Verse. 1824 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَاَرْسَلْنَا الرِّيٰحَ لَوَاقِحَ فَاَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً فَاَسْقَيْنٰكُمُوْہُ۝۰ۚ وَمَاۗ اَنْتُمْ لَہٗ بِخٰزِنِيْنَ۝۲۲
Waarsalna alrriyaha lawaqiha faanzalna mina alssamai maan faasqaynakumoohu wama antum lahu bikhazineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأرسلنا الرياح لواقح» تلقح السحاب فيمتلئ ماء «فأنزلنا من السماء» السحاب «ماء» مطرا «فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين» أي ليست خزائنه بأيديكم.

22

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ} تفسير : [الحجر: 15] قراءة العامة «الرياح» بالجمع. وقرأ حمزة بالتوحيد؛ لأن معنى الريح الجمع أيضاً وإن كان لفظها لفظ الواحد. كما يقال: جاءت الريح من كل جانب. كما يقال: أرضٌ سبَاسِب وثوبٌ أخْلاق. وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتسع. وأما وجه قراءة العامة فلأن الله تعالى نعتها بـ«ـلواقح» وهي جمع. ومعنى لواقح حوامل؛ لأنها تحمل الماء والتراب والسَّحاب والخير والنفع. قال الأزهري: وجعل الريح لاقحاً لأنها تحمل السحاب؛ أي تُقِلّه وتصرّفه ثم تَمْرِيه فتستَدرّه، أي تنزله؛ قال الله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} تفسير : [الأعراف: 57] أي حملت. وناقة لاقح ونُوق لواقح إذا حملت الأجنة في بطونها. وقيل: لواقح بمعنى مُلْقِحة وهو الأصل، ولكنها لا تُلقح إلا وهي في نفسها لاقح، كأن الرياح لَقِحت بخير. وقيل: ذوات لَقْح، وكل ذلك صحيح؛ أي منها ما يُلقح الشجر؛ كقولهم: عيشة راضية؛ أي فيها رضاً، وليل نائم؛ أي فيه نوم. ومنها ما تأتي بالسحاب. يقال: لَقِحت الناقة (بالكسر) لَقَحا ولَقاحا (بالفتح) فهي لاقح. وألقحها الفحل أي ألقى إليها الماء فحملته؛ فالرياح كالفحل للسحاب. قال الجوهري: ورياح لواقح ولا يقال ملاَقح، وهو من النوادر. وحكى المهدوي عن أبي عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنه جمع مُلْقِحة ومُلْقِح، ثم حذفت زوائده. وقيل: هو جمع لاقحة ولاقح، على معنى ذات اللّقاح على النسب. ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملاً. والعرب تقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشّمال حائل وعقيم. وقال عبيد بن عُمير: يرسل الله المبشِّرة فتقم الأرض قَمّا، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر. وقيل: الريح الملاقح التي تحمل الندى فتمجّه في السحاب، فإذا اجتمع فيه صار مطراً. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه وفيها منافع للناس». تفسير : وروي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : ما هبّت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غَدقة».تفسير : وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها؛ فالصَّبا تهّيجه، والدَّبُور تُلقحه، والجنوب تُدِرّه، والشمال تفرّقه. الثانية: روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك ـ واللفظ لأشهب ـ قال مالك: قال الله تعالى: «وأرسلنا الرياح لواقِح» فلقاح القمح عندي أن يحبب ويُسَنْبِل، ولا أدري ما ييبَس في أكمامه، ولكن يُحبّب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فساداً لا خير فيه. ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت، وليس ذلك بأن تورّد. قال ابن العربي: إنما عوّل مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله؛ لأنه سُمي باسم تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح، وعليه جاء الحديث: «حديث : نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الحَبّ حتى يشتد»تفسير : . قال ابن عبد البر: الإبَّار عند أهل العلم في النخل التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء من طلع (ذكور) النخل فيُدْخَل بين ظهراني طلع الإناث. ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظوراً إليها. والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكّر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكّر أن يثبت من نوّاره ما يثبت ويسقط ما يسقط. وحدّ ذلك في الزرع ظهوره من الأرض؛ قاله مالك. وقد روي عنه أن إباره أن يحبّب. ولم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخِّر إباره وقد أبر غيره ممن حاله مثل حاله، أن حكمه حكم ما أبر؛ لأنه قد جاء عليه وقت الإبار وثمرته ظاهرة بعد تغيبها في الحبّ. فإن أبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعاً له. كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعاً لذلك الصلاح في جواز بيعه. الثالثة: روى الأئمّة كلّهم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يَشترط المبتاع. ومن ابتاع عبداً فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»تفسير : .قال علماؤنا: إنما لم يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط؛ لأنه عين موجودة يحاط بها أمن سقوطها غالباً. بخلاف التي لم تؤبر؛ إذ ليس سقوطها مأموناً فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها؛ لأنها كالجنين. وهذا هو المشهور من مذهب مالك. وقيل: يجوز استثناؤها؛ وهو قول الشافعي. الرابعة: لو اشتُرِي النخل وبقي الثمر للبائع جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة قبل طِيبها على مشهور قول مالك، ويرى لها حكم التبعية وإن أفردت بالعقد. وعنه في رواية: لا يجوز. وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء الحديث. وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها. الخامسة: ومما يتعلق بهذا الباب النهي عن بيع الملاقح؛ والملاقح الفحول من الإبل، الواحد مُلقح. والملاقح أيضاً الإناث التي في بطونها أولادُها، الواحدة ملقَحة (بفتح القاف). والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة، الواحدة ملقوحة؛ ومن قولهم: لُقِحت؛ كالمحموم من حُمّ، والمجنون من جُنّ. وفي هذا جاء النهي. وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن المَجْر وهو بيع ما في بطون الإناث. ونهى عن المضامين والملاقيح. قال أبو عبيد: المضامين ما في البطون، وهي الأجنة. والملاقيح ما في أصلاب الفحول. وهو قول سعيد بن المسيّب وغيره. وقيل بالعكس: إن المضامين ما في بطون الجمال، والملاقيح ما في بطون الإناث. وهو قول ابن حبيب وغيرِه. وأيّ الأمرين كان، فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك لا يجوز. وذكر المزني عن ابن هشام شاهداً بأن الملاقيح ما في البطون لبعض الأعراب:شعر : مَنيّتي مَلاقحاً في الأبْطُنِ تُنْتَج ما تَلْقَحُ بعد أزْمُنِ تفسير : وذكر الجوهريّ على ذلك شاهداً قول الراجز:شعر : إنّا وجدنا طَرَدَ الهَوامِل خيراً من التَّأنان والمسائِل وعِدَةِ العامِ وعامٍ قابلِ مَلقوحةً في بطن نابٍ حائلِ تفسير : قوله تعالى:{فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السحاب. وكل ما علاك فأظلّك يسمى سماء. وقيل: من جهة السماء. {مَاءً} أي قطراً. {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم وللشرب مواشيكم وأرضكم. وقيل: سَقى وأسقى بمعنىً. وقيل بالفرق، وقد تقدّم. {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي ليست خزائنه عندكم؛ أي نحن الخازنون لهذا الماء ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا. ومثله {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48]، {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 18]. وقال سفيان: لستم بمانعين المطر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَاقِحَ } تلقح السحاب فيمتلىء ماء {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ } السحاب {مآءً } مطراً {فَأَسْقَيْنـٰكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَٰزِنِينَ } أي ليست خزائنه بأيديكم.

