١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شيء موزون وجعل فيها معايش أتبعه بذكر ما هو كالسبب لذلك فقال: {وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ }. وهذا هو النوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه السورة على تقرير التوحيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الخزائن جمع الخزانة، وهو اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ والخزانة أيضاً عمل الخازن، ويقال: خزن الشيء يخزنه إذا أحرزه في خزانة، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَآئِنُهُ } هو المطر، وذلك لأنه هو السبب للأرزاق ولمعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش، فلما ذكر تعالى أنه يعطيهم المعايش بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده، أي في أمره وحكمه وتدبيره، وقوله: {وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } قال ابن عباس رحمهما الله: يريد قدر الكفاية، وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر، ولكنه يمطر قوم ويحرم قوم آخرون، وربما كان في البحر، يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام بقدر معلوم، غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث شاء كما شاء. ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } لا يدل على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوام على قدر واحد، وإذا كان كذلك كان تفسير الآية بهذا المعنى تحكماً من غير دليل. وأقول أيضاً: تخصيص قوله تعالى: {وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } بالمطر تحكم محض، لأن قوله: {وَإِن مِّن شيْءٍ } يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل، وهو الموجود القديم الواجب لذاته، وقوله: {إلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ } إشارة إلى كون تلك الأشياء مقدورة له تعالى. وحاصل الأمر فيه أن المراد أن جميع الممكنات مقدورة له، ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء إلا أنه تعالى وإن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن الذي يخرجه منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهياً لأن دخول ما لا نهاية له في الوجود محال فقوله: {وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } إشارة إلى أن كل ما يدخل منها في الوجود فهو متناه، ومتى كان الخارج منها إلى الوجود متناهياً كان لا محالة مختصاً في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو بعده بدلاً عنه، وكان مختصاً بحيز معين مع جواز حصوله في سائر الأحياز بدلاً عن ذلك الحيز، وكان مختصاً بصفات معينة، مع أنه كان يجوز في العقل حصول سائر الصفات بدلاً عن تلك الصفات، وإذا كان كذلك كان اختصاص تلك الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين والحيز المعين، والصفات المعينة بدلاً عن أضدادها لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وهذا هو المراد من قوله: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } والمعنى: أنه لولا القادر المختار الذي خصص تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات الجائزة، والمراد من الإنزال الإحداث والإنشاء والإبداع كقوله تعالى: { أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [الزمر: 6] وقوله: { أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ } تفسير : [الحديد: 25]، والله أعلم. المسألة الثانية: تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شيء قال لأن قوله تعالى: {وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } يقتضي أن يكون لجميع الأشياء خزائن، وأن تكون تلك الخزائن حاصلة عند الله تعالى، ولا جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند الله تعالى هي تلك الموجودات من حيث إنها موجودة، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } الإحداث والإبداع والإنشاء والتكوين، وهذا يقتضي أن يكون حصول تلك الخزائن عند الله متقدماً على حدوثها ودخولها في الوجود، وإذا بطل هذا وجب أن يكون المراد أن تلك الذوات والحقائق والماهيات كانت متقررة عند الله تعالى، بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود. ولقائل أن يجيب عن ذلك بقوله: لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد ههنا على سبيل التمثيل والتخييل، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى قادراً على إيجاد تلك الأشياء وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود؟ وعلى هذا التقدير يسقط الإستدلال، والمباحثات الدقيقة باقية، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَ } فاعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في وصف الرياح بأنها لواقح. أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: الرياح لواقح للشجر وللسحاب، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وأصل هذا من قولهم: لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى الماء فيها فحملت، فكذلك الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب. قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء وتمجه في السحاب، ثم إنه يعصر السحاب ويدره كما تدر اللقحة فهذا هو تفسير إلقاحها للسحاب، وأما تفسير إلقاحها للشجر فما ذكروه. فإن قيل: كيف قال {لَوَاقِحَ } وهي ملقحة؟ والجواب: ما ذهب إليه أبو عبيدة أن (لواقح) ههنا بمعنى ملاقح جمع ملقحة وأنشد لسهيل يرثي أخاه: شعر : لبيك يزيد يائس ذو ضراعة وأشعث مما طوحته الطوائح تفسير : أراد المطوحات وقرر ابن الأنباري ذلك فقال: تقول العرب أبقل النبت فهل باقل يريدون هو مبقل وهذا يدل على جواز ورود لاقح عبارة عن ملقح. والوجه الثاني: في الجواب قال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح وإن ألحقت غيرها لأن معناها النسبة وهو كما يقال: درهم وازن، أي ذو وزن، ورامح وسائف، أي ذو رمح وذو سيف قال الواحدي: هذا الجواب ليس بمغن، لأنه كان يجب أن يصح اللاقح. بمعنى ذات اللقاح وهذا ليس بشيء، لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة، ومن أفاد غيره اللقحة فله نسبة إلى اللقحة فصح هذا الجواب، والله أعلم. والوجه الثالث: في الجواب أن الريح في نفسها لاقح وتقريره بطريقين: الطريق الأول: أن الريح حاصلة للسحاب، والدليل عليه قوله سبحانه: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً } تفسير : [الأعراف: 57] أي حملت فعلى هذا المعنى تكون الريح لاقحة بمعنى أنها حاملة تحمل السحاب والماء. والطريق الثاني: قال الزجاج: يجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير، كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بالخير، وهذا كما تقول العرب: قد لقحت الحرب وقد نتجت ولداً أنكد يشبهون ما تشتمل عليه من ضروب الشر بما تحمله الناقة فكذا ههنا، والله أعلم. المسألة الثانية: الريح هواء متحرك وحركة الهواء بعد أن لم يكن متحركاً لا بد له من سبب، وذلك السبب ليس نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته، وإلا لدامت حركة الهواء بدوام ذاته وذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه يتحرك بتحريك الفاعل المختار، والأحوال التي تذكرها الفلاسفة في سبب حركة الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب مراراً فأبطلناها وبينا أنه لا يمكن أن يكون شيء منها سبباً لحدوث الرياح، فبقي أن يكون محركها هو الله سبحانه. وأما قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ } ففيه مباحث: الأول: أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء السحاب؟ وبتقدير أن يقال إنه ينزل من السحاب كيف أطلق الله على السحاب لفظ السماء؟ وثانيها: أنه ليس السبب في حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب إلى الأرض لغرض الإحسان إلى العباد كما قال ههنا: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } قال الأزهري: تقول العرب لكل ما كان في بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسقيته أي جعلته شرباً له، وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لسقيه قالوا سقاه، ولم يقولوا أسقاه. والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: { أية : نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ } تفسير : [النحل: 66] فقرؤا باللغتين، ولم يختلفوا في قوله: { أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } تفسير : [الإنسان: 21] وفي قوله: { أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } تفسير : [الشعراء: 79] قال أبو علي: سقيته حتى روي وأسقيته نهراً، أي جعلته شرباً له وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } أي جعلناه سقياً لكم وربما قالوا في أسقى سقى كقول لبيد يصف سحاباً: شعر : أقول وصوبه مني بعيد يحط السيب من قلل الجبال سقى قومي بني نجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال تفسير : فقوله: سقى قومي ليس يريد به ما يروي عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقياً لبلادهم يخصبون بها، وبعيد أن يسأل لقومه ما يروى العطاش وليغرهم ما يخصبون به. وأما سقيا السقية فلا يقال فيها أسقاه، وأما قول ذي الرمة: شعر : وأسقيه حتى كاد مما أبنه تكلمني أحجاره وملاعبه تفسير : فمعنى أسقيه أدعو له بالسقاء، وأقول سقاه الله وقوله: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ } يعني به ذلك الماء المنزل من السماء يعني لستم له بحافظين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} أي وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه؛ يعني المطر المنزل من السماء، لأن به نبات كل شيء. قال الحسن: المطر خزائن كل شيء. وقيل: الخزائن المفاتيح، أي في السماء مفاتيح الأرزاق؛ قاله الكلبي. والمعنى واحد. {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي ولكن لا ننزله إلا على حسب مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه؛ كما قال: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} تفسير : [الشورى: 27]. وروي عن ابن مسعود والحكم بن عُتيبة وغيرِهما أنه ليس عام أكثر مطراً من عام، ولكن الله يقسمه كيف شاء، فيُمْطَر قوم ويحرم آخرون، وربما كان المطر في البحار والقِفار. والخزائن جمع الخزانة، وهو الموضع الذي يستر فيه الإنسان ماله. والخِزانة أيضاً مصدر خَزَن يَخْزُن. وما كان في خِزانة الإنسان كان مُعَدًّا له. فكذلك ما يقدر عليه الرب فكأنه مُعَدٌّ عنده؛ قاله القشيري. