Verse. 1829 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

وَالْجَاۗنَّ خَلَقْنٰہُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَّارِ السَّمُوْمِ۝۲۷
Waaljanna khalaqnahu min qablu min nari alssamoomi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والجان» أبا الجان وهو إبليس «خلقناه من قبل» أي قبل خلق آدم «من نار السموم» هي نار لا دخان لها تنفذ من المسام.

27

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} أي من قبل خلق آدم. وقال الحسن: يعني إبليس، خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام. وسُمِّيَ جانا لتواريه عن الأعين. وفي صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما صوّر الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يُطيف به وينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِقَ خلقاً لا يتمالك»تفسير : . {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم. وقال ابن عباس: السموم الريح الحارة التي تقتل. وعنه: أنها نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار تكون بين السماء والحجاب. فإذا أحدث الله أمراً اخترقت الحجاب فهوت الصاعقة إلى ما أمِرت. فالهَدّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. وقال الحسن: نار السموم نار دونها حجاب، والذي تسمعون من انغطاط السحاب صوتها. وعن ٱبن عباس أيضاً قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ـ قال ـ: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار. قلت: هذا فيه نظر؛ فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر؛ إذ مثله لا يقال من جهة الرأي. وقد خرّج مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خُلقت الملائكة من نور وخُلق الجان من مارِج من نار وخلق آدم مما وُصف لكم»تفسير : . فقوله: «حديث : خلقت الملائكة من نور»تفسير : يقتضي العموم. والله أعلم. وقال الجوهريّ: مارج من نار نارٌ لا دخان لها خلق منها الجان، والسموم الريح الحارة تؤنث؛ يقال منه: سمّ يومُنا فهو يوم مسموم، والجمع سمائم. قال أبو عبيدة: السَّمُوم بالنهار وقد تكون بالليل، والحَرُور بالليل وقد تكون بالنهار. القشيريّ: وسُمِّيت الريح الحارة سموماً لدخولهابلطفها في مَسامّ البدن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلْجَآنَّ } أبا الجن وهو إبليس {خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ } أي قبل خلق آدم {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } هي نار لا دخان لها تنفذ في المسام.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْجَآنَّ} إبليس، أو الجن، أو أبو الجن {مِن قَبْلُ} آدم {نَّارِ السَّمُومِ} لهب النار، أو نار الشمس، أو حر السموم، والسموم الريح الحارة.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان، أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال: {والجان} أي الذي هو للجن كآدم عليه السلام للناس: وقيل: هو إبليس {خلقناه} وعبر عن تقليل زمان سبق خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال: {من قبل} أي قبل خلق الإنسان {من نار السموم *} أي الحر الشديد، قيل: هي نار لا دخان لها، يكون منها الصواعق، وهي بين السماء وبين الحجاب، فإذا أراد الله تعالى خرقت الحجاب، فهدت إلى ما أمرت به، فالهداة التي يسمعها الناس هي خرق ذلك الحجاب؛ وقال الرازي في اللوامع: نار لطيفة تناهت في الغليان في أفق الهواء، وهي بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى متاعاً كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب - انتهى. وقال عبد الله: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق الله منها الجان، وهي مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام البدن، ومنه السم القاتل - انتهى. ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في إخلاص العبادة للموجد، ثم لم يعتبرها أهل الضلال، أشار تعالى إلى نعمة هي أكبر منها، وهي التفضيل على جميع المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال، فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا فإنه كافٍ في المراد لكل ذي لب: {وإذ} أي واذكر قول ربك إذ {قال ربك} أي المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك {للملائكة} ولما كان مما يتوقف فيه، أكده فقال: {إني خالق بشراً} أي حيواناً غير مُلبَس البشرة بما جعله عليه من الطبيعة على الصورة الإنسانية {من صلصال} أي طين شديد اليبس {من حمإ} أي طين أسود منتن {مسنون *} أي مصور بصورة الآدمي في تجويفه وأعضائه كأنه مصبوب في قالب؛ قال الرماني: وأصله الاستمرار في جهة من قولهم: على سَنن واحد {فإذا سويته} أي عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح تهيئة قريبة من الفعل {ونفخت فيه من روحي} أي خلقت الحياة فيه كما تعلق النار بالفتيلة بالنفخ، وهو تمثيل، وأضاف الروح إليه تشريفاً، وهو ما يصير به الجسم حياً، وأشرف منه ما يصير به الروح عالماً، وأشرف منه ما يصير به العالم عاملاً خاشعاً {فقعوا له} أي تعظيماً، حال كونكم {ساجدين *} أي اسجدوا له سجود من كان في مبادرته به وسهولة انقياده كأنه وقع من غير اختياره {فسجد الملائكة} أي بسبب هذا الأمر من غير توقف لما جاء الوقت الذي أمرتهم فيه لذلك البشر، وهو أبوكم آدم عليه السلام وأنتم في صلبه {كلهم أجمعون *}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الجان، مسيخ الجن كما القردة والخنازير مسيخ الإِنس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والجان خلقناه من قبل} وهو إبليس خلق من قبل آدم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} قال: من أحسن الناس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {من نار السموم} قال: {السموم} الحارة التي تقتل. وأخرج الطيالسي والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: {السموم} التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ {والجان خلقناه من قبل من نار السموم}. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءاً من النبوّة، وهذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي خلق منها الجان" تفسير : وتلا هذه الآية {والجان خلقناه من قبل من نار السموم}. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: خلق الجان والشياطين من نار الشمس.

ابو السعود

تفسير : {وَٱلْجَآنَّ} أبا الجن وقيل ابليس ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الانسان لأن تشغب الجنس لما كان من فردواحد مخلوق من مادة واجدة كان الجنس بأسره مخلوقاً منها وقرئ بالهمزة وانتصابه بفعل يفسره {خَلَقْنَاهُ} وهو أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية {مِن قَبْلُ} من قبل خلق الانسان ومن هذا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله منكم للكل {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} من نار الحر الشديد النافذ في المسام ولا امتناع من خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا امتناع من خلقها في الجواهر المجردة فضلاً عن الأجسام المؤلفة التي غالب أجزائها الجزء الناري فانها أقبل لها من التي غالب أجزائها الجزء الأرضي وقوله تعالى من نار باعتبار الغالب كقوله تعالى خلقكم من تراب ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجميع والاحياء. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} نصب بإضمار اذكُر، وتذكيرُ الوقت لما مر مراراً من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه من الحوادث وفي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن تبليغ الشيء إلى كماله اللائق به شيئاً فشيئاً مع الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام اشعار بعلة الحكم وتشريف له عليه الصلاة والسلام أي اذكر وقت قوله تعالى {لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ} فيما سيأتي وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل له البتة من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلونه {بَشَراً} أي انساناً قيل ليس هذا عين العبارة الجارية وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم اني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم وقيل حسماً كثيفاً يلاقي ويباشر وقيل خلقاً بادى البشر بلا صوف ولا شعرة {مِّن صَلْصَالٍ} متعلق بخالق أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله أي بشراً كائناً من صلصال كائن {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تقدم تفسيره ولا ينافي هذا ما في قوله تعالى في سورة ص من قوله بشراً من طين فإن عدم التعرض عند الحكاية لوصف الطين من التغير والاسوداد ولما ورد عليه من آثار التكوين لا يستلزم عدم التعرض لذلك عند وقوع المحكى غايته أنه لم يتعرض له هناك اكتفاء بما شرح ههنا. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي صورته بالصورة الانسانية والخلقة البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} النفخ اجراء الريح الى تجويف جسم صالح لامساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وانما هو تمثيل لافاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها أي فاذا كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري {فَقَعُواْ لَهُ} أمر من وقع يقع وفيه دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء كما قيل أي اسقطوا له {سَاجِدِينَ} تحية له وتعظيماً أو اسجدوا لله تعالى على أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى حكمته كقول حسان رضي الله تعالى عنه شعر : أليس اول من صلى لقبلتكم وأعلم الناس بالقرآن والسنن

اسماعيل حقي

تفسير : {والجان} ابا الجن. قال فى الروضة ابليس هو ابو الجن والجان اسم جمع للجن كما فى القاموس وسمى بذلك لانه يجن اى يستتر ويجوز ان يراد به الجنس كما هو الظاهر من الانسان لان تشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واحدة كان الجنس باسره مخلوقا منها {خلقنا من قبل} من قبل خلق الانسان {من نار السموم} من نار الشديد الحر فان السموم فى اللغة الريح الحارة والريح الحارة بالليل وقد تكون بالنهار كما فى القاموس. وقيل سميت سموما لانها بلطفها تنفذ فى مسام البدن وهى ثقبه كالفم والمنخر والاذن. وقيل نار السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهى نار بين السماء والحجاب فان احدث الله امرا خرقت الحجاب فهوت الى ما امرت فالهدة التى تسمعون خرق ذلك وقدم خلق الانسان على الجان مع انه خلق قبله تعظيما لشأنه واظهارا لفضله وكان بين خلق آدم والجن ستون الف سنة. واتفق اهل العلم من اهل التحقيق ان عالم الملك مقدم خلقة الى عالم الجان وعالم الجان مقدم على عالم الانسان وانتقل ملك الدنيا الى آدم ليحصل له الاعتبار بالسابقين ويظهر له الفضل على الكل بتأخيره عن جميع المخلوقات لانه كالخاتم على الباب وهو خاتم المخلوقات ونسخة الكليات من المحسوسات والمعقولات وبه تم كمال الوجود لتحققه بوصفى الجمال والجلال واللطف والقهر بخلاف الملك فانه مخلوق على جناح واحد وهو اللطف: قال المولى الجامى شعر : ملاتك را جه سود از حسن طاعت جو فيض عشق بر آدم فروريخت تفسير : ولم يكن قبل آدم خلق من التراب فخلق آدم منه ليكون عبدا خضوعا وضوعا ذلولا مائلا الى السجود لانه مقام العبودية الكاملة فكل جنس يميل الى جنسه ولهذا تواضع آدم لله واستكبر ابليس عن التواضع فابى وعلا وتكبر فمال الى جنسه لانه خلق من نار. قال اهل الحكمة لا شك ان الله تعالى قادر خلق آدم ابتداء على هيئة خاصة من مادة خاصة وانما خلقه من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار اما المحض المشيئة الالهية التى هى محض الحكمة الجامعة او لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الخلق لان خلق الانسان من هذه الامور اعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْجَآنَّ} قيل: المقصود منه او الجنّ، وقيل: ابليس، وقيل: اريد به الجنس كما هو الظّاهر من لفظ الانسان {خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} قبل خلق الانسان {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} السّموم الرّيح الحارّة الشّديدة الحرّ المعروفة وكثيراً ما تكون فى البلاد الحارّة وهى ريح شديدة الحرّ منتنة حادثة من الاراضى السّبخة الكبريتيّة المتسخّنة بالشّمس ولها سمّيّة ولذلك تسمّى سموماً، شبّه الكيفيّة الحادثة من اختلاط القوى الطّبيعيّة العنصريّة السّبخة مع القوى الرّوحانيّة وتسخّنها بحرارة الشمّس الحقيقيّة بالنّار الّتى تظهر فى الهواء من اختلاط سطوح الاراضى السّبخة مع ضوء الشّمس، وتولّد الجنّ منها بالدّخان الحاصل من النّار فانّه بعد انتهاء الوجود الى عالم الملك يحدث منه ظلّ ظلمانىّ ودخان الى اسفل السّافلين ويحصل الملكوت السّفلى ودار الجنّة والشّياطين وذلك قبل خلقة مواليد عالم الطّبع او قبل خلقة الانسان وقد مضى فى اوّل البقرة عند قوله: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تفسير : [البقرة:34]؛ الآية، تحقيق تامّ لكيفيّة خلق الجنّة والشّياطين هذا فى العالم الكبير، وامّا فى العالم الصّغير فالجانّ ابو الجانّ هو الواهمة المتولّدة من حرارة الاخلاط الحاصلة من تسخّنها بشمس الرّوح وخلقتها قبل خلقة الانسان كما هو المشهود.

