١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب. المسألة الثانية: ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك فلا بد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى. فقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام، ونقل في «كتب الشيعة» عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر وأقول: هذا لا يقدح في حدوث العالم بل لأمر كيف كان، فلا بد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول الناس وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة السمع. واعلم أن الجسم محدث، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام وغيره من الأجسام يكون مخلوقاً عن عدم محض، وأيضاً دل قوله تعالى: { أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] على أن آدم مخلوق من تراب، ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين، وهي قوله: { أية : إِنّي خَـٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } تفسير : [صۤ: 71] وجاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حمأ مسنون، والأقرب أنه تعالى خلقه أولاً من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه. المسألة الثالثة: في الصلصال قولان: قيل الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار. قالوا: إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة. قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح. وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه الله تعالى صلصالاً. والقول الثاني: الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم وأصل إذا نتن وتغير، وهذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: {مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } وكونه حمأ مسنوناً يدل على النتن والتغير وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حمأ مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن. وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة بوزن كمأة وقوله: {مَّسْنُونٍ } فيه أقوال: الأول: قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله: {مَّسْنُونٍ } أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء، فهو مسنون أي تغير. والدليل عليه قوله تعالى: { أية : لَمْ يَتَسَنَّهْ } تفسير : [البقرة: 259] أي لم يتغير. الثاني: المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسناً لأن الحديد يسن عليه. والثالث: قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من أنه موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير. الرابع: قال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سناً. الخامس: قال سيبويه: المسنون المصور على صورة ومثال، من سنة الوجه وهي صورته، السادس: روي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة، لأنه إذا كان رطباً يسيل وينبسط على الأرض، فيكون مسنوناً بمعنى أنه مصبوب. أما قوله تعالى: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ } فاختلفوا في أن الجان من هو؟ فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة. وقال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين. وسمي جاناً لتواريه عن الأعين، كما سمي الجنين جنيناً لهذا السبب، والجنين متوارٍ في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك: جن الشيء إذا ستره، فالجان المذكور ههنا يحتمل أنه سمي جاناً لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية. واختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين والأصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان، وكل من كان منهم كافراً يسمى بهذا الإسم، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار، فكل من كان كذلك كان من الجن، وقوله تعالى: {خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ } قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم، وقوله: {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } معنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم. قيل: سميت سموماً لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه. قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية. فإن قيل: كيف يعقل خلق الجان من النار؟ قلنا: هذا على مذهبنا ظاهر، لأن البنية عندنا ليست شرطاً لإمكان حصول الحياة، فالله تعالى قادر على خلق الحياة والعلم في الجوهر الفرد، فكذلك يكون قادراً على خلق الحياة والعقل في الجسم الحار، واستدل بعضهم على أن الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها قال: لأن الشمس في غاية الحرارة وما كان كذلك امتنع حصول الحياة فيه فننقضه عليه بقوله تعالى: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعني آدم عليه السلام. {مِن صَلْصَالٍ} أي من طين يابس؛ عن ٱبن عباس وغيره. والصَّلْصَال: الطين الحرّ خُلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جَفّ، فإذا طبخ بالنار فهو الفَخّار؛ عن أبي عبيدة. وهو قول أكثر المفسرين. وأنشد أهل اللغة:شعر : كعَـدْوِ المُصَلْصِل الجَـوّال تفسير : وقال مجاهد: هو الطين المُنْتِن؛ واختاره الكسائيّ. قال: وهو من قول العرب: صلّ اللّحمُ وأصلّ إذا أنتن ـ مطبوخاً كان أو نيئاً ـ يَصل صلولاً. قال الحُطيئة:شعر : ذاك فتًى يبذُل ذا قِدْرِهِ لا يُفسِد اللحمَ لَدَيه الصُّلول تفسير : وطين صَلاّل ومِصْلال؛ أي يصوّت إذا نقرته كما يصوّت الحديد. فكان أوّلَ تراباً، أي متفرّق الأجزاء ثم بُلّ فصار طيناً، ثم تُرك حتى أنتن فصار حَمَأً مسنوناً؛ أي متغيراً، ثم يَبِس فصار صلصالاً؛ على قول الجمهور. وقد مضى في «البقرة» بيان هذا. والحَمَأ: الطين الأسود، وكذلك الحمأة بالتسكين؛ تقول منه: حمِئت البئر حَمْأ (بالتسكين) إذا نزعت حمأتها. وحَمِئت البئر حمأ (بالتحريك) كثرتْ حمأتُها. وأحمأتُها إحماء ألقيتُ فيها الحَمْأة؛ عن ٱبن السِّكِّيت. وقال أبو عبيدة: الحمأة (بسكون الميم) مثل الكمأة. والجمع حَمْءٌ، مثل تمرة وتمر. والحَمَأ المصدر، مثل الهلع والجزع، ثم سُمّي به. والمسنون المتغيّر. قال ٱبن عباس: هو التراب المبتل المنتن، فجعل صلصالاً كالفخار. ومثله قول مجاهد وقتادة، قالا: المنتن المتغيّر؛ من قولهم: قد أَسِن الماء إذا تغيّر؛ ومنه {أية : يَتَسَنَّهْ} تفسير : [البقرة: 259] و{أية : مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} تفسير : [محمد: 15]. ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:شعر : سقت صداي رُضابا غير ذي أسن كالمسك فُتّ على ماء العناقيد تفسير : وقال الفراء: هو المتغير، وأصله من قولهم: سَننت الحجر على الحجر إذا حككته به. وما يخرج من الحجرين يقال له السنانة والسَّنِين؛ ومنه المِسن. قال الشاعر:شعر : ثم خاصرتُها إلى القبة الحمـ ـراء تمشي في مَرْمَر مَسنون تفسير : أي محكوك مُمَلَّس. حُكي أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: ألا ترى عبد الرحمن بن حسان يُشبّب بٱبنتك. فقال معاوية: وما قال؟ فقال قال:شعر : هي زَهْراءُ مثلُ لؤلؤة الغوَّ اص مِيزَتْ من جَوهرٍ مَكْنونِ تفسير : فقال معاوية: صدق! فقال يزيد: (إنه يقول):شعر : وإذا ما نَسْبتَها لم تجدها في سَناء من المكارم دونِ تفسير : فقال: صدق! فقال: أين قوله: ثم خاصرتها... البيت. فقال معاوية: كذب. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، وهو من قول العرب: سننت الماء وغيره على الوجه إذا صببته. والسَّن الصب. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: المسنون الرَّطب؛ وهذا بمعنى المصبوب؛ لأنه لا يكون مصبوباً إلا وهو رطب. النحاس: وهذا قول حسن؛ لأنه يقال: سننت الشيء أي صببته. قال أبو عمرو بن العلاء: ومنه الأثر المرويّ عن عمر أنه كان يَسُنّ الماء على وجهه ولا يَشُنّه. والشنّ (بالشين) تفريق الماء، وبالسين المهملة صبه من غير تفريق. وقاله سيبويه: المسنون المصوّر. أخِذ من سُنّة الوجه وهو صورته. وقال ذو الرمة:شعر : تُرِيك سنّة وجهٍ غيرَ مُقْرِفة ملساء ليس بها خال ولا نَدَب تفسير : وقال الأخفش: المسنون المنصوب القائم؛ من قولهم: وجه مسنون إذا كان فيه طول. وقد قيل: إن الصَّلصال التراب المدقق؛ حكاه المهدويّ. ومن قال: إن الصلصال هو المنتن فأصله صلاّل، فأبدل من إحدى اللامين الصاد. و«مِنْ حَمَإٍ» مفسر لجنس الصلصال؛ كقولك: أخذت هذا من رجل من العرب.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس، والظاهر أنه كقوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن:14-15] وعن مجاهد أيضاً: {صَلْصَـٰلٍ}: المنتن، وتفسير الآية بالآية أولى. قوله: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} أي: الصلصال من حمأ، وهو الطين. والمسنون: الأملس، كما قال الشاعر:شعر : ثُمَّ خاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ راءِ تَمْشي في مَرْمَرٍ مَسْنونِ تفسير : أي: أملس صقيل، ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب، وعن ابن عباس ومجاهد أيضاً والضحاك: أن الحمأ المسنون هو المنتن. وقيل: المراد بالمسنون ههنا المصبوب. وقوله: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ} أي: من قبل الإنسان {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل، وقال بعضهم: السموم بالليل، والنهار، ومنهم من يقول: السموم بالليل والحرور بالنهار. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمر الأصم أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من عبد الله بن مسعود؟ يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان، ثم قرأ { وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} وعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار، وفي رواية: من أحسن النار. وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس. وقد ورد في الصحيح: «حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»تفسير : . والمقصود من الآية التنبيه على شرف آدم عليه السلام، وطيب عنصره، وطهارة محتده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَٰنَ } آدم {مِن صَلْصَٰلٍ } طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نُقِرَ {مِّنْ حَمَإٍ } طين أسود {مَّسْنُونٍ } متغير.
الشوكاني
تفسير : المراد بالإنسان في قوله: {ولَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ } هو: آدم لأنه أصل هذا النوع، والصلصال، قال أبو عبيدة: هو الطين المخلوط بالرمل الذي يتصلصل إذا حرّك، فإذا طبخ في النار فهو الفخار. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الكسائي: هو الطين المنتن، مأخوذ من قول العرب صلّ اللحم وأصلّ: إذا أنتن، مطبوخاً كان أو نيئاً. قال الحطيئة:شعر : ذاك فتى يبذل ذا قدرة لا يفسد اللحم لديه الصلول تفسير : والحمأ: الطين الأسود المتغير، أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير. قال ابن السكيت: تقول منه. حمأت البئر حمأ بالتسكين: إذا نزعت حمأتها، وحمئت البئر حمأ بالتحريك: كثرت حمأتها، وأحميتها إحماء: ألقيت فيها الحمأة. قال أبو عبيدة: الحمأة بسكون الميم مثل الحمأة، يعني: بالتحريك. والجمع: حمء مثل: تمرة وتمر، والحمأ المصدر مثل: الهلع والجزع، ثم سمي به. والمسنون قال الفراء: هو المتغير، وأصله من سننت الحجر على الحجر: إذا حككته. وما يخرج بين الحجرين يقال له: السنانة والسنين، ومنه قول عبد الرحمٰن بن حسان:شعر : ثم حاصرتها إلى القبة الحمراء تمشي في مرمر وسنون تفسير : أي: محكوك، ويقال: أسن الماء: إذا تغير. ومنه قوله: {أية : لَمْ يَتَسَنَّهْ }تفسير : [البقرة: 259]. وقوله: {أية : مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } تفسير : [محمد: 15]. وكلا الاشتقاقين يدل على التغير؛ لأن ما يخرج بين الحجرين لا يكون إلاّ منتنا. وقال أبو عبيدة: المسنون: المصوب، وهو من قول العرب. سننت الماء على الوجه: إذا صببته، والسنّ الصب. وقال سيبويه: المسنون المصوّر، مأخوذ من سنة الوجه، وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة:شعر : تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب تفسير : وقال الأخفش: المسنون: المنصوب القائم، من قولهم: وجه مسنون إذا كان فيه طول. والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بلّ، صار طيناً، فلما أنتن صار حمأً مسنوناً، فلما يئس صار صلصالاً. فأصل الصلصال: هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما. {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } الجانّ: أبو الجنّ عند جمهور المفسرين. وقال عطاء والحسن وقتادة ومقاتل: هو إبليس. وسمي جاناً، لتواريه عن الأعين. يقال: جن الشيء إذا ستره. فالجانّ: يستر نفسه عن أعين بني آدم، ومعنى {من قبل}: من قبل خلق آدم. والسموم: الريح الحادة النافذة في المسامّ، تكون بالنهار، وقد تكون بالليل. كذا قال أبو عبيدة، وذكر خلق الإنسان والجانّ في هذا الموضع للدلالة على كمال القدرة الإلهية، وبيان أن القادر على النشأة الأولى قادر على النشأة الأخرى. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } الظرف منصوب بفعل مقدّر، أي: اذكر. بين سبحانه بعد ذكره لخلق الإنسان ما وقع عند خلقه له، وقد تقدّم تفسير ذلك في البقرة. والبشر: مأخوذ من البشرة، وهي ظاهر الجلد، وقد تقدّم تفسير الصلصال والحمأ المسنون قريباً مستوفى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي: سويت خلقه، وعدلت صورته الإنسانية وكملت أجزاءه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } النفخ: إجراء الريح في تجاويف جسم آخر. فمن قال: إن الروح جسم لطيف كالهواء فمعناه ظاهر، ومن قال: إنه جوهر مجرد غير متحيز، ولا حال في متحيز. فمعنى النفخ عنده: تهيئة البدن لتعلق النفس الناطقة به. قال النيسابوري: ولا خلاف في أن الإضافة في روحي للتشريف والتكريم، مثل "ناقة الله"، و"بيت الله". قال القرطبي: والروح: جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح: خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً. قال: ومثله: {أية : وَرُوحٌ مّنْهُ }تفسير : [النساء: 171]. وقد تقدّم في النساء {فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } الفاء تدلّ على أن سجودهم واجب عليهم عقب التسوية والنفح من غير تراخٍ، وهو أمر بالوقوع، من وقع يقع. وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود، لا مجرّد الانحناء كما قيل، وهذا السجود: هو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، ولله أن يكرم من يشاء من مخلوقاته كيف يشاء بما يشاء؛ وقيل: كان السجود لله تعالى وكان آدم قبلة لهم. {فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } أخبر سبحانه بأن الملائكة سجدوا جميعاً عند أمر الله سبحانه لهم بذلك من غير تراخٍ، قال المبرد: قوله {كلهم} أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجد، وقوله {أجمعون} توكيد بعد توكيد، ورجح هذا الزجاج. قال النيسابوري: وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً لكان منتصباً، ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } قيل: هذا الاستثناء متصل لكونه كان من جنس الملائكة ولكنه أبى ذلك استكباراً واستعظاماً لنفسه وحسداً لآدم، فحقت عليه كلمة الله. وقيل: إنه لم يكن من الملائكة، ولكنه كان معهم، فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به، فكان الاستثناء بهذا الاعتبار متصلاً. وقيل: إن الاستثناء منفصل بناءً على عدم كونه منهم، وعدم تغليبهم عليه، أي: ولكن إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وقد تقدّم الكلام في هذا في سورة البقرة، وجملة {أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } استئناف مبين لكيفية ما فيهم من الاستثناء من عدم السجود؛ لأن عدم السجود قد يكون مع التردّد، فبين سبحانه أنه كان على وجه الإباء. وجملة {قَالَ يَـا إِبْلِيسَ مَـٰلِكَ أَلا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } مستأنفة أيضاً جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال الله سبحانه لإبليس بعد أن أبى السجود؟ وهذا الخطاب له ليس للتشريف والتكريم، بل للتقريع والتوبيخ، والمعنى: أي غرض لك في الامتناع؟ وأيّ سبب حملك عليه على أن لا تكون مع الساجدين لآدم مع الملائكة وهم في الشرف وعلوّ المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها. وجملة {قَالَ لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } مستأنفة كالتي قبلها، جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشراً مخلوقاً من صلصال من حمأ مسنون زعماً منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر آدم، وفيه إشارة إجمالية في كونه خيراً منه. وقد صرح بذلك في موضع آخر، فقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 76]. وقال في موضع آخر: {أية : أأسجد لمن خلقت طينا} تفسير : [الإسراء: 61]. واللام في {لأسجد} لتأكيد النفي، أي: لا يصح ذلك مني، فأجاب الله سبحانه عليه بقوله: {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } والضمير في {منها}، قيل: عائد إلى الجنة، وقيل: إلى السماء. وقيل: إلى زمرة الملائكة أي: فأخرج من زمرة الملائكة {فإنك رجيم} أي: مرجوم بالشهب. وقيل: معنى رجيم: ملعون، أي: مطرود؛ لأن من يطرد يرجم بالحجارة. {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } أي: عليك الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمراً عليك لازماً لك إلى يوم الجزاء، وهو يوم القيامة. وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت، لأن المراد دوامها من غير انقطاع، وذكر يوم الدين، للمبالغة كما في قوله تعالى: {أية : مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : [هود: 107]. أو أن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يعذب بما هو أشدّ من اللعن من أنواع العذاب، فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب. {قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى } أي: أخرني وأمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون، أي: آدم وذريته. طلب أن يبقى حياً إلى هذا اليوم لما سمع ذلك علم أن الله قد أخر عذابه إلى الدار الآخرة وكأنه طلب أن لا يموت أبداً، لأنه إذا أخر موته إلى ذلك اليوم فهو يوم لا موت فيه. وقيل: إنه لم يطلب أن لا يموت، بل طلب أن يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ } لما سأل الإنظار، أجابه الله سبحانه إلى ما طلبه، وأخبره بأنه من جملة من أنظره ممن أخر آجالهم من مخلوقاته، أو من جملة من أخر عقوبتهم بما اقترفوا. ثم بين سبحانه الغاية التي أمهله إليها، فقال: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } وهو يوم القيامة، فإن {يوم الدين} و{يوم يبعثون} و{يوم الوقت المعلوم} كلها عبارات عن يوم القيامة. وقيل: المراد بالوقت المعلوم: هو الوقت القريب من البعث، فعند ذلك يموت. {قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } الباء للقسم، و"ما" مصدرية، وجواب القسم {لأزينن لهم} أي: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم في الأرض، أي: ما داموا في الدنيا. والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها، أو يشغلهم بزينة الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها. وإقسامه ها هنا بإغواء الله له لا ينافي إقسامه في موضع آخر بعزة الله التي هي سلطانه وقهره، لأن الإغراء له هو من جملة ما تصدق عليه العزّة {وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية، وأحملهم عليه {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام، أي: الذين استخلصتهم من العباد. وقرأ الباقون بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا لك العبادة، فلم يقصدوا بها غيرك. {قَالَ هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } أي: حق عليّ أن أراعيه، وهو ألا يكون لك على عبادي سلطان. قال الكسائي: هذا على الوعيد والتهديد، كقولك لمن تهدده: طريقك عليّ ومصيرك إليّ. وكقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } تفسير : [الفجر: 14]. فكأن معنى هذا الكلام: هذا طريق مرجعه إليّ، فأجازي كلا بعمله، وقيل: {على} هنا بمعنى إلى. وقيل: المعنى: على أن الصراط المستقيم بالبيان والحجة. وقيل: بالتوفيق والهداية. وقرأ ابن سيرين، وقتادة، والحسن، وقيس بن عباد، وأبو رجاء، وحميد، ويعقوب "هذا صراط علي" على أنه صفة مشبهة، ومعناه: رفيع. {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } المراد بالعباد هنا: هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } استثنى سبحانه من عباده هؤلاء. وهم المتبعون لإبليس من الغاوين عن طريق الحقّ الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله: {وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }، ويمكن أن يقال: إن بين الكلامين فرقاً فكلام الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلاّ من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس من الغاوين؛ وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلاّ المخلصين، فدخل فيهم من لم يكن مخلصاً ولا تابعاً لإبليس غاوياً. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس. وقد قيل: إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 100]. ثم قال الله سبحانه متوعداً لأتباع إبليس: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: موعد المتبعين الغاوين، و{أجمعين} تأكيد للضمير، أو حال {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } يدخل أهل النار منها، وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها {لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ } أي: من الأتباع الغواة {جُزْء مَّقْسُومٌ } أي: قدر معلوم متميز عن غيره. وقيل: المراد بالأبواب: الأطباق طبق فوق طبق، وهي جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، فأعلاها للموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، فجهنم أعلى الطباق، ثم ما بعدها تحتها، ثم كذلك، كذا قيل. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الإنسان من ثلاث: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون، فالطين اللازب: اللازم الجيد، والصلصال: المدقق الذي يصنع منه الفخار، والحمأ المسنون: الطين الذي فيه الحمأة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال: الصلصال: الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها، فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الصلصال: هو التراب اليابس الذي يبلّ بعد يبسه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الصلصال: طين خلط برمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. قال: الصلصال: الذي إذا ضربته صلصل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. قال: الصلصال: الطين تعصر بيدك، فيخرج الماء من بين أصابعك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } قال: من طين رطب. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً {مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } قال: من طين منتن. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الجان: مسيخ الجنّ، كالقردة والخنازير مسيخ الإنس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الجان: هو إبليس، خلق من قبل آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } قال: من أحسن النار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: نار السموم: الحارة التي تقتل. وأخرج الطيالسي، والفريابي، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: السموم. التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ }. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قال: أراد إبليس لا يذوق الموت فقيل: إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن سيرين {هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } أي: رفيع. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } بعدد أطباق جهنم كما قدّمنا. وأخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وهناد، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث من طرق عن عليّ قال: أطباق جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، فيملأ الأوّل، ثم الثاني، ثم الثالث حتى. تملأ كلها، وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي»تفسير : وقد ورد في صفة النار أحاديث وآثار. وأخرج ابن مردويه، والخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في قوله تعالى: {لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ } قال: «جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حَمَإٍ مسنون} أما الإنسان ها هنا فهو آدم عليه السلام في قول أبي هريرة والضحاك. أما الصلصال ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة، قاله ابن عباس وقتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : وقاعٍ ترى الصَّلصال فيه ودونه بقايا بلالٍ بالقرى والمناكبِ تفسير : والصلصة: الصوت الشديد المسموع من غير الحيوان، وهو مثل القعقعة في الثوب. الثاني: أنه طين خلط برمل، قاله عكرمة. الثالث: أنه الطين المنتن، قاله مجاهد، مأخوذ من قولهم: صَلَّ اللحمُ وأصَلَّ إذا أنتن، قال الشاعر: شعر : ذاك فتى يبذل ذا قدرِهِ لا يفسد اللحم لديه الصلول تفسير : والحمأ: جمع حمأة وهو الطين الأسود المتغير. وفي المسنون سبعة أقاويل: أحدها: أن المسنون المنتن المتغير، من قولهم قد أسن الماء إذا تغير، قاله ابن عباس، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت: شعر : سَقَتْ صدايَ رضاباً غير ذي أَسَنٍ كالمسكِ فُتَّ على ماءٍ العناقيد تفسير : الثاني: أن المسنون المنصوب القائم، من قولهم وجه مسنون، قاله الأخفش. الثالث: أن المسنون المصبوب، من قولهم سنيتُ الماء على الوجه إذا صببته عليه، قاله أبو عمرو بن العلاء، ومنه الأثر المروي عن عمر أنه كان يسن الماء على وجهه ولا يشنُّه، والشن تفريق الماء، والسن صبه. الرابع: أن المسنون الذي يحك بعضه بعضاً، من قولهم سننت الحجر على الحجر إذا حككت أحدهما بالآخر، ومنه سمي المسَنّ لأن الحديد يسن عليه، قاله الفراء. الخامس: أن المسنون المنسوب. السادس: أنه الرطب، قاله ابن أبي طلحة. السابع: أنه المخلص من قولهم سن سيفك أي اجلهُ. قوله عز وجل:{والجانَّ خلقناه من قبل من نار السموم}وفي الجان ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إبليس، قاله الحسن. الثاني: أنهم الجن حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه أبو الجن قاله الكلبي فآدم أبو الإنس، والجان: أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين. قال ابن عباس: الجان أبو الجن وليسوا شياطين. والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. والجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر. {خلقناه من قبل}يعني من قبل آدم. قال قتادة: لأن آدم إنما خلق آخر الخلق. وقوله تعالى: {من نار السّموم}فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني من لهب النار، قاله ابن عباس. الثاني: يعني من نار الشمس، قاله عمرو بن دينار. الثالث: من حر السموم، والسموم: الريح الحارة. ذكره ابن عيسى. الرابع: أنه نار السموم نار الصواعق بين السماء وبين حجاب دونها، قاله الكلبي وسمي سموماً لدخوله في مسام البدن.
