Verse. 1863 (AR)

١٥ - ٱلْحِجْر

15 - Al-Hijr (AR)

فَلَمَّا جَاۗءَ اٰلَ لُوْطِۨ الْمُرْسَلُوْنَ۝۶۱ۙ
Falamma jaa ala lootin almursaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما جاء آل لوط» أي لوطا «المرسلون».

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وإلى آله، وأن لوطاً وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله، فلهذا قال لهم: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } وفي تأويله وجوه: الأول: أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون، لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه، فقال هذه الكلمة. والثاني: أنهم كانوا شباباً مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. والثالث: أن النكرة ضد المعرفة فقوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي لا أعرفكم، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم علي، فعند هذه الكلمة قالت الملائكة، بل جئناك بما كانوا فيه يمترون، أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله، ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: {وأَتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ } قال الكلبي: بالعذاب، وقيل باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم؛ {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي لا أعرفكم. وقيل: كانوا شباباً ورأى جمالاً فخاف عليهم من فتنة قومه؛ فهذا هو الإنكار. {قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي يشكّون أنه نازل بهم، وهو العذاب. {وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق. وقيل: بالعذاب. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي في هلاكهم. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ} تقدّم في هود. {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} أي كن من ورائهم لئلا يتخلفَ منهم أحد فيناله العذاب. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} نُهوا عن الالتفات ليجِدّوا في السير ويتباعدوا عن القرية قبل أن يفاجئهم الصبح. وقيل: المعنى لا يتخلف. {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} قال ابن عباس: يعني الشام. مقاتل: يعني صَفَد، قرية من قرى لوط. وقد تقدّم. وقيل: إنه مضى إلى أرض الخليل بمكان يقال له اليقين، وإنما سمي اليقين لأن إبراهيم لما خرجت الرسل شيّعهم، فقال لجبريل: من أين يخسف بهم؟ قال:« من ها هنا» وحَدَّ له حَدًّا، وذهب جبريل؛ فلما جاء لوط جلس عند إبراهيم وارتقبا ذلك العذاب، فلما اهتزت الأرض قال إبراهيم:« أيقنت بالله». فسمّي اليقين.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ} يعنون: بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوايشكون في وقوعه بهم وحلوله بساحتهم، {وَآتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ}؛ كقوله تعالى: {أية : مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} تفسير : [الحجر: 8]. وقوله: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ } أي لوطاً {ٱلْمُرْسَلُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فأسرِ بأهلك بقطع مِن الليل}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بآخر الليل، قاله الكلبي. الثاني: ببعض الليل، قاله مقاتل. الثالث: بظلمة الليل، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر: شعر : ونائحةٍ تنوحُ بقطع ليلٍ على رَجُلٍ بقارعةِ الصعيد تفسير : قوله عز وجل:{وقضينا إليه ذلك الأمر}أي أوحينا إليه ذلك الأمر. {أنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}فيه وجهان: أحدهما: آخرهم. الثاني: أصلهم. {مقطوع مصبحين} أي يستأصلون بالعذاب عند الصباح.

النسفي

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي لا أعرفكم أي ليس عليكم زي السفر ولا أنتم من أهل الحضر فأخاف أن تطرقوني بشر {قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما فيه سرورك وتشفيك من أعدائك وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه أي يشكون ويكذبونك {وَأَتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ } باليقين من عذابهم {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } في الإخبار بنزوله بهم {فَأْسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ} في آخر الليل أو بعد ما يمضي شيء صالح من الليل {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ } وسر خلفهم لتكون مطلعاً عليهم وعلى أحوالهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم، أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } حيث أمركم الله بالمضي إليه وهو الشام أو مصر {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ} عدى {قضينا} بـ «إلى» لأنه ضمن معنى أوحينا كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضياً مبتوتاً، وفسر ذلك الأمر بقوله {أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ } وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر ودابرهم آخرهم أي يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد {مُّصْبِحِينَ } وقت دخولهم في الصبح وهو حال من {هؤلاء}