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه أنه قال: في العرش مثال كل شيء خلقه الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ». والإنزال بمعنى الإنشاء والإيجاد؛ كقوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6] وقوله: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد} تفسير : [الحديد: 25]. وقيل: الإنزال بمعنى الإعطاء، وسماه إنزالاً لأن أحكام الله إنما تنزل من السماء.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده، لا على جهة الوجوب، بل هو كتب على نفسه الرحمة. قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء، عاماً ههنا، وعاماً ههنا، ثم قرأ: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} الآية، رواه ابن جرير، وقال أيضاً: حدثنا القاسم، حدثنا الحسن، حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عتيبة في قوله: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} قال: ما عام بأكثر مطراً من عام، ولا أقل، ولكنه يمطر قوم، ويحرم آخرون بما كان في البحر، قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس، وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع، وما تنبت. وقال البزار: حدثنا داود، هو ابن بكر التستري، حدثنا حيان بن أغلب بن تميم، حدثني أبي عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئاً قال له: كن، فكان» تفسير : ثم قال: لا يرويه إلا أغلب، وليس بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه. وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي: تلقح السحاب، فتدر ماء، وتلقح الشجر، فتفتح عن أوراقها وأكمامها، وذكرها بصيغة الجمع؛ ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم، فإنه أفردها، ووصفها بالعقيم، وهو عدم الإنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعداً. وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال: ترسل الريح، فتحمل الماء من السماء، ثم تمري السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة، وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة. وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب، فتلقحه فيمتلىء ماء. وقال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المبشرة، فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله المثيرة، فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة، فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح، فتلقح الشجر، ثم تلا: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}. وقد روى ابن جرير من حديث عبيس بن ميمون عن أبي المهزم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح، وهي التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس» تفسير : وهذا إسناد ضعيف، وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جُعْدُبَةَ الليثي أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله خلق في الجنة ريحاً بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها باباً مغلقاً، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح، لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأذيب، وهي فيكم الجنوب»تفسير : وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي: أنزلناه لكم عذباً يمكنكم أن تشربوا منه، لو نشاء جعلناه أجاجاً، كما نبه على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة، وهو قوله تعالى: {أية : أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ أَءَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الواقعة:68-70]، وفي قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}تفسير : [النحل: 10] وقوله: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ} قال سفيان الثوري: بمانعين، ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معيناً وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذباً، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك، ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم. وقوله: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ} إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع، وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون، ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم، فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام، والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة، وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن رجل، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـئْخِرِينَ}، وقد ورد فيه حديث غريب جداً، فقال ابن جرير: حدثني محمد بن موسى الحَرَشي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عمرو بن قيس، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء، قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني: لئلا يروها، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله: { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـئْخِرِينَ}، وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرجه مسلم وأهل السنن، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك وهو النكري: أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} في الصفوف في الصلاة، و {ٱلْمُسْتَـئْخِرِينَ} فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس، و الله أعلم، وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـئْخِرِينَ} وأنها في صفوف الصلاة، فقال محمد بن كعب: ليس هكذا {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} الميت والمقتول {ٱلْمُسْتَـئْخِرِينَ} من يُخلق بعد { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيراً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن } ما {مِّن} زائدة {شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ } مفاتيح خزائنه {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } على حسب المصالح.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{وإن من شيء إلا عندنا خزائنه}يعني وإن من شيء من أرزاق الخلق إلا عندنا خزائنه وفيه وجهان: أحدهما: يعني مفاتيحه لأن في السماء مفاتيح الأرزاق، وهو معنى قول الكلبي. الثاني: أنها الخزائن التي هي مجتمع الأرزاق. وفيها وجهان: أحدهما: ما كتبه الله تعالى وقدره من أرزاق عباده. الثاني: يعني المطر المنزل من السماء، لأنه نبات كل شيء، قال الحسن: المطر خزائن كل شيء. {وما ننزله إلا بقدر معلوم} قال ابن مسعود: ما كان عامٌ بأمطر من عام ولكن الله يقسمه حيث يشاء، فيمطر قوماً ويحرم آخرين. قوله عز وجل:{وأرسلنا الرياحَ لواقِحَ} فيه قولان: أحدهما: لواقح السحاب حتى يمطر، قاله الحسن وقتادة، وكل الرياح لواقح. غير أن الجنوب ألقح وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما هبت ريح جنوب إلا أنبع الله تعالى بها عيناً غدقة ". تفسير : الثاني: لواقح للشجر حتى يثمر، قاله ابن عباس. وقال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح. وقال عبيد بن عمير: يرسل الله تعالى المبشرة فتقم الأرض قمّاً، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه، ثم يرسل اللواقح فتلقح الشجر. قوله عز وجل:{فأنزلنا من السماء ماءً} يعني من السحاب مطراً. {فأسقيناكموه} أي مكناكم منه، والفرق بين السقي والشرب أن السقي بذل المشروب، والشرب: استعمال المشروب، فصار الساقي باذلاً، والشارب مستعملاً. {وما أنتم له بخازنين} فيه وجهان: أحدهما: بخازني الماء الذي أنزلناه. الثاني: بمانعي الماء الذي أنزلناه. قوله عز وجل: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد عَلِمنا المستأخرين}فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أن المستقدمين الذين خلقوا، والمستأخرين الذين لم يخلقوا، قاله عكرمة. الثاني: المستقدمين الذين ماتوا، والمستأخرين الذين هم أحياء لم يموتوا، قاله الضحاك. الثالث: المستقدمين أول الخلق، والمستأخرين آخر الخلق، قاله الشعبي. الرابع: المستقدمين أول الخلق ممن تقدم على أمة محمد، والمستأخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. الخامس: المستقدمين في الخير، والمستأخرين في الشر، قاله قتادة. السادس: المستقدمين في صفوف الحرب، والمستأخرين فيها، قاله سعيد بن المسيب. السابع: المستقدمين من قتل في الجهاد، والمستأخرين من لم يقتل، قاله القرظي. الثامن: المستقدمين في صفوف الصلاة، والمستأخرين فيها. روى عمر بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من أحسن الناس، لا والله ما رأيت مثلها قط، فكان بعض الناس يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه في الصف، فأنزل الله تعالى في شأنها هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِن مِّن شَىْءٍ} من أرزاق الخلق {إِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ} المطر المنزل من المساء إذ به نبات كل شيء {بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} قال ابن مسعودـ رضي الله تعالى ـ عنه ـ ما عام بأمطر من عام ولكن الله ـ تعالى ـ يقسمه حيث يشاء فيمطر قوماً ويحرم آخرين.
