Verse. 1830 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَاِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰۗىِٕكَۃِ اِنِّىْ خَالِقٌۢ بَشَرًا مِّنْ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَاٍ مَّسْنُوْنٍ۝۲۸
Waith qala rabbuka lilmalaikati innee khaliqun basharan min salsalin min hamain masnoonin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون».

28

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الإنسان الأول واستدل بذكره على وجود الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له فأطاعوه إلا إبليس فإنه أبى وتمرد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما تفسير كونه بشراً. فالمراد منه كونه جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أجسام البشر، والبشرة ظاهرة الجلد من كل حيوان وأما كونه صلصالاً من حمأ مسنون فقد تقدم ذكره. وأما قوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } ففيه قولان: الأول: فإذا سويت شكله بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية. والثاني: فإذا سويت أجزاء بدنه باعتدال الطبائع وتناسب الأمشاج كما قال تعالى: { أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } تفسير : [الإنسان: 2]. وأما قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } ففيه مباحث: الأول: أن النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، وظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح، وإلا لما صح وصفها بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجيء في قوله تعالى: { أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي } تفسير : [الإسراء: 85] وإنما أضاف الله سبحانه روح آدم إلى نفسه تشريفاً له وتكريماً. وقوله: {فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } فيه مباحث: أحدها: أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة لذلك السجود، وهذا البحث قد تقدم ذكره في سورة البقرة. وثانيها: أن المأمورين بالسجود لآدم عليه السلام كل ملائكة السموات أو بعضهم أو ملائكة الأرض، من الناس من لا يجوز أن يقال: إن أكابر الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام، والدليل عليه قوله تعالى في آخر سورة الأَعراف في صفة الملائكة: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } تفسير : [الأعراف:206] فقوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يفيد الحصر، وذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا لله تعالى وذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير الله تعالى أقصى ما في الباب أن يقال: إن قوله تعالى: {فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } يفيد العموم، إلا أن الخاص مقدم على العام. وثالثها: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له، لأن قوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من التراخي وقوله: {فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } قال الخليل وسيبويه قوله: {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } توكيد بعد توكيد، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم، فلما قال: {كُلُّهُمْ } زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال: {أَجْمَعُونَ } ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال: وقول الخليل وسيبويه أجود، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالاً وقوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ } أجمعوا على أن إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟ وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة وقوله: {أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } استئناف وتقديره أن قائلاً قال: هلا سجد فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه. أما قوله: {قَالَ يَـا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله: {قَالَ يَـا إِبْلِيسُ } أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه، فعند هذا قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله، إلا أن هذا ضعيف، لأن إبليس قال في الجواب: {لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ } فقوله: {خَلَقْتَهُ } خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا، وقوله: {لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } فيه بحثان: البحث الأول: اللام في قوله: {لأِسْجُدَ } لتأكيد النفي، ومعناه: لا يصح مني أن أسجد لبشر. البحث الثاني: معنى هذا الكلام أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه. كأنه يقول: البشر جسماني كثيف له بشرة، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، والأدون كيف يكون مسجوداً للأعلى، وأيضاً أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى: {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } فهذا ليس جواباً عن تلك الشبهة على سبيل التصريح، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه. وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النص بالقياس كان رجيماً ملعوناً. وتمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف، وقوله: {فَٱخْرُجْ مِنْهَا } قيل المراد من جنة عدن، وقيل من السموات، وقيل من زمرة الملائكة، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله: { أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4]. فإن قيل: كلمة (إلى) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة، وعند قيام القيامة يزول اللعن. أجابوا عنه من وجوه: الأول: المراد منه التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس في كلامهم كقولهم: { أية : مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [هود: 107] في التأبيد. والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذاباً ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ} تقدم في «البقرة». {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ} من طين {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي سوّيت خلقه وصورته. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} النفخ إجراء الريح في الشيء. والرُّوح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق؛ فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً؛ كقوله: أرضي وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله. ومثله {أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171] وقد تقدّم في «النساء» مبيّناً. وذكرنا في كتاب (التذكرة) الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف، وأن النفس والروح اسمان لمسمًّى واحد. وسيأتي ذلك إن شاء الله. ومن قال إن الروح هو الحياة قال أراد: فإذا ركّبت فيه الحياة. {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} أي خرّوا له ساجدين. وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة. ولِلَّه أن يفضل من يريد؛ ففضل الأنبياء على الملائكة. وقد تقدم في «البقرة» هذا المعنى. وقال القَفَّال: كانوا أفضل من آدم، وٱمتحنهم (الله) بالسجود له تعريضاً لهم للثواب الجزيل. وهو مذهب المعتزلة. وقيل: أمروا بالسجود لِلَّه عند آدم، وكان آدم قِبلة لهم.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه، وتشريفه إياه بأمر الملائكة؛ بالسجود له، ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسداً وكفراً وعناداً واستكباراً وافتخاراً بالباطل، ولهذا قال: {لَمْ أَكُن لاَِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} كقوله: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12] وقوله: {أية : أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ} تفسير : [الإسراء: 62] الآية، وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة، قال: {أية : إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص:71-72] قالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال لهم مثل ذلك، فقالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال: إني خالق بشراً من طين، فإِذا أنا خلقته، فاسجدوا له، فأبوا، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، فقال: إني خالق بشراً من طين، فإِذا أنا خلقته، فاسجدوا له، قالوا: سمعنا وأطعنا، إِلا إِبليس كان من الكافرين الأولين، وفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، و الله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذْكر {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{قال رَبِّ فأنظرني إلى يوم يبعثونَ}وهذا السؤال من إبليس لم يكن من ثقة منه بمنزلته عند الله تعالى وأنه أهل أن يجاب له دعاء، ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من السلامة. وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون أن لا يموت، لأن يوم البعث لا موت فيه ولا بعده. فقال الله تعالى:{فإنك من المنظرين} يعني من المؤجلين. {إلى يوم الوقت المعلوم} فلم يجبه إلى البقاء. وفي الوقت المعلوم وجهان: أحدهما: معلوم عند الله تعالى، مجهول عند إبليس. الثاني: إلى يوم النفخة الأولى يموت إبليس. وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. فتكون مدة موت إبليس أربعين سنة، وهو قول ابن عباس وسمي يوم الوقت المعلوم لموت جميع الخلائق فيه. وليس هذا من الله تعالى إجابة لسؤاله، لأن الإجابة تكرمة، ولكن زيادة في بلائه، ويعرف أنه لا يضر بفعله غير نفسه. وفي كلام الله تعالى له قولان: أحدهما: أنه كلمه على لسان رسول. الثاني: أنه كلمه تغليظاً في الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب.