الخازن

تفسير : {فلما جاء آل لوط المرسلون} وذلك أن الملائكة عليهم السلام لما بشروا إبراهيم بالولد، وعرفوه بما أرسلوا به ساروا إلى لوط وقومه فلما دخلوا على لوط {قال إنكم قوم منكرون} وإنما قال هذه المقالة لوط لأنهم دخلوا عليه وهم في زي شبان مردان حسان الوجوه، فخاف أن يهجم عليهم قومه فلهذا السبب قال هذه المقالة. وقيل: إن النكرة ضد المعرفة فقوله: إنكم قوم منكرون يعني لا أعرفكم ولا أعرف من أي الأقوام أنتم، ولا لأي غرض دخلتم فعند ذلك {قالوا} يعني الملائكة {بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} يعني جئناك بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه {وأتيناك بالحق} يعني باليقين الذي لا شك فيه {وإنّا لَصادقون} يعني فيما أخبرناك به من إهلاكهم {فأسر بأهلك} بقطع من الليل يعني آخر الليل، والقطع القطعة من الشيء وبعضه {واتبع أدبارهم} يعني واتبع آثار أهلك وسر خلفهم {ولا يلتفت منكم أحد} يعني حتى لا يرى ما نزل بقومه من العذاب فيرتاع بذلك، وقيل: المراد الإسراع في السير وترك الالتفات إلى ورائه، والاهتمام بما خلفه كما تقول امض لشأنك ولا تعرج على شيء وقيل جعل ترك الالتفات علامة لمن ينجو من آل لوط, ولئلا يتخلف أحد منهم فيناله العذاب {وامضوا حيث تؤمرون} قال ابن عباس: يعني إلى الشام وقيل: الأردن، وقيل إلى حيث يأمركم جبريل وذلك أن جبريل أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة, ما عمل أهلها عمل قوم لوط {وقضينا إليه ذلك الأمر} يعني وأوحينا إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به على قومه، وفرغنا منه ثم إنه سبحانه وتعالى فسر ذلك الأمر الذي قضاه بقوله {أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} يعني أن هؤلاء القوم يستأصلون عن آخرهم بالعذاب وقت الصبح وإنما أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولاً، وفسر ثانياً تفخيماً له وتعظيماً لشأنه {وجاء أهل المدينة} يعني مدينة سدوم وهي مدينة قوم لوط {يستبشرون} يعني يبشر بعضهم بعضاً بأضياف لوط والاستبشار: إظهار الفرح والسرور، وذلك أن الملائكة لما نزلوا على لوط ظهر أمرهم في المدينة, وقيل إن امرأته أخبرتهم بذلك، وكانوا شباناً مرداً في غاية الحسن ونهاية الجمال فجاء قوم لوط إلى داره طمعاً منهم في ركوب الفاحشة {قال} يعني قال لوط لقومه {إن هؤلاء ضيفي} وحق على الرجل إكرام ضيفه {فلا تفضحون} يعني فيهم يقال فضحه يفضحه إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه {واتقوا الله} يعني خافوا الله في أمرهم {ولا تخزون} يعني ولا تخجلون {قالوا} يعني: قوم لوط الذين جاؤوا إليه {أولم ننهك عن العالمين} يعني أولم ننهك عن أن تضيف أحداً من العالمين. وقيل: معناه أو لم ننهك أن تدخل الغرباء إلى بيتك، فإنا نريد أن نركب منهم الفاحشة: وقيل: معناه ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من العالمين إذا قصدناه بالفاحشة.