ابن عطية

تفسير : يقال: لقحت الناقة والشجرة فهي لاقحة: إذا حملت، والرياح تلقح الشجر والسحاب، فالوجه في الريح أنها ملقحة لا لاقحة، وتتجه صفة {الرياح} بـ {لواقح} على أربعة أوجه: أولها وأولاها: أن نجعلها لاقحة حقيقة، وذلك أن الرياح منها ما فيها عذاب أو حر ونار، ومنها ما فيه رحمة ومطر أو نصر أو غير ذلك، فإذا بها تحمل ما حملتها القدرة، أو ما علقته من الهواء أو التراب أو الماء الذي مرت عليه، فهي لاقحة بهذا الوجه، وإن كانت أيضاً تلقح غيرها وتصير إليه نفعها. والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمي الشمال الحايل والعقيم ومحوة، لأنها تمحو السحاب. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الريح الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس" تفسير : ؛ ومن هذا قول الطرماح: شعر : قلق لا فبان الريا ح للاقح منها وحائل تفسير : ومن قول أبي وجزة: شعر : من نسل جوابة الآفاق تفسير : فجعلها حاملاً تنسل. قال القاضي أبو محمد: ويخرج هذا على أنها ملقحة فلا حجة فيه. والثاني: أن يكون وصفها بـ {لواقح} من باب قولهم: ليل نائم، أي فيه نوم ومعه، ويوم عاصف ونحوه: فهذا على طريق المجاز. والثالث: أن توصف الرياح بـ {لواقح} على جهة النسب، أي ذات لقح، كقول النابغة: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب تفسير : أي ذي نصب. والرابع: أن تكون {لواقح} جمع ملقحة على حذف زوائده، فكأنه لقحة، فجمعها كما تجمع لاقحة، ومثله قول الشاعر [سيبويه]: [الطويل] شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة وأشعث ممن طوحته الطوائح تفسير : وإنما طوحته المطاوح، وعلى هذا النحو فسرها أبو عبيدة في قوله: {لواقح} ملاقح، وكذلك العبارة عنها في كتاب البخاري: لواقح ملاقح ملقحة. وقرأ الجمهور "الرياح" بالجمع، وقرأ الكوفيون - حمزة وطلحة بن مصرف والأعمش ويحيى بن وثاب - "الريح" بالإفراد، وهي للجنس، فهي في معنى الجمع، ومثلها الطبري بقولهم: "قميص أخلاق وأرض أغفال". قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من حيث هو أجزاء كثيرة تجمع صفته، فكذلك ريح لواقع لأنها متفرقة الهبوب، وكذلك: دار بلاقع، أي كل موضع منها بلقع. وقال الأعمش: إن في قراءة عبد الله "وأرسلنا الرياح يلقحن"، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الريح من نفس الرحمن" تفسير : ، ومعنى الإضافة هنا هي من إضافة خلق إلى خالق، كما قال: {أية : من روحي} تفسير : [الحجر: 29] ومعنى نفس الرحمن: أي من تنفيسه وإزالته الكرائب والشدائد. فمن التنفس بالريح النصر بالصبا وذرو الأرزاق بها، وما لها من الخدمة في الأرزاق وجلب الأمطار وغير ذلك مما يكثر عده. ولقد حدثت أن ابن أبي قحافة رحمه الله فسر هذا الحديث بنحو هذا وأنشد في تفسيره: [الطويل] شعر : فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت على نفس محزون تجلت همومها تفسير : وهذا من جملة التنفيس والعرب تقول: أسقى وسقى بمعنى واحد، وقال لبيد: [الوافر] شعر : سقى قومي بني مجد واسقى نميراً، والقبائل من هلال تفسير : فجاء باللغتين، وقال أبو عبيدة: أما إذا كان من سقي الشفة خاصة فلا يقال إلا سقى، وأما إذا كان لسقي الأرض والثمار وجملة الأشياء فيقال: أسقى، وأما الداعي لأرض أو غيرها بالسقي، فإنما يقال فيه: أسقى، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : وقفت على رسم لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه تفسير : قال القاضي أبو محمد: على أن بيت لبيد دعاء، وفيه اللغتان. وقوله تعالى: {وإنا لنحن نحيي ونميت} الآيات، هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، فمعنى هذه: وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتاً، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حياً، {ونحن الوارثون}، أي لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره. ثم أخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم، بمن تأخر في الزمن من لدن أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة، وأعلم أنه هو الحاشر لهم الجامع لعرض القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار، وأن حكمته وعلمه يأتيان بهذا كله على أتم غاياته التي قدرها وأرادها. وقرأ الأعرج "يحشِرهم" بكسر الشين. قال القاضي أبو محمد: بهذا سياق معنى الآية، وهو قول جمهور المفسرين: وقال الحسن: معنى قوله: {ولقد علمنا المستقدمين} أي في الطاعة، والبدار إلى الإيمان والخيرات، و {المسـتأخرين} بالمعاصي. قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجوهه فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا، وقال ابن عباس ومروان ابن الحكم وأبو الجوزاء: نزل قوله: {ولقد علمنا} الآية، في قوم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة، فكان بعض القوم يتقدم في الصفوف لئلا تفتنه، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت الآية فيهم. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم الآية من قوله: {ونحن الوارثون} وما تأخر من قوله: {وإن ربك يحشرهم}، يضعف هذه التأويلات، لأنها تذهب اتصال المعنى، وقد ذكر ذلك محمد بن كعب القرظي لعون بن عبد الله. وقوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان} الآية، {الإنسان} هنا للجنس، والمراد آدم، قال ابن عباس سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي، ودخل من بعده في ذلك إذ هو من نسله، و"الصلصال": الطين الذي إذا جف صلصل، هذا قول فرقة، منها من قال: هو طين الخزف، ومنها قول الفراء: هو الطين الحر يخالطه رمل دقيق. وقال ابن عباس: خلق من ثلاثة: من طين لازب وهو اللازق والجيد، ومن {صلصال} وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف، ومن {حمإ مسنون} وهو الطين في الحمأة. قال القاضي أبو محمد: وكان الوجه أن يقال - على هذا المعنى - صلال، ولكن ضوعف الفعل من فائه وأبدلت إحدى اللامين من صلاص صاداً. وهذا مذهب الكوفيين، وقاله ابن جني والزبيدي ونحوهما على البصرة، ومذهب جمهور البصريين: إنهما فعلان متباينان، وكذلك قالوا في ثرة وثرثارة. قال بعضهم تقول: صل الخزف ونحوه: إذا صوت بتمديد: فإذا كان في صوته ترجيع كالجرس ونحوه قلت: صلصل، ومنه قول الكميت: [البسيط] شعر : فينا العناجيج تردي في أعنتها شعثاً تصلصل في أشداقها اللجم تفسير : وقال مجاهد وغيره: {صلصال} هنا إنما هو مأخوذ من صل اللحم وغيره: إذا انتن. قال القاضي أبو محمد: فجعلوا معنى {صلصال} ومعنى {حمإ} في لزوم أنتن شيئاً واحداً. قال القاضي أبو محمد: و"الحمأ" جمع حمأة وهو الطين الأسود المنتن يخالطه ماء. و"المسنون" قال معمر: هو المنتن، وهو من أسن الماء إذا تغير. قال القاضي أبو محمد: والتصريف يرد هذا القول. وقال ابن عباس: "المسنون": الرطب. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير لا يخص اللفظة. وقال الحسن، المعنى: سن ذريته على خلقه. والذي يترتب في {مسنون} إما أن يكون بمعنى محكوك محكم العمل أملس السطح، فيكون من معنى المسن والسنان، وقولهم: سننت السكين وسننت الحجر: إذا أحكمت تمليسه، ومن ذلك قول الشاعر: [الخفيف] شعر : ثم دافعتها إلى القبة الخضرا ء وتمشي في مرمر مسنون تفسير : أي محكم الإملاس بالسن، وإما أن يكون بمعنى المصبوب، تقول: سننت التراب والماء إذا صببته شيئاً بعد شيء، ومنه قول عمرو بن العاص لمن حضر دفنه: إذا أدخلتموني في قبري فسنوا علي التراب سناً، ومن هذا: هو سن الغارة. وقال الزجاج: هو مأخوذ من كونه على سنة الطريق، لأنه إنما يتغير إذا فارق الماء، فمعنى الآية - على هذا - من حمأ مصبوب موضوع بعضه فوق بعض على مثال وصورة. {الجان} يراد به جنس الشياطين، ويسمون: جنة وجاناً لاستتارهم عن العين. وسئل وهب بن منبه عنهم فقال: هم أجناب، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس تفعل هذا كله، منها السعالي والغول وأشباه ذلك. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "والجأن" بالهمز. قال القاضي أبو محمد: والمراد بهذه الحلقة إبليس أبو الجن، وفي الحديث: "حديث : أن الله تعالى خلق آدم من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأسود والأحمر" تفسير : . وفي سورة البقرة إيعاب هذا وقوله {من قبل} لأن إبليس خلق قبل آدم بمدة، وخلق آدم آخر الخلق. و {السموم} - في كلام العرب - إفراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح. وقالت فرقة: السموم بالليل، والحرور بالنهار. قال القاضي أبو محمد: وأما إضافة {نار} إلى {السموم} في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار أنواعاً، ويكون {السموم} أمراً يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ؛ وإن لم يكن هذا فيخرج هذا على قولهم: مسجد الجامع، ودار الآخرة، على حذف مضاف.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَوَاقِحَ} السحاب حتى يمطر، كل الرياح لواقح والجنوب ألقح، أو لواقح للشجر حتى يثمر "ع".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ }: أيْ: ذاتَ لقح؛ يقال: لقحت الناقة والشجَرُ، فهي لاقحةٌ، إِذا حَمَلَتْ، فالوجْهُ في الرِّيحِ مُلْقِحَةٌ، لا لاقحةٌ، قال الداووديُّ: وعن ابن عُمَرَ: الرِّياحُ ثمانٍ: أرْبَعٌ رحْمَةٌ، وأربعٌ عذابٌ؛ فالرحمةُ: المرسلاتُ، والمُبَشِّرات، والنَّاشِرَاتُ، والذَّاريات، وأما العذاب: فالصَّرْصَرُ، والعقيمُ، والقاصِفُ، والعَاصِف، وهما في البَحْر. انتهى. وقوله جلَّت عظمته: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحيِي وَنُمِيتُ...} الآيات: هذه الآياتُ مع الآيات التي قبلها تضمَّنت العِبْرَةَ والدلالةَ على قدرة اللَّه تعالى، وما يُوجِبُ توحيدَهُ وعبادَتَهُ، المعنى: وإِنا لَنَحْنُ نحيي من نشاء بإِخراجه من العَدَمِ إِلى وجودِ الحياةِ، ونميتُ بإِزالة الحياةِ عَمَّن كان حَيًّا، {وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ }، أي: لا يبقَى شيْءٌ سوانا، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ، لا ربَّ غيره. {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـئْخِرِينَ }: أي: من لَدُنْ آدم إِلى يوم القيامة، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: روى الترمذيُّ وغيره في سبب نُزُولِ هذه الآية، عن ابن عَبَّاس؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ ٱمْرَأَةٌ تصلِّي خَلْفَ رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبَّاس: وَلاَ، واللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قال: فَكَانَ بعْضُ المسلمين، إِذا صَلَّوْا تقدَّموا، وبعضُهم يستأَخر، فإِذا سجدوا نَظَرُوا إِليها مِنْ تَحْت أيديهم، فأنزل اللَّه الآيَةَ، ثم قال ابنُ العربيِّ: في شَرْحِ المراد بهذه الآية خَمْسَةُ أقوالَ: أحدهما: هذا. القول الثاني: المتقدِّمين في الخَلْق إِلى اليوم، والمتأخِّرين الذين لم يخلقوا بَعْد، بيانٌ أن اللَّه يَعْلَمُ الموجُودَ والمَعْدُومَ، قاله قتادة وجماعة. الثَّالثُ: مَنْ مات، ومَنْ بقي؛ قاله ابن عَبَّاس أيضاً. الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد. الخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية. انتهى. قلت * ت *: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ صغيراً بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وُجوهٍ. انتهى، وباقي الآية بيِّن.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الآية: 22]. قال بعضهم: رياح الكرم، إذا هبت على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم، ورعونات طباعهم، وفساد أهوائهم، ومراداتهم، وأظهر فى القلوب نتائج الكرم، وهو الاعتصام بالله تعالى، والاعتماد عليه، والانقطاع عما سواه. قال الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}. فقلوب تلقح بالبر، وقلوب تلقح بالفجور، كما فى الخبر قلوب الأبرار تغلى بالبر، وقلوب الفجار تغلى بالفجور. قال أبو عثمان: كما أن رياح الربيع إذا هبت فتحت عروق الأشجار تحمل الماء، كذلك رياح العناية إذا هبت على القلوب فتحت أسماعها لقبول الموعظة، ودلها على طريق التوبة، وباب الإنابة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً}. كما أن الرياحَ في الآفاق مُقَدِّمَاتُ المطر كذلك الآمال في القلوب، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر، ونسيم النجاة في الطلب يحصل، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف. قوله جلّ ذكره: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}. أسقاه إذا جعل له السُّقيا؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه - لأوليائه ألطافاً معلومة في أوقات محدودة! كما قال في وصف أهل الجنة:{أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}تفسير : [مريم: 62]. كذلك يجعل من شراب القلوب لِكُلِّ ورداً معلوماً، ثم قضايا ذلك تختلف: فمِنْ شراب يُسْكِر، ومن شراب يُحْضِر، ومن شراب يزيل الإحساس، كما قيل: شعر : فصحوك من لفظي هو الصحو كله وسُكْرُكَ من لحظي يبيح لك الشُّرْبا تفسير : ويقال إذا هبَّت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية، فلا للأغيار فيها أثر، ولا عن الخلائق لهم خبر. ويقال إذا هبَّت رياح القرب على قلوب العارفين عَطَّرَتْها بنفخات الأنس، فيَسْقَوْن في نسيمها على الدوام، وفي معناه أنشدوا: شعر : وهبَّتْ شمال آخر الليل قَرَّةٌ ولا ثوبَ إلا بُرْدَةَ وردائيا وما زال بُردِي لينا من ردائها إلى الحوْلِ حتى أصبح البُرْدُ باليا تفسير : ويقال إذا هبَّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مَسَاوِيه مناقِبَه ومثالبُه محاسنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وارسلنا الرياح لواقح} حال مقدور جمع ريح لاقح اذا اتت بسحاب ماطر من لقحت الناقة تلقح حبلت والقحها الفحل اذا احبلها وحملها الماء فكان الريح حملت الماء وحملته السحاب فشبهت الريح التى تجيء بالخير من انشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه بالعقيم ما لا يكون كذلك. وقال ابو عبيدة لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة لانها تلقح السحاب والاشجار بان تقويها وتنميها الى ان يخرج ثمرها وقيل بان تجرى الماء فيها حتى تهتز وتخرج الزهر. قالوا الرياح للخير والريح للشر لقوله عليه السلام "حديث : اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا" تفسير : واما قوله تعالى {أية : وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : فقد جاء فيه الريح المفردة بمعنى الخير والنفع باعتبار قيدها لاعتبار اطلاقها. قال محمد بن على رضى الله عنه حديث : ما هبت ريح ليلا ونهارا الا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد وقال "اللهم ان كان بك اليوم سخط على احد من خلقك بعثتها تعذيبا له فلا تهلكنا فى الهالكين وان كنت بعثتها رحمة فبارك لنا فيها" فاذا قطرت قطرة قال "رب لك الحمد ذهب السخط ونزلت الرحمة " تفسير : قال مطرف رحمه الله لو حبست الريح عن الناس لانتن ما بين السماء والارض {فانزلنا} بعدما انشأنا بتلك الرياح سحابا ماطرا {من السماء} من جانب العلو فان كل ما علاك وهو ظاهر هناك لا الفلك {ماء} اى بعض الماء كما يفيده التنكير فانه معلوم عند الناس علما يقينيا انه لم ينزل من السماء الماء كله بل قدر ما يصلون به الى المنفعة ويسلمون معه من المضرة {فاسقيناكموه} اى جعلنا المطر لكم سقيا تشربونه وتسقونه المواشى والضياع. وبالفارسية [بس بخوارانيديم شمارا آن آب وتصرف داديم دران] وسقى واسقى واحد. قال فى الارشاد هو ابلغ من سقيناكموه لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدا لهم يرتفقون به متى شاؤا وهى اطول كلمة فى القرآن وحروفها احد عشر وحروف انلزمكموها عشرة {وما انتم له} اى للمطر المنزل {بخازنين} اى نحن القادرون على ايجاده وخزنه فى السحاب وانزاله وما انتم على ذلك بقادرين. وقيل ما انتم بخازنين له بعدما انزلناه فى الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزن فى هذه المخازن ونحفظ فيها لنجعلها سقيا لكم مع ان طبيعة الماء تقتضى الغور وهو بالفارسية [فروشدن آب درزمين امام ما تريدى در تأويلات فرموده كه نيستند شمامر خدايرا خزينه داران يعنى خزاين او دردست شمانيست زآنجه شما خزينه نهيد همه ازان اوست]