ابو السعود
تفسير : {وَإِن مّن شَىْء} إن للنفي ومن مزيدة للتأكيد وشيءٍ في محل الرفع على الابتداء، أي ما من شيء من الأشياء الممكنةِ، فيدخُل فيه ما ذكر دخولاً أولياً {إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} الظرفُ خبرٌ للمبتدأ، وخزائنُه مرتفعٌ به على أنه فاعله لاعتماده، أو خبر له، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والخزائنُ جمع الخِزانة وهي ما يحفظ فيه نفائسُ الأموال لا غيرُ، غلَب في العرف على ما للملوك والسلاطينِ من خزائن أرزاقِ الناس، شُبِّهت مقدوراتُه تعالى الفائتةُ للحصر المندرجةُ تحت قدرتِه الشاملة في كونها مستورةً عن علوم العالمين ومصونةً عن وصول أيديهم مع كمال افتقارِهم إليها ورغبتِهم فيها، وكونِها مهيأةً متأتّيةً لإيجاده وتكوينه، بحيث متى تعلقت الإرادةُ بوجودها وُجدت بلا تأخر بنفائس الأموالِ المخزونةِ في الخزائن السلطانيةِ فذكرُ الخزائن على طريقة الاستعارةِ التخيـيلية {وَمَا نُنَزّلُهُ} أي ما نُوجِد وما نكوّن شيئاً من تلك الأشياء ملتبساً بشيء من الأشياء {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي إلا ملتبساً بمقدار معينٍ تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المشيئةُ التابعة لها، لا بما تقتضيه القدرةُ فإن ذلك غيرُ متناهٍ، فإن تخصيصَ كل شيء بصفة معينةٍ وقدرٍ معين ووقتٍ محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكلِّ في الإمكان واستحقاقِ تعلّقِ القدرة به، لا بد له من حكمة تقتضي اختصاصَ كلَ من ذلك بما اختص به، وهذا البـيانُ سرُّ عدمِ تكوينِ الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في خزائن القدرة، وهو إما عطفٌ على مقدر أي ننزله وما ننزله الخ، أو حالٌ مما سبق أي عندنا خزائنُ كل شيءٍ، والحال أنا ما ننزِّله إلا بقدر معلوم، فالأول لبـيان سعةِ القدرةِ والثاني لبـيان بالغِ الحِكمة، وحيث كان إنشاءُ ذلك بطريق التفضّل من العالم العلويِّ إلى العالم السفلي كما في قوله تعالى: { أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} تفسير : [الزمر: 6] وكان ذلك بطريق التدريج عبّر عنه بالتنزيل، وصيغةُ المضارع للدلالة على الاستمرار. {وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ} عطفٌ على جعلنا لكم فيها معايشَ، وما بـينها اعتراضٌ لتحقيق ما سبق وترشيحِ ما لحِق أي أرسلنا الرياح {لَوَاقِحَ} أي حواملَ، شُبّهت الريحُ التي تجيء بالخير من إنشاء سحابٍ ماطرٍ بالحامل كما شُبّه بالعقيم ما لا يكون كذلك، أو ملقِّحاتٍ بالشجر والسحابِ، ونظيره الطوائحُ بمعنى المُطيحات في قوله: [الطويل] شعر : [لِيُبْكَ يزيدً ضارعٌ لخصومهِ] ومختبطٌ مما تُطيح الطوائحُ تفسير : أي المهلِكات، وقرىء وأرسلنا الريحَ على إرادة الجنس {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآء} بعد ما أنشأنا بتلك الرياحِ سحاباً ماطراً {مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي جعلناه لكم سُقياً وهو أبلغُ من سقيناكموه، لما فيه من الدِلالة على جعل الماءِ معداً لهم ينتفعون به متى شاءوا {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ} نفىٰ عنهم ما أثبته لجنابه بقوله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} كأنه قيل: نحن القادرون على إيجاده وخزْنِه في السحاب وإنزاله وما أنتم على ذلك بقادرين، وقيل: ما أنتم بخازنين له بعدما أنزلناه في الغُدران والآبارِ والعيون، بل نحن نخزنُه فيها لنجعلَها سقياً لكم مع أن طبـيعةَ الماء تقتضي الغَوْر. {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيي} بإيجاد الحياةِ في بعض الأجسام القابلةِ لها {وَنُمِيتُ} بإزالتها عنها، وقد يُعمِّم الإحياءُ والإماتة لما يشمل الحيوانَ والنباتَ، وتقديمُ الضميرِ للحصر، وهو إما تأكيدٌ للأول أو مبتدأٌ خبرُه الفعلُ، والجملةُ خبرٌ لإنا، ولا يجوز كونُه ضميرَ الفصل لا لأن اللام مانعةٌ من ذلك كما قيل، فإن النحاة جوزوا دخولَ لام التأكيدِ على ضمير الفصل كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [آل عمران: 62] بل لأنه لم يقع بـين اسمين {وَنَحْنُ ٱلْوٰرِثُونَ} أي الباقون بعد فناءِ الخلقِ قاطبةً، المالكون للملك عند انقضاءِ زمان المُلك المجازيِّ، الحاكمون الكلَّ أولاً وآخراً، وليس لهم إلا التصرفُ الصُّوريُّ والملكُ المجازي، وفيه تنبـيهٌ على أن المتأخّرَ ليس بوارث للمتقدم كما يتراءى من ظاهر الحال.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} [الآية: 21]. قيل: إن الجنيد. كان إذا قرأ هذه الآية قال: فأين تذهبون؟ قال بعضهم: خزائن الحق عند الخلق القلوب أودع فيها أجل شىء؛ وهو التوحيد، وزينها بالمعرفة، ونورها باليقين، ويحدها بالتفويض، وعمرها بالتوكل، وزخرفها بالإيمان. قيل: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء" تفسير : وجعل أثار أنوار القلوب على الجوارح من التسارع إلى الطاعات والتثاقل عن المعاصى، والمخالفات، وهذا دليل لما قلت من الكرامات. قال الله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}. قال حمدون الفصال: قطع أطماع عبيده عن سواه بقوله، وإن من شئ إلا عندنا خزائنه فمن دفع بعد هذا حاجة إلى غيره فهو لجهله ولومه. قال رجل لأبى حفص: أوصنى فقال يا أخى احفظ بابًا واحدًا تفتح لك الأبواب، والزم سيدًا واحدًا تخضع لك الرقاب، وهكذا روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلى: "حديث : يا على الزم بابًا واحدًا تفتح لك الأبواب واخضع لربك تخضع لك الرقاب ". تفسير : قال أبو سعيد الخرَّاز: فى هذه الآية بلاغ لمن عقل أن خزائن الأشياء عند الحق، وبيده فلا يرجع إلى غيره فى أمر دنياه، وآخرته إلا لمن لم يصدق قوله، ولم يؤمن به. قال ابن عطاء: فى هذه الآية النظر إلى شواهد القسم سكت النفوس عن الحكم.