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ} شروع في بـيان كيفيةِ إهلاكِ المجرمين وتنجيةِ آل لوط حسبما أُجمل في الاستثناء ثم فُصّل في التعليل نوعَ تفصيل، ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمر للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من الإهلاك والتنجية، وليس المرادُ به ابتداءَ مجيئهم بل مطلقُ كينونتهم عند آل لوط، فإن ما حُكي عنه عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} إنما قاله عليه الصلاة والسلام بعد اللتيا والتي حين ضاقت عليه الحيلُ وعيَّتْ به العللُ لمّا لم يشاهِدْ من المرسلين ـ عند مقاساته الشدائدَ ومعاناته المكايدَ من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون ـ ما هو المعهودُ والمعتاد من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويذر عند تجشّمِه في تخليصهم إنكاراً لخذلانهم له، وتركِ نصرته في مثل تلك المضايقة المعترية له بسببهم حيث لم يكونوا مباشرين معه لأسباب المدافعةِ والممانعة حتى ألجأتْه إلى أن قال: { أية : لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} تفسير : [هود: 80] حسبما فصل في سورة هود، لا أنه قاله عند ابتداء ورودِهم له خوفاً أن يطرُقوه بشرَ كما قيل، كيف لا وهم بجوابهم المحكيّ بقوله تعالى: {قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون به ويكذبونك، قد قشَروا العصا وبـيّنوا له عليه الصلاة والسلام جليةَ الأمر، فأنى يمكن أن يعتريَه بعد ذلك المساءةُ وضيقُ الذَّرْع، وليست كلمةُ بل إضراباً عن موجب الخوفِ المذكور على معنى ما جئناك بما تُنكِرنا لأجله بل بما يسرك وتقَرّ به عينُك، بل هي إضرابٌ عما فهمه عليه الصلاة والسلام من ترك النصرةِ له، والمعنى ما خذلناك وما خلّينا بـينك وبـينهم بل جئناك بما يدمّرهم من العذاب الذي كانوا يكذبونك حين كنت تتوعدهم به، ولعل تقديمَ هذه المقاولة على ما جرى بـينه وبـين أهلِ المدينة من المجادلة للمسارعة إلى ذكر بشارةِ لوطٍ عليه الصلاة والسلام بإهلاك قومِه وتنجيةِ آله عَقيبَ ذكر بشارةِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بهما، وحيث كان ذلك مستدعياً لبـيان كيفية النجاةِ وترتيبِ مباديها أُشير إلى ذلك إجمالاً، ثم ذُكر ما فَعل القوم وما فُعل بهم ولم يُبالَ بتغيـير الترتيب الوقوعيّ ثقةً بمراعاته في مواقعَ أُخَرَ ونسبةُ المجيء بالعذاب إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه نازلٌ بالقوم بطريق تفويض أمرِه إليه لا بطريق نزوله عليه، كأنهم جاءوه به وفوّضوا أمره إليه ليرسله عليهم حسبما كان يتوعّدهم به.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما جاء آل لوط المرسلون} اى الملائكة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وقضينا إليه ذلك الأمر)، القضاء هنا بمعنى القدر السابق، وضمَّنه معنى أوحينا، فعداه بإلى. و(أنَّ دابر): بدل من الأمر، وفي ذلك تفخيم الأمر وتعظيم له، و (مُصبحِين): حال من "هؤلاء"، أو من ضمير مقطوع، وجمعه؛ للحمل على المعنى؛ لأن دابر بمعنى دوابر، أي: قطعنا دوابرهم حال كونهم داخلين في وقت الصباح. و(لعمركَ): مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قسمي، قال ابن عزيز: عَمْرٌ وعُمْرٌ واحد، ولا يقال في القسم إلا مفتوحاً، وإنما فتح في القسم فقط؛ لكثرة الاستعمال. يقول الحق جل جلاله: {فلما جاء آلَ لوطٍ المرسلين}، وهم أضياف إبراهيم، فلما دخلوا عليه ولم يعرفهم، {قال إنكم قومٌ منكرون} لا نعرفهم. أو تنكركم نفسي؛ مخافة أن تطرقوني بشيء، {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرك، وهو: قطع الفاحشة من بلدك، وإتيان العذاب لعدوك الذي توعدناهم، فكانوا يمترون فيه ويشكون في إتيانه، {وأتيناك بالحق}؛ باليقين الثابت، وهو إتيان العذاب لا محالة، {وإنَّا لصادقون} فيما أخبرناك