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة وحده {الريح لواقح} الباقون {الرياح} على الجمع، قال ابو عبيدة لا اعرف لذلك وجهاً، إِلا ان يريد أن الريح تأتي مختلفة من كل وجه، فكانت بمنزلة رياح وحكى الكسائي أرض اغفال، وأرض سباسب. قال المبرّد: يجوز ذلك على بعد، ان يجعل الريح جنساً، وليس بجيد، لان الرياح ينفصل بعضها عن بعض، بمعرفة كل واحدة، وليست كذلك الارض، لأنها بساط واحد. وقال الفراء: هو مثل ثوب اخلاق وانشد: شعر : جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منه التواق تفسير : ومن قراء {الرياح لواقح} احتمل ذلك شيئين. احدهما - ان يجعل الريح هي التي تلقح بمرورها على التراب والماء، فيكون فيها اللقاح، فيقال فيها ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح. والثاني - ان يصفها باللقح وان كانت تلقح، كما قيل ليل نائم وسر كاتم. يقول الله تعالى انه بعث {الرياح لواقح} للسحاب والأشجار تعداداً لنعمه على عباده وامتنانا عليهم، واحدها ريح، وتجمع ايضاً أرواحاً، لأنها من الواو، قال الشاعر: شعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم تفسير : فاللواقح التي تلقح السحاب، حتى يحمل الماء أي تلقي اليه ما يحمل به الماء يقال: لقحت الناقة اذا حملت، وألقحها الفحل إِذا ألقى اليها الماء فحملته، فكذلك الرياح هي كالفحل للسحاب، (ولواقح) في موضع ملاقح. وقيل في علّة ذلك قولان: احدهما، لانه في معنى ذات لقاح كقولهم: هم ناصب أي ذو نصب قال النابغة: شعر : كليني لهم يا اميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب تفسير : اي منصب، وقال نهشل بن حري النهشلي: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : اي المطاوح، وقال قتادة وابراهيم والضحاك: معنى هذا القول: ان الرياح تلقح السحاب الماء. وقال ابن مسعود: إِنها لاقحة يحملها الماء، ملقّحة بإِلقائها إِياه الى السحاب. وقوله {فأنزلنا من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً {فاسقيناكموه} اي جعلته سقياً، لأرضكم تشربه، يقال: سقيته، فيما يشربه، تسقيه واسقيته فيما تشربه ارضه، وقد تجيء أسقيته بمعنى سقيته، كقوله تعالى {أية : نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين}،تفسير : وقال ذو الرمة: شعر : وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكى عنده وأخاطبه واسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني احجاره وملاعبه تفسير : اي ادعو له بالسقيا. {وما أنتم له برازقين} اي لستم تقدرون ان ترزقوا احداً ذلك الماء، لولا تفضل الله عليكم. ثم اخبر تعالى انه هو الذي يحيي الخلق اذا شاء وكان ذلك صلاحاً لهم، ويميتهم اذا اراد وكان صلاحهم، وانه هو الذي يرث الخلق، لأنه اذا افنى الخلق ولم يبق احد كانت الاشياء كلها راجعة اليه ينفرد بالتصرف فيها وكان هو الوارث لجميع الاملاك. وقوله {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدهما - قال مجاهد وقتادة من مضى ومن بقي. وثانيها - قال الشعبي: اول الخلق وآخره. وثالثها - قال الحسن: المتقدمين في الخير والمبطئين. وقال الفرا: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم إِن الله يصلي على الصف الاول، أراد بعض المسلمين ان يبيع داره النائية ليدنو الى المسجد، فيدرك الصف الاول. فأنزل الله الآية، وأنه يجازي فقراء الناس على نياتهم. ثم اخبر تعالى ان الذي خلقك يا محمد هو الذي يحشرهم بعد اماتتهم، ويبعثهم يوم القيامة، لانه حكيم في افعاله عالم بما يستحقونه من الثواب والعقاب. (والحشر) جمع الحيوان الى مكان، يقال: هؤلاء الحشّار، لانهم يجمعون الناس الى ديوان الخراج. و (الحكيم) العالم بما لا يجوز فعله، لقبحه، او سقوط الحمد عليه، مع انه لا يفعله، فعلى هذا يوصف تعالى فيما لم يزل بانه حكيم. والحكيم المحكم لأفعاله بمنع الخلل ان يدخل في شيء منها، فعلى هذا لا يوصف تعالى فيما لم يزل بانه حكيم.

