Verse. 190 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَـمَا كُتِبَ عَلَي الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ۝۱۸۳ۙ
Ya ayyuha allatheena amanoo kutiba AAalaykumu alssiyamu kama kutiba AAala allatheena min qablikum laAAallakum tattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين أمنوا كُتب» فرض «عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم» من الأمم «لعلكم تتقون» المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها.

183

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكم السادس اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل / للصمت: صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: {أية : إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } تفسير : [مريم: 26] وصوم النهار إذا اعتدل وقام قائماً الظهيرة قال امرؤ القيس:شعر : فدعها وسل الهم عنها بحسرة ذمول إذا صام النهار وهجراً تفسير : وقال آخر:شعر : حتـى إذا صام النهار واعتـدل تفسير : وصامت الريح إذا ركدت، وصام الفرس إذا قام على غير اعتلاف وقال النابغة:شعر : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما تفسير : ويقال: بكرة صائمة إذا قامت فلم تدر، قال الراجز:شعر : والبكـرات شرهـن الصـائمـة تفسير : ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار، وكذلك مصام النجم قال امرؤ القيس:شعر : كأن الثريا علقت في فصامها بأمراس كتان إلى صم جندل تفسير : هذا هو معنى الصوم في اللغة، وفي الشريعة هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات حال العلم بكونه صائماً مع اقتران النية. أما قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذا التشبيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله. والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال: إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها: أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوماً من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضاً، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا عشراً، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعاً فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوماً، وهذا معنى قوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً } تفسير : [التوبة: 31] وهذا مروي عن الحسن وثانيها: أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوماً، ولهذا كره صوم يوم الشك، وهو مروي عن الشعبـي وثالثها: أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ } تفسير : [البقرة: 187] يفيد نسخ هذا الحكم، فهذا الحكم لا بد فيه من دليل يدل عليه ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلاً على ثبوت هذا المعنى، قال أصحاب القول الأول: قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصاً برمضان، وأن يكون صومهم مقدراً بثلاثين يوماً، ثم إن هذه الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك. المسألة الثانية: في موضع {كَمَا } ثلاثة أقول الأول: قال الزجاج موضع {كَمَا } نصب على المصدر لأن المعنى: فرض عليكم فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم الثاني: قال ابن الأنباري يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهاً وممثلاً بما كتب على الذين من قبلكم الثالث: قال أبو علي: هو صفة لمصدر محذوف تقديره: كتابة كما كتب عليهم، فحذف المصدر وأقيم نعته مقامه قال: ومثله في الإتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنت واحدة، ويريدون أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه وأقيم صفة المضاف مقام الاسم المضاف إليه. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فاعلم أن تفسير {لَعَلَّ } في حق الله تعالى قد تقدم، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع ففيه وجوه أحدها: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهوناً عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابـي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجباً وثالثها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى وهذا معنى {لَعَلَّ } وثانيها: المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف ورابعها: المراد {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} لما ذكر ما كتب على المكلَّفين من القصاص والوصية ذكر أيضاً أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم، ولا خلاف فيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بُنِي الإسلام على خمسٍ شهادةِ أن لا إلٰهَ إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة وصومِ رمضان والحج»تفسير : رواه ٱبن عمر. ومعناه في اللغة: الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال. ويقال للصَّمْت صوم؛ لأنه إمساك عن الكلام؛ قال الله تعالى مخبراً عن مريم: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} تفسير : [مريم: 26] أي سكوتاً عن الكلام. والصوم: ركود الريح؛ وهو إمساكها عن الهبوب. وصامت الدابة على آرِيِّهَا: قامت وثبتت فلم تَعْتَلِف. وصام النهار: اعتدل. وَمَصَامُ الشمس حيث تستوي في منتصف النهار؛ ومنه قول النابغة:شعر : خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة تحت العَجاج وخيلٌ تَعْلُكُ اللُّجُمَا تفسير : أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة؛ كما قال:شعر : كأنّ الثُّرَيَّا عُلّقت في مَصَامِهَا تفسير : أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل؛ وقوله:شعر : والبَكَرَات شرّهنّ الصائمة تفسير : يعني التي لا تدور. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : فَدَعْهَا وسَلِّ الهمَّ عنك بجَسْرة ذَمولٍ إذا صام النهارُ وهَجّرَا تفسير : أي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة. وقال آخر:شعر : حتى إذا صام النهار وٱعتدل وسال للشمس لعابٌ فنزل تفسير : وقال آخر:شعر : نَعاماً بوَجْرَة صفر الخدُو دِ ما تَطْعَم النوم إلا صِيَامَا تفسير : أي قائمة. والشعر في هذا المعنى كثير. والصوم في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع ٱقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله بٱجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرّمات؛ لقوله عليه السلام: «حديث : من لم يَدَعْ قول الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه».تفسير : الثانية: فضل الصوم عظيم، وثوابه جسيم، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم، وسيأتي بعضها، ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أنْ خَصَّهُ الله بالإضافة إليه؛ كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبراً عن ربّه:«حديث : يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ٱبن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أُجْزِي به»تفسير : الحديث. وإنما خصّ الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلّها له لأمرين بايَنَ الصوم بهما سائر العبادات. أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذّ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات. الثاني: أن الصوم سرّ بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له؛ فلذلك صار مختصَّا به. وما سواه من العبادات ظاهر، رُبمّا فعله تَصَنّعاً ورياء؛ فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. وقيل غير هذا. الثالثة: قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ} الكاف في موضع نصب على النعت، التقدير كتاباً كما، أو صوماً كما. أو على الحال من الصيام؛ أي كتب عليكم الصيام مشبهاً كما كتب على الذين من قبلكم. وقال بعض النحاة: الكاف في موضع رفع نعتاً للصيام؛ إذ ليس تعريفه بمحض؛ لمكان الإجمال الذي فيه بما فسّرته الشريعة، فلذلك جاز نعته بـ «ـكما» إذ لا يُنعت بها إلا النكرات، فهو بمنزلة كُتب عليكم صيام؛ وقد ضُعّف هذا القول. و «ما» في موضع خفض، وصلتها: {كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. والضمير في «كُتب» يعود على «ما». وٱختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي: الرابعة: فقال الشعبيّ وقتادة وغيرهما: التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم؛ فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيّروا، وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مَرِض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل؛ فصار صوم النصارى خمسين يوماً؛ فصعُب عليهم في الحرّ فنقلوه إلى الربيع. وٱختار هذا القول النحاس وقال: وهو الأشبه بما في الآية. وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دَغْفَل ٱبن حنظلة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه الله لنزيدنّ عشرة ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه الله لنزيدنّ سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا لنتِمنّ هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع قال فصار خمسين»تفسير : . وقال مجاهد: كتب الله عزّ وجلّ صوم شهر رمضان على كل أمة. وقيل: أخذوا بالوَثِيقة فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً، قرناً بعد قرن؛ حتى بلغ صومهم خمسين يوماً؛ فصعُب عليهم في الحرّ فنقلوه إلى الفصل الشمسي. قال النقاش: وفي ذلك حديث عن دَغْفَل بن حنظلة والحسن البصري والسُّدّيّ. قلت: ولهذا ـ والله أعلم ـ كُره الآن صوم يوم الشك والسّتة من شوّال بإثر يوم الفطر متصلاً به. قال الشعبيّ: لو صمتُ السنة كلها لأفطرتُ يوم الشك؛ وذلك أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا، فحوّلوه إلى الفصل الشمسي؛ لأنه قد كان يوافق القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً؛ ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوَثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً؛ ثم لم يزل الآخر يستنّ من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوماً فذلك قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. وقيل: التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدّم، لا في الوقت والكيفية. وقيل: التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم مِن منعهم من الأكل والشرب والنكاح، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام. وكذلك كان في النصارى أوّلاً وكان في أوّل الإسلام، ثم نسخه الله تعالى بقوله: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} تفسير : [البقرة: 187] على ما يأتي بيانه؛ قاله السُّديّ وأبو العالية والربيع. وقال معاذ بن جبل وعطاء: التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدّة وإن ٱختلف الصيامان بالزيادة والنقصان. المعنى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} أي في أوّل الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء؛ {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} وهم اليهود ـ في قول ٱبن عباس ـ ثلاثة أيام ويوم عاشوراء. ثم نُسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان. وقال معاذ بن جبل: نسخ ذلك «بأيام مَّعْدُودَاتٍ» ثم نُسخت الأيام برمضان. الخامسة: قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} «لعلّ» تَرَجّ في حقّهم، كما تقدم. و «تتقون» قيل: معناه هنا تضعفون؛ فإنه كلما قلّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي. وهذا وجه مجازيّ حسن. وقيل: لتتقوا المعاصي. وقيل: هو على العموم؛ لأن الصيام كما قال عليه السلام: «حديث : الصيامُ جُنَّةٌ وَوِجاء»تفسير : وسبب تقوَى؛ لأنه يُميت الشهوات. السادسة: قوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} «أياماً» مفعول ثان بـ «ـكُتب»؛ قاله الفراء. وقيل: نصب على الظرف لـ «ـكُتب»؛ أي كتب عليكم الصيام في أيام. والأيام المعدودات: شهر رمضان؛ وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ، والله أعلم. قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فيه ست عشرة مسألة. الأولى: قوله تعالى: {مَّرِيضاً} للمريض حالتان: إحداهما ـ ألاّ يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يُستحبّ له الفطر ولا يصوم إلا جاهل. قال ٱبن سيرين: متى حصل الإنسان في حالٍ يستحق بها ٱسم المرض صحّ الفطر، قياساً على المسافر لعلّة السفر، وإن لم تَدْع إلى الفطر ضرورة. قال طريف بن تمام العُطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل؛ فلما فرغ قال: إنه وجعتْ أصبعي هذه. وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزّيده صحّ له الفطر. قال ٱبن عطية: وهذا مذهب حذّاق أصحاب مالك وبه يناظرون. وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشقّ على المرء ويبلغ به. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وٱختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر؛ فقال مرّة: هو خوف التلف من الصيام. وقال مرّة: شدّة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة. وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر؛ لأنه لم يخصّ مرضاً من مرض فهو مباح في كل مرض، إلا ما خصّه الدليل من الصداع والحمّى والمرض اليسير الذي لا كُلْفة معه في الصيام. وقال الحسن: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائماً أفطر؛ وقاله النَّخَعِيّ. وقالت فرقة: لا يُفطر بالمرض إلا مَن دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى ٱحتمل الضرورة معه لم يفطر. وهذا قول الشافعيّ رحمه الله تعالى. قلت: قول ٱبن سِيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال البخاري: ٱعتللتُ بنَيْسابور عِلَّةً خفيفة وذلك في شهر رمضان؛ فعادني إسحٰق بن رَاهْوَيْهْ في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد اللَّه؟ فقلت نعم. فقال: خشيتَ أن تضعف عن قبول الرّخصة. قلت: حدّثنا عبدان عن ٱبن المبارك عن ٱبن جُريج قال قلت لعطاء: من أيّ المرض أفطر؟ قال: من أيّ مرض كان؛ كما قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحٰق. وقال أبو حنيفة: إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يُفطر أن تزداد عينه وجعاً أو حُمَّاه شدّة أفطر. الثانية: قوله تعالى: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} ٱختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد، ويتّصل بهذين سَفَرُ صِلة الرَّحِم وطلب المعاش الضروري. أما سفر التجارات والمباحات فمختلَف فيه بالمنع والإجازة، والقول بالجواز أرجح. وأمّا سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع، والقول بالمنع أرجح، قاله ٱبن عطية. ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة. وٱختلف العلماء في قدر ذلك؛ فقال مالك: يوم وليلة؛ ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون مِيلاً. قال ٱبنِ خُوَيْزِ مَنْدَاد: وهو ظاهر مذهبه؛ وقال مرّة: ٱثنان وأربعون مِيلاً؛ وقال مرّة ستة وثلاثون مِيلاً؛ وقال مرّة: مسيرة يوم وليلة؛ وروي عنه يومان؛ وهو قول الشافعي. وفصّل مرّة بين البَرّ والبحر؛ فقال في البحر مسيرة يوم ليلة، وفي البر ثمانية وأربعون ميلاً، وفي المذهب ثلاثون ميلاً؛ وفي غير المذهب ثلاثة أميال. وقال ٱبن عمرو وٱبن عباس والثوريّ: الفطر في سفرِ ثلاثة أيام؛ حكاه ٱبن عطية. قلت: والذي في البخاري: وكان ٱبن عمر وٱبن عباس يفطران ويقصران في أربعة بُرُد، وهي ستة عشر فرسخاً. الثالثة: ٱتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيّت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافراً بالنّية بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافراً بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل؛ لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيماً في الحين، لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا. ولا خلاف بينهم أيضاً في الذي يؤمّل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج؛ فإن أفطر فقال ٱبن حبيب: إن كان قد تأهّب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه؛ وحكي ذلك عن أَصْبَغ وٱبن الماجشُون؛ فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة، وحَسْبه أن ينجو إن سافر. وروى عيسى عن ٱبن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم؛ لأنه متأوّل في فطره. وقال أشهب: ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر. وقال سُحْنون: عليه الكفارة سافر أو لم يسافر؛ وهو بمنزلة المرأة تقول: غداً تأتيني حَيْضتي، فتُفْطر لذلك. ثم رجع إلى قول عبد الملك وأَصْبَغ وقال: ليس مثل المرأة؛ لأن الرجل يُحدث السفر إذا شاء، والمرأة لا تُحدث الحيضة. قلت: قول ٱبن القاسم وأشهب في نفي الكفَّارة حَسَن؛ لأنه ما يجوز له فعله، والذّمة بريئة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف، ثم إنه مقتضى قوله تعالى: «أَوْ عَلَى سَفَر». وقال أبو عمر: هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة؛ لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأوّل، ولو كان الأكل مع نيّة السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه؛ فتأمّل ذلك تجده كذلك، إن شاء الله تعالى. وقد روى الدّارَقُطْنِي: حدّثنا أبو بكر النيسابوري حدّثنا إسماعيل بن إسحٰق بن سهل بمصر قال حدّثنا ٱبن أبي مريم حدّثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم قال: أخبرني محمد بن المُنْكَدَر عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رُحّلَت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس، فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب. فقلت له: سُنَّة؟ قال نعم. وروي عن أنس أيضاً قال قال لي أبو موسى: ألم أنبئنّك إذا خرجت خرجت صائماً، وإذا دخلت صائماً؛ فإذا خرجت فٱخرج مفطراً وإذا دخلت فٱدخل مفطراً. وقال الحسن البصريّ: يُفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج. وقال أحمد: يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحٰق: لا، بل حين يضع رجله في الرَّحْل. قال ٱبن المنذر: قول أحمد صحيح؛ لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحاً ثم ٱعتَلّ: إنه يُفطر بقية يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر. وقالت طائفة: لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره؛ كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى الأنصاريّ ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وٱختلفوا إن فعل؛ فكلهم قال يقضي ولا يكفّر. قال مالك: لأن السفر عذر طارىء، فكان كالمرض يطرأ عليه. وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفّر؛ وهو قول ٱبن كنانة والمخزومي، وحكاه الباجي عن الشافعي، وٱختاره ٱبن العربي وقال به؛ قال: لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض؛ لأن المرض يبيح له الفطر، والحيضُ يُحَرّم عليها الصوم، والسفرُ لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حُرمته. قال أبو عمر: وليس هذا بشيء؛ لأن الله سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسُّنة. وأما قولهم «لا يفطر» فإنما ذلك ٱستحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ٱبن عمر في هذه المسألة: يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافراً؛ وهو قول الشعبيّ وأحمد وإسحٰق. قلت: وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة «باب من أفطر في السفر ليراه الناس» وساق الحديث عن ٱبن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عُسْفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليُريه الناسَ فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان. وأخرجه مسلم أيضاً عن ٱبن عباس وقال فيه: ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهاراً ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة. وهذا نصّ في الباب فسقط ما خالفه، وبالله التوفيق. وفيه أيضاً حجة على من يقول: إن الصوم لا ينعقد في السفر. روي عن عمر وٱبن عباس وأبي هريرة وٱبن عمر. قال ٱبن عمر: من صام في السفر قضى في الحضر. وعن عبد الرحمن ابن عوف: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وقال به قوم من أهل الظاهر؛ وٱحتجوا بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} على ما يأتي بيانه، وبما روى كعب بن عاصم قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليس مِن البِّر الصيامُ في السّفر»تفسير : . وفيه أيضاً حجةٌ على من يقول: إنَ من بيّت الصوم في السفر فله أن يُفطر وإن لم يكن له عذر؛ وإليه ذهب مُطَرِّف، وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث. وكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة لأنه كان مَخيّراً في الصوم والفطر، فلما ٱختار الصوم وبيّته لزمه ولم يكن له الفطر؛ فإن أفطر عامداً من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه أنه لا كفّارة عليه؛ وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال: إن أفطر بجماع كفّر؛ لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له؛ لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوَى بذلك على سفره. وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز: إنه لا كفارة عليه؛ منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، قاله أبو عمر. الرابعة: وٱختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر؛ فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما: الصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه. وجُلّ مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي. قال الشافعي ومن ٱتبعه: هو مخيَّر؛ ولم يفصِّل، وكذلك ٱبن عُلّية؛ لحديث أنس قال: سافرنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يَعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم؛ خرّجه مالك والبخاريّ ومسلم. وروي عن عثمان بن أبي العاص الثَّقَفِيّ وأنس بن مالك صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما قالا: الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن ٱبن عمر وٱبن عباس: الرخصة أفضل، وقال به سعيد بن المسيّب والشعبي وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحٰق. كُّل هؤلاء يقولون الفطر أفضل؛ لقول الله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. الخامسة: قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ} في الكلام حذف؛ أي من يكن منكم مريضاً أو مسافراً فأفطر فَلْيَقض. والجمهور من العلماء على أن أهل البلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوماً وفي البلد رجل مريض لم يَصِحّ فإنه يقضي تسعة وعشرين يوماً. وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حَيّ: إنه يقضي شهراً بشهر من غير مراعاة عدد الأيام. قال الكيَا الطَّبَرِي: وهذا بعيد؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ولم يقل فشهر من أيام أخر. وقوله: «فَعِدَّةٌ» يقتضي ٱستيفاء عدد ما أفطر فيه، ولا شك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده؛ كذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في ٱعتبار عدده. السادسة: قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ} ٱرتفع «عِدّة» على خبر الابتداء، تقديره فالحكم أو فالواجب عدّة، ويصحّ فعليه عدّة. وقال الكسائي: ويجوز فعدّةً؛ أي فليصم عدّة من أيام. وقيل: المعنى فعليه صيام عدّة؛ فحذف المضاف وأقيمت العدّة مقامه. والعدّة فِعلة من العدّ، وهي بمعنى المعدود؛ كالطِّحْن بمعنى المطحون، تقول: أسمعُ جَعْجَعَةً ولا أرى طِحْناً. ومنه عدّة المرأة. {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لم ينصرف «أُخَرَ» عند سيبويه، لأنها معدولة عن الألف واللام، لأن سبيل فُعَل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللاّم؛ نحو الكُبَر والفُضل. وقال الكسائي: هي معدولة عن آخر، كما تقول: حمراء وحمر؛ فلذلك لم تنصرف. وقيل: منعت من الصرف لأنها على وزن جُمَع وهي صفة لأيام؛ ولم تجىء أخرى لئلا يشكل بأنها صفة للعدّة. وقيل: إن {أُخَرَ} جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل: أيام أخر. وقيل: إن نعت الأيام يكون مؤنّثاً فلذلك نعتت بأخَر. السابعة: اختلف الناس في وجوب تتابعها على قولين ذكرهما الدَّارَقُطنِي في «سننه»؛ فروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت «فعِدّة من أيام أخر متتابعات» فسقطت «متتابعات» قال هذا إسناد صحيح. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان عليه صومٌ من رمضان فليسرده ولا يقطعه»تفسير : في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث. وأسنده عن ٱبن عباس في قضاء رمضان «صمه كيف شئت». وقال ٱبن عمر: «صُمْه كما أفطرته». وأسند عن أبي عبيدة بن الجرّاح وٱبن عباس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص. وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني«حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع صيام رمضان فقال: «ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دَين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاه فالله أحق أن يَعْفُوَ ويغفر»تفسير : . إسناده حسن إلا أنه مرسل ولا يثبت متّصلاً. وفي مُوّطّأ مالك عن نافع أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: يصوم رمضان متتابعاً من أفطره متتابعاً من مرض أو في سفر. قال الباجي في «المنتقى»: «يحتمل أن يريد الإخبار عن الوجوب، ويحتمل أن يريد الإخبار عن الاستحباب؛ وعلى الاستحباب جمهور الفقهاء. وإن فرّقه أجزأه؛ وبذلك قال مالك والشافعي. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ولم يخصّ متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرّقة فقد صام عدّة من أيام أخر، فوجب أن يَجزيَه». ٱبن العربي: إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معيَّناً، وقد عدم التعيين في القضاء فجاز التفريق. الثامنة: لما قال تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} دلّ ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان؛ لأن اللّفظ مسترسل على الأزمان لا يختصّ ببعضها دون بعض. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيَه إلا في شعبان، الشُّغْل من رسول الله، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم. في رواية: وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا نصّ وزيادة بيان للآية. وذلك يردّ على داود قوله: إنه يجب عليه قضاؤه ثاني شوّال. ومن لم يصمه ثم مات فهو آثم عنده؛ وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن فليس له أن يتعدّاها ويشتري غيرها؛ لأن الفرض عليه أن يعتق أوّل رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها. ولو كانت عنده رقبة فلا يجوز له أن يشتري غيرها، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق؛ كما يبطل فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره، وذلك يفسد قوله. وقال بعض الأصوليين: إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوّال لا يعصي على شرط العزم. والصحيح أنه غير آثم ولا مفرّط، وهو قول الجمهور، غير أنه يستحب له تعجيل القضاء لئلا تدركه المنّية فيبقى عليه الفرض. التاسعة: من كان عليه قضاء أيام من رمضان فمضت عليه عدّتها من الأيام بعد الفطر أمكنه فيها صيامه فأخّر ذلك ثم جاءه مانع منعه من القضاء إلى رمضان آخر فلا إطعام عليه؛ لأنه ليس بمفرّط حين فعل ما يجوز له من التأخير. هذا قول البغداديين من المالكيين، ويَرَوْنه قول ٱبن القاسم في المدوّنة. العاشرة: فإن أخّر قضاءه عن شعبان الذي هو غاية الزمان الذي يقضى فيه رمضان فهل يلزمه لذلك كفارة أوْ لا؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحٰق: نعم. وقال أبو حنيفة والحسن والنَّخَعِيّ وداود: لا. قلت: وإلى هذا ذهب البخاريّ لقوله، ويذكر عن أبي هريرة مرسلاً وٱبن عباس أنه يُطعِم، ولم يذكر الله الإطعام، إنما قال: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. قلت: قد جاء عن أبي هريرة مُسْنَداً فيمن فرّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر قال: يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرّط فيه ويطعم لكل يوم مسكيناً. خرّجه الدَّارَقُطْنِي وقال: إسناد صحيح. "حديث : وروي عنه مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض ثم صحّ ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال: «يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم لكل يوم مسكيناً»»تفسير : . في إسناده ٱبن نافع وٱبن وجيه ضعيفان. الحادية عشرة: فإن تَمَادَى به المرض فلم يَصِحّ حتى جاء رمضان آخر؛ فروى الدَّارَقُطْنِي عن ٱبن عمر أنه يطعم مكان كل يوم مسكيناً مُدًّا من حنطة، ثم ليس عليه قضاء. وروي أيضاً عن أبي هريرة أنه قال: إذا لم يَصِحّ بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن الثاني ولا قضاء عليه، وإذا صحّ فلم يَصُم حتى إذا أدركه رمضان آخر صام عن هذا وأطعم عن الماضي؛ فإذا أفطر قضاه؛ إسناد صحيح. قال علماؤنا: وأقوال الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها. ورُوي عن ٱبن عباس أن رجلاً جاء إليه فقال: مرضت رمضانين؟ فقال له ٱبن عباس: استمرّ بك مرضك، أو صححت بينهما؟ فقال: بل صححت، قال: صُم رمضانين وأطعم ستين مسكيناً. وهذا بدل من قوله: إنه لو تمادى به مرضه لا قضاء عليه. وهذا يشبه مذهبهم في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما؛ على ما يأتي. الثانية عشرة: وٱختلف من أوجب عليه الإطعام في قدر ما يجب أن يطعم؛ فكان أبو هريرة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي يقولون: يُطعِم عن كل يوم مُدًّا. وقال الثوري: يُطعِم نصف صاع عن كل يوم. الثالثة عشرة: وٱختلفوا فيمن أفطر أو جامع في قضاء رمضان ماذا يجب عليه؛ فقال مالك: من أفطر يوماً من قضاء رمضان ناسياً لم يكن عليه شيء غير قضائه، ويستحبّ له أن يتمادى فيه للاختلاف ثم يقضيه، ولو أفطره عامداً أثم ولم يكن عليه غير قضاء ذلك اليوم ولا يتمادى؛ لأنه لا معنى لكفّه عما يكفّ الصائم ها هنا إذ هو غير صائم عند جماعة العلماء لإفطاره عامداً. وأما الكفارة فلا خلاف عند مالك وأصحابه أنها لا تجب في ذلك، وهو قول جمهور العلماء. قال مالك: ليس على من أفطر يوماً من قضاء رمضان بإصابة أهله أو غير ذلك كفارة، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم. وقال قتادة: على مَن جامع في قضاء رمضان القضاء والكفارة. وروى ٱبن القاسم عن مالك أن من أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان؛ وكان ٱبن القاسم يُفتي به ثم رجع عنه ثم قال: إن أفطر عمداً في قضاء القضاء كان عليه مكانه صيام يومين؛ كمن أفسد حجّة بإصابة أهله، وحجّ قابلاً فأفسد حجّة أيضاً بإصابة أهله كان عليه حجتان. قال أبو عمر: قد خالفه في الحج ٱبن وهب وعبد الملك، وليس يجب القياس على أصل مختلَف فيه. والصواب عندي ـ والله أعلم ـ أنه ليس عليه في الوجهين إلا قضاء يوم واحد؛ لأنه يوم واحد أفسده مرتين. قلت: وهو مقتضى قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فمتى أتى بيوم تام بدلاً عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى بالواجب عليه، ولا يجب عليه غير ذلك، والله أعلم. الرابعة عشرة: والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلّة فمات من علّته تلك، أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شيء عليه. وقال طاوس وقتادة في المريض يموت قبل أن يَصحّ: يُطَعم عنه. الخامسة عشرة: وٱختلفوا فيمن مات وعليه صومٌ من رمضان لم يقضه؛ فقال مالك والشافعيّ والثوري: لا يصوم أحد عن أحد. وقال أحمد وإسحٰق وأبو ثور والليث وأبو عبيد وأهل الظاهر: يُصام عنه، إلا أنهم خصّصوه بالنذر؛ وروى مثله عن الشافعي. وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان: يُطعَم عنه. ٱحتج من قال بالصوم بما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مات وعليه صيام صام عنه وَلِيّه»تفسير : . إلا أن هذا عامّ في الصوم، يخصّصه ما رواه مسلم أيضاً عن ٱبن عباس قال: «حديث : جاءت ٱمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر ـ وفي رواية صوم شهر ـ أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيتِ لو كان على أمّك دَيْنٌ فقضيتيه أكان يؤدّى ذلك عنها» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمّك»»تفسير : ٱحتج مالك ومن وافقه بقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الزمر: 7] وقوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39] وقوله: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} تفسير : [الأنعام: 164] وبما خرّجه النسائي عن ٱبن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يصلِّي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يُطعم عنه مكان كل يوم مُداًّ من حنطة».تفسير : قلت: وهذا الحديث عام، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: «حديث : لا يصوم أحد عن أحد»تفسير : صوم رمضان. فأما صوم النذر فيجوز؛ بدليل حديث ٱبن عباس وغيره، فقد جاء في صحيح مسلم أيضاً من حديث بُريدة نحو حديث ٱبن عباس، وفي بعض طرقه: «حديث : صوم شهرين أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» قالت: إنها لم تَحُجّ قط أفأحُجّ عنها؟ قال: «حُجِّي عنها»»تفسير : . فقولها: شهرين، يبعد أن يكون رمضان، والله أعلم. وأقوى ما يحتّج به لمالك أنه عمل أهل المدينة، ويعْضُده القياس الجليّ، وهو أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة. ولا ينقض هذا بالحج لأن للمال فيه مدخلا. السادسة عشرة: ٱستدلّ بهذه الآية من قال: إن الصوم لا ينعقد في السفر وعليه القضاء أبداً؛ فإن الله تعالى يقول: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي فعليه عدّة، ولا حذف في الكلام ولا إضمار. (وبقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس من البِرّ الصيام في السفر»تفسير : . قال: ما لم يكن من البِرّ فهو من الإثم، فيدل ذلك على أن صوم رمضان لا يجوز في السفر). والجمهور يقولون: فيه محذوف فأفطر؛ كما تقدّم. وهو الصحيح، لحديث أنس قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يَعِب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم؛ رواه مالك عن حُميد الطويل عن أنس. وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لِستّ عشرة مضت من رمضان فمِنّا من صام ومنا من أفطر، فلم يَعِب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله يُطْوِقونه نُقلت الكسرة إلى الطاء وٱنقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقرأ حُميد على الأصل من غير ٱعتلال، والقياس الاعتلال. ومشهور قراءة ٱبن عباس «يُطَوِّقونه» بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو بمعنى يكلِّفونه. وقد روى مجاهد «يَطيقونه» بالياء بعد الطاء على لفظ «يكيلونه» وهي باطلة ومحال؛ لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للياء في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب:شعر : فقيل تحمَّلْ فوق طَوْقك إنها مُطَبَّعَة مَن يأتها لا يَضِيرها تفسير : فأظهر الواو في الطّوق، وصحّ بذلك أن واضع الياء مكانها يفارق الصواب. وروى ٱبن الأنباري عن ٱبن عباس «يَطَّيَّقُونه» بفتح الياء وتشديد الطاء والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه؛ يقال: طاق وأطاق وأطيق بمعنىً. وعن ٱبن عباس أيضاً وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار «يَطَّوقونه» بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة، وهي صواب في اللغة؛ لأن الأصل يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت في الطاء فصارت طاء مشدّدة، وليست من القرآن، خلافاً لمن أثبتها قرآناً، وإنما هي قراءة على التفسير. وقرأ أهل المدينة والشام «فديةُ طعامِ» مضافاً، «مساكينَ» جمعاً. وقرأ ٱبن عباس «طعام مسكين» بالإفراد فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه. وهي قراءة حسنة؛ لأنها بيّنت الحكم في اليوم؛ وٱختارها أبو عبيد، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. قال أبو عبيد: فبيّنت أن لكل يوم إطعام واحد؛ فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية. وتخرج قراءة الجمع في «مساكين» لما كان الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فجمع لفظه؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} تفسير : [النور: 4] أي ٱجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة؛ فليست الثمانون متفرقة في جميعهم، بل لكل واحد ثمانون؛ قال معناه أبو عليّ. وٱختار قراءة الجمع النحاس قال: وما اختاره أبو عبيد مردود؛ لأن هذا إنما يعرف بالدلالة؛ فقد علم أن معنى «وعلى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَساكِينَ» أن لكل يوم مسكيناً، فٱختيار هذه القراءة لتردّ جمعاً على جمع. قال النحاس: وٱختار أبو عبيد أن يقرأ «فديةٌ طعامُ» قال: لأن الطعام هو الفدية، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتاً لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل، وَأَبْيَن منه أن يقرأ «فديةُ طعامٍ» بالإضافة؛ لأن «فِدية» مبهمة تقع للطعام وغيره، فصار مثل قولك: هذا ثَوْبُ خَزٍّ. الثانية: وٱختلف العلماء في المراد بالآية؛ فقيل: هي منسوخة. روى البخاري: «وقال ٱبن نُمير حدّثنا (الأعمش حدّثنا) عمرو بن مُرّة حدّثنا ٱبن أبي ليلى حدّثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشّق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. وعلى هذا قراءة الجمهور «يطيقونه» أي يقدرون عليه؛ لأن فرض الصيام هكذا: من أراد صام ومن أراد أطعم مسكيناً. وقال ٱبن عباس: نزلت هذه الآيةُ رخصة للشيوخ والعجزة خاصّة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نُسخت بقوله {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185] فزالت الرُّخصة إلا لمن عجز منهم. قال الفّراء: الضمير في «يطيقونه» يجوز أن يعود على الصيام؛ أي وعلى الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا، ثم نسخ بقوله: {وَأَن تَصُومُواْ}. ويجوز أن يعود على الفداء؛ أي وعلى الذين يطيقون الفداء فِدْية. وأما قراءة «يُطَوَّقونه» على معنى يكلَّفونه مع المشقة اللاحقة لهم؛ كالمريض والحامل فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم، فإن صاموا أجزأهم وإن ٱفتدوا فلهم ذلك. ففّسر ٱبن عباس ـ إن كان الإسناد عنه صحيحاً ـ «يطيقونه» يُطَوّقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن. روى أبو داود عن ٱبن عباس «وعلى الذين يطيقونه» قال: أُثبتت للحبلى والمرضع. وروى عنه أيضاً {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: كانت رُخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يُفطرا ويُطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحُبْلَى والمرضع إذا خافَتا على أولادهما أفطرتَا وأطعمتَا. وخرّج الدّارَقُطْنِي عنه أيضاً قال: رُخّص للشيخ الكبير أن يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليه؛ هذا إسناد صحيح. وروي عنه أيضاً أنه قال: «وعلى الذين يُطِيقونه فِدْية طعام» ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعما مكان كل يوم مسكيناً؛ وهذا صحيح. وروى عنه أيضاً أنه قال لأمّ ولد له حُبْلَى أو مُرْضِع: أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء ولا عليك القضاء؛ وهذا إسناد صحيح. وفي رواية: كانت له أمّ ولد ترضع ـ من غير شك ـ فأُجهِدت فأمرها أن تُفطر ولا تقضي؛ هذا صحيح. قلت: فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ٱبن عباس أن الآية ليست بمنسوخة وأنها مُحْكَمة في حق من ذُكر. والقول الأوّل صحيح أيضاً، إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص، فكثيراً ما يُطلق المتقدّمون النسخ بمعناه، والله أعلم. وقال الحسن البصري وعطاء بن أبي رَباح والضحاك والنَّخَعِي والزُّهْري وربيعة والأوزاعي وأصحاب الرأي: الحامل والمرضع يُفطران ولا إطعام عليهما؛ بمنزلة المريض يُفطر ويَقضي؛ وبه قال أبو عبيد وأبو ثور. وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي ثور، وٱختاره ٱبن المنذر؛ وهو قول مالك في الحبلى إن أفطرت، فأمّا المرضع إن أفطرت فعليها القضاء والإطعام. وقال الشافعي وأحمد: يُفطران ويُطعمان ويَقضيان، وأجمعوا على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا. وٱختلفوا فيما عليهم؛ فقال ربيعة ومالك: لا شيء عليهم، غير أن مالكاً قال: لو أطعموا عن كل يوم مسكيناً كان أحبّ إليّ. وقال أنس وٱبن عباس وقيس بن السائب وأبو هريرة: عليهم الفِدْية. وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحٰق؛ ٱتباعاً لقول الصحابة رضي الله عن جميعهم، وقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ثم قال: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين، فوجبت عليهم الفدية. والدليل لقول مالك: أن هذا مفطر لعذر موجود فيه وهو الشيخوخة والكبر فلم يلزمه إطعام كالمسافر والمريض. ورُوي هذا عن الثوري ومكحول، وٱختاره ٱبن المنذر. الثالثة: وٱختلَف مَن أوجب الفدية على مَن ذُكر في مقدارها؛ فقال مالك: مُدٌّ بمُدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن كل يوم أفطره؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: كفّارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع بُرّ. وروي عن ٱبن عباس نصف صاع من حنطة؛ ذكره الدَّارَقُطْنِي. ورُوي عن أبي هريرة قال: من أدركه الكِبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مُدٌّ من قمح. وروي عن أنس بن مالك أنه ضَعُف عن الصوم عاماً فصنع جَفْنة من طعام ثم دعا بثلاثين مسكيناً فأشبعهم. الرابعة: قوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} قال ٱبن شهاب: من أراد الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المُدّ. ٱبن عباس: «فمن تطوع خيراً» قال: مسكيناً آخر فهو خير له. ذكره الدَّارَقُطْنِيّ وقال: إسناد صحيح ثابت. و «خَيْرٌ» الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث و «خير» الأوّل. وقرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي «يَطّوَّعْ خيراً» مشدّداً وجزم العين على معنى يتطوّع. الباقون «تَطَوَّعَ» بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين على الماضي. الخامسة: قوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي والصيام خير لكم. وكذا قرأ أُبَيّ؛ أي من الإفطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ. وقيل: «وأن تصوموا» في السفر والمرض غير الشاق، والله أعلم. وعلى الجملة فإنه يقتضي الحضّ على الصوم؛ أي فٱعلموا ذلك وصوموا.

