَاعُ"تفسير : فلا يدخل الثمر المؤبَّر مع الأصولِ في البيع إلا بالشرط؛ لأنها موجودة يحاطُ بها أَمَنَةً من السقوط غالباً، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطها غالباً، بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها مأموناً، فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها؛ لأنها كالجنين. فصل هل يجوز لمن اشترى النخل فقط أن يشتري الثمر قبل طيبه؟ اشترى النَّخل، وبقي الثمر للبائع، جاز لمشتري الأصل شراءُ الثمرة قبل طيبها، في المشهور عن مالكٍ ـ رحمه الله ـ ويرى لها حكم التبعيةِ، وإن انفردت بالعقدِ، وعنه في رواية أنه لا يجوز، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ، وأهل الظاهر. فصل في النهي عن بيع الملاقح والمضامين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيعِ المَلاقحِ والمَضامِيِنِ والمَلاقِحُ: الفحول من الإبل، الواحد مقلحٌ، والمَلاقِحُ ـ أيضاً ـ: الإناث التي في بطونها أولادها، الواحدة: مَلْقَحَة ـ بفتح القاف، والمَلاقِيحُ ما في بطون النوقِ من الأجنَّة، الواحدة: مَلْقُوحةٌ، من قولهم: لَقحْتُ، كالمَحْمُومِ من حَمّ، والمَجْنُون من جنّ، وفي هذا جاء النَّهيُ. قال أبو عبيدة: المَضامِينُ ما في البطونِ وهي الأجنَّةِ، والمَلاقِيحُ: ما في أصلابِ الفحُولِ، وهو قول سعيد بن المُسيَّبِ، وغيره. وقيل: بالعكسِ. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع [المَجْر] وهو بيع ما في بطُونِ الأمَّهاتِ. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ما هَبَّتْ ريحٌ قَطُّ إلاَّ جَثَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلى رُكْبتَيْهِ، وقال: "حديث : اللَّهُمَّ اجْعلهَا رحْمةً، ولا تَجْعلهَا عَذاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلهَا رِيَاحاً ولا تَجْعلهَا رِيحاً"تفسير : . قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في كتاب الله ـ عز وجل ـ: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً}تفسير : [القمر:19]، {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ}تفسير : [الذاريات:41] وقال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}تفسير : [الحجر:22] وقال تعالى: {أية : يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}تفسير : [الروم:46]. قوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}، قد تقدّم أنَّ الماء: هل ينزل من السماء أو من السحاب. وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}، قال الأزهريُّ: "تَقُولُ العربُ لِكُلِّ ما فِي بُطونِ الأنْعَامِ، ومِنَ السَّماءِ، أو نهْرٍ يَجْري: أسْقَيْتُه، أي: جعلته شَرْباً له، وجعلتُ له منها مَسْقى لشرب أرضه أو ماشيته، فإذا كانت السُّقْيَا لِسقْيهِ، قالوا: سَقاهُ، ولم يقولوا: أسْقَاه". ويؤكده اختلاف القراء في قوله: {أية : نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}تفسير : [النحل:66]، فقرؤا باللغتين، وسيأتي بيانهما في السورة التي بعدها، ولم يختلفوا في قوله: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ}تفسير : [الإنسان:21]،ـ وفي قوله: {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}تفسير : [الشعراء:79]. قال أبو علي: سَقَيْتُه حتَّى رَوِيَ، وأسْقَيتهُ نَهْراً، جعلتهُ شُرْباً، وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} جعلناه سُقْياً لكم، وربما قالوا في "أسْقَى" سَقَى؛ كقول لبيدٍ يصفُ سحاباً: [الوافر] شعر : 3273ـ أقُولُ وصَوْبُهُ منِّي بَعِيدٌ يَحُطُّ السَّيْبُ مِنْ قُللِ الجِبَالِ سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقَبائِلَ مِنْ هِلالِ تفسير : فقوله: "سَقَى قَوْمِي" ليس يريد به ما يروى عطاشهم، ولكن يريد رزقهم سَقْياً لبلادهم، يخصبون بِها، وبعيدٌ أن يَسْألَ لِقومِهِ ما يروي العطاش به ولغيرهم ما يخصبون به، فأما سَقَيَا السَّقيَّة، فلا يقال فيها: أسْقاهُ. وأما قول ذي الرُّمة: [الطويل] شعر : 3274ـ وأسْقِيهِ حتَّى كَادَ ممَّا أبُثُّهُ تُكلِّمُنِي أحْجَارهُ ومَلاعِبُه تفسير : [يريد بقوله: "أسقيه": أدعو له بالسقاء، وأقول: سقاه الله]. واتَّصل الضميران هنا: لاختلافهما رتبة، ولو فصل ثانيهما، لجاز عند غير سيبويه وهذا كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أَنُلْزِمُكُمُوهَا}تفسير : [هود:28]. قوله تعالى: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} جملة مستأنفة، و"لَهُ" متعلق بـ"خَازِنينَ"، والمعنى: أنَّ المطر في خَزائِننِا، لا في خَزائِنكُمْ. [وقال سفيان: لستم بمانعين]. قوله تعالى: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} الآية، هذا النَّوع السادس من دلائل التوحيد، وهو الاستدلال بالإحياء، والإماتةِ على وجودِ الإلهِ القادر المختار. قوله: "لَنَحْنُ" يجوز أن يكون مبتدأ، و"نُحْيِي" خبره، والجملة خبر "إنا" ويجوز أن يكون تأكيداً لـ "نَا" في"إنَّا"، ولا يجوز أن يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره [الحجر:9]. وقال أبو البقاء: لا يكون فصلاً لوجهين: أحدهما: أن بعده فعلاً. والثاني: أنَّ معه اللام. قال شهابُ الدِّين ـ رحمه الله ـ: "الوجه الثاني: غلطٌ؛ فإن لام التوكيد لا يمنع دخولها على الفصل، نصَّ النحاة على ذلك، ومنه قوله {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [آل عمران:62]ٍ، جوَّزوا فيه الفصل مع إقرانه باللام". فصل من العلماءِ من حمل الإحياء على القدرِ المشتركِ بين إحياءِ النبات والحيوان، ومنهم من قال: وصف النبات بالإحياء مجاز؛ فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان، وقوله ـ جل ذكره ـ: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} يفيد الحصر، أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة إلا لنا، "ونَحْنُ الوَارثُونَ" إذا مات جميع الخلائق، فحينئذٍ يزول الملك كلِّ أحدٍ، ويكون الله ـ سبحانه ـ هو الباقي المالك لكلِّ المملوكات، وحده لا شريك له، فكان شبيهاً بالإرثِ. قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ المستقدمين: الأموات، والمستأخرين: الأحياءُ. وقال الشعبيُّ ـ رضي الله عنه ـ: الأولين، والآخرين. وقال عكرمة: المستقدمون: من خلق الله، والمستأخرون: من لم يخلق. وقيل: المستقدمين: القرون الأولى، والمستأخرين: أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: المستقدمين: في الطَّاعة والخير، والمستأخرين: في صفِّ القتال. وقال ابن عيينة: أراد من سلم، ومن لم يسلم. وقال الأوزاعيُّ: أراد المصلِّين في أول الوقت، المؤخِّرين إلى آخره. روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس: كانت امرأةٌ حسناء تصلِّي خلق النبي صلى الله عليه وسلم فكان قومٌ يتقدمون إلى الصف الأول؛ لئلا يرونها، وآخرون يتأخَّرون، ليرونها. وفي رواية: أنَّ النساء كنَّ يخرجن إلى الجماعة، فيقفن خلف الرجال، من النساء من في قلبها ريبة، فتقدم إلى أول صفِّ النساء؛ لتقرب من الرجال؛ فنزلت الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرُّها أخرُهَا، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُهَا وشَّرُّهَا أوَّلُهَا ". تفسير : وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب في الصف الأول في الصلاة [فازدحم] الناس عليه؛ فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ هذه الآية. والمعنى: إنَّا نجزيهم على قدر نيَّاتهم. فصل قال القرطبي: "هذه الآية تدلُّ على فضل أول الوقت في الصلاة، وعلى فضل الصف الأوَّل، وكما تدل على فضل الصف الأول في الصَّلاة، كذلك تدلُّ على فضل الصفِّ الأول في القتال؛ فإنَّ القيام في وجه العدوِّ، وبيع العبد نفسه من الله ـ تعالى ـ لا يوازيه عملٌ، ولا خلاف في ذلك". واعلم أنَّ ظاهر الآية يدل على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم؛ فيدخل فيه علمه بتقدّمهم، وتأخرهم، في الحدوثِ، والوجود في الطاعات وغيرها؛ فلا ينبغي أن تخص بحالةٍ دون حالةٍ. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} على ما علم منهم، وذلك تنبيه على أنَّ الحشر، والنشر، والبعث، والقيامة، أمرٌ واجبٌ {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي: أنَّ الحكمة تقتضي وجوب الحشر، والنشر، وعلى ما تقرر في أول سورة يونس ـ عليه السلام ـ.

