Verse. 1820 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

اِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَاَتْبَعَہٗ شِہَابٌ مُّبِيْنٌ۝۱۸
Illa mani istaraqa alssamAAa faatbaAAahu shihabun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا» لكن «من استرق السمع» خطفه «فأتبعه شهاب مبين» كوكب يضيء ويحرقه أو يثقبه أو يخبله.

18

Tafseer

القرطبي

تفسير : أي لكن من استرق السمع، أي الخطفة اليسيرة، فهو استثناء منقطع. وقيل، هو متصل، أي إلا ممن استرق السمع. أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحي وغيره؛ إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئاً؛ لقوله: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} تفسير : [الشعراء: 212]. وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبِلهم؛ ذكره الحسن وابن عباس. قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} أتبعه: أدركه ولحقه. وشِهاب: كوكب مضيء. وكذلك شِهاب ثاقب. وقوله: {أية : بِشِهَابٍ قَبَسٍ} تفسير : [النمل: 7] بشعلة نار في رأس عود؛ قاله ابن عُزَير. وقال ذو الرمة:شعر : كأنه كوكب في إِثْر عِفْرية مسوَّمٌ في سواد الليل مُنْقَضِب تفسير : وسمي الكوكب شهاباً لبريقه، بشبه النار. وقيل: شهاب لشعلة من نار، قبس لأهل الأرض، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقت كما إذا أحرقت النار لم تعد، بخلاف الكوكب فإنه إذا أحرق عاد إلى مكانه. قال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجاً تسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو، فَيُرْمى بالشهاب فيصيب جبهته أو أنفه أو ما شاء الله فيلتهب، فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا، فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليها تسعاً، فيحدّثون بها أهل الأرض؛ الكلمة حق والتسع باطل. فإذا رأوا شيئاً مما قالوا قد كان صدّقوهم بكل ما جاءوا به من كذبهم. وسيأتي هذا المعنى مرفوعاً في سورة «سبأ» إن شاء الله تعالى. واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا. فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويُحرق ويخبِل ولا يقتل. وقال الحسن وطائفة: يَقتل؛ فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما: أنهم يُقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم؛ فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكَهانة. والثاني: أنهم يُقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن؛ ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الإستراق وانقطع الإحراق؛ ذكره الماورديّ. قلت: والقول الأوّل أصحّ على ما يأتي بيانه في «الصافات». واختلف هل كان رميٌ بالشهب قبل المبعث؛ فقال الأكثرون نعم. وقيل إلا، وإنما ذلك بعد المبعث. وسيأتي بيان هذه المسألة في سورة «الجن» إن شاء الله تعالى. وفي «الصافات» أيضاً. قال الزجاج: والرمي بالشهب من آيات النبيّ صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده؛ لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم، ولم يشبهوا الشيء السريع به كما شبهوا بالبرق وبالسّيل. ولا يبعد أن يقال: انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان ولكنه لم يكن رجوماً للشياطين، ثم صار رجوماً حين ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال العلماء: نحن نرى انقضاض الكواكب، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير ناراً إذ أدرك الشيطان. ويجوز أن يقال: يُرمَوْن بشعلة من نار من الهوى فيخيل إلينا أنه نجم سرى. والشِّهاب في اللغة النار الساطعة. وذكر أبو داود عن عامر الشعبي قال: لما بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم رجمت الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل، فأتوا عبد يالِيل بن عمرو الثقفي فقالوا: إن الناس قد فزِعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيّبوا أنعامهم لما رأوا في النجوم. فقال لهم ـ وكان رجلاً أعمى ـ: لا تعجلوا، وانظروا فإن كانت النجوم التي تُعرف فهي عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهي من حَدَث. فنظروا فإذا هي نجوم لا تُعرف، فقالوا: هذا من حدث. فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } بدل من كل شيطان واستراق السمع اختلاسه سراً، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السموات لما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من كلها بالشهب. ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن يكون لها أسباب أخر. وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن من استرق السمع. {فَأَتْبَعَهُ } فتبعه ولحقه. {شِهَابٌ مُّبِينٌ } ظاهر للمبصرين، والشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ } لكن {مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ } خطفه {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } كوكب يضيء يحرقه أو يثقبه أو يخبله.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَرَقَ السَّمْعَ} بأخبار الأرض دون الوحي فإنه محفوظ منهم. ويسترقون السمع من الملائكة في السماء، أو في الهواء عند نزولهم من السماء {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} قبل سماعه، أو بعد سماعه فيجرحهم ويحرقهم ويخبلهم ولا يقتل "ع"، أو يقتلهم قبل إلقائه إلى الجن فلا يصل إلى أخبار السماء إلا الأنبياء "ع"، ولذلك انقطعت الكهانة، أو يقتلهم بعد إلقائه إلى الجن ولذلك [ما] يعودون لاستراقه، ولو لم يصل لقطعوا الاستراق. والشهب نجوم يُرجمون بها ثم تعود إلى أماكنها، أو نور يمتد بشدة ضيائه فيحرقهم ولا يعود كما إذا أحرقت النار لم تعد.