البيضاوي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام، وفيه توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب على النفس. والصوم في اللغة: الإِمساك عما تنازع إليه النفس، وفي الشرع: الإِمساك عن المفطرات بياض النهار، فإنها معظم ما تشتهيه النفس. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء»تفسير : أو الإِخلال بأدائه لأصالته وقدمه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الآية، وآمراً لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل؛ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الردئية والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى:{أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا} تفسير : [المائدة: 48] الآية، ولهذا قال ههنا: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: «حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء»تفسير : ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم؛ لئلا يشق على النفوس، فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام كان أولاً كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ وابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك بن مزاحم، وزاد: لم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان. وقال عباد بن منصور عن الحسن البصري: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت، كما كتبه علينا شهراً كاملاً وأياماً معدودات عدداً معلوماً، وروي عن السدي نحوه. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد عن أبي الربيع، رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم»تفسير : في حديث طويل اختصر منه ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر قال: أنزلت: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها، قال ابن أبي حاتم وروي عن ابن عباس وابن أبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء والخراساني نحو ذلك، وقال عطاء الخرساني عن ابن عباس: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني بذلك أهل الكتاب، وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله، ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر، وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام، فقد كان مخيراً بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطاوس ومقاتل بن حيان وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس، ثم إن الله عز وجل أنزل عليه: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}تفسير : [البقرة: 144] الآية، فوجهه الله إلى مكة، هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضاً، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد بن عبد ربه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائماً، لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ـ مثنى ـ حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة مرتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : علمها بلالاً، فليؤذن بها» تفسير : فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني، فهذان حالان. قال: وكانوا يأتون الصلاة سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه قد سن لكم معاذ، فهكذا فاصنعوه»تفسير : فهذه ثلاثة أحوال، وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} إلى قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الآخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىۤ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} إلى قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لايستطيع الصيام، فهذان حالان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة، كان يعمل صائماً حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائماً، فرآه رسول الله وقد جهد جهداً شديداً، فقال: «حديث : ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟»تفسير : قال: يا رسول الله إني عملت أمس، فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت صائماً، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ـ إلى قوله ـ {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي به، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض رمضان، كان من شاء صام، ومن شاء أفطر، وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله. وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كما قال معاذ رضي الله عنه: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}: كان من أراد أن يفطر يفادي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وروي أيضاً من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: هي منسوخة، وقال السدي عن مرة عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: يقول: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً {فَمَن تَطَوَّعَ} يقول: أطعم مسكيناً آخر {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} فكانوا كذلك حتى نسختها: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقال البخاري أيضاً: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسين بن محمد بن بهرام المخزومي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: فنسخت الأولى إلا الكبير الفاني، إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر، فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي: والثاني، وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء، أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاماً أو عامين عن كل يوم مسكيناً، خبزاً ولحماً، وأفطر، وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكيناً، فأطعمهم، ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة، عن عمران، وهو ابن حُدير، عن أيوب به. ورواه عبد أيضاً من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه، ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية، وقيل: يفطران ولا فدية ولاقضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه، و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ } فرض {عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } من الأمم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها.

الشوكاني

تفسير : قد تقدّم معنى: {كتب} ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة افترضها الله سبحانه على هذه الأمة. والصيام أصله في اللغة: الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال، ويقال: للصمت: صوم؛ لأنه إمساك، عن الكلام، ومنه: {أية : إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً }تفسير : [مريم: 26] أي: إمساكاً عن الكلام، ومنه قول النابغة:شعر : خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرٌ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُّجمَا تفسير : أي: خيل ممسكة عن الجري، والحركة. وهو في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقوله: {كَمَا كُتِبَ } أي: صوماً كما كتب على أن الكاف في موضع نصب على النعت، أو كتب عليكم الصيام مشبهاً ما كتب على أنه في محل نصب على الحال. وقال بعض النحاة: إن الكاف في موضع رفع نعتاً للصيام، وهو ضعيف؛ لأن الصيام معرّف باللام، والضمير المستتر في قوله: {كَمَا كُتِبَ } راجع إلى "ما". واختلف المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل: هو قدر الصوم، ووقته، فإن الله كتب على اليهود، والنصارى صوم رمضان، فغيروا، وقيل: هو: الوجوب، فإن الله أوجب على الأمم الصيام. وقيل: هو الصفة. أي: ترك الأكل، والشرب، ونحوهما في وقت، فعلى الأوّل معناه: أن الله كتب على هذه الأمة صوم رمضان كما كتبه على الذين من قبلهم، وعلى الثاني: أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما أوجبه على الذين من قبلهم، وعلى الثالث: أن الله سبحانه أوجب على هذه الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه على الذين من قبلهم. وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } بالمحافظة عليها، وقيل: تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة؛ لأنها تكسر الشهوة، وتضعف دواعي المعاصي، كما ورد في الحديث أنه "حديث : جُنَّة"تفسير : ، وأنه و"حديث : جاء"تفسير : . وقوله: {أَيَّامًا } منتصب على أنه مفعول ثان لقوله: {كتب} قاله الفراء. وقيل إنه منتصب على أنه ظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام. وقوله: {مَّعْدُودٰتٍ } أي: معينات بعدد معلوم، ويحتمل أن يكون في هذا الجمع لكونه من جموع القلة إشارة إلى تقليل الأيام. وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } قيل: للمريض حالتان: إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرّر، ومشقة كان رخصتة. وبهذا قال الجمهور. وقوله: {عَلَىٰ سَفَرٍ } اختلف أهل العلم في السفر المبيح للإفطار، فقيل: مسافة قصر الصلاة، والخلاف في قدرها معروف، وبه قال الجمهور. وقال غيرهم بمقادير لا دليل عليها. والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر، فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض، فهو الذي يباح عنده الفطر. وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة. واختلفوا في الأسفار المباحة، والحق أن الرخصة ثابتة فيه، وكذا اختلفوا في سفر المعصية. وقوله: {فَعِدَّةٌ } أي: فعليه عدّة، أو فالحكم عدّة، أو فالواجب عدّة، والعدّة فعلة من العدد، وهو بمعنى. المعدود. وقوله: {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } قال سيبويه: ولم ينصرف؛ لأنه معدول به عن الآخر؛ لأن سبيل هذا الباب أن يأتي بالألف واللام، وقال الكسائي: هو معدول به عن آخر، وقيل: إنه جمع أخرى، وليس في الآية ما يدل على وجوب التتابع في القضاء. قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } قراءة الجمهور بكسر الطاء، وسكون الياء، وأصله: يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء، وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقرأ حميد على الأصل من غير إعلال، وقرأ ابن عباس بفتح الطاء مخففة، وتشديد الواو، أي: يكلفونه، وروى ابن الأنباري، عن ابن عباس: «يطيقونه» بفتح الياء، وتشديد الطاء، والياء مفتوحتين بمعنى: يطيقونه. وروي عن عائشة، وابن عباس، وعمرو ابن دينار، وطاوس أنهم قرءوا «يطيقونه» بفتح الياء، وتشديد الطاء مفتوحة. وقرأ أهل المدينة، والشام: "فِدْيَةٌ طَعَامُ" مضافاً. وقرءوا أيضاً: {مَسَـٰكِينَ } وقرأ ابن عباس: {طَعَامُ مَسَـٰكِينَ } وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة، أم منسوخة؟ فقيل: إنها منسوخة، وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام؛ لأنه شقّ عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم، وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك، وهذا قول الجمهور. وروي عن بعض أهل العلم، أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ، والعجائز خاصة إذا كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة، وهذا يناسب قراءة التشديد، أي: يكلفونه كما مرّ. والناسخ لهذه الآية عند الجمهور قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وقد اختلفوا في مقدار الفدية؛ فقيل: كل يوم صاع من غير البرّ، ونصف صاع منه، وقيل: مدّ فقط. وقوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } قال ابن شهاب: معناه: من أراد الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: معناه: من زاد في الإطعام على المدّ. وقيل: من أطعم مع المسكين مسكيناً آخر. وقرأ عيسى بن عمر، ويحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي: «يطوّع» مشدّداً مع جزم الفعل على معنى يتطوّع، وقرأ الباقون بتخفيف الطاء على أنه فعل ماض. وقوله: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } معناه: أن الصيام خير لهم من الإفطار مع الفدية، وكان هذا قبل النسخ، وقيل معناه: وأن تصوموا في السفر، والمرض غير الشاق. وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن معاذ بن جبل؛ قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فذكر أحوال الصلاة ثم قال: وأما أحوال الصيام، فإن رسول الله قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله سبحانه فرض عليه الصيام، وأنزل عليه: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } إلى قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكيناً، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فأثبت الله صيامه على الصحيح المقيم، ورخص فيه للمريض، والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، ثم ذكر تمام الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } قال: يعني بذلك أهل الكتاب. وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، عن دغفل بن حنظلة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدنّ عشراً، ثم كان آخر، فأكل لحماً، فأوجع فوه، فقال: لئن شفاه الله ليزيدنّ سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر، فقال: ما ندع من هذه الثلاثة الأيام شيئاً أن نتمها، ونجعل صومنا في الربيع، ففعل، فصارت خمسين يوماً»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن السدي، في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قال: تتقون من الطعام، والشراب، والنساء مثل ما اتقوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحو ما سبق عن معاذ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم»تفسير : وأخرج البخاري، ومسلم عن عائشة قالت: كان عاشوراء صياماً، فلما أنزل رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر. وأخرج عبد بن حميد أن ابن عباس قال: إن قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } قد نسخت. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه نحو ذلك، وزاد أن الناسخ لها قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } الآية. وأخرج نحو ذلك عنه أبو داود في ناسخه. وأخرج نحوه عنه أيضاً سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من شاء صام، ومن شاء أن يفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت هذه الآية بعدها فنسختها: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ }. وأخرج البخاري، عن ابن أبي ليلى قال: حدّثنا أصحاب محمد، فذكر نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم فيفطر، ويطعم مكان كل يوم مسكيناً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والدارقطني، والبيهقي؛ أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عاماً قبل موته، فصنع جَفْنة من ثريد ودعا ثلاثين مسكيناً، فأطعمهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والدارقطني وصححه عن ابن عباس أنه قال لأم ولد له حامل، أو مرضعة: أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصيام، عليك الطعام لا قضاء عليك. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والدارقطني، عن ابن عمر؛ أن إحدى بناته أرسلت تسأله عن صوم رمضان، وهي حامل، قال: تفطر، وتطعم كل يوم مسكيناً، وقد روى نحو هذا، عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } قال: أطعم مسكينين. وأخرج عبد بن حميد، عن طاوس في قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } قال: إطعام مساكين. وأخرج ابن جرير، عن ابن شهاب في قوله: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: أن الصوم خير لكم من الفدية. وقد ورد في فضل الصوم أحاديث كثيرة جدّاً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ} بمعنى فرض عليكم الصيام، والصيام من كل شيء الإمساك عنه، ومن قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} أي صمتاً، لأنه إمساك عن الكلام، وذم أعرابي قوماً فقال: يصومون عن المعروف ويقصون على الفواحش، وأصله مأخوذ من صيام الخيل، وهو إمساكها عن السير والعلف، قال النابغة الذبياني: شعر : خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما تفسير : ولذلك قيل لقائم الظهيرة: قد صام النهار، لإبطاء الشمس فيه عن السير، فصارت بالإبطاء كالممسكة عنه، قال الشاعر: شعر : فدعها وسَلِّ الهمَّ عنك بجَسْرةٍ ذمولٍ إذا صام النهار وهجّرا تفسير : إلا أن الصيام في الشرع: إنما هو إمساك عن محظورات الصيام في زمانه، فجعل الصيام من أوكد عباداته وألزم فروضه، حتى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مَن رِيحِ المِسْكَ ". تفسير : وإنما اختص الصوم بأنه له، وإن كان كل العبادات له، لأمرين بَايَنَ الصومُ بِهِمَا سائِرَ الْعِبَادَاتِ: أحدهما: أن الصوم منع من مَلاَذِّ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات. والثاني: أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصاً به، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنّعاً ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. ثم قال تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم النصارى، وهو قول الشعبي والربيع وأسباط. والثاني: أنهم أهل الكتاب، وهو قول مجاهد. والثالث: أنهم جميع الناس، وهو قول قتادة. واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين: أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ". تفسير : والقول الثاني: أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان: أحدهما: أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم، وهذا قول الشعبي. والثاني: أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، فكان على ذلك سبعة عشر شهراً إلى أن نسخ بصوم رمضان، قال ابن عباس: كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام الأول. وفي قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قولان: أحدهما: لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري. والثاني: معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قه النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج. قوله عز وجل: {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} فيها قولان: أحدهما: أنها أيام شهر رمضان التي أبانها من بعد، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين. والثاني: أنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كانت مفروضة قبل صيام شهر رمضان، ثم نسخت به، وهو قول ابن عباس، وقتادة وعطاء، وهي الأيام البيض من كل شهر، وفيها وجهان: أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه. الوجه الثاني: أنها الثالث عشر وما يليه، وهو أظهر الوجهين، لأن أيام الشهر مجزأة عند العرب عشرة أجزاء، كل جزء منها ثلاثة أيام، تختص باسم، فأولها ثلاث غرر، ثم ثلاث شهب، ثم ثلاث بهر، ثم ثلاث عشر، ثم ثلاث بيض، ثم ثلاث درع، والدرع هو سواد مقدم الشاة، وبياض مؤخرها، فقيل لهذه الثلاث درع، لأن القمر يغيب في أولها، فيصير ليلها درعاً، لسواد أوله، وبياض آخره، ثم ثلاث خنس، لأن القمر يخنس فيها، أي يتأخر، ثم ثلاث دهم، وقيل حنادس لإظلامها، ثم ثلاث فحم، لأن القمر يتفحم فيها، أي يطلع آخر الليل، ثم ثلاث رادي، وهي آخر الشهر، مأخوذة من الرادة، أن تسرع نقل أرجلها حتى تضعها في موضع أيديها. وقد حكى أبو زيد، وابن الأعرابي، أنهم جعلوا للقمر في كل ليلة من ليالي العشر اسماً، فقالوا ليلة عتمة سخيلة حل أهلها برميلة، وابن ليلتين حديث مين مكذب ومبين، ورواه ابن الأعرابي كذب ومين، وابن ثلاث قليل اللباث، وابن أربع عتمة ربع لا جائع ولا مرضع، وابن خمس حديث وأنس، وابن ست سِرْ وبِتْ، وابن سبع دلجة الضبع، وابن ثمان قمر إضحيان، وابن تسع انقطع الشسع. وفي رواية غير أبي زيد: يلتقط فيه الجزع، وابن عشر ثلث الشهر، عن أبي زيد وعن غيره، ولم يجعل له فيما زاد عن العشر اسماً مفرداً. واختلفوا في الهلال متى يصير قمراً، فقال قوم يسمى هلالا لليلتين، ثم يُسَمَّى بعدها قمراً، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى ثلاث، ثم يسمى بعدها قمراً، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى ثلاث، ثم يسمى بعدها قمراً، وقال آخرون يسمى هلالاً حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بِخَطَّةٍ دقيقة، وهو قول الأصمعي، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل، فإذا بهر ضوؤه يسمى قمراً، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة. [ثم عدنا إلى تفسير ما بقي من الآية]. قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ} يعني مريضاً لا يقدر مع مرضه على الصيام، أو على سفر يشق عليه في سفره الصيام. {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فيه قولان: أحدهما: أنه مع وجود السفر، يلزمه القضاء سواء صام في سفره أو أفطر، وهذا قول داود الظاهري. والثاني: أن في الكلام محذوفاً وتقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولو صام في مرضه وسفره لم يعد، لكون الفطر بهما رُخْصَة لا حتماً، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور الفقهاء. ثم قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهٌ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} هكذا قرأ أكثر القراء، وقرأ ابن عباس، ومجاهد: {وَعَلَى الَّذِينَ لاَ يَطِيقُونَهُ فدية}، وتأويلها: وعلى الذين يكلفونه، فلا يقدرون على صيامه لعجزهم عنه، كالشيخ والشيخة والحامل والمرضع، فدية طعام مسكين، ولا قضاء عليهم لعجزهم عنه. وعلى القراءة المشهورة فيها تأويلان: أحدهما: أنها وردت في أول الإسلام، خيّر الله تعالى بها المطيقين للصيام من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا كل يوم بإطعام مسكين، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وقيل بل نسخ بقوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم}، وهذا قول ابن عمر، وعكرمة، والشعبي، والزهري، وعلقمة، والضحاك. والثاني: أن حكمها ثابت، وأن معنى قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي كانوا يطيقونه في حال شبابهم، وإذا كبروا عجزوا عن الصوم لكبرهم أن يفطروا،وهذا سعيد بن المسيب، والسدي. ثم قال تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} فيه تأويلان: أحدهما: فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له وهذا قول ابن عباس ومجاهد وطاووس والسدي. والثاني: فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له وهذا قول الزهري ورواية ابن جريج عن مجاهد. ثم قال تعالى: {وَاَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم} يحتمل تأويلين: أحدهما: أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده. والثاني: أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثواباً من التكفير لمن أفطر بالعجز. {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيَّنْتُه من دينكم. والثاني: إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الصِّيَامُ} الصوم عن كل شيء الإمساك عنه، ويقال عند الظهيرة صام النهار، لإبطاء سير الشمس حتى كأنها أمسكت عنه. {كَمَا كُتِبَ} شبّه صومنا بصومهم في حكمه وصفته دون قدره، كانوا يصومون من العتمة إلى العتمة ولا يأكلون بعد النوم شيئاً، وكذا كان في الإسلام حتى نسخ، أو في شبه عدده، فرض على النصارى شهر مثلنا فربما وقع في القيظ فأخروه إلى الربيع وكفروه بعشرين يوماً زائدة، أو شبّه بعدد صوم اليهود ثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء، فصامهن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة سبعة عشر شهراً ثم نسخن برمضان. {الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ} جميع الناس، أو اليهود، أو أهل الكتاب. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} محظورات الصوم، أو الصوم سبب التقوى لكسره الشهوات.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ...}. كرر النداء لبعد النداء المتقدم وكثرة ما بين النداءيْن من الفصل فكرره تطرئة. ابن عطية: الصيام مجمل لأنه لم يعين مقداره ولا زمنه. قال ابن العربي: بل هو معين في الآية لقوله {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. (قال ابن عرفة: إنما هو تشبيه حكم بحكم والحكم لا يتبدل ولا يتفاوت فهو تشبيه وجوب بوجوب). ابن عرفة: وهذا التشبيه وإن رجع إلى الأحكام فهو تسلية لنا لأن الإعلام بفرضيته على من مضى يوجب خفته عل النفوس وقبولها إياه، وإن رجع إلى الثواب فهو تنظير نعمة بنعمة، أي: أنعم عليكم بالصوم المحصل للثواب الأخروي، كما أنعم على من قبلكم من أن ثوابكم أعظم. وحذف الفاعل للعلّم به وزيادة "مِنْ" تنبيه على عموم ذلك في كل أمة من الأمم السالفة إلى حين: تزول هذه الآية.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {فديةٌ طعام} مضافاً {مساكين} بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري {فديةٌ} بالتنوين {طعام} بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع. الباقون: مثل هذا إلا أن {مسكين} مفرد مجرور {فمن تطوع} بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بلفظ الماضي من باب التفعل {القرآن} غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله تعالى {أية : وقرآن الفجر أن قرآن الفجر} تفسير : [الإسراء: 78] {أية : ولا تعجل بالقرآن} تفسير : [طه: 114] {أية : إن علينا جمعه وقرآنه}تفسير : [القيامة: 17] {أية : فاتبع قرآنه}تفسير : [القيامة: 18] الباقون بالهمز {اليسر والعسر} حيث كانا مثقلين: يزيد إلا قوله {أية : فالجاريات يسرا} تفسير : [الذاريات: 3] {ولتكملوا العدة} من التكميل: أبو بكر وحماد وعباس ورويس. والباقون: من الإكمال. {الداعي إذا دعاني} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل. والباقون بغير ياء فيها في الحالين {في لعلهم} بفتح الياء: ورش. الباقون: بالسكون. الوقوف: {تتقون} لا لأن "أياماً" ظرف "الصيام" أو الاتقاء {معدودات} ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع {أخر} ط لأن خبر الجار منتظر وهو "فدية" فلا تعلق له بما قبله {مسكين} ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل {خير له} ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم. {تعلمون} ه {والفرقان} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {فليصمه} ط للابتداء بشرط آخر {أخر} ط {العسر} ز قد يجوز {تشكرون} ه {قريب} ط لأن قوله "أجيب مستأنف {دعان} ص للفاء {يرشدون} ه {لهن} ط {عنكم} ج لعطف الجملتين المختلفتين {لكم} ص لذلك {إلى الليل} ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن {في المساجد} ط لأن "تلك" مبتدأ {فلا تقربوها} ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم {يتقون} ه. التفسير: هذا حكم آخر. والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ. وهو في اللغة الإمساك عن الشيء. قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل. وصام الفرس صوماً أي قام على غير اعتلاف. وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وإنه في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ولا بد في صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق عند الأكثرين. ويوافقه الجديد من قول الشافعي "ومن غير يوم الشك بلا ورد ونذر وقضاء وكفارة". ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم. وقوله سبحانه {كما كتب على الذين من قبلكم} أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علي كرم الله وجهه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم. {لعلكم تتقون} بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفاً للنفس عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم شعارهم. وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى فأصابهم موتان فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده. وقيل: كان يقع في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة. ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل {أية : دراهم معدودة}تفسير : [يوسف: 20] وأصله أن المال القليل يعدّ عدّاً، والكثير يحثى حثياً كأنه قال: إني رحمتكم فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياماً معدودة قليلة، وعلى هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان. ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان. فعن عطاء: ثلاثة أيام من كل شهر. وعن قتادة: هي مع صوم عاشوراء. ثم اختلفوا أيضاً فقيل: كان تطوّعاً ثم فرض وقيل بل كان واجباً. واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن صوم رمضان نسخ كل صوم"تفسير : فدل على أن صوماً آخر كان واجباً. وأيضاً ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريراً محضاً. وأيضاً ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على التعيين فيختلفان. والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين أنها شهر رمضان أجمل أولاً ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله {أياماً معدودات} ثم كمل البيان بقوله {شهر رمضان} وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان. وأجيب عن استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة. سلمنا أن المراد به صوم ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية. وعن الثاني أن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، وفي الآية الثانية جعل واجباً على التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانياً في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً. وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير والتعيين، أما في نفس الصوم فلا. وههنا سؤال وهو أن قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} كيف كان ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟ والجواب أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن أن يكون ناسخاً والمتأخر منسوخاً كآية الاعتداد بالحول. وهكذا نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير. قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين أولاً أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم بين ثانياً وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى. ثم بين ثالثاً أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها. ثم بين رابعاً أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له. ثم ذكر خامساً إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها. واختلف الأئمة في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أيّ مريض كان، وأيّ مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين. يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه. وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفرٍ ولو كان فرسخاً. وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول الأصم. وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله. وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه. قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟ فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيراً يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به. المرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً. وأصل السفر من الكشف لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم. وعن الأزهري: سمي مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء. قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم. وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخاً ولا يحسب منه مسافة الإياب. كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة. وإلى هذه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر في يومين فحينئذٍ يناسب الرخصة، ولما روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" تفسير : قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ. وروى الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا فقال: إلى مرّ الظهران؟ فقال: لا. ولكن اقصر إلى جدّة وعسفان والطائف. قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد. وقال أبو حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخاً قياساً على المسح. والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم. وأجيب بأن قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يمسح المقيم يوماً وليلة"تفسير : لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيماً. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : والمسافر ثلاثة أيام"تفسير : لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام. وأيضاً الترجيح للإفطار لقوله صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة "حديث : هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" تفسير : وإنما قيل {أو على سفرٍ} دون أن يقول مسافراً كما قال {مريضاً} لأن السفر يتعلق بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافراً وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به إن حصلت حصلت وإلا فلا. وعدّة فعلة من العدّ بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من هذا. وإنما قيل {فعدّة} على التنكير ولم يقل "فعدتها" أي فعدة الأيام المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد ظاهراً، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. والمعنى فعليه صوم عدّة. وقرئ بالنصب أي فليصم عدّة. وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا. واعلم أن قوماً من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام في السفر قضى في الحضر. واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله تعالى {فعدّة} أي فعليه عدّة مشعر بالوجوب عليه. ولأن قوله {يريد بكم اليسر} ينبئ عن إرادته الإفطار ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس من البر الصيام في السفر"تفسير : وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف. وقوله "حديث : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر"تفسير : وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما يجيء من قوله تعالى {وإن تصوموا خيرٌ لكم} ولما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال:حديث : صم إن شئت وأفطر إن شئت.تفسير : قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله تعالى {أية : أو به أذى من رأسه ففديةٌ} تفسير : [البقرة: 196] أي فحلق فعليه فدية. ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد: أن الصوم أفضل. وقالت طائفةٌ: الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق. وقيل: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء. واختلف أيضاً في القضاء فعامة العلماء على التخيير. وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق. وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات متتابعاً ويؤيده قراءة أبي {فعدة من أيامٍ أخر متتابعات} قوله سبحانه {وعلى الذين يطيقونه} فيه ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين. والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه ههنا عند أهل العراق - ومنهم أبو حنيفة - نصف صاع من بر أو صاع من غيره. وعند أهل الحجاز - ومنهم الشافعي - مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين. قالوا: كان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية. عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فنسختها. من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك "خاتم حديد" ومن قرأ "مساكين" على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين لكل يوم. والاعتبار بمدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مائة وثلاثة وسبعون درهماً وثلث الدرهم. الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض. وذلك أن المريض والمسافر منهما من لا يطيق أصلاً وإليه الإشارة بقوله {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيامٍ أخر} ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله {وعلى الذين يطيقونه} قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم. الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم. عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة {يطوّقونه} تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه. والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما وولديهما. واتفقوا على أنا لشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت. وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين. {فمن تطوّع خيراً} بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري. {فهو} أي التطوع {خير له وأن تصوموا} أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتهم متاعب الصيام {خيرٌ لكم} من الفدية وتطوّع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً عند من يرى أن الصوم لهما أفضل {إن كنتم تعلمون} أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء} تفسير : [فاطر: 28] أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية. عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يقول الله عز وجلّ الصوم لي وأنا أجزى به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم"تفسير : وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" تفسير : وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" تفسير : وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالروحانيات المجرّدة لكفى به فضلاً ومنقبة. هذا صوم الشريعة، فأما صوم الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجلّ والإفطار بما أباح وأحل، وصوم الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن. شعر : صمت عن غيره فلما تجلى كأن بي شـاغلٌ عن الإفطار وتشـوّقت مـدة ثـم لمـا زارني جَلّ عن مدى الأنظار تفسير : قوله عز من قائل {شهر رمضان} الشهر مأخوذ من الشهرة. عن مجاهد: رمضان اسم الله تعالى. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله"تفسير : وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله. والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف والنون. ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار. وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض رمضاء. وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده" تفسير : وكأن هذا من قولهم "رمضت النصل" جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق. وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوّال قبل دخول الأشهر الحرم. وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك. وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صام رمضان إيماناً"تفسير : الحديث. لأن التسمية وقعت برمضان فقط. وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره {الذي أنزل فيه القرآن} أو على أنه بدل من الصيام في قوله {كتب عليكم الصيام} أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان. وعلى هذين الوجهين يكون الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان. قال أبو علي: وهذا أولى ليكون أيضاً في الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبراً عن إنزال القرآن فيه. وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من {أياماً} أو على مفعول {وأن تصوموا} وفي هذا الوجه نظر من قبل الفصل بين {أن تصوموا} ومعموله بالخبر. وفائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه. وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدر هضم النفس يترقى العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان. وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال. فعن سفيان بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي عليه السلام كذا. وقال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا أي في تحريمها. والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} الآيات. واختيار الجمهور أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين"تفسير : ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر. ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها. وهذا قول محمد بن إسحق. أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات. ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان. وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمدٍ صلى الله عليه وسلم منجماً إلى آخر عمره. ويحتمل أن يقال: إنه سبحانه كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبداً إلى أن تم إنزاله. وعلى هذا يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعياً لا شخصياً {هدى للناس وبيناتٍ} منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح. ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار. نقل الواحدي عن الأخفش والمازني أن الفاء في {فمن شهد} زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء ههنا وهذا وهم لظهور كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر. ثم قيل: إن مفعوله محذوف {والشهر} منصوب على الظرف وكذلك الهاء في {فليصمه} ولا يكون مفعولاً به كقولك "شهدت الجمعة" لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر. فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر. وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذراً من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد مع أنه لا يجب عليه الصوم. أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل "شهدت عصر فلان وأدركت زمانه" فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله {ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيامٍ أخر} فيكون أولى من الأول لأن الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب والتخصيص وحده في جانب؟ هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضاً به على صاحب الكشاف وغيره. (قلت): الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ممنوع، وذلك أن {شهد} ههنا متروك المفعول كقولهم "فلان يعطى ويمنع" ومعنى من شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة. وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى. فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك {أو على سفرٍ} تكراراً قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض. وأيضاً لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم فبالمفهوم أوّلاً وبالمنطوق ثانياً، فأين التكرار؟ وإنما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكيناً في القلوب وتعظيماً في النفوس كقوله: شعر : أن يسأل الحق يعطى الحق سائله. تفسير : وههنا بحث وهو أن قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} جملة شرطية، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي. وأجيب بأن المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءاً من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر. ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد هلال رمضان فهذا موافق لما نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن يصوم الكل. وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله {ومن كان مريضاً أو على سفرٍ} يخصصه، وإن كان في أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى. قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو المراد من عزم على كونه مقيماً في الشهر فليصمه. ويعلم منه أنه إن كان حاضراً في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله {ومن كان مريضاً أو على سفرٍ} فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان جميعاً للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت. وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة"تفسير : يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً. ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الناس بالصوم. ولما روي أن علياً عليه السلام شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان، وللاحتياط في أمر العبادة. ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة. وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم. {يريد الله بكم اليسر} معناه في اللغة السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد واليد اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر نقيضه. وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه. أوجب الصوم على سبيل السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض والمسافر وههنا يتحقق صدق قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"تفسير : . ومن كمال رأفته تعالى أنه نفى الحرج أولاً ضمناً بقوله {يريد الله بكم اليسر} ثم نفاه صريحاً بقوله {ولا يريد بكم العسر} والظاهر أن الألف واللام في اليسر والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق. والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله تعالى، فإن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان لا يريد العسر. وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه تعالى لا يأمره بالعسر وإن كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة. فكما أنه يجوز أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر. قوله {ولتكملوا} أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف فيه. فعن الفراء: التقدير ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون. شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر. وهذا نوع من اللف لطيف المسلك. فقوله {لتكملوا} علة الأمر بمراعاة العدة {ولتكبروا} علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر. {ولعلكم تشكرون} أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص والتيسير. وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما تعملون ولتكملوا. والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم. ولا يخفى أن قوله {ولعلكم تشكرون} يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن يقال: إنه في قوة "ولتشكروا". وفيه أيضاً بعد ويحتمل أن يقال {ولتكملوا} معطوف على اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله {أية : يريدون ليطفؤا} تفسير : [الصف: 8] وإنما قيل {ولتكملوا العدة} ولم يقل "ولتكملوا الشهر" ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعاً. وعدى فعل التكبير بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم. والمراد بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله تعالى والثناء عليه شكراً على ما وفق لهذه الطاعة. وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل. فالقول أن يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتدّ به إلا مع الاعتقاد القلبي. وأما العمل فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي. وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان. وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى. وأوّل وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد. وعن أحمد ومالك أنه لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه. لنا قوله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} قال الشافعي: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول {ولتكملوا العدة} أي عدة صوم رمضان {ولتكبروا الله} عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال. والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثاً نسقاً وبه قال مالك. وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين. لنا الرواية عن جابر وابن عباس. وأيضاً فإنه تكبير موضوع شعاراً للعيد فكان وتراً كتكبير الصلاة. قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن. واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قاله على الصفا وهو: "حديث : الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله والله أكبر" تفسير : قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضاً وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد. يرفع الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي. ويستثني من ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الأضحى. واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص فيها. قوله سبحانه {وإذا سألك عبادي عني} وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً. تفسير : وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت. وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟ فنزلت. وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت. وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم. ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها. ثم إن سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال تعالى {أية : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} تفسير : [الإسراء: 110] وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله {فإني قريب} يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله {أجيب دعوة الداع} دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله {إذا دعان} يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله تعالى {أية : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}تفسير : [الأعراف: 180] قال العلماء: ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد. وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه. وكل مفتقر ممكن. وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق. وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي. قالوا: فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة. قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه. فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه {أية : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} تفسير : [ق: 16] وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : هو بينكم وبين أعناق رواحلكم"تفسير : وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً. فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان. ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها. فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال. شعر: شعر : رمزت إليه حذار الرقيب وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره يقول لي ادع فإني قريب تفسير : فإن سألوه عليه السلام: أين ربنا؟ صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل يسمع ربنا دعاءنا؟ صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه؟ صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟ صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم. واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً. تقول: سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً. وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية والاستمداد والمعونة. قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا. ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس. والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي "حديث : من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين"تفسير : وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين. والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد. والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية. وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل. وما روي عن جابر أنه "حديث : جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه صلى الله عليه وسلم علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له"تفسير : . يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب. والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم. ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد. فلعل الله تعالى قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه. فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور. ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد "حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه"تفسير : فإذا كان الداعي عارفاً بالله تعالى وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له. فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل" قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟ قال: "يقول دعوت ربي فما استجاب لي"تفسير : وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" تفسير : وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم"تفسير : وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب. ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال. وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"تفسير : وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة. تفسير : وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء"تفسير : وعنه أنه قال "حديث : من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء"تفسير : وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين"تفسير : وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره "حديث : إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بعد ما شاء"تفسير : . وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره"تفسير : . ومن لطائف الآية أنه تعالى قال {فإني قريب} دون أن يقول "فقل إني قريب" كما قال في سائر الأسئلة والأجوبة. وذلك في مواضع من كتابه {أية : ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} تفسير : [الإسراء: 85] {أية : ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً}تفسير : [طه: 105] {أية : يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي} تفسير : [الأعراف: 187] وهذه الأسئلة أصولية. {أية : يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} تفسير : [البقرة: 215] {أية : ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} تفسير : [البقرة: 220] {أية : ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى} تفسير : [البقرة: 222] {أية : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} تفسير : [النساء: 127] {أية : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} تفسير : [النساء: 176] {أية : يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول}تفسير : [الأنفال: 1] {أية : ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي} تفسير : [يونس: 53] {أية : ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً} تفسير : [الكهف: 83] فكأنه سبحانه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك. وأيضاً في مقام السؤال قال: {عبادي} وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال {فإني قريب} وهذا يدل على أنه للعبد. وأيضاً لم يقل "العبد مني قريب" بل قال {إني قريب} منه إشارة إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه {فليستجيبوا لي} أجاب واستجاب بمعنى يقال: أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة {وليؤمنوا بي} وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم، فإن طاعة الله تعالى هي المستتبعة للخيرات عاجلاً وآجلاً {أية : من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97] وفي ضده {أية : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ونحشره يوم القيامة أعمى} تفسير : [طه: 124] وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه. وفيه نكتة وهي أنه تعالى لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيباً لدعائي وهذا يدل على أن نعمه تعالى شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين. وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الدعاء هو العبادة"تفسير : وقرأ {أية : ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}تفسير : [غافر: 60] وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله تعالى {أية : ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله} تفسير : [الشورى: 26] وقيل: المراد من الدعاء التوبة. وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة. قوله عز وجل: {أحل لكم} الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام. روي عن ابن عباس أنه لما نزلت {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة. وعن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي. وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً. فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {أحل لكم} ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة. احتج الجمهور بوجوه منها. أنه تعالى شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم. وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها. ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر. ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل: إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل. فقال صلى الله عليه وسلم: ما كنت جديراً بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت. قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص. وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب. والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير. ومنها قوله {فتاب عليكم وعفا عنكم} والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم. قال أبو مسلم: التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان. والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم"تفسير : وقال "حديث : أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله"تفسير : والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت. ويقال: أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً. فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم. وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ. ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع. ويمكن أن يقال: أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف. والرفث الجماع. والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع. وقيل لابن عباس. حين أنشد: شعر : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا تفسير : أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء. هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها. وقال أبو علي: معناه الفرج. ويقال: جامع الرجل أو ناك. فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث الرجل. وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر {أية : وقد أفضى بعضكم إلى بعض}تفسير : [النساء: 21] {أية : فلما تغشاها} تفسير : [الأعراف: 189] {أية : باشروهن}تفسير : [البقرة: 187] {أية : من قبل أن تمسوهن}تفسير : [البقرة: 237] {أية : أولامستم النساء} تفسير : [النساء: 43] وفي قوله: {أية : دخلتم بهن} تفسير : [النساء: 23] {أية : فأتوا حرثكم}تفسير : [البقرة: 223] {أية : فما استمعتم به منهن} تفسير : [النساء: 24] {أية : ولا تقربوهنّ} تفسير : [البقرة: 222] حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم. قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله {أية : وقد أفضى بعضكم إلى بعض} تفسير : [النساء: 21]. {هن لباس لكم} وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب. قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن. وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع. قال الجعدي: شعر : إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباساً تفسير : أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر "من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار. وعن الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم. ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر "لابس" وضع موضع الصفة. وموقع قوله {هنّ لباس لكم} استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن. ومعنى {علم الله} ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل {فالآن باشروهن} فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع. ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب. وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة. {فتاب عليكم} من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم. وعلى قول أبي مسلم لا إضمار. {فالآن باشروهن} تأكيد لقوله {أحل لكم} وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح. والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه. ومنه ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة"تفسير : وإنما قلنا إنا لمراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً. وأما المباشرة في قوله {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات. {وابتغوا ما كتب الله لكم} جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : تناكحوا تكثروا"تفسير : وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك. وعن الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة. وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل. وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله تعالى {أية : فأتوهنّ من حيث أمركم الله} تفسير : [البقرة: 222] وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم. وقيل: يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة. وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله {أية : إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم} تفسير : [المؤمنون: 6] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها. واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال سبحانه {فالآن باشروهن} لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل. وكنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل {من الفجر} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد {من الفجر} فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين. ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد: شعر : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا تفسير : والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر. وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك "رأيت أسداً" مجاز، فإذا زدت "من فلانٍ" رجع تشبهاً. فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى. فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم. نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان. ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر "حديث : لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير"تفسير : وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً. ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء. أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً. فالذي انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود. وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله تعالى {أية : واختلاف الليل والنهار} تفسير : [البقرة: 164] فليتذكر. قيل: ويجوز أن تكون "من" في قوله تعالى {من الفجر} للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله: ولا شك أن "حتى" لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح. فاستدل بهذا على جواز صوم من يصبح جنباً. وبقوله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} على أن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، لأن ما بعد "إلى" لا يدخل فيما قبلها وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل على حرمة الوصال. ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: {حديث : إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم} تفسير : فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئاً. وكيف لا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول الله إنك تواصل. فقال: حديث : إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني. تفسير : أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني أعطيت قوة من طعم وشرب. والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء فبعد ذلك كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد الزوال وصححناه بنيته قبله. حجة الشافعي قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"تفسير : ويروى "من لم ينو" وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟ فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضاً الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله {ثم أتموا} والأمر للوجوب. وقال الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه سبحانه خصص بالذكر من المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها. وهاهنا مفطرات أخر استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل. فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند مالك الإنزال بالنظر مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر. ومنها الاستقاء لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" تفسير : ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة لما روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ. ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من الأجواف فإنه صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان وهو صائم. وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعماً أفطر. والتقطير في الأذن إذا وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة. ولا بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف. احتجم صلى الله عليه وسلم وهو صائم محرم في حجة الوداع. وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة. ولو دهن رأسه أو بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر. ولو فتح فاه عمداً لما في الحفظ من العسر. ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا إفطار. وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش. وعند أحمد لا يفطر. وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه لم يفطر على الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد. وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر وفاقاً. "حديث : قال صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"تفسير : ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمداً أفطر خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان يسيراً، وربما قدره بالحمصة. وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر على الأصح. ولا بد أيضاً في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسياً، فإن قل لم يفطر لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" تفسير : وخالف مالك. وإن كثر أفطر. ولو جامع ناسياً للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما في الأكل. ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطاً لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على الظن. ثم إن كان الصوم واجباً قضى، وإن كان تطوعاً فلا قضاء. والأحوط في آخر النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس. وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدماً عليه؟ فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه. ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفاً بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والوقاع إلى طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره. وجعل الخيط الأبيض وقت الطلوع والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل. ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر. وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها. يحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني؟ فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟ قال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له. واعلم أن في الآية ترتيباً عجيباً ونسقاً أنيقاً وذلك أن الرفث لما كان من أشنع الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراماً في رمضان ليلاً ونهاراً وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار. قدم إباحته أولاً ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن الإمساك عن الرفث كان مختصاً بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل {ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد} قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء براً كان أو إثماً. قال تعالى {أية : يعكفون على أصنام لهم} تفسير : [الأعراف: 138] والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تعالى تقربا إليه. وهو من الشرائع القديمة. قال تعالى {أية : أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} تفسير : [البقرة: 125] وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ههنا. فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع والمقدمات المفضية إلى الإنزال. لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين. فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين. خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه من عائشة لترجل رأسه وهو صلى الله عليه وسلم معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة على أصل المنع. احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما. وأجيب بأن النص مقدم على القياس. واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات. ثم اختلفوا فعن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله تعالى {أية : أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} تفسير : [البقرة: 125] أي لجميع العاكفين. وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"تفسير : وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا"تفسير : الزهري: لا يصح إلا في الجامع. أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب. الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله {في المساجد} إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة. ولا خلاف أن الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟ الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم عاكف وأنه تعالى منع العاكف من المباشرة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً. وأيضاً لو كان الاعتكاف موجباً للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان. وأيضاً لو تلازما لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج. وأيضاً حديث : روي أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال صلى الله عليه وسلم:أوف بنذرك. تفسير : ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة. أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضاً كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضاً وفرق بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفاً للآخر، ولهذا قلنا: إنه لو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزمه كلاهما، والجمع بينهما. ولو نذر أن يعتكف مصلياً أو يصلي معتكفاً لزمه كلاهما دون الجمع بينهما. ويتفرع على المذهبين أنه يجوز أن ينذر اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس. قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف. {تلك حدود الله} إشارة إلى جميع ما تقدم من أول آية الصيام إلى ههنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة. وحد الشيء مقطعه ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة. وإنما قال ههنا {فلا تقربوها} وفي موضع آخر {أية : فلا تعتدوها} تفسير : [البقرة: 229] لأن العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز الباطل. فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل. عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه"تفسير : . وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله {أية : ولا تقربوا مال اليتيم} تفسير : [الإسراء: 34] وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها. وأما في الأوامر فقال {أية : فلا تعتدوها} تفسير : [البقرة: 229] أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، {كذلك} أي كما بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام {يبين} سائر أدلته على دينه وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله تعالى من المتقين بفضله ورحمته. التأويل: "حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"تفسير : الضمير عائد إلى الحق. على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم. فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي. وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله {كما كتب على الذين من قبلكم} أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية {لعلكم تتقون} مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه"تفسير : {فمن كان منكم مريضاً} أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة {أو على سفر} حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب. {وعلى الذين يطيقونه} على من كان له قوة في صدق الطلب {طعام مسكين} فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : {فمن تطوع خيراً} فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر. وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى {وأن تصوموا خير لكم} فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال {وبينات من الهدى والفرقان} فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال أبو يزيد: ناداني ربي وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك. رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم. رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله {يريد الله بكم اليسر} وهو مقام الوصول {ولا يريد بكم العسر} وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء. وأيضاً "كل ميسر لما خلق له" لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر): شعر : لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا تفسير : {ولتكملوا} عدة أنواع الغاية بجذبات {يريد الله بكم اليسر} {ولتكبروا الله} ولتعظموه {على ما هداكم} إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال {ولعلكم تشكرون} نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال. قوله سبحانه {أحل لكم ليلة الصيام} اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال. فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله تعالى بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله تعالى بقوله {أية : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً} تفسير : [القصص: 72] الآيتين. ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء {هن لباس لكم} أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي {وأنتم لباس لهن} تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل "نعم المال الصالح للرجل الصالح" {فالآن باشروهن} بقدر الحاجة الضرورية {وابتغوا} بقوة هذه المباشرة {ما كتب الله لكم} من المقامات العلية {وكلوا واشربوا} في ليالي الصحو {حتى يتبين لكم} آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: شعر : كأن شيئاً لم يزل إذا أتى كان شيئاً لم يكن إذا مضى تفسير : {في المساجد} أي في مقامات القربة والأنس. وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين {فلا تقربوها} بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