الجنابذي

تفسير : {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} ملقحات فانّ اللاّقح هو الحامل والملقح هو الجاعل للشّيء حاملاً يعنى وممّا ننزّل بقدر الرّياح اللّواقح الّتى لا اعتناء لكم بها وفيها منافع لكم منها تسيير السّحاب فى السّماء لامطار المطر ولهذا كانت بشرى بين يدى رحمته وقال {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً} بالفاء الدّالّة على التّعقيب {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} حتّى تقدروا على انزاله ومنعه بل هو ايضاً ممّا ننزّله بقدرٍ فالمقصود اثبات خازنيّة الماء لنفسه استدلالاً على ما ادّعاه من انّ كلّ شيءٍ خزائنه عنده.

الهواري

تفسير : قوله: { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي: للسحاب. قال: { فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله يرسل السحاب فتحمل الماء بين السماء، ثم يرسل الرياح فتمري السحاب كما تُمرَى اللقحة حتى تدرّ بمطر. وقال في آية أخرى: (أية : يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) تفسير : [نوح:11] أي: تدرّ بالمطر. قوله: {وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي: بحافظين. وفي تفسير الحسن أن الله ينزل الماء من السماء فيسكنه السحاب، ثم يصرفه حيث يشاء، وللماء خزّان من الملائكة. وقال في آية أخرى: (أية : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ)تفسير : [الحاقة:11] أي: على خزانة يوم غرق قوم نوح؛ كان يجري بقدر فطغى يومئذٍ على خزانه. قوله: { وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} أي: نخلق ونميت الخلق { وَنَحْنُ الوَارِثُونَ} أي: [يموت الخلق] والله الوارث الباقي بعد خلقه، وإليه ترجعون. أي: فكما أحيى هذه الأرض بعد موتها بهذا الماء كذلك يحيي الموتى. قال: {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ}. قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} يعني آدم ومن مضى من ذريته. {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَئْخِرِينَ} أي: [من بقي] في أصلبة الرجال. وقال بعضهم: المستقدمين الأموات، والمستأخرين الأحياء بعد الأموات.

اطفيش

تفسير : {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ} وقرأ حمزة الريح بالإِفراد على إِرادة الجنس فهى فى المعنى كقراءة الجمهور والموجود فى القرآن جمع الريح حيث الرحمة وإفرادها حيث العذاب ألا ترى إِلى هذه الآية وقوله ويرسل الرياح مبشرات ونحوهما وإلى قوله سبحانه: إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا فأَرسل الريح العقيم ونحو ذلك ولذا قال رسول الله ـ صل الله عليه وسلم ـ "حديث : جاثيا على ركبتيه إذا هبت ريح اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا" تفسير : {لَوَاقِحَ} جمع لاقح بمعنى حامل، فهو متعد شبه الريح التى جاءت بخير من إِنشاء سحاب ماطر بنحو الناقة الحامل كما شبه ما ليس كذلك بالعقيم وفى كلام الزجاج إِشارة لذلك ويدل له قوله تعالى {أية : حتى إِذا أقلت سحابا ثقالا} تفسير : أى حملت، روى أن اللواقح فى رياح الجنب وأنه ما هبت ريح الجنب إِلا وانبعث عين غدقة، وعن ابن عباس لا تقطر قطرة إِلا بعد أن تعمل الرياح الأَربع فيها فالصبا يهيج السحاب والشمال يجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه وعن بعض يرسل الله جل جلاله الريح المبشرة فتعم الأَرض ثم المثيرة فتثير السحاب ثم المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إِلى بعض فيجعله ركاما ثم اللواقح فتكون ملقحة للسحاب أى محملة له الماء أى تجعل السحاب حاملا للماء وهذا الذى قاله هذا البعض يقضى إِلى أن اللاقح بمعنى ملقح فهو متعد بالنظر إِلى هذا المعنى، والتحقيق فى هذا الوجه أن يقال أن فاعلا هنا للنسب أى ذات لقح بمعنى أن ألقح السحاب أى حمله للماء يكون بها فهو لازم وعلى هذا الوجه يقال شبه الريح بالفحل فكما تحمل الأُنثى بالفحل تحمل السحاب الماء الريح، وعن ابن مسعود يرسل الله الريح لتلقح السحاب فتحمل الماء ثم تمر به فتدره كما تدر اللقحة، وروى ذلك الوجه عن ابن عباس والحسن وقتادة وروى أن الريح تلقح السحاب والشجر، وعن ابن عمر الرياح ثمان أربع رحمة: المرسلات والمبشرات والناشرات والذاريات وأربع عذاب الصرصر والعقيم والعاصف والدبور وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا عصفت الريح قال "حديث : اللهم إِنى أسأَلك خيرها وخير ما فيها وخير ما أُرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أُرسلت به" تفسير : {فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} جعلناه لكم سقيا وتشربون منه وتسقون به الشجر والحرث والماشية يقال أسقى فلان فلانا عين كذا إِذ جعلها له سقيا أو بمعنى سقيناكموه أى جعلناكم شاربيه {وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} فى العيون والآبار والغدران بل نحن الفاعلون لذلك بعد إِنزاله لكمال قدرتنا وحكمتنا فإِن طبع الماء يقتضى الغور والذهاب فى التراب ومنعه الله من ذلك حتى أنه ليبقى فى الغدران أياما وشهورا أو فى الآبار والعيون سنين أو لستم بخازنين له ثم أنزلتموه حين شئتم بل نحن الخازنون له فى قدرتنا ونرسله متى شئنا.

اطفيش

تفسير : {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لواقِحَ} لاقحات أَى حاملات للماءِ إلى السحاب تصبه فيها ويمر فيها كمرور اللبن فى الضرع ثم تمطره كما قال ابن مسعود، ولا تقطر من السماءِ إلا بعد ريح الصبا تثير السحاب فيكون ركاما، والشمال تجمعه وتسمى المؤلفة، والجنوب ترده وتسمى اللاحقة فيمتلىءْ بها ماءً، والدبور تفرقة بإنزال، يقال: لقحت الريح حملت الماءَ والناقة حملت الجنين فهو ثلاثى أَصالة، ويتعدى بالهمزة فيقال: أَلقح الريح السحاب والشجر والجمل الناقة وقيل: أَلقح بالهمزة لازم، وملقح اسم فاعل حذف الهمزة فقيل: لقحت فهى لاقح، أَو اللاقح نسب كتامر ولابن فلاقح على الأَصل أَو مختصر من ملقح اختصار لقح من أًلقح، أَو للنسب، ومن الاختصار قولهم أَطاحته الملمات وطوحته فهن طوائِح بدل مطيحات أَو مطوحات، أَى مهلكات، وأَصل طائح هالك، والريح جسم أَشد لطاقة من الماءِ سريع المرور فى الهواءِ، والهواءُ أَشد لطافة منه كالروح {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} من السحاب التى جمعتها الريح {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} جعلناه لكم سقيا لأنفسكم ودوابكم وحروثكم وأشجاركم، فالإِسقاءُ إِعطاءُ مادة من ماءٍ كقربة يشربها فى أَوقات وماجل وبركة وعين أَو جزءٍ منها، والسقى إشرابك أَحدا، وقيل هما بالمعنى الآخر كأَطعمه، صيره آكلا مرة، وأَطعمه أَعطاه ما يكفيه مدة كما يقال: أَطعمه وسقاه، ويناسب التفسير بالمادة قوله تعالى: {ومَا أَنْتُمْ لهُ بِخَازِنِينَ} إِنا أَعددناه لكم مادة فى الأَرض ضاءَات وعيونا، وفوق الجبال السفلية وتحتها وداخلها، ولا قدرة لكم على ذلك فإِن ذلك أولى من معنى أَنزلناه فأَشربناكم بعضه وخزنا بعضه، ومن شأْن الماءِ الغور والله يبقيه على الأَرض مدة وفى الطين أَو حيث شاءَ الله فى الأَبيار، أَو ما أنتم له بخازنين بمعنى ما أَنتم قادرون على إِخراجه، وهذا المعنى ناظر إِلى تشبيه القدرة بالخزانة، تقدرون على إِخراج ما فى خزائِنكم، ولا تقدرون على إِخراج الماء لولا الله، على أَن الخزائِن من ضرب مثل.

