١٥ - ٱلْحِجْر
15 - Al-Hijr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : قرىء {فَأَسْرِ } بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى. وروى صاحب الكشاف عن صاحب الإقليد فسر {مِنْ } السير والقطع آخر الليل. قال الشاعر: شعر : افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ليل بهيم تفسير : وقوله: {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ } معناه: اتبع آثار بناتك وأهلك. وقوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } الفائدة فيه أشياء: أحدها: لئلا يتخلف منكم أحد فينا له العذاب. وثانيها: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء. وثالثها: معناه الإسراع وترك الاهتمام لما خلف وراءه كما تقول: امض لشأنك ولا تعرج على شيء. ورابعها: لو بقي منه متاع في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتة. وقوله: {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } قال ابن عباس: يعني الشام. قال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط. وقوله: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ } عدى قضينا بإلى، لأنه ضمن معنى أوحينا، كأنه قيل: وأوحيناه إليه مقضياً مبتوتاً، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءِيلَ } تفسير : [الإسراء: 4] وقوله؛ { أية : ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَيَّ } تفسير : [يونس: 71] ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت بقوله: {أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآء مَقْطُوعٌ } وفي إبهامه أولاً، وتفسيره ثانياً تفخيم للأمر وتعظيم له. وقرأ الأعمش {إِن } بالكسر على الاستئناف كان قائلاً قال أخبرنا عن ذلك الأمر، فقال: إن دابر هؤلاء، وفي قراءة ابن مسعود. وقلنا: {إِنَّ دَابِرَ هَـؤُلآء } ودابرهم آخرهم، يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله: {مُّصْبِحِينَ } أي حال ظهور الصبح.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط عليه السلام يمشي وراءهم؛ ليكون أحفظ لهم، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الغزو، إنما يكون ساقة، يزجي الضعيف، ويحمل المنقطع. وقوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم، فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال، {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} كأنه كان معهم من يهديهم السبيل {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ} أي: تقدمنا إليه في هذا {أَنَّ دَابِرَ هَـٰؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} أي: وقت الصباح؛ كقوله في الآية الأخرى: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَٰرَهُمْ } امش خلفهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } وهو الشام.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ} ببعضه، أو آخره، أو ظلمته.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}. فأَسْرِ بأهلك بعدما يمضي شيءٌ من الليل، وامش خلفهم، وقدِّمهم عليك، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يَرَوْا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا ننقذك وأهلَكَ إلا امرأَتَك، فإنا نعذبها لمشاركتها مع قومك في العصيان. {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} فلكم السلام ولقومكم العقوبة. {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ} أي عَلَّمْناه وعَرَّفْناه: {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ}؛ أي أنهم مُهْلَكون ومُسْتَأْصَلُون بالعقوبة. ثم لما نزل الملائكةُ بلوط عليه السلام قال لقومه إن هؤلاء أضيافي، فلا تتعرضوا لهم فتفضحوني، واتقوا اللَّهَ، وذروا مخالفة أمره ولا تخْجِلوني. فقال قومه: ألم نَنْهَكَ عن أن تحمي أحداً، وأمرناك ألا تمنعَ مِنَّا أحداً؟ فقال: هؤلاء بناتي يعني نساء أمتي. وقال قومٌ: أراد بناتِه من صلبه، عَرَضَهن عليهم لئلا يُلِمُّوا بتلك الغلطة الفحشاء، فلم تنجع فيهم نصيحة، ولم يُقْلِعوا عن خبيثِ قَصْدِهم. فأخبره الملائكة ألا يخافَ عليهم، وسكنوا من رَوْعه حين أخبروه بحقيقة أمرهم، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاسر باهلك} فاذهب بهم من السرى وهو السير فى الليل. قال الكاشفى [بس برون بر از شهر اهل خودرا بشب] {بقطع من الليل} فى طائفة من الليل اى بعض منه. وبالفارسية [در باره ازشب بكذرد] {واتبع ادبارهم} جمع دبر وهو من كل شئ عقبه ومؤخره اى وكن على اثرهم لتسوقهم وتسرع بهم وتطلع على احوالهم فلا تفرط منهم التفاتة استحياء منك ولا غيرها من الهفوات. قال فى برهان القرآن لانه اذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم ولا يخفى عليه حالهم {ولا يلتفت منكم} اى منك ومنهم {احد} فيرى ما وراءه من الهول فلا يطيقه او جعل الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التوانى والتوقف لان من يلتفت لا بد له من ادنى وقفة ولم يقل ولا يلتفت منكم احد الا امرأتك كما فى هود اكتفاء بما قبله وهو قوله الا امرأته {وامضوا} [وبرويد] {حيث تؤمرون} حيث امركم الله بالمضى اليه وهو الشام او مصر او زغر وهى قرية بالشام. قال الكاشفى [شهرستان بنجم لست اهل آن هلاك نخوا هندشد]
الطوسي
تفسير : هذا حكاية ما قالت الملائكة للوط وأمرهم إِياه بأن يسري بأهله. والإِسراء سير الليل: سرى يسري سرى واسرى إِسراء لغتان قال الشاعر: شعر : سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بارسان تفسير : وقوله {بقطع من الليل} معناه بقطعة تمضي منه، كأنه جمع قطعة. مثل تمرة وتمر وبسرة وبسر، وقيل: بقطع من الليل ببعض الليل. وقيل: بقية من الليل. وقيل: إِذا بقي من الليل قطعة ومضى اكثره. وقوله {واتبع أدبارهم} اي اقتف آثارهم يعني آثار الأهل. والاتباع اقتفاء الأثر. والاتباع في المذهب، والاقتداء مثله، وخلافه الابتداع. والادبار جمع دبر، وهو جهة الخلف. والقبل جهة القدّام، ويكنى بهما عن الفرج. وجمع القبل أقبال. ومعنى قوله {ولا يلتفت منكم أحد} اي لا يلتفت الى ما خلف، كما يقول القائل: امض لشأنك، ولا تعرج على شيء. وقيل: لئلا يرى هو ما ينزل بهم مما لا تطيقه نفسه {وامضوا حيث تؤمرون} اي حيث تؤمرون بالمصير اليه. وقوله {وقضينا إليه} اي أخبرناه واعلمناه {ذلك الأمر} اي ما ينزل بهم من العذاب. وقوله {إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} والدابر الأصل. وقيل دابرهم آخرهم، وعقب الرجل دابره {مصبحين} نصب على الحال اي في حال ما دخلوا في وقت الصبح، ومثله قوله {فأخذتهم الصيحة مشرقين} نصب على الحال.
الجنابذي
تفسير : {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} وكن على ادبارهم كالمراقب الحافظ {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ} الى ورائه {أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} يعنى يدرككم الامر الآلهىّ حين الخروج فامضوا حيث تؤمرون حينئذٍ.
اطفيش
تفسير : {فَأَسْرِ} اذهب ليلا وهو من السرى وقرأ غير نافع وابن كثير بقطع الهمزة من أسرى إِسراء والمعنى واحد وهكذا حيث قال صاحب الأَقليد وقرأ فسر بإسقاط الهمزة وبكسر السين من سار يسير ليلا أو نهارا والمراد هنا السير ليلا {بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} فى طائفة تبقى من آخر الليل أو طائفة من الليل مطلقا {وَاتَّبِعْ أَدْبَارِهُمْ} أى امشى خلفهم لتسوقهم وتسرع بهم وتطلع على أحوالهم حتى لا يبقى منهم أحد {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} إِلى القرية لئلا ينشق قلبه من معاينة ما يجرى عليهم من رفع القرية بما فيها وطرحها أو لئلا يغفل وتتعلق نفسه بمن فيها وبمسكنه فيها فترق نفسه فلا يكون موطن النفس على هجرة خالصة كاملة أو لئلا يصيبه ما أصابهم والالتفات النظر بالعين إِلى خلف ويجوز أن يكون المراد به التخلف والانصراف أى لا ينصرف أحدكم ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما يصيبهم أو الاهتمام أى لا يهتم أحدكم بالقربة وأهلها وفرغوا قلوبكم منها وقيل الالتفات هنا كناية عن البطء فى السير أى لا يبطىء أحدكم فى السير وأسرعوا {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} وهو الشام عند ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ومصر عند مقاتل والأُردن عند بعض وهو من الشام وقرية من قرى قوم لوط لم تعمل عملهم عند بعض والذى أقول به أن حيث ظرف مبهم غير محدود متعلق بامضوا بلا توسع وأن المراد به مطلق جهة يقصدونها بأَمر الله كما يقال مضى زيد نحو مكة وتقدم غير هذا وأنه لا يقدر ضمير منصوب بتؤمرون لأَن الجملة مضاف إِليها حيث لا ما قيل إِن الأَصل حيث تؤمرونه بتعدية تؤمر إِلى الهاء اتساعا ولا ما قيل من هذا ومن أن حيث ظرف مختص عدى إِليه امضوا بلا فى تنزيلا له لمنزلة المبهم على الاتساع نعم هذا التنزيل والاتساع صحيحان دون ادعاء أن الأَصل تؤمرونه.
