١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } قولان: القول الأول: قال الجبائي وجمهور المعتزلة: القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي. قالوا: لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك. والقول الثاني: وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به. وأقول: هذا القول هو الحق الصحيح، والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضارباً وقاتلاً كونه آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى، والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملاً على تلك الماهية، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقياً، فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقياً، ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار. إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن شيء واحد، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، وأيضاً فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس: { أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] وعقيب قول الله تعالى: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر، فثبت أن قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولاً واعتقاداً سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين، وكلام ظاهر. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } أما الجنات فأربعة لقوله تعالى: { أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 46] ثم قال: { أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 46] فيكون المجموع أربعة وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } يؤكد ما قلناه، لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ } يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله تعالى في قوله: { أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خمرٍ لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } تفسير : [محمد: 15] ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار. فإن قيل: أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل: لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ ءامِنِينَ } يحتمل أن القائل لقوله: {ٱدْخُلُوهَا } هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم: {ٱدْخُلُوهَا }. والجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ }. الثاني: لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ ءَامِنِينَ } المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة، والأمن من زوالها. ثم قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ من قولهم: أغل في جوفه وتغلغل، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم، وعن علي عليه السلام أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالساً عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي: مرحباً بك يا ابن أخي، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } فقال الحرث: كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد. قال عليه السلام: فلمن هذه الآية؟ لا أم لك يا أعور، وروي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض، ثم يؤمر بهم إلى الجنة. وقد نقى الله قلوبهم من الغل والغش، والحقد والحسد، وقوله: {إِخْوَانًا } نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال: { أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] وقوله: {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال: سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو: سرر وسرر، وجدد وجدد قال المفضل: بعض تميم وكلب يفتحون، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد، وقال بعض أهل المعاني: السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. قال الليث: وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية، وقوله: {مُّتَقَـٰبِلِينَ } التقابل التواجه، وهو نقيض التدابر، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب: {وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } والمراد به كونه خلوداً بلا زوال وبقاء بلا فناء، وكمالاً بلا نقصان، وفوزاً بلا حرمان. واعلم أن للثواب أربع شرائط: وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة. أما القيد الأول: وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ }. وأما القيد الثاني: وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ ءَامِنِينَ } لأن الله سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال. وأما القيد الثالث: وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية، وإما أن تكون جسمانية، أما المضار الروحانية فهي الحقد، والحسد، والغل، والغضب، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } إشارة إلى نفي المضار الجسمانية. وأما القيد الرابع: وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله: {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال، فإنهم قالوا: المراد من قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ } إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال، وقوله: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ }، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي الذين ٱتقوا الفواحش والشرك. {فِي جَنَّاتٍ} أي بساتين. {وَعُيُونٍ} هي الأنهار الأربعة: ماء وخمر ولبن وعسل. وأما العيون المذكورة في سورة «الإنسان»: الكافور والزنجبيل والسلسبيل، وفي «المطففين»: التسنيم، فيأتي ذكرها وأهلها إن شاء الله. وضم العين من «عُيونٍ» على الأصل، والكسر مراعاة للياء، وقرىء بهما. {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} قراءة العامة «ادخلوها» بوصل الألف وضم الخاء، من دخل يدخُل، على الأمر. تقديره: قيل ادخلوها. وقرأ الحسن وأبو العالية ورُوَيس عن يعقوب «ٱدخِلوها» بضم التنوين ووصل الألف وكسر الخاء على الفعل المجهول، من أدخل. أي أدخلهم الله إياها. ومذهبهم كسر التنوين في مثل {أية : بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [الأعراف: 49] وشبهه؛ إلا أنهم ها هنا ألقوا حركة الهمزة على التنوين؛ إذ هي ألف قطع، ولكن فيه انتقال من كسر إلى ضم ثم من ضم إلى كسر فيثقل على اللسان. {بِسَلامٍ} أي بسلامة من كل داء وآفة. وقيل: بتحية من الله لهم. {آمِنِينَ} أي من الموت والعذاب والعزل والزوال.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على ذكر أهل الجنة، وأنهم في جنات وعيون. وقوله: { ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ} أي: سالمين من الآفات، مسلم عليكم، {آمِنِينَ} أي: من كل خوف وفزغ، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء، وقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إِذا توافوا وتقابلوا، نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} هكذا في هذه الرواية، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف، وقد روى سنيد في تفسيره: حدثنا ابن فضالة عن لقمان عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري. وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة: حدثنا أبو المتوكل الناجي: أن أبا سعيد الخدري حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يخلص المؤمن من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إِذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام عن محمد، هو ابن سيرين، قال: استأذن الأشتر على علي رضي الله عنه، وعنده ابن لطلحة، فحبسه، ثم أذن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما حبستني لهذا، قال: أجل، قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني، قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}. وقال: ورجلان جالسان إلى ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس، وتكونون إخواناً، فقال علي رضي الله عنه: قوما أبعَدَ أرضٍ وأسحقَها، فمن هم إذاً إن لم أكن أنا وطلحة؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله، وروى وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش عن علي نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان، فقال: الله أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين قال: فصاح به علي صيحة، فظننت أن القصر تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن، فمن هم؟ وقال سعيد بن مسروق: عن أبي طلحة، وذكره، وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي رضي الله عنه، فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال:فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟ وقال سفيان الثوري: عن منصور عن إبراهيم قال: جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي رضي الله عنه، فحجبه طويلاً، ثم أذن له، فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي: بفيك التراب، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} وكذا روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بنحوه. وقال سفيان بن عيينة: عن إسرائيل عن أبي موسى سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} وقال كثير النوا: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي، فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، أنا أسألك بالله أتبرأ من أبي بكر وعمر؟ فقال: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} تولهما يا كثير فما أدركك، فهو في رقبتي هذه، ثم تلا هذه الآية: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} قال: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين. وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح في قوله: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} قال: هم عشرة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم أجمعين. وقوله: {مُّتَقَـٰبِلِينَ} قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، وفيه حديث مرفوع. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشير، حدثنا يحيى بن معين عن إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}: في الله ينظر بعضهم إلى بعض وقوله: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين «حديث : أن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب»تفسير : . وقوله: {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} كما جاء في الحديث: «حديث : يقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبداً، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبداً»تفسير : . وقال الله تعالى: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} تفسير : [الكهف: 108].