ابن عطية

تفسير : {إذ} نصب بإضمار فعل تقديره: اذكر إذ قال ربك، و"البشر" هنا آدم، وهو مأخوذ من البشرة، وهي وجه الجلد، في الأشهر من القول. ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : وافقوا البشر" تفسير : . وقيل البشرة ما يلي اللحم، ومنه قولهم في المثل: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة لأن تلك الجهة هي التي تبشر. وأخبر الله تعالى الملائكة بعجب عندهم، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور - فهي مخلوقات لطاف - فأخبرهم: أنه لا يخلق جسماً حياً ذا بشرة وأنه يخلقه {من صلصال}. قال القاضي أبو محمد: "والبشر" والبشارة أيضاً أصلهما البشرة لأنهما فيها يظهران. و {سويته} معناه: كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب، وقوله: {من روحي} إضافة خلق وملك إلى خالق مالك، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح هنا للجنس. وقوله: {فقعوا} من وقع يقع، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق، وهذه اللفظة تقوي أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا، لا أنه خضوع وتسليم، وإشارة، كما قال بعض الناس، وشبهوه بقول الشاعر [أبي الأخزر الحماني]: [الطويل] شعر : فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف تفسير : وهذا البيت يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا. وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس: أنه قال: خلق الله ملائكة أمرهم بالسجود لآدم فأبوا، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق آخرين فأمرهم بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولين. قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس - من الأولين - يحتمل أن يريد في حالهم وكفرهم، ويحتمل أن يريد: في أنه بقي منهم. وقوله: {كلهم أجمعون} هو -عند سيبويه - تأكيد بعد تأكيد، يتضمن الآخر ما تضمن الأول. وقال غيره: {كلهم} لو وقف عليه - لصلحت للاستيفاء، وصلحت على معنى المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد، وهذا كما يقول القائل: كل الناس يعرف كذا، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر، فلما قال: {أجمعون} رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. وقال ابن المبرد: لو وقف على {كلهم} لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة، فلما قال: {أجمعون} دل على أنهم سجدوا في موطن واحد. قال القاضي أبو محمد: واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله: {أجمعون} حالاً. بمعنى مجتمعين، يلزمه - على هذا - أن يكون أجمعين، يقرب من التنكير إذ هو معرفة لكونه يلزم اتباع المعارف، والقراءة بالرفع تأبى قوله. وقوله: {إلا إبليس} قيل: إنه استثناء من الأول، وقيل: إنه ليس من الأول. وهذا متركب على الخلاف في {إبليس}، هل هو من الملائكة أم لا؟ والظاهر - من كثير من الأحاديث ومن هذه الآية - أنه من الملائكة وذلك أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لم يذنب في ترك السجود. وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن: أن إبليس إنما كان من قبيل الجن ولم يكن قط ملكاً؛ ونسب ابن فورك القول إلى المعتزلة، وتعلق من قال هذا بقوله في صفته: {أية : كان من الجن} تفسير : [الكهف: 50] وقالت الفرقة الأخرى: لا حجة في هذا لأن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها وقد قال تعالى: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} تفسير : [الصافات: 158]. وقوله تعالى: {قال: يا إبليس}، قيل: إنه - حينئذ - سماه {إبليس}، وإنما كان اسمه - قبل - عزازيل، وهو من الإبلاس وهو الإبعاد، أي يا مبعد، وقالت طائفة: {إبليس} كان اسمه، وليس باسم مشتق، بل هو أعجمي، ويقضي بذلك أنه لا ينصرف، ولو كان عربياً مشتقاً لكان كإجفيل - من أجفل - وغيره، ولكان منصرفاً، قاله أبو علي الفارسي. وقوله: {ألا تكون} "أن" في موضع نصب، وقيل: في موضع خفض، والأصل: ما لك ألا تكون؟ وقول إبليس {لم أكن لأسجد لبشر} ليس هذا موضع كفره عند الحذاق، لأن إبايته إنما هي معصية فقط، وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن الله خلق خلقاً مفضولاً وكلف أفضل منه أن يذل له، فكأنه قال: وهذا جور، وذلك أن إبليس لما ظن أن النار أفضل من الطين ظن أن نفسه أفضل من آدم من النار يأكل الطين، فقاس وأخطأ في قياسه، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله المالك للجميع لا رب غيره.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الآية: 28]. قال جعفر: امتحنهم يحثهم على طلب الاستفهام. فيزدادوا علمًا بعجائب قدرته، وتتلاشى عندهم نفوسهم.