البقاعي

تفسير : ولما كان ذكر هذه الآية السماوية على سبيل الفرض في الجواب عن إنكارهم النبوة، دليلاً على مرودهم على الكفر، وكان من المعلوم أن ثبوت النبوة مترتب على ثبوت الوحدانية، توقع السامع الفَهِم الإخبارَ عما له تعالى من الآيات المحققة الوجود المشاهدة الدالة على قدرته، فأتبعها بذلك استدلالاً على وحدانيته بما له من المصنوعات شرحاً لقوله{ أية : وليعلموا أنما هو إله واحد} تفسير : [ إبراهيم: 52] ودليلاً على عدم إيمانهم بالخوارق، وابتدأ بالسماويات لظهورها لكل أحد وشرفها وظهور أنها من الخوارق بعدم ملابستها والوصول إليها، فقال مفتتحاً بحرف التوقع: {ولقد جَعَلنَا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر عليها سوانا مما هو مغنٍ عن فتح باب ونحوه {في السماء بروجاً} أي منازل للقمر، جمع برج، وهو في الأصل القصر العالي أولها الحمل وآخرها الحوت، سميت بذلك لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها، وهي مختلفة الطبائع، فسير الشمس والقمر بكل منها يؤثر ما لا يوثره الآخر، فاختلافها في ذلك - مع أن نسبتها إلى السماء واحدة - دليل على الفاعل المختار الواحد، والعرب أعرف الناس بها وباختلافها. ومادة "برج" بكل تقليب تدور على الظهور الملزوم للعلو الملزوم للقوة، وقد يفرط فيلزمه الضعف، فمن مطلق الظهور: بروج السماء، قال القزاز: سميت بروجاً لأنها بيوت الكواكب، فكأنها بمنزلة الحصون لها، وقيل: سميت لارتفاعها، وكل حصن مرتفع فهو برج، والبرج - أي محركاً: سعة بياض العين وصفاء سوادها، وقيل: البرج في العين هو أن يكون البياض محدقاً بالسواد، يظهر في نظر الإنسان فلا يغيب من سواد العين شيء، وتبرجت المرأة: أبدت محاسنها، والجربياء: الشمال - لعلوها، والجريب: الوادي - لظهوره، والجريب: مكيال أربعة أقفزة، وجريب الأرض معروف، وهو ساحة مربعة كل جانب منها ستون ذراعاً، ومنه الجراب - لوعاء من جلود، والجورب - للفافة الرجل، لأنهما ظاهران بالنسبة إلى ما فيهما، وكذا الجربان - لغلاف السيف، وجرب البئر: جوفها؛ والأرجاب: الأمعاء - شبهاً بالجراب؛ والبارجة: سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال، والبجرة: كل عقدة في البطن، والعجرة: كل عقدة في الجسد، والبجرة: السرة الناتئة، وسرة البعير عظمت أولاً، والبجر والبجري: الأمر العظيم، وجاء فلان بالبجارة، وهي الداهية: وفيه ما جمع إلى الظهور القوة؛ ومن ذلك رجب: اسم شهر، ورجبت الرجل: عظمته، والرجبة من وصف الأدوية، والرجب: الحياء والعفو، والرجب: الهيبة؛ والمجرب: الذي بلي بالشدائد؛ ورجبت النخل ترجيباً: بنيت من جانبها بناء لئلا يسقط؛ والجبر: خلاف الكسر، والملك - لوجود الجبر به لقوته، وجبرت العظم، والجبارة: ما يوضع على الكسر لينجبر، وجبرت الرجل: أحسنت إليه، وأجبرته: ضممته إلى ما يريد، وأجبرته على كذا: قهرته عليه، أي أزلت جبره، والجيرية: العانة من الحمير، وهي أيضاً الأقوياء من الناس، والجبار من النخل: الطويل الفتي، والجبار اسم من أسماء الله تعالى، والجبار: كل عات، وكل ما فات اليد، والعظيم القوي الطويل، والمتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً والمتجبر: الأسد، وجبار بالضم مخففاً: يوم الثلاثاء - لأن الله تعالى خلق المكروه فيه - كما في الصحيح، ومن الضعف: الجبار - بالضم مخففاً، وهو الهدر من الدماء والحروب وغيرها، وقد يكون من جبر الكسر، لأنه جبر به المهدر عنه وقوي به وأحسن إليه، وكل ما أفسد وأهلك فهو جبار - كأنه شبه بالجبيرة التي تفسد لإصلاح الكسر، والجبر: العبد - لضعفه واحتياجه إلى التقوية؛ ومن الضعف أيضاً الجرب بالنسبة إلى من يحل به، وهو من القوة بالنسبة إلى نفسه، ومن الظهور والانتشار أيضاً، والجرباء: السماء - تشبيهاً بالأجرب، وأرض جرباء: مقحوطة؛ والتربج: التجبر، والروبج: درهم صغير؛ قال الزبيدي: وهو دخيل، ومادة "جبر" منها بخصوص ترتيبها تدور على النفع، وتارة تنظر إلى ما يلزمه من عدم الضر مثل الجبار بالضم مخففاً لما هدر، وتارة تنظر إلى ما يلزم النفع من التكبر والقهر. ولما ذكر البروج، وصف سبحانه السماء المشتملة عليها فقال: {وزيناها} أي السماء لأنها المحدث عنها بالكواكب {للناظرين} أي لكل من له أهبة النظر، في دلائل الوحدانية، لا عائق له عن معرفة ذلك إلا عدم صرفه النظر إليه بالبصر أو بالبصيرة {وحفظناها} أي بما لنا من العظمة {من كل شيطان} أي بعيد من الخير محترق {رجيم} مستحق للرجم وهو رمي الشيء بالاعتماد من غير آلة مهيأة للإصابة كالقوس فإنها للرمي لا للرجم ومستحق للشتم، لأنه قوال بالظن وما لا حقيقة له {إلا من استرق السمع} منهم فإنا لم نرد تمام الحفظ منه {فأتبعه} أي تبعه تبع من هو حاث لنفسه سائق لها {شهاب} وهو عمود من نور يمتد بشدة ضيائه كالنار {مبين *} يراه من فيه أهلية الرؤية حين يرجم به؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: حديث : إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذه ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقي السمع ومسترقو السمع، هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابعه اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى بلغوها إلى الأرضتفسير : ، وربما قال سفيان: حتى ينتهي إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر فيكذب معها مائة كذبه فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء. قال المفسرون رضي الله عنهم: كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ما يسمعون منها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منعوا من السماوات كلها هكذا رأيت ولد ولعله "بعث" فإن في الصحيح أن الذي منعهم نزول القرآن. ولما ذكر آية السماء، ثنى بآية الأرض فقال: {والأرض مددناها} أي بما لنا من العظمة، في الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، على الماء {وألقينا} أي بعظمتنا {فيها} أي الأرض، جبالاً {رواسي} أي ثوابت، لئلا تميل بأهلها وليكون لهم علامات؛ ثم بنه على إحياء الموتى بما أنعم به في الأرض بقياس جلي بقوله: {وأنبتنا فيها} أي الأرض ولا سيما الجبال بقوتنا الباهرة { من كل شيء موزون *} أي مقدر على مقتضى الحكمة من المعادن والنبات {وجعلنا لكم} أي إنعاماً منا عليكم {فيها معايش} وهي بياء صريحة من غير مد، جمع معيشة، وهي ما يحصل به العيش من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها {ومن لستم} أي أيها الأقوياء الرؤساء {له برازقين *} مثلكم في ذلك، جعلنا له فها معايش من العيال والخدم وسائر الحيوانات التي تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم، فإن ذلك باطل لأنكم لا تقدرون على رزق أنفسكم فكيف بغيركم؟ فلما ظهر كالشمس كمال قدرته وأنه واحد لا شريك له، بين أنه - كما كانت هذه الأشياء عنده بحساب قدره على حكمة دبّرها - كان غيرها كذلك، فذلك هو المانع من معاجلتهم بما يهزؤون به من العذاب، فقال: {وإن} أي وما {من شيء} أي مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة، وهي لا نهاية لها {إلا عندنا} أي لما لنا من القدرة الغالبة {خزائنه} أي كما هو مقرر عندكم، لا تنازعون فيه، قال في الكشاف: ذكر الخزائن تمثيل { وما ننزله} أي مطلق ذلك الشيء لا بقيد عدم التناهي، فإن كل ما يبرز إلى الوجود متناه، فهو استخدام {إلا بقدر معلوم *} على حسب التدريج كما ترونه؛ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ليس عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء، عاماً ههنا وعاماً ههنا، وربما كان في البحر. فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص له بوقت دون وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار. فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض، وختمه بشمول قدرته لكل شيء، أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعاً في خزائن قدرته فقال: {وأرسلنا} أي بما لنا من التصريف الباهر {الرياح} جمع ريح، وهي جسم لطف منبث في الجو سريع المر {لواقح} أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها، فهي حوامل للماء، لواحق بالجو، قوته على ذلك عالية حساً ومعنى؛ والريح: هواء متحرك، وحركته بعد أن كان ساكناً لا بد لها من سبب، وليس هو نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته، وإلا دامت حركته. فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار {فأنزلنا} أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح {من السماء} أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد {ماء} وهو جسم مائع سيال، به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء {فأسقيناكموه} جعلناه لكم سقياً، يقال: سقيته ماء أي ليشربه، وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد. ونفى سبحانه عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه فقال {وما أنتم له} أي ذلك الماء {بخازنين *} والخزن: وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار. ومادة "لقح" بتقاليبها الست تدور على اللحاق، وتلزمه القوة والعلو حساً أو معنى، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله، وقد ألقح الفحل الناقة، ولقحت لقاحاً: حملت، والملقوح: ما لقحته من الفحل، أي أخذته، وهي الملاقيح - يعني الأجنة، واللقحة: الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلحقها جائع، وألقح القوم النخل ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها. والقاحل: اليابس من الجلود، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت، ومنه شيخ قاحل. واللحق: كل شيء لحق شيئاً أي أدركه، والملحق: الدعي - لأنه متهيىء لأنه يستلحقه كل من يريده، والملحاق: الناقة التي لا يفوتها الإبل: قال الزبيدي في مختصر العين: وفي القنوت: إن عذابك بالكغار ملحق - بالكسر، أي لاحق - لغة. والحقل: القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها، وقيل: هو الزرع إذا تشعب ورقة، وهو من ذلك أيضاً ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق، والحقيل: نبت، والحقيلة: الماء الرطب، أي الأخضر من البقل والشجر في الأمعاء منه، والحقيلة: حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به، والحوقلة: الغرمول اللين - كأنه مشبه بالنبت الأخضر، أو لإمكان تثنيه كل وقت ولحوق بعض أجزائه ببعض، والحوقل: الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه، والحوقلة: سرعة المشي، وحقل الفرس - إذا وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل، وحوقل الشيخ: اعتمد بيديه على خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره. والحلق مساغ الطعام والشراب، وحلوق الأرض: أوديتها ومجاريها - للحاق المياه بها، ولشبيهها بالحلوق، والحلق: حلق الشعر بالموسى، من اللحاق والقوة، والمحالق: الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها، والحالق: المشؤوم الذي يحلق قومه؛ والحلق: ضرب من النبات، لورقه حموضة - كأنه لسرعة لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها، والحلقة: الخاتم بلا فص - لتلاحق أجزائها بعضها ببعض، ومنه حلقة القوم، والحلقة: السلاح كله، إما من هذا لأن منها الدروع ذات الحلق، تسمية للشيء باسم جزئه، وإما من القوة والعلو المعنوي لما يلزم عنها، والحلق: المال الكثير، إما من ذلك وإما من لحاق صاحبه بمراده، والحالق: الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه بالجو، والحوقلة: القارورة الطويلة العنق، وحلق الطائر: ارتفع في الهواء، من هذا؛ واللقحة: الغراب؛ والحالق من الكرم والشرى: ما تعلق منه بالقضبان، فهو ظاهر في اللحاق، وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن وانضم، فهو من العلو واللحاق، وقيل: إذا كثر لبنه فهو إذاً من اللحاق، وتحلق القمر: صارت حوله دارة، وحلق قضيب الفرس حلقاً - إذا تقشر، كأنه شبه بما حلق شعره، وحي لقاح: لم يملكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي؛ والقلح: صفرة تعلو الأسنان، فهو من اللحاق مع العلو، ويسمى الجعل أقلح من هذا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} قال: كواكب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} قال: الكواكب. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} قال: الكواكب العظام. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية {ولقد جعلنا في السماء بروجاً} قال: قصوراً في السماء فيها الحرس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وحفظناها من كل شيطان رجيم} قال: الرجيم، الملعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إلا من استرق السمع} فأراد أن يخطف السمع كقوله {أية : إلا من خطف الخطفة}تفسير : [الصافات: 10]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {إلا من استرق السمع} قال: هو كقوله {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب مبين} قال: كان ابن عباس يقول: إن الشهب لا تَقْتُل، ولكن تحرُق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حديث : قال جرير بن عبد الله "حدثني يا رسول الله عن السماء الدنيا والأرض السفلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما السماء الدنيا، فإن الله خلقها من دخان، ثم رفعها وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وزينها بمصابيح النجوم وجعلنا رجوماً للشياطين، وحفظها من كل شيطان رجيم". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والأرض مددناها} قال: قال عز وجل في آية أخرى {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 30] قال: ذكر لنا أن أم القرى مكة، ومنها دحيت الأرض. قال قتادة رضي الله عنه، وكان الحسن يقول: أخذ طينة فقال لها انبسطي. وفي قوله {وألقينا فيها رواسي} قال: رواسيها جبالها {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} يقول: معلوم مقسوم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} قال: معلوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من كل شيء موزون} قال: مقدر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {من كل شيء موزون} قال: مقدر بقدر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله {من كل شيء موزون} قال: الأشياء التي توزن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {من كل شيء موزون} قال: ما أنبتت الجبال مثل الكحل وشبهه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ومن لستم له برازقين} قال: الدواب والأنعام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن منصور في قوله {ومن لستم له برازقين} قال: الوحش. وأخرج البزار وابن مردويه في العظمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} قال: المطر خاصّة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وما ننزله إلا بقدر معلوم} قال: المطر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الحكم بن عتيبة رضي الله عنه في قوله {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} قال: ما من عام بأكثر مطراً من عام ولا أقل، ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر. قال: وبلغنا أنه ينزل مع القطر من الملائكة أكثر من عدد ولدِ إبليس وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت ومن يرزق ذلك النبات. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر الأخرى، ثم قرأ {وما ننزله إلا بقدر معلوم}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث شاء، ثم قرأ {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس أحد بأكسب من أحد ولا عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث شاء ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء من البلدان، وما نزلت قطرة من السماء ولا خرجت من ريح إلا بمكيال أو بميزان ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما نزل قطر إلا بميزان. وأخرج ابن أبي حاتم عن معاوية رضي الله عنه، أنه قال: ألستم تعلمون أن كتاب الله حق؟ قالوا: بلى. قال: فاقرؤوا هذه الآية {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} ألستم تؤمنون بهذا وتعلمون أنه حق؟ قالوا: بلى..! قال: فكيف تلومونني بعد هذا!؟ فقام الأحنف فقال: يا معاوية، والله ما نلومك على ما في خزائن الله؛ ولكن إنما نلومك على ما أنزله الله من خزائنه فجعلته أنت في خزائنك وأغلقت عليه بابك. فسكت معاوية. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس. والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفحة منها، فبردها هذا من ذلك ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدبور، والجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والخرائطي في مكارم الأخلاق، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {وأرسلنا الرياح لواقح} قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء، فتلقح به السحاب فيدرّ كما تدر اللقحة ثم تمطر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب، فتمر به السحاب فيدرّ كما تدر اللقحة. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله {وأرسلنا الرياح لواقح} قال: تلقح الشجر وتمري السحاب. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي رجاء رضي الله عنه قال: قلت للحسن رضي الله عنه {وأرسلنا الرياح لواقح} قال: لواقح للشجر قلت: أو للسحاب؟ قال: وللسحاب، تمر به حتى تمطر. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {وأرسلنا الرياح لواقح} قال: تلقح الماء في السحاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {وأرسلنا الرياح لواقح} قال: الرياح يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء. وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: الرياح اللواقح تخرج من تحت صخرة بيت المقدس. وأخرج ابن حبان وابن السني في عمل يوم وليلة، والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن سلمة بن الأكوع قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح يقول: "حديث : اللهم لقحاً لا عقيماً ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله المبشرة، فتعم الأرض بماء، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب فيجعله كسفاً، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فتمطر. وأخرج ابن المنذر عن عبيد بن عمير قال: الأرواح أربعة: ريح تعم وريح تثير تجعله كسفاً، وريح تجعله ركاماً وريح تمطر. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم في قوله {لواقح} قال: تلقح السحاب، تجمعه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {وما أنتم له بخازنين} قال: بمانعين. وفي قوله {ونحن الوارثون} قال: الوارث، الباقي.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: زين الله تعالى السماء بالكواكب والبروج وجعلها علامات يُهتدى بها فى ظلمات البر والبحر. وزين القلوب باطلاعه عليها، وبأنواع الأنوار ليهتدى بتلك الأنوار إلى مقامات المعرفة وهذه العلامات إنها يهتدى بها من كان يصير مفتوح عين فؤاده ينظر إليه نظر عيان.