الثعالبي

تفسير : قوله جلَّت قدرته: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ...} الآية: {كُتِبَ}: معناه فُرِضَ، والصيام؛ في اللغة: الإِمساك، ومنه قوله سبحانه: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } تفسير : [مريم:26] وفي الشرع: إِمساكٌ عن الطعام والشراب مقترنةٌ به قرائنُ؛ مِنْ مُراعاة أوقاتٍ، وغير ذلك. وقوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}: اختلف في موضع التشبيه: قالتْ فرقة: التشبيهُ: كُتِبَ عليكم كصيامٍ قد تقدَّم في شرع غيركم، فـ «الَّذِينَ» عامٌّ في النصارَىٰ وغيرهم. و {لَعَلَّكُمْ }: ترجٍّ في حقهم. و {تَتَّقُونَ}: قيل على العموم؛ «حديث : لأن الصيام؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «جُنَّةٌ ووِجَاءٌ، وسببُ تقوَىٰ؛ لأنه يميتُ الشهوات»». تفسير : و {أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ }: قيل: رمضان، وقيل: الثلاثةُ الأيام من كل شهرٍ، ويومُ عاشوراءَ الَّتي نُسخَتْ بشهر رمضان. * ص *: و {أَيَّامًا }: منصوبٌ بفعل مقدَّر يدلُّ عليه ما قبله، أي: صوموا أياماً، وقيل: {أَيَّامًا }: نصب على الظرف انتهى. وقوله سبحانه: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ }: التقدير: فأفْطَرَ، {فَعِدَّةٌ}، وهذا يسمونه فَحْوَى الخطابِ، واختلف العلماءُ في حَدِّ المرض الذي يقع به الفطْر، فقال جمهور العلماء: إِذا كان به مرضٌ يؤذيه، ويؤلمه أو يخاف تَمادِيَهُ، أو يخافُ من الصوم تزيُّده، صحَّ له الفطْرُ، وهذا مذْهَبُ حُذَّاقِ أصحاب مالكٍ، وبه يناظرونَ، وأما لفظ مالكٍ. فهو المرضُ الَّذي يَشُقُّ على المرء، ويبلغ به، واختلف في الأفضل من الفِطْرِ أو الصَّوْمِ، ومذهبُ مالكٍ ٱستحبابُ الصومِ لمن قَدَرَ علَيْه، وتقصيرُ الصَّلاة حَسَنٌ؛ لأن الذمَّة تبرأ في رخصة الصلاة، وهي مشغولةٌ في أمر الصيام، والصوابُ: المبادرةُ بالأعمال. والسَّفَرُ: سفَرُ الطاعةِ؛ كالحجِّ، والجهادِ؛ بإجماع، ويتصلُ بهذَيْن سفَرُ صلَةِ الرَّحِمِ، وطلبِ المعاشِ الضروريِّ. وأما سفر التجارة، والمباحاتِ، فمختلَفٌ فيه بالمنع، والجواز، والقولُ بالجواز أرجحُ. وأما سفر العصْيَان، فمختلف فيه بالجوازِ، والمنعِ، والقولُ بالمنع أرجحُ. ومسافةُ سفر الفطر؛ عند مالك، حيث تقصر الصلاة ثمانيةٌ وأربعون ميلاً. وقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ}، أي: فالحكم أو الواجب عِدَّةٌ، وفي وجوبِ تتابعها قولانِ، و {أُخَرَ } لا ينصرف للعَدْلِ. وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ...} الآية: قرأ باقي السبعة غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر: «فِدْيَةٌ»؛ بالتنوين «طَعَامُ مِسْكِينٍ»؛ بالإِفراد، وهي قراءة حَسَنةٌ؛ لأنها بيَّنت الحكم في اليوم. واختلفوا في المراد بالآية، فقال ابن عُمَر وجماعةٌ: كان فرضُ الصيامِ هكذا على الناس؛ مَنْ أراد أن يصوم، صام، ومن أراد أن يفطر أطعم مسكيناً، وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تفسير : [البقرة:185]. وقالتْ فرقةٌ: في الشيوخ الذين يطيقونه بتكلُّف شديدٍ، والآيةُ عند مالك: إِنما هي فيمَنْ يدركه رمضانٌ ثانٍ، وعليه صومٌ من المتقدِّم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوْمَ، فتركه، والفديةُ عند مالك وجماعةٍ من العلماء: مُدٌّ لكلِّ مسكين. وقوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّه...} الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد مَنْ أطعم مسكينَيْنِ فصاعدًا، وقال ابن شِهَابٍ: من زاد الإِطعام مع الصوم، وقال مجاهدٌ: مَنْ زاد في الإِطعام على المُدِّ، و {خَيْرًا } الأول قد نُزِّل منزلة مالٍ، أو نفعٍ، و {خَيْرٌ } الثاني والثالثُ صفةُ تفضيلٍ. وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} يقتضي الحضَّ على الصوْمِ، أي: فاعلموا ذلك وصوموا. * ت *: وجاء في فضل الصومِ أحاديثُ صحيحةٌ مشهورةٌ، وحدث أبو بكر بْنُ الخَطِيبُ بسنده عن سهل بن سعد الساعديِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ صَامَ يَوْماً تَطوُّعاً، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ بِثَوَابٍ دُونَ الجَنَّةِ»تفسير : ، قال: وبهذا الإِسناد عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثله. انتهى. قال ابن عبد البَرِّ في كتابه المسمَّىٰ بـــ «بهجة المَجالِسِ» قال أبو العالية: الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتَبْ. قال الشيخُ الصالحُ أبو عبد اللَّه محمَّد البلاليُّ الشافعيُّ في «ٱختصاره للإحياء»: وذكر السُّبْكِيُّ في شرحه؛ أن الغِيبَةَ تمنع ثوابَ الصوْمِ إِجماعاً، قال البلاليُّ: وفيه نظر؛ لمشقَّة الاحتراز، نعم، إِن أكثر، توجَّهت المقالة. انتهى، وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هَذَا. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ» تفسير : قال أبو عمر في «التمهيد»: وذلك لأن الصوْمَ جُنَّةٌ يستجنُّ بها العَبْدُ من النار، وتُفْتَحُ لهم أبوابُ الجنة؛ لأن أعمالهم تزكُو فيه، وتُقْبَل منهم، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ حَتَّىٰ يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ المَئُونَةَ، وَالأَذَىٰ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلاَ يَخْلُصُونَ إِلَىٰ مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، ويَغْفِرُ لَهُمْ آخِرَ لَيْلَةٍ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ؟ قَالَ: لاَ، ولَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّىٰ أَجْرَهُ إِذَا ٱنْقَضَى» تفسير : ، قال أبو عمر: وفي سنده أبو المِقْدام، فيه ضعف، ولكنَّه محتملٌ فيما يرويه من الفضائل. وأسند أبو عمر عن الزهْريّ، قال: «حديث : تسبيحةٌ في رمَضَان أفضلُ من ألفِ تسبيحةٍ في غيره»تفسير : . انتهى. * ت *: وخرَّجه الترمذيُّ عن الزهري قال: «حديث : تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ تسبيحةٍ في غيره»تفسير : . انتهى.