القشيري
تفسير : خزائنه في الحقيقة مقدوراته، وهو - سبحانه - قادر على كل ما هو مرسوم بالحدوث. ويقال خزائنه في الأرض قلوبُ العارفين بالله، وفي الخزانة جواهر في كل صنف؛ فحقائقُ العقل جواهر وضعها في قلوب قوم، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة، وأسرار العارفين مواضع سِرِّه، والنفوس خزائن توفيقه، والقلوب خزائن تحقيقه، واللسان خزانةُ ذِكْرِه. ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خُطَاه عن التردد على منازل الناس في طَلَبِ الإرفاق منهم، وسعى في الآفاق في طلب الأرازق منها، قاطعاً أَمَلَه عن الخَلْق، مُفرِداً قلبَه لله متجرِّداً عن التعلُّق بغير الله. قوله {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}: عَرَفَ القِسْمَة منْ استراح عن كدِّ الطلب؛ فإِنَّ المعلومَ لا يتغير، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص، وإذا لم يَجِبْ عليه شيءٌ لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شيء. ويقال أراح قلوب الفقراء مِنْ تَحمُّل المِنَّةِ من الأغنياء مما يعطونهم، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئاً، فليس للفقير صَرْفُ القلب عن الله سبحانه إلى مخلوق واعتقادُ مِنَّةٍ لأحد، إذ المُلْكُ كله لله، والأمر بيد الله، ولا قادر على الإبداع إلا الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان من شئ} اى ما من شئ من الاشياء الممكنة {الا عندنا} يعنى [در تحت فرماننا] {خزائنه} جمع خزانة بمعنى المخزن وهى ما يحفظ فيه نفائس الاموال لا غير غلب فى العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن ارزاق الناس شبهت مقدوراته تعالى فى كونها مستورة عن علوم العالمين ومصونة من وصول ايديهم مع كمال افتقارهم اليها ورغبتهم فيها وكونها مهيأة متأتية لايجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الارادة بوجودها وجدت بلا تأخير بنفائس الاموال المخزونة فى الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية. يقول الفقير سمعت من حضرة شيخى وسندى قدس سره ان الاشارة بالخزائن الى الاعيان الثابتة فلا يفيض شئ الا من الاعيان الثابتة وعلم الله تابع المعلوم وما يقتضيه من الاحوال فما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون {وما ننزله} اى ما نوجد وما نكون شيئا من تلك الاشياء ملتبسا بشئ من الاشياء {الا بقدر معلوم} اى الا ملتبسا بمقدار معين يقتضيه الحكمة ويستدعيه المشيئة التابعة لها. وفى الكواشى وما نوجده مع كثرته وتمكننا منه الا بحد محسوب على قدر المصلحة. وبالفارسية [مكر باندازه دانسته شده كه نه كم از ان شايدونه زياده بران بايد] وحيث كان انشاء ذلك بطريق التفضل من العالم العلوى الى العالم السفلى كما فى قوله تعالى {أية : وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج} تفسير : وكان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل. وفى تفسير ابى الليث {وان من شئ الا عندنا خزائنه}اى مفاتيح رزقه ويقال خزائن المطر {وما ننزله} اى المطر {الا بقدر معلوم} يعنى بكيل ووزن معروف. قال ابن عباس رضى الله عنهما يعنى يعلمه الخزان الا يوم الطوفان الذى اغرق الله فيه قوم نوح فانه طغى على خزانه وكثر فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ اربعين يوما. وفى بحر العلوم وما من شئ ينتفع به العباد الا ونحن قادرون على ايجاده وتكوينه والانعام باضعاف ما وجد وما نعطيه الا بمقدار فعلم ان ذلك خير لهم واقرب الى جمع شملهم او بتقدير علمنا انهم يسلمون معه من المضرة ويصلون الى المنفعة ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء انه بعباده خبير بصير. وفى التاويلات النجمية ان لكل شئ خزائن مختلفة مناسبة له كما لو قدرنا شيئا من الاجسام فله خزانة لصورته وخزانة لاسمه وخزانة لمعناه وخزانة للونه وخزانة لرائحته وخزانة لطعمه وخزانة لطبعه وخزانة لخواصه وخزانة لاحواله المختلفة الدائرة عليه بمرور الايام وخزانة لنفعه وضره وخزانة لظلمته ونوره وخزانة لملكوته وغير ذلك وهو خزانة لطف الله وقهره وما من شئ الا وفيه لطف الله وقهره مخزون وقلوب العباد خزائن صفات الله تعالى باجمعها وما ننزل شيئا مما فى خزائنه الا بقدر ما هو معلومنا فى الازل لحكمتنا البالغة المقتضية لايجاده وانزاله
الجنابذي
تفسير : بيان انّ لكلّ شيءٍ خزائن عند الله {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} اعلم، انّه قد يطلق الشّيء ويراد به ما يساوق الموجود فيشمل الحقّ الاوّل تعالى شأنه، وقد يطلق ويراد به الشّيء وجوده فلا يشمل الحقّ الاوّل ولا حضرة الاسماء ولا حضرة الفعل الّذى هو مبدء اضافاته، ويشمل الممكنات كلّها من حضرة العقول المعبّر عنها بالاقلام العالية والملائكة المقرّبين، وحضرة الارواح المعبّر عنها بارباب الانواع والصّافات صفّاً، وحضرة النّفوس الكلّيّة المعبّر عنها بالالواح الكلّيّة المحفوظة والمدبّرات امراً، وحضرة النّفوس الجزئيّة المعبّر عنا بألواح المحو والاثبات وبعالم المثال باعتبارين ويشمل موجودات عالم الطّبع تماماً، وكلّ ما فى تلك الحضرات له حقيقة فى حضرة الاسماء وحقيقة فى حضرة الفعل والاضافة الآلهيّة الاشراقيّة، وكلّ ما فى حضرة الفعل له حقيقة ايضاً فى حضرة الاسماء، وكلّ ما فى حضرة الارواح له حقيقة فى حضرة الاقلام وحقيقة فى حضرة الفعل وحقيقة فى حضرة الاسماء، وهكذا حضرة النّفوس الكلّيّة وما فيها وحضرة النّفوس الجزئيّة وما فيها وعالم الطّبع وما فيها، وبعبارةٍ اخرى كلّ دان له صورة بالاستقلال فى العالى وصورة بالاستقلال فى على العالى وصورة بتبع العالى فى عالى العالى فلكلّ شيءٍ من الممكنات حقائق فى حضرة الاسماء استقلالاً وتبعاً وهكذا فى حضرة الفعل وهكذا فى حضرة الاقلام الى عالم المثال، وكلّ تلك الحضرات من حيث انّها عوالم مجرّدة عن المادّة واغشيتها تسمّى عند الله ولدن الله لحضورها فى محضره، ولمّا كان تلك الحقائق محفوظة عن التّغيّر والتّبدّل كالاشياء النّفيسة المخزونة المحفوظة سمّاها تعالى بالخزائن، فكلّ ما فى عالم الملك فله حقيقة فى عالم المثال ينزّله تعالى شأنه من عالم المثال الى عالم الملك بقدر استعداد المادّة لقبوله وحين استعدادها، وهكذا من النّفوس الكلّيّة الى عالم المثال، وهكذا الامر فى العالى والاعلى الى حضرة الاسماء. ولمّا كان موجودات عالم الملك متجدّدة بالتّجدّد الذّاتىّ بمعنى انّها كلّ آنٍ فانية عن ذواتها وموجودة بموجدها كما حقّق فى محلّه فما من شيءٍ ممّا فى عالم الملك الاّ ويفنى آناً فآناً وينزّله تعالى من خزائنه آناً فآناً فلذلك قال {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} بصيغة المضارع الدّالّ على الاستمرار التّجدّدى.