القشيري

تفسير : أظهرهم بهذا القول، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم. ويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم. إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم. ويقال الملائكة لاحظوه بعين الخِلْقَة فاستصْغروا قَدْرَه وحاله، ولهذا عَجِبوا من أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له. قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}: وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله ادَّعى الخَيْرَةَ وَبَقِيَ في ظُلمة الحَيْرةِ. ويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ، وقال: أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيهِ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلاَّ وهو سببُ وسواسه، وداعيه إلى الزَّلَّةِ.. وذلك هو عين الشَّقوة وقضية الخذلان.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قال ربك} اى اذكر يا محمد وقت قوله تعالى {للملائكة} [بهجت خلافت زمين]. يقول الفقير ان فى هؤلاء الملائكة اختلافا شديدا والحق ما ذهب اليه اكابر اهل الله تعالى من ان المقول لهم القول الآتى والساجدين لآدم عليه السلام هم الذين تنزلوا من مرتبة الارواح الى مرتبة الاجسام فدخل فيهم جبريل ونحوه من اكابر الملائكة واصاغرهم سماوية كانت او ارضية لان كلهم ملتبسون بملابس الجسمانية اللطيفة فاللام لاستغراق الجنس واما المراد بالعالين فى قوله تعالى {أية : أستكبرت ام كنت من العالين} تفسير : الملائكة المهيمون الذين بقوا فى عالم الارواح واستغرقوا فى نور شهود الحق وليس لهم شعور بنفوسهم فضلا عن آدم وغيره وهم خير من هذا النوع الانسانى فى شرف الحال لان فى الجمعية والكمال والانسان فوق الملائكة الارضية والسماوية فى رتبة الفضيلة والكمال بل فى شرف الحال ايضا لانهم كلهم عنصريون مخلوقون بيد واحدة فليس لهم شرف حاله ولا رتبة كماله: قال الحافظ شعر : فرشته عشق نداندكه جيست قصه مخوان بخوان جام وكلابى بخاك آدم ريز تفسير : {انى خالق} فيما سيأتى البتة كما يدل عليه التعبير باسم الفاعل الدال على التحقق {بشرا} قال فى القاموس البشر محركة الانسان ذكرا او انثى واحدا او جمعا وقد يثنى ويجمع ابشارا وظاهر جلد الانسان {من صلصال} متعلق بخالق او صفة لبشرا اى بشرا كائنا من صلصال كائن {من حمأ مسنون} تقدم تفسيره شاورهم الله تعالى بصورة الامتحان ليميز الطيب اى الملك من الخبيث اى ابليس فسلم الملك وهلك ابليس ولذلك قيل عند الامتحان يكرم الرجل او يهان. وقيل اخبرهم سبحانه بتكوين آدم قبل ان يخلقه ليوطنوا انفسهم على فناء الدنيا وزوال ملكوتها كما قال تعالى لآدم {أية : اسكن انت وزوجك الجنة} تفسير : والسكنى لا يكون الا على وجه العارية ليوطن نفسه على الخروج من الجنة: قال الصائب شعر : مهياى فنارا از علائق نيست بروايى نيند يشد زخاك آنكس كه دامن دركمر دارد تفسير : وانما خلق الله آدم بعد جميع المخلوقات ليكون خاتم المخلوقات كسيد المرسلين خاتم الأنبياء فظهر فيه شرف الختم فهو بمنزلة خاتم الملك على باب الكنز الخاص

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وإذْ قال): ظرف لاذكر، وقوله: {فَقَعُوا}: امرٌ، من وقَع، يقع، قَعْ، فهو مما حُذفت فاؤه. وقوله: (فسجد) معطوف على محذوف، أي: فخلقه، وأمر الملائكة فسجدوا. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر يا محمد {إذْ قال ربك للملائكة}، قبل خلق آدم: {إني خالق بشراً من صَلْصَالٍ من حمأٍ مسنونٍ}، وصفه لهم بذلك ليظهر صدق من يمتثل أمره، قال تعالى: {فإذا سويتُه}: عدلت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها، {ونفختُ فيه من روحي}؛ حين جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ: إجراء الروح في تجويف جسد آخر. ولما كان الروح يتعلق أولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخاً. قاله البيضاوي. وأضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك، اي: من الروح الذي هو لي، وخلق من خلقي. فإذا نفخت فيه {فَقَعوا}: فأسقطوا {له ساجدين فسجد الملائكةُ} حين أكمل خلقته، وأمرهم بالسجود، وقيل: اكتفى بالأمر الأول، {كلُّهم أجمعون}، أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص، {إلا إبليس أبى}: امتنع {أن يكون مع الساجدين}، قال البيضاوي: إن جُعِل الاستثناء منقطعاً اتصل به قوله: {أبَى}؛ أي: لكن إبليس أبَى أن يسجد، وإن جُعِل متصلاً كان قوله: {أبَى}: استئنافاً، على أنه جواب سائل قال: هلا سجد؟ فقال: أبى.. الخ. قلت: والأحسن: أن يقدر السؤال بعد قوله: {إلا إبليس أبى} أي: وما شأنه؟ فقال: أبى أن يكون مع الساجدين. قال تعالى: {يا إبليس ما لكَ}؛ أي شيء عرض لك، {ألا تكونَ مع الساجدين} لآدم؟ {قال لم أكن لأسجُدَ} أي: لا يصح مني، بل ينافي حالي أن أسجد {لبشرٍ} جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، وقد {خلقتَه من صلصالٍ من حمإ مسنونٍ}، وهو أخس العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدم من جهة الأصل، وغفل عن الكمالات التي خصه الله بها، منها: أنه خلقه بيديه بلا واسطة، أي: بيد القدرة والحكمة، بخلاف غيره، ومنها: أنه خصه بالعلوم التي لم توجد عند غيره من الملائكة، ومنها: أنه نفخ فيه من روحه المضافة إلى نفسه، ومنها: أنه جعله خليفة في أرضه... إلى غيره ذلك من الخواص التي تشرف بها فاستحق السجود. قال له تعالى لَمَّا امتنع واستكبر: {فاخرجْ منها} أي: من السماء، أو من الجنة، أو من زمرة الملائكة، {فإنك رجيمٌ}: مطرود من الخير والكرامة؛ فإنَّ من يُطرد يُرجم بالحجر، أو شيطان يُرجم بالشهب، فهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته، أي: ليس الشرف بالأصل، إنما