اطفيش

تفسير : {وَالْجَانَّ} منصوب على الاشتغال بمحذوف يفسره الفعل بعده وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد والجان بالهمزة وهو أبو الجن مؤمنهم وشيطانهم كما أن آدم أبو البشر وإِبليس من ذرية الجان أعاذنا الله منه. وقال قتادة وعياض الجان إِبليس وقيل الجن أبو الجان وإِبليس أبو الشياطين وفى الجن مسلمون وكافرون ويأَكلون ويشربون ويموتون والشياطين ليس فيهم مسلم ولا يموتون إِلا إِذا مات إِبليس. وسئل وهب بن منبه فقال هم أجناس شتى منهم ويولد له ويأْكل ويشرب ومنهم من هو كالريح لا يلد ولا يأكل ولا يشرب وهم الشياطين والصحيح أن الجن اسم عام للجنى المؤمن والمنافق والجنى الشيطان المشرك وأبوهم واحد كلهم يشملهم الاجتنان وهو الاستتار كما أن البشر اسم عام لبنى آدم كلهم من البشرة وهى الظهور ويجوز أن يراد بالجان جنس الجن كما يجوز أن يراد بالإِنسان جنس الإِنسان، فإِنه لما كان الجنس متفرعاً عما خلق منه الأَصل الذى هو آدم والجان صح أن يطلق عليه أنه خلق مما خلق وأصل وهو الصلصال والنار، والمؤمنون من الجن يدخلون الجنة، ولو قلنا إِن إِباهم إِبليس وقيل يدخلونها لأَنهم ليسوا بأَولاد إِبليس وقيل لا لأَنهم أولاده ولا شك أن للجن ذرية بنص القرآن، ولما أراد الله أن يخلق لإِبليس ـ أعاذنا الله منه ـ نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منها امرأته وتسمى طرطبة وقيل هذا اسم حاضنة أولاده وقيل خلق فى فخذه الأَيمن ذكراً وفى الأَيسر فرجاً ويطأ هذا بهذا ويخرج له كل يوم عشر بيضات وقيل باض ثلاثين بيضة عشرة فى المشرق وعشرة فى المغرب وعشرة فى وسط الأَرض فخرج من كل بيضة جنس مخالف للآخر كالحية والعقرب وغيرهما بأسماء مختلفة وكلهم عدو لبنى آدم إِلا من آمن، وقيل باض خمس بيضات والصحيح أنهم يأْكلون ويشربون بمضغ وبلع لما ورد أنهم يأْكلون ويشربون بشمائلهم وأنهم يأْكلون ويشربون مما يغط ويأكلون الفول وإِن من أكل أو شرب بلا ذكر الله أكلوا وشربوا معه ثم إِن ذكر تقيأوا وإِن العظم المذكور اسم الله عليه أى عند الذبح يصير لهم لحماً وحمل ذلك على المجاز لا دليل عليه بل من نفى أكلهم وشربهم جميعاً قوله باطل، ومن نفى عن نوع احتمل وقيل أكلهم وشربهم اشتهاء لا مضغ ولا بلع، قال بعض المحققين من نفى أكلهم وشربهم الحقيقيين حمار، ومن زعم أنهما شم لم يشم للعلم رائحة واتفقوا أن نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبعوث إِليهم واختلفوا فى رسلهم قبله. والصحيح أنهم من الإِنس وممن بعث إِليهم يوسف عليه السلام ـ كما قال ابن عباس، ومن بعث إِليهم سليمان وقيل رسلهم منهم ويختلطون بالإِنس عند إِرادة قيام الساعة وفى المحشر وهم مرئيون ويحتمل أن لا نراهم كما فى الدنيا، وجزم بعضهم بأَن الإِنس يرون