الالوسي

تفسير : {وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ} عطف على {أية : جَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ} تفسير : [الحجر: 20] وما بينهما اعتراض لتحقيق ما سبق وترشيح ما لحق، واللواقح جمع/ لاقح بمعنى حامل يقال: ناقة لاقح أي حامل، ووصف الرياح بذلك على التشبيه البليغ، شبهت الريح التي بالسحاب الماطر بالناقة الحامل لأنها حاملة لذلك السحاب أو للماء الذي فيه، وقال الفراء: إنها جمع لاقح على النسب كلابن وتامر أي ذات لقاح وحمل، وذهب إليه الراغب، ويقال لضدها ريح عقيم، وقال أبو عبيدة: {لَوَاقِحَ } أي ملاقح جمع ملقحة كالطوائح في قوله:شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة مختبط مما تطيح الطوائح تفسير : أي المطاوح جمع مطيحة، وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه فيها لتحمل، والمراد ملقحات للسحاب أو الشجر فيكون قد استعير اللقح لصب المطر في السحاب أو الشجر، وإسناده إليها على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز إذ الملقى في الشجر السحاب لا الريح والرياح اللواقح هي ريح الجنوب كما رواه ابن أبـي الدنيا عن قتادة مرفوعاً، وروى الديلمي بسند ضعيف عن أبـي هريرة نحوه، وأخرج ابن جرير وغيره عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله تعالى المبشرة فتقم الأرض قماً ثم يبعث المثيرة السحاب فتجعله كسفاً ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر. وقرأ حمزة {وأرسلنا الريح} بالإفراد على تأويل الجنس فتكون في معنى الجمع فلذا صح جعل {لَوَاقِحَ } حالاً منها وذلك كقولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، ولا تخالف هذه القراءة ما قالوه في حديث حديث : [اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً] تفسير : من أن الرياح تستعمل للخير والريح للشر لما قال الشهاب من أن ذلك ليس من الوضع وإنما هو من الاستعمال وهو أمر أغلبـي لا كلي فقد استعملت الريح في الخير أيضاً نحو قوله تعالى: {أية : وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } تفسير : [يونس: 22] أو هو محمول على الإطلاق بأن لا يكون معه قرينة كالصفة والحال، وأما كون المراد بالخير الدعاء بطول العمر ليرى رياحاً كثيرة فلا وجه له. {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآء} بعد ما أنشأنا بتلك الرياح سحاباً ماطراً {مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} جعلناه لكم سقيا تسقون به مزارعكم ومواشيكم وهو على ما قيل أبلغ من سقيناكم لما فيه من الدلالة على جعل الماء معداً لهم ينتفعون به متى شاؤا، وقد فرق بين اسقي وسقى غير واحد فقد قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام أو من السماء أو من نهر جار اسقيته أي جعلت شرباً له وجعلت له منه مسقى فإذا كان للشفة قالوا سقى ولم يقولوا أسقى، وقال أبو علي: يقال سقيته حتى روي وأسقيته نهراً جعلته شرباً له، وربما استعملوا سقى بلا همزة كأسقى كما في قول لبيد يصف سحاباً:شعر : أقول وصوته مني بعيد يحط اللث من قلل الجبال سقى قومي بني نجد وأسقى نميراً والقبائل من هلال تفسير : فإنه لا يريد بسقي قومي ما يروي عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقياً لبلادهم يخصبون بها وبعيد أن يسأل لقومه ما يروي ولغيرهم ما يخصبون به، ولا يرد على قول الأزهري أنه لا يقال أسقى في سقيا الشفة قول ذي الرمة:شعر : وأسقيه حتى كاد مما أبثه يكلمني أحجاره وملاعبه تفسير : قال الإمام: لأنه أراد بأسقيه أدعو له بالسقيا ولا يقال في ذلك كما قال أبو عبيد سوى أسقى، هذا وقد جاء الضمير هنا متصلاً بعد ضمير منصوب متصل أعرف منه ومذهب سيبويه في مثلك ذلك وجوب الاتصال. {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ} نفي سبحانه عنهم ما أثبته لجنابه بقوله جل جلاله: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } تفسير : [الحجر: 21] كأنه/ قيل: نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين، وقيل: المراد نفي حفظه أي وما أنتم له بحافظين في مجاريه عن أن يغور فلا تنتفعون به وعن سفيان أن المعنى وما أنتم له بمانعين لإنزاله من السماء.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال بظواهر السماء وظواهر الأرض إلى الاستدلال بظواهر كرة الهواء الواقعة بين السماء والأرض، وذلك للاستدلال بفعل الرياح والمنة بما فيها من الفوائد. والإرسال: مجاز في نقل الشيء من مكان إلى مكان. وهذا يدل على أن الرياح مستمرة الهبوب في الكرة الهوائية. وهي تظهر في مكان آتية إليه من مكان آخر وهكذا.... و{لواقح} حال من {الرياح}. وقع هذا الحال إدماجاً لإفادة معنيين كما سيأتي عن مالك ــــ رحمه الله ــــ. و{لواقح} صالحٌ لأن يكون جمع لاَقح وهي الناقة الحبلى. واستعمل هنا استعارة للريح المشتملة على الرطوبة التي تكون سبباً في نزول المطر، كما استعمل في ضدها العقيم ضد اللاقح في قوله تعالى {أية : إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} تفسير : [سورة الذاريات: 41]. وصالح لأن يكون جمع مُلقح وهو الذي يجعل غيره لاقحاً، أي الفحل إذا ألقح الناقة، فإن فواعل يجيء جمعَ مُفعل مذكرٍ نادراً كقول الحارث أو ضرار النهشلي:شعر : لبيك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيحُ الطوايح تفسير : روعي فيه جواز تأنيث المشبه به. وهي جمع الفحول لأن جمع ما لا يعقل يجوز تأنيثه. ومعنى الإلقاح أن الرياح تلقح السحاب بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة متعاقبين فينشأ عن ذلك البخار الذي يصير ماء في الجو ثم ينزل مطراً على الأرض؛ وأنها تلقح الشجر ذي الثمرة بأن تَنقُلَ إلى نَوْره غبرة دقيقة من نور الشجر الذكر فتصلح ثمرته أو تثبت، وبدون ذلك لا تثبت أو لا تصلح. وهذا هو الإبّار. وبعضه لا يحصل إلا بتعليق الطلع الذكر على الشجرة المثمرة. وبعضه يكتفي منه بغرس شجرة ذكر في خلال شجر الثمر. ومن بلاغة الآية إيراد هذا الوصف لإفادة كلا العمليْن اللّذين تعملهما الرياح، وقد فُسرت الآية بهما. واقتصر جمهور المفسرين على أنها لواقح السحاب بالمطر. وروى أبو بكر بن العربي عن مالك أنه قال: قال الله تعالى {وأرسلنا الرياح لواقح} فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل ولا أريد ما ييبس في أكمامه ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذٍ لم يكن فساداً لا خير فيه. ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت. وفرع قوله {فأنزلنا من السماء ماء} على قوله {وأرسلنا الرياح}. وقرأ حمزة {وأرسلنا الريح لواقح} بإفراد «الريح» وجمع «لواقح» على إرادة الجنس والجنس له عدة أفراد. و{أسقيناكموه} بمعنى جعلناه لكم سقياً، فالهمزة فيه للجعل. وكثر إطلاق أسقى بمعنى سقى. واستعمل الخزن هنا في معنى الخزن في قوله آنفاً {أية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} تفسير : [سورة الحجر: 21] أي وما أنتم له بحافظين ومنشئين عندما تريدون.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}. اللواقح لاقح وأصل اللاقح التي قبلت اللقاح فحملت الجنين، ومنه قول ذي الرمة: شعر : إذا قلت عاج أو تفتيت أبرقت بمثل الخوافي لاقحاً أو تلقح تفسير : وأصل تلقح تتلقح حذفت إحدى التاءين أي توهم أنها لاقح وليس كذلك ووصف الرياح بكونها لواقح لأنها حوامل تحمل المطر كما قال تعالى {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} تفسير : [الأعراف: 57] أي حملت سحاباً ثقالاً فاللواقح من الإبل حوامل الأجنة واللواقح من الريح حوامل المطر فالجميع يأتي بخير ولذا كانت الناقة التي لا تلد يقال لها عقيم كما أن الريح التي لا خير فيها يقال لها عقيم كما قال تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ}تفسير : [الذاريات: 41] الآية، وقال بعض العلماء اللواقح بمعنى الملاقح أي التي تلقح غيرها من السحاب والشجر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد النسبة فقوله لواقح أي ذوات لقاح كما يقال سائف ورامح أي ذو سيف ورمح ومن هذا قول الشاعر: شعر : وغررتني وزعمت أنك لابن في الحي تامر تفسير : أي ذو لبن وتمر، وعلى هذا فمعنى لواقح أي ذوات لقاح لأنها تلقح السحاب والشجر. الوجه الثاني: أن لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة وملقح اسم فاعل ألقحت السحاب والشجر كما يلقح الفحل الأنثى وغاية ما في هذا القول إطلاق لواقح وإرادة ملاقح ونظيره قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : فإن الرواية تطيح بضم التاء من أطاح الرباعي والمناسب لذلك المطيحات لا الطوائح ولكن الشاعر أطلق الطوائح وأراد المطيحات، كما قيل هنا بإطلاق اللواقح وإرادة الملاقح أي الملقحات باسم الفاعل ومعنى إلقاح الرياح السحاب والشجر أن الله يجعلها لهما كما يجعل الذكر للأنثى فكما أن الأنثى تحمل بسبب ضراب الفحل فكذلك السحاب يمتلىء ماء بسبب مري الرياح له والشجر ينفتق عن أكمامه وأوراقه بسبب إلقاح الريح له. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر فتنفتح عن أوراقها وأكمامها وقال السيوطي في الدر المنثور: "وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فيدر كما تدر اللقحة ثم يمطر". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب فتمري به السحاب فيدر كما تدر اللقحة. وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر:22]، قال: تلقح الشجرة وتمري السحاب: وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء رضي الله عنه قال قلت للحسن رضي الله عنه: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال: لواقح للشجر، قلت: أو السحاب، قال: وللسحاب تمر به حتى يمطر. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال: تلقح الماء في السحاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال: الريح يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلىء ماء. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ريح الجنوب من الجنة"تفسير : وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفخة منها فبردها هذا من ذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح ". تفسير : هذا حاصل معنى كلام العلماء في الرياح اللواقح وقد قدمنا قول من قال إن اللواقح هي حوامل المطر وأن ذلك القول يدل له قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً}تفسير : [الأعراف: 57] أي حملتها وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون للشيء أوصاف فيذكر بعضها في موضع فإنا نبين بقية تلك الأوصاف المذكورة في مواضع أخر ومثلنا لذلك بظل أهل الجنة فإنه تعالى وصفه في سورة النساء بأنه ظليل في قوله: {أية : وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} تفسير : [النساء: 57] وقد وصفه بأوصاف أخر في مواضع أخر وقد بينا صفات ظل أهل الجنة المذكورة في غير ذلك الموضع كقوله: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} تفسير : [الرعد: 35] وقوله: {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}تفسير : [الواقعة: 30] إلى غير ذلك من أوصافه وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى وصف الرياح في هذه الآية بكونها لواقح وقد بينا معنى ذلك آنفاً ووصفها في مواضع أخر بأوصاف أخر من ذلك وصفه لها بأنها تبشر بالسحاب في قوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} تفسير : [الروم: 46] وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 57] على قراءة من قرأها بالباء ومن ذلك وصفه لها بإثارة السحاب كقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً}تفسير : [الروم: 48] الآية وقال صاحب الدر المنثور وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبيد بن عمير قال "يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قماً ثم يبعث المبشرة فتثير السحاب فيجعله كسفاً ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر" وأخرج ابن المنذر عن عبيد بن عمير قال: "الأرواح أربعة ريح تقم وريح تثير تجعله كسفاً وريح تجعله ركاماً وريح تمطر"اهـ. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: أخذ مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة أن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك واللفظ لأشهب. قال مالك: قال الله تعالى {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل ولا أدري ما ييبس في أكمامه ولكن يحبب حتى يكون لو يبس لم يكن فساداً لا خير فيه ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت منها ما يثبت وليس ذلك بأن تورد. قال ابن العربي: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة وعليه جاء الحديث: "نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد" اهـ من القرطبي. قال مقيد عفا الله عنه: استنباط الإمام مالك المذكور من هذه الآية، لأن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل، واستدلال ابن العربي له بالحديث المذكور ليس بظاهر عندي كل الظهور. المسألة الثانية: اعلم أن تلقيح الثمار هو إبارها، وهو أن يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث، ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التيس وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظوراً إليها. والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط، وحد تلك في الزرع ظهوره من الأرض، قاله مالك. وقد روي عنه أن إباره أن يحبب اهـ، قاله القرطبي. وقال أيضاً: لم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره مما حاله مثل حاله أن حكمة حكم ما أبر، فإن أبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعاً له، كما أن الحائط إذا بدا صلاح بعضه كان سائر الحائط تبعاً لذلك الصلاح في جواز بيعهاهـ. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح. المسألة الثالثة: إذا بيع حائط نخل بعد أن أبر فثمرته للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، فإن اشترطها المبتاع فهي له، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع"تفسير : متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. فإن بيعت النخل قبل التأبير فالثمرة للمشتري، واختلف في استثناء البائع لها، فمشهور مذهب مالك أنها كالجنين لا يجوز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها بناء على أن المستثني مشتري خلافاً لتصحيح اللخمي جواز استثناء البائع لها بناء على أن المستثنى مبقى وجواز استثنائها هو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى. قال مقيده عفا الله عنه: وهو أظهر عندي لأن كون المستثني مبقي أظهر من كونه مشتري لأنه كان مملوكاً لبائع، ولم يزل على ملكه لأن البيع لم يتناوله لاستثنائه من جملة المبيع كما ترى. وهذا الذي ذكرنا في هذه المسألة هو الحق إن شاء الله تعالى، فما أبر فهو للبائع إلا بشرط، وما لم يؤبر فهو للمشتري إلا بشرط خلافاً لابن أبي ليلى القائل: هي للمشتري في الحالين لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة فكانت تابعة له كالأغصان. وهذا الاستدلال فاسد الاعتبار لمخالفته لحديث ابن عمر المتفق عليه المذكور آنفاً، فقد صرح فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن البيع إن كان وقع بعد التأبير فالثمرة للبائع، وخلافاً للإمام أبي حنيفة والأوزاعي رحمهما الله تعالى في قولهما: إنها للبائع في الحالين. والحديث المذكور يرد عليهما بدليل خطابه أعني مفهموم مخالفته لأن قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من ابتاع نخلاً قد أبرت" تفسير : الحديث يفهم منه أنها إن كانت غير مؤبرة فليس الحكم كذلك وإلا كان قوله "قد أبرت" وقوله "بعد أن تؤبر" في بعض الروايات لغواً لا فائدة فيه فيتعين أن ذكر وصف التأبير ليحترز به عن غيره، ومعلوم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لا يقول بحجته مفهوم المخالفة، فالجاري على أصوله أن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور نص على حكم الثمرة المؤبرة وسكت عن غير المؤبرة فلم يتعرض لها أصلاً. وإن أبر بعض الثمرة التي بيعت أصولها وبعضها الآخر لم يؤبر فمذهب مالك أنه إن كان أحدهما أكثر فالأقل تابع له، وإن استويا فلكل حكمه، فالمؤبر للبائع وغيره للمشتري. ومذهب الإمام أحمد أن لكل واحد من المؤبر وغيره حكمه، وأبو حنيفة لا فرق عنده بين المؤبر وغيره فالجميع عنده للبائع إلا إذا اشترطه المبتاع، ومذهب الشافعي رحمه الله الصحيح من الخلاف أن ما لم يؤبر تبع للمؤبر فيبقى الجميع للبائع دفعاً لضرر اختلاف الأيدي. واعلم أن استثناء بعض الثمرة دون بعض يجوز في قوله جمهور العلماء وفاقاً لأشهب من أصحاب مالك وخالف ابن القاسم فقال: لا يجوز استثناء بعض المؤبرة. وحجة الجمهور أن ما جاز استثناء جميعه جاز استثناء بعضه، وحجة ابن القاسم أن النص إنما ورد في اشتراط الجميع. واعلم أن أكثر العلماء على أن الثمرة المؤبرة التي هي للبائع إن لم يستثنها المشتري فإنها تبقى إلى وقت الانتفاع المعتاد بها ولا يكلفه المشتري بقطعها في الحال، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وخالف في ذلك أبو حنيفة قائلاً: يلزم قطعها في الحال وتفريغ النخل منها لأنه مبيع مشغول بملك البائع فلزم نقله وتفريغه منه كما لو باع داراً فيها طعام أو قماش له. واحتج الجمهور بأن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة كما لو باع داراً فيها طعام لم يجب نقله على حسب العادة في ذلك وهو أن ينقله نهاراً شيئاً بعد شيء ولا يلزمه النقل ليلاً ولا جمع دواب البلد لنقله، كذلك ها هنا يفرغ النخل من الثمرة في أوان وهو وقت الجذاذ، قاله ابن قدامة في المغني. المسألة الرابعة: لو اشتريت النخل وبقيت الثمرة للبائع فهل لمشتري الأصل أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها؟ أولاً: اختلف العلماء في ذلك، فمشهور مذهب مالك جواز ذلك لأن لها عنده حكم التبعية وإن أفردت بالعقد، وعنه في رواية أخرى: لا يجوز ذلك. وللشافعية والحنابلة وجهان بالمنع والجواز. قال ابن قدامة في المغني، ونسب القرطبي للشافعي وأبي حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء الحديث القول بمنع ذلك ثم قال: وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. المسألة الخامسة: إذا اشتريت الثمرة وحدها دون الأصل قبل بدو صلاحها فلها ثلاث حالات: الأولى: أن يبيعها بشرط التبقية إلى وقت الجذاذ، وفي هذه الحالة لا يصح البيع إجماعاً. الثانية: أن يبيعها بشرط قطعها في الحال، وفي هذه الحالة يصح البيع إجماعاً. الثالثة: أن يبيعها من غير شرط تبقية ولا قطع بل سكتا عن ذلك وعقدا البيع مطلقاً دون شرط، وفي هذه الحالة لا يصح البيع عند جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى. وأجاز أبو حنيفة رحمه الله البيع في هذه الحالة وأوجب قطع الثمرة حالاً، قال: لأن إطلاق العقد يقتضي القطع فهو كما لو اشترطه، وحجة الجمهور إطلاق النصوص الواردة بذلك عنه صلى الله عليه وسلم. من ذلك ما أخرجه الشيخان والإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع، وفي لفظ نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أنس رضي الله عنه قال: "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل وما زهوّها؟ قال تحمار وتصفار" تفسير : ومن ذلك أيضاً ما رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها" تفسير : ومن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه عن أنس رضي الله عنه حديث : "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد" . تفسير : فإطلاقات هذه النصوص ونحوها تدل على منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها في حالة الإطلاق وعدم الاشتراط كما تقدم. وقرأ هذه الآية الكريمة جماهير القراء {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاح} بصفة الجمع وقرأها حمزة {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ} بالإفراد والألف واللام على قراءة حمزة للجنس ولذلك صح الجمع في قوله {لواقح} قال أبو حيان في البحر المحيط ومن قرأ بإفراد الريح فعلى تأويل الجنس كما قالوا أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض اهـ. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوه}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء وجعله إياه عذباَ صالحاً للسقيا وبين ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ}تفسير : [الواقعة: 68-70] وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [النحل: 10-11] وقوله {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً}تفسير : [الفرقان: 48-49] إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أن أسقى وسقى لغتان معناهما واحد كأسرى وسرى والدليل على ذلك القراءتان السبعيتان في قوله: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}تفسير : [النحل: 66] فإنه قرأه بعض السبعة بضم النون من أسقى الرباعي وقرأه بعضهم بفتحها من سقى الثلاثي ويدل على ذلك أيضاً قول لبيد: شعر : سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}. فيه للعلماء وجهان من التفسير كلاهما يشهد له قرآن الأول: أن معنى {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي ليست خزائنه عندكم بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا وهذا الوجه تدل عليه آيات كقوله {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21] وقوله: {أية : وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [المنافقون: 7] الآية ونحو ذلك من الآيات، والوجه الثاني: أن معنى {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} بعد أن أنزلناه عليكم لا تقدرون على حفظه في الآبار والعيون والغدران بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 18] وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ}تفسير : [الملك: 30] وقوله: {أية : أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} تفسير : [الكهف: 41] وقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 21] الآية إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {وأرسلنا الرياح لواقح} السَّحاب تَمُجُّ الماء فيه، فهي لواقح، بمعنى: ملقحاتٌ. وقيل: لواقح: حوامل؛ لأنَّها تحملُ الماء والتُّراب والسَّحاب {فأسقيناكموه} جعلناه سقياً لكم {وما أنتم له} لذلك الماء المنزل من السَّماء {بخازنين} بحافظين، أَيْ: ليست خزائنه بأيديكم. {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} إذا مات جميع الخلائق. {ولقد علمنا المستقدمين...} الآية. حضَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصَّف الأوَّل في الصَّلاة، فازدحم النَّاس عليه، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. يقول: قد علمنا جميعهم، وإنَّما نجزيهم على نيَّاتهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلرِّيَاحَ} {لَوَاقِحَ} {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} {بِخَازِنِينَ} (22) - وَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى الرِّيَاحَ، فَتَلْقَحُ السَّحَابَ فَتَذُرُّ بِالمَاءِ، وَتَلْقَحُ الشَّجَرَ، فَتَتَفَتَّحُ عَنْ أَوْرَاقِهَا وَأَكْمَامِهَا وَأَثْمَارِهَا، فَهِيَ رِيَاحٌ يَكُونُ مِنْهَا الإِنْتَاجُ (وَهَذِهِ الرِّيَاحُ هِيَ غَيْرُ الرِّيحِ العَقِيمِ التِي لاَ تُنْتِجُ شَيْئاً)، وَيُنْزِلُ اللهُ المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ عَذْباً تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَشْرَبُوا مِنْهُ، وَلَسْتُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَحْفَظُونَهُ، وَإِنَّمَا اللهُ هُوَ الذِي يَحْفَظُهُ فِي العُيَونِ وَالأَنْهَارِ وَالآبَارِ، لِيَسْتَقِيَ مِنْهُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ وَالزُّرُوعُ وَالأَشْجَارُ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى - لَسْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ - هُوَ: لَيْسَتْ خَزَائِنُهُ فِي أَيْدِيكُمْ). الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ - حَوَامِلَ للسَّحَابِ أَوْ لِلْمَاءِ تَمُجُّهُ فِيهِ، أَوْ مُلْقِحَاتٍ لِلسَّحَابِ أَوْ لِلأَشْجَارِ.