الشرف بالطاعة والقرب. {وإن عليك اللعنةَ}: الطرد والإبعاد {إلى يوم الدين}؛ يوم الجزاء، ثم يتصل باللعن الدائم. وقيل: إنما حد اللعن لأنه أبعد غاية يضربها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن، فيصير كأنه زال عنه ذلك اللعن. {قال ربِّ فأنْظِرني}: أخرني {إلى يوم يُبعثون}، أراد أن يجد فسحة في الإغواء، ونجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، {قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}: المعين فيه أجلك عند الله، وانقراض الناس كلهم، وهو النفخة الأولى عند الجمهور. وهذه المخاطبة، وإن لم تكن بواسطة، لا تدل على منصب إبليس؛ لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال. قاله البيضاوي. وجزم ابن العربي، في سراج المريدين، بأن كلام الحق تعالى إنما كان بواسطة، قال: لأن الله لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس، فكيف يكلم من تولى إضلالهم. هـ. وتردد المازُريُّ في ذلك وقال: لا قاطع في ذلك، وإنما فيه ظواهر، والظاهر لا تفيد اليقين. ثم قال: وأما قوله: {ما منعك أن تسجد}: فيحتمل أن يكون بواسطة أو بغيرها، تقول العرب: كلمت فلاناً مشافهة، بالكلام، وتارة بالبعث. هـ. قلت: الظاهر أنه كلمه بلا واسطة من وراء حجاب، كلامَ عتابٍ وإهانة، كما يوبخ الكفار يوم القيامة، مع أن الواسطة محذوفة عند المحققين، وإن وُجِدَتْ صُورَةً. ثم قال: {ربِّ بما أغويتني} أي: بسبب إغوائك لي، {لأُزَيِّنَنَّ لهم في الأرض}، وقيل: الباء للقسم، أي: بقدرتك على إغوائي، لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا، التي هي دار الغرور. قال ابن عطية: قوله: {رَبِّ}: مع كفره، يُخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهذا لا يدفع في صدر كفره. وقال، على قوله: {لم أكن لأسجد}: ليس هذا موضع كفره عند الحذاق؛ لأن إبايته إنما هي معصية فقط، أي: وإنما كفره لاعتراضه لأمر الحق واستكباره. وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن آدم مفضول، وقد أمره أن يسجد لمن هو أفضل منه، فرأى أن ذلك جور، فقاس وأخطأ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله تعالى المالك للجميع. هـ. مختصراً. وقال المازري: أما كفر إبليس فمقطوع به؛ لقوله: {أية : وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34] ثم قال: ويؤكده قوله: {ربِّ بما أغويتني}، وقوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ...} تفسير : الآية [ص: 85]، وغير ذلك من ظواهر ما يدل على كفره. وأما: هَلْ حدث هذا الكفر بعد إيمان سابق، أو لم يزل كافراً منذ كان؟ فهذا لا يحصله إلا نص قرآن، أو خبر متواتر، أو إجماع أمة، وهي المحصلة للعلم، وهذه الثلاثة مفقودة هنا. هـ. قلت: والظاهر أن كفره لم يظهر إلا بعد الأمر بالسجود لآدم، وإنما سبق به العلم القديم، وكان قد أظهر الإيمان والعبادة والله تعالى أعلم. وقوله: {ولأغوينّهم أجمعين}؛ أي: لأحملنهم على الغواية أجمعين، {إلا عبادكَ منهم المخلَصين}؛ الذين أخلصتهم لطاعتك، وطهرتهم من الشهوات، فلا يعمل فيهم كيدي. ومن قرأ بالكسر فمعناه: الذين أخلصوا دينهم لله، وتحصنوا بالإخلاص في سائر أعمالهم. {قال} تعالى: {هذا صراطٌ عليَّ مستقيمٌ}؛ الإشارة إلى نجاة المخلصين، أو إلى العبادة والإخلاص، أي: هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد عليَّ، وموصل إلى جواري، لا سبيل لك على أهله؛ لأنه مستقيم لا عوج فيه. وقيل: الإشارة إلى انقسام الناس إلى غاوٍ ومخلص، أي: هذا أمر إليَّ مصيره، والنظر فيه لي، عليَّ أن أراعيه وأبينه، مستقيم لا انحراف فيه. وقرأ الضحاك ومجاهد والنخعي، وغيرهم: "عَلِيٌّ؛ بكسر اللام والتنوين، من العلو والشرف، والإشارة حينئذٍ إلى الإخلاص، أي: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بإغوائك أهلَه يا إبليس. الإشارة: إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه، في حق من يغلب حسه على معناه، وفرقُه على جمعه وأما من غلب معناه على حسه، حتى رأى الأشياء الحسية أواني حاملة للمعاني، أي: لمعاني أسرار الربوبية، بل رآها أنواراً بارزة من بحر الجبروت، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء؛ لأنه يراها قائمة بالله، ولا وجود لها مع الله، فلا يخضع حينئذٍ إلا لله، فالملائكة - عليهم السلام - نفذت بصيرتهم، فرأوا آدم عليه السلام قبلة للحضرة القدسية، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني، فخضعوا لآدم صورةً، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس، وحجب بالفرق عن الجمع، فلم ير إلا حس آدم دون معناه، فامتنع عن السجود، وفي الحِكَم العطائية: "فمن رأى الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده، أو معه، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بحب الآثار". ولهذا المعنى صعب الخضوع للأشباح؛ لغلبة الفرق على الناس، إلا من سبقت له العناية، فإنه يخضع مع الفرق؛ محبة لله، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع، فيخضع لله وحده. والتوفيق لهذا، والسير على منهاجه ـ أعني الخضوع لمن يوصل إلى الله ـ هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله: {هذا صراط عَلَيَّ مستقيم}. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر من لا تسل للشيطان عليه فقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ....}

الطوسي