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ } بساتين {وَعُيُونٍ } تجري فيها.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } أي: المتقين للشرك بالله كما قاله جمهور الصحابة والتابعين. وقيل: هم الذين اتقوا جميع المعاصي {في جنات} وهي البساتين، {وعيون} وهي الأنهار. قرىء بضم العين من {عيون} على الأصل، وبالكسر مراعاة للياء. والتركيب يحتمل أن يكون لجميع المتقين جنات وعيون، أو لكل واحد منهم جنات وعيون، أو لكل واحد منهم جنة وعين {ٱدْخُلُوهَا } قرأ الجمهور بلفظ الأمر على تقدير القول أي قيل لهم: أدخلوها. وقرأ الحسن وأبو العالية، وروي عن يعقوب بضم الهمزة مقطوعة، وفتح الخاء على أنه فعل مبني للمفعول أي: أدخلهم الله إياها. وقد قيل: إنهم إذا كانوا في جنات وعيون، فكيف يقال لهم بعد ذلك ادخلوها على قراءة الجمهور؟ فإن الأمر لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا فيها، وأجيب بأن المعنى أنهم لما صاروا في الجنات، فإذا انتلقوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الانتقال إليها: ادخلوها، ومعنى {بِسَلامٍ ءامِنِينَ } بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، أو مسلمين على بعضهم بعضاً، أو مسلماً عليهم من الملائكة، أو من الله عزّ وجلّ. {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } الغلّ: الحقد والعداوة، وقد مرّ تفسيره في الأعراف، وانتصاب {إِخْوَانًا } على الحال، أي: إخوة في الدين والتعاطف {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } أي: حال كونهم على سرر، وعلى صورة مخصوصة وهي التقابل، ينظر بعضهم إلى وجه بعض، والسرر جمع سرير. وقيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور، ومنه قولهم: سرّ الوادي لأفضل موضع منه {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } أي: تعب وإعياء لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة؛ لأنها نعيم خالص، ولذّة محضة تحصل لهم بسهولة، وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشيء بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفوا عفوا {وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } أبداً، وفي هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم. فإنّ علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعيمه وتكدّر لذته. ثم قال سبحانه بعد أن قصّ علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل {نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } أي: أخبرهم يا محمد أني أنا الكثير المغفرة لذنوبهم، الكثير الرحمة لهم، كما حكمت به على نفسي: «إن رحمتي سبقت غضبي»، اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة، وأدخلتهم تحت واسع الرحمة. ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة، أمره بأن يذكر لهم شيئاً مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف، ويتقابل التبشير والتحذير، ليكونوا راجين خائفين، فقال: {وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } أي: الكثير الإيلام. وعند أن جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير، صاروا في حالة وسط بين اليأس والرجاء، وخير الأمور أوساطها، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف، وبين حالتي الأنس والهيبة. وجملة {وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } معطوفة على جملة {نبىء عبادي} أي: أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف، والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنّة الله سبحانه في عباده، وأيضاً لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، كان في ذلك تقريراً لكونه الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، وقد مرّ تفسير هذه القصة في سورة هود، وانتصاب {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } بفعل مضمر معطوف على {نَبّىء عِبَادِى } أي: واذكر لهم دخولهم عليه، أو في محل نصب على الحال. والضيف في الأصل مصدر، ولذلك وحد وإن كانوا جماعة، وسمي ضيفاً لإضافته إلى المضيف {فَقَالُواْ سَلامًا } أي: سلمنا سلاماً {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي: فزعون خائفون، وإنما قال هذا بعد أن قرّب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه كما تقدم في سورة هود {أية : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } تفسير : [هود: 70] وقيل: أنكر السلام منهم، لأنه لم يكن في بلادهم. وقيل: أنكر دخولهم عليه بغير استئذان. {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } أي قالت الملائكة: لا تخف. وقرىء "لا تاجل" و"لا توجل" من أوجله أي: أخافه، وجملة {إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ } مستأنفة لتعليل النهي عن الوجل، والعليم: كثير العلم. وقيل: هو الحليم كما وقع في موضع آخر من القرآن، وهذا الغلام: هو إسحاق كما تقدّم في هود، ولم يسمه هنا ولا ذكر التبشير بيعقوب اكتفاء بما سلف {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى } قرأ الجمهور بألف الاستفهام. وقرأ الأعمش "بشرتموني" بغير الألف {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ } في محل نصب على الحال، أي: مع حالة الكبر والهرم {فَبِمَ تُبَشّرُونَ } استفهام تعجب، كأنه عجب من حصول الولد له مع ما قد صار إليه من الهرم الذي جرت العادة بأنه لا يولد لمن بلغ إليه، والمعنى: فبأي شيء تبشرون؟ فإن البشارة بما لا يكون عادة لا تصح. وقرأ نافع "تبشرونِ" بكسر النون والتخفيف وإبقاء الكسرة لتدل على الياء المحذوفة. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن بكسر النون مشدّدة على إدغام النون في النون، وأصله: تبشرونني. وقرأ الباقون "تبشرون" بفتح النون. {قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } أي: باليقين الذي لا خلف فيه، فإن ذلك وعد الله وهو لا يخلف الميعاد، ولا يستحيل عليه شيء، فإنه القادر على كل شيء {فَلاَ تَكُن مّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ } هكذا قرأ الجمهور بإثبات الألف. وقرأ الأعمش، ويحيـى بن وثاب "من القنطين" بغير ألف. وروي ذلك عن أبي عمرو أي: من الآيسين من ذلك الذي بشرناك به {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } قرىء بفتح النون من "يقنط" وبكسرها وهما لغتان. وحكي فيه ضم النون، و{الضالون} المكذبون، أو المخطئون الذاهبون عن طريق الصواب، أي: إنما استبعدت الولد لكبر سني، لا لقنوطي من رحمة ربي. ثم سألهم عما لأجله أرسلهم الله سبحانه فقال: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } الخطب: الأمر الخطير والشأن العظيم، أي: فما أمركم وشأنكم، وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، وكأنه قد فهم أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } أي: إلى قوم لهم إجرام، فيدخل تحت ذلك الشرك، وما هو دونه، وهؤلاء القوم هم: قوم لوط. ثم استثنى منهم من ليسوا مجرمين فقال: {إِلا ءالَ لُوطٍ } وهو استثناء متصل؛ لأنه من الضمير في {مجرمين} ولو كان من قوم لكان منقطعاً لكونهم قد وصفوا بكونهم مجرمين، وليس آل لوط مجرمين. ثم ذكر ما سيختص به آل لوط من الكرامة لعدم دخولهم مع القوم في إجرامهم فقال: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أجمعين} أي: آل لوط، وهم أتباعه وأهل دينه، وهذه الجملة مستأنفة على تقدير كون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: ماذا يكون حال آل لوط؟ فقال: {إنا لمنجوهم أجمعين} وأنما على تقدير كون الاستثناء منقطعاً فهي خبر، أي: لكن آل لوط ناجون من عذابنا. وقرأ حمزة والكسائي "لمنجوهم" بالتخفيف من أنجا. وقرأ الباقون بالتشديد من: نجي. واختار هذه القراءة الأخيرة أبو عبيدة وأبو حاتم، والتنجية والإنجاء: التخليص مما وقع فيه غيرهم. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} هذا الاستثناء من الضمير في منجوهم إخراجاً لها من التنجية، والمعنى: قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم إلاّ آل لوط إنا لمنجوهم إلاّ إمرأته فإنها من الهالكين. ومعنى {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } قضينا وحكمنا أنها من الباقين في العذاب مع الكفرة. والغابر: الباقي، قال الشاعر:شعر : لا تكْسَع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج تفسير : والإغبار: بقايا اللبن. قال الزجاج: معنى قدّرنا: دبرنا، وهو قريب من معنى قضينا. وأصل التقدير: جعل الشيء على مقدار الكفاية. وقرأ عاصم من رواية أبي بكر والمفضل "قدرنا" بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد. قال الهروي: هما بمعنى، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة من كونه مع فعل الله سبحانه، لما لهم من القرب عند الله. {فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ } هذه الجملة مستأنفة لبيان وإهلاك من يستحق الهلاك، وتنجية من يستحق النجاة {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي قال لوط مخطاباً لهم: إنكم قوم منكرون، أي: لا أعرفكم، بل أنكركم {قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي: بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه، فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره، كأنهم قالوا: ما جئناك بما خطر ببالك من المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك، وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم يكذبونك. {وَاتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } أي: باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردّد، وهو العذاب النازل بهم لا محالة {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } في ذلك الخبر الذي أخبرناك. وقد تقدّم تفسير قوله: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} في سورة هود {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ } أي: كن ورائهم تذودهم لئلا يختلف منهم أحد فيناله العذاب {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } أي: لا تلتفت أنت ولا يلفتت أحد منهم فيرى ما نزل بهم من العذاب، فيشتغل بالنظر في ذلك، ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار الظالمين. وقيل: معنى لا يلتفت: لا يتخلف {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } أي: إلى الجهة التي أمركم الله سبحانه بالمضيّ إليها، وهي جهة الشام. وقيل: مصر. وقيل: قرية من قرى لوط. وقيل: أرض الخليل. {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ } أي: أوحينا إلى لوط {ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } وهو إهلاك قومه، ثم فسره بقوله: {أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ } قال الزجاج: موضع "أن" نصب، وهو بدل من {ذلك الأمر}، والدابر: هو الآخر، أي: أن آخر من يبقى منهم يهلك وقت الصبح. وانتصاب {مُّصْبِحِينَ } على الحال، أي: حال كونهم داخلين في وقت الصبح، ومثله {أية : فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [الأنعام: 45]. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {ءامِنِينَ } قال: آمنوا الموت، فلا يموتون، ولا يكبرون، ولا يسقمون، ولا يعرون، ولا يجوعون. وأخرج ابن جرير عن عليّ {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } قال: العداوة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن الحسن البصري قال: قال عليّ بن أبي طالب: فينا والله أهل بدر نزلت: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ }. وأخرج ابن عساكر، وابن مردويه عنه في الآية، قال: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، في بني هاشم، وبني تميم، وبني عديّ، فيّ وفي أبي بكر وعمر. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر عن كثير النواء، قال: قلت لأبي جعفر إن فلاناً حدثني عن عليّ بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعليّ {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } قال: والله إنها لفيهم أنزلت؛ وفيمن تنزل إلاّ فيهم؟ قلت: وأي غلّ هو؟ قال: غلّ الجاهلية، إن بني تميم وبني عديّ وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل عليّ يسخن يده، فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه عن عليّ من طرق أنه قال لابن طلحة: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم } الآية، فقال رجل من همدان: الله أعدل من ذلك، فصاح عليّ عليه صيحة تداعى لها القصر، وقال: فيمن إذن إن لم نكن نحن أولئك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والطبراني، وابن مردويه عن عليّ قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة فيمن قال الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ }. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: نزلت في عشرة: أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وسعيد، وعبد الرحمٰن بن عوف، وعبد الله بن مسعود. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي صالح موقوفاً عليه. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } قال: لا يرى بعضهم قفا بعض. وأخرجه ابن المنذر، وابن مردويه عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو القاسم البغوي، وابن مردويه، وابن عساكر عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: «حديث : {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } قال: المتحابون في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } قال: المشقة والأذى. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: "ألا أراكم تضحكون"؟ ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقري، فقال: إني لما خرجت جاء جبريل فقال: يا محمد، إن الله - عزّ وجلّ - يقول: لمَ تقنط عبادي؟ {نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ }». وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال: «مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال: اذكروا الجنة، واذكروا النار»، فنزلت: {نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }. وأخرج الطبراني، والبزار، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، قال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته، لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } لا تخف. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ {مّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ } قال: الآيسين. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } يعني: الباقين في عذاب الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } قال: أنكرهم لوط، وفي قوله: {بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } قال: بعذاب قوم لوط. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة {بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } قال: يشكون. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ } قال: أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في آخرهم إذا مشوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } قال: أخرجهم الله إلى الشام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } قال: أوحيناه إليه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ } يعني: استئصالهم وهلاكهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{ادخلوها بسلامٍ آمنين} في قوله{بسلام} ثلاثة أوجه: أحدها: بسلامة من النار، قاله القاسم ابن يحيى. الثاني: بسلامة تصحبكم من كل آفة، قاله علي بن عيسى. الثالث: بتحية من الله لهم، وهو معنى قول الكلبي. {آمنين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: آمنين من الخروج منها. الثاني: آمنين من الموت. الثالث: آمنين من الخوف والمرض. قوله عز وجل:{ونزعنا ما في صدورهم مِنْ غِلٍّ} فيه وجهان: أحدهما: نزعنا بالإسلام ما في صدورهم من غل الجاهلية، قاله علي بن الحسين. الثاني: نزعنا في الآخرة ما في صدورهم من غل الدنيا، قاله الحسن، وقد رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. {إخواناً عَلَى سُرُرٍ متقابلين} في السرر وجهان: أحدهما: أنه جمع أسرة هم عليها. الثاني: أنه جمع سرورهم فيه. وفي{متقابلين}خمسة أوجه: أحدها: متقابلين بالوجوه يرى بعضهم بعضاً فلا يصرف طرفه عنه تواصلاً وتحابياً، قاله مجاهد. الثاني: متقابلين بالمحبة والمودة، لا يتفاضلون فيها ولا يختلفون، قاله علي بن عيسى. الثالث: متقابلين في المنزلة لا يفضل بعضهم فيها على بعض لاتفاقهم على الطاعة واستهوائهم في الجزاء، قاله أبو بكر بن زياد. الرابع: متقابلين في الزيارة والتواصل، قاله قتادة. الخامس: متقابلين قد أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهم بالود، حكاه القاسم. قيل إن هذه الآية نزلت في العشرة من قريش. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير منهم. قوله عز وجل:{نَبِّىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم}سبب نزولها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يضحكون، فقال: "حديث : تضحكون وبين أيديكم الجنة والنار" تفسير : فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: {نَبِّىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم} .
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى ما أعد لأهل الجنة عقب ذكره ما أعد لأهل النار ليظهر التباين، وقرأ الجمهور و "عُيون" بضم العين، وقرأ نبيح والجراح وأبو واقد ويعقوب في رواية رويس "وعِيون" بكسر العين مثل بيوت وشيوخ، وقرأ الجمهور "ادخُلوها" على الأمر بمعنى يقال لهم "ادخُلوها"، وقرأ رويس عن يعقوب "أدخَلوها" على بناء الفعل للمفعول وضم التنوين في "عيونٌ"، ألقى عليه حركة الهمزة، و"السلام" هاهنا يحتمل أن يكون السلامة، ويحتمل أن يكون التحية، و"الغل" الحقد، وذكر الله تعالى في هذه الآية أن ينزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر لذلك موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء في بعضها أن ذلك على أبواب الجنة، وفي لفظ بعضها أن الغل ليبقى على أبواب الجنة كمعاطن الإبل. قال القاضي أبو محمد: وهذا على أن الله تعالى يجعل ذلك تمثيلاً بلون يخلقه هناك ونحوه، وهذا كحديث ذبح الموت، وقد يمكن أيضاً أن يسل من الصدور، ولذلك جواهر سود فيكون كمبارك الإبل، وجاء في بعض الأحاديث أن نزع الغل إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة. قال القاضي أبو محمد: والذي يقال في هذا أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين}. وذكر أن ابناً لطلحة كان عنده فاستأذن الأشتر فحبسه مدة ثم أذن له فدخل، فقال ألهذا حبستني وكذلك لو كان ابن عثمان حبستني له فقال علي نعم إني وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم {ونزعنا ما في صدورهم من غل} الآية. قال القاضي أبو محمد: وقد روي أن المستأذن غير الأشتر و {إخواناً} نصب على الحال، وهذه أخوة الدين والود، والأخ من ذلك يجمع على إخوان وإخوة أيضاً، والأخ من النسب يجمع أخوة وإخاء، ومنه قول الشاعر: شعر : وأي بني الإخاء تصفو مذاهبه تفسير : ويجمع أيضاً إخواناً و {سرر} جمع سرير، و {متقابلين} الظاهر أن معناه في الوجوه، إذ الأسرة متقابلة فهي أحسن في الرتبة، قال مجاهد لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وقيل {متقابلين} في المودة، وقيل غير هذا مما لا يعطيه اللفظ، و"النصب" التعب، يقع على القليل والكثير، ومن الكثير قول موسى عليه السلام {أية : لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} تفسير : [الكهف: 62] ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : كليني لهم يا أمية ناصب تفسير : و {نبىء} معناه أعلم، و {عبادي} مفعول بـ {نبىء}، وهي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فـ {عبادي} مفعول و"أن" تسد مسد المفعولين الباقيين واتصف ذلك وهي وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، ألا ترى أنك إذا قلت أعجبني أن زيداً منطلق إنما المعنى أعجبني انطلاق زيد لأن دخولها إنما هو على جملة ابتداء وخبر فسدت لذلك مسد المفعولين. قال القاضي أبو محمد: وقد تتعدى {نبىء} إلى مفعولين فقط ومنه قوله تعالى {أية : من أنبأك هذا} تفسير : [التحريم: 3]، وتكون في هذا الموضع بمعنى أخبر وعرف، وفي هذا كله نظر، وهذه آية ترجية وتخويف، وروي في هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه" تفسير : . وروي في هذه الآية أن سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه عند باب بني شيبة في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم ثم ولى فجاءه جبريل عن الله، فقال: يا محمد أتقنط عبادي؟ وتلا عليه الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم. قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها، إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة فأكد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ...} الآية: الــ {سَلَـٰم}؛ هنا: يحتمل أن يكونَ السَّلامة، ويحتمل أن يكون التحيَّة، والـــ {غِلٍّ}: الحقْد، قال الداووديُّ: حديث : عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم...} الآية، قال: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ، حُبِسُوا عَلَى صِرَاطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِمَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وَاللَّهِ، لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْ مَنْزِلِهِ في الدُّنْيَا"تفسير : . انتهى. والـ {سُّرُرٍ}: جمع سرير، و{مُّتَقَـٰبِلِينَ}: الظاهر أن معناه: في الوجوه، إِذ الأسرَّة متقابلةٌ، فهي أحْسَنُ في الرتبة. قال مجاهد: لاَ يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ في قفا صاحبه، وقيل غير هذا مما لا يعطِيهِ اللفْظُ، والـ {نَصَبٌ}: التعب، و{نَبِّئْ}: معناه: أعْلِم. قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «منهاجه»: «ومن الآيات اللطيفة الجامعةِ بَيْنَ الرجاءِ والخَوْفِ قولُهُ تعالى: {نَبِّئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }، ثم قال في عَقِبَهُ: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ }؛ لئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الرجاءِ بِمَرَّة، وقوله تعالى: { أية : شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ } تفسير : [غافر:3]، ثم قال في عقبه: { أية : ذِي ٱلطَّوْلِ } تفسير : [غافر:3]، لَئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الخوف، وأَعْجَبُ من ذلك قَولُهُ تعالَى: { أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } تفسير : [آل عمران:30]، ثم قال في عَقِبَهُ: { أية : وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } تفسير : [آل عمران:30]، وأعجَبُ منه قولُهُ تعالَى: { أية : مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [ق:33]، فعلَّق الخشية بٱسْمِ الرحمٰنِ، دون اسْمِ الجَبَّار أو المنتقِمِ أو المتكبِّر ونحوه، ليكون تخويفاً في تأمينٍ، وتحريكاً في تسكينٍ كما تقولُ: «أَما تخشى الوالدةَ الرحيمة، أمَا تخشى الوالِدَ الشَّفِيقَ»، والمراد من ذلك أنْ يكونَ الطَّريقُ عدلاً، فلا تذهب إِلى أَمْنٍ وقنوطٍ جعلنا اللَّه وإِيَّاكم من المتدبِّرين لهذا الذكْرِ الحكيمِ، العامِلِينَ بما فيه، إِنه الجَوَادُ الكَريم انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب. وروي أنَّ سلمان الفارسيَّ ـ رضي الله عنه ـ لما سمع قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر:43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر:43]: فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي، فأنزل الله ـ تعالى ـ {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين. وهو الصحيح؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى؛ لأنَّ الآتي بفردٍ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار. وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول الحكم بدخول الجنة. وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ: المتقين: هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلاَّ من [كان] كذلك. واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ؛ لقوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن:46] ثم قال: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن:62] فيكون [المجموع] أربعة. قوله: "وعُيُونٍ": قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر عين "عِيُونٍ" منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضمِّ، وهو الأصل. فصل الجنَّاتُ: البَساتِينُ، والعُيونُ: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكورة في قوله تعالى: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى}تفسير : [محمد:15]، ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار. قوله: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} العامة على وصل الهمزة من: دَخَلَ يَدخُل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاءِ السَّاكنين في البقرة: [173]. وقرأ يعقوب ـ رحمه الله ـ بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنَّه أمرٌ من: أدْخَلَ يَدْخلُ فلما وقع بعد "عُيونِ" ألقى حركة الهمزة على التنوين؛ لأنها همزة قطع ثمَّ حذفها، والأمر من الله ـ تعالى ـ للملائكةِ، أي: أدخلوها إيَّاهم. وقرأ الحسن، ويعقوب أيضاً: "أُدخِلُوها" ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوب ضمَّ التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعياً، فألقى حركة همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحةِ في قراءته الأولى، والحسن كسرهُ على أصل التقاءِ الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط. وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنَّة: ادخلوها، أو يقال للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفاً من غير إضمارٍ، وقوله "بِسَلامٍ" حالٌ: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلماً عليكم. و"آمنِينَ" حال أخرى، وهي بدلٌ مما قبلها، إما بدل كلُ من كلِّ وإما بدل اشتمالِ؛ لأن الأمن مشتملٌ على التحية أو بالعكسٍ، والمعنى: آمنين من الموت، والخروج، والآفات. فإن قيل: إن الله ـ تعالى ـ [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: "ادْخُلُوها"؟. فالجواب: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}. قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} الغِلُّ: الشَّحناءُ، والعداوة الحقد الكامن في القلب، مأخوذ من قولهم: أغلَّ في جوفه، وتغلغل. قوله: "إخْوَاناً" يجوز أن يكون حالاً من "هُمْ" في "صُدُورهِمْ"، وجاز ذلك؛ لأنَّ المضاف جزءُ المضاف إليه. وقال أبو البقاءِ: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل "ادْخُلوهَا" على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه بل هو حال مقارنة. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في قوله: "جَنَّاتٍ". قوله "على سُررٍ"، يجوز أن يتعلق بنفس "إخواناً"، لأنه بمعنى متصافين، أي: متصافين على سُررٍ، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل جامدٍ بمشتقٍّ، بعيد منه. و"مُتَقابِلينَ" على هذا حالٌ من الضمير في "إخْواناً"، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة لـ"إخْواناً"، وعلى هذا فـ"مُتقَابِلينَ" حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجارِّ، ويجوز أن يتعلق بـ"مُتَقَابلينَ"، أي: متقابلين على سررٍ، وعلى هذا فـ "مُتَقَابلينَ" من الضمير في "إخْواناً" أو صفة لـ"إخْوَاناً". ويجوزم نصبه على المدحِ، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قطعَ. والسُّررُ: جمع سَريرٍ، وهو معروفٌ، ويجوز في "سُررٍ"، ونحوه مما جمع على هذه الصيغةِ من مضاعف "فَعِيل" فتح العين؛ تخفيفاً؛ وهي لغة بني كلبٍ وتميم، فيقولون: سُرَرٌ وجُدَدٌ، وذلك في جمع سرير وجديد. قال المفضل: لأنَّهم يستثقلون الضمتين المتواليتين في حرفين من جنس واحد. فصل قال بعض أهل المعاني: السَّريرُ: مجلسٌ رفيعٌ مهيَّأ للسُّرورِ، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرورٍ. متقابلينَ: يقابل بعضهم بعضاً، لا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه، والتَّقابلُ: التواجه، وهو نقيضُ التَّدابر. قوله: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في "مُتَقَابلينَ". والنَّصَبُ: التَّعَبُ، يقال منه: نَصِبَ يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ ونَاصِبٌ، وأنصبني كذا، قال: [الطويل] شعر : 3278ـ تَأوَّبَنِي هَمٌّ مَعَ اللَّيْلِ مُنصِبُ ....................... تفسير : وهمٌّ ناصبٌ، أي: ذُو نصبٍ، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل] شعر : 3279ـ كِلينِي لِهَمِّ يَا أمَيْمة نَاصبٍ وليْلٍ أقَاسيهِ بَطيءٍ الكَواكِبِ تفسير : و"مِنْهَا" متعلق "بمُخْرجين". وهذه الآية أنصُّ آيةٍ في القرآن على الخلود.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: من اتقى الشرك فهو فى بساتين وأنهار، ومن اتقى الله فهو فى حظيرة القدس فى مقعد صدق عند مليك مقتدر. قال الواسطى: من اتقى الله لعوض جعل ثوابه عليه ما يرجوه، ويأمله ومن اتقى لا لعوض فالحق عوض له من كل ثواب.