القشيري

تفسير : بروجاً أي نجوماً هي لها زينة، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} اخبر بجلاله وعز كبريائه عن سماوات الذات وابراج الصفات وانه كشف انوارها واسرارها لنظار الارواح والعقول والقلوب لتسير فى ابراجها بقدر قوتها من قوى السعادة والتوفيق فكواكب الارواح تسرى فى ابراج الازليات والابديات ونجوم العقول تسير فى ابراج انوار العظمة والكبرياء وسيارات القلوب تسير فى برج سنا الجلال والجمال واقمار الاسرار وشموسها تسير فى بروج سبحات الذات فتحصيل الارواح من اماكنها وسيرها التوحيد والتجريد والتفريد وتحصل العقول من سيرها المعارف والكواشف وتحصل القلوب من سيرها العشق والمحبة والشوق والخوف والرجاء والقبض والبسط والعلم والخشية والانس والانبساط وتحصل الاسرار من سيرها الفناء والبقاء والسكر والصحو ولكل عارف وموحد ومحب وشائق وصادق ومخلص ومحيد من كل برج من ابراج الصفات له فظروفهم وعلم ومعرفة وكشف ومقام وعمل ونطق واشارة وعبارة وجد وحال وادب وافعال وما لا يتناهى من دانيات ثمار المشاهدات ولطائفات المكاشفات لان منابعها الصفات التى منزهة عن الحدود والعلات ومن سار فى ابراج الصفات يرى منابع الصفات وهى عيون الوهية الذات سبحان من عظم شانه وتقدست اسماؤه وصفاته وذاته عن اوهام الخليقة ومن ادراك قلوب البرية وذلك قوله بوصف تنزيهه {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} منع كشف جمال صفاتها وجلال ذاتها عن ابصار البطالين والمدعين والمبطلين الزايغين عن الحق المقبلين على الخلق هذا من اعالى دقائق الاشارات واشارة الادنى انه تعالى جعل فى سماء الارواح ابراج منورة مزينة بزينة نور الصفات والذات لسكان ارض القلوب من نظار العقول لترى العقول فى ترائيها اقمار الصفات وشموس الذات من حيث التجلى لا من حيث كينونة الحلول فتستشرف على اسرار معارف جوده ووجوده فلكل نظر منها فائدة فى القلوب من المواجيد والحالات والمعاملات والمقامات مثل الوجل والخشية والندم والرهبة والرغبة والمراقبة والمحاضرة والخطاب والشهود والوقوف باسرار العبودية والربوبية فنعت تلك القلوب بما رات تلك العقول من من ابراج سماء الارواح الوجد والهيجان والهيمان والوله والزفران والعبرات صاحبها اوتاد الارض ونقباء الاولياء واصفياء الحضرة شمائلهم انوار جود الله يظهر من وجوههم سنا وجود الله سبحان الله من هم واين ماواهم طوبى لهم ثم طوبى لهم ثم بفضله وجوده يحفظ تلك البروج من هواجسات النفوس ووساوسات الشياطين كما قال حفظناها من كل شيطان رجيم ثم بين سبحانه ان تلك النفوس الامارة والشيطان الوسواسية تسترق من عالم سماء العقول والارواح والاسرار والقلوب اسماع هواتف الغيب من صرف اخطاب والالهام لتدعى بكلمة الغيب الدعاوى الباطلة فاتبعها شهب طوارق القهريات واحرق بنيران المحبة والاشواق ليصفى هواء المعرفة من غبار الطبيعة بقوله {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} وايضا فيه اشارة اخرى انه تعالى بغر جوجه وجده وجلاله جعل فى سماء القلوب ابراج المقامات والحالات ويجرى فيها سيارات الهمم لطلب وجدان اهله انوار الصفة فترى كل همة من برج كل مقام نورا من انوار الغيب وسرا من اسرار الغيب حتى يستشرف على مطالع الربوبية والالوهية فى كل دورة افلاك القلوب فى هواء الهوية حين تبرز شموس اسرار الذات واقمار الصفات وسيارات حقائق الازل والابد الا ترى تقلب تلك الافلاك فى ممالك ملكوت الازل كيف وصفها حبيب الحبيب صلوات الله وسلامه عليه وعلى خلائه من الانبياء و الرسل والاصفياء بقوله القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ونظار تلك السماوات العقول القدسية والاسرار الملكوتية ترى من كل برج نور صفته فيورث تجليها لكل عقل مقاما وشرفا وحالا ووجدا وعلما ومعرفة وبجلال قدمه يحفظ تلك السماوات مع ابراجها من طوارق النفوس والوسواس فاذا قصدت النفس الامارة الى حاشية من حواشى القلب يحترق بزفره من زفرات القلب وكذلك الوسواس قال تعالى فاتبعه شهاب مبين وما ذكرنا من تلك الحقائق من انوار تلك البروج === من وجوه الصديقين وتلك الوجوه مطالع انوار صفات الحق يبرز نورها من وجوههم وجباههم للناظرين من المريدين الصادقين والشائقين من المحبين وتلك سمات الحق لاعتبار الخلق وهدايتهم قال تعالى تعرفهم بسيماهم قال بعضهم زين السماوات باكلواكب والبروج وجعل فيها علامات لمن يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر وزين القلوب باطلاعه عليها وانواع الانوار لتهتدى بتلك الانوار الى مقام المعرفة وهذه المعاملات انما يهتدى بها من مكان بصيرا مفتوحا عين فواده ينظر اليه نظر عيان قال ابو بكر بن طاهر كما جعل الله فى السماء بروجا يهتدوا به فى ظلمات البر والبحر وزيناها للناظرين كذلك جعل فى القلوب بروجا يهتدى بها العارف الى ربه فمن ذلك برج الخوف وبرج الرجاء وبرج التوكل وبرج التفويض وبرج التسليم وبرج اليقين وبرج المعرفة وبرج المحبة وكل برج من هذه الابراج والبروج منها طريق الى الله تبارك وتعالى لا يعرفها الا السالكين فيها والعالمون بها وكما زين تلك البروج للناظرين كذلك زين بروج القلب للناظرين لا منهم القائمين باوامر الرب عليهم والعارفين حالهم ومحلهم فى كل وقت وحين قال الاستاد فى السماء بروج وهى لها زينة ثم تلك النجوم للشياطين رجوم اذا راموا ان يسترقوا السمع وفى القلوب للمعارف والعقول نجوم ثم هى للشياطين رجع فلو دنا ابليس وجنوده من قلب ولى من اوليائه احترقته بل محقته نجوم غفله واقمار علمه وشموس توحيده وكما ان نجوم السماء زينة للناظرين اذا لاحظوها فقلوب العارفين اذا نظر اليها ملائكة السماء لهم زينة ثم ان الله سبحانه وصف قدرته فى مد الارض والقائه فيها الرواسى بقوله {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} الاشارة فيه انه تعالى بجلاله وقدره بسط قلوب الاولياءببسط سعته وقدرته وعلمه ومدها بانوار تجلى جماله وجلاله فصارت مبسوطة بوقوع نور مشاهدته عليها لانها بلد الله ومقام زيارته هناك اشرقت الارض بنور ربها فكلما يتجلى لها بسطها فانبسطت وزاد فى امتدادها بقدر زيادة وقوع نور التجلى عليها فكلما ازداد نورهم من الحق ازداد بسطها وامتدادها وهى مضطرة الى زيادة بسطها وسعتها لانها يوازى مشاهدة جلالة القدم الذى بلا نهاية ولا غاية فاذا يزيد بسطها وامتدادها الى ابد الاباد وذلك لان هناك عرش الرحمن وكرسيه وهنالك ولاية الله ينزل عساكر تجليه عليها فى جميع الانفاس والاوقات ولم يكن موضع من العرش الى الثرى بهذه الخاصية غير قلوب الانبياء والاولياء لما روى سيد الانبياء عليه وعليهم سلام الله على الله سبحانه قال لم يسعنى السماوات والارض ويسعنى قلب عبدى المؤمن ولا يظن ان ذلك البسط بسط صورة القلب لان بسط القلوب بسط علومها وفهومها وعقولها وبسط نورها وقبولها انوار قرب الله سبحانه التى اطلعت على فطرتها واماكن غيبها وغيبها معادن علم الله وفى علم الله استغرقت الاكوان والحدثان فكل شئ من العرش الى الثرى فى تلك الاماكن من قلوب الصديقين اقل من خردلة وكيف لا يكون ذلك وهو يسع حمل الملك والملكوت ولما تجلى لها تزلزلت من هيبته واجلاله فالقى فيها رواسى العظمة وشدها بجبال انور الكبرياء وربطها باوتاد العقول وانبت فيها بمياه بحار زلال نور غيبه من جميع نبات المعارف والكواشف والمواجيد والحالات والمقامات والاداب وتلك الحقائق والنبات موزونة بقدر تجليه وميزان علمه وايضا فيه اشارة اخرى ان رواسى الارض ولياء الله وكما ان الجبال والرواسى بالتفاوت فى صغرها وكبرها فكذلك الاولياء بالتفاوت فى مقاماتهم واخوالهم عند الله فالرواسى اعظم الجبال فاعظم الاولياء الغوث والثلاثة المختارون والسبعة ثم العشرة ثم الارعون ثم السبعون ثم الثلاثمائة وهم الابدال والاوتاد والسبعون النقباء والاربعون الخلفاء والعشرة العلماء والسبعة العرفاء والثلاثة اهل المكاشفة وهم الرواسى والغوث اعنى القطب مثله مثل جبل قاف والاوتاد مغزع العامة والنقباء مفزع الاوتاد والخلفاء مفزع النقباء والعلماء مفزع الخلفاء والعرفاء مفزع العلماء واهل المكاشفة مفزع العلماء والقطب مفزع الكل قال بعضهم مد الارض بقدرته وامسكها ظاهرا بالجبال والرواسى وما الرواسىعلى الحقيقة فهو مقام اوليائه فى خلقه بهم يدفع البلاء عنهم وبمكانهم يصرف المكاره فهم الرواسى على الحقيقة لا الجبال قال محمد بن على الترمذى ان فى العباد عبادا هم المفزع ومن فوقهم الاوتاد ومن فوقهم الرواسى فالى المفزع مرجع عامة العباد ومرجع المفزع اذا هال الامر الى الاوتاد ومرجع الاوتاد اذا يستعجل الامر الى الرواسى وهم خواص الاولياء قال الله تعالى والارض مددناها والقينا فيها رواسى وقال سهل مد الارض ووسع رفعتها ليسير فيها الناظر بالغيرة والاعتبار فيطلب فيها اماكن الاولياء وهم الرواسى الذين بهم قوام الارض قال الاستاد نفوس العابدين ارض العبادة وقلوب العارفين ارض المعرفة وارواح المشتاقين ارض المحبة والخوف والرجاء لها رواسى وكذلك الرغبة والرهبة وقال كما انبت فى الارض فنون النبات انبت فى القلوب صنوفا من الازهار والاقمار فمن نور اليقين ونور العرفان ونور الحضور ونور الشهود ونور التوحيد الى غير ذلك من الانوار ثم وصف سبحانه معائش الجمهور مما ينبت ارض القلوب من زهر المعارف والكواشف بقوله {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} معائش الصديقين فى ارض القلوب انوار الشهود ومعائش المحبين ظهور نور تجلى ومعائش العارفين كشوف التدلى ومعارف الموحدين استماع الخطاب بعد الكشف ومعائش سكان ارض القلب من العقل والفهم والنفس نور الايمان والبرهان والايقان وذلك قوله {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} هو بجوده سبحانه رازق الارواح ورازق العقول والنفوس قال الاستاد سبب عيش كل احد مختلف فعيش المريدين بيمن اقباله وعيش العارفين بلطف جماله وعيش الموحدين بكشف جلاله كل مربوط بحاله ولكل نصيب من افضاله والحق منزه عن التحمل بافعاله ثم وصف سبحانه سعة قدرته وعلمه وملكه وملكوته وخزائن جوده بقوله {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} اى ما من شئ فى قلوب العارفين من انوار المكاشفة والمعرفة والتوحيد والايمان واليقين والمقامات والحالات والالهام والخطاب الا عندنا خزائنه وخزائن هذه الحقائق ذاته القدمية وصفاته الابدية فان كل وجد وكشف وعلم وحال ومعرفة وتوحيد ومقام ومقال يتعلق بكشف الذات والصفات وكشوف انوارها تظهر بقدر قوة القلوب مقرونة بالارادة الازلية بقوله {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} وعلم الاشارة فى الاية دعوة العباد الى حقائق التوكل بوصف قطع الاسباب والاعراض عن الاغيار قيل كان الجنيد اذا قرء هذه الاية وان من شئ الا عندنا خزائنه قال فاين تذهبون قال بعضهم القلوب خزائن الحق عند الخلق اودع فيها اجل شئ وهو التوحيد وزينها بالمعرفة ونورها باليقين ومجدها بالتفويض وعمرها بالتوكل وشرحها بالايمان ولم يملكهم من قلوبهم شئ لانه قائم بالحق منقلب فى اوصافه قال النبى صلى الله عليه وسلم قلب ابن ادم بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وجعل آثار انوار القلوب على الجوارح من التسارع الى الطاعات والتثاقل عن المعاصى والمخالفات وهذا دليل لما قلت من الكرامات لذلك قال الله وان من شى الا عندنا خزائنه وقال حمدون قطع اطماع عبيده عن سواه بقوله وان من شئ الا عندنا خزائنه فمن رفع بعد هذا حاجته الى غيره فهو لجهله ولومه قال ابن عطا فى هذه الاية النظر الى شواهد القسم اسكنت النفوس عن الحكم وقال سهل اخص خزائن الله فى الارض قلوب اوليائه التى هى محل معرفته وغيبه ومحل نظره فمن حفظ تلك الخزانة بالذكر الدائم والمراقبة عمر الله قلبه بالرجوع اليه على دوام الاوقات والاعراض عما سواه وقال الاستاد خزائنه فى الحقيقة مقدوراته وهو سبحانه قادر على كل ما هو موهوم الحدوث ويقال خزائنه فى الارض قلوب العارفين بالله وفى الخزانة جواهر من كل صنف فحقائق العقل جواهر وضعها فى قلوب اقوام ولطائف العلم جواهر وبدائع المعرفة جواهر واسرار العارفين مواضع سره فالنفوس خزائن توفيقه والقلوب خزائن تحقيقه واللسان خزائن ذكره ويقال ارواح قلوب الفقراء عن تحمل المنة من الاغنياء فيما يعطوهم واراح الاغنياء عن مطالبة الفقراء منهم شيئا فليس للفقير صرف القلب من الله الى مخلوق ولا افتقار منه لاحد ولا للغنى بقليل منه لاحد اذ الملك كله لله والامر بيد الله فلا قادر على الابلاغ الا الله ثم وصف الرياح اللواقح التى تحمل الاشجار ثمارها بقوله {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} غرس فى قلوب اوليائه اشجار المعرفة التى هى من بساتين غيب ملكوته وجبروته ثم ارسل عليها رياح لطفه بكشف جماله لها فتلقح بشمال جماله اشجار معرفتهم ثمار محبته وشوقه وعشقه ثم سقاها بمطر عنايته من بحر كرمه حتى اثمرت كل غصن منها حكمة من حكمه وعلما من علومه وخبرا من غيبه وسرا من اسراره وحقيقة من حقائقه === نسائم الانس ونورها لطائف القدس وزهرها من لوائح الصفات ووردها من لوامع الذات وفواكها حياة مرضى المريدين تشفيهم من داء الفراق وتربيهم بترياق الوفاق فكل سالك عارف عاشق محب واله سقاه الحق من مطر لطفه من بحار كبريائه شربات مفرحات الافراح باقداح الارواح فيصير سكران جماله من حب جلاله هائما من شوقه الى وصاله فلا العاشق الشائق يسكن من سكره ولا من سقى شرابه ولا ينقص بحر وصاله من شرب عاشق جماله وكمال جلاله شعر : شربت الحب كاسا بعد كاس فما نفذ الشراب ولا رويت تفسير : قال بعضهم رياح الكرم اذا هبت على اسرار العارفين اعتقتهم من هواجس انفسهم === طباعهم وفساد هواهم ومراداتهم ويظهر فى القلوب نتائج الكرم وهو الاعتصام باله وبالاعتماد عليه والانقطاع عما سواه قال الله وارسلنا الرياح لواقح فقلوب تلقح بالبر وقلوب تلقح بالفجور وما روى فى الاخبار قلوب الابرار تغلى بالبر وقلوب الفجار تغلى بالفجور قال ابو عثمان كما ان رياح الربيع اذا هبت فتحت عروق الاشجار لحمل الماء فكذلك رياح العناية تلقح الثبات على الطاعات ورياح الكرم تلقح فى القلوب معرفة النعم ورياح التوكل تلقح فى النفوس الثقة بالله والاعتماد عليه وكل ريح تظهر فى الابدان زيادة وفى القلوب زيادة والشقى من حرمها وقال الاستاد كما ان الرياح فى الافاق مقدمات المطر كذلك الامال فى القلوب مما يتفهمه العبد مما يتادّى الى قلبه من مبشرات الخواطر وتنشم النجاح فى طلبه يحصل فيستروح القلب اليه قبل حصول المامول من الكفاية واللطف ويقال ان رياح البسط اذا هبت على قلوب العارفين ما تركت فيها للوحشة اثرا ويقال اذا هبت رياح القرب على قلوب العارفين عطرت بنفحات الانس فيبقون فى نسيمها على الدوام ومما يؤيد تحقيق التوحيد اخر الاية قوله وما انتم له بخازنين بين ان لطائف انوار المشاهدة لا تعلق بكسب العباد ويكلفهم فى المجاهدات واذا انكشفت انوارها فى القلوب لم يكونوا بحابسيها لانها شعاع شمس الوحدانية وهى منزهة عن تناول الحدوثية وهذا معنى قوله وما انتم له بخازنين وبتلك المياه والرياح يحيى ارواح الصديقين وقلوب الموحدين بقوله {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ} نحيى بمشاهدتنا قلوب المنقطعين من موت الفراق ونميت نفوس المريدين بالخوف عنا وقهر عظمتنا عن حياة الشهوات وايضا نحى الارواح بتجلى بقائنا عن موت فنايها فى مشاهدة قدمنا ونفينها عن حيوتها بمشاهدة البقاء برؤية قدمنا وازل ازلنا نحيى اسرار العارفين بجمالنا ونميتها باحتجاب مشاهدة جلالنا عنها ونحن الوارثون ما عليها من احكام الربوبية وما لها من احكام العبودية قال الواسطى نحيى من نشاء بنا ونميت من نشاء عنا قال بعضهم نحيى اقواما بالطاعة ونميت اقواما بالمعصية وقال الوراق نحيى القلوب بنور الايمان ونميت الانفس باتباع الشهوات وقال ابو سعيد الخراز الحى من العباد من الحق حيوته والميت منهم من جركانه بقاؤه وقيل نحيى القلوب بالمشاهدة ونميت النفوس بالاستتار وقال الحريرى كم من حى حيوته موته وميت موته == وقال سهل نحى اهل الصفوة بمعرفتنا والاقبال علينا ونميت المخالفين بانكارنا واعراض عنا وقال === نحيى النفوس السعيدة بمتابعة القلوب الرضية ونميت النفوس الشقية بمتابعة الهوى والشهوات وقال الاستاد نحيى القلوب بالمشاهدة ونميت نفوسهم بالمجاهدة ويقال نحيى المريدين بذكره ونميت الغافلين بهجره ويقال === بان يلاطفهم بلطف جماله ويميت قوما بان يحجبهم عن نيل افضاله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد جعلنا} الجعل هنا بمعنى الخلق والابداع. والمعنى بالفارسية [وبدرستى كه ما آفرديم وبيدا كرديم] {فى السماء} متعلق بجعلنا {بروجا} قصورا ينزلها السيارات السبع فى السموات السبع كما اشار فى نصاب الصبيان على الترتيب بقوله شعر : هفت كوكب هست كيتى را كاه ازيشان مدار وكاه خلل قمرست وعطارد وزهره شمس ومريخ ومشترى وزحل تفسير : وهى البروج الاثنا عشر المشهورة المختلفة الهيأت والخواص واسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت وقد بسطنا القول فى البروج والمنازل فى اوائل سورة يونس فليراجع ثمة وانما سميت البروج التى هى القصور المرفوعة لانها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البرج من التبرج لظهورها. وفى شرح التقويم البرج فى اللغة الحصن وغاية الحصن المنع عن الدخول والوصول الى ما فيه ويقسم دور الفلك ويسمى كل قسم منها برجا طول كل واحد ثلاثون درجة وعرضه مائة وثمانون من القطب الى القطب وكل ما يقع فى كل قسم يكون فى ذلك البرج ولما كانت هذه الاقسام المتوهمة فى الفلك كالموانع عن تصرفات اشخاص العالم السفلى فيما فيها من الانجم وغيرها كما اشير اليه فى الكتاب الهى بقوله {أية : وجعلنا السماء سقفا محفوظا} تفسير : اعتبر المناسبة وسميت بالبروج {وزيناها} اى السماء بتلك البروج المختلفة الاشكال والكواكب سيارات كانت او ثوابت وسميت السيارة لسرعة حركاتها وسميت الثابتة بالثوابت اما لثبات اوضاعها ابدا واما لقلة حركاتها الثابتة وغاية بطئها فان السماويات ليست بساكنة وحركات الثوابت على رأى اكثر المتأخرين درجة واحدة فى ست وستين سنة شمسية وثمان وستين سنة قمرية فيتم برجا فى الفى سنة ودورة فى اربعة وعشرين الف سنة وتسمى الثوابت بالكواكب البيابانية اذ يهتدى بها فى الفلاة وهى البيابان بالعجمية والكواكب الثابتة باجمعها على الفلك الثامن وهو الكرسى وفوقه الفلك الاطلس اى فلك الافلاك وهو العرش سمى بالاطلس لخلوه عن الكواكب تشبيها له بالثوب الاطلس الخالى عن النقش ثم حركة الافلاك بالارادة وحركة الكواكب بالعرض اذ كل منها مركوز فى الفلك كالكرة المنغمسة فى الماء والكواكب التى ادركها الحكماء بارصادهم الف وتسعة وعشرون فمنها سيارة ومنها ثوابت والكل مما ادركوا وما لم يدركوا زينة السماء كما ان فى الارض زينة لها {للناظرين} لكل من ينظر اليها فمعنى التزيين ظاهر او للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها فتزيينها ترتيبها على نظام بديع مستتبع للآثار الحسنة وتخصيصهم لانهم هم المنتفعون بها واما غيرهم فنظرهم كلا نظر قال السعدى قدس سره شعر : دوجشم از بى صنع بارى نكوست زعيب برادر فرو كير ودوست غبار هوا جشم عقلت بدوخت سموم هواكشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فردا شوى سرمه در جشم خاك