به. {فأسرِ بأهلك}: فاذهب بهم {بقطْعٍ من الليل} أي: فاخرح بهم في طائفة من الليل، قيل: آخره، {واتَّبع أدبارَهم} أي: كن خلفهم في ساقتهم، حتى لا يبقى منهم أحد، أو: أمره بالتأخر عنهم؛ ليكونوا قدامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا خلفه؛ لخوفه عليهم، أي: ليسرع بهم، ويطلع على أحوالهم. {ولا يلتفت منكم أحدٌ} خلفه، لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو: ولا ينصرف أحد منكم، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم. وقيل: نهوا عن الالتفات ليوطنوا أنفسهم على الهجرة. {وامضوا حيث تُؤمرون} أي: إلى حيث أمركم الله، وهو الشام أو مصر، وقال بعضهم: "ما من نبي هلك إلا لحق بمكة، وجاور بها حتى مات". {وقضينا}: أوحينا {إليه ذلك الأمر}، وهو هلاك قومه، ذكره مبهماً ثمَّ فسره بقوله: {أنَّ دابر هؤلاء مقطوع} وهو كناية عن استئصالهم، والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، حال كونهم وقت العذاب {مُصْبِحين}: داخلين في الصباح. {وجاء أهلُ المدينة}، وهي سدوم، {يستبشرون} بأضياف لوط؛ طمعاً فيهم في فعل الفاحشة، والظاهر: أن هذا المجيء إليه، وما جرى له معهم من المحاورة، كان قبل الإعلام بهلاكهم، كما تقدم في هود. وانظر ابن عطية: فلما جاؤوه يراودونه عن ضيفه {قال إنَّ هؤلاء ضيفي فلا تَفْضَحُون}؛ بهتك حرمة ضيفي، فإنَّ من فُضح ضيفه فقد فُضح هو، ومن أًسِيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، {واتقوا الله} في ركوب الفاحشة، {ولا تُخزُون}: ولا تهينوني بإهانتهم. والخزي هو الهوان، أو: ولا تخجلون فيهم، من الخزاية وهو الحياء. {قالوا أو لم ننْهكَ عن العالمين}؛ عن أن تجير منهم أحداً، أو تحول بيننا وبينهم، وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط عليه السلام يمنعهم ويزجرهم عنه بقدر وسعه. وذكر السدي: إنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة بالغرباء، ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق. هـ. أو: أَوْ لم ننهك عن ضيافة العالمين وإنزالهم؟ {قال هؤلاء بناتي} تُزَوِّجُوهُنَّ إياكم، وقد كان يمنعهم قبل ذلك لكفرهم، فأراد أن يقي أضيافه بهن. ولعله لم يكن حراماً في شريعته، أو يريد بالبنات نساء القوم؛ فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، {إن كنتم فاعلين} قضاء الوطر، أو: ما أقول لكم من التزويج، فابوا، ولجوا في عملهم. قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَعَمْرُكَ}: لحياتك يا محمد، أقسم بحياته ـ عليه الصلاة والسلام ـ لشرف منزلته عنده. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال: {لَعَمْرُكَ إنهم لَفِي سَكْرتهم يَعمهون} قال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم: ينعقد به يمينه، وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكون النبي صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذا إذ استدل من جوّز الحلف به عليه الصلاة والسلام، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده صلى الله عليه وسلم حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له: احلف لي بما حوى هذا القبر، وبحق ساكن هذا القبر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. هـ. قلت: ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير الله، وصفاته، وأسمائه. وقيل: إن قوله تعالى: {لعمركَ}: هو من قول الملائكة للوط، أو لحياتك يا لوط، {إنهم لَفَي سَكْرتهم يَعمهون} أي: لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب، يتحيرون. والغلمة: شهوة الوقاع. والعمه: الحيرة، أي: إنهم لفي عماهم يتحيرون، فكيف يسمعون نصح من نصحهم؟ والضمائر لقوم لوط، وقيل: لقريش، والجملة: اعتراض. قال تعالى: {فأخذتهم الصيحةُ}، يعني: صيحة هائلة مهلكة. قال ابن عطية: هذه الصيحة صيحة الرجعة، وليست كصيحة ثمود. هـ. وقيل: صاح بهم جبريل فأهلكتهم الصيحة، {مُشْرِقينَ}: داخلين في وقت شروق الشمس؛ فابتدئ هلاكهم بعد الفجر مصبحين، واستوفى هلاكهم مشرقين. {فجعلنا عاليَها} أي: عالي المدينة، أو قراها، {سافِلَها}، فصارت منقلبة بهم. رُوي أن جبريل عليه السلام اقتلعَ المدينة بجناحيه ورفعها، حتى سمعت الملائكة صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها وأرسل الكل فمن كان داخل المدينة أو القرى مات، ومن كان خارجاً عنها أرسلت عليه الحجارة، كما قال تعالى: {وأمطرنا عليهم حجارةً من سجيل}: من طين متحجر مطبوخ بالنار. وقد تقدم في سورة هود مزيد بيان لهذا. {إنَّ في ذلك لآيات للمتوسِّمِين}: المتفكرين المعتبرين المتفرسين في الأمور، الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته، {وإنَّها} أي: المدينة أو القرى، {لَبِسبِيلٍ مُقيم}: لفي طريق ثابت يسلكه الناس، ويمرون به، ويرون آثارها. {إنَّ في ذلك لآيةً}: لعبرة {للمؤمنين} بالله ورسله؛ فإنهم هم المهتدون للتفكر والاعتبار، دون من غلبت عليه الغفلة والاغترار، كحال الكفار والفجار. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما بعث الله داعياً يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه بعد الإيمان، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية، وما هلك من هلك من الأمم إلا بالبقاء معها، وعدم الخروج عنها، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها. وكذلك في طريق الخصوصية: ما بعث الله ولياً مربياً إلا وكان أول ما يأمر: بخرق العوايد؛ لاكتساب الفوائد، فلا طريق لخصوصية الولاية إلا منها. وفي الحكم: "كيف تخرق لك العوائد، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد". فمن تربى في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل، وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها، فلا بد من الزهد فيها والخروج عنها، وكذلك سائر العوائد النفسانية، والحظوظ الجسمانية، فمن جاور قوماً منهمكين فيها، ولم يجد من يساعده على خرقها، فليهاجر منها، ويقال له: فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع، إلا بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى، ولميض حيث يجد من ينهض معه إلى الله في نقل عوائدها وعوائقها. وقوله تعالى: {وجاء أهل المدينة يستبشرون}: هذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم، قال تعالى في أمثالهم: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}. وبالله التوفيق ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى ان الملائكة الذين بعثهم الله لإِهلاك قوم لوط، لما جاؤوا لوطاً وقومه، وكانوا في صورة لا يعرفهم بها لوط، انكرهم، وقال لهم {إنكم قوم منكرون} اي لا تعرفون مع الاستيحاش منكم، لأنه لم يثبتهم في ابتداء مجيئهم فلما اخبروه بأنهم رسل الله جاؤوا بعذاب قومه وسؤاله الأمر، عرفهم حينئذ، وقالوا {بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} اي بالعذاب الذي كانوا يشكّون فيه ويكذبون به، وقد يوصف الجاهل بالشك من جهة ما يعرض له فيه من حيث لا يرجع الى ثقة فيما هو عليه. وقالوا له ايضاً انا جئناك بالحق فيما أخبرناك به من عذاب قومك، ونحن صادقون فيه.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ قَالَ} لوط (ع) بعد مشاهدتهم {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} لا اعرفكم اولا آنس بكم لظنّ الشّرّ بكم.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} الملائكة الذين أرسلهم الله عز وجل لإهلاكهم والمراد بآل لوط إِما نفس لوط لأَن المجىء إِلى كبير القوم مجىء إِليهم أو المراد أهل بيته أو من به وذلك أنهم ولوطا بيت أو بلد واحد وإِنما جاءوا لينجوه ومن معه ويخبروه بإِهلاك من خالفه.