تفسير : لفظة (إِذ) تدل على ما مضى من الزمان، ولا بدَّ لها من فعل متعلق به، والتقدير واذكر يا محمد {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً} اي اخلقه فيما بعد، قبل ان يخلقه، والمراد بالبشر آدم، وسمي بشراً لأنه ظاهر الجلد، لا يرى فيه شعر، ولا صوف كسائر الحيوان. ثم قال {من صلصال من حمإٍ مسنون} وقد فسرناه. وقوله {فإِذا سويته} معناه سويت صورته الانسانية، والتسوية جعل واحد من الشيئين على مقدار الآخر وقد يسوى بين الشيئين في الحكم. وقوله: {ونفخت فيه من روحي} فالنفخ الاجراء لريح في الشيء باعتماد، نفخ ينفخ نفخاً إِذا اجرى الريح باعتماد، فلما أجرى الله الروح على هذه الصفة في البدن، كان قد نفخ الروح فيه، وأضاف روح آدم الى نفسه تكرمة له، وهي اضافة الملك، لما شرفه وكرمه، والروح جسم رقيق روحاني فيها الحياة التي بها يجيء الحي، فاذا خرجت الروح من البدن، كان ميتاً في الحكم، فاذا انتفت الحياة من الروح، فهو ميت في الحقيقة. وقوله {فقعوا له ساجدين} أمر من الله تعالى، الى الملائكة ان يسجدوا لآدم. وقيل في وجه سجودهم له قولان: احدهما - انه سجود تحية وتكرمة لآدم، عبادة لله تعالى. وقيل: أنه على معنى السجود الى القبلة. والاول عليه اكثر المفسرين. ثم استثنى من جملتهم ابليس انه لم يسجد، {وأبى أن يكون مع الساجدين} لآدم. وابليس مشتق من الإبلاس، وهو اليأس من روح الله إِلا انه شبه بالاعجمي من جهة انه لم يستعمل إِلا على جهة العَلم، فلم يصرف. وقال قوم: إِنه ليس بمشتق، لأنه أعجمي بدلالة انه لا ينصرف. والاباء: الامتناع، والسجود خفض الجبهة بالوضع على بسط من الارض او غيره، واصله الانخفاض قال الشاعر: شعر : ترى الا كم فيها سجّد اللحوافر تفسير : واختلفوا في هذا الاستثناء، فقال قوم: ان ابليس كان من الملائكة، فلذلك استثناه، وقال آخرون: إِنما كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم، فلذلك استثناه من جملتهم، وقال آخرون: هو استثناء منقطع ومعناه (لكن) وقد بينا الصحيح من ذلك في سورة البقرة. ومن قال: لم يكن من الملائكة قال: الملائكة خلقوا من نور، وإِبليس خلق من نار، والملائكة لا يعصون، وإِبليس عصى بكفره بالله. والملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح، وإِبليس بخلاف ذلك، قال الحسن: إِبليس أب الجن، كما ان آدم أب الإنس.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ} واذكر اذ قال {رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} اتممت خلقته {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} وقد خلقتنى من النّار الّتى هى اشرف العناصر وذلك الصلصال اخسّ مواليد العناصر.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلاَئِكَةِ} كلهم أَو لبعض فيعلم الباقى {إِنَّى خالِقٌ بَشَراً} سمى بشر لظهور بشرته لعدم الشعر لا كحيوانات كسيت شعراً وصوفا ووبرا وريشاً، ويطلق الشعر على الكل، أَو لكونه كثيفاً يباشر لا لطيفا لا يباشر كالملائِكة ونوع من الجن، ومنهم من يباشر {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} صورته بالصورة الإنسانية، وقد كان قبل بدون أعضاءٍ، كما أَن الجنين فى البطن بلا أَعضاءٍ ثم تكون، أو تسويته تعديل طبائِعه، عن ابن عباس رضى الله عنهما: خلق الله آدم من أَديم الأَرض فأَلقاه على الأَرض حتى صار طينا لازبا ثم ترك حتى صار حمأَ مسنونا وصوره، وبقى أَربعين يوماً مصوراً حتى يبس فصار صلصالا كالفخار ثم صوره أَعضاء لحماً ودماً فكذا أولاده أَطواراً نطفة بعد طينة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ولحماً، ويقال: تركه فى الشمس أَربعين عاماً على صورته وهو صلصال لا يدرى أحد ما يراد به ولم ير أحد مثل صورته، ثم نفخ فيه من روحه {وَنَفَخْتُ فِيْهِ مِنْ رُّوحِى} أجريت فيه بعض روحى أى بعض الروح التى هى ملكى فى تجاويف بدنه فصار حيا، استعار النفخ للإِجراءِ بجامع الإيصال، وأضاف الروح لنفسه تشريفاً لآدم كبيت الله وناقة الله وعبد الله أَى بعضاً ثابتاً من جنس الروح الذى هو ملكى، ومن فى مثل ذلك للابتداءِ أو للتبعيض {فَقَعُوا} كلكم أمر من الوقوع حذفت واوه قبل القاف لأَن أَصل فتح قافه الكسر فكأَنها وقعت الواو من مضارعه بين ياءٍ مفتوحة وكسرةٍ والأَمر تبع للمضارع، وغير الياءِ من حروف المضارع تبع للياءِ {لَهُ سَاجِدِين} أَى خاضعين له بالتحية أَو منحنين له تعظيماً، أَو سجود صلاة تعظيماً له بجعله كالقبلة، وهو لله سبحانه وتعالى، أَو المراد بقوله: له لجهته، أَو كان السجود لغير الله جائِزاً إِذ ذاك ثم نسخ إِلا لله عز وجل، وقدم له للفاصلة.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} نصب بإضمار اذكر، وتذكير الوقت لما مر مراراً من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعار بعلة الحكم وتشريف له صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت قوله تعالى: {لِلْمَلَـٰئِكَةِ} الظاهر أن المراد بهم ملائكة السماء والأرض، وزعم بعض الصوفية أن المراد بهم ملائكة الأرض ولا دليل له عليه {إِنِّي خَالِقٌ} فيما سيأتي؛ وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل لذلك البتة من غير صارف ولا عاطف {بَشَراً} أي إنساناً، وعبر به عنه اعتباراً بظهور بشرته وهي ظاهر الجلد عكس الأدمة خلافاً لأبـي زيد حيث عكس وغلطه في ذلك أبو العباس وغيره من الصوف والوبر ونحوهما، ولبعض أكابر الصوفية وجه آخر في التسمية سنذكره إن شاء الله تعالى في باب الإشارة، ويستوي فيه الواحد والجمع. وذكر الراغب أنه جاء جمع البشرة بشراً وأبشاراً، وقيل: أريد جسماً كثيفاً يلاقي ويباشر أو جسماً بادي البشرة ولم يرد إنساناً وإن كان هو إياه في الواقع، وبعض من قال إنه المراد قال: ليس هذا صيغة عين الحادثة وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم: إني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم {مِن صَلْصَـٰلٍ} متعلق ـ بخالق ـ أو بمحذوف وقع صفة {بَشَراً} {مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تقدم تفسيره وإعرابه فتذكر فما في العهد من قدم.