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد جعلنا في السماء بروجاً}؛ اثني عشر برجاً، وهي: الحَمَل، والثور، والجَوْزاء، والسرطان، والأسد والسُّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدلو، والحوت، والبرج عبارة عن قطعة في الفلك تقطعها الشمس في شهر؛ فتقطع البروج كلها في سنة، ستة يمانية، وستة شمالية، وهي مختلفة الهيئات والخواص، على ما دل عليه الرصد والتجربة. وكل ذلك بقدرة المدبر الحكيم. قال تعالى: {وزيَّناها} بالأشكال والهيئات البهية {للناظرين} المعتبرين؛ ليستدلوا بها على قدرة مبدعها، وتوحيد صانعها. {وحفظها من كل شيطانٍ رجيمٍ}: مرجوم، فلا يقدر أن يصعد إليها ليسترق السمع منها، أو يوسوس أهلها، أو يتصرف في أمرها، أو يطلع على أحوالها. {إلا من استَرَق السمعَ} أي: حفظناها من الشياطين، إلا من استرق منها. والاستراق: الاختلاس، رُوي أنهم يركبون بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى السماء، فيسمعون أخبار السماء من الغيب، فيخطف الجن الكلمة قبل الرمي فيلقيها إلى الكهنة، ويخلط معها مائة كذبة، كما في الصحيح. رُوي عن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات، فلما ولد عيسى عليه السلام مُنعوا من ثلاث سماوات، فلما وُلد محمد صلى الله عليه وسلم مُنعوا من كلها بالشهب. وقيل: الاستثناء منقطع، أي: ولكن من استرق السمع، {فأتبعه} لحقه {شهابٌ مبين}؛ ظاهر للمبصرين. والشهاب: شُعلة نار يقتبسها الملك من النجم، ثم يضرب به المسترق، وقيل: النجوم هي التي تضرب بنفسها، فإذا أصابت الشيطان فتلته أو خبلته فيصير غولاً. ثم ذكر معجزة الأرض فقال: {والأرضَ مددناها}: بسطناها، {وألقينا فيها رواسيَ}؛ جبالاً ثوابت، {وأنبتنا فيها}؛ في الأرض، أو فيها أو في الجبال {من كل شيء موزونٍ}؛ مقدر بمقدار معين تقتضيه حكمته. فالوزن مجاز، أو ما يكون يوزن حقيقة كالعشب النافعة، أو كالذهب والفضة وسائر الأطعمة. {وجعلنا لكم فيها معايش} تعيشون بها من المطاعم والملابس، {و} خلقنا لكم {من لستم له برازقين} من الولدان والخدمة والمماليك، وسائر ما تظنون أنكم ترزقونهم كاذباً؛ فإن الله يرزقكم وإياهم. قال البيضاوي: وفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار معين، مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النباتات والحيوانات المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز ألا تكون كذلك؛ على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرد في ألوهيته، والامتنان على العباد بما أنعم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه. ثم بالغ في ذلك فقال: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} أي: وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يجوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. هـ. قال ابن جزي: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنُه}؛ قيل: المطر، واللفظ أعم من ذلك، والخزائن: المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت. هـ. {وما نُنَزَّله} أي: نبرزه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، {إلا بقَدَر معلوم}: بمقدار محدود في وقت معلوم اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة، لا يزيد ولا ينقص على ما سبق به العلم. {وأرسلنا الرياحَ لواقحَ}: حوامل للماء في أوعية السحاب، يقال: لقحت الناقة والشجرة إذا حملت، فهي لاقحة، وألْقَحَت الريحُ الشجرَ فهي ملقحة. ولواقح: جمع لاقحة، أي: حاملة، أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة، فهي على هذا ملقحة للسحاب أو الشجر، ونظيره: الطوائح، بمعنى المطيحات في قوله: شعر : ومُخْتَبِط مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ تفسير : والرياح أربعة: صَبَا، ودَبُور، وجَنوب، وشمال. والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمى الشمال الحائل والعقيم. وفي البخاري: "نُصِرْتُ بالصَّبَا، وأُهْلكَتْ عَادٌ بالدُّبُور". وروي أبو هريرة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الرِّيحُ الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس"تفسير : . وفي الحديث: "حديث : الرِّيحُ من نفس الرحمن" تفسير : . والإضافة هنا إضافة خلق إلى خالق، كما قال: {أية : مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29]. ومعنى نفس الرحمن، أي: من تنفيسه وإزالة الكرب والشدائد، فمن التنفيس بالريح: النصر بالصبا، وذر الأرزاق بها، وجلب الأمطار، وغير ذلك مما يكثر عده. قاله ابن عطية. والمختار في تفسير اللواقح: أنها حاملة للماء، قوله: {فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه} أي: جعلنا لكم سقيا. يقال: سقى وأسقى بمعنى واحد عند الجمهور. {وما أنتم له بخازنين}: بممسكين له في الجبال، والغدران، والعيون، والآبار، فتخرجونه متى شئتم، بل ذلك من شأن المدبر الحكيم، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حد لا بد له من مسبب مخصص، وجريه بلا انتهاء لا يكون إلا بقدرة السميع العليم، الذي لا تتناهى قدرته. أو: {وما أنتم له بخازنين}؛ بقادرين متمكنين من إخراجه وقت الاحتياج إليه. نفى عنهم ما أثبته لنفسه بقوله: {عندنا خزائنُه}. {وإنا لنحن نُحيي ونُميت} أي: نحيي من نريد إحياءه بإيجاد الحياة فيه، ونميت من نريد إماتته بإزالة الحياة منه. وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات. وتكرير الضمير؛ للدلالة على الحصر. {ونحن الوارثون}: الباقون إذا مات الخلائق كلهم. {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} أي: علمنا من تقدم؛ ولادةً، ومن تأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعدُ، أو من تقدم إلى الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة، ومن تأخر، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم. وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإنَّ ما يدل على كمال قدرته دليل على كمال علمه. وقيل: رغّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول، فازدحموا عليه، فنزلت، وقيل: إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه، فتقدم بعض القوم؛ لئلا ينظر إليها، وتأخر بعض؛ ليبصرها، فنزلت. قاله البيضاوي: {وإن ربك هو يحشرهم} لا محالة للجزاء، كأن هذا هو الغرض من ذكر العلم بالمتقدمين والمتأخرين؛ لأنه إذا أحاط بهم علماً لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم. {إنه حكيمٌ} باهر الحكمة، {عليم}؛ واسع العلم والإحاطة بكل معلوم. قال البيضاوي: وفي توسيط الضمير ـ يعني في قوله: {هو يحشرهم}؛ للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره، وتصدير الجملة بأن؛ لتحقيق الوعيد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم. هـ. الإشارة: ولقد جعلنا في سماء قلوب العارفين بروجاً، وهي المقامات التي ينزلون فيها بشموس عرفانهم، وهي: التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة. وزيناها للناظرين؛ أي: السائرين حتى يقطعوها جملة محمولين بعناية الجذب، حتى يَحلو لهم ما كان مُراً على غيرهم، وحفظنا سماء قلوبهم من طوارق الشيطان، إلا ما كان طيفاً خيالياً لا يثبت، بل يتبعه شهاب الذكر فيحرقه، وأرضَ النفوس مددناها لقيام رسم العبودية، وظهور عالم الحكمة وآثار القدرة، وألقينا فيها جبال العقول الرواسي، لتعرف الرب من المربوب الذي اقتضته الحكمة. وأنبتنا فيها من العلوم الرسيمة والعقلية، ما قدر لها في العلم المكنون، وجعلنا لكم فيها من علم اليقين، وحق اليقين ما تتقوت به قلوبكم، وتعيش به أرواحكم وأسراركم، وتعولون به من لستم له برازقين من المريدين السائرين. سُئل سهل رضي الله عنه عن القوت، فقال: هو الحي الذي لا يموت، فقيل: إنما سألناك عن القوام. فقال: القوام هو العلم، فقيل: سألناك عن الغذاء، فقال: الغذاء هو الذكر، فقيل: سألناك عن طعام الجسد، فقال: ما لَكَ وللجسد، دع من تولاَّه أولاً يتولاه آخراً، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. وأنشدوا: شعر : يَا خادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ وتَطلُب الربْحَ مما فيه خُسْرَانُ عليك بالنفسِ فاستكمل فَضِِيلَتَهَا فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ تفسير : واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان، وتخرج من سجن الأكوان. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى: {وإن من شيء} من الأرزاق المعنوية والحسية، أو العلوم اللدنية، والفتوحات القدسية {إلا عندنا خزائنه}؛ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا، وأطلعناه على مكنون سرنا شيئاً فشيئاً، {وما نُنزله إلا بقدر معلوم}. وقال الورتجبي: عِلْم الإشارة في الآية: دعوة العباد إلى حقائق التوكل، وهي: قطع الأسباب، والإعراض عن الأغيار، قيل: كان الجنيد رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه}، قال: فأين تذهبون؟. وقال حمدون: قطع أطماع عبيدهِ عمن سواه بقوله: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه}، فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره، فهو لجهله ولؤمه. هـ. وأرسلنا رياح الهداية لواقح، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين، وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب المؤمنين، فأنزلنا من سماء الغيب ماء العلم اللدني، فأسقيناكموه على أيدي وسائط الشيوخ، أو بلا واسطة، وما أنتم له بخازنين، بل يفيض على قلوبكم عند غلبة الحال، أو لهداية مريد، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح القلوب، وإنا لنحن نُحيي قلوباً بالمعرفة واليقين ونميت قلوباً بالجهل والكفر، ونحن الوارثون؛ لبقاء انوارنا على الأبد. ولقد علمنا المستقدمين منكم إلى حضرة قدسنا بالاستعداد، وإعطاء الكلية من نفسه، ولقد علمنا المستأخرين عنها بسبب ضعف همته، وإن ربك هو يحشرهم؛ فيُقرب قوماً لسبقهم، ويبعد آخرين لتأخرهم. إنه حكيم عليم. ثمَّ ذكر أول نشأة الثقلين ليدلبها على الحشر والاعادة