الخازن

تفسير : {إلا من استرق السمع} هذا استثناء منقطع، معناه لكن من استرق السمع {فأتبعه} أي لحقه {شهاب مبين} والشهاب شعلة من نار ساطع سمي الكوكب شهاباً لأجل ما فيه من البريق شبه بشهاب النار، قال ابن عباس في قوله إلا من استرق السمع: يريد الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء يسترقون السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب، فلا تخطىء أبداً فمنهم من تقتله، ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده، أو حيث يشاء الله ومنهم من تخبله فيصير غولاً يضل الناس في البوادي (خ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض، ووصف سفيان بكفه فحذفها، وبدد أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب، قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال له: أليس قال لنا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " تفسير : اختلف العلماء هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا على قولين: أحدهما أنها لم تكن ترمى بالنجوم، قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر ذلك في بدء أمره فكان ذلك أساساً لنبوته صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب. أخرجاه في الصحيحين. فظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم فلما بعث حدث هذا الرمي. ويعضده ما روي أن يعقوب بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أول من فزع للرمي بالنجوم هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج وكان أهدى العرب فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء من القذف بالنجوم؟ فقال: بلى. ولكن انظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء, لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك الخلق الذين فيها وإن كانت نجوماً غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله من الخلق قال الزجاج: ويدل على أنها كانت بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أن شعراء العرب الذين ذكروا البرق، والأشياء المسرعة لم يوجد في شعرهم ذكر الكواكب المنقضة فما حدثت بعد مولده صلى الله عليه وسلم، استعملت الشعراء ذكرها قال ذو الرمة: شعر : كأنه كوكب في أثر عفرية مسوم في سواد الليل منقضب تفسير : والقول الثاني: إن ذلك كان موجوداً قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لما بعث شدد وغلظ عليهم. قال معمر: قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فقال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا القول ما روي حديث : عن ابن عباس قال أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رمى بنجم واستنار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا، قالوا كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم أو مات رجل عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنها لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمراً سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى أهل هذه السماء، ثم قال: الذين يلون حملة العرش لحملة العرش، ماذا قال ربكم فيخبرونهم بما قال، فيستخبر بعض أهل السماء بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفونه إلى أوليائهم، ويرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون""تفسير : أخرجه مسلم وقال ابن قتيبة: أن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة مثل بعد مبعثه، قال وعلى هذا وجدنا الشعر القديم قال بشر بن أبي حازم وهو جاهلي: شعر : فالعير يرهقها الغبار وجحشها ينقض خلفهما انقضاض الكوكب تفسير : وقال أوس بن حجر وهو جاهلي: شعر : فانقض كالدر يتبعه نقع يثور تخاله طنبا تفسير : والجمع بين هذين القولين: أن الرمي بالنجوم كان موجوداً قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث شدد ذلك وزيد في حفظ السماء وحراستها صوناً لأخبار الغيوب والله أعلم. قوله سبحانه وتعالى: {والأرض مددناها} يعني بسطناها على وجه الماء كما يقال: إنها دحيت من تحت الكعبة ثم بسطت هذا قول أهل التفسير، وزعم أرباب الهيئة أنها كرة عظيمة بعضها في الماء، وبعضها خارج عن الماء، وهو الجزء المغمور منها واعتذروا عن قوله تعالى: والأرض مددناها بأن الكرة إذا كانت عظيمة كان كل جزء منها، كالسطح العظيم فثبت بهذا الأمر أن الأرض ممدودة مبسوطة وأنها كرة، ورد هذا أصحاب التفسير بأن الله أخبر في كتابه بأنها ممدودة، وأنها مبسوطة ولو كانت كرة لأخبر بذلك والله أعلم بمراده، وكيف مد الأرض {وألقينا فيها رواسي} يعني جبالاً ثوابت وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الأرض على الماء مادت ورجفت فأثبتها بالجبال {وأنبتنا فيها} أي في الأرض، لأن أنواع النبات المنتفع به تكون في الأرض، وقيل: الضمير يرجع إلى الجبال لأنها أقرب مذكور لقوله تعالى {من كل شيء موزون} وإنما يوزن ما تولد في الجبال من المعادن، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: موزون أي معلوم، وقال مجاهد وعكرمة أي مقدور فعلى هذا يكون المعنى معلوم القدر عند الله تعالى لأن الله سبحانه وتعالى يعلم القدر الذي يحتاج إليه الناس في معايشهم وأرزاقهم فيكون إطلاق الوزن عليه مجازاً، لأن الناس لا يعرفون مقادير الأشياء إلا بالوزن، وقال الحسن وعكرمة وابن زيد: أنه عنى به الشيء الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد والكحل ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن، لأن هذه الأشياء كلها توزن وقيل: معنى موزون متناسب في الحسن والهيئة والشكل، تقول العرب فلان موزون الحركات إذا كانت حركاته متناسبة حسنة، وكلام موزون إذا كانت متناسباً حسناً بعيداً من الخطأ والسخف وقيل إن جميع ما ينبت في الأرض والجبال نوعان: أحدهما ما يستخرج من المعادن وجميع ذلك موزون. والثاني النبات وبعضه موزون أيضاً: وبعضه مكيل وهو يرجع إلى الوزن لأن الصاع والمدّ مقدران بالوزن {وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة. وهو ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من المطاعم والمشارب والملابس ونحو ذلك {ومن لستم له برازقين} يعني الدواب والوحش والطير أنتم منتفعون بها، ولستم لها برازقين لأن رزق جميع الخلق على الله ومنه قوله تعالى: {أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}تفسير : [هود: 6] وتكون في قوله تعالى: ومن لستم بمعنى ما لأن من لمن يعقل وما لمن لا يعقل، وقيل: يجوز إطلاق لفظة من على من لا يعقل كقوله تعالى: {أية : فمنهم من يمشي على بطنه}تفسير : [النور: 45] وقيل أراد بهم العبيد والخدم فتكون من على أصلها، ويدخل معهم ما لا يعقل من الدواب والوحش {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} الخزائن جمع خزانة هي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء للحفظ يقال: خزن الشيء إذا أحرزه. فقيل أراد مفاتيح الخزائن وقيل: أراد بالخزائن المطر لأنه سبب الأرزاق والمعايش لبني آدم والدواب والوحش والطير ومعنى عندنا أنه في حكمه وتصرفه وأمره وتدبيره قوله تعالى: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} يعني بقدر الكفاية. وقيل: إن لكل أرض حداً ومقدار من المطر. يقال: لا تنزل من السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث يشاء الله تعالى. وقيل: إن المطر ينزل من السماء كل عام بقدر واحد لا يزيد ولا ينقص ولكن الله يمطر قوماً، ويحرم آخرين وقيل: إذا أراد الله بقوم خيراً أنزل عليهم المطر والرحمة وإذا أراد بقوم شراً صرف المطر عنهم إلى حيث لا ينتفع به، كالبراري والقفار والرمال والبحار ونحو ذلك. وحكى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده أنه قال في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه {وأرسلنا الرياح لواقح} قال ابن عباس يعني للشجر، وهو قول الحسن وقتادة وأصل هذا من قولهم: لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى إليها الماء، فحملته فكذلك الرياح كالفحل للسحاب وقال ابن مسعود في تفسير هذه الآية يرسل الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء فتمجه في السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة، وقال عبيد بن عمير: يرسل الله الريح المبشرة فتقم الأرض قماً، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاماً، ثم يرسل اللواقح فتلقح الشجر والأظهر في هذه الآية إلقاحها السحاب لقوله بعده فأنزلنا من السماء ماء قال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيج السحاب، والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه. وقال أبو عبيد: لواقح هنا بمعنى ملاقح جمع ملقحة حذفت الميم وردت إلى الأصل. وقال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح وإن ألقحت غيرها، لأن معناها النسبة كما يقال: درهم وازن أي ذو وزن واعترض الواحدي على هذا. فقال هذا ليس بمغن لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات لقح حتى يوافق قول المفسرين، وأجاب الرازي عنه بأن قال: هذا ليس بشيء. لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة، ومن أفاد غير اللقحة فله نسبة إلى اللقحة وقال صاحب المفردات لواقح أي ذات لقاح وقيل إن الريح في نفسها لاقح لأنها حاملة للسحاب والدليل عليه قوله تعالى {أية : حتى إذا أقلت سحاباً}تفسير : [الأَعراف: 57] ثقالاً، أي حملت فعلى هذا تكون الريح لاقحة بمعنى حاملة تحمل السحاب. وقال الزجاج: ويجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير, وورد في بعض الأخبار أن الملقح الرياح الجنوب، وفي بعض الآثار ما هبت رياح الجنوب إلا واتبعت عيناً غدقة (ق) عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها ما أرسلت به""تفسير : وروى البغوي بسنده إلى الشافعي إلى ابن عباس قال: "حديث : ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً""تفسير : قال ابن عباس في كتاب الله عز وجل {أية : إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً}تفسير : [القمر: 19] {أية : إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم}تفسير : [الذاريات: 41] وقال: {وأرسلنا الرياح لواقح} وقال {أية : يرسل الرياح مبشرات}تفسير : [الروم: 46] وقوله سبحانه وتعالى {فأنزلنا من السماء ماء} يعني المطر {فأسقيناكموه} يعني جعلنا لكم المطر سقياً يقال أسقى فلان فلاناً إذا جعل له سقياً، وسقاه إذا أعطاه ما يشرب، وتقول العرب: سقيت الرجل ماء، ولبناً إذا كان لسقيه فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته يقال: أسقيناه {وما أنتم له} يعني للمطر {بخازنين} يعني: إن المطر في خزائننا لا في خزائنكم. وقيل: وما أنتم له بمانعين.