الجن فى الجنة ولا يراهم الجن عكس ما فى الدنيا والصحيح أنهم مكلفون بأصول الشريعة وفروعها ويروون العلم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن المسلمين بحضور المجالس من غير أن يراهم الناس. وقيل يراهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن رأى منهم النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآمن به صحابى على الراجح وقيل كلفوا بالتوحيد وأركان الإِسلام فقط وزعمت الحشوية أنهم مضطرون فى أفعالهم لا مكلفون، والصحيح إِثابة المطيع منهم وهو مذهبنا ومذهب مالك والشافعى وأحمد ويوسف وأبى محمد صاحبى أبى حنيفة، فقال أبو حنيفة؛ لا ثواب لهم ولكن يتلذذون فى الجنة بالتهليل والتسبيح ويكونون فى صحارى الجنة قيل هم أصحاب الأَعراف، وقيل بالوقف، وقيل إِذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قيل لهم كونوا تراباً. فيقول الكافر: يا ليتنى كنت تراباً، ولا خلاف فى عقل الكافر منهم، قيل الجن ثلاثة: من له أجنحة يطير، ومن كحيات وعقارب، ومن عليه الحساب والعقاب، وفى قول بدلا لثالث ومن يحل ويرحل ومساكن المؤمنين منهم القرى والجبال والصحارى والمشركين بين الجبال والبحور وقيل البياض الذى بين الزرع لنهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن البول والتغوط فيه لأَنه مسكنهم وأكثر ما يوجدون فى مواضع النجس والحمام والمزبلة، والصحيح أنهم كلهم المؤمن والكافر يموتون فى الدنيا مثلنا وأعمارهم طويلة ويجوز سلوكهم فى جسد الآدمى والحيوان عندنا، وعند الأَشعرى خلافاً للمعتزلة قائلين إِنه لا يكون روحان فى جسد واحد ويرده أنه لا مانع من ذلك إِذا كان كل روح منهم بجسم كما هنا وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فإِن ذكر الله خنس وإِن غفل التقم قلبه وإِنه يجرى مجرى الدم وأنه جىء إِلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمجنون فضرب ظهره ـ وقال اخرج يا عدو الله فإِنى رسول الله ". تفسير : قال أحمد: من قال الجن لا تدخل فى جسد ابن آدم كاذب بل تدخل وتتكلم وعامة ما يقول أهل العزائم شرك فاحذره، كما قال التلاتى: ويجوز جلبهم وزجرهم بما يجوز ويحل التزوج من مؤمنيهم وتزويجهم منا، وقيل: لا، قلت يكره لأَنه ربما أدى ذلك إِلى زنى للتخييل فى عقد النكاح بغير الزوج أو الزوجة وفى أمر الجماع ولما فى ذلك من خفاء يطلع فيه على الحقيقة إِذا قال: تزوجت من الجن وهذا ولدى منهم، أو قالت ذلك، وربما تزنى وتقول: تزوجت جنياً لا ترونه وزعمت الملحدة أنهم لا يتلذذون بنكاح ولا بغيره بل لا يفعلون ذلك وهو خطأ وإِن تزوج آدم جنية وتزوجها جنى فهى فى الجنة لأولهما أو لآخرهما أو تختار أو تقرع بينهما أقوال وهذا الخلاف أيضاً فى ذات الزوجين أو الأَزواج من الجن أو الإِنس، وفى