ابن عادل

تفسير : "الصِّيَام": مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، وقدَّم عليه هذه الفضلة، وإن كان الأصل تأخيرها عنه؛ لأن البداءة بذكر المكتوب عليه آكد من ذكر المكتوب لتعلُّق الكتب بمن يؤدي، والصِّيام مصدر صام يصوم صوماً، والأصل: "صِوَاماً"، فأبدلت الواو ياء، والصَّوم مصدر أيضاً، وهذان البناءان - أعني: فعل وفعال - كثيران في كلِّ فعل واويِّ العين صحيح اللام، وقد جاء منه شيءٌ قليلٌ على فعولٌ؛ قالوا: "غَارَ غُوُوراً"، وإنما استكرهوه؛ لاجتماع الواوين، ولذلك همزه بعضهم، فقال: "الغُئُور". قال أبو العباس المقرئ: وقد ورد في القرآن "كَتَبَ" بإزاء أربعة معانٍ: الأول: بمعنى فرض؛ قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ ٱلصِّيَامُ}، أي: فُرِضَ. الثاني: بمعنى قضى؛ قال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21]، ومثله:{أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}تفسير : [التوبة: 51]. الثالثُ: بمعنى جَعَل؛ قال تعالى: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [المائدة: 21]، أي: جعَلَ لكم، ومثله: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22] أي: جعل. الرابع: بمعنى أمر؛ قال تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}تفسير : [المائدة: 45]، أي: أمرناهم. والصيام لغةً: الإمساك عن الشيء مطلقاً، ومنه صامت الرَِّيح: أمسكت عن الهبوب، والفرس: أمسكت عن العدو؛ قال: [البسيط] شعر : 928 - وخَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا تفسير : وقال تعالى:{أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا}تفسير : [مريم: 26]، أي: سكوتاً؛ لقوله: {أية : فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}تفسير : [مريم: 26] وصام النهار، اشتدَّ حرُّه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 929 - فَدَعْهَا وَسَلِّ الهَمَّ عَنْهَا بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا تفسير : وقال: [الرجز] شعر : 930 - حَتَّى إذَا صَامَ النَّهَارُ وَاعْتَدَلْ وَمَالَ لِلشِّمْسِ لُعَابٌ فَنَزَلْ تفسير : كأنهم توهَّموا ذلك الوقت إمساك الشمس عن المسير، ومصام النُّجوم: إمساكها عن السَّير؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 931 - كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا بَأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ تفسير : ويقال: بَكْرَةٌ صائمةٌ، إذا قامت فلم تدر. قال الراجز: [الرجز] شعر : 932 - وَالبَكَرَاتُ شَرُّهُنَّ الصَّائِمَهْ تفسير : وفي الشَّريعة: هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات؛ حال العلم بكونه صائماً، [مع اقترانه بالنِّيَّة]. قوله: "كَمَا كُتِبَ" فيه خمسة أوجه: أحدها: أن محلّها النصب على نعت مصدر محذوف، أي: كتب كتباً؛ مثل ما كتب. الثاني: أنه في محل نصب حال من المصدر المعرفة، أي: كتب عليكم الصِّيام الكَتْبَ مشبهاً ما كتب، و"ما" على هذين الوجهين مصدريةٌ. الثالث: أن يكون نعتاً لمصدر من لفظ الصيام، أي: صوماً مثل ما كتب، فـ"ما" على هذا الوجه بمعنى "الذي"، أي: صوماً مماثلاً للصوم المكتوب على من قبلكم، و"صوماً" هنا مصدر مؤكِّد في المعنى؛ لأن الصِّيام بمعنى:"أنْ تَصُوموا صَوْماً" قاله أبو البقاء - رحمه الله -، وفيه أن المصدر المؤكِّد يوصف، وقد تقدَّم منعه عند قوله تعالى: {أية : بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 180] قال أبو حيَّان - بعد أن حكى هذا عن ابن عطية -: وهذا فيه بعدٌ؛ لأنَّ تشبيه الصَّوم بالكتابة لا يصحُّ، [هذا إن كانت "ما" مصدريَّةً، وأمَّا إن كانت موصولةً، ففيه أيضاً بعدٌ؛ لأنَّ تشبيه الصَّوم بالصَّوم لا يصحُّ]، إلا على تأويلٍ بعيدٍ. الرابع: أن يكون في محل نصب على الحال من "الصِّيام" وتكون "ما" موصولةً، أي: مشبهاً الذي كتب، والعامل فيها "كُتِبَ"؛ لأنَّه عاملٌ في صاحبها. الخامس: أن يكون في محلِّ رفع؛ لأنه صفة للصيام، وهذا مردودٌ بأن الجارَّ والمجرور من قبيل النَّكرات، والصِّيام معرفةٌ؛ فكيف توصف المعرفة بالنكَّرة؟ وأجاب أبو البقاء عن ذلك؛ بأن الصَّيام غير معين؛ كأنَّه يعني أن "ألْ" فيه للجنس، والمعرَّف بأل الجنسيَّة عندهم قريبٌ من النَّكرة؛ ولذلك جاز أن يعتبر لفظه مرَّةً، ومعناه أخرى؛ قالوا" أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الحُمْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، ومنه: شعر : 933 - وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لاَ يَعْنِينِي {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس: 37] وقد تقدّم الكلام على مثل قوله:{أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة: 21] كيف وصل الموصول بهذا؛ والجواب عنه في قوله: {أية : خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة: 21] فصل في المراد بالتشبيه في الآية في هذا التشبيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني: هذه العبادة كانت مكتوبةً على الأنبياء والأمم من ولد آدم - عليه الصلاة والسلام - إلى عهدكم لم تخل أمَّةٌ من وجوبها عليهم. وفائدة هذا الكلام: أنَّ الشَّيء الشاقَّ إذا عمَّ، سهل عمله. القول الثاني: أنه عائد إلى وقت الصَّوم، وإلى قدره، وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال سعيد بن جبير "كَانَ صَومُ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ العَتَمَةِ إلى اللَّيْلة القَابِلَة؛ كما كان في ابتداءِ الإسْلاَمِ". ثانيها: أن صوم رمضان كان واجباً على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركته وصامت يوماً في السَّنة، زعموا أنه يوم أن غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضاً؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأما النصارى، فإنهم صاموا رمضان زماناً طويلاً، فصادفوا فيه الحرَّ الشديد، فكان يشقُّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السَّنة بين الشِّتاء والصِّيف، فجعلوه في الرَّبيع، وحوَّلوه إلى وقتٍ لا يتغيَّر، ثم قالوا عند التَّحويل: زيدوا فيه عشرة أيَّام كفَّارةً لما صنعوا؛ فصار أربعين يوماً، ثم إنَّ ملكاً منهم اشتكى، فجعل لله عليه، إن برىء من وجعه: أن يزيد في صومهم أسبوعاً، فبرىء، فزادوه، ثمَّ جاء بعد ذلك ملكٌ آخر؛ فقال: ما هذه الثلاثة، فأتَمَّهُ خمسين يوماً، وهذا معنى قوله: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 31]. قاله الحسن. وثالثها: قال مجاهدٌ: أصابهم موتان، فقالوا: زيدوا في صيامكم، فزاداو عشراً قبل وعشراً بعد. ورابعها: قال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة، وصاموا قبل الثلاثين يوماً، وبعدها يوماً، ثم لم يزل الأخير يستسن بالقرن الذي قبله، حتى صاروا إلى خمسين يوماً، ولهذا كُرِّه صوم يوم الشَّكِّ. قال الشعبي: لو صمت السَّنة كلَّها، لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال: من شعبان، ويقال: من رمضان. وخامسها: أن وجه التَّشبيه أن يحرم الطَّعام والشَّراب والجماع بعد اليوم؛ كما كان قبل ذلك حراماً على سائر الأمم؛ لقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}تفسير : [البقرة: 187]. فإن هذا يفيد نسخ هذا الحكم، ولا دليل يدلُّ عليه إلاَّ هذا التَّشبيه، وهو قوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}؛ فَوَجبَ أن يكُون هذا التَّشبيه دالاًّ على ثبوت هذا المعنى. قال أصحاب القول الأول: إن تشبيه شيء بشيء لا يدلُّ على مشابهتهما من كلِّ الوجوه، فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصّاً برمضان، وأن يكون صومهم مقدَّراً بثلاثين يوماً، ثم إنَّ مثل هذه الرِّواية مما ينفِّر من قبول الإسلام، إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يعني: بالصَّوم؛ لأنَّ الصَّوم وصلةٌ إلى التَّقوى؛ لما فيه من قهر النَّفسِ، وكسر الشَّهوات، وقيل: لعلَّكم تحذرون عن الشَّهوات من الأكل، والشُّرب، والجماع، وقيل: "لعلَّكم تتَّقون" إهمالها، وترك المحافظة عليها، بسبب عظم درجتها، وقيل: لعلَّكم تكونون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏بني الإِسلام على خمس‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال‏:‏حديث : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال‏.‏ فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس، ثم أن الله أنزل عليه ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏[‏البقرة: 144‏]‏ الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال‏:‏ وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضاً حتى نفسوا أو كادوا، ثم أن رجلاً من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت أني لم أكن نائماً لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة فقال‏:‏ الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مثنى مثنى حتى فرغ الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال‏:‏ غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ علمها بلالاً فليؤذن بها‏. فكان بلال أوّل من أذن بها قال‏:‏ وجاء عمر بن الخطاب فقال‏:‏ يا رسول الله إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به غير أنه سبقني فهذان حولان‏.‏ قال‏:‏ وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، فكان الرجل يسر إلى الرجل كم صلى فيقول واحدة أو اثنين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، فجاء معاذ فقال‏:‏ لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقتني، فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قام فقضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا‏.‏ فهذه ثلاثة أحوال‏. وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم‏} ‏ إلى قوله {‏وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين‏}‏ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فاجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى {‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس} ‏[‏البقرة: 185‏]‏ إلى قوله ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏} ‏ فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان‏. قال‏:‏ وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائماً حتى إذا أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح صائماً، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً فقال‏: "ما لي أراك قد جهدت جهداً شديدا‏ً؟" قال‏:‏ يا رسول الله إني عملت أمس، فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائماً قال‏:‏ وكان عمر قد أصاب النساء بعد ما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله ‏{أحل لكم ليلة الصيام الرفث‏} ‏[‏البقرة: 187‏]‏ إلى قوله ‏{‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏كما كتب على الذين من قبلكم‏} ‏ يعني بذلك أهل الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال‏:‏ إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فكانوا ربما صاموه في القيظ فحولوه إلى الفصل، وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوماً، فذلك قوله ‏ {‏كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏{‏كما كتب على الذين من قبلكم‏}‏ قال‏:‏ الذين من قبلنا هم النصارى كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا في شهر رمضان‏.‏ فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا‏:‏ نزيد عشرين يوماً نكفر بها ما صنعنا، فلم تزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى قبيل طلوع الفجر‏.‏ وأخرج ابن حنظلة في تاريخه والنحاس في ناسخه والطبراني عن معقل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم فقالوا‏:‏ لئن شفاه الله لنزيدن عشراً، ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فوه، فقالوا‏:‏ لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر فقالوا‏:‏ ما تدع من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوماً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله ‏ {‏كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم‏} ‏ قال‏‏ كتب عليهم الصيام من العتمة إلى العتمة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏ {‏كما كتب على الذين من قبلكم‏} ‏ قال‏:‏ أهل الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏لعلكم تتقون‏}‏ من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏{‏أياماً معدودات‏}‏ قال‏:‏ وكان هذا صيام الناس ثلاثة أيام من كل شهر ولم يسم الشهر أياماً معدودات‏.‏ قال‏:‏ وكان هذا صيام الناس قبل ذلك، ثم فرض الله عليهم شهر رمضان‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال‏:‏ نسخ شهر رمضان كل صوم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏ {‏أياماً معدودات‏} ‏ يعني أيام رمضان ثلاثين يوما‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏كتب عليكم الصيام‏} ‏ قال‏:‏ كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ بالذي أنزل الله من صيام شهر رمضان، فهذا الصوم الأول من العتمة وجعل الله فيه فدية طعام مسكين، فمن شاء من مسافر أو مقيم يطعم مسكيناً ويفطر وكان ذلك رخصة له، فأنزل الله في الصوم الآخر ‏ {‏فعدة من أيام أخر‏} ‏ ولم يذكر الله في الأخر فدية طعام مسكين، فنسخت الفدية وثبت في الصوم الأخر {‏يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر‏} ‏ وهو الافطار في السفر وجعله عدة من أيام أخر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم‏}‏ قال‏:‏ هو شهر رمضان كتبه الله على من كان قبلكم، وقد كانوا يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ويصلون ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي حتى افترض عليهم شهر رمضان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال‏:‏ كان الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان صومهم من شهر ثلاثة أيام إلى العشاء، وهكذا صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ لقد كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتب علينا شهراً كاملاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم، وتصديق ذلك في كتاب الله ‏{‏كتب عليكم‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فكان أوّل أمر النصارى أن قدموا يوماً قالوا‏:‏ حتى لا نخطىء، ثم قدموا يوماً وأخروا يوماً قالوا‏:‏ لا نخطىء، ثم إن آخر أمرهم صاروا إلى أن قالوا‏:‏ نقدم عشراً ونؤخر عشراً حتى لا نخطىء فضلوا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ أنزلت ‏ {‏كتب عليكم الصيام‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ كتب عليهم أن أحدهم إذا صلى العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏كتب عليكم الصيام‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم شيئاً لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو ثابت عليهم، وقد رخص لكم في ذلك‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت‏:‏ كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر‏.‏ وأخرج سعيد وابن عساكر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يعني بذلك أهل الكتاب، وكان كتابه على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن الرجل يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد، فإذا صلى العتمة أو رقد منع من ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسختها هذه الآية ‏ {‏أحل لكم ليلة الصيام‏}‏ ‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏}‏‏.‏ أخرج عبد بن حميد عن ابن سيرين قال‏:‏ كان ابن عباس يخطب فقرأ هذه الآية ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏}‏ قال‏:‏ قد نسخت هذه الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏}‏ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ثم نزلت هذه الآية ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏} ‏ فنسخت الأولى إلا الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر‏.‏ وأخرج أبو داود عن ابن عباس {‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏}‏ ومن شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه، فقال ‏{‏ومن تطوّع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم‏} ‏ وقال ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كانت مرخصة الشيخ الكبير والعجوز، وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، ثم نسخت بعد ذلك فقال الله ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ وأثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان أن يفطرا ويطعما، وللحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليهما‏.‏ وأخرج الدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وأبو عوانة وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين‏}‏ من شاء منا صام ومن شاء أن يفطر ويفتدي فعل ذلك، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن حبان عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ كنا في رمضان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى، حتى نزلت هذه الآية ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏.‏ وأخرج البخاري عن أبي ليلى قال ‏"‏نبأ أصحاب منا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل رمضان فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك رمضان، فشق عليهم ترك الصوم ممن يطيقونه ورخص لهم في ذلك، فنسختها ‏ {‏وأن تصوموا خير لكم‏}‏ فأمروا بالصوم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي ليلى ‏"‏نبأ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوّعاً من غير فريضة، ثم نزل صيام رمضان وكانوا قوماً لم يتعودوا الصيام فكان مشقة عليهم، فكان من لم يصم أطعم مسكيناً، ثم نزلت هذه الآية {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر‏} ‏ فكانت الرخصة للمريض والمسافر، وأمرنا بالصيام‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عامر الشعبي قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏} ‏ افطر الأغنياء واطعموا وجعلوا الصوم على الفقراء، فأنزل الله {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ فصام الناس جميعا‏ً.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن أبي ليلى قال‏:‏ دخلت على عطاء بن أبي رباح في شهر رمضان وهو يأكل، فقلت له‏:‏ أتأكل‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إن الصوم أول ما نزل كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً كل يوم، فلما نزلت ‏ {‏فمن تطوّع خيراً فهو خير له‏} ‏ كان من تطوّع أطعم مسكينين، فلما نزلت ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ وجب الصوم على كل مسلم إلا مريضاً، أو مسافراً أو الشيخ الكبير الفاني مثلي، فإنه يفطر ويطعم كل يوم مسكينا‏ً.‏ وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف والبخاري وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عمر‏.‏ أنه كان يقرأ ‏ {‏فدية طعام مسكين‏}‏ وقال‏:‏ هي منسوخة نسختها الآية التي بعدها ‏ {‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏.‏ وأخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق والفريابي والبخاري وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والطبراني والدارقطني والبيهقي من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏"‏وعلى الذين يطوقونه‏" مشددة قال‏:‏ يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول‏:‏ ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير الهرم، والعجوز الكبيرة الهرمة، يطعمون لكل يوم مسكيناً ولا يقضون‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححاه والبيهقي عن ابن عباس ‏{‏وعلى الذين يطيقونه‏}‏ قال‏:‏ يكلفونه، فدية طعام مسكين واحد ‏ {‏فمن تطوّع خيرا‏ً} ‏ زاد طعام مسكين آخر ‏{‏فهو خير له وأن تصوموا خير لكم‏} ‏ قال‏:‏ فهذه ليست منسوخة، ولا يرخص إلا للكبير الذي لا يطيق الصوم، أو مريض يعلم أنه لا يشفى‏.‏ وأخرج ابن جرير والبيهقي عن عائشة كانت تقرأ ‏(‏يطوقونه).‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير أنه قرأ ‏(‏وعلى الذين يطوقونه‏)‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن الأنباري عن عكرمة أنه كان يقرأ (‏وعلى الذين يطوقونه) قال‏:‏ يكلفونه‏.‏ وقال‏:‏ ليس هي منسوخة، الذين يطيقونه يصومونه، والذين يطوقونه عليهم الفدية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن ابن عباس أنه قرأ ‏{‏وعلى الذين يطيقونه‏} ‏ قال‏:‏ يتجشمونه يتكلفونه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأها ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه‏} ‏ وقال‏:‏ ولو كان يطيقونه إذن صاموا‏.‏ ‏وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: نزلت ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏} ‏ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس ‏{‏وعلى الذين يطيقونه‏ فدية} ‏ قال‏:‏ ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يفطر، ويتصدق لكل يوم نصف صاع من برٍ مداً لطعامه ومداً لأدامه‏.‏ وأخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال‏:‏ هذه الآية نزلت في مولى قيس بن السائب ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين‏}‏ فأفطر وأطعم لكل يوم مسكيناً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه‏} ‏ قال‏:‏ من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكيناً، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، والذي سقمه دائم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله ‏ {‏وعلى الذين يطيقونه‏}‏ قال‏:‏ الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم يفطر، ويطعم مكان كل يوم مسكينا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر والدارقطني والبيهقي عن أنس بن مالك‏.‏ أنه ضعف عن الصوم عاماً قبل موته، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم‏.‏ وأخرج الطبراني عن قتادة‏:‏ أن انساناً ضعف عن الصوم قبل موته عاماً، فافطر وأطعم كل يوم مسكيناً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والدارقطني وصححه عن ابن عباس‏.‏ أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضع‏:‏ أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم، عليك الطعام ولا قضاء عليك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والدارقطني عن نافع قال‏:‏ أرسلت إحدى بنات ابن عمر إلى ابن عمر تسأله عن صوم رمضان وهي حامل، قال‏:‏ تفطر وتطعم كل يوم مسكينا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها يفطران، ويطعمان كل يوم مسكيناً كل واحد منهما، ولا قضاء عليهما‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن الأسود قال‏:‏ سألت مجاهداً عن امرأتي وكانت حاملاً وشق عليها الصوم، فقال‏:‏ مرها فلتفطر ولتطعم مسكيناً كل يوم، فإذا صحت فلتقض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ يفطران ويقضيان صياماً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن النخعي قال‏:‏ الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وقضتا مكان ذلك صوما‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ إذا خشي الإِنسان على نفسه في رمضان فليفطر‏.‏ وأما قوله تعالى:‏ {‏طعام مسكين‏}‏ ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ابن سيرين قال‏:‏ قرأ ابن عباس سورة البقرة على المنبر، فلما أتى على هذه الآية قرأ {‏طعام مسكين‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏{‏فدية طعام مسكين‏} ‏ قال‏:‏ واحد‏.‏ وأخرج وكيع عن عطاء في قوله ‏{‏فدية طعام مسكين‏}‏ قال‏:‏ مد بمد أهل مكة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ سألت طاوساً عن أمي وكان أصابها عطاش فلم تستطع أن تصوم، فقال‏:‏ تفطر وتطعم كل يوم مداً من بر‏.‏ قلت‏:‏ بأي مد‏؟‏ قال‏:‏ بمد أرضك‏.‏ وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال‏:‏ من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه كل يوم مد من قمح‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سفيان قال‏:‏ ما الصدقات والكفارات إلا بمد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما قوله تعالى‏ ‏{‏فمن تطوّع خيراً فهو خير له‏}‏‏ .‏ وأخرج وكيع عن مجاهد في قوله ‏ {‏فمن تطوّع خيراً‏} ‏ قال‏:‏ أطعم المسكين صاعا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله ‏ {‏فمن تطوّع خيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ اطعم مسكينين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن طاوس ‏{‏فمن تطوّع خيراً‏}‏ قال‏:‏ اطعام مساكين‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن أنس‏.‏ أنه أفطر في رمضان، وكان قد كبر وأطعم أربعة مساكين لكل يوم‏.‏ وأخرج الدارقطني في سننه من طريق مجاهد قال‏:‏ سمعت قيس بن السائب يقول‏:‏ إن شهر رمضان يفتديه الإِنسان أن يطعم لكل يوم مسكيناً، فاطعموا عني مسكينين‏.‏ قوله تعالى‏ ‏{‏وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون‏}‏ ‏.‏ أخرج ابن جرير عن ابن شهاب في قوله ‏ {‏وأن تصوموا خير لكم‏}‏ أي أن الصيام خير لكم من الفدية‏.‏ وأخرج مالك وأحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل‏:‏ إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان‏:‏ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : يقول الله تعالى‏:‏ الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان‏.‏ إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فجازاه فرح، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن جابر ‏"حديث : ‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال ربنا‏:‏ الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به‏. قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ الصيام جنة حصينة من النار‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن أيوب بن حسان الواسطي قال ‏"‏حديث : سمعت رجلاً سأل سفيان بن عيينة فقال‏:‏ يا أبا محمد فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به‏.‏ فقال ابن عيينة‏:‏ هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : قال الله عز وجل‏:‏ كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وان سابه أو شاتمه أحد فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عن الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرح بهما‏:‏ إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن خزيمة والبيهقي عن سهل بن سعد‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏للجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال‏:‏ أين الصائمون‏؟‏ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد‏‏تفسير : . زاد ابن خزيمةحديث : ومن دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الصيام لا رياء فيه‏.‏ قال الله‏:‏ هو لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج النسائي والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏ ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو الحسن محمد بن أحمد بن جميع الغساني، وأبو سعيد بن الأعرابي والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏ما من عبد أصبح صائماً إلا فتحت له أبواب السماء، وسبحت أعضاؤه، واستغفر له أهل السماء الدنيا إلى أن توارى بالحجاب، فإن صلى ركعة أو ركعتين أضاءت له السموات نوراً، وقال أزواجه من الحور العين اللهم اقبضه إلينا فقد اشتقنا إلى رؤيته، وإن هلل أو سبح أو كبر تلقاه سبعون ألف ملك، يكتبون ثوابها إلى أن توارى بالحجاب‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : من منعه الصيام من الطعام والشراب يشتهيه أطعمه الله من ثمار الجنة، وسقاه من شرابها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال ‏"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ‏إن الله أوحى إلى نبي من بني إسرائيل‏:‏ أخبر قومك أن ليس عبد يصوم يوما ابتغاء وجهي إلا صححت جسمه وأعظمت أجره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ بينما نحن في البحر غزاة إذ مناد ينادي‏:‏ يا أهل السفينة خبروا بخبركم‏.‏ قال أبو موسى‏:‏ قلت‏:‏ ألا ترى الريح لنا طيبة، والشراع لنا مرفوعة، والسفينة تجري لنا في لجة البحر‏؟‏ قال‏:‏ أفلا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإن الله قضى على نفسه أيما عبد عطش نفسه لله في الدنيا يوماً فإن حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة‏.‏ وأخرج أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة قال ‏"حديث : ‏قلت‏:‏ يا رسول الله مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به‏.‏ قال‏:‏ عليك بالصوم فإنه لا مثل له‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي رباح قال‏:‏ توضع الموائد يوم القيامة للصائمين، فيأكلون والناس في كرب الحساب‏.‏ وأخرج البيهقي عن كعب الأحبار قال‏:‏ ينادي يوم القيامة مناد‏:‏ ان كل حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصيام، يعطون أجورهم بغير حساب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لكل أهل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل، ولأهل الصيام باب يقال له الريان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك في الموطأ وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الصيام جنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة "حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يروي ذلك عن ربه عز وجل: قال ربكم: الصوم جنة، يجتن بها عبدي من النار ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة قال ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ الصيام جنة وحصن حصينة من النار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي عن عثمان بن أبي العاصي الثقفي قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن خزيمة والبيهقي عن عبيدة قال ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ الصيام جنة ما لم يخرقها‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ‏الصيام جنة ما لم يخرقها‏.‏ قيل وبم يخرقها‏؟‏ قال: بكذب أو غيبة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي عن رجل من بني سليم ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال‏:‏ سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والوضوء نصف الميزان، والصيام نصف الصبر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الصيام نصف الصبر، وأن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي عن سهل بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أم عمارة بنت كعب ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فقربت إليه طعاماً فقال‏: كلي‏.‏ فقالت‏:‏ إني صائمة‏.‏ فقال‏: إن الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا أو يقضوا‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن بريدة قال‏:‏ دخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغذّى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ‏تغذّى يا بلال‏. قال‏:‏ إني صائم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "نأكل رزقنا وفضل رزق بلال في الجنة، أشعرت يا بلال أن الصائم تسبح عظامه، وتستغفر له الملائكة ما أكل عنده‏؟‏‏!‏"‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ الصائم إذا أكل عنده سبحت مفاصله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن خليل مثله‏.‏ وأخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن سلمة بن قيصر ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من صام يوماً ابتغاء وجه الله بعده الله من جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرماً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبزار من حديث أبي هريرة‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج البزار والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ثلاث دعوات مستجابات‏:‏ دعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس قال‏ ‏"‏حديث : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وفيه فئة من أصحابه فقال‏: من كان عنده طول فلينكح، وإلا فعليه بالصوم فإن له وجاء ومجسمة للعرق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏في الجنة باب يدعى الريان يدعى له الصائمون، فمن كان من الصائمين دخله، ومن دخله لا يظمأ أبدا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرح البزار عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إن للصوّام يوم القايمة حوضاً ما يرده غير الصوّام‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن ابن عباس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى في سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف من فوقهم يهتف‏:‏ يا أهل السفينة قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه‏.‏ قال أبو موسى‏:‏ أخبرنا إن كنت مخبراً، قال‏:‏ إن الله قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش‏"‏‏.‏ ‏وأخرج ابن سعد والترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات عن الحرث الأشعري‏ ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطىء بها فقال عيسى‏:‏ إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى‏:‏ أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ، وقعد على الشرف فقال‏:‏ إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وأمركم أن تعملوا بهن‏.‏ أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال‏:‏ هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك‏؟‏ وأن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ ولفوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال‏:‏ أفدي نفسي منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم، وأمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى به على حصن حصين فاحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : اغزوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع والطبراني والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام‏:‏ أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن‏:‏ منعته النوم بالليل فشفِّعْني فيه، قال‏:‏ فيشفعان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لو أن رجلاً صام يوماً تطوعاً ثم أعطى ملء الأرض ذهباً لم يستوف ثوابه دون يوم الحساب‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن عمرو بن عبسة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من صام يوماً في سبيل الله بعدت من النار مسيرة مائة عام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة‏ ‏ "‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرح الترمذي عن أبي أمامة ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ثلاثة لا ترد دعوتهم‏:‏ الصائم حتى يفطر، والإِمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب‏:‏ وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الصائمون تنفح من أفواههم ريح المسك، وتوضع لهم يوم القيامة مائدة تحت العرش، فيأكلون منها والناس في شدة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله جعل مائدة عليها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا يقعد عليها إلا الصائمون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ بن حبان في الثواب عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة تخرج الصوّام من قبورهم يعرفون برياح صيامهم، أفواههم أطيب من ريح المسك، فيلقون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك، فيقال لهم‏:‏ كلوا فقد جعتم، واشربوا فقد عطشتم، ذروا الناس واستريحوا فقد أعييتم إذ استراح الناس، فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس في عناء وظمأ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال عن مغيب بن سمي قال‏:‏ تركد الشمس فوق رؤوسهم على أذرع، وتفتح أبواب جهنم فتهب عليهم لفحها وسمومها، وتخرج عليهم نفحاتها حتى تجري الأرض من عرقهم أنتن من الجيف، والصائمون في ظل العرش‏.‏ وأخرج الأصبهاني في الترغيب من طريق أحمد بن أبي الحواري أنبأنا أبو سليمان قال‏:‏ جاءني أبو علي الأصم بأحسن حديث سمعته في الدنيا قال‏:‏ توضع للصوّام مائدة يأكلون والناس في الحساب، فيقولون‏:‏ يا رب نحن نحاسب وهؤلاء يأكلون‏؟‏‏!‏ فيقول ‏"‏طالما صاموا وأفطرتم، وقاموا ونمتم‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مالك الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن نافع قال ابن عمر‏:‏ كان يقال‏:‏ إن لكل مؤمن دعوة مستجابة عند إفطاره، إما أن تعجل له في دنياه أو تدخر له في آخرته، فكان ابن عمر يقول عند افطاره‏:‏ يا واسع المغفرة اغفر لي‏.‏ وأخرج أحمد عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم ‏"‏حديث : من شهد منكم جنازة‏؟ قال عمر‏:‏ أنا‏.‏ قال‏: من عاد مريضا‏ً؟ قال عمر‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ من تصدق بصدقة‏؟ قال عمر‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ من أصبح صائما‏ً؟‏ قال عمر‏:‏ أنا‏ قال‏: وجبت وجبت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال‏:‏ خرجنا إلى معاوية فمررنا براهب فقال‏:‏ توضع الموائد فأوّل من يأكل منها الصائمون‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة ‏ "حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه عنه صوم الدهر كله وإن صامه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر فعليه صوم شهر‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني عن رجاء بن جميل قال‏:‏ كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول‏:‏ من أفطر يوماً من رمضان صام اثني عشر يوماً، لأن الله رضي من عباده شهراً من اثني عشر شهرا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني أفطرت يوماً من رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : تصدق واستغفر الله وصم يوماً مكانه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير سفر ولا مرض لم يقضه أبداً وإن صام الدهر كله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال‏:‏ من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر‏.‏