ابن عبد السلام
تفسير : {الإِنسَانَ} آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ {صَلْصَالٍ} طين يابس لم تصبه نار، إذا نُقر صَلَ فسمعت له صلصلة، وهي الصوت الشديد المسموع من غير الحيوان كالقعقعة في الثوب "ع"، أو طين خلط برمل، أو منتن، صل اللحم وأصل أنتن، {حَمَإٍ} جمع حمأة وهي الطين الأسود المتغير {مَّسْنُونٍ} منتن متغير، أو أسن الماء تغير"ع"، أو منصوب قائم من قولهم: وجه مسنون، أو المصبوب، سَنَ الماء على وجهه صبه عليه أو الذي يحك بعضه بعضاً، سننت الحجر بالحجر حككت أحدهما بالآخر ومنه سن الحديد لحكه به، أو الرطب، أو المخلص سن سيفك أي: أجله.
الثعالبي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ }: يعني: آدم، قال ابن عباس: خُلِقَ من ثلاثَةٍ: مِنْ طينٍ لازبٍ، وهو اللازقُ الجَيِّد، ومِنْ صلصالٍ، وهو الأرضُ الطَّيِّبَةُ يقع عليها الماءُ، ثم ينحسرُ؛ فيتشقَّقُ وتصيرُ مثْلَ الخزف، ومِنْ حَمإٍ مسنون، وهو الطينُ فيه الحماة، والـ {مَّسْنُونٍ }: قال مَعمرٌ: هو المُنْتِنُ، وهو مِنْ أَسِنَ الماءُ؛ إِذا تَغَيَّر، وَرُدَّ من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: « حديث : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ: الطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَالأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ » تفسير : وقوله: {وَٱلْجَآنَّ }: يراد به: جنسُ الشياطينِ، وسئل وهبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم، فقال هم أَجناسٌ. قال * ع *: والمراد بهذه الخِلْقة إِبليسُ أَبو الجِنِّ، وقوله: {مِن قَبْلُ }؛ لأَن إِبليس خُلِقَ قبل آدم بمدَّة، و{ٱلسَّمُومِ }؛ في كلام العرب: إِفراطُ الحَرِّ حتى يقتلَ: مِنْ نارٍ، أو شمسٍ، أو ريحٍ، وأمَّا إِضافة «النار» إِلى «السموم» في هذه الآية، فيحتملُ أنْ تكون النار أنواعاً، ويكون السمومُ أمراً يختصُّ بنوعٍ منها، فتصحُّ الإِضافة حينئذٍ، وإِن لم يكن هذا، فيخرج هذا على قولهم: «مَسْجِدُ الجَامِعِ، ودَارُ الآخِرَةِ»؛ على حذف مضافٍ. قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ * قَالَ يَٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}: أخبر اللَّه سبحانه الملائكَةَ بعُجْبٍ عندهم، وذلك أنهم كانوا مَخْلُوقين منْ نُورٍ، فهي مخلوقاتٌ لِطَافٌ، فأخبرهم سبحانَه أنه يَخْلُقُ جسْماً حيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنه يخلقه من صلصالٍ، والبَشَرة هي وَجْهُ الجِلْد في الأَشْهَرِ من القَوْل، وقوله: {مِن رُّوحِي}: إِضافة خَلْقٍ ومِلْكٍ إِلى خالقٍ ومَالكٍ، وقولُ إِبليس: {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـالٍ...} الآية: ليس إِباءَتَهُ نفْسَ كفره عنْدَ الحُذَّاق؛ لأَن إِباءَتَهُ إِنما هي معصيةٌ فقَطْ، وإِنما كفره بمقتضى قولِهِ، وتعليلِهِ، إِذ يقتضي أَنَّ اللَّه خَلَقَ خَلْقاً مَفضولاً، وكلَّفَ خَلْقاً أفضلَ منه؛ أَنْ يَذِلَّ له، فكأنه قال: وهذا جَوْرٌ، وقد تقدَّم تفسير أكثر هذه المعاني.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاءُ الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخلوقٍ من الأبوين؛ فيكون مخلوقاً ـ لا محالة ـ بقدرة الله ـ تعالى ـ. فقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم ـ صلوات الله عليه ـ الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر. قال ابنُ الخطيب ـ رحمه الله ـ: "وهذا لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع". واعلم ـ أنه ـ تعالى ـ قال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران:59]، وقال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}تفسير : [ص:71]، وقال هاهنا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة. واعلم أنه ـ تعالى ـ قادر على خلقه من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه. وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي. عن ابن مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: بعث الله ـ تعالى ـ جِبْريلَ ـ عليه السلام ـ إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكائيل ـ صلوات الله عليه ـ فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، ولم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: "أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك"؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال ـ جل ذكره ـ: أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصقُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ. ثم قال للملائكة: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقول الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟. فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن:14]، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة ـ عليه السلام ـ: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء:37]. قوله تعالى: {مِن صَلْصَالٍ}، "مِنْ": لابتداء الغاية، أو للتبعيض، والصلصالُ: قال أبو عبيدة, هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فيسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل] شعر : 3275ـ شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ تفسير : أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها. وقال الزمخشريُّ: "الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار". وقال أبو الهيثم: "هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب". وقال الزمخشري ـ أيضاً ـ: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف "صَلَّ"، إذا أنتن انتهى. و"صَلْصَالٍ" هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون "فَعْلال" ـ أيضاً ـ مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي وزن هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ. فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ. والثاني: أنَّ وزنه "فَعْفَل"؛ وهو قول الفرَّاء. الثالث: أنه "فَعَّل" بتشديد العين، وأسله "صَلَّل" فلما اجتمع ثلاثة أمثالٍ، أبدل الثاني من جنس فاء الكلمة، وهو مذهب كوفيٌّ، وخصَّ بعضهم هذا الخلاف، بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو "لَمْلَمَ" و"كَبْكَبَ" فإنَّك تقول فيهما: "لَمَّ"، و"كَبَّ"، فلو لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: "سَمْسَمَ"، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع. قوله تعالى: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه في محلِّ جر صفة لـ"صَلْصَالِ"؛ فيتعلق بمحذوف. والثاني: أنه بدل من "صَلْصالٍ" بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ. قال الليث ـ رحمه الله ـ: واحده "حَمَأة" بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ "حَمْأة" [بالإسكان]، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر] شعر : 3276ـ تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ تفسير : فلا يكون "الحَمَأة" واحدة "الحَمْأ"؛ لاختلاف الوزنين. والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُوبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة. قال الزمخشريُّ: وحقُّ "مَسْنُونٍ" بمعنى مصور: أن يكون صفة لـ "صَلْصالٍ"؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: "مِنْ حَمَأ" صفة لـ"صَلْصَالٍ"، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا. وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 3277ـ تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ........................... تفسير : وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً. ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه. وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين. رُوِيَ أنَّ الله ـ تعالى ـ خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. قوله: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ} منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ. والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن. وقرأ الحسن: "والجَأن" بالهمز، وقد تقدَّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة. فصل قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: الجان أبو الجن؛ كما أنَّ آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين. وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة ـ رضي الله عنهم ـ: هو إبليس، خلق قبل آدم. وقيل: الجانُّ أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس. وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون. قال ابن الخطيب: "والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ، فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الأعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صاحبها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لاستتارها بالأشجار". قوله تعالى: {مِن قَبْلِكَ}، و"مِن نَارٍ" متعلقان بـ "خَلَقْنَاهُ"؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتبعيض، وفيه دليلٌ على أنَّ "مِنْ" لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد. فصل قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: "يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه". والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ. قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه. وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا دخان لها. قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب. وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم. وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ. وقيل: {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} من إضافةِ الموصوف لصفته. قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ} الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه ـ تعالى ـ أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يباشرون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية. وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا. والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85]، وأضاف روح آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى نفسه، تشريفاً وتكريماً. قوله تعالى: {فَقَعُواْ لَهُ}، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق بـ "سَاجِدينَ". فصل ظاهر قوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنعُ التَّراخي. قوله "أجْمَعُونَ" تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم. وقال سيبويه: قوله: {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} "توكيدٌ بعد توكيدٍ". وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال "فَسجَدَ الملائِكَةُ" احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟. فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قال: "وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن "أجْمَعِينَ" معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً". قال أبو البقاء: "لكان حالاً لا توكيداً". يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: "جاؤوني جَمِيعاً" مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة:38]، وحكاية ثعلب مع ابن قادم. قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة. قال القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ: "الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي ـ رضي الله عنه ـ، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنطَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات". وقال مالكٌ، وأبو حنيفة ـ رضي الله عنهما ـ: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو استثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ. قوله تعالى: {أَبَىٰ أَن يَكُونَ}، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه. قوله تعالى: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ}، فقوله: "خَلَقْتهُ" خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة. فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله ـ تعالى ـ من غير واسطةٍ من أعظم المناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟. فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا. وقوله: {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ} لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر. وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فكيف يكون للأدنى سجود للأعلى؟. وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل "إبْليسَ": هو النار، والنار هي أشرف العناصر؛ فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس. {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه. وتقديره: أن الذي قاله الله ـ تعالى ـ نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف. والضمير في: "مِنْهَا": قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ. {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم. و{إِلَىٰ يَوْمِ} يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: "عَليْكَ"، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة. فإن قيل: كلمة "إلى" تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن. فالجواب من وجوه: الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: {أية : مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}تفسير : [هود:108] في التَّأبيد. والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حينئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدَّة العذاب تذهل عنه. قوله: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وهذا متعلق بما تقدم، والتقدير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظرني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه. وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله ـ عز وجل ـ: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [لقمان:34]. وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة. فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: إلى ما يكون قريباً منه، و[الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث. وقيل: {يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} لا يعلمه إلا الله. قيل: لم تكن إجابة الله تعالى ـ له في الإمهالِِ إكراماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه. قوله: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} الباء للقسم، و"مَا" مصدرية، وجواب القسم {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ} والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص:82] إلاَّ أنه ـ في هذا الموضع ـ أقسم بعزة الله ـ تعالى ـ وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: {بِمَآ أَغْوَيْتَنِي}، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال. ونقل الواحديُّ ـ هنا ـ عن بعضهم: أنَّ الباء ـ هاهنا ـ سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: "أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة". ومعنى: {أَغْوَيْتَنِي}: أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} حبَّ الدنيا، ومعاصيك. والضمير في: "لَهُمْ" لذرية آدم ـ عليه السلام ـ وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم. و"لإْغْوِيَنَّهُمْ": لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: "المُخْلصِينَ" بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم. ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية. فصل قال ابن الخطيب: "واعلم أنَّ الذي حمل "إبليس" على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز "إبليس" عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ". فصل قال رويمٌ: "الإخلاص في العمل: وهو ألاَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاً من المكلفين". وقال الجنيد ـ رضي الله عنه ـ: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله ـ تعالى ـ لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيميله. وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: "حديث : سَألتُ جِبْريلَ ـ عليه السلامُ ـ عن الإخْلاصِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي ". تفسير : قوله تعالى: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ} "هَذَا" إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين. وقيل: إلى انتفاءِ تزْيينه، وأغوائه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي. وقيل: "عَلى" بمعنى: "إلَى"، نقل عن الحسنِ. وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله ـ تعالى ـ وعليه طريقه، لا تعرج على شيءٍ. وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم. وقال الكسائي: هذا على التَّهديد والوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: {أية : لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر:14]. وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وابن سيرين، ويعقوب في آخرين: "عليُّ"، أي: عالٍ مرتفعٌ. وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال "مُسْتقِيمٌ" أن يمال. قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أعلم أن إبليس لما قال {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله ـ تعالى ـ في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد من عبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : [إبراهيم:22]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل:99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً. قال الجبائيُّ: "هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم". وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد بـ "عِبَادي" العموم، طائعهم، وعاصيهم و حينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ. وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغاوون؛ للضمير في موعدهم. قال القرطبي: "قال العلماء في معنى قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}: يعني على قلوبهم". وقال ابن عيينة: "يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، واختارهم، واصطفاهم". فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ بقوله: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [البقرة:36] وعن جملة من أصحاب نبيَّه {أية : إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}تفسير : [آل عمران:155]. فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤولُ إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة. وأما أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عليه في "آل عمران"، ثم إنَّ قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة غمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم "ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ"؛ ففرَّج عَنْهُم. وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في "مَوْعِدهُم"، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء". وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، أي: مكان موعدهم. قوله تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من "جَهنَّم"؛ لأن "إنَّ" لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في "لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ" من أخواتها من إعمالها في الحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أن تعمل فيها "إنَّ" أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب. فصل قال عليٌّ ـ كرم الله وجهه ـ: هل تدرون كيف أبواب النَّار؟ ووضع إحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وإنَّ الله ـ تعالى ـ وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصارى، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء:145]. قوله: "مِنهُمْ" يجوز أن يكون حالاً من "جُزءٌ"؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: "لكُلِّ بابٍ"، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: "مَقسُومٌ"؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، و لا يجوز أن تكون صفة لـ"بابٍ"؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس. وقرأ أبو جعفر: "جُزٌّ" بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: "خَبّ" في "خبءُ خالد" ثم أجري الوصل مجرى الوقف. والجُزْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه ـ تعالى ـ يُجزِّىء أتباع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق الله الإِنسان من ثلاث: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون. فالطين اللازب، اللازم الجيد. والصلصال المرقق، الذي يصنع منه الفخار. والحمأ المسنون، الطين فيه الحمأة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من صلصال} قال: الصلصال، الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتيبس، ثم تصير مثل الخزف الرقاق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، طين خُلِطَ برمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، طين إذا ضربته صلصل. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: الصلصال، التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصلصال، الطين تعصره بيدك فيخرج الماء من بين أصابعك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من حمإ مسنون} قال: من طين رطب. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من حمإ مسنون} قال: من طين منتن. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله {من حمإ مسنون} قال: الحمأة السوداء، وهي الثاط أيضاً. والمسنون، المصور. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: شعر : أغر كأن البدر مسنة وجهه جلا الغيم عنه ضوءة فتبددا تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق آدم من أديم الأرض، فألقي على الأرض حتى صار طيناً لازباً، وهو الطين الملتزق، ثم ترك حتى صار حمأ مسنوناً وهو المنتن، ثم خلقه الله بيده فكان أربعين يوماً مصوراً، حتى يبس فصار صلصالاً كالفخار إذا ضرب عليه صلصل. فذلك الصلصال والفخار مثل ذلك والله أعلم.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: الأشباح مردودة إلى قيمتها لأنها أُخرجت من تحت ذل كن وأطهرت من الصلصال والحمأ المسنون.