الجنية ذات الزوجين أو الأَزواج من الإِنس أو الجن. وروى أن المرأة لأَحسن أزواجها خلقاً فى الدنيا أى تختاره، وقيل إِنما تختار إِن لم تمت فى عصمة واحد وإِلا فلأولهم والتى ماتت فى عصمته أو مات عنها ولم تتزوج بعده للأَخير وجمع بعض أنها لأولهم إِن ماتوا ولم يرجح أحدهم الآخر فى حسن الخلق وللآخر إِن طلقها ولم ترجح واحداً ولأَحسنهم إِن تفاوتوا، وقيل محل الخلاف فيمن لم تمت فى عصمة وإِنها لمن ماتت فى عصمته إِجماعاً والخلاف فى غير أزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأَنهن له إِجماعا. {خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} من قبل آدم بأَلفى عام. {مِن نَّارِ السَّمُومِ} أى من نار الحر شديد النافذ فى منافذ البدن، قيل نار الدنيا هذه جزء من سبعين جزءاً من النار التى خلق الله منها الجان فى الحرارة ونسب هذا لابن مسعود وقال أبو صالح نار السموم نار لا دخان لها تكون منها الصاعقة وهى بين السماء والحجاب فإِذا أراد الله خرقت الحجاب فالهدة المسموعة هى من خرقه وهم أجسام شفافة مولفة وأُجيز أن تكون كتفية وقيل شفافة بسيطة ومن زعم أنه رآهم وليس نبياً بطل الشافعى شهادته أى إِن لم يدع أنه رآهم على غير صفتهم لورود الخبر أنهم يتصورون على غير صفتهم وذلك بالتخييل، وإِن قلت إِذا قلنا إِنها بسيطة فكيف تحلها الحياة، قلت: لا يمتنع خلق الحياة فى البسيط ولكن إِن الجن مركب الحق كان الإِنسان فهى أقبل للحياة ولا سيما أن الجزء الغالب فيها النار والنار أنسب بالحياة ألا تراها كيف تتحرك وتنخفض وتعلو، وأما الإِنسان فالغالب فيه التراب فذكر فى كل ما هو الغالب وإِلا فكل من الجن والإِنس مركب من التراب والماء والنار والهواء كذا قيل فإِذا كان الله جل جلاله خلق الإِنسان من تراب والجان من نار فكيف لا يقدر على بعثهم كما كانوا فى الدنيا ويجوز أن تكون السموم نوعاً من النار فتكون الإِضافة عام لخاص وهى بيانية أو تكون كالإِضافة فى مسجد الجامع على أوجهه {وَإِذْ} أى واذكر يا محمد وقت، {قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى خَالقٌ بَشَراً} جسما كثيفاً ظاهرا، {مّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} عدلت خلقه وهيئته لنفخ الروح فيه، {وَنَفَخْتُ} أجريت، {فِيهِ} شيئاً {مِن رُّوحِى} أى من الروح الذى هو مخلوقى ومملوكى وهذه الإِضافة تشريف وإِجراء الروح فيه إِحياء له وأصل النفخ إِجراء الريح فى جوف الجسم والمراد هنا تحصيل الحياة كما علمت ولكن عبر عنه بالنفخ لشبهه به إِذ يتعلق الروح أولا بالنجا اللطيف المنبعث من القلب ثم يدخل سائر البدن {فَقَعُوا} فعل أمر من الوقوع حذفت واوه كما حذفت من المضارع {لَهُ سَاجِدِينَ} سجود تحية بانحناء وسجود الله إِلى جهته تعظيماً له.