القشيري

تفسير : الصوم على ضربين: صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوباً بالنية، وصوم باطن وهو صَوْنُ القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السِّرِّ عن الملاحظات. ويقال صوم العابدين شرطه - حتى يَكْمُلَ - صونُ اللسان عن الغيبة، وصون الطَرْف عن النظر بالريبة كما في الخبر: "حديث : مَنْ صام فَلْيَصُمْ سمعه وبصره...."تفسير : الخبر، وأما صوم العارفين فهو حفظ السر عن شهود كل غيره. وإن من أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صوموا وأفطروا لرؤيته"تفسير : : الهاء في قوله عليه السلام - لرؤيته - عائدة عند أهل التحقيق إلى الحق سبحانه، فالعلماءُ يقولون معناه عندهم صوموا إذا رايتم هلال رمضان وأفطروا لرؤية هلال شوال، وأما الخواص فصومهم لله لأن شهودهم الله وفطرهم بالله وإقبالهم على الله والغالب عليهم الله، و الذي هم به محو - الله.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} هذا نداءٌ لاصحاب القلوب وخطاب مع طلاب هلال المشاهدة فى اقطار سموت الغيوب اى يا اهل اليقين فرض عليكم الامساك عن الكون اصلا لانكم في طلب المشاهدة فواجب ان تصوموا عن مالوفات الطبيعة فى مقام العبودية كما كتب على المرسلين والنيين والعارفين والمحبين في قبلكم لكى تخلصوا عن رجس البشرية وتصلوا مقام الامن والقربة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} قال اصحاب اللسان يا حرف نداء وهو نداء من الحبيب للحبيب وايها تنبيه من الحبيب للحبيب وآمنوا شهادة من الحبيب للحبيب. وقال الحسن اذا سمعت الله يقول يا ايها الذين آمنوا فارفع لها سمعك فانه لامر تؤمر به او لنهى تنهى عنه. وقال جعفر الصادق لذة فى النداء ازال بها تعب العبادة والعناء يشير الى ان المحب يبادر الى امتثال امر محبوبه حتى لو امره بالقاء نفسه فى النار {كتب عليكم الصيام} اى فرض عليكم صيام شهر رمضان فانه تعالى قال بعده {أية : أياما معدودات} تفسير : [البقرة: 184] وقال تعالى {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185] بعد قوله {أية : شهر رمضان} تفسير : [البقرة: 185]. والصيام فى الشريعة هو الامساك نهارا مع النية من اهله عن المفطرات المعهودة التى هى معظم ما تشتهيه الانفس وهذا صوم عوام المؤمنين واما صوم الخواص فالامساك عن المنهيات واما صوم اخص الخواص فالامساك عما سوى الله تعالى {كما كتب} محل كما النصب على انه صفة مصدر محذوف اى كتب كتابا كائنا مثل ما كتب وما مصدرية او على انه حال من الصيام وما موصولة اى كتب عليكم الصيام مشبها بالذى كتب {على الذين من قبلكم} من الانبياء عليهم السلام والامم من لدن آدم عليه السلام وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لانفس المخاطبين فان الصوم عبادة شاقة والشىء الشاق اذا عم سهل تحمله ويرغب كل احد فى اتيانه والظاهر ان التشبيه عائد الى اصل ايجاب الصوم لا الى كمية الصوم المكتوب وبيان وقته فكان الصوم على آدم ايام البيض وصوم عاشورا كان على قوم موسى والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجهه كما يقال فى الدعاء اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم وكما قال عليه السلام "حديث : انكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدرbr>". تفسير : فان هذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئى بالمرئى {لعلكم تتقون} المعاصى فان الصوم يكسر الشهوة التى هي مبدأها كما قال عليه السلام "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له وجاءbr>". تفسير : قوله الشباب جمع شاب وهو عند اصحابنا من بلغ ولم يحاوز ثلاثين كذا قاله النووى والباءة النكاح والتزوج وهو المباءة فى المنزل لان من تزوج امرأة بوأها منزلا والوجاء نوع من الاخصاء وهو ان يرض عروق الانثيين ويترك الخصيتين كما هما والمعنى على التشبيه اى الصوم يقطع شهوة الجماع ويدفع شر المنى كالخصاء والامر فى الحديث للوجوب لانه محمول على حالة التوقان باشارة قوله يا معشر الشباب فانهم ذووا التوقان على الجبلة السليمة. قال العلماء تسكين الشهوة يحصل بالصيام بالنهار والقيام بالليل وحذف الشهوات والتغافل عنها وترك محادثة النفس بذكرها. فان قلت ان الرجل يصوم ويقوم ولا يأكل ويجد من نفسه حركة واضطرابا قلت ذلك من فرط فضل شهوة مقيمة فيه من الاول فليقطع ذلك عن نفسه بالهموم والاحزان الدائمة وذكر الموت وتقريب الاجل وقصر الامل والمداومة على المراقبة والمحافظة على الطاعة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أياماً} منصوب على الظرفية، واختُلِف في العامل فيه، والأحسنُ أنه الصيام، ولا يضره الفصل؛ لأن الظرف يُتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و {معدودات} نعت له، و {عدة} مبتدأ؛ أي: فَعَليْهِ عِدَّةٌ. و {أُخر} ممنوع من الصرف للعدل عن الألف واللام والوصف. و {شهر رمضان} إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: الألف واللام والوصف: و {شهر رمضان} إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: {فمن شهد}، أو بدل من {الصيام}، على حذف مضاف، أي: صيام شهر رمضان. و {رمضان} مصدر رمَض إذا احترق، وأضيف إليه الشهر، وجُعل عَلَما، ومُنع من الصرف للعلَمية والألف والنون. وسَمَّوْه بذلك إما لارتماض القلب فيه من حرَّ الجوع والعطش، أو لارتماض القلب فيه من حَرَّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو وافق الحرَّ حين نقلوا الشهور عن اللغة القديمة. و {الشهر} ظرف، لقوله: {شهد} أي: حضر، وقوله: {ولتكلموا...} الآية، هذه ثلاثُ عِللَ لثلاثة أحكام على سبيل الفِّ والنَّشْرِ المعكوس، أي: ولتكملوا العدة أمرتُكم بقضاء عدة أيام أخر، ولتكبروا الله عند تمام الشهر أمرتُكم بصيام الشهر كله، ولعلكم تشكرون أردتُ بكم اليسر دون العسر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} فُرض عليكم {الصيام} كما فرض {على الذين من قبلكم} من الأنبياء وأَمَمِهم من لدن آدم، فلكم فيهم أسوة، فلا يشق عليكم {لعلكم تتقون} المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : مَنْ اسْتَطَاعَ منْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَليْه بالصَّوْمِ، فَإِنَّه لَهُ وِجَاء ". تفسير : وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل {معدودات} فلا يهولكم أمره، {فمن كان منكم مريضاً} يشق عليه الصيام، {أو على سفر} فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر {من أيام أُخر} بعد تمام الشهر، {وعلى الذين يطيقونه} بلا مشقة، إن أرادوا أن يفطروا {فديةُ} وهي: {طعام مساكين}: مُدٍّ لكل يوم. وفي قراءة {فديةٌ طعامُ مسكين} أي: وهي طعام مسكين لكل يوم. وقيل: نصف صاع. {فمن تطوع} بزيادة المُد، أو أطعم مسكينَينْ عن يوم، {فهو خير له} وأعظم أجراً، {وإن تصوموا} أيها المطيقون للصيام، {خير لكم إن كنتم تعلمون} ما في الصيام من الأسرار، والخير المدرار، ثم نسخ بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. وذلك الصيام الذي أُمرتم به هو {شهر رمضان} المبارك {الذي أنزل فيه القرآن} أي: ابتداء نزوله فيه. أو إلى سماء الدنيا، حالة كونه {هدى للناس} أي: هادياً لهم إلى طريق الوصول، وآيات واضحات {من الهدى والفرقان} الذي يفرق بين الحق والباطل. وإن شئتَ قلتَ: فيه هدى للناس إلى مقام الإسلام، {وبينات}، أي: حججاً واضحة تهدي إلى تحقق الإيمان، وإلى تحقق الفرق بين الحق والباطل، وهو ما سوى الله، فيتحقق مقام الإحسان. {فمن} حضر منكم في {الشهر} ولم يكن مسافراً {فليصمه} وجوباً، وكان في أول الإسلام على سبيل التخيير؛ لأنه شق عليهم حيث لم يألفُوه، فلما ألفوه واستمروا معه، حتّمه عليهم في الحضور والصحة. {ومَن كان مريضاً} يشق عليه الصيام، {أو على} جَناح {سفر} بحيث شرَع فيه قبل الفجر فأفطر فيه، فعليه {عدة من أيام أُخر} {يريد الله بكم اليسر} والتخفيف، حيث خفّف عنكم، وأباح الفطر في المرض والسفر، {ولا يريد بكم العسر} إذ لم يجعل عليكم في الدّين من حرج، وإنما أمركم بالقضاء {لتكلموا العدّة} التي أمركم بها، وهي تمام الشهر، {ولتكبروا الله على ما هداكم}، أمركم بصيامه فتكبروا عند تمامه. ووقت التكبير عند مالك: من حين يخرج إلى المُصَلَّى، بعد الطلوع، إلى مجيء الإمام إلى الصلاة، ولفظُه المختار: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا، اللهم اجعلنا من الشاكرين)؛ لجمعه بين التهليل والتكبير والشكر امتثالاً لقوله: {ولعلكم تشكرون} على ما أوليناكم من سابغ الإنعام، وسهَّلنا عليكم في شأن الصيام. الإشارة: كُتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات، كما كتب على مَن سلك الطريق قبلكم من العارفين الثقات، في أيام المجاهدة والرياضات، حتى تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات، لعلكم تتقون شهود الكائنات، ويكشف لكم عن أسرار الذات، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضاً بحب الهوى، أو على سفر في طلب الدنيا، فليبادِرْ إلى تلافِي ما ضاع في أيام أُخر، وعلى الأقوياء الذين يُطيقون هذا الصيام، إطعام الضعفاء من قُوت اليقين ومعرفة رب العالمين. فمَنْ تطوع خيراً بإرشاد العباد إلى ما يُقوِّي يقينهم، ويرفع فهو خير له. وأَنْ تَدُوموا أيها الأقوياء على صومكم عن شهود السَّوَى، وعن مخالطة الحس بعد التمكين، فهو خير لكم وأسلم، إن كنتم تعلمون ما في مخالطة الحس من تفريق القلب وتوهين الهمم، إذ في وقت هذا الصيام يتحقق وحي الفهم والإلهام، وتترادف الأنوار وسواطعُ العرفان. فمن شهد هذا فَلْيَدُمْ على صيامه، ومن لم يَقْدِر عليه فَلْيَبْكِ على نفسه في تضييع أيامه. واعلم أن الصيام على ثلاث درجات: صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص. أما صوم العوام: فهو الإمساك عن شهوتَي البطن والفَرْج، وما يقوم مقامَهما من الفجر إلى الغروب، مع إرسال الجوارح في الزلاَّت، وإهمال القلب في الغفلات. وصاحبُ هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أنْ يدع طعامَه وشرابَه"تفسير : . وأما صوم الخواص: فهو إمساك الجوارح كلَّها عن الفَضول، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول، وحاصلُه: حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يَعْنِي. وأما صوم خواص الخواص: فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير، وحاصله: الإمساك عن شهود السَّوى، وعكوفُ القلب في حضرة المولَى، وصاحب هذا صائم أبداً سرمداً. فأهل الحضرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون، نفعنا الله بهم وحشرنا معهم. آمين.

الطوسي

تفسير : هذه الآية ظاهرها يتوجه الى من كان على ظاهر الايمان. فأما الكافر، فلا يعلم بهذا الظاهر أنه مخاطب بالصيام. وقوله {كتب} معناه فرض على ما بيناه فيما مضى. اللغة: والصيام، والصوم: مصدر صام يصوم صوماً قال النابغة: شعر : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما تفسير : وقال صاحب العين: الصوم، والصمت واحد كقوله تعالى {إني نذرت للرحمن صوماً} أي صمتاً. والصوم قيام بلا عمل صام الفرس على أريه: اذا لم يعلف. وصامت الريح: اذا ركدت. وصامت الشمس: حين تستوي في منتصف النهار. وصامت الفرس: موقفه. والصوم ذرق النعام. والصوم: شجر. وأصل الباب: الامساك، فالصوم: الصمت، لأنه إمساك عن الكلام. المعنى: والصوم في الشرع هو الامساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة في زمان مخصوص. ومن شرط انعقاده النية. وقوله {كما كتب على الذين من قبلكم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحسنها: انه كتب عليكم صيام أيام، كما كتب عليهم صيام أيام. وهو اختيار الجبائي، وغيره، ويكون الصيام رفعاً، لأنه ما لم يسمّ فاعله، ويكون موضع {كما} نصب على المصدر. والمعنى فرض عليكم فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم. ويحتمل أن يكون نصباً على الحال من الصيام. وتقديره كتب عليكم مفروضاً أي في هذه الحال. والثاني - ما قاله الشعبي، والحسن: انه فرض علينا شهر رمضان كما فرض شهر رمضان على النصارى. وإنما زادوا فيه وحوّلوه الى زمان الربيع. والثالث - ما قاله الربيع، والسدي: إنه كان الصوم من العتمة إلى العتمة لا يحلّ بعد النوم مأكل، ولا مشرب، ولا منكح، ثم نسخ. والأول هو المعتمد. وقال مجاهد. وقتادة: المعني بالذين من قبلكم أهل الكتاب. وقوله {لعلكم تهتدون} أي لعلكم تتقون المعاصي بفعل الصوم - في قول الجبائي - وقال السدي: لتتقوا ما حرم عليكم من المأكل والمشرب. وقالت فرقة: معناه لتكونوا أتقياء بما لطف لكم في الصيام، لأنه لو لم بلطف به لم تكونوا أتقياء. وإنما قلنا: الأول هو المعتمد، لأنه يصح ذلك في اللغة، إذا كان فرض عليهم صيام أيام كما علينا صيام أيام وإن اختلف ذلك بالزيادة والنقصان.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لمّا كان هذا الحكم نوعاً آخر من التّكليف غير التّكليف غير الاوّل الّذى كان فى المعاملات وكان من أشقّ العبادات صدّره بالنّداء ليتدارك كلفة التّكليف بلذّة المخاطبة، وعن الصّادق (ع) انّ لذّة النّداء ازال تعب العبادة والعناء وقد سبق مكرّراً انّ المراد بالايمان فى امثال المقام الايمان العامّ الحاصل بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة وعن الصّادق (ع) انّه سئل عن هذه الآية وعن قوله سبحانه: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} تفسير : [البقرة: 216] فقال (ع): هذه كلّها تجمع الضّلال والمنافقين وكلّ من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة {كُتِبَ} اى فى اللّوح المحفوظ او فى صدر النّبىّ (ص) او فى الكتاب التّدوينىّ الالهىّ او فرض {عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} الصّوم والصّيام مصدرا صام يصوم صوماً بمعنى الامساك المطلق لغة وبمعنى الامساك المخصوص شرعاً {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعنى انّها عبادة قديمة كانت واجبة من لدن آدم (ع) فانّه لم يكن نبىُّ الاّ كان فى شريعته امساكٌ ما، روى عن امير المؤمنين (ع) انّ اوّلهم آدم فالتّشبيه فى اصل الامساك المخصوص المشروع لا فى جميع مخصّصاته فانّه لم يكن صيامنا موافقاً لصيام اليهود والنّصارى فى الوقت وعدد الايّام والممسك عنه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تتّصفون بالتّقوى وتصيرون اتقياء او لعلّكم تتّقون المعاصى ودواعى النّفس لانّ امساك النّفس عن المأكول والمشروب مدّةً غير معتادة يضعّفها وفى ضعفها ضعف دواعيها ومقتضياتها وقوّة العقل واقتضائه للتّقوى عمّا هو شرّ للانسان، نسب الى النّبىّ (ص) انّه قال: خصاء امّتى الصّوم، وفى الخبر: من لم يستطع الباءة فليصم فانّ الصّوم له وجاء. وعن الصّادق (ع) انّه قال: انّما فرض الصّيام ليستوى به الغنىّ والفقير وذلك انّ الغنىّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير فأراد الله سبحانه ان يذيق الغنىّ مسّ الجوع ليرقّ على الضعيف ويرحم الجائع.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} النزول: ذكر اهل التَّفاسير ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قدم المدينة فرض عليه صوم يوم عاشوراء وثلاثة ايام في كل شهر ثم نسخ ذلك وفرض صيام شهر رمضان قبل بدر بشهر وايام، وعن ابي ذر الغفاري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : نزلت صحف ابراهيم (عليه السلام) في ثلاث ليال مضين من رمضان وتوراة موسى (عليه السلام) في ست وانجيل عيسى (عليه السلام) في ثلاث عشرة وزبور داوود في ثماني عشرة والفرقان في الرابعة والعشرين"تفسير : ، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه خطب في آخر يوم من شعبان وقال: "حديث : ايها الناس انه قد اطلكم شهرٌ عظيمٌ مباركٌ فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة وقيامه تطوعاً فمن تقرب فيه بخصلةٍ من خصال الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة والمواساة وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن وشهر أوله رحمةٌ وأوسطه مغفرةٌ وآخره عتق من النار من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير ان ينقص من أجره شيئاً" قلنا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال: "يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء ومن اشبع فيه صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها ابداً حتى يدخل الجنة وكان كمن اعتق رقبة" تفسير : {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قيل:هو الشيخ الهمّ، وقيل: هو منسوخٌ {فمن تطوّع خيراً} قيل: تطوع بزيادة الطعام وذلك يكون على وجهين احدهما ان يطعم مسكيناً او اكثر والثاني ان يطعم المسكين الواحد اكثر من الكفاية حتى يزيده على نصف صاع، وقيل: صام مع الفدية {وان تصوموا خير لكم} يعني ان الصَّوم خير من الافطار والفدية {شهر رمضان} سُمِّي رمضان لان رمضان اسم من أسماء الله تعالى كأنه قيل: شهر الله {الذي أُنزل فيه القرآن} قيل: ان القرآن انزل كله في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ثم أُنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مفرقاً، وقيل: ابتداء إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان {هدى للناس} يتضمن بيِّنات من الهدى والفرقان للناس يعني دلالة لهم فيما كلّفوه من العلوم {وبينات} فبين انه مع كونه هدى يتضمن {بينات من الهدى والفرقان} فوجب حمله على غير ما تقدم، وقيل: المراد بالهدى الاول الهدى من الضلالة وبالثاني بيان الحلال والحرام عن ابن عباس، ثم وصف القرآن بأنه فرقان يعني يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل: ذلك ترغيبٌ في تدبُّره {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} الالف واللام في الشهر للعهد والمراد به شهر رمضان، وقيل: "من شهد اول الشهر فليصمه جميعه" عن علي (عليه السلام)، ومعنى شهد قيل: شاهد الشهر وهو مكلف فليصمه حتماً {ومن كان مريضاً او على سفرٍ} بين الترخيص للمريض والمسافر فمن العلماء من قال: الفطر للمسافر عزيمة، ومنهم من قال: رخصة وهو قول الفقهاء، ثم اختلفوا فمنهم من قال: الصوم أفضل وعليه الأكثر، ومنهم من قال: الفطر أفضل {فعدة من أيام أُخر} أي فان أفطر فعليه عدة من أيام أخر، واختلفوا هل للعدة وقت ام لا، فقال ابو حنيفة: لا وهو موسع، وقيل: مؤقت بين رمضانين وان فطر لزمته الفدية {يريد الله بكم اليسر} في الرخصة للمريض والمسافر {ولتكبروا الله على ما هداكم} قيل: اراد بالتكبير الفطر ويوم الفطر، وقيل: التعظيم لله والثناء عليه، قوله تعالى: {واذا سألك عبادي عني فإني قريب} الآية، نزلت في رجل من العرب قال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه ام بعيد فنناديه فنزلت: فاني قريب السماع، وقيل: قريب بالعلم والقدرة {فليستجيبوا لي} اذا دعوتهم للايمان والطاعة كما اني اجيبهم اذا دعوني لحوائجهم وليؤمنوا بي اي يصدقوا بجميع ما انزلته {لعلهم يرشدون} والراشد المصيب للخير ومنه رجل رشيد، وقد روي عن ابراهيم بن ادهم انه قيل له: ما لنا [ما بالنا] ندعو اله فلا نُجاب؟! قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته وعرفتم القرآن فلم تعملوا به واكلتم نعم الله فلم تشكروه وعرفتم الجنة فلم تطلبوها وعرفتم النار فلم تهربوا منها وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ولم تخالفوه وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ودفنتم الاموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أي فرض عليكم {الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ} أي كما كتب {عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني أمة موسى وعيسى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. قال بعضهم: هو رمضان كتبه الله على من قبلكم؛ وكان فيما كتب عليهم ألاّ يأكلوا ولا يشربوا ولا يطأوا النساء بعد رقادهم من الليل إلى مثلها من القابلة. وكان قوم من أصحاب النبي عليه السلام يصيبون ذلك بعد رقادهم فأنزل الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، والرفث: الغشيان، {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}. أي: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. (أية : عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ. فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)تفسير : . [البقرة:187]. قال الحسن: كتب على النصارى صيام رمضان فصاموا زماناً. فجعل أحياناً يكون في الحر الشديد فحوّلوه، ووضعوه في زمان لا يكون فيه حر. فصاموا ذلك زماناً. ثم قالوا: لنزيدنَّ في صيامنا لمّا حوّلناه؛ فزادوا فيه عشرة أيام. فصاموا كذلك زماناً. ثم إن ملكهم اشتكى؛ فنذر إن عافاه الله أن يزيد في الصيام سبعة أيام. فعافاه الله، فزاد في الصيام سبعة أيام، فصاموا كذلك زماناً. ثم إن ذلك الملك هلك، فاستُخْلِف ملِكٌ آخر، فقال: ما بال هذه الثلاثة أيام ناقصة من صيامنا، فأتمَّها خمسين يوماً. ذكر عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الفجر فجران؛ فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وأما المستطير الذي يأخذ بالأفق فإنه يحل الصلاة ويحرّم الصيام تفسير : قال: ومجمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحرم الصيام أن يوجب الصيام فلا يحل إذا طلع الفجر أكل ولا شرب ولا وطء. قوله: (أية : وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) تفسير : [البقرة:187] أي: من الولد، يطلبه الرجل فإن كان ممن كتب الله منه الولد رزقه الله الولد. وقال بعضهم: {مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} أي ما أحل الله لكم.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا كُتبَ عَليكُم الصِّيامُ}: فرض عليكم الصوم، والصوم والصيام لغة: الإمساك عن الشئ، صام النهار أى اعتدل، وأمسك عن الميل، وقام قائم الظهيرة، وصامت الريح أمسكت عن الهبوب، وصام زيد: أمسك عن الكلام، قال الله جل وعلا حكاية:{أية : إنىِّ نذرْتُ للرَّحمن صوماً}،تفسير : أى ضمناً، وصام الفرس أى كف عن المشى، وصام زيد عن الأكل أو الشرب أمسك، وصام الشئ مطلقا عن الشئ مطلقا أمسك عنه، ولا يشترط كون ما يمسك عنه تنزع إليه النفس كما قيل قال النابغة: شعر : خيلٌ صيام وخيل غيرُ صائمة تحت العَجاج وأخرى تعلُك اللّجما تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : فدعها وسلِّ الهمَّ عنك بحسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا تفسير : وقال الشاعر: شعر : حتى إذا صام النهار واعتدل وصار للشمس لعاب فنزل تفسير : أنشد ذلك الجوهرى وصاحب الوضع رحمهُ الله، وجازاه عنا خيراً، ولعلهُ أبو زكرياء يحيى الجدوى، وقال الشيخ أحمد الشماخى رحمهُ الله فى السير. ومنهم أبو زكرياء الجدوى، وأظنه مؤلف كتاب الوضع، وهو كتاب مفيد به يقع ابتداء من أراد الفقه، ولا يقال أبو زكرياء هذا هو الجناونى وحرف بالجادوى، لأن الجناونى ذكره قبل هذا بنحوستة أوراق، ولأن الأصل عدم التحريف، ثم ذكر بعد ذلك أبا زكرياء يحيى بن إبراهيم، وقال أبو القاسم البرادى العلامة: إن صاحب كتاب الوضع هو أبو زكرياء يحيى الجناونى صاحب الديوان المقدم فى العمل على ديوان الأشياخ المتقدم عليها فيه ديوان الشيخ عامر رحمهم الله ورزقنا سلوك طريقهم. وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة: رأيت بخط قديم لبعض أصحابنا فى نسبة الوضع ما نصه: تأليف الفقيهِ أبى زكرياء يحيى بن إبراهيم قدس لله روحه وكرم مثواه إنه سميع مجيب. والصيام فى الآية مصدر، ويستعمل جمع صائم أو صائمة كما فى بيت النابغة. والصوم والصيام شرعا: الإمساك عن الأكل والشرب إجماعا، وعما يصل الجوف مطلقا عندنا من الأجسام، وعن الجماع والمعاصى فى شهر رمضان من طلوع فجر كل يوم إلى غروبه. مع نية كونه فرضا، والتقرب به إلى الله جل وعلا. {كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبلِكُم}: يعنى الأنبياء والأمم كلهم من لدن آدم عليهِ السلام إلى عهدكم، ولو اختلفت مدة الصوم وزمانه فإنا مخصوصون برمضان على التحقيق، ثم رأيته للجمهور والحمد لله* قال على بن أبى طالب: أولهم آدم يعنى فرض الصوم على آدم ومن بعده إلى قيام الساعة، وفى ذلك ترغيب فى الصوم ووجوبه وتطيب للنفس، أى صوموه فقد صامه من قبلكم، وفرض عليهم كما فرض عليكم، ولم يفرض عليكم وحدكم، وقد شاع أن الأمر الشديد إذا عم هان لما شق الصوم على النفس، لأن فيه الإمساك عما تشتهيه من المفطرات أكده بذلك كما سهلهُ بعد بتقليله. وقيل إن شهر الصوم من لدن آدم إلى هذه الأمة هو رمضان، وزعم بعض أن هذا قول الجمهور، وزعم بعض أن المراد النصارى وجب عليهم صوم عاشوراء، تم علينا، ثم نسخ. وقيل: {الذين من قبلكم} أهل التوراة والإنجيل، قال صاحب الوضع: أهل الإنجيل* {لعلَّكُم تتَّقُون}: تتركون المعاصى بالصوم، فإنه يكسر الشهوة، ويضعف قوى النفس الأمارة بالسوء، وقيل: ولعلكُم تتقون عقاب الله به، وقيل: ولعلكم تتقون ما فعل النصارى من تبديل وقت رمضان بوقت آخر، والزيادة فيهِ كما يأتى أو لعلكم تتركون الإخلال بآدابه لأصالته وقدمه، أو لعلكم تنتظمون فى زمرة المتقين، لأن الصوم من علامتهم، والوجه الأول هو الصحيح. روى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رحمهم الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : من خاف شدة الميعة فليصم فإن الصوم له وجاء"تفسير : قال الربيع: يعنى خصاء مثل ما روى حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين موجئينتفسير : ، أى مخصيين. والأملحان الأبلقان. وروى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أبى هريرة عنه، صلى الله عليه وسلم:"حديث : الصوم جِنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل ولا يفسق وإن امرأ قاتله فليقل إنى صائم"تفسير : ، وروى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عنه، صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال، تعالى: إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به. يدع شهوته وطعامه من أجلى"تفسير : و "حديث : للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه"تفسير : و "حديث : لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك"تفسير : زاد فى رواية "حديث : والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم"تفسير : وكذلك روى البخارى ومسلم عنه، صلى الله عليه وسلم:"حديث : من خاف الميعة فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء"تفسير : والوجاء الخصاء كما مر، أو دق الخصيتين، فإنه يمنع الشهوة كما يمنعها رضْح الذكر.

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا} حال من الكتب المحذوف المنصوب على المفعولية المطلقة، أى كتب عليكم الصيام، الكتْب ثابتا كما، أو نعت لمصدر محذوف أى كتب كتباً كما، أو صوما مماثلا للصوم الذى كتب، أو حال من الصيام، أو نعت له، لأن أل فيه للجنس، فهو كالنكرة، أو يقدر المتعلق معرفة، أى الثابت كما، وما اسم فى ذلك إلا فى الأولين فمصدرية {كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم} من الأنبياء، وأممهم، ولو تفاوت قدراً وزماناً، وقيل: لم يتفاوت من آدم إلى عهدكم، كما قال علىّ: ما أخلى الله أمة من فرض الصوم فارغبوا فيه وطيبوا نفساً به واستسهلوه، والمشقة إذا عمت طابت {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} المعاصى وما لا يعنى فيه لأنه بكسر النفس، فتغتنوا فيه وتصفو قلوبكم به، لما بعد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وِجاء"تفسير : ، أو تتقون التقصير فيه وإفساده أو تركه، يشير إلى أن قمه وعمومه من موجبات المحافظة عليه فلا تكونوا بتركها أنقص من غيركم وأنتم أفضل الأمم، وبينكم أفضل الأنبياء، ويقال كان على النصار صوم رمضان فربما وقع فى حر، وربما وقع فى برد فحولوه للربيع، وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله، والمراد أن غالبه فى الربيع، وأما أقله ففى فبراير، فإن أول صومهم فى ثامن فبراير بسبعة أيصام قبل الربيع، ويقال ترك اليهود رمضان وصاموا يوما فى السنة، قالوا إنه يوم غرق فرعون، وزاد فيه النصارى يوما قبله ويوما بعده احتياطا، حتى بلغوا خمسين، فشق عليهم للحر والبرد فنقلوه إلى زمان حلول الشمس فى برج الحمل، فالمماثلة فى قوله تعالى، كما كتب، مماثلة فى الوجود والمقدار والزمان وهو عين رمضان، وقيل فى أصل الوجوب، وقيل زادوا عشرة كفارة للتحويل، ثم مرض ملكهم بأكل لحم فشفاه الله، فزاد خمسة، وقال آخر، أتموه خمسين، وقيل زادوا عشرين لموت أصاب مواشيهم، وقيل لموت أصاب أنفسهم.

الالوسي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ} بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية وتكرير النداء لإظهار الاعتناء مع بعد العهد، والصيام كالصوم مصدر صام وهو لغة الإمساك، ومنه يقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال ابن دريد: كل شيء تمكث حركته فقد صام، ومنه قول النابغة:شعر : خيل (صيام) وخيل غير ـ صائمة تحت العجاج ـ وأخرى تعلك اللجما تفسير : فصامت الريح ركدت، وصامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار، وشرعاً إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا كما هو ظاهر عموم الموصول، وعن ابن عباس، ومجاهد رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل الكتاب، وعن الحسن، والسدي، والشعبـي، أنهم النصارى، وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين فيه، فإن الأمور الشاقة إذا عمت طابت، والمراد بالمماثلة إما المماثلة في أصل الوجوب ـ وعليه أبو مسلم والجبائي ـ وإما في الوقت والمقدار بناء على أن أهل الكتاب فرض عليهم صوم رمضان فتركه اليهود إلى صوم يوم من السنة زعموا أنه اليوم الذي أغرق فيه فرعون، وزاد فيه النصارى يوماً قبل ويوماً بعد احتياطاً حتى بلغوا فيه خمسين يوماً فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى زمن نزول الشمس برج الحمل، وأخرج ابن حنظلة والنحاس والطبراني عن دغفل بن حنظلة مرفوعاً «كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله تعالى لنزيدن عشراً، ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فوه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر فقال: ما ندع من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع ففعل فصارت خمسين يوماً»، وفي {كَمَا} خمسة أوجه. أحدها: أن محله النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي ـ كتب كتباً ـ مثل ما كتب. الثاني: أنه في محل نصب حال من المصدر المعرفة أي ـ كتب عليكم الصيام الكتب ـ مشبهاً بما كتب، و (ما) على الوجهين مصدرية. الثالث: أن يكون نعتاً لمصدر من لفظ الصيام أي صوماً مماثلاً للصوم المكتوب على من قبلكم. الرابع: أن يكون حالاً من الصيام أي حال كونه مماثلاً لما كتب، و (ما) على الوجهين موصولة. الخامس: أن يكون في محل رفع على أنه صفة للصيام بناء على أن المعرف ـ بأل ـ الجنسية/ قريب من النكرة. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي كي تحذروا المعاصي فإن الصوم يعقم الشهوة التي هي أمها أو يكسرها. فقد أخرج البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»تفسير : ويحتمل أن يقدر المفعول الاخلال بأدائه، وعلى الأول: يكون الكلام متعلقاً بقوله: {كُتِبَ} من غير نظر إلى التشبيه، وعلى الثاني: بالنظر إليه أي كتب عليكم مثل ما كتب على الأولين لكي ـ تتقوا ـ الإخلال بأدائه بعد العلم بأصالته وقدمه ولا حاجة إلى تقدير محذوف أي أعلمتكم الحكم المذكور لذلك ـ كما قيل به ـ وجوز أن يكون الفعل منزلاً منزل اللازم أي لكي تصلوا بذلك إلى رتبة التقوى.