الأعقم
تفسير : {وإن من شيء}، قيل: من المطر، وقيل: ما من شيء مما جعله معاشاً ورزقاً {إلا عندنا خزائنه} يعني وما من شيء ينتفع به العباد إلاَّ ونحن قادرون على اتخاذه خزائن الله مقدوراته، وقيل: لفظ الخزائن مستعارة، والمراد أن الخير كله من الله تعالى {وما ننزله} الماء من السماء {إلاَّ بقدر معلوم} بحسب المصلحة وعن ابن مسعود (رضي الله عنه): ليس بأرض بأمطر من أرض، ولا عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه في الأرض كيف يشاء عاماً ها هنا وعاماً ها هنا، وربما كان في البحر {وأرسلنا الرياح لواقح} والارسال الإِطلاق، وقيل: أخرجنا الرياح وهي أربع، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الرياح الجنوب فهي من الجنة وهي اللواقح" تفسير : يقال: لقحت الناقة إذا حملت، يعني الرياح لاقح إذا جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر، قال القاضي: والأقرب أن هذه الرياح يرسلها تعالى حوامل للماء لأن الرياح إذا تراكب واختلط بها غيرها صار سحاباً، وقيل: اللواقح هي الجنوب عن ابن عباس وأبي علي، وقيل: الحوامل السحاب جمع لاقحة والباني ذات لقح، وقيل: بمعنى ملقحة لأنها تلقح الأشجار وهي ضد العقيم وهي الشمال، ومن قرأها بالجمع فوجه ظاهر، ومن وحدها حملها على الجنس {فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه} يعني جعلناه سقاء لكم لزرعكم وأنعامكم لتحيى به البلاد وينمو به الزرع {وما أنتم له بخازنين} نفي لهم يعني ما أنتم له بحافظين، بل الله يحفظه ويرسله من السحاب، ثم يحفظه في الأرض، ثم يخرجه من العيون بقدر الحاجة {وانا لنحن نحيي ونميت} يعني نحيي الخلق ونميتهم {ونحن الوارثون} أي الباقون بعد هلاك الخلق كله، وقيل: للباقي والوارث استعارة من ورث الميت لأنه يبقى بعد فنائه، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعائه: "حديث : واجعله الوارث منَّا" تفسير : {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} يعني علمنا من استقدم ولادة وموتاً، ومن تأخر من الأولين والآخرين، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج، ومن تقدم في الاسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر، وقيل: المستقدمين في صفوف الجماعات والمستأخرين عنها، قوله تعالى: {وإن ربك هو يحشرهم} أي هو القادر على حشرهم والعالم بحضورهم {إنه حكيم عليم} باهر الحكمة واسع العلم وقد أحاط بكل شيء {ولقد خلقنا الانسان} يعني آدم {من صلصال} الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فخار {من حمأ} أي من طين متغير {مسنون}، قيل: مصور يعني الحمأ، وقيل: اسدن، وقيل: المسنون المصور من سنة الوجه، وقيل: المغير الرائحة {والجآنّ}، قيل: الجن، وقيل: هو ابليس، وقيل: الجن نسل ابليس عن أبي مسلم، وقيل: الجان أبو الجن، وآدم أبو الانس، وابليس أبو الشياطين، والشياطين يموتون بموت أبيهم وسمّوا جنّاً لاستتارهم عن العيون، وقوله: {من قبل} خلق آدم {من نار السموم} من نار جهنم، قيل: هذه السموم حراً من سبعين حراً من النار للذي خلق الله منها الجان، وقيل: خلق الجان من اللهب، وقيل: خلقه من نار ووصفه بالسموم {وإذ قال ربك للملائكة} الذين كانوا سكان الأرض، وقيل: هو عام، وقوله: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} كأنه إجابة وإضافه إلى نفسه، لأنه القادر وإنما هو تمثيل ليحصل ما يحيى به استثنى ابليس من الملائكة لأنه كان بينهم مأمور معهم بالسجود، وقيل: كان السجود لآدم تحية لا سجود عبادة والعبادة لله والتحية لآدم، وقيل: هو قبلة السجود، قال: {فاخرج منها}، قيل: من الجنة أو من السماء {فإنك رجيم} أي مرجوم أو ملعون، وقيل: مبعد من الخير {وإِنَّ عليك اللعنة إلى يوم الدين} أي يوم الجزاء والحساب ويوم يبعثون ويوم الوقت المعلوم في معنى واحد {قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون} فلم يجب ذلك ونظر إلى آخر أيام التكليف {قال رب بما أغويتني} الباء للقسم، والمعنى أقسم باغوائك إياي {لأزيننَّ لهم في الأرض} بالشهوات والأفعال القبيحة، وذلك أن إبليس أمر بالسجود وهو التواضع والخضوع لأمر الله، واختار الإِباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيّه ومن إرادته والرضى به، ونحو قوله: {بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض} وقوله: {فبعزتك لأُغوينَّهم} {قال هذا صراط}، قيل: طريق، وقيل: دين، وأراد بقوله: {عليّ} أي هذا طريق إليَّ أي إلى رحمتي وجنّتي، قوله تعالى: {وإنَّ جهنم لموعدهم} يعني موعد الغاوين {أجمعين} {لها سبعة أبواب}، قيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين، وعن ابن عباس: أن جهنم لمن ادّعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين، وقيل: هي سبعة منازل، وقيل: سبع موارد، وقيل: سبعة أبواب بعضها على بعض، وروي: أنها طباق بعضها فوق بعض، وعن علي (عليه السلام): "أولها جهنم، والثاني لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية" {لكل باب منهم جزءٌ مقسوم}، قيل: نصيب معروف، وقيل: جزاء الله جهنم فقسمها بينهم {إن المتقين} من يتقي الشر والكبائر والفواحش {في جنات وعيون} {ادخلوها بسلام آمنين} من كل ما يكره {ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ} في الجنة والغل الحقد {لا يمسهم فيها نصب} النصب التعب، أي لا ينالهم فيها نصب، وقيل: حزن {نبّئ عبادي} أي أخبرهم {أني أنا الغفور الرحيم} لمن تاب وتقرب إلى بالطاعات واجتنب الكبائر.