ابو السعود

تفسير : {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ} محلُّه النصبُ على الاستثناء المتصل إنْ فسّر الحِفظُ بمنع الشياطين عن التعرّضِ لها على الإطلاق والوقوفِ على ما فيها في الجملة، أو المنقطعِ إن فُسر ذلك بالمنع عن دخولها والتصرف فيها. عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما وُلد عيسى عليه السلام مُنعوا من ثلاث سموات، ولما ولد النبـي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من السموات كلِّها»، واستراقُ السمعِ اختلاسُه سرًّا، شُبّه به خَطفتُهم اليسيرةُ من قُطّان السمواتِ بما بـينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من الأوضاع {فَأَتْبَعَهُ} أي تبعه ولحِقه {شِهَابٌ} لهبٌ محروقٌ وهو شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وقد يطلق على الكواكب والسِّنان لما فيهما من البريق {مُّبِينٌ} ظاهرٌ أمرُه للمبصرين. قال معمر: قلت لابن شهاب الزهري: أكان يرمىٰ بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، وإن النجم ينقضّ ويُرمىٰ به الشيطانُ فيقتلُه أو يخبِلُه لئلا يعود إلى استراق السمع، ثم يعود إلى مكانه، قال: أفرأيت قوله تعالى: { أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ} تفسير : [الجن، الآية 9]، قال: غُلّظت وشُدّد أمرُها حين بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: إن الرجمَ كان قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام، ولكن لم يكن في شدة الحِراسة كما بعدَ مبعثِه عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الشياطينَ يركَبُ بعضُهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمعَ من الملائكة، فيُرمَون بالكواكب فلا يخطِىء أبداً، فمنهم من يُحرق وجهُه وجنبُه ويدُه حيث يشاء الله تعالى، ومنهم من يخبِلُه فيصير غُولاً فيُضل الناس في البوادي. قال القرطبـي: اختلفوا في أن الشهاب هل يقتُل أم لا؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يجرَح ويحرِق ويخبِلُ ولا يقتُل، وقال الحسن وطائفةٌ: يقتل، قال: والأول أصح. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا} بسطناها، وهو بالنصب على الحذف على شريطة التفسير، ولم يُقرأ بالرفع لرجحان النصب للعطف على الجملة الفعلية، أعني قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا} الخ، وليوافِقَ ما بعده، أعني قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِيَ} أي جبالاً ثوابتَ، وقد مر بـيانه في أول الرعد {وَأَنبَتْنَا فِيهَا} أي في الأرض أو فيها وفي رواسيها {مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ} بميزان الحِكمة ذاتاً وصفةً ومقداراً، وقيل: ما يوزن من الذهب والفضة وغيرِهما أو من كل شيءٍ مستحسَنٍ مناسب، أو ما يوزن ويُقدَّر من أبواب النعمة. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ} ما تعيشون به من المطاعم والملابسِ وغيرِهما مما يتعلق به البقاءُ، وهي بـياء صريحة، وقرىء بالهمزة تشبـيهاً له بالشمائل {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ} عطف على معايش أو على محل لكم، كأنه قيل: جعلنا لكم معايشَ وجعلنا لكم مَنْ لستم برازقيه من العِيال والمماليك والخدَم والدوابِّ وما أشبهها على طريقة التغليب، وذِكرُهم بهذا العنوان لرد حسبانُهم أنهم يَكْفون مؤناتِهم، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياهم، أو وجعلنا لكم فيها معايشَ ولمن لستم له برازقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا من استرق السمع} محله النصب على انه استثناء متصل لان المسترق من جنس الشيطان الرجيم اى ان فسر الحفظ بمنع الشياطين عن التعرض لها على الاطلاق والوقوف على ما فيها فى الجملة او منقطع اى ولكن من استرق السمع ان فسر ذلك بالمنع عن دخولها او التصرف فيها والاستراق افتعال وبالفارسية [بدزديدن] والمسترق المستمع مختفيا كما فى القاموس والسمع بمعنى المسموع كما قال الكاشفى [بدزدد سخنى مسموع] واستراق السمع اختلاسه سرا شبه به خطفتهم اليسيرة من قطاع السموات لما بينهم من المناسبة فى الجوهر {فاتبعه} اى تبعه ولحقه وبالفارسية [بس از بى در آيدش وبدو رسد وبسوزدش] قال ابن الكمال الفرق قائم بين تبعه واتبعه يقال اتبعه اتباعا اذا طلب الثانى اللحوق بالاول وتبعه تبعا اذا مر به ومضى معه {شهاب} لهب محترق وهى شعلة نار ساطعة {مبين} ظاهر امره للمبصرين ومما يجب التنبه له ان هذا حكاية فعل قبل النبى صلى الله عليه وسلم وان الشياطين كانت تسترق فى بعض الاحوال قبل ان يبعثه الله فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الانس والجن ومنع الاستراق رأسا وبالكلية شعر : مهى برآمد وبازار تيركى بشكست كلى شكفت وهياهوى خار آخر شد تفسير : ويعضده ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات ولما ولد محمد عليه السلام منعوا من السموات كلها بالشهب وما يوجد اليوم من اخبار الجن على ألسنة المخلوقين انما هو خبر منهم عما يرونه فى الارض مما لا نراه نحن كسرقة سارق او خبية فى مكان خفى ونحو ذلك وان اخبروا بما سيكون مكان كذبا كما فى آكام المرجان. وفى الحديث "حديث : ان الملائكة تنزل الى العنان فتذكر الامر الذى قضى فى السماء فيسترق الشيطان السمع فيوحيه الى الكهان