الثعلبي

تفسير : {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ} قرأ العامّة بالجمع لأنها موصوفة وهو قوله: {لَوَاقِحَ}، وقرأ بعض أهل الكوفة: الريح على الواحد وهو في معنى الجمع أيضاً وإن كان لفظها لفظ الواحد، لأنه يقال: جاءت الريح من كل جانب، وهو مثل قوله: أرض سباسب وثوب أخلاق، وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتّسع، وقول العلماء في وجه وصف الرياح: باللقح، وإنما هي ملقّحة لانها تلقح السحاب والشجر. فقال قوم: معناها حوامل؛ لأنها تحمل الماء والخير والنفع لاقحة كما يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد، ويشهد على هذا قوله: {أية : ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ}تفسير : [الذاريات: 41] فجعلها عقيماً إذا لم تلقح ولم يكن فيها ماء ولا خير، فمن هذا التأويل قول ابن مسعود في هذه الآية قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمري السحاب فتدرّ كما تدرّ اللقحة ثمّ يمطر. قال الطرماح: شعر : لأفنان الرياح للاقح قال منها وحائل تفسير : وقال الفراء: أراد ذات لقح. كقول العرب: رجل نابل ورامح وتامر. قال أبو عبيدة: أراد ملاقح جمع ملقحة كما في الحديث «أعوذ بالله من كل لامّة» أي ملمّة. قال النابغة: شعر : كليني لهمَ يا أميمة ناصب وليل أُقاسيه بطيء الكواكب تفسير : أي منصب. قال زيد بن عمر: يبعث الله المبشرة فتقمّ الأرض قمّا، ثمّ يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثمّ يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثمّ يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثمّ تلا: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}. وقال أبو بكر بن عياش: لا يقطر قطرة من السحاب إلاّ بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه: فالصبا تهيّجه، والدبور تلقحه، والجنوب تدرّه، والشمال تفرقه. ويروي أبو المهزم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الريح الجنوب من الجنة وهي الرياح اللواقح التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس ". تفسير : {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي جعلنا المطر لكم سقياً، ولو أراد أنزلناه ليشربه لقال: فسقيناكموه، وذلك أن العرب تقول: سقيت الرجل ماءً ولبناً وغيرهما ليشربه، إذا كان لسقيه، فإذا جعلوا له ماءً لشرب أرضه أو ماشيته قالوا: أسقيته وأسقيت أرضه وماشيته، وكذلك إذا استسقت له، قالوا: أسقيته واستسقيته، كما قال ذو الرمة: شعر : وقفت على رسم لميّة ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتّى كاد مما أبثّه تكلمني أحجاره وملاعبه تفسير : قال المؤرخ: ما تنال الأيدي والدلاء فهو السقي ومالا تنال الأيدي والدلاء فهو الإسقاء. {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} يعني المطر. قال سفيان: بما نعين. {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ} بأن نميت جميع الخلق فلا يبقى من سوانا، نظيره قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}تفسير : [مريم: 40]. {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ}. ابن عبّاس: أراد بالمستقدمين: الأموات، والمستأخرين: الأحياء. عكرمة: المستقدمين: من خلق، والمستأخرين: من لم يخلق، قد علم من خلق إلى اليوم وقد علم من هو خالقه بعد اليوم. قتادة: المستقدمون: من مضى، والمستأخرون: من بقي في أصلاب الرجال. الشعبي: من إستقدم في أول الخلق، ومن إستأخر في آخر الخلق. مجاهد: المستقدمون: القرون الأُولى، والمستأخرون: أُمة محمّد (صلى الله عليه وسلم ). الحسن: المستقدمون بالطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عن الطاعة والخير. وقيل: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة،والمستأخرين فيها بسبب النساء. وروى أبو الجوزاء وابن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: كانت النساء يخرجن إلى الجماعات فيقوم الرجال صفوفاً [خلف] النبي صلى الله عليه وسلم والنساء صفوفاً خلف صفوف الرجال، وربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى الصف الأخير من صفوف الرجال، وربما كان في النساء من في قلبها ريبة فتتقدّم إلى أول صف النساء لتقرب من الرجال، وكانت إمرأة من أحسن الناس لا والله ما رأيت مثلها قط، تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم وكان بعض الناس ويتقدّم في الصف الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتّى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع وسجد نظر إليها من تحت يديه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها ". تفسير : وقال الربيع بن أنس: حضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصف الأوّل في الصلاة فأزدحم الناس عليه، وكانت بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد. فقالوا: نبيع دورنا ونشتري دوراً قريبة من المسجد، فأنزل الله تعالى هذه الآية وفيهم نزلت: {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}تفسير : [يس: 12]. الأوزاعي: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} يعني المصلين في أوّل الأوقات،{وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} يعني المؤخرين صلاتهم إلى آخر الأوقات. مقاتل بن حيان: يعني المستقدمين والمستأخرين في صف القتال. ابن عيينة: يعني من يسلم ومن لا يسلم. {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ}. قال ابن عبّاس: وكلهم ميت ثمّ يحشرهم ربهم جميعاً الأوّل والآخر {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعني آدم (عليه السلام)، قال إنساناً لانه عهد إليه فنسي. وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة وقالوا: وزنه انسيان على وزن إفعلان فأسقط الياء منه لكثرة جريانه على الألسن، فإذا صُغّر ردت الياء إليه فيقول أنيسان على الأصل لأنه لايكثر صغراً كما لا يكبر مكبراً. وقال آخرون: إنما سمّي إنساناً لظهوره وإدراك البصر إياه وإليه ذهب نحاة البصرة وقالوا: هو على وزن فعلان فزيدت الياء في التصغير كما زيدت في تصغير رجل فقالوا: رويجل وليلة فقالوا: لويلة. {مِن صَلْصَالٍ} وهو الطين اليابس إذا نقرته سمعت له صلصلة أي صوتاً من يبسه، قيل: أن تمسه النار فإذا أصابته النار فهو فخار، هذا قول أكثر المفسرين. وروى أبو صالح عن ابن عبّاس: هو الطين الحرّ الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق وإذا حرّك تقعقع. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو الطين المنتن، واختاره الكسائي وقال هو من قول العرب: صل اللحم وأصلّ إذا أنتن. {مِّنْ حَمَإٍ} جمع حمأة {مَّسْنُونٍ}. قال ابن عبّاس: هو التراب المبتل المنتن، يجعل صلصالاً كالفخار ومثله، قال مجاهد وقتادة: المنتن المتغير. قال الفرّاء: هو المتغير وأصله من قول العرب: سننت الحجر على الحجر أي أحككته وما يخرج من بين الحجرين يقال له السنن السنانة ومنه المسن. أبو عبيدة: هو المصبوب، وهو من قول العرب: سننت الماء على الوجه وغيره إذا صببته. [سيبويه]: المسنون: المصور، مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته. قال ذو الرمة: شعر : [تريك] سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب. تفسير : {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْل}. قال ابن عبّاس: هو أب الجن. قتادة ومقاتل: هو أبليس، خُلق قبل آدم. {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}. قال ابن عبّاس: السموم: الحارة التي تقتل. الكلبي عن أبي صالح عنه: هي نار لادخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله له أمراً خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت، فالهدّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. أبو روق عن الضحاك عن إبن عبّاس قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار. روى سعيد عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمرو بن الأصم أعوده فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من عبد الله [قال: بلى، قال: ] سمعت عبد الله يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان وتلا: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والإرسال هو الدَّفْع للشيء من حَيّز إلى حَيِّز آخر، وحين يقول سبحانه إنه أرسل الرياح؛ نجد أنها مُرْسلَة من كُلّ مكان إلى كُلّ مكان؛ فهي مُرْسَلة من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا. وهكذا يكون كل مكان؛ هو موقع لإرسال الرياح؛ وكل مكان هو موقع لاستقبالها؛ ولذلك نجد الرياح وهي تسير في دَوْرة مستمرة؛ ولو سكنتْ لمَا تحرَّك الهواء، ولأُصِيبتْ البشرية بالكثير من الأرض؛ ذلك أن الرياح تُجدّد الهواء، وتُنظِّف الأمكنة من الرُّكود الذي يُمكِن أن تصيرَ إليه. ونعلم أن القرآن حين يتكلم عن الرياح بصيغة الجمع فهو حديث عن خير، والمثل هو قول الحق سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ..} تفسير : [الأعراف: 57]. أما إذا أُفرد وجاء بكلمة "ريح" فهي للعذاب، مثل قوله: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6]. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22]. ولواقح جمع لاقحة، وتُطلَق في اللغة مرَّة على الناقة التي في بطنها جنين؛ ومرة تُطلَق على اللاقح الذي يلقح الغير ليصير فيه جنين؛ لأن الحق سبحانه شاء أن يتكاثر كل ما في الكون؛ وجعل من كُلٍّ زوجين اثنين؛ إما يتكاثر أو تتولد منه الطاقة؛ كالسالب والموجب في الكهرباء. وهو القائل سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ..} تفسير : [يس: 36]. ثم عَدَّد لنا فقال: {أية : مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 22]. وهناك أشياء لا يُدركها الإنسان مثل شجرة الجُمَّيز؛ التي لا يعلم الشخص الذي لم يدرس علم النبات كيف تتكاثر لتنبت وتُثمِر، ويعلم العالِم أن هناك شجرةَ جُميز تلعب دور الأنثى، وشجرةً أخرى تلعب دور الذَّكَر. وكذلك شجرة التوت؛ وهناك شجرة لا تُعرَف فيه الأنثى من الذَّكر؛ لأنه مكمور توجد به الأُنثى والذَّكَر، وقد لا تعرف أنت ذلك؛ لأن الحق سبحانه جعل اللُّقاحةَ خفيفةً للغاية؛ لتحملَها الريحُ من مكان إلى مكان. ونحن لم نَرَ كيف يتم لقاح شجرة الزيتون؛ أو شجرة المانجو، أو شجرة الجوافة، وذلك لنأخذ من ذلك عبرةً على دِقّة صَنْعته سبحانه. والمثَل الذي أضربه دائماً هو المياه التي تسقط على جبلٍ ما؛ وبعد أيام قليلة تجد الجبل وقد امتلأ بالحشائش الخضراء؛ ومعنى هذا أن الجبل كانت توجد به بذور تلك الحشائش التي انتظرتْ الماء لِتُنبت. وتعرّف العلماء على أن الذكورة بعد أن تنضج في النبات فهي تنكشف وتنتظر الرياح والجو المناسب والبيئة المناسبة لتنقلها من مكان إلى مكان. ولهذا نجد بعضاً من الجبال وهي خضراء بعد هبوب الرياح وسقوط المطر؛ ذلك أن حبوب اللقاح انتقلت بالرياح، وجاء المطر لتجد النباتات فرصةً للنمو. وقد تجد جبلاً من الجبال نصفه أخضر ونصفه جَدْب؛ لأن الرياحَ نقلتْ للنصف الأخضر حبوبَ اللقاح، ولم تنقل الحبوب للنصف الثاني من الجبل؛ ولذلك نجد الحق سبحانه قد جعل للرياح دورةً تنتقل بها من مكان لمكان، وتدور فيها بكل الأماكن. ويتابع سبحانه في نفس الآية: {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً ..} [الحجر: 22]. وقد تبيّن لنا أن المياه نفسها تنشأ من عملية تلقيح؛ وبه ذكورة وأنوثة. وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22]. أي: أنكم لن تخزنوا المياه لأنكم غير مأمونين عليه، وإذا كان الله قد هدانا إلى أن نخزنَ المياه، فذلك من عطاء الله؛ فلا يقولنّ أحد: لقد بنينا السدود؛ بل قُلْ: هدانا الله لِنبنيَها؛ بعد أن يسقطَ المطر؛ ذلك أن المطر لو لم يسقط لَمَا استطعنا تخزينَ المياه. وعلى هذا يكون سبحانه هو الذي خزنَ المياه حين أنزله من السماء بعد أنْ هدانا لنبنيَ السدود. وأنت حين تريد كوباً من الماء المُقطّر؛ تذهب إلى الصيدلي لِيُسخِّن الماء في جهاز مُعيّن؛ ويُحوّله إلى بخار، ثم يُكثّف هذا البخار لِيصِيرَ ماء مُقطّراً، وكل ذلك يتمّ في الكون، وأنت لا تدري به. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} معناه الرِّيحُ تُلقِحُ السَّحابَ، ثُمَّ تَمرُ بِهِ، ثُمَّ تُدُرهُ، كَما تَدُرُ المُلقَحَةُ، ثُمَّ تَمطِرُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وسخرنا الرياح، رياح الرحمة تلقح السحاب، كما يلقح الذكر الأنثى، فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله، فيسقيه الله العباد ومواشيهم وأرضهم، ويبقى في الأرض مدخرا لحاجاتهم وضروراتهم ما هو مقتضى قدرته ورحمته، { وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } أي: لا قدرة لكم على خزنه وادخاره، ولكن الله يخزنه لكم ويسلكه ينابيع في الأرض رحمة بكم وإحسانا إليكم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 470 : 2 : 5 - سفين عن الأعمش عن إبراهيم في قوله {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال، تلقح السحاب، تجمعه. [الآية 22]. 471 : 3 : 19 - سفين {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} بمانعين. [الآية 22].

همام الصنعاني

تفسير : 1436- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}: [الآية: 22]، قال: تلقح الماء في السحاب معمر، وقاله الكلبي أيضاً. 1437- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن حيان بن عمير، عن ابن عبَّاسٍ، قالَ: ما رَاحَتْ جنوب قط، إلا سالَ في وَادٍ، رأيتموه أو لم تروه. 1438- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: الجنوب سيدة الرياح. واسْمُها عند الله الأديب: ومن دُونها [سبعة أبواب أنزلت] وإنَّما تَأتيكم من خلالها. ولو فتح منها باب واحد لأذرت ما بين السماءِ والأرض وهِيَ ريحُ الجنَّة. تفسير : 1439- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن عائشة قالت: حديث : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مَخِيلَةً تغيَّرَ وَجْهُُهُ ودَخَل وخَرَج، وأقبل وأدْبَر، فإذا مطرت سُريَ عنْهُ، فذكرت ذلِكَ له. فقال: "ما آمنت أن يكون كما قال الله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ}: إلى قوله {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} . تفسير : 1440- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم، عن عائشة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا رَأى الغيث، قال: "حديث : اللَّهُمَ صَبّاً هنيئاً أو صَيِّباً ". تفسير : 1441- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن إبراهيم، قال، كان يقول: إذا هاجت ريحٌ أو ظلمة قال: اللهم اجعلها [ريحاً لواقح لا ريحً عقيماً]. 1442- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن برقان، أنه بلغه عن حذيفة، أنه كَانَ إذَا سمع الرعْدَ قال: اللهم لا تُسَلِّط علينا سخطك، ولا تُهْلِكنا بعذابكَ، وعافِنا قبل ذلِكَ. 1443- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن طاوس، قال: ثار سحاب في وَادٍ، كَانَ إذا ثَارَ في ذلكَ الوادي سحاب كَانَ عام خَصْب فلما ثَارَ، قال لهم هود: قد جاءكم العذاب، فقالوا: أتعدُنَا العذاب وهذا واد إذَا سارَ فيه سحابٌ كان عاماً متعالماً فيه الخصْب، قال: فلم يُرعهم إلا الريح قَدْ جَاءَت بالغَيْم ونزعاتها، قال: وجعلت تدخل تحت البيت، فتلُفَّ ما فِيهِ، ثم تحلق به في السماءِ.