ابن عاشور

تفسير : عطف قصة على قصة. و{إذ} مفعول لفعل (اذكر) محذوف. وقد تقدم الكلام في نظائره في سورة البقرة وفي سورة الأعراف. والبشر مرادف الإنسان، أي أنّي خالق إنساناً. وقد فهم الملائكة الحقيقة بما ألقَى الله فيهم من العلم، أو أن الله وصف لهم حقيقة الإنسان بالمعنى الذي عبّر عنه في القرآن بالعبارة الجامعة لذلك المعنى. وإنما ذُكر للملائكة المادة التي منها خلق البشر ليعلموا أن شرف الموجودات بمزاياها لا بمادة تركيبها كما أومأ إلى ذلك قوله: {فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}. والتسوية: تعديل ذات الشيء. وقد أطلقت هنا على اعتدال العناصر فيه واكتمالها بحيث صارت قابلة لنفخ الروح. والنفخ: حقيقته إخراج الهواء مضغوطاً بين الشفتين مضمومتين كالصفير، واستعير هنا لوضع قوة لطيفة السريان قوية التأثير دَفعة واحدة، وليس ثَمة نفخ ولا منفوخ. وتقريب نفخ الروح في الحي أنه تكون القوّة البخارية أو الكهربائية المنبعثة من القلب عند انتهاء استواء المزاج وتركيب أجزاء المزاج تكوناً سريعاً دفعياً وجريان آثار تلك القوة في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن في تجاويف جميع أعضائه الرئيسة وغيرها. وإسناد النفخ وإضافة الروح إلى ضمير اسم الجلالة تنويه بهذا المخلوق. وفيه إيماء إلى أن حقائق العناصر عند الله تعالى لا تتفاضل إلا بتفاضل آثارها وأعمالها، وأن كراهة الذات أو الرائحة إلى حالة يكرهها بعض الناس أو كلهم إنما هو تابع لما يلائم الإدراك الحسي أو ينافره تبعاً لطباع الأمزجة أو لإِلفِ العادة ولا يُؤْبَه في علم الله تعالى. وهذا هو ضابط وصف القذارة والنّزاهة عند البشر. ألا ترى أن المني يستقذر في الحس البشري على أن منه تكوين نوعه، ومنه تخلقت أفاضل البشر. وكذلك المسك طَيّب في الحس البشري لملاءمة رائحته للشّم وما هو إلا غُدة من خارجات بعض أنواع الغزال، قال تعالى: {أية : وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسلَهُ من سلالة من ماء مهين ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} تفسير : [سورة السجدة: 7 - 9]. وهذا تأصيل لكون عالم الحقائق غير خاضع لعالم الأوهام. وفي الحديث حديث : لَخلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك»تفسير : . وفيه حديث : لا يُكْلَم أحد في سبيل الله؛ واللّهُ أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة ودَمه يَشْخُب اللّونُ لونُ الدم والريح ريح المسكتفسير : . ومعنى {فقعوا له ساجدين} أُسقُطوا له ساجدين، وهذه الحال لإفادة نوع الوقوع، وهو الوقوع لقصد التعظيم، كقوله تعالى: {أية : وخرّوا له سجداً} تفسير : [سورة يوسف: 100]. وهذا تمثيل لتعظيم يناسب أحوال الملائكة وأشكالهم تقديراً لبديع الصنع والصلاحية لمختلف الأحوال الدال على تمام علم الله وعظيم قدرته. وأمر الملائكة السجود لا ينافي تحريم السجود في الإسلام لغير الله من وجوه: أحدها: أن ذلك المنع لسدّ ذريعة الإشراك والملائكة معصومون من تطرّق ذلك إليهم. وثانيها: أن شريعة الإسلام امتازت بنهاية مبالغ الحق والصلاح، فجاءت بما لم تجىء به الشرائع السالفة لأن الله أراد بلوغ أتباعها أوج الكمال في المدارك، ولم يكن السجود من قبل محظوراً فقد سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف ــــ عليهم السلام ــــ وكانوا أهل إيمان. وثالثها: أن هذا إخبار عن أحوال العالم العلوي، و لا تقاس أحكامه على تكاليف عالم