اطفيش
تفسير : {وَإن مِّن شَىْءٍ} إِن نافية ومن صلة للتأكيد {إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} جمع خزانة وهو الموضع الذى تخزن فيه الشىء للحفظ، وقيل المراد مفاتيح الخزائن، وقال ابن جريج المراد المطر لأَنه سبب الطعام واللباس وعلى كل قول فالمراد فى الحقيقة الكناية والتمثيل المقدرة على إِيجاد ما يحتاج إليه الخلق ولتشبيه مقدوراته بالأَشياء المخزونة التى لا يحوج إِخراجها إِلى كلفة. وحكى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده أن فى العرش تمثال ما خلق الله فى البر والبحر وإِن ذلك هو تأويل وإِن من شىء إِلا عندنا خزائنه {وَمَا نُنَزِّلُهُ} أى وما ننزل الشىء مطرا أو غيره {إِلاَّ بِقَدَرٍ} أى مقدار الكفاية {مَّعْلُومٍ} معلوم الكمية والهيئة لا يزيد فيهما ولا ينقص أو معلوم لنا أنه مصلحة وحكمة تعلقت به المشيئة كما يدل له الاختصاص بكمية وهيئة وزمان ومكان وخاصة مع إِمكان غيرها، وعن ابن عباس ما من عام بأَكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه فى الأَرض حيث يشاء ولا قطرة إِلا ومعها ملك يسوقها حيث شاء الله.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ مِّنْ شَىْءٍ} نوع ما {إلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} أَفراده المخزونة أو مقدراته، شبه بالمواضع التى تخرن فيها الأشياءُ، والجمع باعتبار المعلقات، وهى ما تتأَثر فيه القدرة، وإِلا فقدرته واحدة بمعنى أن وجوده ناف للعجز عن شىءٍ، والخزائِن استعارة للقدرة، ووجه الشبه مطلق الاشتمال، اشتمال الخزانة محسوس، واشتمال القدرة معقول يوجد الله كل ما شاءَ لوقته بما لا كلفه، كما لا كلفه لنا فيما خزنا، أَو شبه مقدراته بالأَشياءِ المخزونة، أَو الخزائِن المفاتيح سميت باسم الآلة التى يتوصل إلى ما فيها ثم أَطلقها على ما تتسبب عنه المقدرات كالماءِ والريح، والشمس للثمار، ويجوز أَن يراد بالشىءِ الأَفراد، أَى لا موجود عندكم إِلا قدرنا على أَضعافه التى لا تتناهى ودخل فى النوع والفرد المذكورين المطر وتخصيص الآية به سهو وسببه قوله {وَمَا نُنزِّلُهُ} ما نخرجه من العدم إلى الوجود {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعلُومٍ} اقتضته الحكمة، وقوله: وأَنبتنا، وقوله: معايش، وليس ذلك دليلا، ولا يصح دعوى تخصيص بلا دليل وعن جعفر ابن محمد بن على بن أَبى طالب عن أَبيه محمد بن على: أَن الخزائن جميع ما خلق الله فى البر والبحر مرسوم فى العرش، والقدر المعلوم ما عينه الله واختاره من الجائزات القادر هو عليها كلها على حسب المصالح، والتنزيل بمعنى الإِخراج يلائِم الخزائِن فهو ترشيح للاستعارة أو للتشبيه.
الالوسي
تفسير : {وَإِن مّن شَىْء} {إنْ} نافية/ و {مِنْ } مزيدة للتأكيد و {شَىْء } في محل الرفع على الابتداء أي ما شيء من الأشياء الممكنة فيدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً والاقتصار عليه قصور. وزعم ابن جريج وغيره أن الشيء هنا المطر خاصة. {إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } الظرف خبر للمبتدأ و {خَزَائِنُهُ } مرتفع به على أنه فاعل لاعتماده أو مبتدأ والظرف خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول، والخزائن جمع خزانة ولا تفتح وهي اسم للمكان الذي يحفظ فيه نفائس الأموال لا غير غلبت ـ على ما قيل ـ في العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن أرزاق الناس، شبهت مقدوراته تعالى الفائتة للحصر المندرجة تحت قدرته الشاملة في كونها مستورة عن علوم العالمين ومصونة عن وصول أيديهم مع وفور رغبتهم فيها وكونها متهيأة متأتية لإيجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها وجدت بلا تأخر بنفائس الأموال المخزونة في الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية قاله غير واحد، وجوز أن يكون قد شبه اقتداره تعالى على كل شيء وإيجاده لما يشاء بالخزائن المودعة فيها الأشياء المعدة لأن يخرج منها ما شاء فذكر ذلك على سبيل الاستعارة التمثيلية، والمراد ما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، وقيل: الأنسب أنه مثل لعلمه تعالى بكل معلوم، ووجه ـ على ما قيل ـ أنه يبقى {شَىْء} على عمومه لشموله الواجب والممكن بخلاف القدرة ولأن {عِندَ} أنسب بالعلم لأن المقدور ليس عنده إلا بعد الوجود. وتعقب بأن كون المقدورات في خزائن القدرة ليس باعتبار الوجود الخارجي بل الوجود العلمي، وقال قوم: الخزائن على حقيقتها وهي الأماكن التي تحفظ فيها الأشياء وإن للريح مكاناً وللمطر مكاناً ولكل مكان حفظة من الملائكة عليهم السلام، ولا يخفى أنه لا يمكن مع تعميم الشيء. {وَمَا نُنَزّلُهُ} أي نوجد وما نكون شيئاً من تلك الأشياء ملتبساً بشيء من الأشياء {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي إلا ملتبساً بمقدار معين تقتضيه الحكمة وتستدعيه المشيئة التابعة لها من بين المقدورات الغير المتناهية فإن تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك مع استواء الكل في الأشكال وصحة تعلق القدرة به لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به. وهذا لبيان سر عدم تكون الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في الخزائن، وهو إما عطف على مقدر أي ننزله وما ننزله إلا بقدر إلى آخره أو حال مما سبق أي عندنا خزائن كل شيء والحال إنا ما ننزله إلا بقدر إلى آخره، فالأول: لبيان سعة القدرة، والثاني: لبيان بالغ الحكمة قاله مولانا شيخ الإسلام. وقرأ الأعمش {وما نرسله إِلا} إلى آخره، وهي على ما في «البحر» قراءة تفيسر لمخالفتها لسواد المصحف، والأولى في التفسير ما ذكرنا، وإنما عبر عن إيجاد ذلك وإنشائه بالتنزيل لما أنه بطريق التفضل من العالم العلوي إلى العالم السفلي وقيل: لما أن فيه إخراج الشيء مما تميل إليه ذاته من العدم إلى ما لا تميل إليه ذاته من الوجود، وهذا كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [الزمر: 6] وقوله سبحانه: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } تفسير : [الحديد: 25] وكأن من حمل الشيء على المطر غره ظاهر التنزيل فارتكب خلاف ظاهره جداً، وكأنه لما كان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل، وجيء بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. واستدل بعض القائلين بشيئية المعدوم على ذلك بهذه الآية، وقد بين وجهه والجواب عنه الإمام ونحن مع القائلين بالشيئية.