ابن عاشور

تفسير : حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فرداً فرداً؛ إذ منها يتكون المجتمع. وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى غرض آخر، وافتتحت بيٰأيها الذين آمنوا لما في النداء من إظهار العناية بما سيقال بعده. والقول في معنى كتب عليكم ودلالته على الوجوب تقدم آنفاً عند قوله تعالى: { أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية } تفسير : [البقرة: 180] الآية. والصيام ــــ ويقال الصوم ــــ هو في اصطلاح الشرع: اسم لترك جميع الأكل وجميع الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر الله أو لقصد التقرب بنذر للتقرب إلى الله. والصيام اسم منقول من مصدر فعال وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة، وقياس المصدر الصوم، وقد ورد المصدران في القرآن، فلا يطلق الصيام حقيقة في اللغة إلاّ على ترك كل طعام وشراب، وألحق به في الإسلام ترك قربان كل النساء، فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء لم يكن صياماً كما قال العرجي: شعر : فإنْ شِئتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِوَاكُمُ وإِنْ شِئْتتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً ولاَ بَرْدَا تفسير : وللصيام إطلاقات أخرى مجازية كإطلاقه على إمساك الخيل عن الجري في قول النابغة: شعر : خَيْلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة تحْتَ العَجَاج وأُخْرى تَعْلكُ اللُّجُمَا تفسير : وأطلق على ترك شرب حمار الوحش الماء، وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجتزائها بالمرعى الرطب: شعر : حتى إِذا سَلَخَا جُمَادى سِتَّة جَزْءًا فطَال صيامُه وصِيامُها تفسير : والظاهر أن اسم الصوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والشرب بقصد القربة فقد عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء كما سنذكره. وقول الفقهاء: إن الصوم في اللغة مطلق الإمساك، وإن إطلاقه على الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي، لا يصح، لأنه مخالف لأقوال أهل اللغة كما في «الأساس» وغيره، وأما إطلاق الصوم على ترك الكلام في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى: { أية : فقولي إني نذرت للرحمٰن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً } تفسير : [مريم: 26] فليس إطلاقاً للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم كان يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل. فالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني، أي كتب عليكم جنس الصيام المعروف. وقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء في «الصحيحين» عن عائشة قالت: «كان يومُ عاشُوراءَ يوماً تصومه قريش في الجاهلية» وفي بعض الروايات قولها: «وكان رسول الله يصومه» وعن ابن عباس « حديث : لما هاجر رسول الله إلى المدينة وَجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال ما هذا، فقالوا: هذا يومٌ نجَّى الله فيه موسى، فنحن نصومه فقال رسول الله: نحن أحق بموسى منكم فصام وأمر بصومه » تفسير : فمعنى سؤاله هو السؤال عن مقصد اليهود من صومه لا تعرف أصل صومه، وفي حديث عائشة « حديث : فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وقال رسول الله من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء لم يصمه " تفسير : فوجب صوم يوم عاشوراء بالسنة ثم نسخ ذلك بالقرآن فالمأمور به صوم معروف زيدت في كيفيته المعتبرة شرعاً قيودُ تحديد أحواله وأوقاته بقوله تعالى: { أية : فالئٰن باشروهن}تفسير : [البقرة: 187] إلى قوله {أية : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } تفسير : [البقرة: 187] ــــ وقوله ــــ { أية : شهر رمضان } تفسير : [البقرة: 185] الآية، وقوله { أية : ومن كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر } تفسير : [البقرة: 185] وبهذا يتبين أن في قوله: {كتب عليكم الصيام} إجمالاً وقع تفصيله في الآيات بعده. فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها، ولم يكن صيامنا مماثلاً لصيامهم تمام المماثلة. فقوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيهُ يكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيه أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه: أحدها الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها. وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم. إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في الحديث « حديث : أنَّ نَاساً من أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله ذهب أهلُ الدُّثُور بالأجُور يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم » تفسير : الحديث ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة قال تعالى: { أية : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنَّا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } تفسير : [الأنعام: 156، 157]. فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدَوا فيه باليهود، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أُنُفٍ، فهذه فائدة التشبيه لأهل الهمم من المسلمين إذا ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى: { أية : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } تفسير : [المطففين: 26]. والغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبى العهد بالإسلام، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده: {أياماً معدودات}. والغرض الثالث إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة. ووقع ولأبي بكر بن العربي في «العارضة» قوله: «كانَ من قول مالِكٍ في كيفية صيامنا أنه كان مثل صيام مَن قبلنا وذلك معنى قوله: {كما كتب على الذين من قبلكم}، وفيه بحث سنتعرض له عند تفسير قوله تعالى: { أية : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } تفسير : [البقرة: 187]. فهذه الآية شرعت وجوب صيام رمضان، لأن فعل {كتب} يدل على الوجوب، وابتداء نزول سورة البقرة كان في أول الهجرة كما تقدم فيكون صوم عاشوراء تقدم عاماً ثم فُرض رمضان في العام الذي يليه وفي «الصحيح»حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام تسع رمضاناتتفسير : فلا شك أنه صام أول رمضان في العام الثاني من الهجرة ويكون صوم عاشوراء قد فرض عاماً فقط وهو أول العام الثاني من الهجرة. والمراد بالذين من قبلكم من كان قيل المسلمين من أهل الشرائع وهم أهل الكتاب أعني اليهود؛ لأنهم الذين يعرفهم المخاطبون ويعرفون ظاهر شؤونهم وكانوا على اختلاط بهم في المدينة وكان لليهود صوم فرضه الله عليهم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم وهو الشهر المسمى عندهم (تِسْرِي) يبتدىء الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر وهو يوم كفارة الخطايا ويسمونه (كَبُّور) ثم إن أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى وهي الأيام الأُوَل من الأَشْهرِ الرابعِ والخامِس والسابعِ والعاشِر من سنتهم تذكاراً لوقائع بيت المقدس وصوم يوم (بُورِيمْ) تذكاراً لنجاتهم من غصب ملك الأعاجم (أحشويروش) في واقعة (استيرَ)، وعندهم صوم التطوع، وفي الحديث: «حديث : أحب الصيام إلى الله صيامُ داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً»تفسير : ، أَما النصارى فليس في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتبعون صوم اليهود وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس: «قالوا يا رسول الله إن يوم عاشوراء تعظمه اليهود والنصارى»، ثم إن رهبانهم شرعوا صوم أربعين يوماً اقتداء بالمسيح؛ إذ صام أربعين يوماً قبل بعثته، ويُشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها، إلاّ أنهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات القوية والمشروبات، أو هو تناول طعام واحد في اليوم يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة. وقوله: {لعلكم تتقون} بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوة المفعول لأجله لكُتب. و(لَعَل) إما مستعارة لمعنى كي استعارة تبعية، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله؛ في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي من غيره فعلاً ما، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصْب فتركُه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية. وفي الحديث الصحيح « حديث : الصَّوْمُ جُنَّة » تفسير : أي وقاية ولما تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات. وقوله تعالى: {أياماً معدودات} ظرف للصيام مثل قولك الخروج يوم الجمعة، ولا يضر وقوع الفصل بين {الصيام} وبين {أياماً} وهو قوله: {كما كتب} إلى {تتقون} لأن الفصل لم يكن بأجنبي عند التحقيق، إذ الحال والمفعول لأجله المستفاد من (لعلَّ) كل ذلك من تمام عامل المفعول فيه وهو قوله صيام، ومن تمام العاملِ في ذلك العامل وهو {كُتب} فإن عامل العامل في الشيء عامل في ذلك الشيء ولجواز الفصل بالأجنبي إذا كان المعمول ظرفاً، لاتساعهم في الظروف وهذا مختار الزجاج والزمخشري والرضي، ومَرجع هذه المسألة إلى تجنب تشتيت الكلام باختلال نظامه المعروف، تجنباً للتعقيد المخل بالفصاحة. والغالبُ على أحوال الأمم في جاهليتها وبخاصة العرب هو الاستكثار من تناول اللذات من المآكل والخمور ولهو النساء والدعة، وكل ذلك يوفر القُوى الجسمانيةَ والدموية في الأجساد، فتقوى الطبائع الحيوانية التي في الإنسان من القوة الشهوية والقوة الغضبية. وتطغَيَان على القوة العاقلة، فجاءت الشرائع بشرع الصيام، لأنه يفي بتهذيب تلك القوى، إذ هو يمسك الإنسان عن الاستكثار من مثيرات إفراطها، فتكون نتيجتُه تعديلَها في أوقات معينة هي مظنة الاكتفاء بها إلى أوقات أخرَى. والصوم بمعنى إقلال تناول الطعام عن المقدار الذي يبلغ حد الشبع أو ترككِ بعض المأكل: أصل قديم من أصول التقوى لدى المليين ولدى الحكماء الإشراقيين، والحكمة الإشراقية مبناها على تزكية النفس بإزالة كدرات البهيمية عنها بقدر الإمكان، بناء على أن للإنسان قوتين: إحداهما رُوحانية مُنبثة في قرارتها من الحواس الباطنية، والأخرى حيوانية منبثة في قرارتها من الأعضاء الجسمانية كلها، وإذ كان الغذاء يخلف للجسد ما يضيعه من قوته الحيوانية إضاعةً تنشأ عن العمل الطبيعي للأعضاء الرئيسية وغيرها، فلا جرم كانت زيادة الغذاء على القدر المُحتاج إليه توفر للجسم من القوة الحيوانية فوق ما يحتاجه وكان نقصانه يقَتِّر عليه منها إلى أن يبلغ إلى المقدار الذي لا يمكن حفظ الحياة بدونه، وكان تغلب مظهر إحدى القوتين بمقدار تضاؤل مظهر القوة الأخرى، فلذلك وجدوا أن ضعف القوة الحيوانية يقلل معمولَها فتتغلب القوة الروحانية على الجسد ويتدرج به الأمر حتى يصير صاحب هذه الحال أقرب إلى الأرواح والمجردات منه إلى الحيوان، بحيث يصير لا حَظَّ له في الحيوانية إلاّ حياة الجسم الحافظة لبقاء الروح فيه، ولذلك لزم تعديل مقدار هذا التناقص بكيفية لا تفضي إلى اضمحلال الحياة، لأن ذلك يضيع المقصود من تزكية النفس وإعدادِها للعوالم الأخروية، فهذا التعادل والترجيح بين القوتين هو أصل مشروعية الصيام في الملل ووضعيته في حكمة الإشراق، وفي كيفيته تختلف الشرائع اختلافاً مناسباً للأحوال المختصة هي بها بحيث لا يفيت المقصد من الحياتين، ولا شك أن أفضل الكيفيات لتحصيل هذا الغرض من الصيام هو الكيفيَّة التي جاء بها الإسلام. قيل في «هياكل النور» «النفوس الناطقة من جوهر الملكوت إنما شغلها عن عالمها القُوى البدنيةُ ومشاغلتها، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحياناً إلى عالم القدس وتتصل بأبيها المقدس وتتلقّى منه المعارف»، فمِنَ الصوم ترك البراهمة أكل لحوم الحيوان والاقتصار على النبات أو الألبان، وكان حكماء اليونان يرتاضون على إقلال الطعام بالتدريج حتى يعتادوا تركه أياماً متوالية، واصطلحوا على أن التدريج في إقلال الطعام تدريجاً لا يخشى منه انخرام صحة البدن أن يَزِن الحكيم شبعهُ من الطعام بأعواد من شجر التين رطبة ثم لا يجددها فيَزن بها كل يوم طعامه لا يزيد على زِنّتها وهكذا يستمر حتى تبلغ من اليبس إلى حد لا يُبس بعده فتكون هي زنة طعام كل يوم. وفي «حكمة الإشراق» للسهروردي «وقبل الشروع في قراءة هذا الكتاب يرتاض أربعين يوماً تاركاً للحوم الحيوانات مقللاً للطعام منقطعاً إلى التأمل لنور الله اهــــ». وإذ قد كان من المتعذر على الهيكل البشري بما هو مُسْتَوْدَعُ حياةٍ حيوانية أن يتجرد عن حيوانيته، فمن المتعذر عليه الانقطاع البات عن إمداد حيوانيته بمطلوباتها فكان من اللاّزم لتطلب ارتقاء نفسه أن يتدرج به في الدرجات الممكنة من تهذيب حيوانيته وتخليصه من التوغل فيها بقدر الإمكان، لذلك كان الصوم أهم مقدمات هذا الغرض، لأن فيه خصلتين عظيمتين؛ هما الاقتصاد في إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها، وإذ قد كان البلوغ إلى الحد الأتم من ذلك متعذراً كما علمت، حاول أساطين الحكمة النفسانية الإِقلال منه، فمنهم من عالج الإقلال بنقص الكميات وهذا صوم الحكماء، ومنهم من حاوله من جانب نقص أوقات التمتع بها وهذا صوم الأَديان وهو أبلغ إلى القصد وأظْهر في ملكة الصبر، وبذلك يحصل للإِنسان دُربة على ترك شهواته، فيتأهل للتخلق بالكمال فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف التحمل للانصراف عن هواه وشهواته: شعر : إذَا المرء لم يَتْرُك طعاماً يُحِبُّه ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيث يمما فيُوشك أن تلقَى له الدهرَ سُبَّةً إذا ذُكِرتْ أمثالُها تَمْلأُ الفما تفسير : فإن قلت: إذا كان المقصد الشرعي من الصوم ارتياضَ النفس على ترك الشهوات وإثارةَ الشعور بما يلاقيه أهلُ الخصاصة من ألم الجوع، واستشعارَ المساواة بين أهل الجِدة والرفاهية وأهلِ الشظف في أصول الملذات بين الفريقين من الطعام والشراب واللهو، فلماذا اختلفت الأديان الإلٰهية في كيفية الصيام ولماذا التزمت الديانة الإسلامية في كيفيته صورة واحدة، ولم تَكِل ذلك إلى المسلم يتخذ لإِراضة نفسه ما يراه لائقاً به في تحصيل المقاصد المرادة؟. قلت: شأن التعليم الصالح أن يَضبط للمتعلم قواعدَ وأساليبَ تبلغ به إلى الثمرة المطلوبة من المعارف التي يزاولها فإن مُعَلم الرياضة البدنية يضبط للتعلم كيفيات من الحركات بأعضائه وتطور قامته انتصاباً وركوعاً وقرْفصاء، بعض ذلك يثمر قوة عضلاته وبعضها يثمر اعتدال الدورة الدموية وبعضها يثمر وظائف شرايينه، وهي كيفيات حددها أهل تلك المعرفة وأَدْنَوْا بها حصول الثمرة المطلوبة، ولو وُكل ذلك للطالبين لذهبت أوقات طويلة في التجارب وتعددت الكيفيات بتعدد أفهام الطالبين واختيارهم وهذا يدخل تحت قوله تعالى: { أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } تفسير : [البقرة: 185]. والمراد بالأيام من قوله: {أياماً معدودات} شهر رمضان عند جمهور المفسرين، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضاً؛ تهوينا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة؛ لأن الشيء القليل يعد عدا؛ ولذلك يقولون: الكثير لا يعد، ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر. قال أبو حيان عند قوله تعالى الآتي بعده: { أية : من أيام أخر } تفسير : [البقرة: 185] صفة الجمع الذي لا يعقل تارة تعامل معاملة الواحدة المؤنثة، نحو قوله تعالى: { أية : إلا أياماً معدودة } تفسير : [البقرة: 80] وتارة تعامل معاملة جمع المؤنث نحو: {أياماً معدودات} فمعدودات جمع لمعدودة، وأنت لا تقول يوم معدودة وكلا الاستعمالين فصيح، ويظهر أنه ترك فيه تحقيقاً وذلك أن الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثاً مفرداً، لأن الجمع قد أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب، غير أنهم إذا أرادوا التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة، ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى: { أية : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } تفسير : [البقرة: 80] لأنهم يقللونها غروراً أو تغريراً، وقال هنا {معدودات} لأنها ثلاثون يوماً، وقال في الآية الآتية: { أية : الحج أشهر معلومات } تفسير : [البقرة: 197] وهذا مثل قوله في جمع جمل { أية : جمالات } تفسير : [المرسلات: 33] على أحد التفسيرين وهو أكثر من جمال، وعن المازني أن الجمع لما لا يعقل يجيء الكثير منه بصيغة الواحدة المؤنثة تقول: الجذوع انكسرت والقليل منه يجيء بصيغة الجمع تقول: الأجذاع انكسرن اهــــ وهو غير ظاهر. وقيل المراد بالأيام غير رمضان بل هي أيام وجب صومها على المسلمين عندما فرض الصيام بقوله: {أياماً معدودات} ثم نسخ صومها بصوم رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وإليه ذهب معاذ وقتادة وعطاء ولم يثبت من الصوم المشروع للمسلمين قبل رمضان إلاّ صوم يوم عاشوراء كما في «الصحيح» وهو مفروض بالسنة، وإنما ذكر أن صوم عاشوراء والأيام البيض كان فرضاً على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت رواية، فلا يصح كونها المراد من الآية لا لفظاً ولا أثراً، على أنه قد نسخ ذلك كله بصوم رمضان كما دل عليه حديث حديث : السائل الذي قال:"لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق" تفسير : . تعقيب لحكم العزيمة بحكم الرخصة، فالفاء لتعقيب الأخبار لا للتفريع، وتقديمه هنا قبل ذكر بقية تقدير الصوم تعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال. والمريض من قام به المرض وهو انحراف المزاج عن حد الاعتدال الطبيعي بحيث تثور في الجسد حمى أو وجع أو فشل. وقد اختلف الفقهاء في تحديد المرض الموجب للفطر، فأما المرض الغالب الذي لا يستطيع المريض معه الصوم بحال بحيث يخشى الهلاك أو مقاربته فلا خلاف بينهم في أنه مبيح للفطر بل يوجب الفطر، وأما المرض الذي دون ذلك فقد اختلفوا في مقداره فذهب محققو الفقهاء إلى أنه المرض الذي تحصل به مع الصيام مشقة زائدة على مشقة الصوم للصحيح من الجوع والعطش المعتادين، بحيث يسبب له أوجاعاً أو ضعفاً منهكاً أو تعاوده به أمراض ساكنة أو يزيد في انحرافه إلى حد المرض أو يخاف تمادي المرض بسببه. وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي على تفاوت بينهم في التعبير، وأعدل العبارات ما نقل عن مالك؛ لأن الله أطلق المرض ولم يقيده، وقد علمنا أنه ما أباح للمريض الفطر إلاّ لأن لذلك المرض تأثيراً في الصائم، ويكشف ضابط ذلك قول القرافي في الفرق الرابع عشر إذ قال: «إن المشاق قسمان: قسم ضعيف لا تنفك عنه تلك العبادة كالوضوء والغسل في زمن البرد وكالصوم، وكالمخاطرة بالنفس في الجهاد، وقسم هو ما تنفك عنه العبادة وهذا أنواع: نوع لا تأثير له في العبادة كوجع أصبع، فإن الصوم لا يزيد وجع الأصبع وهذا لا التفات إليه، ونوع له تأثير شديد مع العبادة كالخوف على النفس والأعضاء والمنافع وهذا يوجب سقوط تلك العبادة، ونوع يقرب من هذا فيوجب ما يوجبه». وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرض وهو الوجع والاعتلال يسوغ الفطر ولو لم يكن الصوم مؤثراً فيه شدة أو زيادة؛ لأن الله تعالى جعل المرض سبب الفطر كما جعل السفر سبب الفطر من غير أن تدعو إلى الفطر ضرورة كما في السفر، يريدون أن العلة هي مظنة المشقة الزائدة غالباً، قيل دخل بعضهم على ابن سيرين في نهار رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال: إنه وجعتني أصبعي هذه فأفطرت، وعن البخاري قال: اعتللت بنيسابور علة خفيفة في رمضان فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله قلت: نعم أخبرنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان كما قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً} وقيل: إذا لم يقدر المريض على الصلاة قائماً أفطر، وإنما هذه حالة خاصة تصلح مثالاً ولا تكون شرطاً، وعزي إلى الحسن والنخعي ولا يخفى ضعفه؛ إذ أين القيام في الصلاة من الإفطار في الصيام، وفي هذا الخلاف مجال للنظر في تحديد مدى الانحراف والمرض المسوغين إفطار الصائم، فعلى الفقيه الإحاطة بكل ذلك ونقربه من المشقة الحاصلة للمسافر وللمرأة الحائض. وقوله: {أو على سفر} أي أو كان بحالة السفر وأصل (على) الدلالة على الاستعلاء ثم استعملت مجازاً في التمكن كما تقدم في قوله تعالى: { أية : على هدى من ربهم } تفسير : [البقرة: 5] ثم شاع في كلام العرب أن يقولوا فلان على سفر أي مسافر ليكون نصاً في التلبس، لأن اسم الفاعل يحتمل الاستقبال فلا يقولون على سفر للعازم عليه وأما قول... شعر : ماذَا على البدر المحجَّببِ لو سَفَر إِن المعذَّب في هواه على سفر تفسير : أراد أنه على وشك الممات فخطأ من أخطاء المولدين في العربية، فنبه الله تعالى بهذا اللفظ المستعمل في التلبس بالفعل، على أن المسافر لا يفطر حتى يأخذ في السير في السفر دون مجرد النية، والمسألة مختلف فيها فعن أنس بن مالك أنه أراد السفر في رمضان فرُحِّلتْ دابتُه وَلِبسَ ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه ثم رَكِب وقال: هذه السنة، رواه الدارقطني، وهو قول الحسن البصري، وقال جماعة: إذا أصبح مقيماً ثم سافر بعد ذلك فلا يفطر يومه ذلك وهو قول الزهري، ومالك والشافعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور، فإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة، وبالغ بعض المالكية فقال: عليه الكفارة وهو قول ابن كنانة والمخزومي، ومن العجب اختيار ابن العربي إياه، وقال أبو عمر بن عبد البر: ليس هذا بشيء لأن الله أباح له الفطر بنص الكتاب، ولقد أجاد أبو عمر، وقال أحمد وإسحاق والشَّعْبي: يفطر إذا سافر بعد الصبح ورووه عن ابن عمر وهو الصحيح الذي يشهد له حديث ابن عباس في «صحيحي البخاري ومسلم» « حديث : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عُسْفَانَ ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليُرِيَه فأَفْطَرَ حتى قدِم مكة » تفسير : ، قال القرطبي: وهذا نص في الباب فسقط ما يخالفه. وإنما قال تعالى: {فعدة من أيام أُخر} ولم يقل: فصيام أيام أخر، تنصيصاً على وجوب صوم أيام بعدد أيام الفطر في المرض والسفر؛ إذ العدد لا يكون إلاّ على مقدار مماثل. فمن للتبعيض إن اعتبر أيام أعم من أيام العدة أي من أيام الدهر أو السنة، أو تكون من تمييز عدة أي عدة هي أيام مثل قوله: { أية : بخمسة ءَالآلفٍ من الملائكة } تفسير : [آل عمران: 125]. ووصف الأيام بأُخر وهو جمع الأُخرى اعتباراً بتأنيث الجمع؛ إذ كل جمع مؤنث، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى آنفاً {أياماً معدودات} قال أبو حيَّان: واختير في الوصف صيغة الجمع دون أن يقال أخرى لئلا يظن أنه وصف لعدة، وفيه نظر؛ لأن هذا الظن لا يوقع في لَبس؛ لأن عدة الأيام هي أيام فلا يعتني بدفع مثل هذا الظن، فالظاهر أن العدول عن أخرى لمراعاة صيغة الجمع في الموصوف مع طلب خفة اللفظ. ولفظ (أخر) ممنوع من الصرف في كلام العرب. وعلل جمهور النحويين منعه من الصرف على أصولهم بأن فيه الوصفية والعدل، أما الوصفية ظاهرة وأما العدل فقالوا: لما كان جمع آخَر ومفرده بصيغة اسم التفضيل وكان غير معرَّف باللام كان حقه أن يلزم الإفرادَ والتذكير جريا على سَنن أصله وهو اسم التفضيل إذا جرد من التعريف باللام ومن الإضافة إلى المعرفة أَنه يَلزَمُ الإفرادَ والتذكير فلما نطقَ به العرب مطابقاً لموصوفه في التثنية والجمع علمنا أنهم عدلوا به عن أصله (والعدول عن الأصل يوجب الثقل على اللسان؛ لأنه غير معتاد الاستعمال) فخففوه لمنعه من الصرف وكأنهم لم يفعلوا ذلك في تثنيته وجمعه بالألف والنون لقلة وقوعهما، وفيه ما فيه. ولم تبين الآية صفة قضاء صوم رمضان، فأطلقت (عدة من أيام أخر)، فلم تبين أتكون متتابعة أم يجوز تفريقها؟ ولا وجوبَ المبادرة بها أو جوازَ تأخيرها، ولا وجوبَ الكفارة على الفطر متعمداً في بعض أيام القضاء، ويتجاذب النظر في هذه الثلاثة دليلُ التمسك بالإطلاق لعدم وجود ما يقيده كما يتمسك بالعام إذا لم يظهر المخصص، ودليل أن الأصل في قضاء العبادة أن يكون على صفة العبادة المقضية. فأما حكم تتابع أيام القضاء، فروى الدارقطني بسند صحيح قالت عائشة نزلت فعدة من أيام أُخر متتابعات متتابعات فسقطت متتابعات، تريد نسخت وهو قول الأئمة الأربعة وبه قال من الصحابة أبو هريرة، وأبو عبيدة، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وتلك رخصة من الله، ولأجل التنبيه عليها أطلق قوله: {من أيام أُخر} ولم يقيد بالتتابع كما قال في كفارة الظهار وفي كفارة قتل الخطأ. فلذلك ألغى الجمهور إعمال قاعدة جريان قضاء العبادة على صفة المقضي ولم يقيدوا مطلق آية قضاء الصوم بما قُيِّدَت به آية كفارة الظهار وكفارة قتل الخطأ. وفي «الموطأ» عن ابن عمر أنه يقول: يصوم قضاء رمضان متتابعاً من أفطره من مرض أو سفر، قال الباجي في «المنتقى»: يحتمل أن يريد به الوجوب وأن يريد الاستحباب. وأما المبادرة بالقضاء، فليس في الكتاب ولا في السنة ما يقتضيها، وقوله هنا: {فعدة من أيام أُخر} مراد به الأمر بالقضاء، وأصل الأمر لا يقتضي الفور، ومضت السنة على أن قضاء رمضان لا يجب فيه الفور بل هو موسَّع إلى شهر شعبان من السنة الموالية للشهر الذي أفطر فيه، وفي «الصحيح» عن عائشة قالت: يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان. وهذا واضح الدلالة على عدم وجوب الفور، وبذلك قال جمهور العلماء وشذ داود الظاهري فقال: يشرع في قضاء رمضان ثاني يوم من شوال المعاقب له. وأما من أفطر متعمداً في يوم من أيام قضاء رمضان فالجمهور على أنه لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة شرعت حفظاً لحرمة شهر رمضان وليس لأيام القضاء حرمة وقال قتادة: تجب عليه الكفارة بناء على أن قضاء العبادة يساوي أصله. عطف على قوله: {عليكم الصيام} والمعطوف بعض المعطوف عليه فهو في المعنى كبدل البعض أي وكتب على الذين يطيقونه فدية؛ فإن الذين يطيقونه بعض المخاطبين بقوله: {كتب عليكم الصيام}. والمطيق هو الذي أطاق الفعل أي كان في طوقه أن يفعله، والطاقة أقرب درجات القدرة إلى مرتبة العجز، ولذلك يقولون فيما فوق الطاقة: هذا ما لا يطاق، وفسرها الفراء بالجَهد بفتح الجيم وهو المشقة، وفي بعض روايات «صحيح البخاري» عن ابن عباس قرأ: (وعلى الذين يُطَوَّقونه فلا يطيقونه). وهي تفسير فيما أحسب، وقد صدر منه نظائر من هذه القراءة، وقيل الطاقة القدرة مطلقاً. فعلى تفسير الإطاقة بالجَهد فالآية مراد منها الرخصة على من تشتد به مشقة الصوم في الإفطار والفِدْية. وقد سمَّوا من هؤلاء الشيخَ الهرم والمرأةَ المرضعَ والحاملَ فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن كل يوم يفطرونه وهذا قول ابن عباس وأنس بن مالك والحسن البصري وإبراهيم النخعي وهو مذهب مالك والشافعي، ثم من استطاع منهم القضاء قضى ومن لم يستطعه لم يقض مثل الهرم، ووافق أبو حنيفة في الفطر؛ إلاّ أنّه لم ير الفدية إلاّ على الهرم لأنه لا يقضي بخلاف الحامل والمرضع، ومرجع الاختلاف إلى أن قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية} هل هي لأجل الفطر أم لأجل سقوط القضاء؟ والآية تحتملهما إلاّ أنها في الأول أظهر، ويؤيد ذلك فعل السلف، فقد كان أنس بن مالك حين هرم وبلغ عَشْراً بعد المائة يفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً. وعلى تفسير الطاقة بالقدرة فالآية تدل على أن الذي يقدر على الصوم له أن يعوضه بالإطعام، ولما كان هذا الحكم غير مستمر بالإجماع قالوا في حمل الآية عليه: إنها حينئذٍ تضمنت حكماً كان فيه توسعة ورخصة ثم انعقد الإجماع على نسخه، وذكر أهل الناسخ والمنسوخ أن ذلك فُرِض في أول الإسلام لما شق عليهم الصوم ثم نسخ بقوله تعالى: { أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه } تفسير : [البقرة: 185] ونقل ذلك عن ابن عباس وفي البخاري عن ابن عمر وسلَمةَ بن الأكْوَع نسختْها آية { أية : شهر رمضان } تفسير : [البقرة: 185] ثم أخرج عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نَزَل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً تركَ الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسَختها: {وأن تصوموا خير لكم}، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين وهو الأقرب من عادة الشارع في تدرج تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس من تغيير معتادهم كما تدرج في تشريع منع الخمر. ونلحق بالهرم والمرضع والحامل كلَّ من تلحقه مشقة أو توقُّع ضر مثلهم وذلك يختلف باختلاف الأمزجة واختلاف أزمان الصوم من اعتدال أو شدة برد أو حَر، وباختلاف أعمال الصائم التي يعملها لاكتسابه من الصنائع كالصائغ والحدَّاد والحمامي وخدمة الأرض وسير البريد وحَمْل الأمتعة وتعبيد الطرقات والظِّئْرِ. وقد فسرت الفدية بالإطعام إما بإضافة المبيَّن إلى بيانه كما قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو جعفر: (فديةُ طعام مساكين)، بإضافة فدية إلى طعام، وقرأه الباقون بتنوين (فدية) وإبدال (طعام) من (فدية). وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (مساكين) بصيغة الجمع جمع مسكين، وقرأه الباقون بصيغة المفرد، والإجماع على أن الواجب إطعام مسكين، فقراءة الجمع مبنية على اعتبار جَمْع الذين يطيقونه من مقابلة الجمع بالجمع مثل ركب الناس دوابهم، وقراءة الإفراد اعتبار بالواجب على آحاد المفطرين. والإطعام هو ما يشبع عادةً من الطعام المتغذى به في البلد، وقدره فقهاء المدينة مُدّاً بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - من بُرّ أو شعير أو تمر. تفريع على قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية} الخ، والتطوع: السعي في أن يكون طائعاً غير مكره أي طاع طوعاً من تلقاء نفسه. والخير مصدر خار إذا حَسُن وشَرُف وهو منصوب لتضمين {تطوَّعَ} معنى أَتى، أو يكون {خيراً} صفةً لمصدر محذوف أي تطوعاً خيراً. ولا شك أن الخير هنا متطوع به فهو الزيادة من الأمر الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن يكون المراد: فمن زاد على إطعام مسكينٍ واحد فهو خير، وهذا قول ابن عباس، أو أن يكون: مَن أراد الإطعام مع الصيام، قاله ابن شهاب، وعن مجاهد: مَن زاد في الإطعام على المُدّ وهو بعيد؛ إذ ليس المُدّ مصرحاً به في الآية، وقد أطعم أنس بن مالك خبزاً ولحماً عن كل يوم أفطره حين شاخ. وخير الثاني في قوله: {فهو خير له} يجوز أن يكون مصدراً كالأول ويكون المراد به خيراً آخر أي خير الآخرة. ويجوز أن يكون خير الثاني تفضيلاً أي فالتطوع بالزيادة أفضل من تركها وحذف المفضل عليه لظهوره. الظاهر رجوعه لقوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية} فإن كان قوله ذلك نازلاً في إباحة الفطر للقادر فقوله: {وأن تصوموا} ترغيب في الصوم وتأنيس به، وإن كان نازلاً في إباحته لصاحب المشقة كالهَرِم فكذلك، ويحتمل أن يرجع إلى قوله: {ومن كان مريضاً} وما بعده، فيكون تفضيلاً للصوم على الفطر إلاّ أن هذا في السفر مختلف فيه بين الأئمة، ومذهب مالك - رحمه الله - أن الصوم أفضل من الفطر وأما في المرض ففيه تفصيل بحسب شدة المرض. وقوله: {إن كنتم تعلمون} تذييل أي تَعْلَمون فوائدَ الصوم على رجوعه لقوله: {وعلى الذين يطيقونه} إن كان المراد بهم القادرين أي إن كنتم تعلمون فوائد الصوم دنيا وثوابَه أُخرى، أو إن كنتم تعلمون ثوابه على الاحتمالات الأخر. وجيء في الشرط بكلمة (إنْ) لأن علمهم بالأمرين من شأنه ألاّ يكون محققاً؛ لخفاء الفائدتين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}. قال بعض العلماء: هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء. وقال بعض العلماء: هي رمضان، وعلى هذا القول فقد بينها تعالى بقوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ} تفسير : [البقرة: 185] الآية.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} يعني صيام شهر رمضان {كما كتب} يعني: كما أُوجب {على الذين من قبلكم} أَيْ: أنتم مُتَعَبِّدون بالصَّيام كما تُعبِّد مَنْ قبلكم {لعلكم تتقون} لكي تتقوا الأكل والشُّرب والجماع في وقت وجوب الصَّوم. {أياماً معدودات} يعني: شهر رمضان {فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ} فأفطر {فعدَّةٌ} أَيْ: فعليه عدَّةٌ، أَيْ: صوم عدَّةٍ، يعني: بعدد ما أفطر {من أيام أُخر} سوى أيَّام مرضه وسفره {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} هذا كان في ابتداء الإسلام؛ مَنْ أطاق الصوم جاز له أن يُفطر، ويُطعم لكلِّ يومٍ مسكيناً مُدَّاً من طعام، فَنُسِخ بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} {فمن تطوع خيراً} زاد في الفدية على مُدٍّ واحدٍ {فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم} أيْ: والصَّوم خيرٌ لكم من الإِفطار والفدية، وهذا [إنَّما] كان قبل النَّسخ. {شهر رمضان} أَيْ: هي شهر رمضان. يعني: تلك الأيام المعدودات شهر رمضان {الذي أُنزل فيه القرآن} أُنزل جملةً واحدً من اللَّوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزَّة في سماء الدُّنيا، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً عشرين سنةً {هدىً للناس} هادياً للنَّاس {وبينات من الهدى} وآياتٍ واضحاتٍ من الحلال والحرام، والحدود والأحكام {والفرقان} الفرق بين الحقِّ والباطل {فمن شهد منكم الشهر} فمَنْ حضر منكم بلده في الشَّهر {فليصمه} {ومَنْ كان مريضاً أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيام أخر} أعاد هاهنا تخيير المريض والمسافر؛ لأنَّ الآية الأولى وردت في التَّخيير للمريض والمسافر والمقيم، وفي هذه الآية نُسخ تخيير المقيم، فأُعيد ذكر تخيير المريض والمسافر ليعلم أنَّه باقٍ على ما كان {يريد الله بكم اليسر} بالرُّخصة للمسافر والمريض {ولا يريد بكم العسر} لأنَّه لم يشدِّد ولم يُضيِّق عليكم {ولتكملوا} [عطف على محذوف] والمعنى: يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر لِيَسْهُلَ عليكم {ولتكملوا العدَّة} أَيْ: ولتكملوا عدَّة ما أفطرتم بالقضاء إذا أقمتم وبرأتم {ولتكبروا الله} يعني التَّكبير ليلة الفطر إذا رُئي هلال شوال {على ما هداكم} أرشدكم من شرائع الدِّين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 183- وكما شرع الله لكم القصاص والوصية لصلاح مجتمعكم، والحفاظ على أسركم، شرع الله كذلك فريضة الصيام تهذيباً لنفوسكم، وتقويماً لشهواتكم، وتفضيلا لكم على الحيوان الأعجم الذى ينقاد لغرائزه وشهواته، وكان فرض الصيام عليكم مثل ما فرض على من سبقكم من الأمم فلا يشق عليكم أمره. لأنه فرض على الناس جميعاً، وكان وجوب الصيام والقيام به، لتتربى فيكم روح التقوى، ويقوى وجدانكم، وتتهذب نفوسكم. 184- وفرض الله عليكم الصيام فى أيام معدودة قليلة لو شاء سبحانه لأطال مدته ولكنه لم يطلها، ولم يكلفكم فى الصوم ما لا تطيقون، فمن كان مريضاً مرضاً يضر معه الصوم، أو كان فى سفر، فله أن يفطر ويقضى الصوم بعد برئه من المرض أو رجوعه من السفر، أما غير المريض والمسافر ممن لا يستطيع الصوم إلا بمشقة لعذر دائم كشيخوخة ومرض لا يرجى برؤه فله الفطر حينئذٍ، وعليه أن يطعم مسكيناً لا يجد قوت يومه، ومن صام متطوعاً زيادة على الفرض فهو خير له، لأن الصيام خير دائماً لمن يعلم حقائق العبادات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كُتِبَ: فرض وأثبت. الصيام: لغة الإمساك والمراد به هنا الإمتناع عن الأكل والشرب وغشيان النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. أياماً معدودات: تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً بحسب شهر رمضان. فعدة من أيام أخر: فعلى من أفطر لعذر المرض أو السفر فعليه صيام أيام أخر بعدد الأيام التي أفطر فيها. يطيقونه: أي يتحملونه بمشقة لكبر سن أو مرض لا يرجى برؤه. فدية طعام مسكين: فالواجب على من أفطر لعذر مما ذكر أن يطعم على كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه. فمن تطوع خيراً: أي زاد على المدين أو أطعم أكثر من مسكين فهو خير له. وأن تصوموا خير لكم: الصيام على من يطيقه ولو بمشقة خير من الإفطار مع الطعام. معنى الآيتين: لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأصبحت دار إسلام أخذ التشريع ينزل ويتوالى ففي الآيات السابقة كان حكم القصاص والوصية ومراقبة الله في ذلك، وكان من أعظم ما يكون في المؤمن من ملكة التقوى الصيام فأنزل الله تعالى فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة فناداهم بعنوان الإيمان يا آيها الذين آمنوا وأعلمهم أنه كتب عليهم الصيام كما كتبه على الذين من قبلهم من الأمم السابقة فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ...} وعلل ذلك بقوله: لعلكم تتقون أي ليعدكم به للتقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لما في الصيام من مراقبة الله تعالى، وقوله: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} ذكره ليهوّن به عليهم كلفة الصوم ومشقته، إذ لم يجعله شهوراً ولا أعواماً. وزاد في التخفيف أن أذن للمريض والمسافر أن يفطر ويقضي بعد الصحة أو العودة من السفر فقال لهم: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} كما أن غير المريض والمسافر إذا كان يطيق الصيام بمشقة وكلفة شديدة له أن يفطر ويطعم على كل يومٍ مسكيناً وأعلمهم أن الصيام في هذه الحال خير. ثم نسخ هذا الحكم الأخير بقوله في الآية الآتية: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقوله: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يريد: تعلمون فوائد الصوم الدنيوية والأخروية وهي كثيرة أجلها مغفرة الذنوب وذهاب الأمراض. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فرضية الصيام وهو شهر رمضان. 2- الصيام يربي ملكة التقوى في المؤمن. 3- الصيام يكفِّرُ الذنوب لحديث: "حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : 4 - رخصة الإفطار للمريض والمسافر. 5- المرأة الحامل أو المرضع دل قوله وعلى الذين يطيقونه أنه يجوز لهما الإِفطار مع القضاء وكذا الشيخ الكبير فإنه يفطر ولا يقضي والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كذلك. إلا أن عليهما أن يطعما عن كل يوم مسكيناً بإعطائه حفنتي طعام كما أن المرأة الحامل والمرضع إذا خافت على حملها أو طفلها أو على نفسها أن عليها أن تطعم مع كل صوم تصومه قضاء مسكيناً. 6- في الصيام فوائد دينية واجتماعية عظيمة أُشير إليها بلفظ إن كنتم تعلمون. من هذه الفوائد: 1- يعود الصائم الخشية من الله تعالى في السر والعلن. 2- كسر حدة الشهوة ولذا أرشد العازب إلى الصوم. 3- يربي الشفقة والرحمة في النفس. 4- فيه المساواة بين الأغنياء والفقراء والأَشراف والأوضاع. 5- تعويد الأمة النظام والوحدة والوئام. 6- يذهب المواد المترسبة في البدن وبذلك تتحسن صحة الصائم.