الالوسي

تفسير : {وَٱلْجَآنَّ} هو أبو الجن كما روي عن ابن عباس ويجمع على جنان كحائط وحيطان وراع ورعيان قاله الطبرسي، وقيل: هو إبليس وروي عن الحسن وقتادة لكن في «الدر المصون» أنه هو أبو الجن، وقال ابن بحر: هو اسم لجنس الجن وتشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واحدة كان الجنس مخلوقاً منها وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد {والجأن} بالهمز وانتصابه بفعل يفسره {خَلَقْنَـٰهُ } وهو هنا أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية {مِن قَبْلُ } أي من قبل خلق الإنسان، قيل: ومن هنا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله تعالى: {أية : مّنكُمْ } تفسير : [الحجر: 24] للكل وهو بعيد غاية البعد. {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } أي الريح الحارة التي تقتل وروي ذلك عن ابن عباس، وأكثر ما تهب في النهار وقد تهب ليلاً. وسميت سموماً لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن ومنه السم القاتل، ويقال: سم يومنا يسم إذا هبت فيه تلك الريح، وقيل: السموم نار لا دخان لها ومنها تكون الصواعق، وروي ذلك أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس فالإضافة من إضافة العام إلى الخاص، وقيل: السموم إفراط الحر والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد من النار المفرطة الحرارة، وقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن النار التي خلق منها الجان أشد حرارة من النار المعروفة، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : رؤيا المسلم جزء من سبعين جزأ من النبوة وهذه النار جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق منها الجان وتلا/ عليه الصلاة والسلام الآية»تفسير : . واستشكل الخلق من النار بأنه كيف تخلق الحياة فيها وهي بسيطة ليست متركبة من أجزاء مختلفة الطبع والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة. وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البنية المركبة من الجواهر وليس لهم سوى شبه أوهن من بيت العنكبوت على أن ذلك غير وارد رأساً لأن معنى كون الجن مخلوقة من نار أنها الجزء الأعظم الغالب عليها كالتراب في الإنسان فليست بسيطة، وقال بعضهم: إن الجن أجسام هوائية أو نارية بمعنى أنهم يغلب عليهم ذلك وهم مركبون من العناصر الأربعة كالملائكة عليهم السلام على قول. ثم إن النقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكار الجن وليس ذلك مذهب جميعهم فقد ذهب جمع عظيم من قدمائهم إلى وجودهم وهو مذهب جمهور أرباب الملل وأصحاب الروحانيات ويسمونهم بالأرواح السفلية وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنها أضعف. نعم اختلف المثبتون فمنهم من زعم أنهم ليسوا أجساماً ولا حالين فيها بل هم جواهر قائمة بأنفسها لكنها أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها كريمة حرة محبة للخيرات وبعضها دنية خسيسة محبة للشرور ولا يعلم عدد أنواعهم إلا الله تعالى ولا يبعد أن يكون في أنواعها من يقدر على أفعال شاقة يعجز عنها قدرة البشر وكذا لا يبعد لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم. ومن الناس من زعم أن هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن مشابه للبدن الذي فارقته فبسبب تلك المشابهة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير معاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة، ومنهم من قال: إنهم أجسام لكن اختلفوا فقال بعضهم: هي مختلفة الماهية وإن اشتركت في صفة، وقال آخرون: إنها متساوية في تمام الماهية، وقد أطال الكلام في ذلك الإمام في تفسير سورة الجن، وذكر في تفسير هذه الآية أنهم اختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين، والأصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم كافراً سمي بهذا الاسم، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار فكل من كان كذلك كان من الجن اهـ، وما ذكره من الأصح هو الذي ذهب إليه المعظم لكن ما ذكره من الدليل ضعيف. وقال