الدنيا. وقوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} عنوان على طاعة الملائكة. و{كلهم أجمعون} تأكيد على تأكيد، أي لم يتخلّف عن السجود أحد منهم. وقوله: {إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين} تقدم القول على نظيره في سورة البقرة وسورة الأعراف. وقوله هنا {أن يكون مع الساجدين} بيان لقوله في سورة البقرة (34) {أية : واستكبر}،تفسير : لأنه أبى أن يسجد وأن يساوي الملائكة في الرضى بالسجود. فدلّ هذا على أنه عصى وأنه ترفّع عن متابعة غيره. وجملة {ما لك ألا تكون مع الساجدين} استفهام توبيخ. ومعناه أي شيء ثبت لك، أي متمكناً منك، لأن اللام تفيد الملك. و{ألا تكون} معمول لحرف جر محذوف تقديره (في). وحَذف حرف الجر مطرد مع (أنْ). وحرف (أن) يفيد المصدرية. فالتقدير في انتفاء كونك من الساجدين. وقوله: {لم أكن لأسجد} جُحود. وقد تقدم أنه أشد في النفي من (لا أسجد) في قوله تعالى: {أية : ما يكون لي أن أقول} تفسير : في آخر العقود [المائدة: 116]. وقوله: {لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} تأييد لإبايَته من السجود بأن المخلوق من ذلك الطين حقِير ذميم لا يستأهل السجود. وهذا ضلال نشأ عن تحكيم الأوهام بإعطاء الشيء حكم وقعه في الحاسة الوهمية دون وقعه في الحاسة العقلية، وإعطاء حكم ما منه التكوين للشيء الكائن. فشتّان بين ذكر ذلك في قوله تعالى للملائكة: {إني خالق بشراً من صلصال من حمإ مسنون} وبين مقصد الشيطان من حكاية ذلك في تعليل امتناعه من السجود للمخلوق منه بإعادة الله الألفاظ التي وصف بها الملائكة. وزاد فقال ما حكي عنه في سورة ص (76) إذ قال: {أية : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} تفسير : ولم يحك عنه هنا. وبمجموع ما حكي عنه هنا وهناك كان إبليس مصرحاً بتخطئة الخالق، كافراً بصفاته، فاستحق الطرد من عالم القدس. وقد بيناه في سورة ص. وعطفت جملة أمره بالخروج بالفاء لأن ذلك الأمر تفرع على جوابه المُنبىء عن كفره وعدم تأهله للبقاء في السماوات. والفاء في {فإنك رجيم} دالّة على سبب إخراجه من السماوات. و (إنّ) مؤذنة بالتعليل. وذلك إيماء إلى سبب إخراجه من عوالم القدس، وهو ما يقتضيه وصفه بالرجيم متلوث الطوية وخبث النفس، أي حيث ظهر هذا فيك فقد خبثت نفسك خبثاً لا يرجى بعده صلاح فلا تَبقى في عالم القدس والنزاهة. والرجيم: المطرود. وهو كناية عن الحقارة. وتقدم في أول هذه السورة {أية : وحفظناها من كل شيطان رجيم} تفسير : [سورة الحجر: 17]. وضمير {منها} عائد إلى السماوات وإن لم تذكر لدلالة ذكر الملائكة عليها. وقيل: إلى الجنة. وقد اختلف علماؤنا في أنها موجودة. و{اللعنة}: السّبّ بالطرد. و (على) مستعملة في الاستعلاء المجازي؛ وهو تمكن اللعنة والشتم منه حتى كأنه يقع فوقه. وجُعل {يوم الدين} وهو يوم الجزاء غاية للّعن استعمالاً في معنى الدوام، كأنه قيل أبدا. وليس ذلك بمقتضي أن اللعنة تنتهي يوم القيامة ويخلفها ضدها، ولكن المراد أن اللعنة عليه في الدنيا إلى أن يلاقي جزاء عمله فذلك يومئذٍ أشد من اللعنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْمَلآئِكَةِ} {خَالِقٌ} {صَلْصَالٍ} {حَمَإٍ} (28) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي سَأَخْلُقُ بَشَراً (هُوَ آدَمُ) مِنْ طِينٍ يَابِسٍ يُصَلْصِلُ إِذَا نُقِرَ بِاليَدِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ قَبْلُ، طِيناً رَطْباً (حَمَأٍ) مُتَغَيِّراً، مُسْوَدَّ اللَّوْنِ (مَسْنُونٍ).