القطان

تفسير : الصيام: الامساك عن الطعام والشراب والنشاط الجنسي من طلوع الفجر الى غروب الشمس ايماناً واحتساباً لله تعالى. والصيام عبادة قديمة جاءت بها الاديان السابقة، سماوية وغيرها. فقد كان قدماء المصريين يصومون، ومثلهم اليونان والرومان. وكان صيام في الديانة اليهودية، وورد في الأناجيل. ولا يزال الوثنيون من الهنود يصومون. ولذلك قال تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ...} ومعناه فُرض عليكم الصيام كما فرض على أهل المِلل قبلكم، وذلك كيما يعدّكم الله للتقوى بترك الشهوات المباحة. بذلك تتربّى عندكم العزيمة والارادة على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة. فالصوم من اجلّ العبادات التي تهذب النفوس، وتعوّدها ضبط النفس، وخشية الله في السر والعلن، لأن الصائم لا رقيب عليه سوى ضميره. هذا كما يتعود الانسان الشفقة والرحمة الداعيتين الى البذل والصدقة. أما الفوائد الصحية فإنها كثيرة جدا، منها ان الصوم المعتدل يذهِب السمنة ـ وهي من أشد الأخطار على الصحة في العصر الحاضر ـ ويطهر الأمعاء من السموم، وفوائد أخرى جليلة تُطلب في الكتب الطبية. {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ..} اي أياماً معيَّنة، وهي رمضان. فمن كان مريضاً أو مسافرا فان الله تعالى أباح له الافطار، ثم يقضي صيام ما أفطر في وقت آخر. وعلى الذين يطيقون الصيام، لكن بشدة ـ افتداء إفطارهم باطعام مسكين. وذلك مثل الشيوخ الضعفاء والمرضى الذين لا يرجى برء امراضهم، والعمال الذين معاشهم الدائم بالعمل الشاق، والحبلى والمرضع اذا خافتا على ولديهما. فكل هؤلاء يفطرون، ويطعمون مسكينا عن كل يوم، ومن أوسط ما يطعمون أهليهم، بقدر كفايته، أكلة واحدة مشبعة. وخلاصة ما تقدم ان المسلمين امام الصوم أقسام ثلاثة: 1) المقيم الصحيح القادر على الصيام بلا ضرر ولا مشقة، فالصوم عليه واجب، واذا أفطر أخلّ بأحد أركان الاسلام. 2) المريض والمسافر، ويباح لهما الافطار مع وجوب القضاء، ولو كان السفر في البحر أو البر أو الطائرة. والمرض غير محدّد بل هو متروك للشخص يقدره. فقد روى طريف بن تمام العطاردي قال: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل، فلما فرغ قال: وجعتْ اصبعي هذه. ومحمد بن سيرين من كبار العلماء المشهورين. وقال البخاري: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، في رمضان، فعادني اسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: افطرت يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم. فقال: خشيت ان تضعُف عن قبول الرخصة. وكما رخّص الله تعالى في المرض رخص في السفر. روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: "حديث : خرج رسول الله في سفر في رمضان والناس مختلفون فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فشرب نهاراً ليراه الناس ". تفسير : وعن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلتْ راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سُنّة؟ فقال: سنة، ثم ركب. رواه الترمذي. وهذا من تمام نعمة الله على عباده وسيره بهم في طريق اليسر والسهولة، فلا ينبغي لمؤمن ان يضيق صدره برخَص الله، فان الله يحب ان تؤتى رخصه، انه بعباده رؤوف رحيم. 3) الشيخ الكبير ومن يماثله ممن يشق عليهم الصوم لسبب من الأسباب التي لا يرجى زوالها. وهؤلاء أباح الله لهم ان يفطروا، وكلّفهم بالاطعام بدلاً عن الصوم. ومن تطوع فزاد في الفدية فذلك من عنده وهو خير له. وفي حكم ما ذكرنا من الشيخوخة والمرض ما يزاوله بعض العمال والصناع من أعمال تكاد تكون مستمرة طوال العام، ويشق عليهم الصوم معها مشقة عظيمة. فاذا تعينت هذه الأعمال سبيلاً لعيشهم بأن لم يجدوا سواها، أو لم يحسنوا غيرها ـ فلهم ان يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينا. {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...}. {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ...}. ثم بين الله تعالى الايام المعدودات بأنها أيام شهر رمضان الجليل القدر عنده، والذي أُنزل فيه القرآن ليهدي جميع الناس الى الرشد ببياناته الواضحة الموصلة الى الخير. فمن أدرك هذا الشهر سليماً معافى مقيماً غير مسافر ـ فيجب عليه صومه. ومن كان مريضاً أو مسافرا فله ان يفطر. وقد بين لكم الله شهر الصوم لتكملوا عدة الأيام التي تصومونها، ولتكبّروا الله على ما هداكم اليه من الأحكام التي فيها سعادتكم في الدنيا والآخرة، ولعلكم تشكرون له نعمة كلها. القراءات: قرأ عاصم برواية أبي بكر "ولتكمّلوا العدة" بالتشديد. وقرأ ابن عامر برواية ذكوان ونافع "فدية طعام مسكين" باضافة فدية الى طعام ومساكين بالجمع. وقرأ عامر برواية هشام "فدية طعام مساكين..." بدون اضافة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (183) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالصَّومِ تَهْذِيباً لِنُفُوسِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَوْجَبَ الصَّومَ عَلَى الأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ يُوجِبُهُ عَلَى المُسلِمِينَ، وَقَدْ فَرَضَ اللهُ الصَّوْمَ عَلَى المُؤْمِنينَ لِيُعِدَّهُمْ لِتَقْوَى اللهِ، بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ المُبَاحَةِ المَيْسُورَةِ امتِثالاً لأَِمْرِهِ، وَاحتِسَاباً لِلأَجْرِ عِنْدَهُ، فَتُرَبَّى بِذلِكَ العَزِيمَةُ وَالإِرَادَةُ عَلَى ضَبْطِ النَّفْسِ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فارع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تُنهى عنه. وقال جعفر الصّادق (رضي الله عنه): لذة "يا" في النداء أزال تعب العبادة والعناء. {كُتِبَ} فرض واجب. {عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} وهو مصدر قولك: صمتُ صياماً، كما تقول: قمت قياماً، وأصل الصوم والصيّام في اللغة: الأمساك، يُقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة: شعر : خيلٌ صيام وخيلٌ غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما تفسير : فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة؛ لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس: شعر : فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ذمول إذا صام النّهار وهجراً تفسير : وقال الرّاجز: شعر : حتّى إذا صام النّهار واعتدل وسال للشمس لعاب فنزل تفسير : ويُقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام. قال الله تعالى: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} تفسير : [مريم: 26]: أي صمتاً. فالصوم: هو الأمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع. {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من الأنبياء والأمم وأولهم آدم عليه السلام، وهو ماروى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال: حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فرّد عليّ النبّي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: «يا علي هذا جبرئيل يُقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لِمَ؟ قال: أُدّن منّي، فدنوت منه فقال: ياعلي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يُكتب لك بأول يوم عشرة الآف (سنة) وباليوم الثاني ثلاثين ألف (سنة) وباليوم الثالث مائة ألف (سنة). فقلت: يارسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يُعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يارسول الله وماهي؟ قال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر». قال عنترة: قلت لعلي (رضي الله عنه): لأي شيء سُميت هذه الأيام البيض؟ قال: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسوّد جسده ثمَّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك ؟ قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم عليه السلام أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمَّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمَّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه تفسير : فسُميت أيام البيض. قال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام. وقال الحسن وجماعة من العلماء: اراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لا تفاقهم بالوقت والقدر؛ وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم؛ لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمَّ إنّ ملكاً لهم إشتكى فمرض فجعل الله عليه إن هو بورأ من وجعه أن يزيد في صومه إسبوعاً فبرأ فزاد فيه إسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوماً فأتمّوه خمسين يوماً، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشراً قبل وعشراً بعد. روى أبو أُمية الطّنافسي عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوماً فذلك قوله عزّ وجلّ: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع. {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} يعني شهر رمضان ثلاثين يوماً أوتسعة وعشرون يوماً لما روى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبّي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : إنّا أُمّة أُميّة لاتحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» تفسير : وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين. ونصب أيّاماً على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير. وقيل: على خبر مالم يسمّ فاعله، وقيل: باضمار فعل أي صوموا أيّاماً معدودات. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} أي فافطر فعدّة كقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ}: أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: {فَعِدَّةٌ} أي فعليه عدّة ولذلك رفع. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فعدة نصباً أي فليصم عدّةً. {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأُخر في موضع خفض ولكنّها لاتنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأُخريات فلمّا عُدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر. {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطيقونه بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الواو وتشديده أي يلفونه ويحملونه. وروى عن مجاهد وعكرمة: أيضاً يطّوّقونه بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يطيقونه بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد. {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قرأ أهل المدينة والشّام: فدية طعام مضافاً مساكين جمعاً أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحداً لاختلاف اللفظين كقوله {أية : وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} تفسير : [ق: 9] وقولهم: المسجد الجامع وربيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين. وقرأ الباقون: فدية منصوبةً، طعام رفعاً، مسكين خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس. [روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طعام مسكين، على الواحد، فمن وحدّ فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطّوع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تطوع بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها: فقالو قوم: كان ذلك أول مافُرض الصّوم؛ وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر اصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوماً لم يتعودّوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والأطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمَّ نسخ الله تعالى ذلك بقوله {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ونزلت العزيمة في ايجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويُطعما لكل يوم مسكيناً، ثمَّ نسخ ذلك بقوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وثبت الرخصة للذين لايطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نُسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين. وقال قوم: لم تُنسخ هذه الآية ولاشيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمَّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين؛ لأنّ للقوم كان رُخص لهم في الأفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ماذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يطيقونه: من الأطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرأوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يُرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم افطروا مسكيناً. قالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلاً منه، يُقال: فديتُ فدية كما يُقال: مشيتُ مشية. فمن تطوّع خيراً: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعداً. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي. وقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الأطعام يُزاد الطّعام رواه ابن جُريج وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصيّام والطعّام فهو خير له. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ} (إن) صلة تعني والصوم {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الأفطار والفدية {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. فصل في حكم الآية إعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في أفطار شهر رمضان إلاّ لأربعة: أحدهم: عليه القضاء والكفارة. والثاني: عليه القضاء دون الكفارة. والثالث: عليه الكفّارة دون القضاء. والرابع: لاقضاء عليه ولا كفارة. وأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما افطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي. وقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس. وقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي. وأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة. قال أنس: حديث : أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغذّى فقال: «أجلس» فقلت: إنّي صائم. فقال: «أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة ». تفسير : وأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لايرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء. وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلاّ فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا. وقال مالك: لا أرى ذلك واجباً عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لاقضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون. واختلف العلماء في حدّ الأطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق. وقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمراً أو زبيب أو سائر الحبوب. وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي افطره. وقال محمّد بن الحنفية (رضي الله عنه): يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الأدامة. وقال ابن عبّاس: يعطي مسكيناً واحداً عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره. وقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكيناً واحداً مدّاً وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ} قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان. الاخفش: هو شهر رمضان. الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره. وقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهر رمضان نصباً على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج. وقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان. أبو عبيدة: نصب على الأغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغماً شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جَنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلباً للخفّة وسمّي الشهر شهراً لشهرته. وقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا اسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله وروى جعفر الصادق عن آبائه (رضي الله عنهم) عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : شهر رمضان شهر الله ». تفسير : ويدلّ عليه أيضاً ما روى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شهر رمضان ». تفسير : وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير. وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة. وقيل: سمّي بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق. وقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس. وقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلاً وتطهّر قلوبهم تطهيراً. {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} وقوله {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] وقوله: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشهور. قال الله {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الإسراء: 106] الآية {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} تفسير : [الفرقان: 32]. فقال: أُنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدٌّنيا، ثمَّ نزل به جبرئيل عليه السلام على محمّد صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً عشرين سنة، فذلك قوله {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} تفسير : [الواقعة: 75]. داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّداً صلى الله عليه وسلم في رمضان ما نزّل الله، فيحكم مايشاء ويُثبت مايشاء ويُنسيه مايشاء. شهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: أنُزلت صُحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأُنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأُنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأُنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمَّ وصف القرآن فقال: {هُدًى لِّلنَّاسِ} من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة. {وَبَيِّنَاتٍ} من الحلال والحرام والحدود والاحكام. {مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} الفصل بين الحقّ والباطل. سعيد بن المسيّب عن سلمان قال:" حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: يا أيّها النّاس قد أظلكّم شهرُ عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعاً، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهرٌ أولّه رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النّار، من فطّر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يارسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائماً على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء،ومن أشبع فيه صائماً سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن اعتق رقبة، ومن خففّ عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلاّ الله وتستغفرونه، وأمّا التي لاغنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار ". تفسير : وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلاّ كتب الله عزّ وجلّ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتاً في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون الف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها ". تفسير : محمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبيّك وسعديك فيقول: جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لاتغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكاً خازن النّار: أن يامالك، فيقول: لبيّك ربي وسعديك فيقول: إغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لاتفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبيّك ربي وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لايفسدوا عليهم صيامهم وأفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الأفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيداً وأماءاً، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفهُ تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدرّر والجوهر ينادي: هل تائب يُتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يُعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشَك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ ". تفسير : إبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أذن الله للسّموات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة ". تفسير : عبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف ". تفسير : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أُفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} تفسير : [قريش: 3] والواو كقوله {أية : وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ} تفسير : [الحج: 29] وثمّ كقوله {أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} تفسير : [الحج: 29]. واختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها: فقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلاً بالغاً مقيماً صحيحاً مكلّفاً فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه. حتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي. وقال قتادة: إنّ عليّاً (رضي الله عنه) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم. وقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا شهدت أوّله فصم آخره إلاّ تراه يقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قالوا: والمستحب له ألاّ يسافر إذا أدركه رمضان مقيماً إن أدركه حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت: وأين تريد؟ قال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ماشهد منه وكان حاضراً وإن سافر فله الافطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ماروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائماً في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب. وعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر. ثمّ ذكر فقال: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً} اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الافطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضاً. وقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوماً في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت أصبعي هذه. وقال آخرون: فكل مرض كان الإغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي. وقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائماً أفطر، والاصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} اختلف العلماء في صيام المسافر فقال قوم: الافطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو وأبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك، واعتّلوا بما روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليس من البّر الصيام في السفر ". تفسير : الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر. وقال آخرون: الافطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه أُدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولاقضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ماروى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النبّي صلى الله عليه وسلم في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض. وروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال: "حديث : يارسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: إن شئت فصم وإن شئت فافطر ". تفسير : وعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال:" حديث : يارسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: هي رخصة من الله عزّ وجلّ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه ". تفسير : وامّا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس من البرّ الصّيام في السّفر"تفسير : . فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ماروى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: "حديث : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: "مابال صاحبكم هذا؟" قالوا: يارسول الله صام، قال: «إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها"تفسير : ، وكذلك تأويل قوله عليه السلام: «حديث : الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر ». تفسير : يدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار. والجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ماروى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت اصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللّهمّ اغفر إذا كان يسراً فصوموا وإذا كان عُسرا فافطروا. ثمَّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد. ويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاماً له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال: نزلت ونحن يومئذ نرحل جياعاً وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل. وقال آخرون: المستحب الأفطار لما روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال:" حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: «أولئك العصاة ". تفسير : عاصم الأحول عن (بريد) العجلي عن أنس بن مالك قال:" حديث : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالاً فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر ". تفسير : وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟ قال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الافطار ستّة عشر فرسخاً فصاعداً. {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر. {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: العسر واليسر مثقّلين في جميع القرآن. وقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيدّتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام. {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم. وقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة: 3] والواو في قوله {وَلِتُكْمِلُواْ} واو النسق واللاّم لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة. وقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ولتكمّلوا العدّة. وقال عطاء: ولتكملوا عدّة أيام الشهر. وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ماأفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها. {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} ولتعظموا الله. {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخففّاً عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل. وقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر. قال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه (.......) لنحرها. قال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا راى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطرّيق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبرّ إلاّ بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثاً نسقاً. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على نعمه. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية: اختلف المفسرّون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله. وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك"تفسير : ؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت فقال ربكم: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60]. فقالوا: يارسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتّى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية. قال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ صلى الله عليه وسلم: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وإذا سألك يا محمّد عبادي عنّي فإنّي قريب. وقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم. وقال أهل الأشارة: رفع الواسطة إظهاراً للقدرة. {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ} فليجيبوا {لِي} بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد. وقال كعب بن سعد الغنوي: شعر : وداع دعا يا مَنْ يجيب إلى النّدى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء مايسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت. وقال زهير شعر : وغيث من الأسمي حقّ قلاعه أجابت رواسيه النّجا (هواطله) تفسير : يريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك. والاجابة من الله تعالى الاعطاء ومن العبد الطّاعة. {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} لكي يهتدوا فان قيل ماوجه قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} وقوله {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60]. وقد يدعي كثيراً فلا يستجيب، قلنّا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما. فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني. وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاماً، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأُجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل مُحالاً، وأُجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الأجابة له خيراً، يدلّ عليه ماروى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مامن مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثمّ إلاّ أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها قالوا: يارسول الله إذا يكثر قال: الله أكثر ". تفسير : وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: اجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لانّه إذا نسخ صار المخبر كذّاباً وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ماروى نافع عن ابن عمر عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود صلى الله عليه وسلم قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أُجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم ". تفسير : وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلاّ إنّه يؤخرّ أعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ماروى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ العبد ليدعو الله وهو يُحبه فيقول ياجبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وآخرّها فإنّي أُحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل إقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته. وبلغنا (عن يحيى ذبيح الله) أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يارب كم ادعوك فلا تستجيبُ لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك ". تفسير : قال بعضهم: إنّ للدعاء آداباً وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها (فهو من أهل...) في الدّعاء. وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. وقوله {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ} الآية: قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل. ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) واقع أهله بعدما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا إغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله: إنّي أعتذر إلى الله واليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النبّي صلى الله عليه وسلم ما كنت جديراً بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه {أُحِلَّ لَكُمْ} أي أطلق وأبيح لكم {لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} في ليلة الصيام {ٱلرَّفَثُ}. قرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: {إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والافضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع. قال الشّاعر: شعر : فظلنا هنالك في نعمّ وكل اللذاذة غير الرّفث تفسير : قال القتيبي: الرّفث هو الافصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج: شعر : ورب اسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم. تفسير : وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء. قال الشاعر: شعر : ويزين من أنس الحديث راويا وهنّ من رفث الرجال نفارُ تفسير : {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً} تفسير : [النبأ: 10] اي سكناً دليله قوله {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [الأعراف: 189] ليسكن اليها. وقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباساً لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه. قال نابغة بني جعدة: شعر : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنّت وكانت لباساً تفسير : فكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صّحة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ. وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما ستراً لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وستراً أيضاً فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} قال: للمواقعة. وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب: شعر : الا أبلغ أبا حفص رسولاً فذىً لك من اخي ثقة ازاري تفسير : قال أبو عبيدة: أي نسائي. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} فتجاوز عنكم. {وَعَفَا عَنْكُمْ} محا ذنوبكم. {فَٱلآنَ} وجه حكم زمانين ماض وآت. {بَاشِرُوهُنَّ} جامعوهنّ حلالاً سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه. {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال: يبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. {مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ. وقال أكثر المفسرين: يعني الولد. قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه. قال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجّماع. قتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم. وقال معاذ بن جبل: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ} وهو أمر اباحة وندب كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تناكحوا تكثروا فانّي أُباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط ". تفسير : وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ماروى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ إمرأة كانت يُقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: "حديث : يا أُم المؤمنين زوجي فلان أتزّين له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زُفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله عزّ وجلّ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت: أجلسي حتّى يدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النبّي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟ فقالت عائشة: لا والله يارسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: أذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يارسول الله، فمالي من الأجر؟ قال: "مامن امرأة رفعت في بيت زوجها شيئاً ووضعته مكاناً تريد الإصلاح إلاّ كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلاّ لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من إمرأة يأتيها الطلق إلاّ لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقى". قالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيراً كثيراً فما بالكم يامعشر الرّجال، فضحك النبّي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: مامن رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلاّ كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيراً من الدٌّنيا ومافيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلاّ يُمحى عنه سيئة، ويُعطي له (......) يُعطى بغسله خيرٌ من الدٌّنيا ومافيها، وإنّ الله عزّ وجلّ يُباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أُشهدكم بأني غفرت له ". تفسير : {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} إلى {ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ}. نزلت في رجل من الأنصار، واختلف في إسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة. عكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه. مقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار؛" حديث : وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاءاً سُخناً، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرُم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعياً وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائماً مجهوداً، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله قال: "يا أبا قيس مالك أمسيت طليقاً؟" قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت إمرأتي أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت عليَّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليَّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم" تفسير : فأنزل الله تعالى {وَكُلُواْ} يعني في ليالي الصّوم واشربوا فيها {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته، كذا قال المفسرون. قال الشاعر: شعر : الخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع والخيط الأسود لون الليل مكموع تفسير : وإنّما سمّي بذلك تشبيهاً بالخيط؛ لأبتداء الضوء والظلمة لامتدادهما. وقال ابو داود: شعر : فلمّا اضاءت لنا غدوة ولاح من الصبح خيط أنارا تفسير : وقد ورد النّص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية. وروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال: "حديث : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وصم ثلاثين يوماً إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بدت نواجذه وقال: يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل ". تفسير : وروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم يقول: من الفجر. كان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيط والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار. والفجر إنشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجراً إذا إنبعث وجرى شبهّه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلاً كذّذ السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب. والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية. عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق"تفسير : . ثمّ ذكر وقت الافطار فقال {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}. قال عبد الله بن أبي أوفى: "حديث : كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهاراً فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم ". تفسير : وفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل. {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ}، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة. فقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله عزّ وجلّ {أية : فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} تفسير : [الأعراف: 138] أيّ يقيمون. قال الفرزدق يصف القدور: شعر : يرى حولهن معتفين كأنهم على صنم في الجالية عكف تفسير : وقال الطرماح: شعر : فبات بنات الليل حولي عكّفا عكوف البواكي بينهن صريع تفسير : وقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى. واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها. فقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع. وقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلاً ونهاراً حتّى يفرغوا من اعتكافهم. وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع؛ من اللمس والقُبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للأعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده. قال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقُبلة في المسجد والمسّة؟ قال: أما الذي حُرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد. والضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما جاء في الخبر عن عائشة رضي الله عنها، حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف . تفسير : فرقد السجني عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف: "حديث : هو معتكف الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها ". تفسير : عن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من اعتكف عشراً في رمضان كان بحجتين وعمرتين ". تفسير : {تِلْكَ} الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف {حُدُودُ ٱللَّهِ}. قال السّدي: شروط الله. شهر بن حوشب: فرائض الله. الضحاك: معصية الله. المفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء. وقال الخليل: الحد الجامع المانع. قال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها. قلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد. قال الأعشى: شعر : فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها تفسير : يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. قال النابغة: شعر : إلاّ سليمان إذ قال المليك له قُم في البرية فاحددّها عن الفند تفسير : ،ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديداً لانه يمتنع من الأحداء، ويقال إحدّمت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدود الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها. {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه. {كَذٰلِكَ} هكذا {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه يبدأ هذه الآية الكريمة بترقيق الحكم الصادر بالتكليف القادم وهو الصيام فكأنه يقول: "يا من آمنتم بي وأحببتموني لقد كتبت عليكم الصيام". وعندما يأتي الحكم ممن آمنت به فأنت تثق أنه يخصك بتكليف تأتي منه فائدة لك. واضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - هب أنك تُخاطب ابنك في أمر فيه مشقة، لكن نتائجه مفيدة، فأنت لا تقول له: "يا ابني افعل كذا" لكنك تقول له: "يا بُنَيَّ افعل كذا" وكأنك تقول له: "يا صغيري لا تأخذ العمل الذي أكلفك به بما فيه من مشقة بمقاييس عقلك غير الناضج، ولكن خذ هذا التكليف بمقاييس عقل وتجربة والدك". والمؤمنون يأخذون خطاب الحق لهم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمقياس المحبة لكل ما يأتي منه سبحانه من تكليف حتى وإن كان فيه مشقة، والمؤمنون بقبولهم للإيمان إنما يكونون مع الحق في التعاقد الإيماني، وهو سبحانه لم يكتب الصيام على من لا يؤمن به؛ لأنه لا يدخل في دائرة التعاقد الإيماني وسيلقى سعيراً. والصيام هو لون من الإمساك؛ لأن معنى "صام" هو "أمسك" والحق يقول: {أية : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}تفسير : [مريم: 26]. وهذا إمساك عن الكلام. إذن فالصوم معناه الإمساك، لكن الصوم التشريعي يعني الصوم عن شهوتي البطن والفرج من الفجر وحتى الغروب. ومبدأ الصوم لا يختلف من زمن إلى آخر، فقد كان الصيام الركن التعبدي موجوداً في الديانات السابقة على الإسلام، لكنه كان إما إمساكاً مطلقاً عن الطعام. وإما إمساكاً عن ألوان معينة من الطعام كصيام النصارى، فالصيام إذن هو منهج لتربية الإنسان في الأديان، وإن اختلفت الأيام عدداً، وإن اختلفت كيفية الصوم ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. ونعرف أن معنى التقوى هو أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية، وأن نتقي بطش الله، ونتقي النار وهي من آثار صفات الجلال. وقوله الحق: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] أي أن نهذب ونشذب سلوكنا فنبتعد عن المعاصي، والمعاصي في النفس إنما تنشأ من شره ماديتها إلى أمر ما. والصيام كما نعلم يضعف شِرَّةَ المادية وحدتها وتسلطها في الجسد، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم للشباب المراهق وغيره: "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". تفسير : وكأن الصوم يشذب شِرَّةَ المادية في الجسم الشاب. وإن تقليل الطعام يعني تقليل وقود المادة، فيقل السعار الذي يدفع الإنسان لارتكاب المعاصي. والصيام في رمضان يعطي الإنسان الاستقامة لمدة شهر، ويلحظ الإنسان حلاوة الاستقامة فيستمر بها بعد رمضان. والحق لا يطلب منك الاستقامة في رمضان فقط، إنما هو سبحانه قد اصطفى رمضان كزمن تتدرب فيه على الاستقامة لتشيع من بعد ذلك في كل حياتك؛ لأن اصطفاء الله لزمان أو اصطفاء الله لمكان أو لإنسان ليس لتدليل الزمان، ولا لتدليل المكان، ولا لتدليل الإنسان، وإنما يريد الله من اصطفائه لرسول أن يشيع أثر اصطفاء الرسول في كل الناس. ولذلك نجد تاريخ الرسل مليئاً بالمشقة والتعب، وهذا دليل على أن مشقة الرسالة يتحملها الرسول وتعبها يقع عليه هو. فالله لم يصطفه ليدللـه، وإنما اصطفاه ليجعله أسوة. وكذلك يصطفي الله من الزمان أياماً لا ليدللها على بقية الأزمنة، ولكن لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يشيع اصطفاء هذا الزمان في كل الأزمنة، كاصطفائه لأيام رمضان، والحق سبحانه وتعالى يصطفي الأمكنة ليشيع اصطفاؤها في كل الأمكنة. وعندما نسمع من يقول: "زرت مكة والمدينة وذقت حلاوة الشفافية والإشراق والتنوير، ونسيت كل شيء". إن من يقول ذلك يظن أنه يمدح المكان، وينسى أن المكان يفرح عندما يشيع اصطفاؤه في بقية الأمكنة؛ فأنت إذا ذهبت إلى مكة لتزور البيت الحرام، وإذا ذهبت إلى المدينة لتزور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا تتذكر في كل الأمكنة أن الله موجود في كل الوجود، وأن قيامك بأركان الإسلام وسلوك الإسلام هو تقرب من الله ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحيح أن تعبدك وأنت في جوار بيت الله، يتميز بالدقة وحسن النية. كأنك وأنت في جوار بيت الله وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تستحي أن تفعل معصية. وساعة تسمع "الله أكبر" تنهض للصلاة وتخشع، ولا تؤذي أحداً، إذن لماذا لا يشيع هذا السلوك منك في كل وقت وفي كل مكان؟ إنك تستطيع أن تستحضر النية التعبدية في أي مكان، وستجد الصفاء النفسي العالي. إذن فحين يصطفي الله زماناً أو مكاناً أو يصطفي إنساناً إنما يشاء الحق سبحانه وتعالى أن يشيع اصطفاء الإنسان في كل الناس، واصطفاء المكان في كل الأمكنة واصطفاء الزمان في كل الأزمنة، ولذلك أتعجب عندما أجد الناس تستقبل رمضان بالتسبيح وبآيات القرآن وبعد أن ينتهي رمضان ينسون ذلك. وأقول هل جاء رمضان ليحرس لنا الدين أم أن رمضان يجيء ليدربنا على أن نعيش بخلق الصفاء في كل الأزمنة؟ وقوله الحق: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] يدلنا على أن المسلمين ليسوا بدعاً في مسألة الصوم، بل سبقهم أناس من قبل إلى الصيام وإن اختلفت شكلية الصوم. وساعة يقول الحق: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} [البقرة: 183] فهذا تقرير للمبدأ، مبدأ الصوم، ويُفَصّلُ الحق سبحانه المبدأ من بعد ذلك فيقول: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: ذكر تعالى في الآيات السابقة حكم القصاص ثم عقبه بحكم الوصية للوالدين والأقربين، ثم بأحكام الصيام على وجه التفصيل لأن هذا الجزء من السورة الكريمة يتناول جانب الأحكام التشريعية ولما كان الصوم من أهم الأركان ذكره الله تعالى هنا ليهيء عباده إِلى منازل القدس ومعارج المتقين الأبرار. اللغَة: {ٱلصِّيَامَ} في اللغة: الإِمساك عن الشيء قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم قال الشاعر: شعر : خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ تحت العَجاج وأخرى تعلك اللُّجما تفسير : وفي الشرع: الإِمساك عن الطعام والشراب والجماع في النهار مع النيّة {يُطِيقُونَهُ} أي يصومونه بعسر ومشقة قال الراغب: الطاقة اسمٌ لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله مع المشقة وشبِّه بالطوق المحيط بالشيء {فِدْيَةٌ} ما يفدي به الإِنسان نفسه من مالٍ وغيره {شَهْرُ} من الاشتهار وهو الظهور {رَمَضَانَ} من الرّمض وهو شدة الحر والرمضاء شدة حر الشمس وسمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها {ٱلرَّفَثُ} الجماع ودواعيه وأصله قولُ الفحش ثم كنّي به عن الجماع قال الشاعر: شعر : ويُرَيْن من أُنس الحديثِ زوانياً وبهنَّ عن رفَث الرجال نِفَار تفسير : {تَخْتانُونَ} قال في اللسان: خانه واختانه والمخانة مصدر من الخيانة وهي ضد الأمانة وسئل بعضهم عن السيف فقال: أخوك وإِن خانك {عَاكِفُونَ} الإِعتكاف في اللغة: اللبث واللزوم وفي الشرع: المكث في المسجد للعبادة {حُدُودُ ٱللَّهِ} الحدّ في اللغة: المنع وأصله الحاجز بين الشيئين المتقابلين وسميت الأحكام حدوداً لأنها تحجز بين الحق والباطل. سَبَبُ النّزول: روي أن جماعة من الأعراب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ناداهم بلفظ الإِيمان ليحرك فيهم مشاعر الطاعة ويُذْكي فيهم جَذْوة الإِيمان {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} أي فرض عليكم صيام شهر رمضان {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي كما فرض على الأمم قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لتكونوا من المتقين لله المجتنبين لمحارمه {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفاً ورحمةً بكم {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي من كان به مرضٌ أو كان مسافراً فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} ثم قال تعالى {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي والصوم خير لكم من الفطر والفدية إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة، ثم بيّن تعالى وقت الصيام فقال {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس لما فيه من إِرشاد وإِعجاز وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي من حضر منكم الشهر فليصمه {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي ومن كان مريضاً أو مسافراً فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه.. ثم بيّن تعالى أنه قريب يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين فقال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} أي أنا معهم أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم وأعلم حالهم كقوله {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16] {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} أي أجيب دعوة من دعاني إِذا كان عن إِيمانٍ وخشوع قلب {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي إِذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي ودوموا على الإِيمان لتكونوا من السعداء الراشدين.. ثم شرع تعالى في بيان تتمة أحكام الصيام بعد أن ذكر آية القرب والدعاء فقال {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} أي أبيح لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} قال ابن عباس: هنَّ سكنٌ لكم وأنتم سكنٌ لهن {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي تخونونها بمقارفة الجماع ليلة الصيام وكان هذا محرماً في صدر الإِسلام ثم نسخ، روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي جامعوهن في ليالي الصوم واطلبوا بنكاحهن الولد ولا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} أي كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} أي أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} أي لا تقربوهن ليلاً أو نهاراً ما دمتم معتكفين في المساجد {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يتقون المحارم. البَلاَغَة: 1- {كَمَا كُتِبَ} التشبيه في الفرضية لا في الكيفية أي فرض الصيام عليكم كما فرض على الأمم قبلكم وهذا التشبيه يسمى "مرسلاً مجملاً". 2- {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} فيه إِيجاز بالحذف أي من كان مريضاً فأفطر، أو على سفرٍ فأفطر فعليه قضاء أيام بعدد ما أفطر. 3- {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} في تفسير الجلالين قدّره بحذف "لا" أي لا يطيقونه، ولا ضرورة لهذا الحذف لأن معنى الآية يطيقونه بجهدٍ شديد وذلك كالشيخ الهرم والحامل والمرضع فهم يستطيعونه لكن مع المشقة الزائدة، والطاقةُ اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة. 4- {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بـ "طباق السلب". 5- {ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} الرفث كناية عن الجماع وعدّي بـ "إِلى" لتضمنه معنى الإِفضاء وهو من الكنايات الحسنة كقوله {أية : فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} تفسير : [الأعراف: 189] وقوله {أية : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} تفسير : [البقرة: 223] وقوله {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ} قال ابن عباس: إِن الله عز وجل كريم حليمٌ يكني. 6- {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} استعارة بديعة شبّه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق والضم باللباس المشتمل على لابسه قال في تلخيص البيان: "المراد قرب بعضهم من بعض واشتمال بعضهم على بعض كما تشتمل الملابس على الأجسام فاللباس استعارة. 7- {ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} قال الشريف الرضي: وهذه استعارة عجيبة والمراد بها بياض الصبح وسواد الليل والخيطان هٰهنا مجاز وإِنما شبههما بذلك لأن بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقاً خافياً، ويكون سواد الليل منقضياً مولّياً، فهما جميعاً ضعيفان إِلا أن هذا يزداد انتشاراً وهذا يزداد استسراراً، وذهب الزمخشري إِلى أنه من التشبيه البليغ. الفوَائِد: الأولى: روي عن الحسن أنه قال: إِن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإِنها تركت هذا الشهر وصامت يوماً من السنة زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وأما النصارى فإِنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إِلى وقت لا يتغير ثم قالوا عند ذلك نزيد فيه فزادوا عشراً، ثم بعد زمانٍ اشتكى ملكهم فنذر سبعاً فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوماً وهذا معنى قوله تعالى {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} تفسير : [التوبة: 31]. الثانية: قال الحافظ ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} إِرشادٌ إِلى الاجتهاد في الدعاء عند إِكمال العدة بل وعند كل فطر لحديث "حديث : إِنّ للصائم عند فطره دعوة ما تُرد"تفسير : وكان عبد الله بن عمرو يقول إِذا أفطر: اللهم إِني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. الثالثة: ظاهر نظم الجملة {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} أنهم سألوا عن الله، والسؤال لا يكون عن الذات وإِنما يكون عن شأن من شئونها فقوله في الجواب {فَإِنِّي قَرِيبٌ} يدل على أنهم سألوا عن جهة القرب أو البعد، ولم يصدر الجواب بـ "قل" أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى نحو {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : [طه: 105] بل تولّى جوابهم بنفسه إِشعاراً بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل بحيث لا تتوقف إِجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات. الرابعة: قال الإِمام ابن تيمية "وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطّلعٌ إليهم فدخل في ذلك الإِيمان بأنه قريب من خلقه" وفي الصحيح "حديث : إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" تفسير : وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء. الخامسة: عبّر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبير سام لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالجنس والنساء ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه: إِن الله عزّ وجل كريم حليم يكْني.