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى أنه جعَل في السّماء بروجاً. والجعل قد يكون تصيير الشيء عن صفة لم يكن عليها. وقد يكون بالايجاد لهُ. والله تعالى قادرٌ ان يجعل في السّماء بروجاً من الوجهين، والبرْج: ظهُور منزل ممتنع بارتفاعه، فمن ذلك برج الحصْن، وبرج من بروج السَّماء الإثني عشر، وهي منازل الشمس والقمر. وأصله الظهور، يقال: تبرّجت المرأة إِذا أظهرت زينتها. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: المراد بالبرُوج النجوم. وقوله {وحفظناها من كل شيطان رجيم} يحتمل ان تكون الكناية راجعة الى السّماء، والى البرُوج. وحفظ الشيء جعله على ما ينفي عنه الضّياع، فمن ذلك حفظ القرآن بدرسه ومراعاته، حتى لا ينسى، ومنه حفظ المال بإِحرازه بحيث لا يضيع بتخطّف الأيدي له، وحفظ السماء من كل شيطان بالمنع بما أعدّ له من الشّهاب. والرَّجم بمعنى المرجوم، والرجم الرمي بالشيء بالاعتماد من غير آلة مهيأة للأصابة، فإِن النفوس يرمى عنها ولا ترجم. وقوله {إلا من استرق السمع} معنى (الا) (لكن) فكأنه قال: لكن من استرق السمع من الشيطان يتبعه شهاب مبين. قال الفرّاء: أي لا يخطىء، وقال المفسّرون: قوله {إِلا من استرق السمع} مثل قوله {أية : إِلا من خطف الخطفة}تفسير : ومعناه معناه، والاستراق أخذ الشيء خفيَّاً، وليس طلبهم استراق السمع مع علمهم بالشهب خروج عن العادة في صفة العقلاء، لانهم قد يطمعون في في السلامة من بعض الجهات، والشهاب عمود من نور يمدّ لشدة ضيائه كالنار وجمعه شهب. وقال ابن عباس: بالشهاب يخبل ويحرق، ولا يقتل. وقال الحسن: يقتل قال ذو الرمّة: شعر : كأنه كوكب في إِثر عفريةٍ مسوَّم في سواد الليل منقضب تفسير : والاتباع إِلحاق الثاني بالأول، أتبعه اتباعاً، وتبعه يتبعه إذا طلب اللحاق به، وكذلك اتّبعه اتباعاً بالتشديد {مبين} اي ظاهر مبين. وقال الفراء: قوله {إِلا من استرق السمع} استثناء صحيح، لان الله تعالى لم يحفظ السماء ممن يصعد اليها ليسترق السمع، ولكن اذا سمعه والقاه الى الكهنة اتبعه شهاب مبين، فأماً استراقهم السمع، فقال المفسرون: إِن فيهم من كان يصعد السماء فيسمع الوحي من الملائكة، فاذا نزل الى الارض اغوى به شياطينه او ألقاه الى الكهان، فيغوون به الخلق، فلما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منعهم من ذلك، وكان قبل البعثة لم يمنعهم من ذلك تغليظاً في التكليف. قال الزّجاج: والدليل على انه لم يكن ذلك قبل النبي ان أحداً من الشعراء لم يذكره قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة ذكرهم الشهب بعد ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} امّا المراد بها البروج المشهورة الاثنى عشر او منازل القمر او درجات مسير الشّمس الثّلاث مائة والسّتّون، وقد فسّر البروج بكلّ منها والبرج والقصر بمعنىً ومن غرائب الحكمة وعجائب الصّنع انّ الفلك مع بساطته ممتاز بعض اجزائه عن بعضٍ بخواصّ وآثار، فانّ البروج الاثنى عشر وكذا المنازل الثّمانية والعشرون لكلّ اثر غير صاحبه كما علم بالتّجربة وأثبته المنجّمون فى كتب الاحكام {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} بالكواكب المنيرة.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجاً} اثنى عشر مختلفة الهيئة والخواص على ما دل عليه الرصد والتجربة مع بساطة السماء وهى الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأَسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت وقسمت على ثمان وعشرين منزلة لكل برج منزلتان وثلث وكل برج ثلاثون درجة والجملة ثلثمائة وستون درجة تقطع الشمس البروج كلها فى كل سنة مرة، والقمر يقطعها فى كل شهر مرة وعبارة بعض تقطعها فى ثمانية وعشرين يوماً وقسمت البروج على النجوم السبعة السيارة والحمل والعقرب للمريخ والثور والميزان للزهرة والجوزاء والسنبلة لعطارد والسرطان للقمر والأَسد للشمس والقوس والحوت للمشترى والجدى والدلو لزحل، وعن ابن عباس المراد فى الآية بروج الشمس والقمر يعنى منازلهما وعنه نجوم وعن الحسن ومجاهد وقتادة النجوم العظام بعنوان الدرارى السبعة المذكورة وقال ابن عطية المراد قصور فى السماء عليها الحرس وكل ذلك من معنى الظهور، ويقال تبرجت المرأى أى ظهرت، {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} زيناها بالأَشكال والهيئة البهية لمن ينظر إليها نظر استدلال على خالقها ووحدانيته.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجاً} محال لسير الدرارى: الحمل والعقرب للمريخ بكسر الميم، والثور والميزان للزهرة بضم ففتح، والجوزاءُ والسنبلة لعطارد بفتح أَوله ومنع الصرف لشبهه بمفاعل ويصرف أَيضاً، والسرطان للقمر، والأَسد للشمس، والقوس والحوت للمشترى، والجدى والدلو لزحل، والدرارى يشملها على التدلى قول بعض شعر : زحل شرى مريخه من شمسنا فتزاهرت لعطارد الأَقمار تفسير : وعن ابن عباس: البروج منازل الشمس والقمر كل ليلة، وقيل: النجوم الكبار، قيل: وتحتمل مطالع الشمس والقمر، وقيل: البروج قصور بناها الله للملائِكة يحرسون، قال ابن العربى: قسم الله - عز وجل - الفلك الأطلس اثنى عشر قسماً أَسماها بروجا، وأسكن كل برج منها ملكاً، وهؤلاءِ الملائكة أَئِمة العالم، وجعل لكل منهم ثلاثين خزانة تحتوى كل منها على علوم شتى، يهبون للنازل بهم قدر ما تعطيه رتبته، وهى الخزائن فى قوله تعالى: "أية : وإِن من شىءٍ إلا عندنا خزائِنه"تفسير : [الحجر: 21] ولا بأْس بذلك لمن اعتقد أنهم يفعلون بأَمر الله تعالى وخلقه وكل شىءٍ من فعالهم مستأَنف من الله، ومن أَثبت لهم على استقلال أَشرك {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} بالكواكب الثواقب ليتفكروا فيها ويعلموا أنها صنعة الحكيم موصلا منافع السماءِ بمنافع الأرض.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا} الخ وإلى هذا ذهب الإمام وغيره في وجه الربط. وقال ابن عطية: إنه سبحانه لما ذكر أنهم لو رأوا الآية المطلوبة في السماء لعاندوا [فيها] (وبقوا على ما هم فيه من الضلال) عقب ذلك بهذه الآية كأنه جل شأنه قال: وإن في السماء لعبراً منصوبة (غير) هذه المذكورة وكفرهم بها وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو اهـ؛ والظاهر أن الجعل بمعنى الخلق والإبداع فالجار والمجرور متعلق به، وجوز أن يكون بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان له وبروجاً مفعوله الأول، والبروج جمع برج وهو لغة القصر والحصن وبذلك فسره هنا [ابن] عطية، فقد أخرج عنه ابن أبـي حاتم أنه قال:/ جعلنا قصوراً في السماء فيها الحرس، وأخرج عن أبـي صالح أن المراد بالبروج الكواكب العظام. وفي "البحر" عنه الكواكب السيارة وروى غير واحد عن مجاهد وقتادة أنها الكواكب من غير قيد، وروي عن ابن عباس تفسير ذلك بالبروج الإثني عشر المشهورة وهي ستة شمالية ثلاثة ربيعية وثلاثة صيفية وأولها الحمل وستة جنوبية ثلاثة خريفية وثلاثة شتائية وأولها الميزان وطول كل برج عندهم لـ درجة وعرضه قف درجة ص منها في جهة الشمال ومثلها في جهة الجنوب وكأنها إنما سميت بذلك لأنها كالحصن أو القصر للكوكب الحال فيها وهي في الحقيقة أجزاء الفلك الأعظم وهو المحدد المسمى بلسانهم الفلك الأطلس وفلك الأفلاك وبلسان الشرع بعكسه ولهذا يسمى الشيخ الأكبر قدس سره الفلك الأطلس بفلك البروج والمشهور تسمية الفلك الثامن وهو فلك الثوابت به لاعتبارهم الانقسام فيه وكأن ذلك لظهور ما تتعين به الأجزاء من الصور فيه وإن كان كل منها منتقلاً عما عينه إلى آخر منها لثبوت الحركة الذاتية للثوابت على خلاف التوالي وإن لم يثبتها لها لعدم الإحساس بها قدماء الفلاسفة كما لم يثبت الأكثرون حركتها على نفسها وأثبتها الشيخ أبو علي ومن تبعه من المحققين، وقد صرحوا بأن هذه الصور المسماة بالأسماء المعلومة توهمت على المنطقة وما يقرب منها من الجانبين من كواكب ثابتة تنظمها خطوط موهومة وقعت وقت القسمة في تلك الأقسام ونقل ذلك في "الكفاية" عن عامة المنجمين وأنهم إنما توهموا لكل قسم صورة ليحصل التفهيم والتعليم بأن يقال: الدبران مثلا عين الأسد. وتعقب ذلك بقوله: وهذا ليس بسديد عندي لأن تلك الصور لو كانت وهمية لم يكن لها أثر في أمثالها من العالم السفلى مع أن الأمر ليس كذلك فقد قال بطليموس في "الثمرة". الصور التي في عالم التركيب مطيعة للصور الفلكية إذ هي في ذواتها على تلك الصور فأدركتها الأوهام على ما هي عليه وفيه بحث ثم هذه البروج مختلفة الآثار والخواص بل لكل جزء من كل منها وإن كان أقل من عاشرة بل أقل الأقل آثار تخالف آثار الجزء الآخر وكل ذلك آثار حكمة الله تعالى وقدرته عز وجل. وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في بعض كتبه أن آثار النجوم وأحكامها مفاضة عليها من تلك البروج المعتبرة في المحدد. وفي الفصل الثالث من الباب الحادي والسبعين والثلثمائة من "فتوحاته" ما منه أن الله تعالى قسم الفلك الأطلس اثني عشر قسماً سماها بروجاً وأسكن كل برج منها ملكاً وهؤلاء الملائكة أئمة العالم وجعل لكل منهم ثلاثين خزانة تحتوي كل منها على علوم شتى يهبون منها للنازل بهم قدر ما تعطيه رتبته وهي الخزائن التي قال الله تعالى فيها: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الحجر: 21] وتسمى عند أهل التعاليم بدرجات الفلك والنازلون بها هم الجواري والمنازل وعيوقاتها من الثوابت والعلوم الحاصلة من تلك الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عام الأركان من التأثيرات بل ما يظهر في مقعر فلك الثوابت إلى الأرض إلى آخر ما قال، وقد أطال قدس سره الكلام في هذا الباب وهو بمعزل عن اعتقاد المحدثين نقلة الدين عليهم الرحمة، ثم إن في اختلاف خواص البروج حسبما تشهد به التجربة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء أدل دليل على وجود الصانع المختار جل جلاله. {وَزَيَّنَّـٰهَا} أي السماء بما فيها من الكواكب السيارات وغيرها وهي كثيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى. نعم المرصود منها ألف ونيف وعشرون ورتبوها على ست مراتب وسموها اقداراً متزايدة سدساً حتى/ كان قطر ما في القدر الأول ستة أمثال ما في القدر السادس وجعلوا كل قدر على ثلاث مراتب وما دون السادس لم يثبتوه في المراتب بل إن كان كقطعة السحاب يسمونه سحابياً وإلا فمظلماً، وذكر في "الكفاية" أن ما كان منها في القدر الأول فجرمه مائة وستة وخمسون مرة ونصف عشر الأرض. وجاء في بعض الآثار أن أصغر النجوم كالجبل العظيم واستظهر أبو حيان عود الضمير للبروج لأنها المحدث عنها والأقرب في اللفظ والجمهور على ما ذكرنا حذراً من انتشار الضمائر {لِلنَّـٰظِرِينَ} أي بأبصارهم إليها كما قاله بعضهم لأنه المناسب للتزيين، وجوز أن يراد بالتزيين ترتيبها على نظام بديع مستتبعاً للآثار الحسنة فيراد بالناظرين المتفكرون المستدلون بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها جل شأنه.