القشيري
تفسير : المتقي مَنْ وقَّاه الله بفضله لا مَنْ اتَّقى بَتَكلُّفِه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلاَّ بعد أن وقَّاه الحقُّ - سبحانه - بفضله. هم اليومَ في جنات ولها دَرَجات بعضها أرفعُ من بعض، كما أنهم غداً في جنَّات ولها درجات بعضها فوق بعض. اليوم لقومٍ درجةُ حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنْسِ والقربة، قد علم كلُّ أناسٍ مشربَهم ولزم كلُّ قومٍ مذهبَهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان المتقين} الاتقاء على ثلاثة اوجه اتقاء عن محارم الله باوامر الله واتقاء عن الدنيا وشهواتها بالآخرة وردجاتها واتقاء عما سوى الله تعالى بالله وصفاته والاول تقوى العوام والثانى تقوى الخواص والثالث تقوى الاخص {فى جنات وعيون} مستقرون فيها لكل واحد منهم جنة وعين على ما تقتضى قاعدة مقابلة الجمع بالجمع والاستغراق هو المجموعى لو لكل منهم عدة منهما على ان يكون الالف واللام للاستغراق الافرادى. قال الكاشفى يعنى [باغها كه دران جشمها روان بود از شير وخمر وانكبين وآب]. يقول الفقير جعل ما يستقرون فيه فى الآخرة كأنهم مستقرون فيه فى الدنيا لشدة اخذهم بالاسباب المؤدية اليه ونظيره فى حق اهل النار {أية : ان الذين يأكاون اموال اليتامى ظلما انما ياكلون فى بطونهم نارا}
الطوسي
تفسير : لما اخبر الله تعالى عن الكفار ان مستقرهم جهنم، ووصف جهنم، اخبر - ها هنا - ما للمتقين، فقال {إن للمتقين} الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل طاعته {جنات} وهي البساتين التي تنبع فيها المياه؛ كما تفور من الفوارة، ثم يجري في مجاريه، وانما يشوقهم الى الثواب بالجنان، لانها من اسباب لذات الدنيا المؤدية اليها، كما ان النار من اسباب الآلام لمن حصل فيها. والفرق بين الجنة والروضة: ان الجنة لا بد ان يكون فيها شجر، لان اصلها من ان الشجر يجنها، والروضة قد تكون بغير شجر، يقال: روضة خضرة ورياض مونقات. وقوله {ادخلوها} اي يقال للمتقين {ادخلوها بسلام آمنين} بسلامة وهي البراءة من كل آفة ومضرة، كما قال {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : اي براءة منكم، ومعنى {آمنين} اي ساكني النفس الى انتفاء الضرر. والامانة الثقة بالسلامة من الخيانة. وقوله {ونزعنا ما في صدورهم من غل} فالغل الحقد الذي ينعقد في القلب، ومنه الغل الذي يجعل في العنق، والغلول الخيانة التي تطوق عارها صاحبها، فبين تعالى ان الاحقاد التي في صدور اهل الدنيا تزول بين اهل الجنة ويصبحون {إخواناً} متحابين {على سرر} وهي جمع سرير، وهو المجلس الرفيع موطأ للسرور، ويقال في جمعه: اسرة ايضاً، وهو مأخوذ من السرور، لانه مجلس سرور {متقابلين} اي كل واحد منهم مقابل لصاحبه ومحاذ لاخيه، فانه بذلك يعظم سرورهم. والتقابل وضع كل واحد بازاء الآخر على التشاكل وقال قوم: ان نزع الغل يكون قبل دخول الجنة. وقال آخرون: يكون ذلك بعد دخولهم فيها. وقوله {لا يمسهم فيها نصب} اخبار منه تعالى: ان هؤلاء المؤمنين الذين حصلوا في الجنة {إخواناً على سرر متقابلين} لا يمسهم في الجنة نصب وهو التعب والوهن الذي من العمل، للوهن الذي يلحق. ثم اخبر انهم مع ذلك لا يخرجون من الجنة بل يبقون فيها مؤبدين. و {إخواناً} نصب على الحال. وقال قوم هو نصب على التمييز.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ..} وعد للمتّقين عن متابعة الشّيطان فى مقابلة وعيد التّابعين له.
الهواري
تفسير : قوله: { إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} والعيون هي الأنهار، وقوله: (أية : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) تفسير : [القمر:54] يعني به جميع الأنهار. قوله: { ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ءَامِنِينَ} وذلك حين تتلقّاهم الملائكة تقول لهم: (أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) تفسير : [الزمر: 73]. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وقوله {آمِنِين} أي: آمنين من الموت، أي: خالدين فيها لا يموتون، وهو كقوله: (أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) تفسير : [الدخان:56]. قوله: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أي: من غلِّ الدنيا الذي كان يكون بينهم في الدنيا، والضغائن التي كانت بينهم. وبلغنا أنهم إذا توجَّهوا إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث رؤوسهم، ويغتسلون في الأخرى فيخرج ما في بطونهم من أذى أو قذى أو غلّ أو غش. ثم يتوَجّهون إلى منازلهم، فتتلقاهم الملائكة فتقول لهم: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. فقال الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يخلُص المؤمنون من النار فيحبسون عند قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقتصُّ بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذّبوا ونقّوا قيل لهم: ادخلوا الجنة؛ فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى إلى منزله في الجنة منه إلى منزله كان في الدنيا تفسير : . وذلك قوله: (أية : وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) تفسير : [سورة محمد:6] أي: عرفوها حين دخلوها، كأنهم كانوا قبل ذلك فيها. قال بعضهم: ما شبهوا إلا بأهل جمعة انصرفوا من جمعتهم. قوله: { إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} قال بعضهم: ذلك في الزيارة إذا زار بعضهم بعضاً. وقال بعضهم: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} أى الذين حذروا الشرك والمعاصى والإِصرار عليها وإِذا فعلوا ذلك تابوا عنه فإِن الله يغفر لهم ولو ماتوا على صغائر غفلوا عن التوبة عنها أو نسوها أو جهلوها أو اعتقدوا التوبة عنها فماتوا قيل بلا إِصرار، وعن ابن عباس: اتقوا الكفر والفواحش ولهم ذنوب تكفرها الصلاة وغيرها {فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} فى وسط بساتين وأنهار من ماء وخمر ولبن وعسل بيَان ذلك أن يكون منزل ولى الله داخل بستان ومن جوانبه بساتين وأن يكون الأَنهار من جوانبه وأمامه وخلفه ويحتمل أن تكون هذه العيون غير العيون الكبار التى فى الجنة يختص كل واحد من أهل الجنة بعيون ويحتمل الاشراك لأَنهم قد ظهروا من الحقد والحسد وليس المراد كما قيل أن ذلك توزيع، وأن لكل واحد جنة واحدة وعين واحدة بل لكل واحد جنات وعيون، وقرأ غير نافع وحفص وهشام وأبى عمرو بكسر عين عيون والعيون حيث وقعا فى القرآن. {ادْخُلُوهَا} مفعول لقول محذوف مستأَنف أو حال أو نائب لذلك القول أى قيل لهم أو مقولا لهم أو قال الله لهم أو قال لهم بعض ملائكته ادخلوا الجنات والعيون والحال ماضية محكية وقرأ الحسن أدخلوها بقطع الهمزة مضمومة وكسر الخاء على البناء للمفعول فالجملة على هذه القراءة مستأْنفة أو حال بنفسها بلا تقدير قول وعلى هذه القراءة لا بكسر لتنوين عيون، {بِسَلاَمٍ} متعلق بمحذوف حال والباء بمعنى مع، أى ثابتين مع سلامة من الموت والمرض والحزن والقروح وسائر الآفات أو أدخلوها ثابتين مع تسليم منهم يدخلون قائلين لمن يليهم من الملائكة وأزواج وخدم: سلام عليكم أو ثابتين مع تسليم الملائكة عليهم، {آمِنِينَ} حال مؤكدة أن فسر السلام بالسلامة وموسسة أن فسر بالتسليم وصاحب الحال الأَولى أو صاحبها ضمير الاستقرار فى الأُولى.