اطفيش
تفسير : {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} وهم من أسلم، أو هم وعياله، واختلف فى زوجه هل بقيت أَو سارت {بِقِطْعِ مِّنَ اللَّيْلِ} فى بعض من الليل ولا دليل على تخصيصه بآخر الليل ولو فسر به قول الشاعر: شعر : افتحى الباب وانظرى فى النجوم كم علينا من قطع ليل بهيم تفسير : مع أنه لا يلزم تفسير الشعر بالأَخير والشاعر رغب فى المكث مع حبيبته فيستريح بما بقى، أَو رهب فيستريح بقلة ما بقى {وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} كن خلفهم لتنشط الضعيف وتؤمن الخائِف وتدل على الطريق من حاد عنه وتسرع بهم قبل الصبح إِنقاذاً لهم من العذاب، ولئَلا يشتغل قلبك عن الذكر بمن خلفك ولئَلا تغفل عمَّن خلفك{وَلاَ يَلْتَفِتْ}مطلقاَ أَو إِذا وقعت الصيحة {مِنْكمُ أَحَدٌ} وراءَه لينظر ما ينزل فإنه يموت بالنظر إليه إذ لا يقوى قلبه على مشاهدته مطلقاً، أَو إِذا وقعت الصيحة، أَو لأَن الله أَمر الملائِكة برمى من التفت، وقالت: واقوماه، فرميت بحجر، أَو يرمى من التفت لعدم امتثال النهى، وفى هذا بعد، أَو نهوا عن الالتفات قطعاً لهم على أَن يتمنوا الرجوع فلا تخلص هجرتهم، أَو تتعلق أَنفسهم بمواطنهم فتنقص هجرتهم، وَلا تخلص، لما أَلقى الخليل صلى الله عليه وسلم هاجر مع ابنها إسماعيل لم يلتفت إليها، أَو لئَلا يرقوا على قومهم، أَو لئَلا يقضوا أَوطارهم بكثرة النظر فتسهل الفرقة فينقص الأَجر، أَو لا يتخلف لغرض عن الهجرة، والتخلق لازم للالتفات فعبر عنه بالالتفات، وفى ذلك خطاب قومه معه خطابه وحده والتفات من غيبة القوم إلى خطابهم {وَامْضُوا حيْثُ تُؤْمَرُونَ} أَى إِلى حيث تؤْمرون كما قال شاعر: شعر : " إلى حيث أَلقت رحلها أُم قشعم" تفسير : ولا يقال إلى حيث أَمركم الله بالمضى إليه، لأَن حيث لا يرجع إليها الضمير من الجملة بعدها إلا نادرا، وليست منعوته بالجملة بعدها بل مضافة إليها، وأَخطأَ من قال: إن هذا ممنوع مع بقائِها على الظرفية لا مع خروجها عنها كما أُخرجت هنا عن الظرفية بدخول إلى، وإِن فسرنا امضوا بسيروا أَو حيث بالزمان لم تقدر إلى، لكن لو كان الزمان لقيل حيث أُمرتم، ولو قيل هذا لم يشتمل على الموضع الذى يؤمرون بالذهاب إليه، وعلى أَنه مكان وهو الأَصل فيه تكون مشتملة على التعرض له إِجمالا وهو الشام أَو مصر أَو الأَردن أَو موضع النجاة مطلقا كأَنه قيل: سيروا فى موضع الأَمر بالسير، وأُضيف الموضع للأَمر بالسير فى هذه الغاية لأَنه المراد فى نفس الأَمر ولالتباس الأَمر بشىءٍ بذلك الشىءِ.