سيد قطب

تفسير : من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءاً بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهداً مشهداً كما هي في السياق: {ولقد جعلنا في السماء بروجا. وزيناها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع، فأتبعه شهاب مبين}.. إنه الخط الأول في اللوحة العريضة.. لوحة الكون العجيبة، التي تنطق بآيات القدرة المبدعة، وتشهد بالإعجاز أكثر مما يشهد نزول الملائكة؛ وتكشف عن دقة التنظيم والتقدير، كما تكشف عن عظمة القدرة على هذا الخلق الكبير. والبروج قد تكون هي النجوم والكواكب بضخامتها. وقد تكون هي منازل النجوم والكواكب التي تتنقل فيها في مدارها. وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة، وشاهدة بالدقة، وشاهدة بالإبداع الجميل: {وزيناها للناظرين}.. وهي لفتة هنا إلى جمال الكون ـ وبخاصة تلك السماء ـ تشي بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون. فليست الضخامة وحدها، وليست الدقة وحدها، إنما هو الجمال الذي ينتظم المظاهر جميعاً، وينشأ من تناسقها جميعاً. وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم، توصوص بنورها ثم يبدو كأنما تخبو، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد.. ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم، والكون من حوله مهوّم، كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ الحالم السعيد!. إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك حقيقة الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال في تكوينه؛ ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة: {وزيناها للناظرين}.. ومع الزينة الحفظ والطهارة: {وحفظناها من كل شيطان رجيم}.. لا ينالها ولا يدنسها؛ ولا ينفث فيها من شره ورجسه وغوايته. فالشيطان موكل بهذه الأرض وحدها، وبالغاوين من أبناء آدم فيها. أما السماء ـ وهي رمز للسمو والارتفاع ـ فهو مطرود عنها مطارد لا ينالها ولا يدنسها. إلا محاولة منه ترد كلما حاولها: {إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين}.. وما الشيطان؟ وكيف يحاول استراق السمع؟ وأي شيء يسترق؟.. كل هذا غيب من غيب الله، لا سبيل لنا إليه إلا من خلال النصوص. ولا جدوى في الخوض فيه، لأنه لا يزيد شيئاً في العقيدة؛ ولا يثمر إلا انشغال العقل البشري بما ليس من اختصاصه، وبما يعطله عن عمله الحقيقي في هذه الحياة. ثم لا يضيف إليه إدراكاً جديدا لحقيقة جديدة. فلنعلم أن لا سبيل في السماء لشيطان، وأن هذا الجمال الباهر فيها محفوظ، وأن ما ترمز إليه من سمو وعُلىً مصون لا يناله دنس ولا رجس، ولا يخطر فيه شيطان، وإلا طورد فطرد وحيل بينه وبين ما يريد. ولا ننسى جمال الحركة في المشهد في رسم البرج الثابت، والشيطان الصاعد، والشهاب المنقض، فهي من بدائع التصوير في هذا الكتاب الجميل. والخط الثاني في اللوحة العريضة الهائلة هو خط الأرض الممدودة أمام النظر، المبسوطة للخطو والسير؛ وما فيها من رواسٍ، وما فيها من نبت وأرزاق للناس ولغيرهم من الأحياء: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسيَ، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين}.. إن ظل الضخامة واضح في السياق. فالإشارة في السماء إلى البروج الضخمة ـ تبدو ضخامتها حتى في جرس كلمة {بروج} وحتى الشهاب المتحرك وصف من قبل بأنه {مبين}.. والإشارة في الأرض إلى الرواسي ـ ويتجسم ثقلها في التعبير بقوله: {وألقينا فيها رواسي}. وإلى النبات موصوفاً بأنه {موزون} وهي كلمة ذات ثقل، وإن كان معناها أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير.. ويشترك في ظل التضخيم جمع {معايش} وتنكيرها، وكذلك {ومن لستم له برازقين} من كل ما في الأرض من أحياء على وجه الإجمال والإبهام. فكلها تخلع ظل الضخامة الذي يجلل المشهد المرسوم. والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس. فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو؛ وهذه الرواسي الملقاه على الأرض، تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون؛ ومنه إلى المعايش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض. وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها. وهي كثيرة شتى، يجملها السياق هنا ويبهمها لتلقي ظل الضخامة كما أسلفنا. جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم كذلك {من لستم له برازقين}. فهم يعيشون على أرزاق الله التي جعلها لهم في الأرض. وما أنتم إلا أمة من هذه الأمم التي لا تحصى. أمة لا ترزق سواها إنما الله يرزقها ويرزق سواها، ثم يتفضل عليها فيجعل لمنفعتها ومتاعها وخدمتها أمماً أخرى تعيش من رزق الله، ولا تكلفها شيئاً. هذه الأرزاق ـ ككل شيء ـ مقدرة في علم الله، تابعة لأمره ومشيئته، يصرفها حيث يشاء وكما يريد، في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها، وأجراها في الناس والأرزاق: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم}.. فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئاً، إنما خزائن كل شيء ـ مصادره وموارده ـ عند الله. في علاه. ينزله على الخلق في عوالمهم {بقدر معلوم} فليس من شيء ينزل جزافاً، وليس من شيء يتم اعتباطاً. ومدلول هذا النص المحكم: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة، وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه. ومدلول {خزائنه} يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي؛ وطبيعة تركيبها وتحليلها ـ إلى حد ما ـ وعرف مثلاً أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الايدروجين والأكسوجين! وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء! وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون! وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضاً! ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها.. وهو شيء على كثرته قليل قليل.. ومما يرسله الله بقدر معلوم الرياح والماء: {وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه. وما أنتم له بخازنين}.. أرسلنا الرياح لواقح بالماء، كما تلقح الناقة بالنتاج؛ فانزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح، فأسقيناكموه فعشتم به: {وما أنتم له بخازنين}.. فما من خزائنكم جاء، إنما جاء من خزائن الله ونزل منها بقدر معلوم. والرياح تنطلق وفق نواميس كونية، وتحمل الماء وفقاً لهذه النواميس؛ وتسقط الماء كذلك بحسبها. ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس؟ لقد قدره الخالق، ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم}. ونلحظ في التعبير أنه يرد كل حركة إلى الله حتى شرب الماء.. {فأسقيناكموه}.. والمقصود أننا جعلنا خلقتكم تطلب الماء، وجعلنا الماء صالحاً لحاجتكم، وقدرنا هذا وذاك. وأجريناه وحققناه بقدر الله. والتعبير يجيء على هذا النحو لتنسيق الجو كله، ورجع الأمر كله إلى الله حتى في حركة تناول الماء للشراب. لأن الجو جو تعليق كل شيء في هذا الكون بإرادة الله المباشرة وقدره المتعلق بكل حركة وحادث.. سنة الله هنا في حركات الأفلاك كسنته هناك في حركات الأنفس.. تضمن المقطع الأول سنته في المكذبين، وتضمن المقطع الثاني سنته في السماوات والأرضين، وفي الرياح والماء والاستقاء. وكله من سنة الله التي يجري بها قدر الله. وهذه وتلك موصولتان بالحق الكبير الذي خلق الله به السماوات والأرض والناس والأشياء سواء. ثم يتم السياق رجع كل شيء إلى الله، فيرد إليه الحياة والموت، والأحياء والأموات، والبعث والنشور. {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون. ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين. وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم}.. وهنا يلتقي المقطع الثاني بالمقطع الأول. فهناك قال: {أية : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم، ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون }.. تفسير : وهنا يقرر أن الحياة والموت بيد الله، وأن الله هو الوارث بعد الحياة. وأنه هو يعلم من كتب عليهم أن يستقدموا فيتوفوا، ومن كتب عليهم أن يؤجلوا فيستأخروا في الوفاة. وأنه هو الذي يحشرهم في النهاية، وإليه المصير: {إنه حكيم عليم}.. يقدر لكل أمة أجلها بحكمته، ويعلم متى تموت، ومتى تحشر، وما بين ذلك من أمور.. ونلاحظ في هذا المقطع وفي الذي قبله تناسقاً في حركة المشهد. في تنزيل الذكر. وتنزيل الملائكة. وتنزيل الرجوم للشياطين. وتنزيل الماء من السماء.. ثم في المجال الذي يحيط بالأحداث والمعاني، وهو مجال الكون الكبير: السماء والبروج والشهب، والأرض والرواسي والنبات، والرياح والمطر.. فلما ضرب مثلا للمكابرة جعل موضوعه العروج من الأرض إلى السماء خلال باب منها مفتوح في ذات المجال المعروض.. وذلك من بدائع التصوير في هذا الكتاب العجيب.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى الكلام السابق في شأن تكذيب المشركين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما توركوا به في ذلك، وكان الأصلُ الأصيل الذي بَنوا عليه صَرْح التكذيب أصلين هما إبطاله إلهية أصنامهم، وإثباته البعث، انبرى القرآن يبيّن لهم دلائل تفرد الله تعالى بالإلهية، فذكر الدلائل الواضحة من خلق السماوات والأرض، ثم أعقبها بدلائل إمكان البعث من خلق الحياة والموت وانقراض أمم وخلفها بأخرى في قوله تعالى: {أية : وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} تفسير : [سورة الحجر: 23] الآية. وصادف ذلك مناسبة ذكر فتح أبواب السماء في تصوير غلوائهم بعنادهم، فكان الانتقال إليه تخلصاً بديعاً. وفيه ضرب من الاستدلال على مكابرتهم فإنهم لو أرادوا الحق لكان لهم في دلالة ما هو منهم غنية عن تطلب خوارق العادات. والخبر مستعمل في التذكير والاستدلال لأن مدلول هذه الأخبار معلوم لديهم. وافتتح الكلام بلام القسم وحرف التحقيق تنزيلاً للمخاطبين الذاهلين عن الاستدلال بذلك منزلة المتردّد فأكّد لهم الكلام بمؤكدين. ومرجع التأكيد إلى تحقيق الاستدلال وإلى الإلجاء إلى الإقرار بذلك. والبروج: جمع بُرج بضم الباء. وحقيقته البناء الكبير المتّخذ للسكنى أو للتحصّن. وهو يرادف القصر، قال تعالى: أية : ولو كنتم في بروج مشيدة} تفسير : في سورة النساء (78). وأطلق البرج على بقعة معينة من سمت طائفة من النجوم غير السيارة (وتسمى النجوم الثوابت) متجمع بعضها بقرب بعض على أبعاد بينها لا تتغير فيما يُشاهد من الجو، فتلك الطائفة تكون بشكل واحد يشابه نقطاً لو خططت بينها خطوطٌ لخرج منها شِبه صورة حَيوان أو آلة سموا باسمها تلك النجوم المشابهة لهيئتها وهي واقعة في خط سير الشمس. وقد سماها الأقدمون من علماء التوقيت بما يرادف معنى الدار أو المكان. وسماها العرب بُروجاً ودارات على سبيل الاستعارة المجعولة سبباً لوضع الاسم؛ تخيّلوا أنها منازل للشمس لأنهم وقتوا بجهتها سمت موقع الشمس من قُبة الجو نهاراً فيما يخيل للناظر أن الشمس تسير في شبه قوس الدائرة. وجعلوها اثني عشر مكاناً بعدد شهور السنة الشمسية وما هي في الحقيقة إلا سُموت لجهاتٍ تُقابلُ كل جهة منها الأرضَ من جهة وراءِ الشمس مدة معينة. ثم إذا انتقل موقع الأرض من مدارها كل شهر من السنة تتغير الجهة المقابلة لها. فبِما كان لها من النظام تَسنّى أن تجعل علامات لمواقيت حلول الفصول الأربعة وحلول الأشهر الاثني عشر، فهم ضبطوا لتلك العلامات حدوداً وَهمية عينوا مكانها في اللّيل من جهة موقع الشمس في النهار وأعادوا رصدها يوماً فيوماً، وكلما مضت مدة شهر من السنة ضبطوا للشهر الذي يليه علامات في الجهة المقابلة لموقع الشمس في تلك المدة. وهكذا، حتى رأوا بعد اثني عشر شهراً أنهم قد رجعوا إلى مقابلة الجهة التي ابتدأوا منها فجعلوا ذلك حولاً كاملاً. وتلك المسافة التي تخال الشمس قد اجتازتها في مدة السّنة سموها دائرة البروج أو مِنْطقة البروج. وللتمييز بين تلك الطوائف من النجوم جعلوا لها أسماء الأشياء التي شبهوها