القشيري
تفسير : ذَكَّرَهم بِخِسَّتِهم لئلا يُعْجَبُوا بحالتهم. ويقال القيمة في القُربةِ لا بالتُّربة؛ والنسب تربة ولكن النعتَ قربة. {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}: وإذا انطفأت النار صارت رماداً لا يجيء منها شيء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو لمَّا انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأمَّا آدم - عليه السلام - فلمَّا اغْتَرَّ جَبَرَهُ ماءُ العناية، قال تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} تفسير : [طه: 122].
البقلي
تفسير : ان الله سبحانه كان موصوفا فى الازل بالقهر واللطف وللصفتين منه تواثير فى تجليها عين القدم الى العدم فتجلى بلطفه من انوار لطفه الى العدم فاظهر بنور لطفه التراب والماء وجعلها اصلا فى مواليد الانسان وتجلى بقهره للعدم فاوجد من تجليه النار وجعلها اصلا لمواليد الجن والجان فخلق من الماء والطين آدم وذريته وجميع معاشهم من الماء والطين اللذين اصلهما من تجلى نور لطفه وخلق الجن وابليس من النار التى هى من تاثير قهره فوقع المخالفة بين الجان والانسان كما وقعت المخالفة بين الماء والطين والنار فخلق الاول الماء والطين من لطفه ثم خلق النار من قهره فسبق الماء والطين على النار لان الماء والطين سبب الرحمة على العباد والنار سبب عذاب العباد لذلك قال سبقت رحمتى غضبى فتبين فضل الماء والطين وتقدمهما على النار فاذا كان الماء والطين بهذه المثابة خلق سبحانه بلطفه آدم وذريته من الماء والطين وخلق ابليس وذريته من النار واذا اراد سبحانه فى الاول خلق الانسان خلق دُرّة بيضاء فتجلى لها بجميع صفاته وذاته فذابت تلك الدرة من صولة تجلى ذاته وصفاته وصارت ماءً زلالاً نورانيا جلاليا جماليا فاثر فيها بركة تجلى ذاته وصفاته فتلاطم بعضه بعضا والقى فوق الماء زبدة من نفسه فصارت تلك الزبدة طينا فخلق سبحانه من تلك الزبدة الارض ودار ذلك الماء حول الارض ودخل فى بطنها ثم خلق منها ادم وكان مما خلق آدم منها طينا لزجا بما فيها من ذلك الماء فيبس الماء فى نفسه بتاثير شعاع تجلى العظمة فخلق آدم منه لذلك قال خلقنا الانسان من صلصال من حماء مسنون فاذا اراد خلق آدم سلط على ترابه ومائه سطوات تجلى قدمه وبقائه فخمرها بتجلى القدم والبقاء الذين كنى عنهما باليدين بقوله خلقت بيدى يد القدم ويد البقاء اربعين صباحا كل صبح منها صبح كشف الف صفة فخمرها اربعين صباحا بتجلى كشف اربعين الف صفة من صفاته وجعل صورة آدم وطينته مساقط انوار تجلى صفاته فلما كملت صورته طرحها بين العرش والكرسى ثمانين الف سنة من سنى الآخرة ورباها بافانين كرامات تجليه وهو سبحانه خلق روحه قبل صورته وصورة الكون بالفى الف عام من اعوام الاخرة قال عليه السلام خلق الله الارواح قبل الاجساد بالفى الف عام وكان خلق روحه من تاثير تجلى ذاته فكملها ايضا بتجلى جميع صفاته فحبسها فى حجال غيب الغيب وغيب غيب الغيب وسترها بقباب غيرته من اعين الملائكة ثم البس طينتها وصورتها لباس الغيرة فنظرت الملائكة الى صورة آدم فاصغرتها من قلة عرفانهم بجلال قدرها واعمى الله ابليس عن رؤمة ما فى صورة آدم حتى تفاخر عليها فلما اراد سبحانه اظهار صنيعه فى ملكه وملكوته وجلال صفيه الموجود جاء بروحه التى انقدحت من زنود تجلى الذات والصفات بقوله ونفخت فيه من روحى وادخلها بنفخة المنزه عن همهمة الانفاس الحدثانية فى صورته فقام باذن الله ملتبسا بنور الصفات والذات وجلس على بساط ملك بقائه فصار مختارا من بين الفريقين الجن و الملائكة بالقرب والوصال وكشف الجمال والجلال والعلم والكمال فبان خيريته من الملائكة ايضا لان الملائكة خلقت بامر واحد وكان آدم عليه السلام خلق بتجلى الذات والصفات فشتان بين آدم وذريته وبين الملائكة وبينه وبين ابليس وجنوده قال بعضهم الاشباح من دولة قيمتها لان اخرجت من تحت ذل كن واظهرت من الصلصال والحما المسنون قال الاستاد ذكرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بحالتهم ويقال القيمة لهم بالتربية لا بالتربة النسب قربة ولكن التعب قربة ثم اخبر سبحانه الملائكة بخلق آدم بقوله {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} اخباره لهم من خلق آدم افتتاحه لهم ابواب خزائن ملكوت الاصغر ليريهم ما فى عالم الكبير وما فيه اياهم فى عالم الصغير وهو الانسان ليشاهدوا عجائب صنعه وقدرته ويروا فيها جمال جلاله لان آدم كان مرآة الحق فى العالم من يراه يرى آثار الله فيه قال جعفر امتحنهم ليحثهم على طلب الاستفهام فيزدادوا علما بعجائب قدرته ويتلاشى عنهم نفوسهم ثم اعلم الملائكة محل جوده ولطائف وجوده فى آدم ليروا آيات بهائه وتخضعوا لجلاله بقوله {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} اعلمنا ان مزية آدم على الكل بتشريف تسويته ونفخه روحه فيه وانكان شريفا فى اصل فطرة طينه شرفه كان بالله ومباشرة انوار ذاته وصفاته فيه ثم اعلمهم انه اذا سواه بان البسه انوار جميع صفاته ونفخ فيه روح تجلى جلال ذاته المنزه عن الحلول والاجتماع والافتراق فيصير قبلة الله فى بلاده وعباده فاذا ظهر لكم فاسجدوا له عند معاينتكم انوار قدرتى وعجائب لطفى قال ابو عثمان اذا خصصته باظهار النعت عليه من خصائص === وبيان التسوية فدعوا مجادلتكم وارجعوا الى حد القهروالتعبد له قال الواسطى لما نفخ الروح فى آدم جعل معرفتها معرفة الحق اياها وعلمها علم الحق بها قصودها مرارات باها على محابها فلما احتجب الملائكة بالصورة الصلصالية والرسوم الشجية عن جمال روحه وما صنع الله بعزته وصمديته وجلال جميع صورته وذاته فى تسويته وصغرته حين لم يشاهدوا عين الجبروت والملكوت فيه ولم يروا صور حقائق اللاهوتية فى مرآة الناسوتية والحتجوا وجادلوا بقوله اتجعل فيها من يفسد فيها ترحم عليهم الحق سبحانه بان رفع حجاب الغيرة عن وجه آدم دلالة منه لهم به اليه ليعرفوا ذلهم وعزه فلهما === والصفات وسنا سبحات الذات فى وجهه وراوه ملتبسا بنوره ونور نوره وما عليه من كسوة ربوبيته فتاهت قلوبهم وفنيت عقولهم من صولة جلاله وخروا له ساجدين من شدة حبهم له وشوقهم اليه وتصافرت نفوسهم بين يديه وذلك قوله سبحانه {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} سجودهم لما بدا من آدم من نور الحق فسجدوا له لا له بالحقيقة بل سجدوا للازلى الابدى المنزه عن اشارة الزائغين وتهمة المبطلين واوهام الغالطين ولم ير ابليس ما رأت الملائكة لانه كان من عالم القهر محجوبا بالقهر عن رؤية جمال الحق فى آدم بقوله {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} ولو ادركه بتلك الصفة سجد له فى كل لمحة الف مرة شعر : لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا تفسير : قال بعضهم ابصر الملائكة من آدم هيكله وشخصه ولم يشاهدوا اضافة الروح اليه واختصاص الخلقة به واستقامة التسوية وتعليم الاسماء والاشراف على الغيب فنكلوا على السجود فلما اظهر الحق تعالى هذه الخصائص سجدوا له وقالوا سبحانك انت تخص من تشاء من عبادك بخصائص الولاية وتنعية بنعوت الربانية وتجريه الى بساط القربة وانت الفعال لما تريد قال الواسطى الفرق بين روح آدم وبين الاشياء كلها تسوية الخلقة وتخصيص الاضافة فقربت من الله وعرفته ومكّنها من حكمها فغنت وغنمت ورجعت اليه بالاشارة وقطعت عنه العبارة وذلك كله من عجز الفخر اذ لم يلبسها ذل القهر فزينها بخلقه فتخلقت بخلقه وتادبت بصفته فكانت تنطق وباشارته تعقل وهذا تفسير قوله فاذا سويته ونفخت فيه من روحى قال ابو عثمان فتح الله اعين الملائكة بخصائص آدم واعمى عين ابليس عن ذلك فرجعت الملائكة الى الاعتذار وقام ابليس على منهج الاحتجاج بقوله انا خير منه قال ابو الحسين نظر الملائكة الى الروح والى ما خص الله به آدم من القربة والكرامة فانقادوا لامره سبحانه وسجدوا له وابى ابليس واستكبر لانه كان فى عبادته اسوء حالا منه فى اياته فانه ما عبد الله قط وانما كان يعبد نفسه وهواه ثم غيّر الحق سبحانه ابليس حيث لم يسجد له مع الملائكة بقوله {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} اى مالك ان لا تكون من المشاهدين شهودى بوصف كشف جماله وجلاله مع دعواك معرفتى وعبوديتى فان من لوازم المعرفة والعبودية والعلم بالربوبية عليك ان ترانى بوصف الربوبية فى العبودية وان تعرفنى بامرى ما وراء امرى من اسرار علمى وظهورى فى لباس قدرتى ثم اخبر عن جوابه وجرأته بالكلام فى حضرة القديم وموازاة كبرياء الازلى بكبرياء نفسه بقوله {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} غلط الملعون فى دعواه بخالص العبودية والمعرفة بالواحدانية وافراد القدم عن الحدوث لانه ظن ان محض العبودية صورة السجود والركوع ولم يعلم ان متابعة امره === هى خالص العبودية وينبغى ان يتابع امر معبوده ولم امر بشد الزناد مثلا ولا يبالى بان يشد على === لان العاشق الصادق ياخذ امر معشوقه ولا يخالطه فى جميع مراده ولو كان مشفقا على محبتة === عبادته له فاذا رد قوله ونازع ارادته كيف له شفقة على محبوبه يا ليت لو ارى فى مكان === فان آدم كان قبلة الظاهر كالكعبة ولا يقع السجود الا فى مشاهد الربوبية لانه تعالى هو اهله لا === مقام الامتحان وظن الملعون انه مستحكم فى توحيده حيث لم يسجد لغيره وهناك لا غير لان فى حقيقة === ما هو الا هو ولو كان نظره صحيحا لم يلتفت الى الوسائط لان فى عين الجمع الدليل والمدلول واحد من حيث ==== لا من حيث الرسوم فيبقى الملعون جاهلا عن معرفته عين الجمع وقد غلط ايضا فى افراده عن الحدوث لانه كان محجوبا بنظرين نظرا الى آدم ونظر الى نفسه فاما نظره الى آدم قوله لم اكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال واما نظره الى نفسه قوله انا خير منه ولو كان صحيح القول فى نظره الى عين الوحدانية يسقط عند رؤية الغير فى البين ظن انه عالم بالله وقد وصل الى عين الحقيقة ولم يعرف انه ما وصل الى ادنى المقامات ولو كان فى محل التحقيق ما احاله الحق الى خدمة حادث من الحدثان عرفه الحق انه لم يكن ايضا مبتديا من اهل الارادة فى اول درجات العبودية ولو كان صادقا فى ارادته لا كل تراب قدم آدم لان المريد ملهوف واله بارادته ومحبته لمقتداه ولكن ايش ينفعه وهو كان مريدا لا مريدا لانه كان معجبا برائه ناظرا الى نفسه فى ارادته وعبادته فقد حصل له الانكار على مشائخه فى زمانه وسقط من عين الحق وعيون اصفيائه الى مهوات الرياسة والضلالة نعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلال بعد الهدى ومن الرياء بعد الاخلاص الا ترى كيف كان حاله الى الابد اذا لم يعرف مكان القرب من مكان البعد وكيف يهيم ويعمه فى وادى الطرد واللعن بقوله {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} رجمت باحجار القهر من مكان اللطف الى معدنه لانه كان فيه عارية قدقصه باللعنة الى يوم الدين وكان فى الازل ملعونا اراد بقوله الى يوم الدين ان اللعن لعنان لعن قديم ولعن جديد فابليس كان موصوفا بهما اللعن القديم سبق ارادة الحق لابعاده عن رحمته وذلك لا يتغير ابد الان القديم هو الباقى وتلك الارادة قائمة به واللعن الجديد زيادة القهر حيث اعطى زمام العصاة الى يده حتى يفعل بهم ما يشاء باذن الله واستكباره عن طاعته وارتكاب معصيته واغواء عباده هو اللعن الجديد الذى هو زيادة البعد وذلك منقطعة يوم الدين حين ارتفعت العبادة والمعصية فيكون موصوفا بما كان موصوفا فى علم القديم الا الابد ويا ليت لو كان رجلا من الرجال ويطلب الحق فى اودية قهره ليرى اشياء من عجائب الربوبية ما يرى الرجال فى معادن اللطف ولكن كيف اقول وانه ليس من دواب الاصطبل عجبت من تحنثه وجهده كيف يمشى خلف بنيات وصيات وجهيلات ويفعل كما يفعلون من خساسة طبعه وكثرة جهله ويستانس بكل مستوحش ويستوحش من كل مستانس وليس هذا من اوصاف الرجال قال الواسطى اللعنة التى لم تزل تستحقه منى وان كانت الاوقات جرت عليك بزينة السعادة ولما سقط من اصله بحسده وعداوة اولياء الله زاد حسده واستنظر بقوله {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} اراد بذلك ايذاءهم والقاء نيران ضلاله الى عباد الله وظن من جهله بالله انه يسبق القدر المعلوم حتى لا يموت كما يموت الخلق فرد عليه الحق بقوله {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} اى تموت كما يموت الخلق بالنفخة الاولى واراد الملعون ان يتشقى على آدم وذريته بعد موتهم ويسخر منهم بما فيه من الحسد عليهم فالقى الله سبحانه رعام الحسرة على انفه قال فانّك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم ثم ذهب الملعون الى طلب الحيلة فى اغواء بنى آدم وخرج بالجرأة فى المخاطبة فى الحضرة بما اخبر الحق منه بقوله {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وذلك دعوى الاتصاف بالقدرة فى عالم القصر اى بما البستنى من لباس قهرك وغوائك اياى لاغوينهم لا بقدرة نفسى تكلم من التوحيد بغير اختياره وعلم ان اللطف من الحق سبحانه ورحمته سابقتان على قهر وغضبه فاستدرك واستثنى اهل اللطف والرضوان الذى اصطفاهم الله بولايته وطهر اسرارهم عن دنس الرياء والشرك بماء بحر اخلاصه وتوحيده فقال {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} وبانه رآهم خارجين من تحت اديان قهر القدم الى ساحة كبرياء لطف الابد وذلك ما قال عقيب الاية ان عبادى ليس لك عليهم سلطان اى انهم ملتبسون بانوار قدسى المجالسون معى فى مجالس انسى اخترتهم لنفسى وهم مواطن سرى وهم سكان اماكن غيبى البستهم انوار صفاتى وسنا بهاء ذاتى ابدانهم فى بحار عبوديتى مستغرقة وقلوبهم فى مجار شوقى ومحبتى مستغرقة وارواحهم فى هواء هويتى هائمة واسرارهم فى اودية اسرارى تايهة آويتهم بى الىّ من بهرى تقدر ان تسلط عليهم وان كان معك راية قهرى فانهم فى ساحة لطفى معصومون من قهرى فان سلطنتك تكون على من تبعك من المغوين باغوائى اياهم وقهرى عليهم وافهم يا غافل ان الله وصف المخلصين من عباده بانهم معصومون من شر ابليس بنور اخلاصهم وذلك النور نور التوحيد ونور التوحيد من كشف نور الموحد ينكشف حين زند الملعون مقدحة الوسواس فى صدورهم لوقوع نيران الرياء والشرك فيغلب نوره على ناره فيذهب النار وبقى فيهم النور وانقطع سلطنة الملعون عنهم لانهم بعين رعايته الازل محفوظون عن الخطرات قال رجل ليحيى بن معاذ بماذا اكرم الله عباده المخلصين قال بالايمان بالغيب والمشاهدة قال ذو النون الناس كلهم موتى الا العلماء والعلماء كلهم ينام الا العاملون والعاملون كلهم مغترون الا الخادمون والمخلصون على خطر عظيم وقال النصرابادى المخلص على خطر من اخلاصه لانه باياه والمخلص يجاز حد لخطر لانه لابه وقال بعضهم فى قوله ان عبادى ليس لك عليهم سلطان اى الذين اوصلتهم الى قربى من غير كلفة ولا سابقة وافنيتهم عن اوصافهم وزينتهم باظهار صفاتى عليهم فهم مع الخلق بالهياكل ومعى بالارواح والسرائر لا عليهم من الخلق اثر ولا لهم مما هم فيه خبر اولئك هم عبادى حقا ليس لهم مطلب سواى ولا مرجع الا الىّ هم هم بل انا هم بل انا انا ولا هم هم ولا صفة لهم ولا اخبار عنهم لنفائهم عنهم وبقائهم بى وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر الصادق عليهم