اطفيش

تفسير : وصلوهم بعدما خرجوا عن إبراهيم وقرينه، والمراد بآل لوط نفسه، أَو لفظ آل زائد، أَو هو وأَهل بيته، أَو هو وقريته، مطلقاً، وعلى كل حال أَجابهم وحده، وذلك أَنهم جاءُوه وقومه ليهلكوا قومه.

الالوسي

تفسير : شروع في بيان إهلاك المجرمين وتنجية آل لوط، ووضع الظاهر موضع الضمير للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من ذلك، وليس المراد به ابتداء مجيئهم بل مطلق كينونتهم عند آل لوط فإن ما حكي عنه عليه السلام بقوله تعالى: { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ...}.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على حكاية قصتهم مع إبراهيم وقد طوي ما هو معلوم من خروج الملائكة من عند إبراهيم. والتقدير: ففارقوه وذهبوا إلى لوط فلما جاءوا لوطاً. وعُبر بآل لوط ــــ عليه السلام ــــ لأنهم نزلوا في منزلة بين أهله فجاءوا آله وإن كان المقصود بالخطاب والمجيء هو لوط. وتولى لوط ــــ عليه السلام ــــ تلقيهم كما هو شأن كبير المنزل ولكنه وجدهم في شكل غير معروف في القبائل التي كانت تمر بهم فألهم إلى أن لهم قصة غريبة ولذلك قال لهم: {إنكم قوم منكرون}، أي لا تعرف قبيلتكم. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : نكرهم} تفسير : في سورة هود (70) وقد أجابوه بما يزيل ذلك إذ {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} إضراباً عن قوله: {إنكم قوم منكرون} وإبطالاً لما ظنه من كونهم من البشر الذين لم يعرف قبيلتهم فلا يأمنهم أن يعاملوه بما يضرّه. وعبر عن العذاب بــــ «ما كانوا فيه يمترون» إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو التعذيب، أي بالأمر الذي كان قومك يشكون في حلوله بهم وهو العذاب، فعلم أنهم ملائكة. والمراد بالحق الخبر الحق، أي الصدق، ولذلك ذيل بجملة {وإنا لصادقون}. وقوله: {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون} حكاية لخطاب الملائكة لوطا ــــ عليه السلام ــــ لمعنى عباراتهم محولة إلى نظم عربي يفيد معنى كلامهم في نظم عربي بليغ، فبِنَا أن نبيّن خصائص هذا النظم العربي: فإعادة فعل {أتيناك} بعد واو العطف مع أن فعل {أتيناك} مرادف لفعل {جئناك} دون أن يقول: و{بالحق}، يحتمل أن يكون للتأكيد اللفظي بالمرادف. والتعبيرُ في أحد الفعلين بمادة المجيء وفي الفعل الآخر بمادة الإتيان لمجرد التفنن لدفع تكرار الفعل الواحد، كقوله تعالى في سورة الفرقان (33): {أية : ولا يأتونك بمَثَل إلا جئناك بالحق وأحسنَ تفسيراً}.تفسير : وعليه تكون الباء في قوله: {بما كانوا فيه يمترون} وقوله: {بالحق} للملابسة. ويحتمل أن تكون لِذكر الفعل الثاني وهو {وأتيناك} خصوصية لا تفي بها واو العطف وهي مراعاة اختلاف المجرورين بالباء في مناسبة كل منهما للفعل الذي تعلق هو به. فلما كان المتعلق بفعل {جئناك} أمراً حسياً وهو العذاب الذي كانوا فيه يمترون، وكان مما يصح أن يسند إليه المجيء بمعنًى كالحقيقي، إذ هو مجيء مجازي مشهور مساوٍ للحقيقي، أوثر فعل {جئناك} ليسند إلى ضمير المخاطبين ويعلق به «ما كانوا فيه يمترون». وتكون الباء المتعلقة به للتعدية لأنهم أجاءوا العذاب، فموقع قوله تعالى: {بما كانوا فيه يمترون} مَوقع مفعول به، كما تقول (ذهبتُ به) بمعنى أذهبتُه وإن كنتَ لم تذهب معه، ألاَ ترى إلى قوله تعالى: {أية : فإما نذهبنّ بك} تفسير : [سورة الزخرف: 41] أي نُذهبك من الدنيا، أي نميتك. فهذه الباء للتعدية وهي بمنزلة همزة التعدية. وأما متعلق فعل {أتيناك} وهو {بالحق} فهو أمر معنوي لا يقع منه الإتيان فلا يتعلق بفعل الإتيان فغُيرت مادة المجي إلى مادة الإتيان تنبيهاً على إرادة معنى غير المراد بالفعل السابق، أعني المجيء المجازي. فإن هذا الإتيان مسند إلى الملائكة بمعناه الحقيقي، وكانوا في إتيانهم ملابسين للحق، أي الصدق، وليس الصدق مسنداً إليه الإتيانُ. فالباء في قوله تعالى: {بالحق} للملابسة لا للتعدية. والقِطْع ــــ بكسر القاف وسكون الطاء ــــ الجزء الأخير من الليل. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قطعاً من الليل مظلماً} تفسير : في سورة يونس (27). وأمروه أن يجعل أهله قُدامه ويكون من خلفهم، فهو يتبع أدبارهم، أي ظهورهم ليكون كالحائل بينهم وبين العذاب الذي يحل بقومه بعقب خروجه تنويهاً ببركة الرسول عليه السلام، ولأنهم أمروه أن لا يلتفت أحد من أهله إلى ديار قومهم لأن العذاب يكون قد نزل بديارهم. فبكونه وراء أهله يخافون الالتفات لأنه يراقبهم. وقد مضى تفصيل ذلك في سورة هود، وأن امرأته التفتت فأصابها العذاب. {وحيث تؤمرون} أي حيث تؤمرون بالمضي. ولم يبينوا له المكان الذي يقصده إلا وقت الخروج، وهو مدينة عمورية، كما تقدم في سورة هود.