بها وأضافوا البرج إليها. وهي على هذا الترتيب ابتداء من برج مدخل فصل الربيع: الحمَل، الثور، الجوزاء، (مشتقة من الجوز بفتح فسكون الوسط لأنها معترضة في وسط السماء)، السَرَطان، الأسَد، السُنبلة، الميزان، العَقرب، القَوْس، الجَدْي، الدَلْو، الحوت. فاعتبروا لبرج الحمل شهر (أبرير) وهكذا، وذلك بمصادفة أن كانت الشمس يومئذٍ في سَمتِ شكلٍ نجمي شبهوه بنُقَط خطوط صورة كبش. وبذلك يعتقد أن الأقدمين ضبطوا السنة الشمسية وقسموها إلى الفصول الأربعة، وإلى الأشهر الاثني عشر قبل أن يضبطوا البروج. وإنما ضبطوا البروج لقصد توقيت ابتداء الفصول بالضبط ليعرفوا ما مضى من مدتها وما بقي. وأول من رسم هذه الرسوم الكلدانيون، ثم انتقل علمهم إلى بقية الأمم؛ ومنهم العرب فعرفوها وضبطوها وسموها بلغتهم. ولذلك أقام القرآن الاستدلال بالبروج على عظيم قدرته وانفراده بالخلق لأنهم قد عرفوا دقائقها ونظامها الذي تهيأت به لأن تكون وسيلة ضبط المواقيت بحيث لا تُخلف ملاحظة راصدها. وما خلقها الله بتلك الحالة إلا ليجعلها صالحة لضبط المواقيت كما قال تعالى: {أية : لتعلموا عدد السنين والحساب} تفسير : [سورة يونس: 5]. ثم ارتقى في الاستدلال بكون هذه البروج العظيمة الصنع قد جُعلت بأشكال تقع موقع الحسن في الأنظار فكانت زينة للناظرين يتمتعون بمشاهدتها في الليل فكانت الفوائد منها عديدة. وأما قوله: {وحفظناها من كل شيطان رجيم} فهو إدماج للتعليم في أثناء الاستدلال. وفيه التنويه بعصمة الوحي من أن يتطرقه الزيادة والنقص، بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من العناصر الخبيثة. فهو يرتبط بقوله: {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : [سورة الحجر: 9]. وكانوا يقولون: محمد كاهن؛ ولذلك قال الوليد بن المغيرة لما حاورهم فيما أعدوا من الاعتذار لوفود العرب في موسم الحجّ إذا سألوهم عن هذا الرجل الذي ادّعى النبوءة. وقد عرضوا عليه أن يقولوا هو كاهن، فكان من كلام الوليد أن قال.. ولا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزة الكاهن ولا سجعه، قال تعالى: {أية : ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون} تفسير : [سورة الحاقة: 42]. وكان الكهان يزعمون أن لهم شياطين تأتيهم بخبر السماء، وهم كاذبون ويتفاوتون في الكذب. والمراد بالحفظ من الشياطين الحفظ من استقرارها وتمكنها من السماوات. والشيطان تقدم في سورة البقرة. والرجيم: المحقر؛ لأن العرب كانوا إذا احتقروا أحداً حصبوه بالحصباء، كقوله تعالى: {أية : قال فاخرج منها فإنك رجيم} تفسير : [سورة الحجر: 34]، أي ذميم محقر. والرّجام بضم الراء الحجارة. قيل وهي أصل الاشتقاق. ويحتمل العكس. وقد كان العرب يرجمون قبر أبي رِغال الثقفي الذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكة. قال جرير:شعر : إذا مات الفرزدق فارجموه كما تَرمون قبر أبي رِغال تفسير : والرجم عادة قديمة حكاها القرآن عن قوم نوح {أية : قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} تفسير : [سورة الشعراء: 116]. وعن أبي إبراهيم {أية : لئن لم تنته لأرجمنك} تفسير : [سورة مريم: 46]. وقال قوم شعيب: {أية : ولولا رهطك لرجمناك} تفسير : [سورة هود: 91]. وليس المراد به الرجم المذكور عقبه في قوله: {فأتبعه شهاب مبين} لأن الاستثناء يمنع من ذلك في قوله: {إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين}. واستراق السمع: سرقتهُ. صيغ وزن الافتعال للتكلف. ومعنى استراقه الاستماع بخفية من المتحدث كأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه عنه. و«أتبعه» بمعنى تَبعه. والهمزة زائدة مثل همزة أبان بمعنى بان. وتقدم في قوله تعالى: {أية : فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} تفسير : في سورة الأعراف (175). والمبين: الظاهر البين. وفيه تعليم لهم بأن الشهب التي يشاهدونها متساقطةً في السماء هي رجوم للشياطين المسترِقة طرداً لها عن استراق السمع كاملاً، فقد عرفوا ذلك من عهد الجاهلية ولم يعرفوا سببه. والمقصود من منع الشياطين من ذلك منعهم الاطلاع على ما أراد الله عدمَ اطلاعهم عليه من أمر التكوين ونحوه؛ مما لو ألقته الشياطين في علم أوليائهم لكان ذلك فساداً في الأرض. وربما استدرج الله الشياطين وأولياءهم فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان، فلما أراد الله عصمة الوحي منعهم من ذلك بتاتاً فجعل للشهب قوة خرق التموجات التي تتلقى منها الشياطين المسترقون السمعَ وتمزيقِ تلك التدرجات الموصوفة في الحديث الصحيح. ثم إن ظاهر الآية لا يقتضي أكثر من تحكك مسترق السمع على السماوات لتحصيل انكشافات جبل المسترق على الحرص على تحصيلها. وفي آية الشعراء ما يقتضي أن هذا المسترق يلقي ما تَلقاه من الانكشافات إلى غيره لقوله: {أية : يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} تفسير : [سورة الشعراء: 223]. ومقتضى تكوين الشهب للرجم أن هذا الاستراق قد مُنع عن الشياطين. وفي سورة الجن دلالة على أنه منع بعد البعثة ونزول القرآن إحكاماً لحفظ الوحي من أن يلتبس على الناس بالكهانة، فيكون ما اقتضاه حديث عائشة وأبي هُريرة رضي الله عنهم من استراق الجن السمع وصفاً للكهانة السابقة. ويكون قوله: {ليسوا بشيء} وصفاً لآخر أمرهم. وقد ثبت بالكتاب والسنّة وجود مخلوقات تسمى بالجن وبالشياطين مع قوله: {أية : والشياطين كل بناء وغواص} تفسير : [سورة ص: 37] الآية. والأكثر أن يخص باسم الجن نوع لا يخالط خواطر البشر، ويخص باسم الشياطين نوع دأبه الوسوسة في عقول البشر بإلقاء الخواطر الفاسدة. وظواهر الأخبار الصحيحة من الكتاب والسنة تدل على أن هذه المخلوقات أصناف، وأنها سابحة في الأجواء وفي طبقات مما وراء الهواء وتتصل بالأرض، وأن منها أصنافاً لها اتصَال بالنفوس البشرية دون الأجسام وهو الوسواس ولا يخلو منه البشر. وبعضُ ظواهر الأخبار من السنة تقتضي أن صنفاً له اتصال بنفوس ذات استعداد خاص لاستفادة معرفة الواقعات قبل وقوعها أو الواقعات التي يبعد في مجاري العادات بلوغ وقوعها، فتسبق بعضُ النفوس بمعرفتها قبل بلوغها المعتاد. وهذه النفوس هي نفوس الكهان وأهل الشعوذة، وهذا الصنف من المخلوقات من الجن أوالشياطين هو المسمى بمسترق السمع وهو المستثنى بقوله تعالى: {إلا من استرق السمع}. فهذا الصنف إذا اتصل بتلك النفوس المستعدة للاختلاط به حجز بعض قواها العقلية عن بعض فأكسب البعض المحجوز عنه ازدياد تأثير في وظائفه بما يرتد عليه من جرّاء تفرغ القوة الذهنية من الاشتغال بمزاحمه إلى التوجه إليه وحده، فتكسبه قدرة على تجاوز الحد المعتاد لأمثاله، فيخترق الحدود المتعارفة لأمثاله اختراقاً ما، فربما خلصت إليه تموجات هي أوساط بين تموجات كرة الهواء وتموجات الطبقات العليا المجاورة لها، مما وراء الكرة الهوائية. ولنفرض أن هذه الطبقة هي المسماة بالسماء الدنيا وأن هذه التموجات هي تموجات الأثير فإنها تحفظ الأصوات مثلاً. ثم هذه التموجات التي تخلُص إلى عقول أهل هذه النفوس المستعدة لها تخلص إليها مقطّعة مُجملة فيستعين أصحاب تلك النّفوس على تأليفها وتأويلها بما في طباعهم من ذكاء وزكانة، ويخبرون بحاصل ما استخلصوه من بين ما تلقفوه وما ألّفوه وما أولوه. وهم في مصادفة بعض الصدق متفاوتون على مقدار تفاوتهم في حدة الذكاء وصفاء الفهم والمقارنة بين الأشياء، وعلى مقدار دُربتهم ورسوخهم في معالجة مهنتهم وتقادم عهدهم فيها. فهؤلاء هم الكهان، وكانوا كثيرين بين قبائل العرب. وتختلف سمعتهم بين أقوامهم بمقدار مصادفتهم لما في عقول أقوامهم. ولا شك أن لسذاجة عقول القوم أثراً ما، وكان أقوامهم يعُدون المعمّرين منهم أقرب إلى الإصابة فيما ينبئون به، وهم بفرط فطنتهم واستغفالهم البله من مريديهم لا يصدرون إلاّ كلاماً مجملاً موجهاً قابلاً للتأويل بعدة احتمالات، بحيث لا يؤخذون بالتكذيب الصريح، فيكلون تأويل كلماتهم إلى ما يحدث للنّاس في مثل الأغراض الصادرة فيها تلك الكلماتُ، وكلامهم خلو من الإرشاد والحقائق الصالحة. وهم بحيلتهم واطلاعهم على ميادين النفوس ومؤثراتها التزموا أن يصوغوا كلامهم الذي يخبرون به في صيغة خاصة ملتزماً فيها فقرات قصيرة مختتمة بأسجاع، لأن الناس يحسبون مزاوجة الفقرة لأختها دليلاً على مصادفتها الحق والواقع، وأنها أمارة صدق. وكانوا في الغالب يلوذون بالعزلة، ويكثرون النظر في النجوم ليلاً لتتفرغ أذهانهم. فهذا حال الكهان وهو قائم على أسس الدجل والحيلة والشعوذة مع الاستعانة باستعداد خاص في النفس وقوة تخترق الحواجز المألوفة. وهذا يفسره ما في كتاب الأدب من «صحيح البخاري» عن عائشة: حديث : أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء (أي لا وجود لما يزعمونه). فقيل: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حَقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنيّ فَيقرُّها في أذن وليّه قَرّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة»تفسير : . وما في تفسير سورة الحجر من «صحيح البخاري» من حديث سفيان عن أبي هُريرة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء (أي أمر أو أوحى) وضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله «فإنهم المأمورون كل في وظيفته» كالسلسلة على صَفوانٍ ينفُذُهم ذلك (أي يحصل العلم لهم. وتقريبها حركات آلة تلقي الرسائل البرقية ــــ تلغراف)... فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر (أي هي طبقات مفاوتة في العلو). ووصف سفيان بيده فحرّفها وفَرّج بين أصابع يده اليمنى نَصَبها بعضَها فوق بعض (فيسمع المسترق الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخَر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان الكاهن أو الساحر)، فربّما أدرك الشّهاب المستمع قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركها فيكذب معها مائة كَذبة. فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سُمعت من السماء»تفسير : . أما أخبار الكهان وقصصهم فأكثرها موضوعات وتكاذيب. وأصحها حديث سواد بن قارب في قصة إسلام عُمر ــــ رضي الله عنه ــــ من «صحيح البخاري». وهذه الظواهر كلها لا تقتضي إلا إدراك المسموعات من كلام الملائكة. ولا محالة أنها مقرّبة بالمسموعات، لأنها دلالة على عزائم النّفوس الملكية وتوجهاتها نحو مسخراتها. وعبر عنه بالسمع لأنه يؤول إلى الخبر، فالذي يحصل لمسترق السمع شعور ما تتوجه الملائكة لتسخيره، والذي يحصل للكاهن كذلك. والمآل أن الكاهن يخبر به فيؤول إلى مسموع.

الشنقيطي

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل في السماء بروجاً ذكر هذا أيضاً في مواضع أخر كقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} تفسير : [الفرقان: 61] الآية وقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج: 1] الآية، والبروج جمع برج. واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآيات المذكورة وقال بعضهم: البروج الكواكب، وممن روي عنه هذا القول مجاهد وقتادة. وعن أبي صالح: أنها الكواكب العظام، وقيل: هي قصور في السماء عليها الحرس. وممن قال به: عطية، وقيل: هي منازل الشمس والقمر قاله ابن عباس. وأسماء هذه البروج الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. قال مقيده عفا الله عنه: أطلق تعالى في سورة النساء البروج على القصور الحصينة في قوله: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78] ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد. لأن أصل البروج في اللغة الظهور ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها فالكواكب ظاهرة والقصور ظاهرة ومنازل القمر والشمس كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه زين السماء للناظرين وبين في مواضع أخر أنه زينها بالنجوم، وأنها السماء الدنيا كقوله: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} تفسير : [الملك: 5] الآية، وقوله: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ}تفسير : [الصافات: 6].