فيكذبون مائة كذبة من عند انفسهم" تفسير : . وفى بعض التفاسير ان الشياطين كانوا يركب بعضهم بعضا الى السماء الدنيا او كان الشيطان المارد يصعد ويكون الآخر اسفل منه فاذا سمع قال للذى هو اسفل منه قد كان من الامر كذا وكذا فيهرب الاسفل لاخبار الكهنة ويرمى المستمع بالشهاب فهم لا يرمون بالكواكب نفسها لانها قارة بالفلك على حالها وما ذاك الا كقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة كاملة لا تنقص فمنهم من يحرق وجهه وجبينه ويده وحيث يشاء الله ومنهم من يبخل اى يفسد عقله حتى لا يعود الى الاستماع من السماء فيصير غولا فيضل الناس فى البوادى ويغتالهم اى يهلكهم ويأخذهم من حيث لم يدروا. قال ابن الاثير فى النهاية الغول احد الغيلان وهى جنس من الجن والشيطان وكانت العرب تزعم ان الغول فى الفلاة تترا اى الناس فتتلون تلونا فى صور شتى تضلهم عن الطريق وتهلكهم انتهى. وفيه اشارة الى ان وجود الغول لا ينكر بل المنكر تشكلهم باشكال مختلفة واهلاكهم بنى آدم وهو مخالف لما سبق آنفا من التفاسير اللهم الا ان يراد ان ذلك قبل بعثة للنبى عليه السلام وقد ابطله عليه السلام بقوله "حديث : لاغول ولكن السعالى" تفسير : اى لا يستطيع الغول ان يضل احدا فلا معنىى للزعم المذكور. والسعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن جمع سعلاة بالكسر ولكن فى الجن سحرة تتلبس وتتخيل لهم. قال فى انوار المشارق والذى ذهب اليه المحققون ان الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر شعر : الجود والغول والعنقاء ثالثة اسماء اشياء لم توجد ولم تكن تفسير : وتزعم العرب انه اذا انفرد فى الصحراء ظهرت له فى خلقة انسان ورجلاها رجلا حمار انتهى. واما قول صاحب المثنوى قدس سره شعر : ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز تفسير : فيشير الى الشياطين الخبيثة المفسدة بل الى كل مضل للطالب عن طريق الحق على سبيل التشبيه وفائدة الذكر كونه دافعا لوساوسه لانه اذا ذكر الله خنس الشيطان اى تأخر ولعل المراد والله اعلم ان الجن ليس بهم دماغ كادمغة بنى آدم فلا تحمل لهم على استماع الصوت الجهورى الشديد فالذاكر اذا رفع صوته بالذكر طرد عن نفسه الشيطان واحرقه بنور ذكره وافسد عقله بشدة صوته وشهاب نفسه المؤثر. ذكر ابو بكر الرازى ان التكبير جهرا فى غير ايام التشريق لا يسن الا بازاء العدو واللصوص تهيبا لهم انتهى. يقول الفقير لما كان اعدى العدو هى النفس واشد اللصوص والسراق هو الشيطان اعتاد الصوفية بجهر الذكر فى كل زمان ومكان تهيبا لهما وطردا لوسوستهما والقاآتهما. والعاقل لا يستريب فيه اصلا ولا يصيخ الى قول المنكر رأسا. وقال محمد بن طلحة فى العقد الفريد قد اختار الحكماء للسلطان جهارة الصوت فى كلامه ليكون اهيب لسامعيه واوقع فى قلوبهم انتهى. وفيه اشارة الى ان الروح مع القوى والاعضاء كالسلطان مع الاتباع والرعايا فما هو ملتزم فى الآفاق ملتزم فى الانفس الا ان ترتفع الحاجة والضرورة بانه اوقع المكالمة مع الندماء ليكون المقام مقام الانبساط وقس عليه حال اهل الشهود والوصول الى الله والحصول عنده بحيث ما غابوا لحظة

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ} استثناء متّصل او منقطع. بيان ردع الشّياطين بتولّد عيسى (ع) ومحمّد (ص) عن السّماوات {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} محقه وادركه، والشّهاب شعلة نار ساطعة ويطلق عليه اسم الكواكب فيقال كوكب انقضّ السّاعة وتتولّد الشّهب فى كرة الدّخان كما حقّق فى محلّه، وليست هى كواكب كما هو المشهور فى العرف وليست الشّياطين تتأذّى بها لكون الشّهب من المادّيّات والشّياطين من الرّوحانيّات، بل المراد بالشّهب القوى الرّوحانيّة المتضادّة للشّياطين الرّادعة لهم عن ساحة حضور الارواح الطّيّبه المتصوّرة للبصائر المنفتحة بصور الشّهب سواء كان استراق السّمع من سماوات الطّبع او من سماوات الارواح، وبما ذكرنا من وجه ردع الشّياطين من سماوات الطّبع وسماوات الارواح يمكن التّفطّن بما ورد فى الاخبار، من انّ الشّياطين كانوا يصعدون الى السّماوات، فلمّا ولد عيسى (ع) حجبوا عن ثلاثة منها وكانوا يخرقون اربع سماوات، فلمّا ولد رسول الله (ص) حجبوا عن السّبع، او كان الشّياطين يصعدون السّماء فلمّا ولد محمّد (ص) ردعوا بالشّهب وكان ليلة تولّده كثيرة الشّهب، وامثال ذلك كثيرة، مع انّ الشّياطين كانوا مطرودين من سماوات الارواح وكذا من سماوات الطّبع كما سبق والوجه فى ذلك انّ السّماوات فى العالم الصّغير قبل تولّد الكلمة العيسويّة كانت مجتمعة بالقوّة فى السّماء الدّنيا وهى سماء النّفس الانسانيّة وهى محلّ تصرّف الشّياطين، فاذا تولّد الكلمة العيسويّة صار بعض ما بالقوّة بالفعل كسماء الصّدر المنشرح بالاسلام وسماء القلب وسماء النّفس الانسانيّة ويبقى الباقى بالقوّة ويطرد الشّياطين بواسطة تلك الكملة عن هذه السّماوات، وبعد تولّد الكلمة المحمّديّة (ص) الجامعة لجميع المراتب بالفعل يصير جميع ما بالقوّة بالفعل فيتميّز السّماوات السّبع ويطرو الشّياطين من الكلّ، الاّ انّه مترصّد من جهة النّفس الحيوانيّة لان يسترق حين الفرصة من سماء النّفس الانسانيّة الدّنيا استماع بعض الاشياء فيتّبعه شهاب تذكّر الانسان بنور الايمان واليه اشير بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف:201].