الالوسي
تفسير : {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} شروع في ترتيب مبادي النجاة أي اذهب بهم في الليل. وقرأ الحجازيان بالوصل على أنه من سرى لا من أسرى كما في قراءة الجمهور وهما بمعنى على ما ذهب إليه أبو عبيدة وهو سير الليل، وقال الليث: يقال: أسرى في السير أول الليل وسرى في السير آخره، وروى صاحب "الإقليد" {فسر} من سار وحكاها ابن عطية و صاحب «اللوامح» عن اليماني وهو عام، وقيل: إنه مختص في السير بالنهار وليس مقلوباً من سرى. {بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ} بطائفة منه أو من آخره، ومن ذلك قوله:شعر : افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ليل بهيم تفسير : وقيل: هو بعد ما مضى منه شيء صالح، وفي الكلام تأكيد أو تجريد على قراءة الجماعة على ما قيل، وعلى قراءة {سر} لا شيء من ذلك، وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى. وحكى منذر بن سعيد أن فرقة قرأت {بِقِطْعٍ} بفتح الطاء. {وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ} وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على أحوالهم، ولعل إيثار الاتباع على السوق مع أنه المقصود بالأمر كما قيل للمبالغة في ذلك إذ السوق ربما يكون بالتقدم على بعض مع التأخر عن بعض ويلزمه عادة الغفلة عن حال المتأخر، والالتفات المنهي عنه بقوله تعالى: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ } أي منك/ ومنهم {أَحَدٌ } فيرى ما وراءه من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه العذاب فالالتفات على ظاهره، وجوز أن يكون المعنى لا ينصرف أحدكم ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما يصيب المجرمين فالالتفات مجاز لأن الالتفات إلى الشيء يقتضي محبته وعدم مفارقته فيتخلف عنده، وذكر جار الله أنه لما بعث الله تعالى الهلاك على قومه ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم وخرج مهاجراً لم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله تعالى وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك فأمر بأن يقدمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه وليكون مطلعاً عليهم وعلى أحوالهم فلا تفرط منهم التفاتة احتشاماً منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحالة المهولة المحذورة ولئلا يتخلف أحد منهم لغرض يصيبه العذاب وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم فيرقوا لهم وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم ويمضوا قدماً غير ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوي له أخادعه كما قال:شعر : تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا تفسير : أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة اهـ. قال المدقق: وخلاصة ذلك أن فائدة الأمر والنهي أن يهاجر عليه الصلاة والسلام على وجه يمكنه وأهله التشمر لذكر الله تعالى والتجرد لشكره وفيه مع ذلك إرشاد إلى ما هو أدخل في الحزم للسير وأدب المسافرة وما على الأمير والمأمور فيها وتنبيه على كيفية السفر الحقيقي وأنه أحق بقطع العوائق وتقديم العلائق وأحق وإشارة إلى أن الإقبال بالكلية على الله تعالى إخلاص فلله تعالى در التنزيل ولطائفه التي لا تحصى اهـ، وأنت تعلم أن كون الفائدة المهاجرة على وجه يمكن معه التشمر لذكر الله تعالى والتجرد لشكره غير متبادر كما لا يخفى، ولعله لذلك تركه بعض