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ} سأخلق {بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} عدلت صورته وأتممت خلقه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} فصار بشراً حياً {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} سجود تحية وتكرمة لا سجود صلاة وعبادة {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} المأمورون بالسجود {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} على التأكيد {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}. روى عكرمة عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له، قالوا: لانفعل. فأرسل عليهم ناراً فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال: إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له، فأبوا، فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال: إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له، قالوا: سمعنا وأطعنا إلاّ إبليس كان من الكافرين. {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} محل (أن) النصب بفقد الخافض. {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة ومن السماوات {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} ملعون طويلاً {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي بأغوائك أياي وهو الإضلال والإبعاد {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} معاصيك ولأُحببنَّها اليهم {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ} لأضلنهم {أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}. قرأ أهل الكوفة والمدينة والشام: بفتح اللام. وإختاره أبو عبيد، يعني إلاّ من أخلصته بتوفيقك فهديته واصطفيته. وقرأ أهل مكة والبصرة: بكسر اللام، وإختاره أبو حاتم، يعني من أخلص لك بالتوحيد والطاعة. وأراد بالمخلصين في القرائتين جميعاً: المؤمنين. {قَالَ} الله لإبليس {هَذَا صِرَاطٌ} طريق {عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}. قال الحسن: هذا صراط إليَّ مستقيم. وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لايعرج على شيء. وقال الأخفش: يعني على الدلالة صراط مستقيم. وقال الكسائي: هذا على الوعيد فإنه تهديد كقولك للرجل خاصمتهُ وتهدده: طريقك عليَّ، كما قال الله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 14] فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلاًّ بأعمالهم. وقال ابن سيرين وقتادة وقيس بن عبادة وحميد ويعقوب: هذا صراط عليٌّ برفع الياء على نعت الصراط أي رفيع، كقوله: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}تفسير : [مريم: 57]. {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} قوة. قال أهل المعاني: يعني على قلوبهم. وسُئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية، فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عبدي، وهؤلاء يثبت الله الذين رأى فيهم إحسانهم. {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} أطباق {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ} يعني من أتباع إبليس {جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} حظ معلوم. وقال عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): تدرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم كنحو هذه الباب. فقال: لا ولكنها هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى وإن الله تعالى وضع الجنان على الأرض،ووضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم وفوقها لظى وفوقهما الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها السعير وفوقها الهاوية. وأبو سنان عن الضحاك في قول الله: {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} قال: للنار سبعة أبواب هي سبعة أدراك بعضها على بعض. فأولها: أهل التوحيد يعذّبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثمّ يخرجون. والثاني: فيه اليهود. والثالثة: فيه النصارى. والرابع: فيه الصابئون. والخامسة: فيه المجوس. والسادس: فيه مشركوا العرب. والسابع: فيه المنافقون. فذلك قوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء: 145] الآية. أبو رياح عن أنس بن مالك عن بلال قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد المدينة وحده، فمرّت به أعرابية فاشتهت أن تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فدخلت وصلت ولم يعلم بها رسول الله، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بلغ هذه الآية: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} فخرّت الأعرابية مغشية عليها فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبتها فانصرف وقال: "يا بلال عليَّ بماء" فجاء فصب على وجهها حتّى أفاقت وجلست، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا هذه ما حالك؟» فقالت: رأيتك تصلي وحدك فاشتهيت أن أُصلي خلفك ركعتين، فهذا شيء من كتاب الله أو تقول من تلقاء نفسك؟ قال بلال: فما أحسبه إلاّ قال: "يا أعرابية بل هو في كتاب الله المنزل". فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على باب منها. فقال: "يا أعرابية لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب على كل باب على قدر أعمالهم". فقالت: والله إني لامرأة مسكينة مالي مالٌ ومالي إلاّ سبعة أعبد أشهدك يارسول الله أن كل عبد منهم على كل باب من أبواب جهنم حرُّ لوجه الله. فأتاه جبرئيل فقال: يارسول الله بشّر الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها، وفتح لها أبواب الجنة كلها . تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ٱدْخُلُوهَا} قرأه العامة بوصل الألف وضم الخاء على الأمر، مجازه: يقال لهم ادخوها. وقرأ الحسن: أدخلوها بضم الهمزة وكسر الخاء على الفعل المجهول، وحينئذ لا يحتاج إلى الضمير. {بِسَلامٍ} بسلامة {آمِنِينَ} من الموت والعذاب والآفات {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} نصب على الحال، وإن شئت قلت: جعلناهم إخوانا {عَلَىٰ سُرُرٍ} جمع سرير مثل جديد جدد {مُّتَقَابِلِينَ} يقابل بعضهم بعضاً لا ينظر أحد منهم في قفا صاحبه {لاَ يَمَسُّهُمْ} لا يصيبهم {فِيهَا نَصَبٌ} تعب {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ * نَبِّىءْ} أخبر {عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. قال ابن عبّاس: يعني لمن تاب منهم. {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} لمن لم يتب منهم. روى ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رباح حديث : عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك، فقال: "لا أراكم تضحكون"، ثمّ أدبر حتّى إذا كان عند الحجر رجع ألينا القهقرى فقال: "إني لمّا خرجت جاء جبرئيل فقال: يا محمّد لِمَ تقنّط عبادي {نبّيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم}" . تفسير : وقال قتادة: بلغنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورّع عن محارم الله، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعرفنا في مواقع متفرقة من خواطرنا كيف نفهم هذه الآية. ونعلم أن البشر في زماننا حين يريدون صُنْع تمثال ما، فَهُم يَخْلِطون التراب بالماء ليصير طيناً؛ ثم يتركونه إلى أنْ يختمرَ، ويصيرَ كالصَّلْصَال، ومن بعد ذلك يُشكل المَثَّالُ ملامح مَنْ يُريد أن يصنع له تمثالاً. والتماثيل تكون على هيئة واحدة، ولا قدرةَ لها، عَكْس الإنسان المخلوق بيد الله، والذي يملك بفعل النفْخ فيه من روح الله ماَ لاَ يملكه أيُّ كائن صنعتْه مهارة الإنسان؛ ذلك أن إعجازَ وطلاقةَ قدرةِ الخالق لا يمكن أن تستوي مع قدرة المخلوق المحدودة. وهناك حديث يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق الله عز وجل آدم على صورته، ستون ذراعاً ". تفسير : واختلف العلماء في مرجع الضمير في هذا الحديث؛ أيعود إلى صورة آدم؟ أم يعود إلى آدم؟ فمن العلماء من قال: إن الضمير يعود إلى آدم؛ بمعنى أن الله لم يخلقه طفلاً، ثم كبر؛ بل خلقه على الصورة الناضجة؛ وتلفَّت آدم فوجد نفسه على تلك الصورة الناضجة؛ وأنه لم يكُنْ موجوداً من قبل ذلك بساعة؛ لذلك تلفَّت إلى المُوجِد له. والذين قالوا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان على صورته، وأن الضمير يعود إلى الله؛ فذلك لأن الحق قد جعل الإنسان خليفة له في الأرض؛ وأعطاه من قدرته قدرةً؛ ومن عِلْمه علماً؛ ومن حكمته حكمة، ومن قاهريته قهراً. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : تخلقوا بأخلاق الله ". تفسير : فخلق آدم داخلٌ في كينونته. يقول الحق: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59]. وأمام الكينونة ينتفي التعليل، ولم يبق إلا الإيمان بالخالق. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ ...}.