السلام فى قوله عباد الرحمن قال جملة الخلق من جهة الخلقة لا من جهته المعرفة وعبادى تخصيص فى العبودية والمعرفة قال ابن عطا المخلص من اخلص من روية نفسه ومشاهدة افعاله واستقام مع الله تعالى فى كل احواله فلا يتقدم الا بامره ولا يتاخر الا بحكمه وقال جعفر من الله بهذه الاية ان ليس للشيطان على عباده المخلصين سبيل وللمخلصين درجات من قبل المجاهدات والمشاهدات فمن اخلص فى عمله فهو مخلص ومن اخلص بقلبه فهو مخلص ومن اخلص سريرته وعلانيته لله فهو مخلص ومن اخلص روحه نال الاستقامة بالله والوصول الى قربة وقال الاستاد من اشهده الحق حقائق التوحيد وراى العالم مصرفا فى قبضة التقدير لم يكن يهبأ للاغيار ومتى يكون للغير عليه تسلط فى معناه انشد الحسين بن منصور قدس الله سره شعر : جحودى لك تقديس وعقلى فيك تهويش فمن آدم الاك ومن فى البين ابليس تفسير : ثم ان الله سبحانه وصف تلك العباد الذين هم معصومون من شر ابليس بالتقوى وذكر منازلهم فى جنات العلى وعيون الاسى وسلامة من البلوى بقوله {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} اى ان الذين يبغضون ابصار اسرارهم عن الاكوان والحدثان فى جمال الرّحمن هم فى جنات مشاهدات الذات وعيون الصفات يشربون من سواقيها شرابات المحبة وراواق المعرفة يقول حبيبهم ادخلوا بساتين القدم والبقاء بسلامة من الانقطاع ولامن من الفراق قال بعضهم من اتقى الشرك فهو فى بساتين وانهار ومن اتقى الله فهو فى حظيرة القدس عند مليك مقتدر وقال الواسطى من اتقى للعوض جعل ثوابه عليه ما يرجو ويالمه ومن اتقى العوض فالحق عوض له من كل ثواب وقال الاستاد المتقى من وقاه الله بتفضله الا من اتقى بتكلفه لا بل لا يبقى بتكلفه الا بعد ان وقاه الحق بتفضله فهم اليوم فى جنات ولها درجات بعضها ارفع من بعض كما اتهم غدا فى جنات ولها درجات بعضها فوق بعض فدرجة قوم حلاوة الخدمة ولذاذة الطاعة ولقوم البسط والراحة ولاخرين الرجاء والرغبة ولاخرين الانس والقربة قد علم كل اناس مشربهم ولزم كافريق منهم اليوم مذهبهم قال الاستاد فى قوله ما دخلوها بسلام آمنين معناه يقال لهم ادخلوها === ولم يقل من الذى يقول لهم ادخلوها فقوم يقول لهم الملك ادخلوها ويقال يحتمل انهم لا يدخلونها بقول الملك وحتى لهم ادخلوها كما قالوا شعر : ولا البس النعمى وغيرك ملبس ولا اقبل الادنيا وغيرك واهب تفسير : ثم ان الله سبحانه زاد وصف المتقين انهم مقدسون من غل النفسانى وغش الشيطانى بقوله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} بين فى هذه الاية ان قلوب الصدقين والمتقين مقدسة من علل الانسانية والشيطانية لانها مقدسة بقدس جمال الرحمن ولانها متقلبة بين اصبعين من اصابع الرحمن ولا يدخل فيها علة الحدثان الارواح كانت مستغرقة فى لجج بحار الوحدانية والاسرار هائمة فى قدم الازلية ما جرت عليها اوصاف الترابية وما اشرف عليها غبار وساوس الشيطانية وما طرى عليها قتام هواجس النفسانية لكن لما اراد الحق سبحانه امتحانها خلق الاشباح وجعل منها اوديت الشهوات وانبت فيها بنات الاخلاق الذميمة والفطرة السليمة وجعل القلوب اماكن الارواح وجعل الارواح اماكن العقول وجعل العقول اماكن الاسرار وجعل الاسرار اماكن لطائف معرفته وحكمته وجعلها اصداف جواهر تجلى جماله وجلاله ثم وضع الجميع فى مواضع الفطرة من الاشباح فلما سكنت هذه الجنود فى الاشباح وتواترت عليها انوار تجلى الحق تطهرت الصدور بمساكنتها من علل الانسانية وانسدت عليها ابواب الشيطانية فلم يبق فيها علل الاخلاق ولا يدخل فيها بعد ذلك غبار الوسواس فاذًا بعد ذلك صاروا متقين الذين وصفهم الله بنزع الغل عن صدورهم قبل دخولهم فى الجنان نزع علة الغل والغش بنفسه عن صدورهم ثم يكبر معه دخلهم فى جنان مشاهدته واجلسهم على كراسى قربته ينظرون بعضهم الى وجوه بعض بالمودة والمحبة والشوق الى لقائه يرى سيماء نور الالوهية بعضهم من وجوه بعض ولو بقى الغل فى صدورهم على باب الجنة ما اسوء حالهم اذ بقى قلوبهم فى غواشى الغل الله الله لا نظن فانه لك بجلال قدره دفع عن صدورهم هذه العلة قبل دخول ارواحهم فى اجسادهم وكيف يكون موضع المضافات والمودة والالفة الالهية مغشوشة بغل الطبيعة والغل والغش من اوصاف اهل النفوس لا صفة المتحابين فى الله الا ترى كيف وصفهم بالاخرة ولا يبعد من قدرة الله وحكمته ان يدخل الغل فى صدور ولى من اولياءه ابتلاء وامتحانا ليشتغل بدفعه وتطهير سره عن ذلك واستعاذته بالحق من وسواسه ويصل الى معالى الدرجات باستنكاره على نفسه ومحاربته مع شيطانه ولا يكون ذلك منقصة فى ولايته الا ترى الى قول اسد الله على بن ابى طالب كرم الله وجهه كيف قال فى هذه ارجو ان اكون انا وعثمان وطلحة وزبير منهم قال ابو حفص كيف يبقى الغل فى قلوب ليتلفت بالله واتفقت على محبته واجتمعت على مودته وآنست بذكره ان تلك القلوب صافية من هواجس النفس وظلمات الطبايع بل كحلت بنور التوفيق فصارت اخوانا قال الاستاد امر الخليل عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها فقال وطهرا بيتى وامر جبريل عليه السلام حتى غسل قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم وطهره وتولى نفسه تطهير قلوب العاصين فقال ونزعنا ما فى صدورهم من غل لا تقديما لهم على الانبياء عليهم السلام ولكن رفقا بهم وقد يصنع الله للضعيف ما يتعجب منه القوى ولو وكل تطهير قلوبهم الى الملائكة لاشتهر عيوبهم فتنولى ذلك بنفسه رفقا ويقال قال الله تعالى ونزعنا ما فى صدورهم من غل ولم يقل ما فى قلوبهم من غل لان القلوب فى القبضة يقلبه ف الخير قلب المومن بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ثم ان الله سبحانه نفى عنهم الغضب والمشقة فى جواره بقوله {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} اواهم الى انوار بقائه ومشاهدة جماله وحرسهم بها عن قهر سلطان كبرياء القدم الذى === عليهم سطوة من سطواته يفينهم عن اللذة وما هم فيه مع الجنان كلها لان الحادث اذا قرن بالقديم يزول من عظمته فيه باقل من لمحة ولولا استتارهم باستار نور البقاء لهلكوا فى جلال الازل كانه تعالى حفظهم به عنه وايضا لولا تفضله ورفقه بهم حيث اراهم جماله بوصف اللذة ليفنون فى بوادى عزته وهيبة عظمته ومعنى قوله وما هم عنها بمخرجين لان هناك ليس مكان الامتحان والتربية وقد صار فى زمان الغضب بوصف الرضا ويصير الغيرة مرتفعة من بين العاشق والمعشوق قال النصرابادى اى نصب يلحق فى المجاورة لمن غفل عن الله واما من انتبه فأى راحة للحدث فى جنب القدم هل هو الا تعذيب واستهلاك ثم رجع الى المقامات ومحل المتحانات ورعب المريدين بنيل الدرجات وهدد السالكين بنصب الحجاب وتعذيبهم بالعتاب بقوله {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} يغفر جناية خطرات قلوب العارفين بعد ادراكهم مواضع خطرها وتداركهم بالندم على تضييع الاوقات وعمارتهم اسرارهم بانواع الذكر وصفاء المناجاة يرحمهم بأن يوصلهم الى اعلى مراتبهم من المكاشفات والمشاهدات وعذاب فراقه واحتجابه اليم لمن عرفه ثم يستانس بغيره وان كان واسطة مليحة ويمكن انه تعالى اخبر عن تلك الاسرار التى ذكرناها فى قوله لا يمسهم فيها نصب غفر لهم علل الحدوثية ورحمهم بانه البسهم لباس الربوبية حتى بقوا به معه من غير زوال وان عذابه هناك لو اطلق عنانه يحرق الجمهور بنيران سر كبريائه وحقيقة اوليته اخبر عن تلك الصفتين وما اخبر عن مباشرة صفة القهر بل اخبر عن استغراقهم فى بحر رحمة مشاهدته وغيبوبتهم فى حجال وصلته فانه الغفران الحقيقى قال سبحانه لا يمسهم فيها نصب وانحسم باب القهر عليهم بقوله وما هم منها بمخرجين وايضا اخبر عن الوصفين من اوصاف المغفرة والرحمة وهما فى الحقيقة صفتان قديمتان باقيتان وان عذابه صفة فعله واذا قورن الفعل بالصفة لزال الفعل فى الصفة فاذا مقام الرجاء اقوى من مقام الخوف لان الرجاء من شقائقا === والبسط وهو باق ابد مع العبد لانه من تاثير تلك الصفة وزال الخوف لان فى جواره لا يبقى الخوف الا ترى الى قوله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون بزوال العذاب وغيبة الفعل فى الصفة قال ابن عطا اقم عبادى بين الخوف والرجاء ليصح لهم سبيل الاستقامة فى الايمان فانه من غلب عليه رجاءه عطله ومن غلب عليه خوفه اقنطه قال الجنيد فى هذه الآية النبا سابق اليهم فى الدنيا فاجتماعهم فى الآخر فلذلك لا يشكون ولا يضعفون ويطيقون حمل البلاء فهم فى سعة من العيش فى كل حال كل ذلك لسعة عليهم بالله وسكونهم على مواعيده فحملوا الحقوق وما خفى عليهم شئ مما خفى عليهم شئ مما خفى على غيرهم وهم مشرفون بالله على ما له منهم وما لهم عنده وقال ابن عطا ان الله تعالى وصف نفسه بالفضل والعدل ولا يوصل فضله الى عبد الا اتجاه من كل بلية وهم ولا وضيع عدل على احد الا اهلكه واوصل عدله الى ابليس مع طول عبادته التى توهم انها تنجيه وتقرّبه الى ربه فابعده بعدله واخزاه الى ابد الابد واوصل فضله الى لسحرة وهم يقولون لفرعون بعزتك فرّدهم مما هم فيه بفضله الى محل السعداء فتلاشى كفرهم ومعصيتهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد خلقنا الانسان} اى هذا النوع بان خلقنا اصله واول فرد من افراده خلقا بديعا منطويا على خلق سائر افراده انطواء اجماليا {من صلصال} من طين يابس غير مطبوخ يصلصل اي يصوت عند نقره واذا طبخ اى مسته النار فهو فخار {من حمأ} اى كان ذلك الصلصال من طين تغيروا واسود بطول مجاورة الماء {مسنون} صفة حمأ اى منتن. وبالفارسية [بوى كرفته بواسطه بسيار بودن درآب جون لايى كه درنك حوض وجوى باشد] او مصور من سنة الوجه وهى صورته او مصبوب من سن الماء صبه اى مفرغ على هيئة الانسان الحمأ فصور من ذلك تمثال انسان اجوف فيبس حتى اذا نقر صوت ثم غيره الى جوهر آخر فتبارك الله احسن الخالقين. قال الكاشفى [صاحب تبيان كفته كه حق سبحانه وتعالى آدم را ازخاك آفريد بران وجه كه آب برخاك بارانيد تاكل شد ومدتى بكذشت تاحمأ كشت بس انرا تصوير كرد مسنون بمعنى مصوراست آنكه بكذاشت تاخشك شد وبمرتبه صلصال رسيد] وكان بين خلقه ونفخ روحه اربع جمع من الآخرة وخلق بعد العصر يوم الجمعة والظاهر انه خلق فى جنة من جنات الدنيا بتغريبها وعليه اكابر اهل الله تعالى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال في الصحاح: الحَمأُ الْمسنُون: المنتنُ المتغير. وسُنَّةُ الوجه: صورته، ثم قال: والمسْنُونُ: المصَوَّرُ، وقد سَنَنتُهُ أَسُنُّه سَنَّا إذا صَوَّرتُه، والمسْنُونُ: المُملَّسُ. وفي القاموس: الحَمأُ المسْنُونُ: المنْتنُ، ورجُل مَسْنُونُ الوجه: مُمَلسُهُ، حَسنُهُ، سَهْلُهُ. أو في وَجْهِهِ وأنْفِهِ طُولٌ. وسنن الطين: عمله فخاراً. هـ. وفي ابن عطية: هو من سننت السكين والحجر: إذا أحكمت تلميسه. انطر بقية كلامه. وموضع {من حمأ}: نعت لصلصال، أي: كائن من حمأ. و (الجان): منصوب بمحذوف يفسره ما بعده. يقول الحق جل جلاله: {ولقد خلقنا الإنسان}؛ أي: أصله، وهو آدم، {من صَلصَالٍ} أي: طين يابس يصلصل. أي: يصوت إذا نقر فيه وهو غير مطبوخ، فإذا طُبخ فهو فخار، {من حمأٍ}: من طين أسود {مسنونٍ}: متغير منتن، من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به؛ فإنَّ ما يسيل بينهما يكون منتناً، ويسمى سنيناً. أو مسنون: مصور، أو مصبوب ليتصور، كالجواهر المذابة تصب في القوالب، من السن، وهو الصب، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غير ذلك طوراً بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه. {والجانَّ} وهو: إبليس الأول، ومنه تناسلت الجن {خلقناه من قبلُ} أي: من قبل خلق الأنسان، {من نار السَّمُوم}: من نار الحر الشديد النافذ في المسام، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة، كما لم يمتنع خلقها في الجواهر المجردة؛ فضلاً عن الأجساد المؤلفة، التي الغالب فيها الجزء الناري، فإنها أقبل منها لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي. وقوله: {من نار}: لاعتبار الغالب، كقوله: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [فاطر: 11]. ومساق الآية كما هو للدلالة على قدرة الله تعالى، وبيان بدء خلق الثقلين، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قبول المواد للجمع والإحياء. قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الخمرة الأزلية، حين تجلت في مرائي جمالها، تلونت في تجليها، فتجلت نورانية ونارية، ومائية وترابية، وسماوية، وهوائية، إلى غير ذلك من ألوان تجلياتها، فكانت الملائكة من النور، والجن من النار، والآدمي من التراب، إلا أن الادمي فيه روح نورانية سماوية، فاجتمع فيه الضدان: النور والظلمة؛ فشرف قدره في الجملة، فاستحق الخلافة، فإذا غلبت روحانيته على جسمانيته فضل على جميع التجليات، وما مثاله إلا كالمرآةِ التي خلفها الطلاءُ، فينطبع فيه الوجود بأسره، إذا صقلت مرآة قلبه، فتكون معرفته بالحق أجلى وأنصع من معرفة غيره؛ لأن المرآة التي خلفها الطلاء يتجلى فيها ما يقابلها أكثر من غيرها. وأيضاً بشرية الآدمي كالياقوتة السوداء إذا صقلت كانت أعظم اليواقيت. وسيأتي بقية الكلام عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} تفسير : [الإسراء: 70] إن شاء الله. ثم ذكر تشريف آدم الملائكة بالسجود له
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى أنه خلق الانسان، والمراد به آدم بلا خلاف. وقيل في معنى الصلصال قولان: احدهما - إِنه الطين اليابس الذي يسمع له عند النقر صلصلة. ذهب اليه ابن عباس والحسن وقتادة. والثاني - قال مجاهد: هو مثل الخزف الذي يصلصل. وقال مجاهد: الصلصال المنتن - في رواية عنه - مشتق من صل اللحم وأصلّ إِذا انتن، والاول اقوى، لقوله تعالى {أية : خلق الإنسان من صلصال كالفخار}تفسير : وما يبس كالفخار فليس بمنتن، وقال الفراء: الصلصال طين الحرار إِذا خلط بالرمل اذا جفّ كان صلصالاً، واذا طبخ كان فخاراً، والصلصلة القعقعة، وهي صوت شديد متردد في الهواء كصوت الرعد، يقال لصوت الرعد صلصلة، وللثوب الجديد قعقعة، واصل الصلصلة الصوت يقال: صلّ يصلّ وهو صليل اذا صوّت، قال الشاعر: شعر : رجعت الى صدر كجرَّة حنتم إِذا فرغت صفراً من الماء صلّت تفسير : وقيل: خلق آدم على صورة الانسان من طين، ثم ترك حتى جف، فكانت الريح اذا مرت به سمع له صلصلة. وقوله {من حمإٍ مسنون} فالحمأ جمع حمأة، وهو الطين المتغير الى السواد، يقال: حمئت البئر وأحمأتها أنا اذا بلغت الحمأة. وقيل في معنى (المسنون) قولان: احدهما - المصبوب من قولهم: سننت الماء على الوجه وغيره اذا صببته، وعن ابن عباس: انه الرطب، فعلى هذا يكون رطباً مصبوباً ثم يبس فيصير كالفخار. الثاني - انه المتغير، من قولهم: سننت الحديدة على المسن اذا غيرتها بالتحديد، والأصل الاستمرار في جهة، من قولهم هو على سنن واحد. ومعنى قوله {والجان خلقناه من قبل} المراد به ابليس، خلقه الله قبل آدم - في قول الحسن وقتادة - {من نار السموم} اي من النار الحارة. وقال عبد الله: هذه السموم جزء من سبعين جزء من السموم التي خرج منها الجان، وهو مأخوذ من دخولها بلطفها في مسام البدن ومنه السم القاتل، يقال: سم يومنا يسم سموماً اذا هبت له ريح السموم.