مختصري كتابه وإنما لم يستثن سبحانه الامرأة عن الإسراء أو الالتفات اكتفاء بما ذكر في موضع آخر وليس نحو ذلك بدعاً في التنزيل. {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} قيل: أي إلى حيث يأمركم الله تعالى بالمضي إليه وهو الشام على ما روي عن ابن عباس والسدي، وقيل: مصر وقيل: الأردن وقيل: موضع نجاة غير معين فعدى {امضوا} إلى {حَيْثُ } وتؤمرون إلى الضمير المحذوف على الاتساع. واعترض بأن هذا مسلم في تعدية تؤمرون إلى حيث فإن صلته وهي الباء محذوفة إذ الأصل تؤمرون به أي بمضيه فأوصل بنفسه، وأما تعدية {امضوا} إلى حيث فلا اتساع فيها بل هي على الأصل لكونه من الظروف المبهمة إلا أن يجعل ما ذكر تغليباً، وأجيب بأن تعلق {حَيْثُ} بالفعل هنا ليس تعلق الظرفية ليتجه تعدي الفعل إليه بنفسه لكونه من الظروف المبهمة فإنه مفعول به غير صريح نحو سرت إلى الكوفة، وقد نص النحاة على أنه قد يتصرف فيه فالمحذوف ليس في بل إلى فلا إشكال اهـ، والمذكور في كتب العربية أن الأصل في حيث أن تكون ظرف مكان وترد للزمان قليلاً عند الأخفش كقوله:شعر : للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه تفسير : أراد حين تهدي، ولا تستعمل غالباً إلا ظرفاً وندر جرها بالباء في قوله:شعر : كان منا بحيث يفكي الإزار تفسير : وبإلى في قوله:شعر : إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم تفسير : وبفي في قوله:شعر : فأصبح في حيث التقينا شريدهم طليق ومكتوف اليدين ومرعف تفسير : / وقال ابن مالك: تصرفها نادر، ومن وقوعها مجردة عن الظرفية قوله:شعر : إن حيث استقر من أنت راعيه حمى فيه عزة وأمان تفسير : فحيث اسم إن، وقال أبو حيان: إنه غلط لأن كونها اسم إن فرع عن كونها تكون مبتدأ ولم يسمع في ذلك البتة بل اسم إن في البيت ـ حمى ـ و ـ حيث ـ الخبر لأنه ظرف، والصحيح أنها لا تتصرف فلا تكون فاعلاً ولا مفعولاً به ولا مبتدأ اهـ، ونقل ابن هشام وقوعها مفعولاً به عن الفارسي، وخرج عليه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] وذكر أنها قد تخفض بمن وبغيرها وأنها لا تقع اسماً لأن خلافاً لابن مالك، وزعم الزجاج أنها اسم موصول، ومما ذكرنا يظهر حال التصرف فيها، واعترض ما ذكره المجيب بأنه وإن رفع به إشكال التعدي لكنه غير صحيح لأنهم قد صرحوا بأن الجمل المضاف إليها لا يعود منها ضمير إلى المضاف، قال نجم الأئمة: اعلم أن الظرف المضاف إلى الجملة لما كان ظرفاً للمصدر الذي تضمنته الجملة لم يجز أن يعود من الجملة ضمير إليه فلا يقال: يوم قدم زيد فيه لأن الربط الذي يطلب حصوله حصل بإضافة الظرف إلى الجملة وجعله ظرفاً لمضمونها فيكون كأنك قلت: يوم قدوم زيد فيه اهـ، و {حَيْثُ} على ما ذكروا تلزم في الغالب الإضافة إلى الجملة وكونها فعلية أكثر وإضافتها إلى مفرد قليلة نحو:شعر : بيض المواضي حيث ليّ العمائم تفسير : وحيث سهيل طالعاً، ولا يقاس على ذلك عند غير الكسائي، وأقل من ذلك عدم إضافتها لفظاً بأن تضاف إلى محذوفة معوضاً عنها ما كقوله:شعر : إذا ريدة من حيث ما نفحت له تفسير : أي من حيث هبت وهي هنا مضافة للجملة بعدها فكيف يقدر الضمير في {يُؤْمَرُونَ} عائداً عليها، وقد نص بعضهم على أن {حَيْثُ} لا يصح عود الضمير عليها والذي في «البحر» أنها ظرف مكان مبهم تعدى إليها {امضوا} بنفسه كما تقول: قعدت حيث قعد زيد، والظاهر أن تعلق الفعل بها كما قال المجيب ليس تعلق الظرفية فلعل ذلك مبني على تضمين فعل صالح لأن يتعلق به الظرف