اطفيش
تفسير : {إنَّ االمُتَّقِينَ} لجميع المعاصى، أَو للصغائِر لم يصروا عليها، وذكر الفخر فى سورة لقمان أن اسم الفاعل يعاد لمن رسخ فيه فيحمل عليه الشرع، ولو كان ربما أُطلق على من لم يرسخ، ويدل لهذا ما ورد من أحاديث إبطال الأعمال بالكبائر وآياته، فليس المراد كل من اتقى الشرك، وإلا كان قائِل ذلك مرجَئَةٌ، أو نقض قوله بدخول بعض النار {فى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} لكل واحد مع من تحته من ولدان وحور جنة وعين، أو لكل واحد مع من تحته عدد من عيون، وعدد من جنات "أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان"تفسير : [الرحمن: 46] وكثيرا ما يطلق لفظ الجمع على الاثنين فصاعدا، وأيضا قال الله عز وجل: "أية : ومن دونهما جنتان"تفسير : [الرحمن: 62] فيحتمل الضم إلى الأُليين فتلك أربع لكل واحد، وقوله تعالى: " أية : مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار"تفسير : [محمد: 15] إلخ يدل على تعدد الأنهار وليس فيه تعدد العيون، لكن لا مانع من أَن يقال لا فرق بين العين والنهر فى دار الخلد، ويجوز أن يقال: العيون مقادير لتلك الأَنهار، والنهر أعظم من العين، ويجوز أَن تجرى العيون بعضها إلى بعض إذ لا حقد ولا حسد، ومعنى كونهم فى جنات وعيون أنهم فى تملك جنات وعيون، أَو فى شأْن جنات وعيون، أَو فى نفع جنات وعيون.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } أي مستقرون في ذلك خالدون فيه، والمراد بهم ـ على ما في "الكشاف" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ الذين اتقوا الكفر والفواحش ولهم ذنوب تكفرها الصلوات وغيرها، وفيه أن المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه/ مما نهي عنه، ونقل الإمام عن جمهور الصحابة والتابعين وذكر أنه المنقول عن الحبر أن المراد بهم الذين اتقوا الشرك ثم قال: وهذا هو الحق الصحيح، والذي يدل عليه أن المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة فليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى، والذي يقرر ذلك أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى فإن الفرد مشتمل على الماهية بالضرورة وكل آت بالتقوى يجب أن يكون متقياً فالآتي بفرد يجب كونه متقياً، ولهذا قالوا: ظاهر الأمر لا يفيد التكرار فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن ذنب واحد إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، وأيضاً هذه الآية وردت عقيب قول إبليس: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الحجر: 40] وعقيب قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] فلذا اعتبر الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزاد فيه قيد آخر لأن تخصيص العام لما كان خلاف الظاهر، فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق بمقتضى الأصل والظاهر فثبت أن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانوا من أهل المعصية، وهذا تقرير بين وكلام ظاهر اهـ. وقد يقال: لا شبهة في أن السياق يدل على أن المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم، وأن المطلق يحمل على الكامل والكامل ما أشار إليه الزمخشري ولا بأس بالحمل عليه وقيل إنه الأنسب. وإخراج العصاة من النار ثابت بنصوص أخر، وكذا إدخال التائبين الجنة بل غيرهم أيضاً فلا يلزم القائل بذلك القول بما عليه المعتزلة من تخليد أصحاب الكبائر كما لا يخفى، وأل للاستغراق وهو إما مجموعي فيكون لكل واحد من المتقين جنة وعين أو إفرادي فيكون لكل جنات وعيون، والمراد بالعيون يحتمل كما قيل أن يكون الأنهار المذكورة في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } تفسير : [محمد: 15] الآية، ويحتمل أن يكون منابع مغايرة لتلك الأنهار وهو الظاهر، وهل كل من المتقين مختص بعيونه أو ليس مختصاً بل تجري من بعض إلى بعض احتمالان فإنه يمكن أن يكون لكل واحد عين وينتفع بها من في معيته، ويمكن أن تجري العين من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد، وضم العين من {عيون} هو الأصل وبه قرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام وقرأ الباقون بالعكس وهو لمناسبة الياء.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي، انتقال من وعيد المجرمين إلى بشارة المتّقين على عادة القرآن في التفنن. والمتّقون: الموصوفون بالتقوى. وتقدمت عند صدر سورة البقرة. والجنّات: جمع جنة. وقد تقدمت عند قوله تعالى {أية : أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} تفسير : في أول سورة البقرة (25) والعيون: جمع عين اسم لثقب أرضي يخرج منه الماء من الأرض. فقد يكون انفجارها بدون عمل الإنسان. وأسبابه كثيرة تقدمت عند قوله تعالى: {أية : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} تفسير : في سورة البقرة (74). وقد يكون بفعل فاعل وهو التفجير. وجملة {ادخلوها} معمولة لقول محذوف يقدر حالاً من {المتقين} والقرينة ظاهرة. والتقدير: يقال لهم ادخلوها. والقائل هو الملائكة عند إدخال المتقين الجنة. والباء من {بسلام} للمصاحبة. والسلام: التحية. وتقدم في قوله: {أية : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} تفسير : في سورة الأنعام (54) والأمن النجاة من الخوف. وجملة {ونزعنا ما في صدورهم من غل} عطف على الخبر، وهو {في جنات وعيون}. والتقدير: إن المتقين نزعنا ما في صدورهم من غِلّ. والغِلّ ــــ بكسر الغين ــــ البغض. وتقدم في قوله تعالى: {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غلّ تجري من تحتهم الأنهار} تفسير : في سورة الأعراف (43)، أي ما كان بين بعضهم من غلّ في الدنيا. و{إخواناً} حال، وهو على معنى التشبيه، أي كالإخوان، أي كحال الإخوان في الدنيا. وأول من يدخل في هذا العموم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم من الحوادث الدافع إليها اختلاف الاجتهاد في إقامة مصالح المسلمين، والشدة في إقامة الحق على حسب اجتهادهم. كما روي عن علي ــــ كرّم الله وجهه ــــ أنه قال: إني لأرجو من أن أكون أنا وطلحة ممن قال الله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً}. فقال جاهل من شيعة عليّ اسمه الحارث بن الأعور الهمذاني: كلا، اللّهُ أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد. فقال عليّ: «فلمن هذه الآية لا أمّ لك بِفيك التراب». والسرر: جمع سرير. وهو محمل كالكرسي متّسع يمكن الاضطجاع عليه. والاتّكاء: مجلس أصحاب الدعة والرفاهية لتمكن الجالس عليه من التقلّب كيف شاء حتى إذا ملّ جِلسة انقلب لغيرها. والتقابل: كون الواحد قبالة غيره، وهو أدخل في التأنس بالرؤية والمحَادثة. والمسّ: كناية عن الإصَابة. والنصَب: التعب النّاشىء عن استعمال الجهد.
الشنقيطي
تفسير : بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال لهم يوم القيامة: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر:46] وذكر في مواضع أخر صفات ثوابهم وربما بين بعض تقواهم التي نالوا بها هذا الثواب الجزيل كقوله في الذاريات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 15-19] وقوله في الدخان: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [الدخان: 51-57] وقوله في الطور: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} تفسير : [الطور: 17-20] وقوله في القمر: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} تفسير : [القمر: 54-55] وقوله في المرسلات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [المرسلات: 41-42] إلى غير ذلك من الآيات. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن الشيء الذي له أوصاف متعددة في القرآن نبين أوصافه عند ذكر بعضها كما تقدم مثاله مراراً وكما هنا. والمتقي اسم فاعل الاتقاء وأصل الاتقاء (و ق ي) لفيف مفروق فاؤه واو وعينه قاف ولامه ياء فدخله تاء الافتعال فصارت وقي أو تقي فأبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء للقاعدة المقررة في التصريف أن كل واو هي فاء الكلمة إذا دخلت عليها تاء الافتعال يجب إبدالها أعني الواو تاء وإدغامها في تاء الافتعال نحو اتصل من الوصل واتزن من الوزن واتحد من الوحدة واتقى من الوقاية وعقد هذه القاعدة ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا تفسير : والاتقاء في اللغة: اتخاذ الوقاية دون المكروه ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد تفسير : يعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية تقيها من أن ننظر إلى وجهها لأنها تستره بها وقول الآخر: شعر : فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصلين كف ومعصم تفسير : والتقوى في اصطلاح الشرع: هي اتخاذ الوقاية دون عذاب الله وسخطه وهي مركبة من أمرين هما امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن المتقين: أي الذين خافوا ربهم فعبدوه وحده بما شرع لهم من العبادات. ونزعنا ما في صدروهم من غل: أي حقد وحسد وعداوة وبغضاء. على سرر متقابلين: أي ينظر بعضهم إلى بعض ما داموا جالسين وإذا انصرفوا دارت بهم الأسرة فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. لا يمسهم فيها نصب: أي تعب. العذاب الأليم: أي الموجع شديد الإيجاع. ضيف إبراهيم: هم ملائكة نزلوا عليه وهم في طريقهم إلى قوم لوط لإِهلاكهم كان من بينهم جبريل وكانوا في صورة شباب من الناس. إنا منكم وجلون: اي خائفون وذلك لمَّا رفضوا أن يأكلوا. بغلام عليم: أي بولد ذي علم كثير هو إسحاق عليه السلام. فيم تبشرون: أي تَعَجَّبَ من بشارتهم مع كبره بولد. من القانطين: أي الآيسين. معنى الآيات: لما ذكر تعالى جزاء اتباع إبليس الغاوين، ناسب ذكر جزاء عباد الرحمن أهل التقوى والإيمان فقال تعالى مخبراً عما أعد لهم من نعيم مقيم: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي الله بترك الشرك والمعاصي {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} يقال لهم {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} أي حال كونكم مصحوبين بالسلام آمنين من الخوف والفزع. وقوله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أي لم يُبقِ الله تعالى في صدور أهل الجنة ما ينغصُ نعيمها، أو يكدر صفوها كحقدٍ أو حسدٍ أو عداوة أو شحناء. وقوله: {إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ} لما طهر صدورهم مما من شأنه أن ينغص أو يكدر، أصبحوا في المحبة لبعضهم بعضاً أخوانا يضمهم مجلسٌ واحد يجلسون فيه على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه، وإذا أرادوا الإِنصراف