ابن عاشور
تفسير : هذا اعتراض ناشىء عن قوله {أية : وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} تفسير : [سورة الحجر: 19] الآية. وفي الكلام حذف الصفة كقوله تعالى {أية : يأخذ كل سفينة غصباً } تفسير : [سورة الكهف: 79] أي سفينةٍ صالحةٍ. والخزائن تمثيل لصلوحية القدرة الإلهية لتكوين الأشياء النافعة. شبهت هيئة إيجاد الأشياء النافعة بهيئة إخراج المخزونات من الخزائن على طريقة التمثيلية المَكنية، ورُمز إلى الهيئة المشبّه بها بما هو من لوازمها وهو الخزائن. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} تفسير : في سورة الأنعام (50). وشمل ذلك الأشياء المتفرقة في العالم التي تصل إلى الناس بدوافع وأسباب تستتب في أحوال مخصوصة، أو بتركيب شيء مع شيء مثل نزول البَرد من السحاب وانفجار العيون من الأرض بقصد أو على وجه المصادفة. وقوله {وما ننزله إلا بقدر معلوم} أطلق الإنزال على تمكين الناس من الأمور التي خلقها الله لنفعهم، قال تعالى {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} تفسير : في سورة البقرة (29)، إطلاقاً مجازياً لأن ما خلقه الله لمّا كان من أثر أمر التكوين الإلهي شبّه تمكين الناس منه بإنزال شيء من علو باعتبار أنه من العالم اللدني، وهو علو معنوي، أو باعتبار أن تصاريف الأمور كائن في العوالم العلوية، وهذا كقوله تعالى {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : في سورة الزمر (6)، وقوله تعالى {أية : يتنزل الأمر بينهن} تفسير : في سورة الطلاق (12). والقَدر بفتح الدال: التقدير. وتقدم عند قوله تعالى {أية : فسالت أودية بقدرها} تفسير : في سورة الرعد (17). والمراد {بمعلوم} أنه معلوم تقديره عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَزَائِنُهُ} (21) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ سَهْلٌ عَلَيهِ يَسِيرٌ، وَأَنَّ عِنْدَهُ خَزَائِنَ جَمِيعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ العِبَادُ، وَلَكِنَّهُ يُنْزِلُ مِنْهَا بِحِسَابٍ وَمِقْدارٍ، كَمَا يَشَاءُ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ البَالِغَةِ، وَالرَّحْمَةِ بِالعِبَادِ. عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ - نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى خَلْقِهِ. نُنَزِّلُهُ - نُوجِدُهُ أَوْ نُعْطِيهِ. بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ - بِمِقْدَارِ مَا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {وَإِن مِّن شَيْءٍ ..} [الحجر: 21]. أي: أنه لا يوجد جنس من الأجناس إلا وله خزائنُ عند الله سبحانه، فالشيء الذي قد تعتبره تافهاً له خزائن؛ وكذلك الشيء النفيس، وهو سبحانه يُنزِل كل شيء بقدَرٍ؛ حتى الاكتشافات العلمية يُنزِلها بقدَرٍ. وحين نحتاج إلى أيِّ شيء مخزون في أسرار الكون؛ فنحن نُعمِل عقولنا الممنوحة لنا من الله لنكتشف هذا الشيء. والمثل هو الوقود وكُنا قديماً نستخدم خشب الأشجار والحطب. وسبحانه هو القائل: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} تفسير : [الواقعة: 71-72]. واتسعت احتياجات البشر فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله نباتاً مطموراً أو حيواناً مطموراً في الأرض؛ ثم اكتُشِف البترول، وهكذا. أي: أنه سبحانه لن يُنشِئ فيها جديداً، بل أعدَّ سبحانه كل شيء في الأرض، وقدَّر فيها الأقوات من قبل أنْ ينزِل آدم عليه السلام إلى الأرض من جنة التدريبِ لِيعمُرَ الأرض، ويكون خليفة لله فيها، هو وذريته كلها إلى أن تقومَ الساعة. فإذا شكوْنَا من شيء فهذا مَرْجعه إلى التكاسل وعدم حُسْن استثمار ما خلقه الله لنا وقدَّره من أرزاقنا في الأرض. ونرى التعاسة في كوكب الأرض رغم التقدُّم العلمي والتِّقني؛ ذلك أننا نستخدم ما كنزه الحق سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر. ولو أن ما يُصرف على الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لَعاشَ الجميع في وفرة حقيقية. ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو المُسبِّب الأول لتعاسة الإنسان في الأرض؛ ذلك أنه سبحانه قد جعل الأرض كلها للأنام، فمن يجد ضِيقاً في موقع ما من الأرض فليتجه إلى موقع آخر. ولكن العوامل السياسية وغير ذلك من الخلافات بين الناس تجعل في أماكن في الأرض؛ رجالاً بلا عمل؛ وتجعل في أماكن أخرى ثروة بلا استثمار؛ ونتجاهل قوله سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ..} [الحجر: 21]. فلكل شيء في الأرض خزائن؛ والخزينة هي المكان الذي تُدَّخر فيه الأشياء النفيسة، والكون كله مخلوق على هيئة أن الحق سبحانه قدَّر في الأرض أقواتاً لكل الكائنات من لَدُن آدم إلى أن تقومَ الساعة. فإنْ حدث تضييق في الرزق فاعلموا أن حقاً من حقوق الله قد ضُيِّع، إما لأنكم أهملتم استصلاحَ الأرض وإحياء مواتها بقدر ما يزيد تعداد السكان في الأرض، وإما أنكم قد كنزتُم ما أخذتُم من الأرض، وضننتُم بِمَا اكتنزتموه على سواكم. فإنْ رأيتَ فقيراً مُضيَّعاً فاعلم أن هناك غنياً قد ضَنَّ عليه بما أفاض الله على الغني من رزق، وإنْ رأيت عاجزاً عن إدراك أسباب حياته فاعلم أن واحداً آخر قد ضَنَّ عليه بقُوتِه. وإنْ رأيت جاهلاً فاعلم أن عالماً قد ضَنَّ عليه بعلمه. وإنْ رأيت أخْرقَ فاعلم أن حكيماً قد ضَنَّ عليه بحكمته؛ فكُلّ شيء مخزون في الحياة؛ حتى تسلم حركة الحياة؛ سلامةً تؤدي إلى التسانُد والتعاضُد؛ لا إلى التعانُد والتضارب. ونعلم أنه سبحانه قد أَعدَّ لنا الكون بكُل ما فيه قبل أنْ يخلقنا؛ ولم يُكلِّفنا قبل البلوغ؛ ذلك أنه عَلِم أزلاً أن التكليف يُحدّد اختيار الإنسان لكثير من الأشياء التي تتعلق بكل ملَكاتِ النفس؛ قُوتاً ومَشْرباً ومَلْبساً ومسكناً وضَبْطاً للأهواء، كي لا ننساقَ في إرضاء الغرائز على حساب القِيمَ. وشاء سبحانه ألاَّ يكون التكليف إلا بعد البلوغ؛ حتى تستوفي ملكاتُ النفس القوةَ والاقتدارَ، ويكون قادراً على إنجاب مثيل له، ولكي يكون هذا التكليف حُجَّة على الإنسان، هذا الذي طَمَر له الحق سبحانه كل شيء إمَّا في الأرض؛ أو كان طمراً في النوع، أو في الجنس. وكُلُّ شيء في الكون موزون، إما أن يكون جِنْساً، أو نَوْعاً، أو