الجنابذي
تفسير : ذكروا لتلك الكلمات معانى اوجهها ان يكون المراد بالصّلصال الشّيء المنتن، والحمأ الطّين الاسود لطول مجاورته للماء، شبّه النّطفة بالحمأ لانّه يبقى فى العروق واوعية المنىّ مدّة طويلة كالطّين الاسود فى الانهار، والمسنون المصبوب لانّها تصبّ فى الرّحم.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ} آدم وسمى من أنس الشىء بمعنى ظهر للبصر أو من أنس ضد الوحشة أو من نسى {مِن صَلْصَالٍ} طين يابس تسمع له صلصلة أى صوت إذا نقر كالذى يكون لأَثر الماء المجتمع قال ابن عباس الطين الحر الطيب الذى إذا صب عليه الماء تشقق وإِذا تحرك تقعقع وعنه التراب الطيب الذى يقع عليه الماء ثم ينحسر فيتشقق ويصير مثل الخزف وقال الكسائى ومجاهد الطين المنتن من قولك صل اللحم إِذا نتن، تضعيفه صلصل {مِّنْ حَمَإٍ} طين تغير واسود من طول مجاورة الماء متعلق بمحذوف نعت لصلصال أو بدل من قوله من صلصال بدل كل {مَّسْنُونٍ} مصور من سنه الوجه بضم السين وتشديد النون مفتوحة بمعنى صورة الوجه، وقال أبو عبيدة مصبوب من السنن بمعنى الصب كأَنه مصبوب فى قالب لييبس ويتصور كما هو كما يصب ما يذاب من الفضة فى قالب ليتصور وفسر ابن عباس ومعمر الحمأَ بالتراب المنتن المستل والمسنون بالمتغير وفسر مجاهد وقتادة الحمأَ بالمنتن المتغير ويجمع ذلك أنه قبضة من تراب بلت بالماء حتى أنتنت واسودت وتيبست حتى كان يتصلصل إِذا نقر أو يتصلصل بدخول الريح فيه، وكان أجوف. وعن ابن عباس خلق من طين لازب وهو اللازق الجيد ومن صلصال ومن حمأ مسنون وإِذا لم نفسر الصلصال ولا الحمأَ بالمنتن جاز تفسير المسنون بالمنتن من سنة الحجر بالحجر إِذا حككته به فإِن ما يسيل بينهما يكون مثلنا ويسمى السنين، وروى أنه خلق من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأَحمر والأَسود والسهل والخشن.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ} أي هذا النوع بأن خلقنا أصله وأول فرد من أفراده خلقاً بديعاً منطوياً على خلق سائر أفراده انطواءً إجمالياً. {مِن صَلْصَـٰلٍ} أي طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر. أخرجه ابن أبـي حاتم عن قتادة ونقله في «الدر المصون» عن أبـي عبيدة ونقل عنه أبو حيان أنه قال: هو الطين المخلوط بالرمل وهو رواية عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه أنه الطين المرقق الذي يصنع منه الفخار، وفي أخرى نحو الأول، وقيل: هو من صلصل إذ أنتن تضعيف صل يقال: صل اللحم وأصل إذا أنتن وهذا النوع من المضعف مصدر يفتح أوله ويكسر كالزلزال ووزنه عند جمهور البصريين فعلال، وقال الفراء: وكثير من النحويين فعفع كررت الفاء والعين ولا لام، وغلطهم في «الدر المصون» لأن أقل الأصول ثلاثة فاء وعين ولام، وقال بعض البصريين والكوفيين: فعفل ونسب أيضاً إلى الفراء بل قيل هو المشهور عنه، وعن بعض آخر من الكوفيين أن وزنه فعل بتشديد العين والأصل صلل مثلاً فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس الفاء، وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث كلملم وكبكب فإنك تقول لم وكب فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع، وقال اليمني: ليس معنى قولهم: إن الأصل صلل أنه زيد فيه صاد بل هو رباعي كزلزل والاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي أن يكون منه إذ الدليل دال على أن الفاء لا تزاد لكن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى، وذكر في «البحر» أن صلصال بمعنى مصلصل كالقضاض بمعنى المقضقض فهو مصدر بمعنى الوصف ومثله كثير. {مّنْ حَمَإٍ} من طين تغير واسود من مجاورة الماء ويقال للواحدة حمأة، قال الليث: بتحريك الميم ووهم في ذلك وقالوا: لا نعرف الحمأة في كلام العرب إلا ساكنة الميم وعلى هذا أبو عبيدة والأكثرون، والجار والمجرور في موضع الصفة لصلصال كما هو السنة الشائعة في الجار والمجرور بعد النكرة أي من صلصال كائن من حمإ، وقال الحوفي: هو بدل مما قبله بإعادة الجار فكأنه قيل خلقناه من حمإ {مَّسْنُونٍ}/ أي مصور من سنة الوجه وهي صورته، وأنشد لذلك ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبـي صلى الله عليه وسلم:شعر : أغر كأن البدر سنة وجهه جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا تفسير : وأنشد غيره قول ذي الرمة:شعر : تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب تفسير : أو مصبوب من سن الماء صبه ويقال شن بالشين أيضاً أي مفرغ على هيئة الإنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب، وقال قتادة ومعمر: المسنون المنتن، قيل: وهو من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل بينهما سنين ولا يكون إلا منتناً، وقيل: هو من سننت الحديدة على المسن إذا غيرتها بالتحديد، وأصله الاستمرار في جهة من قولهم: هو على سنن واحد وهو صفة لحمإ، ويجوز أن يكون صفة لصلصال ولا ضير في تقدم الصفة الغير الصريحة على الصريحة، فقد قال الرضي: إذا وصفت النكرة بمفرد أو ظرف أو جملة قدم المفرد في الأغلب وليس بواجب خلافاً لبعضهم، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [الأنبياء: 50] لكنه يحتاج إلى نكتة لا سيما في كلام الله تعالى لأنه لا يعدل عن الأصل لغير مقتض، ولعل النكتة هٰهنا مناسبة المقدم لما قبله في أن كلاً منهما من جنس المادة، وقيل: إنما أخرت الصفة الصريحة تنبيهاً على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالاً بل في حال كونه حمأ كأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صوت ثم غيره طوراً بعد طور حتى نفخ فيه من روحه فتبارك الله أحسن الخالقين، وقيل: المسنون المنسوب أي نسب إليه ذريته وهو كما ترى.
سيد قطب
تفسير : هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى: قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملهما الأصيلة. قصة آدم. مم خلق؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه؟ ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلفت الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف. تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث؛ في الأشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها: ففي سورة البقرة سبقها في السياق: {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم }.. تفسير : وفي سورة الأعراف سبقها: {أية : ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون }.. تفسير : وهنا سبقها: {أية : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين }.. تفسير : ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض.. في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق لله للناس ما فيها جميعاً: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}..تفسير : ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره:{أية : وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هـؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟}..تفسير : ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وأخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافه فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما.. وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلاً باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر.. وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، و عتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعاً للعمل في أرض المعركة الكبرى: {أية : قال: اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال: فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون}..تفسير : ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار: {أية : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا: إن الله حرمهما على الكافرين}.. تفسير : وأسدل الستار.. فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافاً من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدنون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.. فلنمض إلى مشاهد القصة في هذا المجال: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم}.. وفي هذا الافتتاح يقرر اختلاف الطبيعتين بين الصلصال ـ وهو الطين اليابس الذي يصلصل عند نقره، المتخذ من الطين الرطب الآسن ـ والنار الموسومة بأنها شعواء سامة.. نار السموم.. وفيما بعد سنعلم أن طبيعة الإنسان قد دخل فيها عنصر جديد هو النفخة من روح الله، أما طبيعة الشيطان فبقيت نار السموم. {وإذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. قال: يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين؟ قال: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. قال: فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين}.. وإذ قال ربك للملائكة.. متى قال؟، وأين قال؟ وكيف قال؟ كل أولئك قد أجبنا عنه في سورة البقرة في الجزء الأول من هذه الظلال. إنه لا سبيل إلى الإجابة، لأنه ليس لدينا نص يجيب. وليس لنا من سبيل إلى ذلك الغيب إلا بنص، وكل ما عدا ذلك ضرب في التيه بلا دليل. فأما خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون والنفخ فيه من روح الله فكيف كان؟ فهو كذلك ما لا ندري كيفيته، ولا سبيل إلى تحديد هذه الكيفية بحال من الأحوال. وقد يقال بالإحالة إلى نصوص القرآن الأخرى في هذه القضية، وبخاصة قوله: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. وقوله: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ماء مهين. أن أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض؛ ومن عناصره الرئيسية التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين. وأن هنالك أطواراً بين الطين والإنسان تشير إليها كلمة {سلالة}. وإلى هنا وتنتهي دلالة النصوص، فكل زيادة تحمل عليها ضرب من التحمل ليس القرآن في حاجة إليه. وللبحث العلمي أن يمضي في طريقه بوسائله الميسرة له، فيصل إلى ما يصل إليه من فروض ونظريات، يحقق منها ما يجد إلى تحقيقه سبيلا مضمونة، ويبدل منها ما لا يثبت على البحث والتمحيص. غير متعارض في أية نتيجة يحققها مع الحقيقة الأولية التي ضمنها القرآن؛ وهي ابتداء خلق هذه السلالة من عناصر الطين ودخول الماء في تركيبها على وجه اليقين. فأما كيف ارتقى هذا الطين من طبيعته العنصرية المعروفة إلى أفق الحياة العضوية أولا، وإلى أفق الحياة الإنسانية أخيرا؟ فهنا السر الذي يعجز عن تعليله البشر أجمعون. وما يزال سر الحياة في الخلية الأولى خافيا لا يزعم أحد أنه اهتدى إليه. فأما سر الحياة الإنسانية العليا بما فيها من مدارك وإشراقات وطاقات متميزة على الخلائق الحيوانية جميعا، تفوقاً حاسماً فاصلا منذ بدء ظهور الإنسان. فأما هذا السر فما تزال النظريات تخبط حوله ولا تملك الآن أن تنكر تفرد الإنسان بخصائصه منذ نشأته كما أنها لا تملك أن تثبت الصلة المباشرة بينه وبين أي كائن قبله، مما يزعم بعضها أن الإنسان "تطور" عنه كما أنها لا تملك نفي الاحتمال الآخر: وهو نشأة الأجناس منفصلة منذ البدء ـ وإن كان بعضها أرقى من بعض ـ ثم نشأة هذا الإنسان متفرداً منذ البدء ايضاً. والقرآن الكريم يفسر لنا ذلك التفرد، هذا التفسير المجمل الواضح البسيط: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي...} فهي روح الله تنقل هذا التكوين العضوي الوضيع إلى ذلك الأفق الإنساني الكريم، منذ بدء التكوين، وتجعله ذلك الخلق المتفرد الذي توكل إليه الخلائق في الأرض بحكم تفرد خصائصه منذ بدء التكوين. كيف؟.. ومتى كان نطاق هذا المخلوق الإنساني أن يدرك كيف يفعل الخالق العظيم؟ وهنا نصل إلى الأرض الصلبة التي نستوي عليها مطمئنين.. لقد كان خلق الشيطان ـ من قبل ـ من نار السموم. فهو سابق إذن للإنسان في الخلق. هذا ما نعلمه. أما كيف هو وكيف كان خلقه. فذلك شأن آخر. ليس لنا أن نخوض فيه. إنما ندرك من صفاته بعض صفات نار السموم. ندرك من صفاته التأثير في عناصر الطين بحكم أنه من النار. والأذى والمسارعة فيه بحكم أنها نار السموم. ثم تنكشف لنا من ثنايا القصة صفة الغرور والاستكبار. وهي ليست بعيدة في التصور عن طبيعة النار! ولقد كان خلق الإنسان من عناصر هذا الطين اللزج المتحول إلى صلصال؛ ثم من النفخة العلوية التي فرقت بينه وبين سائر الأحياء؛ ومنحته خصائصه الإنسانية، التي أفردته منذ نشأته عن كل الكائنات الحية؛ فسلك طريقاً غير طريقها منذ الابتداء. بينما بقيت هي في مستواها الحيواني لا تتعداه! هذه النفخة التي تصله بالملأ الأعلى؛ وتجعله أهلاً للاتصال بالله، وللتلقي عنه؛ ولتجاوز النطاق المادي الذي تتعامل فيه العضلات والحواس، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول. والتي تمنحه ذلك السر الخفي الذي يسرب به وراء الزمان والمكان، ووراء طاقة العضلات والحواس، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصورات غير محدودة في بعض الأحيان. ذلك كله مع ثقلة الطين في طبعه، ومع خضوعه لضرورات الطين وحاجاته: من طعام وشراب ولباس وشهوات ونزوات. ومن ضعف وقصور وما ينشئه الضعف والقصور من تصورات ونزعات وحركات.. هذا مع أن هذا الكائن "مركّب" منذ البدء من هذين الأفقين اللذين لا ينفصلان فيه. طبيعته طبيعة "المركّب" لا طبيعة "المخلوط" أو "الممزوج!" ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة ودقة تصورها كلما تحدثنا عن تركيب الإنسان من الطين ومن النفخة العلوية التي جعلت منه هذا المخلوق الفريد التكوين.. إنه لا انفصال بين هذين الأفقين في تكوينه، ولا تصرف لأحدهما بدون الآخر في حالة واحدة من حالاته. إنه لا يكون طيناً خالصاً في لحظة، ولا يكون روحاً خالصاً في لحظة؛ ولا يتصرف تصرفاً واحداً إلا بحكم تركيبه الذي لا يقع فيه الانفصال! والتوازن بين خصائص العناصر الطينية فيه والعناصر العلوية هو الأفق الأعلى الذي يطلب إليه ان يبلغه، وهو الكمال البشري المقدر له. فليس مطلوباً منه أن يتخلى عن طبيعة أحد عنصريه ومطالبه ليكون مَلَكا أو ليكون حيوانا. وليس واحد منهما هو الكمال المنشود للإنسان. والارتفاع الذي يخل بالتوازن المطلق نقص بالقياس إلى هذا المخلوق وخصائصه الأصيلة، والحكمة التي من أجلها خلق على هذا النحو الخاص. والذي يحاول أن يعطل طاقاته الجسدية الحيوية هو كالذي يحاول أن يعطل طاقاته الروحية الطليقة.. كلاهما يخرج على سواء فطرته؛ ويريد من نفسه ما لم يرده الخالق له. وكلاهما يدمر نفسه بتدمير ذلك المركب في كيانها الأصيل. وهو محاسب أمام الله على هذا التدمير. من أجل هذا أنكر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من أراد أن يترهبن فلا يقرب النساء، ومن أراد أن يصوم الدهر فلا يفطر، ومن أراد أن يقوم الليل فلا ينام. انكر عليهم كما ورد في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقال:"حديث : فمن رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : وقد أقام الإسلام شريعته للإنسان على أساس تكوينه ذاك؛ وأقام له عليها نظاماً بشرياً لا تدمر فيه طاقة واحدة من طاقات البشر. إنما قصارى هذا النظام أن يحقق التوازن بين هذه الطاقات، لتعمل جميعها في غير طغيان ولا ضعف؛ ولا اعتداء من إحداها على الأخرى. فكل اعتداء يقابله تعطيل. وكل طغيان يقابله تدمير. والإنسان حفيظ على خصائص فطرته ومسؤول عنها أمام الله. والنظام الذي يقيمه الإسلام للناس حفيظ على هذه الخصائص التي لم يهبها الله جزافا للإنسان. والذي يريد قتل النوازع الفظرية الحيوانية في الإنسان يدمر كيانه المتفرد. ومثله الذي يريد قتل النوازع الفطرية الخاصة بالإنسان دون الحيوان من الاعتقاد في الله والإيمان بالغيب الذي هو من خصائص الإنسان.. والذي يسلب الناس عقائدهم يدمر كينونتهم البشرية، كالذي يسلب الناس طعامهم وشرابهم ومطالبهم الحيوية سواء.. كلاهما عدو "للإنسان" يجب أن يطارده كما يطارد الشيطان! إن الإنسان حيوان وزيادة.. فله مثل مطالب الحيوان، وله ما يقابل هذه الزيادة. وليست هذه المطالب دون هذه هي "المطالب الأساسية" كما يزعم اعداء الإنسان من أصحاب المذاهب المادية "العلمية". هذه بعض الخواطر التي تطلقها في النفس حقيقة تكوين الإنسان، كما يقررها القرآن. نمر بها سراعا، حتى لا نوقف تدفق النص القرآني في عرض مشاهد القصة الكبرى، راجين أن نعود إليها ببعض التعقيبات في نهايتها: لقد قال الله للملائكة: {إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}.. وقد كان ما قاله الله. فقوله ـ تعالى ـ إرادة. وتوجه الإرادة ينشئ المراد. ولا نملك أن نسأل كيف تلبست نفخة الله الأزلي الباقي بالصلصال المخلوق الفاني. فالجدل على هذا النحو عبث عقلي. بل عبث بالعقل ذاته، وخروج به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم. وكل ما ثار من الجدل حول هذا الموضوع وكل ما يثور إن هو إلا جهل بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده، وإقحام له في غير ميدانه، ليقيس عمل الخالق إلى مدركات الإنسان، وهو سفه في إنفاق الطاقة العقلية، وخطأ في المنهج من الأساس. إنه يقول: كيف يتلبس الخالد بالفاني، وكيف يتلبس الأزلي بالحادث؟ ثم ينكر أو يثبت ويعلل! بينما العقل الإنساني ليس مدعواً أصلاً للفصل في الموضوع. لأن الله يقول: إن هذا قد كان. ولا يقول: كيف كان. فالأمر إذن ثابت ولا يملك العقل البشري أن ينفيه. وكذلك هو لا يملك أن يثبته بتفسير من عنده - غير التسليم بالنص - لأنه لا يملك وسائل الحكم. فهو حادث. والحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في ذاته، ولا على الأزلي في خلقه للحادث. وتسليم العقل ابتداء بهذه البديهية أو القضية ـ وهي أن الحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في أي صورة من صوره. يكفي ليكف العقل عن إنفاق طاقته سفها في غير مجاله المأمون. فلننظر بعد ذلك ماذا كان: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون}.. كما هي طبيعة هذا الخلق ـ الملائكة ـ الطاعة المطلقة بلا جدل أو تعويق. {إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين}.. وإبليس خلق آخر غير الملائكة. فهو من نار وهم من نور. وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وهو أبى وعصى. فليس هو من الملائكة بيقين. أما الاستثناء هنا فليس على وجهه. إنما هو كما تقول: حضر بنوفلان إلا أحمد. وليس منهم. إنما هو معهم في كل مكان أو ملابسة. وأما أن الأمر المذكور للملائكة: {وإذ قال ربك للملائكة}.. فكيف شمل إبليس؟ فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده، وقد ذكر صريحاً في سورة الأعراف: {أية : قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟}..تفسير : وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع. فقول الله تعالى له: {أية : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟}..تفسير : قاطع في أن الأمر قد صدر له. وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة. فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما. وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف. ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة. وهذا ما نختاره. وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص. لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال. {قال: يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين؟ قال: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون}.. وصرحت طبيعة الغرور والاستكبار والعصيان في ذلك المخلوق من نار السموم. وذكر إبليس الصلصال والحمأ، ولم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا الطين. وتشامخ برأسه المغرور يقول: إنه ليس من شأنه في عظمته أن يسجد لبشر خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون!. وكان ما ينبغي أن يكون: {قال: فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين}.. جزاء العصيان والشرود: عندئذ تتبدى خليقة الحقد وخليقة الشر: {قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}.. لقد طلب النظرة إلى يوم البعث، لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم، ولا ليتوب إلى الله ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم. ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه الله وطرده. يربط لعنة الله له بآدم، ولا يربطها بعصيانه لله في تبجح نكير! {قال: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين}.. وبذلك حدد إبليس ساحة المعركة. إنها الأرض: {لأزينن لهم في الأرض}.. وحدد عدته فيها إنه التزين. تزيين القبيح وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه. وهكذا لا يجترح الإنسان الشر إلا وعليه من الشيطان مسحة تزينه وتجمله، وتظهره في غير حقيقته وردائه. فليفطن الناس إلى عدة الشيطان؛ وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينا، وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء. ليحذروا فقد يكون الشيطان هناك. إلا أن يتصلوا بالله ويعبدوه حق عبادته، فليس للشيطان ـ بشرطه هو ـ على عباد الله المخلصين من سبيل: {ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين}.. والله يستخلص لنفسه من عباده من يخلص نفسه لله، ويجردها له وحده، ويعبده كأنه يراه. وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان. هذا الشرط الذي قرره إبليس ـ اللعين ـ قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه، لأنه سنة الله.. أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه، وأن يحميه ويرعاه.. ومن ثم كان الجواب: {هذا صراط عليّ مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. إلا من اتبعك من الغاوين}.. هذا صراط. هذا ناموس. هذه سنة. وهي السنة التي إرتضتها الإرادة قانونا وحكما في الهدى والضلال. {إن عبادي} المخلصين لي ليس لك عليهم سلطان، ولا لك فيهم تأثير، ولا تملك أن تزين لهم لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حمى، ولأن مداخلك إلى نفوسهم مغلقة، وهم يعلقون أبصارهم بالله، ويدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى الله. إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين. فهو استثناء مقطوع لأن الغاوين ليسوا جزاء من عباد الله المخلصين. إن الشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع. فأما من يخلصون أنفسهم لله، فالله لا يتركهم للضياع. ورحمة الله أوسع ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب! فأما العاقبة. عاقبة الغاوين. فهي معلنة في الساحة منذ البدء: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم}. فهولاء الغاوون صنوف ودرجات. والغواية ألوان وأشكال. ولكل باب منهم جزء مقسوم، بحسب ما يكونون وما يعملون. وينتهي المشهد وقد وصل السياق بالقصة إلى نقطة التركيز وموضع العبرة. ووضح كيف يسلك الشيطان طريقه إلى النفوس. وكيف تغلب خصائص الطين في الإنسان على خصائص النفخة. أما من يتصل بالله ويحتفظ بنفخة روحه فلا سلطان عليه للشيطان.. وبمناسبة ذكر مصير الغاوين يذكر مصير المخلصين: {إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}. والمتقون هم الذين يرقبون الله ويقون أنفسهم عذابه وأسبابه. ولعل العيون في الجنات تقابل في المشهد تلك الأبواب في جهنم. وهم يدخلون الجنات بسلام آمنين في مقابل الخوف والفزع هناك. ونزعنا ما في صدورهم من غل، في مقابل الحقد الذي يغلي به صدر إبليس فيما سلف من السياق. لا يمسهم فيها نصب ولا يخافون منها خروجا. جزاء ما خافوا في الأرض واتقوا فاستحقوا المقام المطمئن الآمن في جوار الله الكريم.... وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى ـ كما تعرض في هذا السياق القرآني ـ تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك ان نستطرد فيها ـ في ظلال القرآن ـ فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة: * أن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعاً ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في "الحياة" مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة. هذه الخاصية ـ كما يلهم النص القرآني ـ لم تجئ للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته ـ كما تزعم الدارونية ـ ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجئ على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حيّ من الأحياء ـ بلا روح إنساني خاص ـ ثم دخلته هذه الروح، فصار بها وهو هذا الإنسان! ولقد اضطرت الدارونية الحديثة ـ على يد جوليان هاكسلي ـ أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة؛ وهي تقرر "تفرد الإنسان" من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية.. ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان! والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية ـ قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان ـ ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع ـ غير العلمي ـ الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة "العلمية" عليه لغرض في نفوسهم؛ ولغاية في مخططاتهم! ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الضلال؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك: "وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي "الإنساني" كان ترقياً في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقياً في "وجود" الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية. "ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيباً زمنياً ـ بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والإرتقاء ـ هو مجرد نظرية "ظنية" وليست "يقينية" لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدّلها أو تغيرها! "على أنه ـ على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور ـ ليس هناك ما يمنع من وجود "أنواع" من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة (وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة)... ولكن هذا لا "يحتم" أن يكون بعضها "متطورا" من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت ـ في يقين مقطوع به ـ أن هذا النوع تطور تطوراً عضوياً من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية ـ وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها ـ ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعاً أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من ان الظروف السائدة في الأرض كانت تسمح بوجود هذا النوع. فلما تغيرت صارت صالحة لنشأة نوع آخر، فنشأ. ومساعدة على انقراض النوع الذي كان عائشا من قبل في الظروف الأخرى، فانقرض. وعندئذ تكون نشأة النوع الأنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع.. وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية. "وتفرد الإنسان من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون ـ وفيهم الملحدون بالله كلية ـ للاعتراف به، دليل مرجح (في مجال البحوث الإنسانية) على تفرد النشأة الإنسانية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي". * هذه النشأة المتفردة للإنسان، باحتوائها على هذه الخاصية المنشئة للوجود الأنساني المستقل.. خاصية النفخة من روح الله.. تجعل النظرة إلى هذا الأنسان و "مطالبه الأساسية" تختلف اختلافاً أصيلا عن نظرة المذاهب المادية، بكل إفرازاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكل إفرازاتها في التصورات والقيم التي ينبغي أن تسود الحياة الإنسانية. إن الزعم بأن الإنسان مجرد حيوان متطور عن حيوان! هي التي جعلت الإعلان الماركسي يذكر أن مطالب الإنسان الأساسية هي الطعام والشراب والمسكن والجنس! فهذه فعلاً هي مطالب الحيوان الأساسية! ولا يكون الإنسان في وضع أحقر مما يكون وفق هذه النظرة! ومن ثم تهدر كل حقوقه المترتبة على تفرده عن الحيوان بخصائصه الإنسانية.. تهدر حقوقه في الاعتقاد الديني. وتهدر حقوقه في حرية التفكير والرأي. وتهدر حقوقه في اختيار نوع العمل، ومكان الإقامة. وتهدر حقوقه في نقد النظام السائد وأسسه الفكرية والمذهبية. بل تهدر حقوقه في نقد تصرفات "الحزب" ومن هم أقل من الحزب من الحكام المتسلطين في تلك الأنظمة البغيضة، التي تحشر الأناسي حشراً، وتسوقهم سوقاً، لأن هؤلاء "الأناسيّ" وفق الفلسفة المادية ليسوا سوى نوع من الحيوان تطور عن حيوان!.. ثم يسمى ذلك النكد كله: "الاشتراكية العلمية"! فأما النظرة الإسلامية إلى "الإنسان" ـ وهي تقوم على أساس تفرده بخصائصه الإنسانية إلى جانب ما يشارك فيه الحيوان من التكوين العضوي - فإنها منذ اللحظة الأولى تعتبر أن مطالب الإنسان الأساسية مختلفة وزائدة عن مطالب الحيوان الأساسية. فليس الطعام والشراب والمسكن والجنس هي كل مطالبه الأساسية. وليس ما وراءها من مطالب العقل والروح مطالب ثانوية!.. إن العقيدة وحرية التفكير والإرادة والاختيار هي مطالب أساسية كالطعام والشراب والمسكن والجنس.. بل هي أعلى منها في الاعتبار؛ لأنها هي المطالب الزائدة في الإنسان على الحيوان. أي المطالب المتعلقة بخصائصه التي تقرر إنسانيته! والتي بإهدارها تهدر آدميته! ومن ثم لا يجوز أن تهدر في النظام الإسلامي حرية الاعتقاد والتفكير والاختيار في سبيل "الإنتاج" وتوفير الطعام والشراب والمسكن والجنس للآدميين! كما لا يجوز أن تهدر القيم الاخلاقية ـ كما يقررها الله للإنسان لا كما يقررها العرف والبيئة والاقتصاد ـ في سبيل توفير تلك المطالب الحيوانية.. إنهما نظرتان مختلفتان من الأساس في تقييم "الإنسان" و "مطالبه الأساسية".. ومن ثم لا يمكن الجمع بينهما في نظام واحد على الإطلاق! فإما الإسلام، وإما المذاهب المادية بكل ما تفرزه من إفرازات نكدة.. بما فيها ما يسمونه هناك: "الاشتراكية العلمية" فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله. * والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله ـ أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام ـ فأما الذين يدينون له وحده ـ أي يعبدونه وحده ـ فليس للشيطان عليهم من سلطان.. {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}.. ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون؛ وبين الاتجاة إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده ـ التي يعبر عنها في القرآن دائماً بالعبادة ـ أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة. والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين. إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصاً بالاعتقاد والتصور. أو خاصاً بالشعائر والمناسك. أو خاصاً بالشرائع والقوانين. أو خاصاً بالقيم والموازين.. فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان. ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان! * وأخيراً نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين: {إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}.. إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض؛ ولا تحويلهم خلقاً آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غلٌّ في الدنيا؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله ـ وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟ ـ ولكنهم في الجنة ـ قد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا ـ ينزع أصل الإحساس بالغل من صدروهم؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود.. إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، ما دام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..
ابن عاشور
تفسير : تكملة لإقامة الدليل على انفراده تعالى بخلق أجناس العوالم وما فيها. ومنه يتخلص إلى التذكير بعداوة الشيطان للبشر ليأخذوا حذرهم منه ويحاسبوا أنفسهم على ما يخامرها من وَسْواسه بما يرديهم. جاء بمناسبة ذكر الإحياء والإماتة فإن أهم الإحياء هو إيجاد النوع الإنساني. ففي هذا الخبر استدلال على عظيم القدرة والحكمة وعلى إمكان البعث، وموعظةٌ وذكرى. والمراد بالإنسان آدم ــــ عليه السلام ــــ. والصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفَخّار؛ إلا أن الفَخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار. قال تعالى: {أية : خلق الإنسان من صلصال كالفخار} تفسير : [سورة الرحمن: 14]. والحَمأ: الطين إذا اسودّ وكرهت رائحته. وقوله: {من حمإ} صفة لــــ{صلصال} و{مسنون} صفة لــــ{حمإ} أو لــــ{صلصال}. وإذ كان الصلصال من الحمأ فصفة أحدهما صفة للآخر. والمسنون: الذي طالت مدة مكثه، وهواسم مفعول من فعل سنّهُ إذا تركه مدة طويلة تشبه السّنة. وأحسب أن فعل (سَن) بمعنى ترك شيئاً مدة طويلة غيرُ مسموع. ولعل (تَسَنّه) بمعنى تغيّر من طول المدّة أصله مطاوع سَنه ثم تنوسي منه معنى المطاوعة. وقد تقدم قوله تعالى {أية : لم يتسنّه} تفسير : في سورة البقرة (259). والمقصود من ذكر هذه الأشياء التنبيه على عجيب صنع الله تعالى إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعاً هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة. وفيه إشارة إلى أن ماهية الحياة تتقوم من الترابية والرطوبة والتعفن، وهو يعطي حرارة ضعيفة. ولذلك تنشأ في الأجرام المتعفّنة حيوانات مثل الدود، ولذلك أيضاً تنشأ في الأمزجة المتعفّنة الحمى. وفيه إشارة إلى الأطوار التي مرّت على مادة خلق الإنسان. وتوكيد الجملة بلام القسم وبحرف (قد) لزيادة التحْقيق تنبيهاً على أهميّة هذا الخلق وأنه بهذه الصفة. وعطف جملة {والجانّ خلقناه} إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجُند إبليس. وأكدت جملة {والجان خلقناه} بصيغة الاشتغال التي هي تقوية للفعل بتقدير نظيره المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال ثم التفصيل لمثل الغرض الّذي أكدت به جملة {ولقد خلقنا الإنسان} الخ. وفائدة قوله: {من قبل} أي من قبل خلق الإنسان تعليم أن خلق الجانّ أسبق لأنّه مخلوق من عنصر الحرارة والحرارة أسبق من الرطوبة. و{السموم} ــــ بفتح السين ــــ: الريح الحارة. فالجنّ مخلوق من النارية والهوائية ليحصل الاعتدال في الحرارة فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجنّ، فكما كَوّن الله الحمأةَ الصلصالَ المسنونَ لخلق الإنسان، كَون ريحاً حارة وجعل منها الجنّ. فهو مكون من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان ومن تهوية قويّة. والحكمة كلّها في إتقان المزج والتركيب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حمأ مسنون والصلصال الطين اليابس الذي يصل أي يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار، وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة، والحمأ: الطين الأسود المتغير والمسنون. قيل: المصور من سنة الوجه وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة: شعر : تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن معنى المسنون وأجابه بأن معناه المصور قال له: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال له ابن عباس: نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : أغر كأن البدر سنة وجهه جلا الغيم عنه ضوءه فتبددا تفسير : وقيل المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها وقيل المسنون المنتن وقال بعض العلماء المسنون الأملس قال ومنه قول عبد الرحمن بن حسان: شعر : ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء تمشي في مرمر مسنون تفسير : أي أملس صقيل قاله ابن كثير وقال مجاهد الصلصال هو المنتن وما قدمنا هو الحق بدليل قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} تفسير : [الرحمن: 14] إذا عرفت هذا فاعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم فبين أنه أولاً تراب بقوله: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] وقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ}تفسير : [غافر: 67] الآية إلى غير ذلك من الآيات ثم أشار إلى أن ذلك التراب بل فصار طيناً يعلق بالأيدي في مواضع أخر كقوله: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} تفسير : [الصافات: 11] وقوله{أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] وقوله: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} تفسير : [السجدة: 7] إلى غير ذلك من الآيات وبين أن ذلك الطين أسود وأنه متغير بقوله هنا {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] وبين أيضاً أنه يبس حتى صار صلصلاً أي تسمع له صلصة من يبسه بقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} تفسير : [الحجر: 26] الآية وقوله: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} تفسير : [الرحمن: 14] الآية والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {ولقد خلقنا الإنسان} آدم {من صلصال} طينٍ منتنٍ {من حمأ} طينٍ أسود {مسنون} متغيِّر الرَّائحة. {والجانَّ} أبا الجنِّ {خلقناه من قبل} خَلْقِ آدم {من نار السموم} وهي نارٌ لا دخان لها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد خلقنا الإنسان: أي آدم عليه السلام. من صلصال من حمإ مسنون: أي طين يابس له صلصلة من حمإ أي طين أسود متغير. من نار السموم: نار لا دخان لها تنفذ في المسام وهي ثقب الجلد البشري. فإذا سويته: أي أتممت خلقه. فقعوا له ساجدين: أي خِرّوا له ساجدين. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته. قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} أي آدم {مِن صَلْصَالٍ} أي طين يابس يسمع له صوت الصلصلة. {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} أي طين أسود متغير الريح، هذا مظهر من مظاهر القدرة والعلم، وقوله: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} من قبل خلق آدم والجان هو أبو الجن خلقناه {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} ونار السموم نار لا دخان لها تنفذ في مسام الجسم... وقوله {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} أي اذكر يا رسولنا إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم أي سجود تحيةٍ وتعظيم لا سجود عبادة لآدم، إذ المعبود هو الآمر المطاع وهو الله تعالى. فسجدوا {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} أي امتنع أن يكون مع الساجدين. وقوله: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي أيُ شيء حصل لك حتى امتنعت أن تكون من جملة الساجدين من الملائكة؟ فأظهر اللعين سبب امتناعه وهو حسده لآدم واستكباره، فقال {لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}. وفي الآيات التالية جواب الله تعالى ورده عليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أصل خلق الإِنسان وهو الطين، والجان وهو لهب النار. 2- فضل السجود، إذ أمر تعالى به الملائكة فسجدوا أجمعون الا إبليس. 3- ذم الحسد وأنه شر الذنوب وأكثرها ضرراً. 4- ذم الكبر وأنه عائق لصاحبه عن الكمال في الدنيا والسعادة في الآخرة. 5- فضل الطين على النار لأن من الطين خلق آدم ومن النار خلق إبليس.