وهب: إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومنهم من هو بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين. وذكر ابن عربـي أن تناسل الجن بإلقاء الهواء في رحم الأنثى كما أن التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم، وأنهم محصورون في اثنتي عشرة قبيلة أصولاً ثم يتفرعون إلى أفخاذ، ويقع بينهم حروب وبعض الزوابع يكون عند حربهم، فإن الزوبعة تقابل ريحين تمنع كل صاحبتها أن تخترقها فيؤدي ذلك إلى الدور وما كل زوبعة حرب. وأخرج البيهقي في "الأسماء" وأبو نعيم والديلمي وغيرهم بإسناد صحيح ـ كما قال العراقي ـ عن أبـي ثعلبة مرفوعاً الجن ثلاثة أصناف فصنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف/ يحلون ويظعنون، وفي هذه القسمة عندي إشكال يظهر بالتدبر، ولعل حاصلها أن صنفاً منهم يغلب عليهم الطيران في الهواء، وصنف يغلب عليهم الحل والارتحال، وصنف يغلب عليهم المكث والتوطن ببعض المواطن، وعبر عنهم بالحيات والكلاب لكثرة تشكلهم بذلك دون الصنفين الآخرين، فإنهم وإن جاز عليهم التشكل بالأشكال المختلفة لأنهم من الجن، وقد قالوا: إنهم قادرون على ذلك وإن نوزع فيه بأنه يستلزم أن لا تبقى ثقة بشيء. ورد بأن الله تعالى قد تكلف لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يترتب عليه الريبة في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعاً الاستلزام المذكور ـ إلا أنهم لا يكثر تشكلهم بذلك، وربما يقال: إن القدرة على التشكل إنما هي لصنف المتوطنين، وإثباتها في كلامهم للجن يكفي فيه صحتها باعتبار بعض الأصناف لكنه بعيد جداً فليتدبر حقه، وقد قال الهيتمي: إن رجال هذا الحديث وثقوا وفي بعضهم ضعف، فإن كان الحديث لذلك ضعيفاً فلا قيل ولا قال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وسيأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام في هذا المقام بعون الله تعالى الملك العلام، ثم إن مساق الآية الكريمة ـ على ما قيل ـ كما هو للدلالة على كمال قدرته تعالى شأنه وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على مقدمة يتوقف عليها إمكان الحشر وهي قبول المواد للجمع والإحياء فتدبر.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَلَقْنَاهُ} (27) - وَخَلَقْنَا الجَانَّ قَبْلَ الإِنْسَانِ (مِنْ قَبْلُ) مِنَ النَّارِ ذَاتِ الحَرَارَةِ الشَّدِيدَةِ التِي تَنْفُذُ فِي مَسَامِّ الجِسْمِ. السَّمُومُ - الرِّيحُ الحَارَّةُ التِي تَقْتُلُ وَتَنْفُذُ فِي المَسَامِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن كلمة (السَّمُوم) هي اللهب الذي لا دُخانَ له، ويُسمّونه "السَّموم" لأنه يتلصَّص في الدخول إلى مسَامِّ الإنسان. وهكذا نرى أن للعنصر تأثيراً في مُقوِّمات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات الطينية، والمخلوق من نارٍ له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخفَّ وأشدَّ من قانون الإنس. والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. وهكذا نعلم أن قانون خَلْق الجن من عنصر النار التي لا لهبَ لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان. ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيريةً أو أفضلية، لأن المهام حين تتعدد في الأشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات. والمَثلُ على ذلك هو غلبة مَنْ عنده عِلْم بالكتاب على عفريت الجن؛ حين سأل سليمان عليه السلام عمَّن يأتيه بعرش بلقيس: {أية : قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 38]. وقال عفريت من الجن: إنه قادر على أن يأتي بالعرش قبل أن يقومَ سليمان من مُقَامه، ولكن مَنْ عنده عِلْم بالكتاب قال: إنه قادر أنْ يأتيَ بعرش بلقيس قبل أن يرتدَّ طَرْف سليمان؛ وهكذا غلب مَنْ عنده علم بالكتاب قدرة عفريت الجن. وقد قصَّ علينا الحق سبحانه هذا في كتابه الكريم، فقال: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ..} تفسير : [النمل: 39-40]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} فالسَّمومُ: الذي يَقتُلُ.