الشنقيطي

تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن لوطاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءه الملائكة المرسلون لإهلاك قومه قال لهم إنكم قوم منكرون. وصرح في مواضع أخر أنه حصلت له مساءة بمجيئهم وأنه ضاق ذرعاً بذلك كقوله في هود: {أية : وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}تفسير : [هود: 77] وقوله في العنكبوت {أية : وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} تفسير : [العنكبوت: 33] الآية، وذكر تعالى في الذاريات: أن نبيه إبراهيم قال لهم أيضاً قوم منكرون كما ذكر عن لوط هنا وذلك في قوله: {أية : قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}تفسير : [الذاريات: 25] وقوله {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} قيل معناه أنهم غير معروفين والنكرة ضد المعرفة وقيل إنه رآهم في صفة شباب حسان الوجوه فخاف أن يفعل بهم قومه فاحشة اللواط فقال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} وقال الزمخشري في الكشاف: منكرون أي تنكركم نفسي وتفر منكم فأخاف أن تطرقوني بشر بدليل قوله: {أية : بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الحجر: 63-64] الآية ويدل لهذا الوجه أنه بين في هود أن سبب إنكار إبراهيم لهم عدم أكلهم من لحم العجل الذي قدمه إليهم وذلك في قوله: {أية : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}تفسير : [هود: 70] لأن من استضاف وامتنع منه الأكل خيف من الشر. وقوله تعالى في هذه الآيات: {أية : إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ} تفسير : [الحجر: 59] قرأه حمزة والكسائي بإسكان النون بعد الميم المضمومة مخففاً اسم فاعل أنجى على وزن أفعل وقرأه غيرهما من القراء بفتح النون وتشديد الجيم اسم فاعل نجى على وزن فعل بالتضعيف والإنجاء والتنجية معناهما واحد وقوله: {أية : قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} تفسير : [الحجر: 60] قرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال وقرأه غيره بتشديدها وهما لغتان معناهما واحد وقوله: {جَآءَ آلَ لُوطٍ} قرأه قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية مع القصر والمد وقرأه ورش بتحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفاً مع القصر والمد وعن ورش أيضاً تحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع القصر والتوسط والمد وقرأه قنبل مثل قراءة ورش إلى أنه ليس له مع التسهيل إلا القصر وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين وكل على أصله من المد وما ذكر من قراءة ورش وقنبل هو التحقيق عنهما وإن قيل غيره والعلم عند الله تعالى.