القطان
تفسير : من صلصال: من طين يابس غير مطبوخ. من حمأ: طين اسود. مسنون: يمكن تصويره على هيئة الانسان، وله معنى آخر وهو المتغير. الجان: الجن وهم نوع من الخلق لا نراهم. نار السموم: النار الشديدة الحرارة. سويته: اتممت خلقه. نفخت فيه من روحي: جعلت فيه الحياة. بعد جولة طويلة في بيان تنزيل الذِكر، وتنزيلِ الملائكة، ورجْمِ الشياطين، وتنزيلِ الماء من السماء؛ ثم ذِكر ما في هذا الكون من مشاهدَ وعجائب كالسماء والكواكب والبروج والشهُب والأرض والجبال والنبات والرياح؛ وبعد ضربِ الأمثلة على المكابرة من الكفّار المعاندين- بعد هذا كِلّه يأتي الحديثُ عن قصة البشرية وخلْقِ الإنسان والجانّ بطبيعتين مختلفتين، وقصة الهدى والضلال. وقد عُرضت هذه القصةُ في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف، وفي كل مرة لها عَرْضٌ مخلتف وجوٌّ خاص، يلائم السياقَ ويتمشى مع الغرض المطلوب. وهنا يركز سبحانه على سِرّ التكوين في آدم، وسرّ الهدى والضلال وعوامِلهما الأصيلة في كيان الانسان: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}. نحن في خلْقِنا للعالمين في هذه الأرض خلقنا طبيعتين: خلَقْنا الانسان من طينٍ يابس يصلصل ويصوِّت عند نقرِه. {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} أما عالمُ الجن فقد خلقناه من قبلِ آدم من نار السَّموم الشديدةِ الحرارة. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}. أذكر ايها النبي إذ قال ربُّك للملائكة إني سأخلقُ بشَراً من طينِ هذه الارض. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}. فإذا اكملتُ خلْقه، وشرَّفتُه على سائر المخلوقات ونفختُ فيه من روحي، (وبهذه النفخة العلوية فرَّقتُ بينه وبينّ سائر الأحياء، ومنحتُه خصائصهَ الإنسانية، حيث تصِلُه بالملأ الاعلى، وتجعلُه أهلاً للاتصال بالله) فاسجُدوا له سجودَ تحيةٍ واكرام، لا سجودَ عبادةٍ.. فإن العبادةَ لله وحده. {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}. فسدوا جميعاً خاضعين لامرِ الله، الا إبليس رفض اني يسجُد واستكبر أن يكونَ مع الملائكة الآخرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {صَلْصَالٍ} {حَمَإٍ} (26) - وَلَقَدْ خَلَقْنَا آدَمَ أَبَا البَشَرِ مِنْ طِينٍ يَابِسٍ لَهُ صَلْصَلَةٌ إِذَا نُقِرَ بِاليَدِ (صَلْصَالٍ)، وَكَانَ قَبْلاً طِيناً رَطْباً (حَمَأٍ) مَُغَيِّرَ اللَّوْنِ مُسْوَدَّهُ (مَسْنُونٍ). صَلْصَالٍ - طِينٍ يَابِسٍ كَالفَخَّارِ. حَمَأٍ - طِينٍ أَسْوَدَ مُتَغَيِّرٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه يتكلّم هنا عن خَلْق الإنسان من بعد أن تكلم عن خَلْق الكون وما أعدَّه له فيه، وليستقبل الكون الخليفةَ لله؛ فيوضح أنه قد خلقه من الصَّلصال، وهو الطين اليابس. وجاء سبحانه بخبر الخَلْق في هذه السورة التي تضمنت خبر مَدِّ الأرض؛ ومَجِيء الرياح، وكيفية إنزال الماء من السماء؛ وكيف قَدَّر في الأرض الرزق، وجعل في الأرض رواسي، وجعل كُلّ شيء موزوناً. وهو سبحانه قد استهلَّ السورة بقوله: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الحجر: 1]. أي: أنه افتتح السورة بالكلام عن حارس القِيم للحركة الإنسانية؛ ثم تكلّم عن المادة التي منها الحياة؛ وبذلك شمل الحديثُ الكلامَ عن المُقوِّم الأساسي للقيم وهو القرآن، والكلام عن مُقوِّم المادة؛ وكان ذلك أمراً طبيعياً؛ ودَلّلْتُ عليه سابقاً بحديثي عن مُصمِّم أيّ جهاز من الأجهزة الحديثة؛ حيث يحدد أولاً الغرض منه؛ ثم يضع جدولاً وبرنامجاً لصيانة كل جهاز من تلك الأجهزة. وهكذا كان خَلْق الله للإنسان الذي شاء له سبحانه أن يكون خليفته في الأرض، ووضع له مُقوِّمات مادة ومُقوّمات قِيم؛ وجاء بالحديث عن مُقوِّمات القِيَم أولاً؛ لأنها ستمدّ حياة الإنسان لتكون حياة لا تنتهي، وهي الحياة في الدنيا والآخرة. وهذا القول يُوضِّح لنا أن آدم ليس هو أول من استعمر الأرض؛ بل كان هناك خَلْق من قَبْل آدم، فإذا حدَّثنا علماء الجيولوجيا والحفريات عن أن هناك ما يدل على وجود بعض من الكائنات المطمورة تثبت أنه كانت هناك حياة منذ خمسين ألف قرن من الزمان. فنحن نقول له: إن قولك صحيح. وحين يسمع البعض قَوْل هؤلاء العلماء يقولون: لا بُدَّ أن تلك الحيوانات كانت موجودة في زمن آدم عليه السلام، وهؤلاء يتجاهلون أن الحق سبحانه لم يَقُلْ لنا أن آدم هو أول مَنْ عَمَر الأرض، بل شاء سبحانه أن يخلقنا ويعطينا مهمة الاستخلاف في الأرض. والحق سبحانه هو القائل: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [فاطر: 16-17]. أي: أن خَلْق غيرنا أمر وارد، وكذلك الخَلْق من قبلنا أمرٌ وارد. ونعلم أن خَلْق آدم قد أخذ لقطاتٍ متعددة في القرآن الكريم؛ تُؤدّي في مجموعها إلى القصة بكل أحداثها وأركانها، ولم يكُنْ ذلك تكراراً في القرآن الكريم، ولكن جاء القرآن بكل لَقْطة في الموقع المناسب لها؛ ذلك أنه ليس كتاب تاريخ للبشر؛ بل كتاب قِيَم ومنهج، ويريد أن يُؤسّس في البشر القيم التي تحميهم وتصونهم من أيّ انحراف، ويريد أن يُربِّيَ فيهم المهابة. وقد تناول الحق سبحانه كيفية خَلْق الإنسان في الكثير من سُور القرآن: البقرة؛ الأعراف؛ الحجر؛ الإسراء؛ الكهف؛ وسورة ص. قال سبحانه - على سبيل المثال - في سورة البقرة: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 30]. وجاء هذا القول من الله للملائكة ساعةَ خَلْق الله لآدم، من قبل أن تبدأ مسألة نزول آدم للأرض. وقد أخذتْ مسألة خَلْق الإنسان جدلاً طويلاً من الذين يريدون أن يستدركوا على القرآن متسائلين: كيف يقول مرة: إن الإنسان مخلوق من ماء؛ ومرة من طين؛ ومرة من صلصال كالفخار؟ ونقول: إن ذلك كله حديث عن مراحل الخَلْق، وهو سبحانه أعلم بمَنْ خلق، كما خلق السماوات والأرض، ولم يُشهِد الحق أحداً من الخلق كيف خلق المخلوقات: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. ومن رحمته سبحانه أنه ترك في مُحسَّات الحياة وماديتها ما يُثبِت صِدْقه في غيبيّاته؛ فإذا قال مرّة: إنه خلق كل شيء من الماء؛ فهو صادق فيما قال؛ لأن الماء يُكوِّن أغلبَ الجسد البشري على سبيل المثال. وإذا أوضح أنه خلق الإنسان من طين، فالتراب إذا اختلط بالماء صار طيناً، وإذا مرّ على الطين وقتٌ صار صلصالاً، وإذا قال: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29]. وكُلُّ هذا من الأمور الغيبية؛ التي يشرحها لنا نقضُها في الواقع المادي الملموس، فحين يحدث الموت - وهو نَقْض الحياة - نجد الروح هي أول ما يخرج من الجسم؛ وكانت هي آخر ما دخل الجسم أثناء الخَلْق. ومن بعد ذلك تبدأ الحيوية في الرحيل عن الجثمان؛ فيتحول الجثمان إلى ما يشبه الصَّلْصال؛ ثم يتبخّر الماء من الجثمان؛ ليصير من بعد ذلك تراباً. وهكذا نشهد في الموت - نقض الحياة - كيفية بَدْء مراحل الخَلْق وهي معكوسة؛ فالماء أولاً ثم التراب؛ ثم الطين؛ ثم الصلصال الذي يشبه الحمأ المسنون؛ ثم نَفْخ الروح. وقد صدق الحق سبحانه حين أوضح لنا في النقيض المادي، ما أبلغنا عنه في العالم الغيب. وعلى ذلك - أيضاً - نجد أن الذين يضعون التكهنات بأن الشمس خُلِقَتْ قبل الأرض؛ وكانت الأرض جزءاً من الشمس ثم انفصلت عنها؛ على هؤلاء أن يعلموا أن ما يقولونه هو أمر لم يشاهدوه، وهي أمور لا يمكن أن يدرسها أحد في معمل تجريبي؛ وقد قال القرآن عن أهل هذا اللغو: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وهم قد أعانوا على تأكيد إعجازية القرآن الذي أسماهُم المُضلِّين؛ لأنهم يغوون الناس عن الحق إلى الباطل. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} فالصَّلصالُ: اليَابسُ الذي لَمْ تُصِبهُ نَارٌ. فإِذَا نُقِرَ صَلَّ: أي صَوَّتَ. والحَمأُ: الطِّينُ الأَسودُ المُتغيِّرَ. ومسنونٌ: معناه مُنتَنٌ.
الأندلسي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} الآية، لما نبه تعالى على منتهى الخلق وهو الحشر يوم القيامة إلى ما يستقرون فيه نبههم على مبدأ أصلهم آدم صلى الله عليه وسلم وما جرى لعدوه إبليس من المحاورة مع الله تعالى وتقدم شىء من هذه القصة في أوائل البقرة عقب ذكره الأمانة والاحياء والرجوع إليه تعالى، وفي الأعراف بعد ذكر يوم القيامة وذكر الموازين فيه وفي الكهف بعد ذكر الحشر، وكذا في سورة ص بعد ذكر ما أعد من الجنة والنار لخلقه فحيث ذكر منتهى هذا الخلق ذكر مبدأهم وقصته مع إبليس ليحذرهم من كيده ولينظر واما جرى له معه حتى أخرجه من الجنة التي هي مقر السعادة والراحة إلى الأرض التي هي مقر التكليف والتعب فيحترزوا من كيده. الصلصال، قال أبو عبيدة: الطين، إذا خلط بالرمل وجف والحماطين أسود منتن واحده حماة بتحريك الميم. وقال ابن عباس: المسنون الرطب، ومعناه المصبوب لأنه لا يكون مصبوباً إلا وهو رطب فكني عن المصبوب بوصفه لا أنه موضوع. والسموم قال ابن عباس: الريح الحارة التي تقتل وعنه نار لا دخان لها ومنها تكون الصواعق ومعنى. {سَوَّيْتُهُ} أكملت خلقه والتسوية عبارة عن الإِتقان وجعل أجزائه مستوية فيما خلقت له. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} أي خلقت الحياة فيه ولا نفخ هناك ولا منفوخ حقيقة وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يجيء به فيه وإضافة الروح إليه تعالى على سبيل التشريف نحو بيت الله وناقة الله أو الملك إذ هو المتصرف في الإِنشاء للروح والمودعها حيث يشاء. {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} أي اسقطوا على الأرض وحرف الجر محذوف من أن أي مالك في أن لا يكون وأي داع دعا بك إلى أبائك السجود ولا سجد اللام لام الجحود والمعنى لا يناسب حالي السجود له وفي البقرة نبه على العلة المانعة له وهي الاستكبار أي رأى نفسه أكبر من أن يسجد وفي الأعراف صرح بجهة الاستكبار وهي ادعاء الخيرية والأفضلية بادعاء المادة المخلوق منها كل منهما وهنا نبه على مادة آدم وحده وهنا فأخرج منها وفي الأعراف فاهبط منها وتقدم ذكر الخلاف فيما يعود عليه ضمير منها. و{بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} ما مصدرية وهنا أقسم بالاغواء وفي مكان آخر قال: فبعزتك فيكون ذلك في محاورتين. و{لأُزَيِّنَنَّ} جواب القسم. و{لَهُمْ} ضمير يعود على ما يفهم من الكلام وهم ذرية آدم صلى الله عليه وسلم. {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ} الإِشارة بهذا إلى ما تضمنه المخلصين من المصدر أي الإِخلاص الذي يكون في عبادي هو صراط مستقيم لا يسلكه أحد فيضل أو يزل لأن من اصطفيته أو أخلص لي العمل لا سبيل لك عليه قيل ولما قسم إبليس ذرية آدم إلى غاو ومخلص قال تعالى: (هذا أمر مصيره إلي) ووصفه بالاستقامة. أي هو حق وصيرورتهم إلى هذين القسمين ليس لك والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان أي إليه يصير النظر في أمرك وقرأ الجمهور على جاراً أو مجروراً ويتعلق بقوله: مستقيم. أي مستقيم على إرادتي وحكمي. وقرأ يعقوب على وزن فعيل وهو صفة لقوله: صراط، والإِضافة في قوله: ان عبادي. إضافة تشريف ان المختصين بعبادتي وعلى هذا لا يكون قوله: الا من اتبعك، استثناء متصلاً بل يكون منقطعاً بمعنى لكن من اتبعه لم يدرج في قوله: ان عبادي. وان كان أريد بعبادي عموم الخلق فيكون إلا من اتبعك استثناءً متصلاً لاندراجه في عموم العباد ومن في من الغاوين لبيان الجنس أي الذين هم الغاوون ولموعدهم مكان وعد اجتماعهم والضمير للغاوين. قال ابن عطية: وأجمعين تأكيد وفيه معنى الحال "انتهى". هذا جنوح لمذهب من يزعم أن أجمعين يدل على اتحاد الوقت والصحيح أن مدلوله مدلول كلهم والظاهر أن جهنم هي واحدة. و{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} قيل أعلاها للموحدين والثاني لليهود. والثالث: للنصارى. والرابع: للصابئين. والخامس: للمجوس. والسادس: للمشركين. والسابع: للمنافقين. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} الآية، لما ذكر تعالى ما أعد لأهل الجنة ليظهر تباين ما بين الفريقين. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم} تقدم شرحه في الاعراف وانتصب إخواناً على الحال وهي حال من الضمير المجرور في صدورهم والحال من المضاف نادرة وقد تأول نصبه على غير الحال من الضمير المجرور. {عَلَىٰ سُرُرٍ} جمع سرير وعلى سرر ومتقابلين حالان والقعود على السرير دليل على الرفعة والكرامة التامة. وعن ابن عباس على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر. {مُّتَقَـٰبِلِينَ} متساويين في التواصل والتوادد. {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} أي تعب مما يقاسونه في الدنيا وإذا انتفى المس انتفت الديمومة وأكد انتفاء الإِخراج بدخول الباء في بمخرجين ومنها متعلق بمخرجين ولما تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة أكد تعالى تنبيئه الناس وتقرير ذلك وتمكينه في النفوس بقوله: {نَبِّىءْ عِبَادِي} وناسب ذكر الغفران والرحمة اتصال ذلك بقوله: ان المتقين. وتقديماً لهذين الوصفين العظيمين اللذين وصف بهما نفسه تعالى وجاء قوله: {وَأَنَّ عَذَابِي} في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة وأنى المعذب المؤلم كل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة. وسدت أن مسد مفعولي نبىء ان قلنا انها تعدت إلى ثلاثة وسد واحد ان قلنا انها تعددت إلى اثنين. {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الآية، لما ذكر تعالى ما أعد للعاصين من النار. والطائعين من الجنة ذكر العرب بأحوال من يعرفونه ممن عصى وكذب الرسل فحل به عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة ليزدجروا عن كفرهم وليعتبروا بما حل بغيرهم فبدأ بذكر جدّهم الأعلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وما جرى بقوم ابن أخيه لوط عليه السلام ثم بذكر أصحاب الحجر وهم قوم صالح، ثم بأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب، وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط وتقدّم الكلام عليه في سورة هود ونبئهم عدي نبئهم بحرف الجر وهو عن ولم يذكر لها مفعولاً ولا مفعولين وسلاماً مقتطع من جملة محكية بقالوا فليس منصوباً به والتقدير سلمت سلاماً من السلامة أو سلمنا سلاما من التحية وقيل سلاماً نعت لمصدر محذوف تقديره فقالوا قولاً سلاماً وتصريحه هنا بأنه وجل منهم كان بعد تقريبه إليهم ما أضافهم به وهو العجل الحنيذ وامتناعهم من الأكل وفي هود فأوجس في نفسه خيفة فيمكن أن هذا التصريح كان بعد إيجاس الخيفة ويحتمل أن يكون القول هنا مجازاً بأنه ظهرت عليه مخايل الخوف حتى صار كالمصرح به القائل. {إِنَّا نُبَشِّرُكَ} استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، بشروه بأمرين. أحدهما أنه ذكر والثاني وصفه بالعلم على سبيل المبالغة واستنكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم ان يولد له مع الكبر وفيم تبشرون تأكيد استبعاد وتعجب وكأنه لم يعلم أنهم ملائكة، رسل الله تعالى إليه فلذلك استفهم واستنكر أن يولد له ولو علم أنهم رسل الله ما تعجب ولا استنكر ولا سيما وقد رأى من آيات الله عياناً كيف أحيا الموتى. وبالحق أي باليقين الذي لا ريب فيه وقولهم: فلا تكن من القانطين نهيٌ والنهي عن الشىء لا يدل على التلبس بالمنهي عنه ولا بمقاربته وقوله: {وَمَن يَقْنَطُ} رد عليهم وإن المحاورة في البشارة لا تدل على القنوط بل ذلك على سبيل الاستبعاد لبما جرت به العادة وفي ذلك إشارة إلى أن هبة الولد على الكبر من رحمة الله إذ يشد عضد والده ويؤازره حالة كونه ولا يستقل ويرث منه علمه ودينه. {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} الآية، لما بشروه بالولد وراجعوه في ذلك علم أنهم ملائكة الله ورسله فاستفهم بقوله: فما خطبكم والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد فإضافة إليهم من حيث أنهم هم حاملوه إلى أولئك القوم المعذبين وذكر إلى قوم مجرمين فأبرزه في صورة النكرة وان كان أريد به معيّنون يدل على ذلك قولهم في سورة هود: {أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [الآية: 70] فعينهم، وإنما نكر هاهنا على سبيل الاستهانة بهم وإن كانوا معينين من جهة المعنى فقوله: إلا آل لوط، استثناء نكرة في الظاهر ولكنهم معينون في المعنى وكثيراً ما تأتي النكرة يراد بها التعين كقول من صحب رجلاً عالماً معيناً فيقول: لقد صحبت رجلاً عالماً. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} استثناء من الضمير المنصوب في منجوهم قال الزمخشري: فإِن قلت فقوله: إلا امرأته، مما استثنى وهل هو استثناء من استثناء * قلت: استثنى من الضمير المجرور في قوله لمنجوهم وليس من الاستثناء من الاستثناء في شىء لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه وان يقال أهلكناهم إلا آل لوط، إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، وفي قول المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهم فاما في الآية فقد اختلف الحكمان لأن آل لوط متعلق بأرسلنا أو بمجرمين ولا امرأته قد تعلق بمنجوهم فأنى يكون استثناء من استثناء "انتهى". لما استسلف الزمخشري ان إلا امرأته مستثنى من الضمير المجرور لم يجوز أن يكون استثناء من استثناء ومن قال انه استثناء من استثناء فيمكن تصحيح كلامه بأحد وجهين أحدهما: أنه كان الضمير في لمنجوهم عائداً على آل لوط وقد استثنى منه المرأة فصار كأنه مستثنى من آل لوط لأن المضمر هو الظاهر في المعنى والوجه الآخر أن قوله إلا آل لوط لما حكم عليهم بغير الحكم على قوم مجرمين اقتضى ذلك نجاتهم في قوله: إنا لمنجوهم أجمعين تأكيد المعنى الاستثناء إذ المعنى إلا آل لوط فلم يرسل عليهم بالعذاب ونجاتهم مترتبة على عدم الإِرسال إليهم بالعذاب فصار نظير قولك قام القوم إلا زيداً فإِنه لم يقم أو إلا زيداً لم يقم فهذه الجملة تأكيد لما تضمنه الاستثناء من الحكم على ما بعد إلا بضد الحكم السابق على المستثنى منه فالأمر أنه على هذا التقرير الذي قررناه استثناء من آل لوط لأن الاستثناء مما جيء به للتأسيس أولى من الاستثناء مما جيء للتأكيد وجاء الضمير في أرسلنا وفي أنا وفي قدرنا مسند إلى الملائكة لأنهم هم المأمورون بإِهلاكهم ووصف قوم بمنكرون لأنه نكرتهم نفسه ونفرت منهم وخاف أن يطرقوه بشر وبل إضراب عن قول محذوف أي ما جئناك لشىء تخافه بل جئنا بالعذاب لقومك إذ كانوا يمترون فيه أي يشكون في وقوعه فيجادلونك فيه تكذيباً لك بما وعدتهم به عن الله تعالى. {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} نهاه أولاً عن الإِلتفات وأمره باتباع أدبارهم ويكون ذلك أحفظ لهم من أي ينزل ساقة خلفه وحيث تؤمرون. قال ابن عباس: هي الشام ولما ضمن قضينا معنى أوحينا تعدت تعديها بإِلى أي وأوحينا إلى لوط مقضياً مبتوتاً والإِشارة بذلك إلى ما وعده تعالى من إهلاك قومه وان دابر تفخيم للأمر وتعظيم له وهو في موضع نصب على البدل من ذلك. و{مُّصْبِحِينَ} داخلين في الصباح. {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} الآية استبشارهم فرحهم بالأضياف الذين وردوا على لوط صلى الله عليه وسلم والظاهر ان هذا المجيء ومجاورة لوط مع قومه في حق أضيافه وعرضه بناته عليهم كان ذلك كله قبل إعلامه بهلاك قومه وعلمه بأنهم رسل الله ولذلك سماهم ضيفاً وخاف الفضيحة منهم لأجل تعاطيهم ما لا يجوز من الفعل القبيح وقد جاء ذلك مرتباً هكذا في سورة "هود" والواو لا ترتب ولا تخزون من الخزي وهو الإِذلال أو من الخازية وهو الاستحياء وفي قولهم: {أَوَ لَمْ نَنْهَكَ} دليل على تقدم نهيهم إياه عن أن يضيف أو يجير أحداً أو يدفع عنه أو يمنع بينهم وبينه فإِنهم كانوا يتعرضون لكل أحد وكان هو عليه السلام يقوم بالنهي عن المنكر والحجز بينه وبين من تعرض له فأوعدوه بأنه لم ينته خرجوه وتقدم الكلام في قوله تعالى: {بَنَاتِي} ومعنى الإِضافة في هود وإن كنتم فاعلين شك قبولهم لقوله كأنه قال: ان فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون، وقيل: ان كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم. واللام في لعمرك لام الابتداء وعمرك مبتدأ خبره محذوف تقديره لعمرك قسمي وإذا كان في القسم كانت العين مفتوحة ومعناها البقاء وجواب القسم فقيل القسم من الملائكة خطاباً للوط صلى الله عليه وسلم وقيل خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكني عن الضلالة والغفلة بالسكر أي تحيرهم في غفلتهم وضلالتهم منعهم عن إدراك الصواب الذي يشير به والصيحة صيحة الهلاك ومشرقين داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس وقيل أول العذاب كان عند الصبح وامتد إلى شروق الشمس فكان تمام الهلاك عند ذلك والضمير في عاليها سافلها عائد على المدينة المتقدمة الذكر. {لِلْمُتَوَسِّمِينَ} للمتفرسين وعن ابن عباس هم أهل الصلاح والخير. {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} أي ممر ثابت وهي بحيث يراها الناس ويعتبرون بها لم تندرس وهو تنبيه لقريش. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في صنعنا بقوم لوط لعلامة ودليلاً لمن آمن بالله تعالى. {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} هم قوم شعيب والأيكة التي أضيفوا إليها كانت شجرة السدوم وقيل غير ذلك كفروا فسلط الله عليهم الحر وأهلكوا بعذاب الظلة ويأتي ذلك مستوفى في سورة الشعراء. {وَإِنَّهُمَا} الضمير يعود على أصحاب الأيكة ومدين لأنه مرسل إليهما فدل ذكر أحدهما على الآخر فعاد الضمير إليهما. {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} أي بطريق من الحق واضح والإِمام الطريق. {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ} الآية، أصحاب الحجر ثمود قوم صالح صلى الله عليه وسلم والحجر أرض بين الحجاز والشام وتقدمت قصته في الأعراف مستوفاة والمرسلين يعني بتكذيبهم صالحاً لأن من كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً وتقدم ذكر قصتهم في الأعراف ويأتي أيضاً بعض خبرهم. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} الآية، أي خلقاً ملتبساً بالحق لم يخلق شىء من ذلك عبثاً ولا هملاً بل ليطيع من أطاع بالتفكر في ذلك الخلق العظيم وليتذكر النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى ولذلك نبه من يتنبه بقوله: وان الساعة لآتية فيجازي من أطاع ومن عصى. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً} الآية، والمثاني جمع مثناة والمثناة كل شىء أي يجعل اثنين من قولك ثنيت الشىء ثنيا أي عطفته وضممت إليه آخر وهذا مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بديل فنفصل جوز الزجاج أن تكون أم القرآن سميت السبع المثاني لأنها يثنى بها على الله قال ابن عطية: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر "انتهى". لا نظر في ذلك لأنها جمع مثنى بضم الميم مفعل من أثنى رباعياً أي مقر ثناء على الله أي فيها ثناء على الله. وقال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم: السبع هنا آيات الحمد قال ابن عباس: وهي سبع ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال غيره: سبع دون البسملة. وقال أبو العالية: لقد أنزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شىء.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه امتناناً لكم، وتنبيهاً عن دناءة منشأكم، ثمَّ على شرف مكانتكم وعلو شأنكم: أيها المكلفون من الثقلين، القابلون للإيمان والمعارف {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} أي: أظهرنا جنسه، وقدرنا جسمه {مِن صَلْصَالٍ} أي: طين يابسٍ مصوتٍ من غاية يبسه وبقائه على حر الشمس، متخذٍ {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] أي: من طين أسود منتن كريه الرائحة، يستكره ريحه جميع الحيوانات. {وَٱلْجَآنَّ} أي: جنسه أيضاً {خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} أي: من قبل إيجاد الإنسان من مادة أدنى أيضاً؛ إذ هو متخذ {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} [الحجر: 27] أي: شديد الحر متناه فيه. انظروا أيها المعتبرون إلى نشأتكم ومادتكم {وَ} اذكروا تشريف ربكم إياكم وقت {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل، خصه سبحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخطاب؛ للياقته وكمال استحقاقه أن يكون مخطاباً معه، كأنه لجمعية مرتبته عموم مراتب بني نوعه، عبارةُ عن جميعهم {لِلْمَلآئِكَةِ} على سبيل الإخبار والتعليم: {إِنِّي} لمطالعة جمالي وجلالي، وجميع أوصاف كمالي على التفصيل {خَالِقٌ} ومقدرُ {بَشَراً} أي: تمثالاً متخذاً {مِّن صَلْصَالٍ} متخذة {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 28] بعيدٍ بمراحل عن مقاربتي؛ إذ هو أخس الأشياء وأدونها. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي: عدلته وكملت هيكله وشكله {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} ورشئت عليه من رشحات نور وجودي ليكون حياً بحياتي، ومرآة لي أطالع فيها جميع أسمائي وأوصافي {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] فعليكم أن تضعوا جباهكم على تراب المذلة عنده تعظيماً له وتكريماً. ولما سمعوا الأمر الوجوبي القطعي {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} بلا طلب مرجح ودليل {كُلُّهُمْ} بلا خروج واحد منهم {أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] مجتمعون معاً بلا تقدم وتأخر، وتردد وتسويف. {إِلاَّ إِبْلِيسَ} الذي هو منهم تبعاً لأصالته {أَبَىٰ} عن السجود، وامتنع {أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 31]. ثمَّ لما تخلف إبليس، وركن عن أمر الله {قَالَ} سبحانه توبيخاً وتقريعاً: {يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ} أي: أي: شيء عرض لك يا إبليس {أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] الخاضعين الواضعين جباههم على تراب المذلة امتثالاً للأمر الوجوبي؟!. {قَالَ} إبليس محتجاً على الله، طالباً للرجحان والمزية على سبيل الإنكار والتعريض: {لَمْ أَكُن} أي: لم يصح مني، ولم يستحسن عني، ولم يلق لمرتبتي {لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ} جسماني ظلماني كثيف {خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ} أكشف وأظلم منه، وأخذت الصلصال {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33] لا شيء أظلم منه وأبعد عن ساحة عز القبول، والتمثالُ المشتمل على هذه الظلمات المتراكمة لا يليق أن يَخضع ويسجد له الروحاني النوراني. قال سبحانه طرداً له وتبعيداً: إذا تخلفت يا أبليس عن أمري، وخرجت عن مقتضى حكمي {قَالَ} أيها المردود {فَٱخْرُجْ} أي: من بين الملائكة، ولا تعد نفسك من زمرتهم، فإنهم مقبولون مطيعون، وأنت مردود ومطرود {مِنْهَا} بتخلفك عن مقتضى أمرنا {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34] بعيد عن رحمتنا وكرامتنا. {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ} والطرد والتخذيل، نازلةُ مستمرة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الحجر: 35] مقرك ومقيلك النار المعدة لك، ولمن تبعك من عصاة العباد. ثمَّ لما أيس إبليس عن القبول، وقنط عن رحمة الله {قَالَ} مشتكياً متحسراً متأوهاً: {رَبِّ} يا من ربَّاني بأنواع الكرم والنعم، فكفرت نعمك بمخالفة أمرك {فَأَنظِرْنِي} وأمهلني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36] ويحشرون؛ لأغوي بني آدم، وأنتقم عنهم. {قَالَ} سبحانه: {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} [الحجر: 37] لتكون عبرة للعالمين. {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} [الحجر: 38] أي: إلى وقت لا يمكن فيه تلاقي التقصير، وكسب الزاد للمعاد، وتهيئة الأسباب ليوم المعياد. قيل: هي النخفة الأولى لحشر الأجساد. {قَالَ} إبليس مقسماً مبالغاً: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي: بحق قدرتك التي أغويتني وأضللتني بها، وأحطتني عن رفعة منزلتي، وأخرجتني من بين أحبتي وأخوتي {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ} أعمالهم الفاسدة، وأحسن عليهم الأفعال القبيحة {فِي ٱلأَرْضِ} وإغريتهم إلى ارتكاب أنواع المفاسد والمقابح عليها، وأصناف الجرائم والآثام المائلة إليها نفوسهم طبعاً {وَ} بالجملة: {لأُغْوِيَنَّهُمْ} وأضلنهم {أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] بحيث لا يشذ عنهم أحد من ذوي النفوس الأمارة. {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40] المخلصين رقابهم عن ربقة الأمارة، المطمئنين المتمكنين في مقام الرضا والتسليم. {قَالَ} سبحانه على مقتضى إشفاقه ورحمته: {هَذَا} أي: إخلاص المخلصين المطمئنين، الراضين بما جرى عليم من قضائي {صِرَاطٌ عَلَيَّ} وطريق موصل إلى توحيدي، ووحدة ذاتي واستقلالي في آثار أوصافي وأسمائي {مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41] لا عوج فيه أصلاً، من توجه إليّ عن هذا الطريق فاز ونجا، بحيث لا يعرضه الضلال والانحراف أصلاً، وكيف يعرضه؛ ذ هو من خلَّص عبادي؟!.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن استحقاق كلا الفلايقين أنه من تركيب الجنسين مختلفين لقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} [الحجر: 26] أي قوله جزء مقسوم وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} [الحجر: 27] يشير إلى أن خاصية نفس الإنسان ما تتولد من الصلصال ومن الحمأ المسنون بما يتولد من نار السموم وهي صفات شيطانية وما تغرس فيه الملائكة داؤه بنظر الملكية في ملكوته و {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 31] لأنهم نظروا إلى شخصه وهيكله ولم يشاهدوا اختصاصه بإضافة روحه إلى حضرته، وخلقته بيده، واستقامة تساوي قالبه {أية : فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4] وتعليم الأسماء والإشراف على الغيوب بأنوار القلوب، فما زاد على ما تولد من إنسانية فهو من نتائج تعليم الأسماء واختصاصه بالإضافة والنفخة وغيرها من المواهب {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 28] أي: من هذا الصلصال الذي شاهد نموه وظعنتم فيه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} [الحجر: 29] بجعله قابلاً لنفحتي وللروح المضاف إلي {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} يشير بتشريف هذه الإضافة إلى اختصاص الروح بأعلى المراتب من الملكوت الأعلى وكمال قربه إلى الله، كما قال: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16] وإلى اختصاصه بقبول النفخة فإنه شُرِّفَ بهذا التشريف وخُصَّ به من سائر المخلوقات {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] وذلك لأن الروح لما أرسلت من أعلى مراتب القرب بنفخة الحق تعالى إلى أسفل سافلين القالب كان عبورها على الروحانيات والملائكة المقربين، وهم خلقوا من النور فاندرجت أنوار صفاتهم في نور صفاتها كما تندرج أنوار الكواكب في نور الشمس، ثم عبر على الجن والشياطين فاتخذ زبدة خواص صفاتهم، ثم عبر على الحيوانات فاستفاد منهم الخواص والقوى، ثم تعلق القالب بالمخلوق بيد الله بالتخمير وقهره المستعد لقبول التجلي، فلما خلق الله آدم تجلى فيه، قال لأهل الخطاب وهم الملائكة والجن: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] لاستحقاقه كماله في الخلقة ولشرفه بالعلم وقابليته للتجلي. {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] لما فيهم من خصوصية العبادة، عبادة النورية واختصاص العلم بقبول النصح {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 31] لاختصاصه بالتمرد، تمرد الدأبة والجهل الذي هو مركون فيه ولحسبانه أنه عالم إذ قال له ربه: {يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] أي: ما حجتك في الامتناع عن السجود؟ {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33] أي: حجتي أنك خلقتني من نار وهي جوهر لطيف نوراني علوي وخلقته من طين وهو كشف ظلماني سفلي، فأنا خير منه بهذا الدليل. فاستدل بهذا الاستدلال لرأي آدم ينبغي أن يسجد له لفضله عليه، ومن غاية جهالته وسخافة عقله فهم من بين كلامه إن الله أخطأ فيما أمره وأمر الملائكة بسجود كرم، وحسب أن الله تعالى جعل استحقاق آدم السجود للملائكة في بشرية آجم ودخلقته من الطين وهو بمعزل عما جعل الله استحقاقه للسجود في سر الخلافة المودعة في روحه المشرف بشرف الإضافة إلى حضرته المختص باختصاص نفخة العلم بالأسماء كلها المستعد لتجلي جماله وجلاله فيه. ومن ها هنا قيل لإبليس أنه أعور؛ لأنه كان بصيراً بإحدى عينيه التي يشاهد بها بشرية آجم، وما أودع فيه من الصفات الذميمة الحيوانية السبعية المؤذية المتولد منها الفساد وسفك الدماء، وإنه كان أعمى بإحدى عينيه التي يشاهد بها سر الخلافة المودعة في روحانيته، وما أكرم به من علم الأسماء والنفخة الخاصة وشرف الإضافة إلى نفسه وغير ذلك من الاصطفاء والاجتباء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته فقال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ } أي آدم عليه السلام { مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } أي: من طين قد يبس بعد ما خمر حتى صار له صلصلة وصوت، كصوت الفخار، والحمأ المسنون: الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه. { وَالْجَانَّ } وهو: أبو الجن أي: إبليس { خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ } خلق آدم { مِنْ نَارِ السَّمُومِ } أي: من النار الشديدة الحرارة، فلما أراد الله خلق آدم قال للملائكة: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } جسدا تاما { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } فامتثلوا أمر ربهم. { فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تأكيد بعد تأكيد ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيما لأمر الله وإكراما لآدم حيث علم ما لم يعلموا. { إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } وهذه أول عداوته لآدم وذريته. قال الله: { يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } فاستكبر على أمر الله وأبدى العداوة لآدم وذريته وأعجب بعنصره وقال أنا خير من آدم { قَالَ } الله معاقبا له على كفره واستكباره { فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } أي مطرود مبعد من كل خير { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ } أي الذم والعيب والبعد عن رحمة الله { إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } ففيها وما أشبهها دليل على أنه سيستمر على كفره وبعده من الخير. { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي } أي أمهلني { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك ولذلك حذرنا منه غاية التحذير وشرح لنا ما يريده منا. { قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ } أي أزين لهم الدنيا وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى حتى يكونوا منقادين لكل معصية { وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم { إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } أي الذين أخلصتهم واجتبيتهم لإخلاصهم وإيمانهم وتوكلهم. قال الله تعالى { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } أي معتدل موصل إليَّ وإلى دار كرامتي. { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } تميلهم به إلى ما تشاء من أنواع الضلالات بسبب عبوديتهم لربهم وانقيادهم لأوامره أعانهم الله وعصمهم من الشيطان. { إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ } فرضي بولايتك وطاعتك بدلا من طاعة الرحمن { مِنَ الْغَاوِينَ } والغاوي ضد الراشد فهو الذي عرف الحق وتركه والضال الذي تركه من غير علم منه به. { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } أي إبليس وجنوده { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } كل باب أسفل من الآخر { لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ } أي من أتباع إبليس { جُزْءٌ مَقْسُومٌ } بحسب أعمالهم قال الله تعالى {أية : فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ }. تفسير : ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه أتباع إبليس من النكال والعذاب الشديد ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم والنعيم المقيم فقال: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1448- حدثنا عبد الرزاق، قال مَعْمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}: [الآية: 26]، قال: الصلصال، الطين اليابس يسمع له صلصلة ثم يكون حَمأً مسنوناً، قد أسنَّ، قال: منتهٍ. 1449- عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، قال: أسماء أبواب جهَنَّم: الحُطْمَة، والهاوية، ولظى، وسقر، والجحيم، والسعير، وجهنم، والنَّارُ، وهي جماع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):