اطفيش

تفسير : {إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ} افتعل من السرق أى تكلف وعالج أى يسرق. {السَّمْعَ} وفسر استراقه بالخطفة والاستثناء منقطع أى لكن من استرق السمع قد يجده ومتصل فيكون من بدلا من كل لأَن الحفظ منع فكأَنه حفظ أى إِلا من استرق فلا تحفظ عنه إِذ أقدره على الاستراق {فَأَتْبَعَهُ} أى تبعه وتقدم كلام فى مثله {شِهَابٌ} شعلة من نار، {مُّبِينٌ} ظاهر للمبصرين وقد يسمى الكوكب شهاباً لما فيه من البريق وكذا السنان كانت الجن تدخل السماوات ومنعت من ثلاث بعيسى ومن الكل بمحمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهما بالشهب وكانت ترمى قبل ولادته ـ صلى الله عليه وسلم ـ واشتد بعدها وكانوا يسترقون ليلقوا على الكهنة فيرمون بالشهب لذلك، ولما ولد رميت لذلك واشتد الرمى ليكون معجزة ودليلا، وإِذا رمى قتل أو ثقب أو حرق كله أو بعضه وكان غولا يضل الناس فى البرار أو خبل، وعن ابن عباس إِذا رأيتم الكوكب قد رمى به فتواروا فإِنه يحرق ولا يقتل، وعن الكلبى إِنهم سرية إِبليس يرسلهم ليأْتوه بخبر السماء، قال الحسن تصيب الرمية أحدهم فيحترق فى أسرع من طرفة عين وقد علم أنه يحترق وإِنه له عذاب السعير ويسترقون السمع قبل بما بينهم وبين الملائكة من المناسبة بالجواهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها واشتهر أنهم يتراكبون حتى يبلغوا السماء فيرمون بالشهب فلا تخطىء أبداً فيلقى الأَعلى الكلمة لمن دونه وهكذا حتى تصل الأَسفل وتلقى على الكاهن أو الساحر ويزيدون فيها مائة كذبة وربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها لمن دونه، وعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إن الشياطين تقرب من السماء أفواجاً فينفرد المارد منها فيعلو ويسمع فيرمى بالشهب فيقول لأَصحابه وهو يلتهب إِن الأَمر كذا وكذا فتزيد الشياطين فى ذلك"تفسير : ، وروى "حديث : أن الله سبحانه إِذا أراد أمراً سبح حملة العرش فتستخيرهم الملائكة الذين يلونهم وهكذا حتى يصل الخبر ملائكة سماء الدنيا فتسترق الشياطين"تفسير : ، وروى "حديث : أنه إِذا قضى أمراً ضربت الملائكة أجنحتها خضوعاً لأَمره كسلسلة على صفوان فتسمعها الشياطين فترتكب للاستماع" تفسير : ويأْتى كلام فى ذلك فى سورة الصافات وسورة الجن إِن شاء الله ومن كتب: {ولقد جعلنا} ـ إِلى قوله تعالى: {رجيم}، على فص أو جلد غزال وعلقها عليه رأى من القبول وسماع القول ما يسره من الملوك والسلاطين وغيرهم ولو حملتها امرأة أو صبى.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ} متصل، وإما المنع عن دخولها والاختلاط مع أهلها على نحو الاختلاط مع أهل الأرض فهو حينئذ منقطع، وعلى التقديرين محل {مِنْ} النصب على الاستثناء، وجوز أبو البقاء والحوفي كونه في محل جر على أنه بدل {أية : مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ } تفسير : [الحجر: 17] بدل بعض من كل واستغنى عن الضمير الرابط بإلاَّ. واعترض بأنه يشترط في البدلية أن تكون في كلام غير موجب وهذا الكلام مثبت. ودفع بأنه في تأويل المنفى أي لم نمكن منها كل شيطان أو نحوه وأورد أن تأويل المثبت في غير أبـى ومتصرفاته غير مقيس ولا حسن فلا يقال مات القوم إلا زيد بمعنى لم يعيشوا، ولعل القائل بالبدلية لا يسلم ذلك، وقد أولوا بالمنفي قوله تعالى: {أية : فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [البقرة: 249] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الناس هلكى إلا العالمون»تفسير : الخبر وغير ذلك مما ليس فيه أبـى ولا شيء من متصرفاته لكن الانصاف ضعف هذه البدلية كما لا يخفى. وجوز أبو البقاء أيضاً أن يكون في محل رفع على الابتداء والخبر جملة قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} وذكر أن الفاء من أجل أن {مِنْ} موصول أو شرط والاستراق افتعال من السرقة وهو أخذ الشيء بخفية شبه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى وهو المذكور في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } تفسير : [الصافات: 10] والمراد بالسمع المسموع، والشهاب ـ على ما قال الراغب ـ الشعلة الساطعة من النار الموقدة ومن العارض في الجو ويطلق على الكوكب لبريقه كشعلة النار. وأصله من الشهبة وهي بياض مختلط بسواد وليست البياض الصافي كما يغلط فيه العامة فيقولون فرس أشهب للقرطاسي، والمراد ـ بمبين ـ ظاهر أمره للمبصرين ومعنى اتبعه تبعه عند الأخفش نحو ردفته وأردفته فليست الهمزة فيه للتعدية، وقيل: اتبعه أخص من تبعه لما قال الجوهري تبعت القوم تبعاً وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم وأتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم واستحسن الفرق بينهما الشهاب، ولما كان الاتباع محتملاً للإهلاك وغيره اختلف العلماء في ذلك فحكى القرطبـي عن ابن عباس أن الشهاب يجرح ويحرق ولا يقتل، وعن الحسن وطائفة أنه يقتل، وادعى أن الأول أصح، ونقل غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن الشياطين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون/ السمع من الملائكة عليهم السلام فيرمون بالكواكب فلا تخطىء أبداً فمنهم من تقتله ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله تعالى ومنهم من تخبله فيصير غولاً فيضل الناس في البراري، ومما لا يعول عليه ما يروى من أن منهم من يقع في البحر فيكون تمساحاً. ومن الناس من طعن كما قال الإمام في أمر هذا الاستراق والرمي من وجوه: أحدها أن انقضاص الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة وذكروا فيه أن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ كرة النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب. (وقد يبقى زماناً مشتعلاً إذا كان كثيفاً وربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب فانضغطت مشتعلة، وجاء أيضاً في شعر الجاهلية قال بشر بن أبـي حازم:شعر : والعير يلحقها الغبار وجحشها ينقض خلفهما انقضاض الكوكب تفسير : وقال أوس بن حجر:شعر : وانقض كالدرى يتبعه نقع يثور تخاله طنبا تفسير : إلى غير ذلك). وثانيها أن هؤلاء الشياطين كيف يجوز فيهم أن يشاهدوا ألوفاً من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم إنهم مع ذلك يعودون لصنيعهم فإن من له أدنى عقل إذا رأى هلاك أبناء جنسه من تعاطى شيء مراراً امتنع منه. وثالثها أن يقال: إن ثخن السماء خمسمائة عام فهؤلاء الشياطين إن نفذوا في جرمها وخرقوها فهو باطل لنفي أن يكون لها فطور على ما قال سبحانه: {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } تفسير : [الملك: 3] وإن كانوا لا ينفذون فكيف يمكنهم سماع أسرار الملائكة عليهم السلام مع هذا البعد العظيم. ورابعها أن الملائكة عليهم السلام إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها بالوحي، وعلى التقديرين لم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا تتمكن الشياطين من الوقوف عليها؟ وخامسها أن الشياطين مخلوقون من النار والنار لا تحرق النار بل تقويها فكيف يعقل زجرهم بهذه الشهب؟ وسادسها أنكم قلتم: إن هذا القذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة النبـي صلى الله عليه وسلم؟ وسابعها أن هذه الشهب إنما تحدث بقرب الأرض بدليل أنا نشاهد حركاتها ولو كانت قريبة من الفلك لما شاهدناها كما لم نشاهد حركات الأفلاك والكواكب، وإذا ثبت أنها تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟ وثامنها أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة عليهم السلام عن المغيبات إلى الكهنة فلم لم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوصلوا بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى الحاق الضرر بهم؟ وتاسعها لم لم يمنعهم الله تعالى من الصعود ابتداء حتى لا يحتاج في دفعهم إلى هذه الشهب؟ وقال بعضهم أيضاً: إن السماع إنما يفيدهم إذا عرفوا لغة الملائكة فلم لم يجعلهم الله سبحانه جاهلين بلغتهم لئلا يفيدهم السماع شيئاً، وأيضاً إن انقطع الهواء دون مقعر فلك القمر لم يحدث هناك صوت إذ هو من تموج الهواء والمفروض عدمه وإن لم ينقطع كان دون ذلك أصوات هائلة من تموج الهواء بحركة الأجرام العظيمة وهي تمنع من سماع أصوات الملائكة عليهم السلام في محاوراتهم ولا يكاد يظن أن أصواتهم في المحاورات تغلب هاتيك الأصوات لتسمع معها، وأيضاً ليس في السماء الدنيا إلا القمر ولا نراه يرمى به وسائر السيارات فوق {أية : كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 33] والثوابت في الفلك الثامن والرمي بشيء من ذلك يستدعي خرق السماء وتشققها ليصل الشهاب إلى الشيطان وهو مما لا يكاد يقال. وأجاب الإمام عن الأول: أولاً بأن الشهب لم تكن موجودة قبل البعثة وهذا/ قول ابن عباس، فقد روي عنه أنه قال: «كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أشياء من عند أنفسهم فلما بعث النبـي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم ولم يكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس: ما هذا إلا لأمر حدث» الخبر. وروي عن أبـي بن كعب أنه قال: «لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمي بها فرأت قريش ما لم تر قبل فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم يظنون أنه الفناء فبلغ ذلك كبيرهم فقال: لم تفعلون؟ فقالوا: رمي بالنجوم فقال: اعتبروا فإن تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الناس وإلا فهو أمر حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: في الأمر مهلة وهذا عند ظهور نبـي» الخبر، وكتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعناً في هذه المعجزة، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلفة عليهم. وثانياً: وهو الحق بأنها كانت موجودة قبل البعثة لأسباب أخر ولا ننكر ذلك إلا أنه لا ينافي أنها بعد البعثة قد توجد بسبب دفع الشياطين وزجرهم. يروى أنه قيل للزهري: أكان يرمى في الجاهلية؟ قال: نعم قيل: أفرأيت قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } تفسير : [الجن: 9] قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبـي صلى الله عليه وسلم، وعلى نحو هذا يخرج ما روى عن ابن عباس. وأبي رضي الله تعالى عنهم إن صح. وعن الثاني: بأنه إذا جاء القدر عمي البصر فإذا قضى الله تعالى على طائفة منهم الحرق لطغيانهم وضلالهم قيض لها من الدواعي ما تقدم معه على الفعل المفضي إلى الهلاك. وعن الثالث: بأن البعد بين الأرض والسماء خمسمائة عام فأما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيماً. وعن الرابع: بأنه روي عن الزهري عن علي بن الحسين بن عليّ كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس قال: «حديث : بينا النبـي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال عليه الصلاة والسلام: "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟" قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم قال عليه الصلاة والسلام: "فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء حتى ينتهي ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ولا يزال ينتهي الخبر إلى هذه السماء فيتخطفه الجن فيرمون فما جاءوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه"»تفسير : . وعن الخامس: بأن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فالأقوى تبطل ما دونها. وعن السادس: بأنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة وذلك يقدح في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطلانها. وعن السابع: بأن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع فلعله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة عليهم السلام. وعن الثامن: بأنه لعل الله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب من الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكفار. وعن التاسع: بأنه عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وبهذا يجاب عن الأول فيما قيل. وأجيب عن الثاني: بأنا نختار انقطاع الهواء والسماع عندنا بخلق الله تعالى ولا يتوقف على وجود الهواء وتموجه، وقد يختار عدم الانقطاع ويقال: إنه تعالى شأنه/ قادر على منع الهواء من التموج بحركة هاتيك الأجرام، وكذا هو سبحانه قادر على إسماعهم مع هاتيك الأصوات الهائلة السر وأخفى. وعن الثالث: بأن كون الثوابت في الفلك الثامن هو الذي ذهب إليه الفلاسفة واحتجوا عليه بأن بعضها فيه فيجب أن يكون كلها كذلك، أما الأول: فلأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بالسيارات فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة؛ وأما الثاني: فلأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة أو أقل على الخلاف درجة فلا بد أن تكون مركوزة في كرة واحدة، وهو احتجاج ضعيف لأنه لا يلزم من كون بعض الثواب فوق السيارات كون كلها هناك لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر وتكون في البطء مساوية لكرة الثوابت وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا لا يمتنع أن تكون هذه النجوم في السماء الدنيا. وقد ذكر الجلال السيوطي وغيره أنه جاء في بعض الآثار أن الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة في السماء الدنيا يسيرونها حيث شاء الله تعالى وكيف شاء إلا أن في صحة ذلك ما فيه، على أن ما ذكر في السؤال من أن ذلك يستلزم الخرق وهو مما لا يكاد يقال إما أن يكون مبنياً على القول بامتناع الخرق والالتئام على الفلك المحدد وغيره فقد تقرر فساد ذلك وحقق إمكان الخرق والالتئام بما لا مزيد عليه في غير كتاب من كتب الكلام، وإما أن يكون مبنياً على مجرد الاستبعاد فهو مما لا يفيد شيئاً لأن أكثر الممكنات مستبعدة وهي واقعة ولا أظنك في مرية من ذلك بل قد يقال: نحن لا نلتزم أن الكوكب نفسه يتبع الشيطان فيحرقه، والشهاب ليس نصاً في الكوكب لما علمت ما قيل في معناه وإن قيل: إنه بنفسه ينقض ويرمي الشيطان ثم يعود إلى مكانه لظاهر إطلاق الرجوم على النجوم وقولهم رمى بالنجم مثلاً. وكذا لا نلتزم القول بأنه ينفصل عن الكوكب شعلة كالقبس الذي يؤخذ من النار فيرمى بها كما قاله غير واحد لنحتاج في الجواب عن السؤال بما تقدم إذ يجوز أن يقال: إنه يؤثر حيث كان بإذن الله تعالى هذه الشعلة المسماة بالشهاب ويحرق بها من شاء الله تعالى من الشياطين، وإطلاق الرجوم على النجوم وقولهم: رمى بالنجم يحتمل أن يكون مبنياً على الظاهر للرائي كما في قوله تعالى في الشمس: {أية : تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } تفسير : [الكهف: 86]. وقال الإمام: إن هذه الشهب ليست هي الثوابت المركوزة في الفلك وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها مع أنه لم يوجد نقصان أصلاً. وأيضاً إن في جعلها رجوماً ما يوجب النقصان في زينة السماء بل هي جنس آخر غيرها يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين، ولا يأباه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5] حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها لأنا نقول: كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن المصابيح منها باقية على وجه الدهر أمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك والشهب من هذا القسم وحينئذ يزول الإشكال انتهى. والجرح والتعديل بين القولين مفوضان إلى شهاب ذهنك الثاقب، وفي أجوبته السابقة رحمه الله تعالى ما لا يخفى ضعفه، وكذا شاهدة عليه بقلة الإطلاع على الأخبار الصحيحة المشهورة، ألا ترى قوله في الجواب عن ثالث الأسئلة التسعة: إن البعد بين السماء والأرض خمسمائة عام وأما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيماً فإنه مخالف لما نطقت به الشريعة وهذت به الفلسفة، أما مخالفته للأول فلأنه قد صح أن سمك كل سماء خمسمائة عام كما صح أن بين السماء والأرض كذلك، وأما مخالفته للثاني/ فلأنه لم يقل أحد من الفلاسفة: أن بين السماء والأرض هذه المسافة التي ذكرها، والأفلاك عندهم مختلفة في الثخن، وقد بينوا ثخن كل بالفراسخ حسبما ذكر في كتب الأجرام والأبعاد، وذكروا في ثخن المحدد ما يشهد بمزيد عظمة الله جل جلاله لكن لا مستند لهم قطعي في ذلك بل إن قولهم: لا فضل في الفلكيات مع كونه أشبه شيء بالخطابيات يعكر عليه. وقوله في الجواب عن السادس: إنه إنما دام لئلا يقدح انقطاعه في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطلان الكهانة فإنه مستلزم للدور إذ الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام إنما أخبر بذلك لعلمه بدوام القذف المانع من تحقق ما تتوقف عليه الكهانة. وقوله في الجواب عن الخامس: إن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فتبطلها ظاهر في أن الشياطين نار صرفة وليس كذلك بل الحق أنهم يغلب عليهم العنصر الناري وقد حصل لهم بالتركيب ولو مع غلبة هذا العنصر ما ليس للنار الصرفة وهو ظاهر. هذا ثم أعلم أنه يجوز أن يكون استراق السمع من الملائكة الذي عند السماء لا من الملائكة الذين بين كل سماء وسماء ليجيء حديث الثخن واستبعاد السماع معه، ويشهد لهذا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنهم قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون مع الكلمة مائة كذبة من عند أنفسهم»تفسير : ولا ينافيه ما رواه أيضاً عن عكرمة أنه قال: «سمعت أبا هريرة يقول: إن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله سبحانه كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع»تفسير : الخبر، إذ ليس فيه أكثر من سماع المسترق الكلمة بعد قول الملائكة عليهم السلام بعضهم لبعض، وعدم منافاة هذا لذاك ظاهر عند من ألقى السمع وهو شهيد، وأنه ليس في الآيات ما هو نص في أن ما نراه من الشهب لا يكون إلا لرمي شيطان يسترق بل غاية ما فيها أنه إذا استرق شيطان أتبعه شهاب ورمي بنجم وأين هذا من ذاك؟ نعم في خبر الزهري ما يحتاج معه إلى تأمل، وعلى هذا فيجوز أن يكون حدوث بعض ما نراه من الشهب لتصاعد البخار حسبما تقدم عن الفلاسفة، وكذا يجوز أن يكون صعود الشياطين للاستراق في كل سنة مثلاً مرة، ولا يخفى نفع هذا في الجواب عن السؤال الثاني. ومن الناس من أجاب عنه بأنه لا يبعد أن يكون المسترقون صنفاً من الشياطين تقتضي ذواتهم التصاعد نظير تصاعد الأبخرة، بل يجوز أن يكون أولئك الشياطين أبخرة تعلقت بها أنفس خبيثة على نحو ما ذكر الفلاسفة من أنه قد يتعلق بذوات الأذناب نفس فتغيب وتطلع بنفسها وفيه بحث. ونقل الإمام عن الجبائي أنه قال في الجواب عن ذلك: إن الحالة التي تعتريهم ليس لها موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضع فتصيبهم الشهب وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا يصيبهم شيء فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعضها جاز أن يصيروا إلى موضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم فيه كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة فيه. وتعقبه بقوله: ولقائل أن يقول: إنهم إن صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غيرها فإن وصلوا إلى الأول احترقوا وإن إلى الثاني لم يظفروا بمقصود أصلاً، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل فإذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محقق وجب أن يمتنعوا، وهذا بخلاف حال/ المسافر في البحر فإن الغالب على المسافرين فيه الفوز بالمقصود، ثم قال: فالأقرب في الجواب أن نقول: هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة فيما بين الشياطين اهـ. وأنت تعلم أن هذا لا يكاد يتم إلا مع القول بأنه ليس كل ما نراه من الشهب يحرق به الشياطين والأمر مع هذا القول سهل كما لا يخفى. وذكر البيضاوي أن استراق السمع خطفتهم اليسيرة من قطان السمٰوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها، وذكر عند قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } تفسير : [الشعراء: 212] أن السمع مشروط بمشاركتهم في صفات الذات وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصورة الملكوتية ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك، ولا يخفى ما فيه، فإنه ظاهر في أن الاستراق يقتضي مناسبة الجوهر والسمع التام يقتضي المشاركه المذكورة وهو لا يتمشى على أصول الشرع، وفي أن تلقيهم يكون من الأوضاع الفلكية وهو مخالف لصريح النظم والأحاديث مع أنه يقتضي أن يكون قطان السماء بمعنى الكواكب وشمول {مِنْ} شياطين الإنس من المنجمين وهو كما ترى. وذكر هو وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السمٰوات فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سمٰوات ولما ولد النبـي صلى الله عليه وسلم منعوا من السمٰوات كلها اهـ. ومن الناس من ذهب أخذاً ببعض الظواهر إلى أن المنع عند البعثة والله تعالى أعلم . بقي هٰهنا إشكال: ذكره الإمام مع جوابه فقال: ولقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماء ويسمع أخبار الغيوب من الملائكة عليهم السلام ثم يلقيها إلى الكهنة وجب أن يخرج الإخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً دالاً على الصدق لأن كل غيب يخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام يقوم فيه هذا الاحتمال، ولا يقال: إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولده صلى الله عليه وسلم لأنا نقول: هذا المعجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكونه عليه الصلاة والسلام رسولاً وبكون القرآن حقاً والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيوب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو محال. ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كونه صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات ثم بعد العلم بثبوت ذلك نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجزاً ولا يلزم الدور اهـ فتدبر والله سبحانه ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 18- من يحاول من هؤلاء الشياطين أن يسترق الاستماع إلى الكلام الذى يجرى بين سكان هذه النجوم، فإنا نلحقه بجرم سماوى واضح بيِّن. 19- وخلقنا لكم الأرض ومهدناها حتى صارت كالبساط الممدود، ووضعنا فيها جبالاً ثابتة، وأنبتنا لكم فيها من كل أنواع النبات ما يحفظ حياتكم، وجعلناه مُقدرا بأزمان معينة فى نموه وغذائه، ومُقدَّراً بمقدار حاجتكم ومقدار كميته، وفى أشكاله فى الخلق والطبيعة. 20- وجعلنا فى الأرض أسباب المعيشة الطيبة لكم، ففيها الحجارة التى تبنون منها المساكن، والحيوان الذى تنتفعون بلحمه أو جلده أو ريشه، والمعادن التى تخرج من بطنها، وغير ذلك، وكما أن فيها أسباب المعيشة الطيبة، ففيها المعيشة أيضا لمن يكونون فى ولايتكم من عيال وأتباع، فالله - وحده - هو يرزقهم وإياكم. 21- وما من شئ من الخير إلا عندنا كالخزائن المملوءة، من حيث تهيئته وتقديمه فى وقته، وما ننزله إلى العباد إلا بقدر معلوم حددته حكمتنا فى الكون. 22- وقد أرسلنا الرياح حاملة بالأمطار وحاملة بذور الإنبات، وأنزلنا منها الماء وجعلناه سقيا لكم، وأن ذلك خاضع لإرادتنا، ولا يتمكن أحد من التحكم فيه حتى يصير عنده كالخزائن.

د. أسعد حومد

تفسير : (18) - وَقَدْ يُحَاوِلُ شَيْطَانٌ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ لِيَسْتَرِقَ السَّمْعَ إِلَى مَا تَتَحَدَّثُ بِهِ المَلاَئِكَةُ فِي المَلأَِ الأَعْلَى فَيْتَبَعُهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ مُشْتَعِلٌ نَاراً ظَاهِرَةً لِلْعَيَانِ فَيُهْلِكُهُ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أخْرَى). اسْتَرَقَ السَّمْعَ - خَطِفَ المَسْمُوعَ مِنَ المَلأِ الأَعْلَى. فَأَتْبَعَهُ - أَدْرَكَهُ وَلَحِقَهُ. شِهَابٌ - شُعْلَةُ نَارٍ مُنْقَضَّةٌ مِنَ السَّمَاءِ. مُبِينٌ - ظَاهِرٌ لِلْمُبْصِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة: {ٱسْتَرَقَ} [الحجر: 18]. تُحدِّد المعنى بدقّة، فهناك مَنْ سرق؛ وهناك مَنْ استرق؛ فالذي سرق هو مَنْ دخل بيتاً على سبيل المثال، وأخذ يُعبّئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد. لكن إنْ كان هناك أحد في المنزل؛ فاللص يتحرك في استخفاء؛ خوفاً من أن يضبطه مَنْ يوجد في المنزل ليحفظه؛ وهكذا يكون معنى "استرقَ" الحصول على السرقة مقرونة بالخوف. وقد كان العاصون من الجِنِّ قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترقون السمع للمنهج المُنزّل على الرُّسُل السابقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ واختلف الأمر بعد رسالته الكريمة؛ حيث شاء الحق سبحانه أنْ يحرسَ السماء؛ وما أنْ يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ثاقب. والشهاب هو النار المرتفعة؛ وهو عبارة عن جَذْوة تشبه قطعة الفحم المشتعلة؛ ويخرج منه اللهب. وهو ما يُسمّى بالشهاب. أما إذا كان اللهب بلا ذؤابة من دخان؛ فهذا اسمه "السَّمُوم". وإنْ كان الدخان مُلْتوياً، ويخرج منه اللهب، ويموج في الجو فيُسمى "مارج" حيث قال الحق سبحانه: {أية : مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن: 15]. وهكذا نجد السماء محروسة بالشهب والسَّمُوم ومارج من نار. ويقول سبحان من بعد ذلك: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ / ٱلسَّمْعَ} [18] 292- أخبرني كثير بن عُبيد، عن محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، قال: حدثني الزُّهري، عن عليّ بن حسين، أن عبد الله ابن عباس، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، قال: حديث : بينما هم جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُميَ بنجم، فاستنار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمِيَ بمثل هذا" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "وُلد الليلة رجل عظيم ومات الليلة رجل عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإنها لا تُرمى لموت أحد ولا لحياة أحد، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً، سبَّح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يَلُونهم، حتى يبْلغ التَّسبيح أهل هذه السماء، ثم قال الذين يَلُون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيُخبرونهم، فيَستَخْبِر أهل السماء، بعضهم بعضا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فيخطف الجنُّ السَّمع، فيقذفونه إلى أوليائهم، فيُرمون، فما جاءوا به على وجهه، فهو محق، ولكنهم يقرِفُون فيه ويزيدون ".