إلى قصورهم تدور بهم الأسرة فلا ينظر أحدهم إلى قفا أخيه. وقوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} فيه الإِخبار بنعيمين: نعيم الراحة الأبدية إذ لا نصب ولا تعب في الجنة ونعيم البقاء والخلد فيها إذ لا يخرجون منها أبداً، وفي هذا تقرير لمُعْتَقَدِ البعث والجزاء بأبلغ عبارةٍ وأوضحها. وقوله تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي خبر يا رسولنا عبادنا المؤمنين الموحدين أن ربهم غفور لهم إن عصوه وتابوا من معصيتهم. رحيم بهم فلا يعذبهم. {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} ونبئهم أيضاً أن عذابي هو العذاب الأليم فليحذروا معصيتي بالشرك بي، أو مخالفة أوامري وغشيان محارمي. وقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً} أي سلموا عليه فرد عليهم السلام وقدم لهم قِرَى الضيف وكان عجلاً حنيذا، كما تقدم في هود وعرض عليهم الأكل فامتنعوا وهنا قال: {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي خائفون، وكانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل في صورة لشباب حسان. فلما أخبرهم بخوفه منهم، لأن العادة أن النازل على الإِنسان إذا لم يأكل طعامه دل ذلك على أنه يريد به سوءً. {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} أي لا تخف، {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} أي بولدٍ ذي علم كثير. فرد إبراهيم قائلاً بما أخبر تعالى عنه بقوله: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} أي هذه البشارة بالولد على كبر سني أو عجيب، فلما تعجب من البشارة وظهرت عليه علامات الشك والتردد في صحة الخبر قالوا له: {بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} أي الآيسين. وهنا ورد عليهم قائلاً نافياً القنوط عنه لأن القنوط حرام. {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} أي الكافرون بقدرة الله ورحمته لجهلهم بربهم وصفاته المتجلية في رحمته لهم وإنعامه عليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نعيم الجنة، وأن نعيمها جسماني روحاني معاً دائم أبداً. 2- صفاء نعيم الجنة من كل ما ينغصه أو يكدره. 3- وعد الله بالمغفرة لمن تاب من أهل الإيمان والتقوى من موحدّيه. 4- وعيده لأهل معاصيه إذا لم يتوبوا إليه قبل موتهم. 5- مشروعية الضيافة وأنها من خلال البر والكرم. 6- حرمة القنوط واليأس من رحمة الله تعالى.
القطان
تفسير : سرر: جمع سرير. نصب: تعب. نَبِّيءْ: خبِّرْ. بعد ذِكر حال اهل الغواية، وعلى رأسهم ابليس، وما يلاقون يوم القيامة في جهنم - جاء ذِكُر حال المتقين، أهلِ الجنة، وما يتمتعون به من نعيم مقيم. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. ان الّذين اتقَوا اللهَ وأطاعوا أوامره يتمتعون في جنّات تجري من تحتِها الأنهار، حيث يُقال لهم: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}. ادخُلوها وأنتم على احسن حال من الفرح والسعادة والأمن، فلا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}. ولقد طهّرْنا قلوبَهم من الحسد والغِلّ والكراهية، فاجتمعوا فيها على المحبَّة والصفاء، يتنادمون على سرر متقابِلين، ويتزاورون ويتواصلون. {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}. لا يحلقُهم في تلك الجنّات مشقَّة ولا تعب، ونعيمُها دائم لا يخرجون منه ابدا. {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}. وهذا ايضاً من اسلوب القرآن الحكيم، فان الله تعالى فَتَحَ بابَ الرحمة على مصراعيه وهو الغفور ذو الرحمة الواسعة، فنبئ يا محمدُ عبادي بذلك، وأخبرْهم ان العذابَ للعصاة المعاندين شديد أليم، فالترغيب والترهيب متلازمان دائما في اسلوب القرآن الكريم.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} (45) - ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّقُوا رَبَّهُمْ، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَتَنْبُعُ فِي أَرْضِهَا عُيُونُ المَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمُتقِي هو الذي يحولُ بين ما يُحبّ وما يكره؛ ويحاول ألاَّ يصيب مَنْ يحب ما يكره. وتتعدى التقوى إلى متقابلاتٍ، فنجد الحق سبحانه يقول: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 282]. ويقول أيضاً: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..} تفسير : [البقرة: 24]. وقلنا من قَبْل: إن الحقَّ سبحانه له صفاتُ جلال، وصفات كمال وجمال. يَهَبُ بصفات الكمال والجمال العطايا، ويهَبُ بصفات الجلال البَلايا؛ فهو غفّار، وهو قهار، وهو عَفْو، وهو مُنْتِقم. وعلينا أن نجعلَ بيننا وبين صفات الجلال وقاية؛ وأن نجعل بيننا وبين صفات الجمال قُرْبى؛ والطريق أن نتبعَ منهجه؛ فلا ندخل النار التي هي جُنْد من جنود الله. وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الحجر: 45]. وهم الذين لم يرتكبوا المعاصي بعد أن آمنوا بالله ورسوله واتبعوا منهجه. وإنْ كانت المعصية قد غلبتْ بعضهم، وتابوا عنها واستغفروا الله؛ فقد يغفر الله لهم، وقد يُبدّل سيئاتِهم حسناتٍ. ومَنْ يدخل الجنة سيجد فيها العيون والمقصود بها الأنهار؛ والحق سبحانه هو القائل: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ..} تفسير : [محمد: 15]. ولعل هناك عيوناً ومنابعَ لا يعلمها إلا الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه: {ٱدْخُلُوهَا ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أعقبهم بذكر حال السعداء من أهل النعيم، ثم ذكر قصص بعض الرسل مع أقوامهم "لوط، وشعيب، وصالح" تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم في الصبر، ثم ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، وختم السورة ببشارته عليه السلام بإهلاك أعدائه المستهزئين. اللغَة: {نَصَبٌ} تعب وإعياء {وَجِلُونَ} خائفون فزعون {ٱلْغَابِرِينَ} الباقين في العذاب {ٱلْقَانِطِينَ} القنوط: كمالُ اليأس {تَفْضَحُونِ} الفضيحةُ: أن يُظهر من أمره ما يلزمه به العارُ، يقال: فضحه الصبح إذا أظهره للناس قال الشاعر: شعر : ولاح ضوءُ هلالٍ كاد يفضحنا مثلُ القلامةِ قد قُصَّت من الظُّفُر تفسير : {لَعَمْرُكَ} قسمٌ بحياة محمد صلى الله عليه وسلم أي وحياتك {سَكْرَتِهِمْ} السكرة: الغواية والضلالة {يَعْمَهُونَ} يترددون تحيراً أو يعمون عن الرشد. والعَمه للقلب مثل العمى للبصر {لِلْمُتَوَسِّمِينَ} التوسُّم من الوَسم وهي العلامة التي يستدل بها على المطلوب يقال: توسَّم فيه الخير إذا رأى فيه أثراً منه قال ابن رواحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : إني توسَّمتُ فيك الخير أعرفه والله يعلم أني ثابتُ البصر تفسير : وأصله التثبتُ والتفكر مثل التفرس وفي الحديث "حديث : اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" تفسير : {ٱلأَيْكَةِ} الشجرة الملتفَّة وجمعها أيْك {ٱلحِجْرِ} اسم واد كانت تسكنه ثمود {عِضِينَ} أجزاءٌ متفرقة من التعضية وهي التجزئة والتفريق {ٱلْيَقِينُ} الموت لأنه أمر متيقن. سَبَبُ النّزول: روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنةُ والنار؟ فشقَّ ذلك عليهم فنزلت {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} . تفسير : التفسِير: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي إن الذين اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة بالماء والسلسبيل والخمر والعسل {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} أي يقال لهم: أُدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال هذا النعيم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أي أزلنا ما في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء {إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} أي حال كونهم إخوةً متحابين لا يكدّر صفوهم شيء، على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه قال مجاهد: لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض زيادةً في الانس والإِكرام، وقال ابن عباس: على سررٍ من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت والزبرجد {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} أي لا يصيبهم في الجنة إعياءٌ وتعب {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} أي لا يُخرجون منها ولا يُطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء والسرور {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} أي وأخبرهم أنَّ عذابي شديد لمن أصرَّ على المعاصي والذنوب قال أبو حيان: وجاء قوله {وَأَنَّ عَذَابِي} في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذّب المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإِهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمانٍ حسانٍ معهم جبريل {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً} أي حين دخلوا على إبراهيم فسلَّموا عليه {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي قال إبراهيم إنّا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ} أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعدْه ولا تيأس من رحمة الله {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإِيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام باعتماد العادة دون القدرة فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرامُ؟ {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي أرسلنا ربنا إلى قومٍ مشركين ضالين لإِهلاكهم يعنون قوم لوط {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} أي إلا أتباعَ لوط وأهلَه المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي إلا امرأة لوط فقد قدَّر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين قال القرطبي: استثنى من آل لوطٍ امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي فلما أتى رسلُ الله لوطاً عليه السلام {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ {قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي قالوا له بل نحن رسل الله، جئناك بما كان فيه قومك يشكُّون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به {وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ} أي سرْ بأهلك في طائفةٍ من الليل {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} أي كنْ من ورائهم وسرْ خلفهم لتطمئنَّ عليهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} أي لا يلتفتْ أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل قال ابن عباس: يعني الشام {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ} أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم أن أولئك المجرمين سيُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ {مُّصْبِحِينَ} أي إذا دخل الصباح تمَّ هلاكهم واستئصالهم {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوطٍ - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعاً في ارتكاب الفاحشة بهم، ظناً منهم أنهم أناسٌ أمثالهم قال المفسرون: أُخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوطٍ شباناً مرداً حساناً فأسرعوا فرحين يبشّر بعضهم بعضاً بأضياف لوط {قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم بسوء فتُلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ} أي خافوا الله أن يحلَّ بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم بالمكروه {قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي قالوا ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحدٍ من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ {قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} أي هؤلاء النساء فتزوجوهنَّ ولا تركنوا إلى الحرام إن كنتم تريدون قضاء الشهوة قال المفسرون: المراد بقوله {بَنَاتِي} بناتُ أمته لأن كل نبيٍّ يعتبر أباً لقومه {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسماً بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تكريماً له وتشريفاً قال ابن عباس: "ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرمَ على الله من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعتُ اللهَ أقسم بحياة أحدٍ غيره" {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} أي أخذتهم صيحةُ العذاب المهلكة المدمرة وقت شروق الشمس {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي قلبناها بهم فجعلنا أعالي المنازل أسافلها قال المفسرون: حمل جبريل عليه السلام قريتهم واقتلعها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} أي أنزلنا عليهم حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} أي فيما حلَّ بهم من الدمار والعذاب لدلالات وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه، لبطريقٍ ثابتٍ لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} أي لعبرةً للمصدّقين {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} أي وإنه الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير المتلف - لظالمين بتكذيبهم شعيباً، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظُلَّة قال المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله عليهم سحابة كالظلة، فالتجئوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها ناراً فأحرقتهم جميعاً {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة؟ {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ} هذه هي القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام أي كذبت ثمود نبيَّهم صالحاً - والحجرُ وادٍ بين المدينة والشام وآثاره باقية يمرُّ عليها المسافرون - قال البيضاوي: ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال {ٱلْمُرْسَلِينَ} {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتَّعظون قال ابن عباس: كان في الناقة آيات: خروجُها من الصخرة، ودنوُّ ولادتها عند خروجها، وعظمُ خَلْقها فلم تشبهها ناقة، وكثرةُ لبنها حتى كان يكفيهم جميعاً فلم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتاً آمنين يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي ما دفع عنهم عذابَ الله ما كانوا يشيدونه من القلاع والحصون {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي وما خلقنا الخلائق كلَّها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقاً ملتبساً بالحق، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} أي وإن القيامة لآتيةٌ لا محالة فيُجازى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} أي الخالق لكل شيء، العليمُ بأحوال العباد {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات هي الفاتحة لأنها تثنّى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث "حديث : الحمدُ للهِ رب العالمين هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه" تفسير : وقيل: هي السور السبع الطوال، والأول أرجح {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} أي وآتيناك القرآن العظيم الجامع لكمالات الكتب السماوية {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي لا تنظر إلى ما متعنا به بعض هؤلاء الكفار، فإن الذي أعطيناك أعظم منها وأشرف وأكرم، وكفى بإِنزال القرآن عليك نعمة {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي لا تحزن لعدم إيمانهم {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي تواضعْ لمن آمن بك من المؤمنين وضعفائهم {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} أي قل لهم يا محمد أنا المنذر من عذاب الله، الواضح البيِّن في الإِنذار لمن عصى أمر الجبار {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} الكاف للتشبيه والمعنى أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فانقسموا إلى قسمين {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} أي جعلوا القرآن أجزاءٌ متفرقة وقالوا فيه أقوالاً مختلفة قال ابن عباس: آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم له بقولهم سحر، وشعر، وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب مثل فعل كفار مكة {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي فأقسمُ بربك يا محمد لنسألنَّ الخلائق أجمعين عما كانوا يعملون في الدنيا {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي فاجهر بتبليغ أمر ربك، ولا تلتفت إلى ما يقول المشركون {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} أي كفيناك شرَّ أعدائك المستهزئين بإهلاكنا إياهم وكانوا خمسة من صناديد قريش {ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ} أي الذين أشركوا مع الله غيره من الأوثان والأصنام {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} أي يضيق صدرك بالاستهزاء والتكذيب {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي فافزع فيما نالك من مكروه إلى التسبيح والصلاة والإِكثار من ذكر الله {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} أي اعبد ربك يا محمد حتى يأتيك الموت، سمي يقيناً لأنه متيقن الوقوع والنزول. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الإِيجاز بالحذف في {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ} أي يقال لهم أدخلوها. 2- المقابلة اللطيفة في {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} مع الآية بعدها {وَأَنَّ عَذَابِي} فقد قابل بين العذاب والمغفرة وبين الرحمة الواسعة والعذاب الأليم، وهذا من المحسنات البديعية. 3- الكناية في {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ} كنَّى به عن عذاب الاستئصال. 4- المجاز في {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مجازاً وهو لله وحده وذلك لما لهم من القرب والاختصاص لأنهم رسل الله أُرسلوا بأمره تعالى. 5- الجناس الناقص في {ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} وجناس الاشتقاق في {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ}. 6- صيغة المبالغة في {ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} وفي {ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}. 7- الطباق في {عَالِيَهَا سَافِلَهَا}. 8- السجع بلا تكلف في مواطن عديدة مثل {آمِنِينَ، مُّصْبِحِينَ، مُعْرِضِينَ}. 9- عطف العام على الخاص في {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}. 10- الاستعارة التبعية في {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} حيث شبّه إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كلٍ واستعير اسم المشبَّه به للمشبَّه، وهذا من بليغ الاستعارات لأن الطائر إذا كف عن الطيران خفض جناحيه. تنبيه: الجمع بين هذه الآية {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وبين قوله {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ}تفسير : [القصص: 78] وقوله {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 39] أن القيامة مواطن، فموطنٌ يكون فيه سؤال وكلام، وموطنٌ لا يكون ذلك فيه، هذا قول عكرمة، وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } الذين اتقوا طاعة الشيطان وما يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } قد احتوت على جميع الأشجار وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات. ويقال لهم حال دخولها: { ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } من الموت والنوم والنصب، واللغوب وانقطاع شيء من النعيم الذي هم فيه أو نقصانه ومن المرض، والحزن والهم وسائر المكدرات، { وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد متصافية متحابة { إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ } . دل ذلك على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم في كون كل منهم مقابلا للآخر لا مستدبرا له متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ وأنواع الجواهر. { لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } لا ظاهر ولا باطن، وذلك لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة لا تقبل شيئا من الآفات، { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } على سائر الأوقات. ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال: { نَبِّئْ عِبَادِي } أي: أخبرهم خبرا جازما مؤيدا بالأدلة، { أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته، ومغفرته سَعَوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته. ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ } أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه {أية : لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد } تفسير : حذروا وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):