القطان

تفسير : فاسر بأهلك: اذهب بهم ليلا. واتبع أدبارهم: وكن انت وراء اهلك. لعمرك: قسَم. وبعد ان بشّر إبراهيمَ بالولد وخبروه أنهم مرسَلون بعذاب قومٍ مجرمين، ذهبوا الى لوط. وبدأت المعركةُ بين لوطٍ وقومه حولَ هؤلاء الرسل. {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ....}. ولما وصَل الملائكةُ إلى ديار لوط، لم يعرفهم لوط في بادئ الأمر، وقال لهم: إنكم قومٌ مُنْكَرون، ما الذي جاء بكم إلى بلادنا؟ قولوا: لا تخفْ، إنا رسُلٌ من عندِ ربك، جئناك بأمرٍ يسرُّك، وهو إنزالُ العذاب بهؤلاء المجرمين. ثم شرعوا يرتّبون له كيف ينجو هو وأَهلُه والمؤمنون معه قبل حولول العذاب بقومه، فقالوا له: سِرْ ليلاً بأهلكَ ومن آمنَ معك بعد مرور قِطْعٍ من الليل، وكُنْ خَلْفَهم حتى تتأكد من ان الجميع ساروا ونجَوا، ولا يتلفتْ منكم أحدٌ خلفه، بل امضوا حيث يأمركم ربكم. {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ}. وقدَّرنا ان هؤلاء المجرمين هالكون عن آخرهم عند دخول الصباح. وعندما علم القومُ بوصول الرسُل وهم بهيئةٍ جميلة، أسرعوا نحوهم مستبشِرين بمجيئهم الى مدينتهم طمعاً فيهم، فلما رآهم لوط مسرعين قال لقومه: إن هؤلاء الذي جئتم تريدون منهم الفاحشَةَ هم ضُيوفي، فلا تفضحوني فيهم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ}، اي خافوا عقاب الله ان يحل بكم. فقال له قومه: أوَلَم نَنْهَكَ ان تُضيفَ أحداً من العالمين؟ فلما رآهم متمادين في غيِّهم، لا يرعَوُون عن غوايتهم، قال لهم لوط: هؤلاء بناتي وبناتُ القرية، يمكنكم ان تتزوّجوهن إن كنتم راغبين في قَضَاء الشهوة. {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}. بحقّ حياتك أيّها النبيُّ الأمين، انهم لفي غفلةٍ عما سينزل بهم، جعلتْهم كالسكارى يترددون ويتخبّطون، فلا يرجى ان يفيقوا ولا ان يسمعوا.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلَ} (61) - وَلَمَّا جَاءَ المُرْسَلُونَ إِلَى لُوطٍ، فِي صُورَةِ شُبَّانٍ صِبَاحِ الوُُجُوهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا قال لوط - عليه السلام - للملائكة عندما وصلوا إليه، فقد كان مشهدهم غايةً في الجمال؛ ويعلم أن قومه يُعَانُون من الغلمانية، ويحترفون الفاحشة الشاذة؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول عن معاملته للملائكة في موقع آخر من القرآن: {أية : سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ..} تفسير : [هود: 77]. ذلك أن لوطاً عَلِم أن قومه سيطمعون في هؤلاء المُرْد، لذلك ما أنْ جاءوه حتى أعلن لهم أنه غَيْر مرغوب فيهم؛ ولم يرحب بهم، ذلك أنهم قد دخلوا عليه في صورة شبان تضيء ملامحهم بالحُسْن الشديد؛ مما قد يُسبِّب غواية لقومه. كما أنهم قد دخلوا عليه، وليس على ملامحهم أيّ أثر للسفر؛ كما أنهم ليسوا من أهل المنطقة التي يعيش فيها؛ لذلك أنكرهم. ويقول سبحانه ما جاء على لسان الملائكة لحظةَ أن طمأنوا لوطاً كشفوا له عن مهمتهم: {قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ ...}.