المذكور كالحلول والتوطن وغيرهما. ونقل عن بعضهم القول بأن {حَيْثُ} هنا ظرف زمان أي امضوا حين أمرتم، والمراد بهذا الأمر ما سبق من قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ} ورد بأن الظاهر على هذا أمرتم دون {تُؤْمَرونَ } مع أن فيه استعمال {حَيْثُ } في أقل معنييها وروداً من غير موجب، وظاهر كلام بعض الأجلة أن المضارع مستعمل في مقام الماضي على المعنى الذي أشير إليه أولاً وهو يقتضي تقدم أمر بالمضي إلى مكان فإن كان فصيغة المضارع لاستحضار الصورة، وإيثار المضي إلى ذلك على ما قيل دون الوصول إليه واللحوق به للإيذان بأهمية النجاة ولمراعاة المناسبة بينه وبين ما سلف من الغابرين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 65- وما دام العذاب نازلاً بهم، فسر ليلاً مع أهلك الذين كتبت نجاتهم، بعد مرور قطع من الليل. 66- وقد أوحى الله - سبحانه وتعالى - إلى لوط: أنا حكمنا وقدرنا أن هؤلاء المجرمين هالكون، يستأصلون عند دخول الصباح، ولا يبقى منهم أحد. 67- ولما أصبح رأوا الملائكة فى صورة جميلة من صور البشر، ففرحوا بهم رجاء أن يفعلوا معهم جريمتهم الشنيعة، وهى إتيان الرجال. 68- خشى لوط أن يفعلوا فعلتهم الشنيعة فقال: إن هؤلاء ضيوفى فلا تفضحونى بفعلتكم القبيحة. 69- وخافوا الله تعالى، فلا ترتكبوا فاحشتكم، ولا توقعونى فى الخزى والذل أمامهم. 70- قال أولئك المجرمون: أو لم ننهك أن تستضيف أحدا من الناس ثم تمنعنا من أن نفعل معهم ما نشتهى؟!. 71- قال نبى الله لوط - ينبههم إلى الطريق الطبيعى الشرعى: هؤلاء بنات القرية وهم بناتى، تزوجوهن إن كنتم راغبين فى قضاء الشهوة. 72- بحق حياتك - أيها النبى - الأمين، إنهم لفى غفلة عما سينزل بهم، جعلتهم كالسكارى، إنهم لضالون متحيرون لا يعرفون ما يسلكون. 73- وبينما هم فى هذه السكرة الغافلة، استولى على ألبابهم صوت شديد الإزعاج وقد أشرقت الشمس. 74- ولقد نفذ اللَّه - سبحانه - حكمه فقال: جعلنا عالى مدائنهم سافلها بانقضاضها، وأنزلنا عليه طينا متحجرا كان ينزل كالمطر، فدورهم تهدمت، وإن خرجوا إلى العراء استقبلتهم تلك الأمطار من الحجارة، وبذلك أحيط بهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱللَّيْلِ} {أَدْبَارَهُمْ} (65) - ثُمَّ أَمَرَتِ المَلاَئِكَةُ لُوطاً بِأَنْ يُسْرِيَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ مُضِيِّ جَانِبٍ مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ بِطَائِفَةٍ مِنْهُ (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) وَأَنْ يَمْشِيَ لُوطٌ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، خَلْفَهُمْ فِي المُؤَخَّرَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَحْفَظَ لَهُمْ، وَأَمَرُوهُ بِأَنْ لاَ يَلْتَفِتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلى الخَلْفِ حِينَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ تَنْزِلُ بِالقَوْمِ الفَاسِقِينَ، وَفِيهَا العَذَابُ وَالدَّمَارُ. وَلْيَتَّجِهْ لُوطٌ وَأَهْلُهُ إِلى المَكَانِ الذِي عَيَّنَهُ اللهُ لَهُمْ، لِيَكُونَ دَارَ مَقَامِهِمِ الجَدِيدِ. بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ - جَانِبٍ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ آخِرِهِ. اتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ - سِرْ خَلْفَهُمْ لِتَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: سِرْ أنت وأهلك في جزء من الليل. ومرة يُقَال "سرى"، ومرة يُقال "أسرى"؛ ويلتقيان في المعنى. ولكن "أسرى" تأتي في موقع آخر من القرآن، وتكون مُتعدِّية مثل قول الحق: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً ..} تفسير : [الإسراء: 1]. وقولهم هنا (أسر بأهلك) هو تعبير مُهذّب عن صُحْبة النساء والأبناء. ونجد في ريفنا المصري مَنْ لا يتكلم أبداً في حديثه عن المرأة أو البنات؛ فيقول الواحد منهم "قال الأولاد كذا"، فكأن اسم المرأة مبنيٌّ على السَّتْر دائماً، وكذلك نجد كثيراً من الأحكام تكون المرأة مَطْمورة في حكم الرجل إلا في الأمر المُتعلِّق بها. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ ..} [الحجر: 65]. وكلمة "قِطع" هي اسم جمع، والمقصود هو أن يخرج لوطٌ بأهله في جُزْء من الليل، أو من آخر الليل، فهذا هو منهج الإنجاء الذي أخبر به الملائكة لوطاً، ليتبعه هو وأهله والمؤمنون به، وأوصوه أن يتبعَ أدبار قومه بقولهم: {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ ..} [الحجر: 65]. أي: أن يكون في المُؤخّرة، وفي ذلك حَثٌّ لهم على السُّرعة. وكان من طبيعة العرب أنهم إذا كانوا في مكان ويرحلون منه؛ فكل منهم يحمل رَحْلَه على ناقته؛ وأهله فيها - فوق الناقة - ويبتدئون السير، ويتخلف رئيس القوم، واسمه "مُعقِّب" كي يرقُب إنْ كان أحد من القوم قد تخلَّف أو تعثَّر أو ترك شيئاً من متاعه، ويُسمُّون هذا الشخص "مُعقِّب". وهنا تأمر الملائكة لوطاً أن يكون مُعقّباً لأهله والمؤمنين به؛ لِيحثّهم على السير بسرعة؛ ثم لِينفذ أمراً آخرَ يأمره به الحق سبحانه: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ..} [الحجر: 65]. وتنفيذ الأمر بعدم الالتفات يقتضي أن يكون لوط في مُؤخّرة القوم؛ ذلك أن الالتفاتَ يأخذ وَقْتاً، ويُقلّل من سرعة مَنْ يلتفت؛ كما أن الالتفاتَ إلى موقع انتمائهم من الأرض قد يُثير الحنين إلى مواقع التَّذكار وأرض المَنْشأ، وكل ذلك قد يُعطّل حركة القوم جميعهم؛ لذلك جاء الأمر الإلهي: {وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65]. أو: أن الحق سبحانه يريد ألاَّ يلتفت أحدٌ خَلْفه حتى لا يشهدَ العذاب، أو مقدمة العذاب الذي يقع على القوم، فتأخذه بهم شفقة. ونحن نعلم قول الحق سبحانه في إقامة أيِّ حدِّ من الحدود التي أنزلها: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النور: 2]. فلو أن أحداً قد التفتَ إلى العذاب، أو مُقدِّمة العذاب؛ فقد يحِنّ إليهم، أو يعطف عليهم رغم أن عذابهم بسبب ذنبٍ كبير، فقد ارتكبوا جريمة كبيرة؛ ونعلم أن بشاعة الجريمة تبهت؛ وقد يبقى في النفس عِظَم أَلَمِ العقوبة لحظة توقيعِها على المُجرم. أو: أن الحق سبحانه يريد أن يعجل بالقوم الناجين قبل أنْ يوجد، ولو التفزيع الذي هو مقدمة تعذيب القوم الذين كفروا من هَوْل هذا العذاب القادم. وهكذا كان الأمر بالإسراء بالقوم الذين قرر الحق سبحانه نجاتهم، والكيفية هي أن يكون الخروجُ في جزء من الليل، وأنْ يتبعَ لوطٌ أدبارهم، وألاَّ يلتفتَ أحد من الناجين خَلْفه؛ ليمضي هؤلاء الناجون حيث يأمرهم الحق سبحانه. وقيل: إن الجهة هي الشام. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1451- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ}: [الآية: 65]، قال: أُمِرَ أن يكونَ خَلْفَ أهْلِهِ يتبع أدْبَارَهُمْ في آخِرِهِمْ إذا مشوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):