أفراداً؛ والميزان الذي توجد به كل تلك العطاءات؛ إنما شاء به الحق سبحانه أن يهبَ الرب للكل؛ وليوافق الكثرة؛ وليعيش الإنسان في حضْن الإيمان. وهكذا يكون عطاء الله لنا عطاءَ ربوبيةٍ، وعطاءَ ألوهيةٍ، والذكيّ حقاً هو مَنْ يأخذ العطاءين معاً لتستقيم حياته. والحق سبحانه هو القائل: {أية : قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} تفسير : [الإسراء: 100]. وذلك ليوضح لنا الحق سبحانه أن الإنسان يظنُّ أن ذاتيته هي الأصل، وأن نفعيته هي الأصل، وحتى في قضايا الدين؛ قد يتبع العبد قوله الحق: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} تفسير : [الحشر: 9]. ومَنْ يفعل ذلك إنما يفعل في ظاهر الأمر أنه يُؤْثِر الغيرَ على نفسه؛ ولكن الواقع الحقيقي أنه يطمع فيما أعدَّه الله له من حُسْن جزاء في الدنيا وفي الآخرة. إذن: فأَصْل العملية الدينية أيضاً هو الذات؛ ولذلك نجد مَنْ يقول: أنا أُحِب الإيمان؛ لأن فيه الخيرية، يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8]. وفيه أنانية ذكية تتيح لصاحبها أَخْذ الثواب على كل عمل يقوم به لغيره، وهذا لون من الأنانية الذكية النافعة؛ لأنها أنانية باقية، ولها عائد إيماني. ونعلم أن الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم أثرياء؛ ولم يجعل يداً عليا ويداً سفلى، لكنه سبحانه لم يشأ ذلك؛ ليجعل الإنسان ابْنَ أغيار؛ ويعدل فيه بميزان الإيمان، ولِيدُكّ غرور الذات على الذات، وليتعلم الإنسان أن غروره على ربِّه لن ينال من الله شيئاً، ولن يأتي للإنسان بأي شيء. وكل مظاهر القوة في الإنسان ليست من عند الإنسان، وليست ذاتية فيه، بل هي موهوبة له من الله؛ وهكذا شاء الحق سبحانه أنْ يُهذِّب الناس لِيُحسِنوا التعامل مع بعضهم البعض. ولذلك أوضح سبحانه أن عنده خزائنَ كل شيء، ولو شاء لألقى ما فيها عليهم مرة واحدة؛ ولكنه لم يُرد ذلك ليؤكد للإنسان أنه ابْنُ أغيارٍ؛ ولِيلفتَهم إلى مُعْطي كل النعم. كما أن رتابة النعمة قد تُنسِي الإنسانَ حلاوةَ الاستمتاع بها، وعلى سبيل المثال أنت لا تجد إنساناً يتذكّر عَيْنه إلا إذا آلمتْه؛ وبذلك يتذكر نعمة البصر، بل وقد يكون فَقْد النعمة هو المُلفِت للنعمة، وذلك لكي لا ينسى أحد أنه سبحانه هو المُنعِم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن دقائق خزائنه كقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} [الحجر: 21] إلى قوله: {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الحجر: 25]. قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} [الحجر: 21] يشير إلى أن لكل شيء خزائن مختلفة متناسبة له كما لو قدرنا شيئاً من الأجسام، فله خزائنه لصورته وخزانة لاسمه، وخزانة لمعناه، وخزانة للونه، وخزانة لرائحته، وخزانة لطعمه، وخزانة لطبعه، وخزانة لخواصه، وخزانة لأحواله المختلفة الدائرة عليه بمرور الأيام، وخزانة لنفعه وضره وخيره، وخزانة لظلمته ونوره، وخزانة لملكوته وغير ذلك وهو خزانة لطف الله وقهره، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون وقلوب العباد وخزائن صفات الله تعالى بأجمعها. {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] أي: وما ننزل أشياء مما في خزائنه إلا بقدر ما هو معلوم منا في الأزل لحكمتنا البالغة المقتضية لإيجاده وإنزاله {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ} [الحجر: 22] أي: رياح العناية {لَوَاقِحَ} يلقح في أشجار القلوب ليحمل بأزهار الشواهد وأثمار الكشوف، كما قال بعضهم: رياح الكرم إذا هبت على أسرار العارفين أعتقتهم من هواجس أنفسهم ورعونات طباعهم وفساد هواهم ومراداتهم، وتظهر في القلوب نتائج الكرم وهو الاعتصام بالله والاعتماد عليه والانقطاع عما سواه إليه {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [الحجر: 22] أي: سماه الهداية {مَاءً} [الحجر: 22] بالحكمة والموعظة {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] ليربي به الأخلاق الحميدة والأوصاف الكريمة ويثمر الأعمال الصالحة {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ} [الحجر: 22] أي: لماء الحكمة {بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] في أصل الخلقة وأنه لفي خزانة الحق تعالى ينزل على من يشاء لقوله تعالى: {أية : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 269] والحكمة صفة من صفاته {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} وليست الحكمة من صفات المخلوقين، وإنما سمى الفلاسفة الحكمة هي المقولات وهي من نتائج العقل والعقل من صفات المخلوقين فكما لا يجوز أن يقال لله: "العاقل"، لا يجوز أن يقال للمخلوق: "الحكيم" إلا بالمجازات أتاه الله الحكمة {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي} قلوب أوليائنا بأنواع رجالنا {وَنُمِيتُ} نفوسهم بسطوة نظرات جلالنا {وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ} بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا. {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر: 24] أي: علمنا في الأزل من المستقدم إلينا بنا ومن المستأخر منا بالخذلان، وأيضاً من المستقدم عند خروجه من العدم ومن المستأخر، وأيضاً من المستقدم إلى الوجود ومن المستأخر في العدم، فإن في العدم من مقدورات الحق ما لا نهاية له {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} [الحجر: 25] أي: يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه بفضله وكرمه ويحشر المستأخرين إلى أسفل السافلين بقهره وعزته {إِنَّهُ حَكِيمٌ} [الحجر: 25] بحكمته يحشر كل طائفة من الفريقين إلى ما هم مستحقين به {عَلِيمٌ} [الحجر: 25] باستحقاق كلا الفريقين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: جميع الأرزاق وأصناف الأقدار لا يملكها أحد إلا الله، فخزائنها بيده يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، بحسب حكمته ورحمته الواسعة، { وَمَا نُنزلُهُ } أي: المقدر من كل شيء من مطر وغيره، { إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } فلا يزيد على ما قدره الله ولا ينقص منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):