د. أسعد حومد

تفسير : {وَزَيَّنَّاهَا} {لِلنَّاظِرِينَ} (16) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ زَيَّنَ السَّمَاءَ بِالكَوَاكِبِ، وَجَعَلَ فِيهَا بُرُوجاً - وَهِيَ مَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ - وَجَعَلَ السَّمَاءَ وَكَوَاكِبَهَا وَبُرُوجَهَا بَهْجَةً لِمَنْ تَأَمَّلَ، وَكَرَّرَ النَّظَرَ فِيمَا يَرَى مِنْ آيَاتِهَا البَاهِرَاتِ. بُرُوجاً - مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ، أَوْ مَنَازِلَ الكَوَاكِبِ السَّيَّارَاتِ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} أي قصوراً ومنازل وهي كواكب وبروج الشمس والقمر والكواكب السيارة وأسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. {وَزَيَّنَّاهَا} يعني السماء {لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ} لكن من استرق السمع، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} نار {مُّبِينٌ} بيّن. قال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجاً يسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو فيرمي بالشهاب فيصيب جبهته أو جبينه أو حيث شاء الله منه فيلتهب فيأتي أصحابه وهو ملتهب فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا فيذهب أُولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه تسعاًفيحدثون بها أهل الأرض الكلمة حق والتسع باطل فإذا رأوا شيئاً مما قالوا قد كان صدقوهم بما جاؤوا به من كذبهم. وقال ابن عباس أيضاً: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات فكانوا يدخلونها فيأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة بأن ولد عيسى، ومنعوا عن ثلاث سماوات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم نعوا من السماوات أجمع فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلاّ رمي بشهاب، فلما منعوا بتلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس فقال لقد حدث في الأرض حدث. قال: فبعثهم فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن فقالوا: هذا والله حديث وإنهم ليرمون فإذا نوّر النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبداً ولكن لا يقتله بحرق وجهة جنبه ويده،وبعضهم من يخبلّه فيصبر حولاً، يضل الناس في البوادي. قال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من فزع للرمي بالنجوم حين رما بها هذا الحي من ثقيف، وإنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أُمية أحد بني علاج وكان أدهى العرب وأمكرها رأياً فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء في القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء؟ لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طيّ الدنيا وهلاك الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوم غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا الأمر أراد الله به هذا في الخلق. وروى عمارة بن زيد عن عبد الله بن العلا عن أبي الشعشاع عن أبيه عن أبي لهب بن مالك قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت عنده الكهانة فقلت: بأبي أنت وأمي نحن أول من تطوع لحراسة السماء وزجر الشياطين ومنع الجن من استراق السمع عند قذفها بالنجوم، وإنا لما رأينا ذلك اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خطر بن مالك وكان شيخاً كبيراً قد أتت عليه ثلاثمائة وستون سنة هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها فأنا قد فزعنا وخفنا سوء عاقبتها، فقال لنا: اعدوا عليّ في السحر، ائتوني بسحر أُخبركم الخبر إما بخير أو ضرر، قال: فانصرفوا عنه يومنا فلما كان في وقت السحر أتينا فإذا هو قائم على قدميه شاخص بعينيه إلى السماء فناديناه يا خطر فأومأ إلينا أن امسكوا فأمسكنا فانقض من السماء نجم عظيم وصرخ الكاهن بأعلى صوته: أصابه أصابه خامره عاقبه عاجله عذابه أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويله ما حاله، تغيرت أحواله. ثم أمسك وطفق يقول يا معشر بني قحطان: شعر : أُخبركم بالحق والبيان أقمت بالكعبة والأركان والبلد المؤتمن السدان قد منع السمع عتاة الجان بثاقب بكف ذى سلطان من اجل مبعوث عظيم الشان يبعث بالتنزيل والفرقان وبالهدى وفاضل القرآن تفسير : تبطل به عبادة الأوثان قال: فقلت: ويحلك يا خطر إنك لتذكر أمراً عظيماً فماذا ترى لقومك؟ فقال: شعر : أرى لقومي ما أرى لنفسي أن يتبعوا خير بني الإنس برهانه مثل شعاع الشمس يبعث في مكة دار الحمس تفسير : بمحكم التنزيل غير اللبس قال: فقلنا له: من هو وما اسمه وما مدته؟ قال: الحياة والعيش إنه لمن قريش ما في حكمه من طيش ولا في خلقه هيش، تكون في جيش وأي جيش من آل قحطان وآل أيش، والأيش الأخلاط من كل قوم، فقلنا له من أي البطون هو فقال: بطن إسماعيل ولد إبراهيم، فقلنا له بيّن لنا من أي قريش هو؟ قال: شعر : والبيت ذي الدعائم والسدير والحمائم إنه لمن نسل هاشم من معشر أكارم يبعث بالملاحم وقتل كل ظالم تفسير : ثم قال: الله أكبر الله أكبر جاء الحق وأظهره وانقطع عن الإنس الخبر هذا هو البيان أخبرني به رأس الجان، ثم قال هذا وسكت وأُغمي عليه فما أفاق إلاّ بعد ثلاثة أيام فلما أفاق قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ثم مات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحان الله سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة وإنه ليحشر يوم القيامة أُمة وحده ". تفسير : {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} بسطناها على رحبة الماء {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالا ثوابت {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا} أي في الأرض {مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} مقدر معلوم وقيل: بغى به في الجبال وهو جواهر من الفضة والذهب والحديد والنحاس وغيرها حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزناً. قال ابن زيد هي الأشياء: التي توزن. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} جمع معيشة {وَمَن لَّسْتُمْ} يعني ولمن لستم {لَهُ بِرَازِقِينَ} هي الدواب والأنعام. عن شعبة قال: قرأ علينا منصور: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} قال الوحش. قال أبو حسن: «من» في محل الخفض عطفاً على الكاف والميم في قوله {لَكُمْ}. وقد يفعل العرب هذا كقول الشاعر: شعر : هلا سألت بذي الجماجم عنهم وأبي نعيم ذي اللوا المخرق تفسير : فعطف بالظاهر على المكنى و(من) في هذه الآية بمعنى: ما، كقوله {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ}تفسير : [النور: 45] {وَإِن مِّن شَيْءٍ} وما من شيء من أرزاق الخلق {إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ} من السماء {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} لكل أرض حد مقدر. قال ابن مسعود: وما من أرض أمطر من أرض، وما عام أمطر من عام ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء عاماً هاهنا وعاماً هاهنا ثم قرأ هذه الآية. وروى إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عيينة في هذه الآية: ما من عام بأكثر مطراً من عام ولكن يُمطر قوم ويُحرم آخرون وربما كان في البحار والقفار قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يحصون كل قطرة حيث يقع وما ينبت. جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: «في العرش مثال كل شيء خلقه الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله تعالى: وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه».

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والبروج تعني المباني العالية، والحق سبحانه هو القائل: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78]. وهو سبحانه القائل: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج: 1]. والمعنى الجامع لكل هذا هو الزينة المُلْفتة بجِرْمها العالي؛ وقد تكون مُلْفِتة بجمالها الأخَّاذ. والبروج هي جمع بُرْج؛ وهي منازل الشمس والقمر؛ فكلما تحركت الشمس في السماء تنتقل من برج إلى آخر؛ وكذلك القمر، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33]. وهو سبحانه القائل: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} تفسير : [يونس: 5]. أي: لنضبط كل التوقيتات على ضَوْء تلك الحركة لكل من الشمس والقمر، ونحن حين نفتح أيَّ جريدة نقرأ ما يُسمَّى بأبواب الطالع، وفيه أسماء الأبراج: برج الحَمَل، وبرج الجدي، وبرج العذراء؛ وغيرها، وهي أسماء سريانية للمنازل التي تنزلها أبراج النجوم. ويقول الشاعر: شعر : حَملَ الثورُ جَوْزَة السرطَانِ ورعَى الليْثُ سُنبل المِيزَانِ عقربَ القوس جَدي دَلْو وحُوت ما عرفنَا من أُمة السّريَانِ تفسير : وهم اثنا عشر برجاً، ولكل برج مقاييس في الجو والطقس. وحين نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه: {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16]. والبعض يحاول أن يجد تأثيراً لكل برج على المواليد الذين يُولدون أثناء ظهور هذا البرج، ولعل مَنْ يقول ذلك يصل إلى فَهْم لبعض من أسرار الله في كونه؛ ذلك أنه سبحانه قد أقسم بمواقع النجوم، وقال: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76]. وهناك مَنْ يقول: إن لكل إنسان نجماً يُولَد معه ويموت معه؛ لذلك يُقَال "هوى نجم فلان"، ونحن لا نجزم بصِحة أو عدم صِحّة مثل هذه الأمور؛ لأنه لم تثبُت علمياً، والحق سبحانه أعلم بأسراره، وقد يُعلمها لبعضٍ من خَلْقه. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ...} [الحجر: 16]. أي: أن هناك تأكيداً لوجود تلك البروج في السماء، وليس هذا الجَعْل لتأثيرها في الجو، أو لأنها علامات نهتدي بها، فضلاً عن تأثيرها على الحرارة والرطوبة والنباتات، ولكنها فوق كل ذلك تؤدي مُهمة جمالية كبيرة، وهي أن تكون زينة لكل مَنْ ينظر إليها. لذلك قال الحق سبحانه: {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]. ذلك أن الشيء قد يكون نافعاً؛ لكن ليس له قيمة جمالية؛ وشاء الحق سبحانه أن يجعل للنجوم قيمة جمالية، ذلك أنه قد خلق الإنسان، ويعلم أن لنفسه مَلكاتٍ مُتعددة، وكُلّ مَلَكةٍ لها غذاء. فغذاءُ العين المنظر الجميل؛ والأذن غذاؤها الصوت الجميل، والأنف غذاؤه الرائحة الطيبة؛ واللسان يعجبه المذاق الطيب، واليد يعجبها المَلْمَس الناعم؛ وهذا ما نعرفه من غذاء المَلَكات للحواس الخمس التي نعرفها. وهناك مَلَكات أخرى في النفس الإنسانية؛ تحتاج كل منها إلى غذاء معين، وقد يُسبّب أخذ مَلَكة من مَلَكات النفس لأكثر المطلوب لها من غذاء أن تَفْسد تلك المَلَكة؛ وكذلك قد يُسبِّب الحرمان لِملَكة ما فساداً تكوينياً في النفس البشرية. والإنسان المتوازن هو مَنْ يُغذّي مَلَكاته بشكل مُتوازن، ويظهر المرض النفسي في بعض الأحيان نتيجةً لنقص غذاء مَلَكة ما من المَلَكات النفسية، ويتطلب علاجُ هذا المرض رحلةً من البحث عن المَلَكة الجائعة في النفس البشرية. وهكذا نجد في النفس الإنسانية مَلَكة لرؤية الزينة، وكيف تستميل الزينة النفس البشرية؟ ونجد المثَل الواضح على ذلك هو وجود مهندسي ديكور يقومون بتوزيع الإضاءة في البيوت بأشكال فنية مختلفة. ولذلك يقول الحق سبحانه عن أبراج النجوم: {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]. ونجده سبحانه يقول عن بعض نِعَمه التي أنعم بها علينا: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ..} تفسير : [النحل: 8]. وهكذا يمتنُّ علينا الحق سبحانه بجمال ما خلق وسخَّره لنا، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل هي في خدمة الإنسان في أمور أخرى: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 7]. وهو سبحانه وتعالى الذي جعل تلك الدواب لها منظر جميل؛ فهو سبحانه القائل: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} تفسير : [النحل: 6]. وهو سبحانه لم يخلق النعم لنستخدمها فقط في أغراضها المُتَاحة؛ ولكن بعضاً منها يروي أحاسيس الجمال التي خلقها فينا سبحانه. وكلما تأثرنا بالجمال وجدنا الجميل، وفي توحيده تفريد لجلاله. ويقول سبحانه عن السماء والبروج: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} معناهُ مَنَازِلُ القَمرِ والشَّمسِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى -مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه-: { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا } أي: نجوما كالأبراج والأعلام العظام يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، { وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } فإنه لولا النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها. { وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } إذا استرق السمع أتبعته الشهب الثواقب فبقيت السماء ظاهرها مجملا بالنجوم النيرات وباطنها محروسا ممنوعا من الآفات. { إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ } أي: في بعض الأوقات قد يسترق بعض الشياطين السمع بخفية واختلاس، { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } أي: بين منير يقتله أو يخبله. فربما أدركه الشهاب قبل أن يوصلها الشيطان إلى وليه فينقطع خبر السماء عن الأرض، وربما ألقاها إلى وليه قبل أن يدركه الشهاب فيضمُّها ويكذب معها مائة كذبة، ويستدل بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. { وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا } أي: وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على الامتداد بأرجائها والتناول من أرزاقها والسكون في نواحيها. { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } أي: جبالا عظاما تحفظ الأرض بإذن الله أن تميد وتثبتها أن تزول { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } أي: نافع متقوم يضطر إليه العباد والبلاد ما بين نخيل وأعناب وأصناف الأشجار وأنواع النبات. { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } من الحرث ومن الماشية ومن أنواع المكاسب والحرف. { وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } أي: أنعمنا عليكم بعبيد وإماء وأنعام لنفعكم ومصالحكم وليس عليكم رزقها، بل خولكم الله إياها وتكفل بأرزاقها.

همام الصنعاني

تفسير : 1434- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً}: [الآية: 16]، قال: الكواكب.