الصابوني

تفسير : [8] فريضة الصيام على المسلمين التحليل اللفظي {ٱلصِّيَامُ}: الصم في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، يقال: صامت الخيل إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب. قال الراغب: الصوم: الإمساك عن الفعل مطعماً كان أو كلاماً أو مشياً، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير أو العلف صائمٌ، قال الشاعر: شعر : خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العَجاج وأخرى تعلك الُّلجما تفسير : أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري، أو ممسكة عن الطعام، وقال آخر: شعر : حتّى إذا صام النهار واعتدل وسال للشمس لعابٌ فنزل تفسير : قال أبو عبيدة: كل ممسكٍ عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم. وفي الشرع: هو الإمساك عن الطعام، والشراب، والجماع، مع النيّة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكمالُه باجتناب المحظورات، وعدم الوقوع في المحرمات. {فَعِدَّةٌ}: قال الراغب: العدّةُ هي الشيء المعدود، ومنه قوله تعالى {أية : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} تفسير : [المدثر: 31] أي عددهم. والمعنى: عليه أيام عدد ما قد فاته من رمضان. قال القرطبي: "والعِدّةُ فِعْلةٍ من العدّ وهي بمعنى المعدود، كالطِحن بمعنى المطحون، تقول: أسمع جعجعةً ولا أرى طِحناً، ومنه عدة المرأة". {أُخَرَ}: جمع أخرى، أي أياماً أخرى، وهي ممنوعة من الصرف لأنها معدولة عن آخر على رأي الكسائي، وعن الألف واللام على رأي سيبويه، مثل: الصُغَر، والكُبَر. وإنما أوثر هنا الجمع لأنه لو جيء به مفرداً فقيل: عدة من أيامٍ أخرى لأوهم أنه وصفٌ لعدة فيفوت المقصود. {يُطِيقُونَهُ}: أي يصومونه بمشقة وعسر. قال في "اللسان": والإطاقة القدرة على الشيء، وهو في طوقي أي وسعي، وأطاق وإطاقة إذا قوي عليه. وقال الراغب: والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وشبّه بالطوق المحيط بالشيء. {فِدْيَةٌ}: الفدية ما يفدي به الإنسان نفسه من مال وغيره، بسبب تقصير وقع منه في عبادة من العبادات، وهي تشبه الكفّارة من بعض الوجوه. {شَهْرُ}: الشهرُ معروف، وأصله من الاشتهار وهو الظهور، يقال: شهر الأمر أظهره، وشهر السيف استلّه، وسمي الشهر شهراً لشهرة أمره، لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات، فصار مشتهراً بين الناس. {رَمَضَانَ}: قال الراغب: رمضان هو الرّمض أي شدة وقع الشمس، والرمضاء شدة حر الشمس، ورمضت الغنم: رعت في الرمضاء فقرحت أكبادنا. وسمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها. قال الزمخشري: "لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموّها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحرّ فسمي رمضان". وقيل: إنما سمّي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة. {ٱلرَّفَثُ}: الجماع ودواعيه، قال الراغب: الرفث: كلامٌ متضمنٌ لما يُستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، وقد جعل كناية عن الجماع في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} تنبيهاً إلى جواز دعائهن إلى ذلك ومكالمتهن فيه. وأصل الرفث: قول الفحش ثم كنّي به عن الجماع قال الشاعر: شعر : ويُرَيْن من أُنْس الحديث زوانياً وبهنّ عن رفث الرجال نِفَار تفسير : قال ابن عباس: الرفث هو الجماع، إن الله عز وجل كريم حليم يكني. {تَخْتانُونَ}: الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، ومعناه: مراودة الخيانة. قال في "اللسان": خانه واختانه، والمخانة مصدر من الخيانة وهي ضد الأمانة قال الشاعر: شعر : يتحدثون مَخَانةً وملاذَةً ويُعاب قائلهم وإن لم يشْغب تفسير : وسئل بعضهم عن السيف فقال: أخوك وإن خانك، وكل ما غيّرك عن حالك فقد تخوّنك. قال الراغب: الخيانة مقابل الأمانة، والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل: (تخونون أنفسكم) لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، وهو تحرك شهوة الإنسان للوقوع في الخيانة. {عَٰكِفُونَ}: العكوف والاعتكاف أصله اللزوم، يقال: عكفت بالمكان أي أقمت به ملازماً قال تعالى: {أية : لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 91] وقال الشاعر: شعر : فبات بنات الليل حولي عُكّفاً عكوف البواكي بينهن صريع تفسير : وفي الشرع هو المكث في المسجد للعبادة بنيّة القربة لله تعالى. {حُدُودُ ٱللَّهِ}: الحدود جمع حدّ، والحدّ في اللغة: المنع، ومنه سمي الحديد حديداً لأنه يمتنع به من الأعداء، وسمي البوّاب حدّاداً لأنه يمنع من الدخول أو الخروج إلا بإذن، وأحدّث المرأة على زوجها إذا تركت الزينة وامتنعت منها. قال الزجاج: "الحدودُ ما منع الله تعالى من مخالفتها، فلا يجوز مجازوتها". المعنى الإجمالي يخبر المولى جلّ وعلا أنه قد فرض الصيام على عباده المؤمنين، كما فرضه على من سبقهم من أهل الملل، وقد علّل فرضيته ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهي أن يُعدّ نفس الصائم لتقوى الله بترك الشهوات المباحة امتثالاً لأمره تعالى، واحتساباً للأجر عنده، ليكون المؤمن من المتقين لله المجتنبين لمحارمه. وهذا الصيام الذي فرضه الله على عباده، إنما هو أيام معينات بالعدد، وهي أيام رمضان، ولم يفرض الله عليكم الدهر كله، تخفيفاً ورحمة بهم، ومع هذه الرحمة في الصيام فقد شرع للمريض الذي يضره الصوم، والمسافر الذي يشق عليه أن يفطرا ويقضيا أياماً بقدر الأيام التي أفطرا فيها وذلك من التيسير على العباد والرحمة بهم، ثم أخبر تعالى أن هذا الشهر الذي فرض عليهم صيامه هو شهر رمضان، شهر ابتداء نزول القرآن، الكتاب العظيم الذي أكرم الله به الأمة المحمدية، فجعله دستوراً لهم، ونظاماً يتمسكون به في حياتهم، فيه النور، والهدى، والضياء، وهو سبيل السعادة لمن أراد أن يسلك طريقها، وقد أكدّ الباري صيام هذا الشهر، لأنه شهر تنزّل الرحمة الإلهية على العباد، وأنه تعالى لا يريد بعباده إلا اليُسر والسهولة، ولذلك فقد أباح للمريض والمسافر الإفطار في أيام رمضان. ثم بيّن تعالى أنه قريب، يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين، وليس بينه وبين أحدٍ من العباد حجاب، فعليهم أن يتوجهوا إليه وحده بالدعاء والتضرع، حنفاء مخلصين له الدين. وقد يسّر تعالى على عباده وأباح لهم التمتع بالنساء في ليالي رمضان، كما أباح لهم الطعام والشراب، وقد كان ذلك من قبل محرماً عليهم، ولكنّه تعالى أباح لهم الطعام والشراب، والشهوات الجنسية من الاستمتاع بالنساء، ليظهر فضله عليهم، ورحمته بهم، وقد شبّه المرأة باللباس الذي يستر البدن، فهي ستر للرجل وسكن له، وهو ستر لها، قال ابن عباس معناه "هنّ سكنٌ لكم وأنتم سكن لهنّ" وأباح معاشرتهن إلى طلوع الفجر، ثم استثنى من عموم إباحة المباشرة، مباشرتهن وقت الاعتكاف لأنه وقت تبتل وانقطاع للعبادة، ثمّ ختم تعالى هذه الآيات الكريمة بالتحذير من مخالفة أوامره، وارتكاب المحرمات والمعاصي، التي هي حدود الله، وقد بيّنها لعباده حتى يجتنبوها، ويلتزموا بالتمسك بشريعة الله ليكونوا من المتقين. سبب النزول 1 - روى ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصام يوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر"، ثم إن الله عز وجل فرض شهر رمضان، فأنزل الله تعالى ذكره {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} حتى بلغ {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنزل الله عز وجل {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...}. 2 - وروُي عن سلمة بن الأكوع أنه قال "لما نزلت هذه الآية {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من شاء منا صام، ومن شاء أن يفطر ويفتدي فعل ذلك، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. 3 - وروي أن جماعة من الأعراب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أقريبٌ ربنا فنناجيه؟ أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزل الله {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...} الآية. 4 - وروى البخاري عن (البراء بن عازب) أنه قال: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ (قيس بن صرمة) الأنصاري كان صائماً، وكان يعمل بالنخيل في النهار، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ففرحوا فرحاً شديداً، فنزلت {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ}. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور (وعلى الذين يُطيقونه) وقرأ ابن عباس (يُطَوّقونه) بمعنى يكلّفونه. 2 - قرأ الجمهور (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) وقرأ نافع وابن عامر (فديةُ طعامِ مساكين) بجمع مساكين، وإضافة (فدية) إلى (طعام). 3 - قرأ الجمهور (فمن تطوّع) على الماضي، وقرأ حمزة والكسائي (فمن تطوّعُ) بالجزم على معنى يتطوّع، وقرئ (فمنّ يطّوع) على أنه مضارع. 4 - قرأ الجمهور (ولتُكْملوا العدّة) بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم (ولتُكَمّلوا) بالتشديد. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الكاف للتشبيه وهي صفة لمصدر محذوف و(ما) مصدرية، والتقدير: كُتب عليكم الصيامُ كتابةً مثل كتابته على من قبلكم. 2 - قوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} قال الزجاج: منصوب على الظرف كأنه قال: كتب عليكم في هذه الأيام والعامل فيه الصيام. قال العكبري: لا يجوز أن ينتصب على الظرف، ولا على أنه مفعول به على السّعة لأن المصدر إذا وصف لا يعمل، والوجه أن يكون العامل محذوفاً تقديره: صوموا أياماً. 3 - قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تقديره: فعليه عدّةٌ فيكون ارتفاع (عدة) على الابتداء والخبر محذوف، وأخر صفة لعدة لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام. 4 - قوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أن تصوموا في موضع مبتدأ و(خير) خبره والتقدير صيامكم خير لكم، و {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} شرط حذف منه الجواب لدلالة ما قبله. 5 - قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} الشهرَ منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في (فليصمْه) ولا يكون مفعولاً به، لأنه يلزم حينئذٍ المسافر لأنه شهد الشهر، قال الزمخشري: "المعنى فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً غير مسافر فليصم في الشهر ولا يفطر". لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أشارت الآية الكريمة إلى أن الصوم عبادة قديمة، فرضها الله على الأمم قبلنا، ولكنّ أهل الكتاب غيّروا وبدّلوا في هذه الفريضة، وقد كان يتفق في الحر الشديد أو البرد الشديد، فحوّلوه إلى الربيع وزادوا في عدده حتى جعلوه خمسين يوماً كفارة لذلك. روى الطبري بسنده عن الدُّي أنه قال: "كُتب على النصارى شهرُ - رمضان، وكُتب عليهم ألاّ يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا أن ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان، وجعل يُقلّب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف (يعني الربيع) وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفّر بهما ما صنعنا فجعلوا صيامهم خمسين". اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قال ابن العربي: هذا القول من لطيف الفصاحة لأن تقديره: فأفطر فعدةٌ من أيام أخر، فحذف الشرط والمضاف ثقةً بالظهور. اللطيفة الثالثة: بيّن المولى جل ثناؤه أن الصوم يورث التقوى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وهذا تقليل لفريضة الصيام ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله بترك شهواته الطبيعية المباحة، امتثالاً لأمره واحتساباً للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة التقوى بترك الشهوات المحرمة، فالصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: (المرء يسعى لغاريه: بطنه، وفرجه). اللطيفة الرابعة: قال القفال رحمه الله: "انظروا إلى عجيب ما نبّه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فقد نبّه إلى ما يلي: أولاً: أنّ لهذه الأمة في شريعة الصيام أسوة بالأمم المتقدمة. ثانياً: أن الصوم سبب لحصول التقوى، فلو لم يُفرض لفات هذا المقصود الشريف. ثالثاً: أنه مختص بأيام معدودات، فإنه لو جعله أبداً لحصلت المشقة العظيمة. رابعاً: أنه خصّه من بين الشهور بالشهر الذي أُنزل فيه القرآن، لكونه أشرف الشهور. خامساً: إزالة المشقة في إلزامه فقد أباح تأخيره لمن يشق عليه من المسافرين والمرضى، فهو سبحانه قد راعى في فريضة الصيام هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه التي لا تحصى. اللطيفة الخامسة: أفاد قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} أن الشيخ الكبير والمرأة العجوز يجوز لهما الإفطار مع الفدية، والعرب تقول: أطاق الشيء إذا كانت قدرته في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة عظيمة، وهو مشتق من الطوق وعليه قول الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} تفسير : [البقرة: 286] أي ما يصعب علينا مزاولته. والطاقة: اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة، والوُسْعُ: اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة، فتنبه له فإنه دقيق. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} المراد شهود الوقت لا شهود رؤية الهلال، إذ قد لا يراه إلا واحد أو اثنان ويجب صيامه على جميع المسلمين، و(شهد) بمعنى حضر، وفيه إضمارٌ أي من شهد منكم الشهر مقيماً غير مسافر ولا مريض فليصمه، ووضعُ الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان، أفاده أبو السعود. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} هذه الآية فيها من المحسّنات البديعية ما يسمى (طباق السلب) وهي أصل في الدين ومنها أخذ الفقهاء القاعدة الأصولية (المشقّة تجلب التيسير) فالله تبارك وتعالى لا يريد بتشريعه إعنات الناس، وإنما يريد اليسر بهم وخيرهم ومنفعتهم. اللطيفة الثامنة: قال العلامة الزمخشري قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي شرع ذلك يعني جملة ما ذكر، من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المريض والمسافر بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: {وَلِتُكْمِلُواْ} علة الأمر بمراعاة العدة، (ولتكبّروا) علة ما عُلم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللّف والنشر، لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. اللطيفة التاسعة: عبّر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبير سامٍ لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالنساء {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} فالتعبير على طريقة الاستعارة والمراد اشتمال بعضهم على بعض لما تشتمل الملابس على الأجسام. قال الإمام الفخر: "لمّا كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سُمّي كل واحد منهما لباساً". اللطيفة العاشرة: قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ}. قال الشريف الرضي: "هذه استعارةٌ عجيبة، والمراد بها حتى يتبيّن بياضُ الصبحُ من سواد الليل، والخيطان هٰهنا مجاز، وإنما شبّهها بذلك لأنّ بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقاً خافياً، ويكون سواد الليل منقضياً موليّاً، فهما جميعاً ضعيفان، إلاّ أن هذا يزداد انتشاراً وهذا يزداد استسراراً". روي أنه لما نزلت الآية حديث : قال (عدي بن حاتم) أخذتُ عقالين: أبيض، وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليها، فلم يتبيّن لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحتُ غدوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال: "إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياضُ النهار وسوادُ الليل" ". تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل فرض على المسلمين صيامٌ قبل رمضان؟ يدل ظاهر قوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} على أن المفروض على المسلمين من الصيام إنما هو هذه الأيام (أيام رمضان) وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، وهو مروي عن ابن عباس والحسن، واختاره ابن جرير الطبري. وروي عن قتادة وعطاء أن المفروض على المسلمين كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض عليهم صوم رمضان، وحجتهم أن قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} يدل على أنه واجب على التخيير، وأمّا صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. واستدل الجمهور بأن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} مجمل يحتمل أن يكون يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك فبينه بعض البيان بقوله: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} وهذا أيضاً يحتمل أن يكون أسبوعاً أو شهراً، فبيّنه تعالى بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ} فكان ذلك حجة واضحة على أنّ الذي فرضه على المسلمين هو شهر رمضان. قال ابن جرير الطبري: "وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: عنى جل ثناؤه بقوله: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان، لأن الله تعالى قد بيّن في سياق الآية أن الصوم الذي أوجبه علينا هو صوم شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي كتب علينا صومها بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} فتأويل الآية كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام، كما كتب على من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات هي شهر رمضان". الحكم الثاني: ما هو المرض والسفر المبيح للإفطار؟ أباح الله تعالى للمريض والمسافر الفطر في رمضان، رحمة بالعباد وتيسيراً عليهم، وقد اختلف الفقهاء في المرض المبيح للفطر على أقوال: أولاً - قال أهل الظاهر: مطلق المرض والسفر يبيح للإنسان الإفطار حتى ولو كان السفر قصيراً والمرض يسيراً حتى من وجع الإصبع والضرس، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين. ثانياً - وقال بعض العلماء إن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجُهد، وكذلك المسافر الذي يُضنيه السفر ويُجهده، وهو قول الأصم. ثالثاً - وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادةٍ في العلة، أو يُخشى معه تأخر البرء، والسفر الطويل الذي يؤدي إلى مشقةً في الغالب، وهذا مذهب الأئمة الأربعة. دليل الظاهرية: استدل أهل الظاهر بعموم الآية الكريمة {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} حيث أُطلق اللفظ ولم يُقيّد المرض بالشديد، ولا السفر بالبعيد، فمطلق المرض والسفر يبيح الإفطار، حكي أنهم دخلوا على (ابن سيرين) في رمضان وهو يأكل، فاعتلّ بوجع أصبعه. وقال داود: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان السفر فرسخاً لأنه يقال له: مسافر، وهذا ما دل عليه ظاهر القرآن. دليل الجمهور: استدل جمهور الفقهاء على أن المرض اليسير الذي لا كلفة معه لا يبيح الإفطار بقوله تعالى في آية الصيام {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} فالآية قد دلت على أن الفرض من الترخيص. المرض خفيفاً والسفر قريباً فلا يقال إن هناك مشقة رفعت عن الصائم، فأي مشقة من وجع الأصبع والضرس؟ الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رُخّص للمريض في الإفطار هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلاّ عند وجود المشقة، فأي مشقةٍ في وجع الأصبع، أو الصداع الخفيف والمرض اليسير، الذي لا كلفة معه في الصيام؟ ثمّ إن من الأمراض ما لا يكون شفاؤه إلا بالصيام، فكيف يباح الفطر لمن كان مرضه كذلك؟ ولم يكلفنا الله جلّ وعلا إلاّ على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سبباً للمرض، أو زيادة العّلة، أما الإطلاق فيه أو التضييق فأمرٌ يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين. قال القرطبي: "للمريض حالتان: إحداهما - ألاّ يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل وقال جمهور العلماء: إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف زيادته صحّ له الفطر، واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة: هو خوف التلف من الصيام، وقال مرة: هو شدة المرض، والزيادة فيه، والمشقة الفادحة، وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر". الحكم الثالث: ما هو السفر المبيح للإفطار؟ وأما السفر المبيح للإفطار فقد اختلف الفقهاء فيه بعد اتفاقهم على أنه لا بدّ أن يكون سفراً طويلاً على أقوال: أ - قال الأوزاعي: السفر المبيح للفطر مسافة يوم. ب - وقال الشافعي وأحمد: هو مسيرة يومين وليلتين، ويقدر بستة عشر فرسخاً. جـ - وقال أبو حنيفة والثوري: مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ويقدر بأربعة وعشرين فرسخاً. حجة الأوزاعي: أنّ السفر أقل من يوم سفرٌ قصير قد يتفق للمقيم، والغالب أن المسافر هو الذي لا يتمكن من الرجوع إلى أهله في ذلك اليوم، فلا بدّ أن يكون أقل مدة للسفر يومٌ واحد حتى يباح له الفطر. حجة الشافعي وأحمد: أولاً: أن السفر الشرعي هو الذي تُقصر فيه الصلاة، وتعبُ اليوم الواحد يسهل تحمله، أمّا إذا تكرر التعب في اليومين فإنه يشق تحمله فيناسب الرخصة. ثانياً: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرد من مكة إلى عسفان ". تفسير : قال أهل اللغة: وكل بريد أربعة فراسخ، فيكون مجموعة ستة عشر فرسخاً. ثالثاً: ما روي عن عطاء أنه قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى مرّ الظهران؟ فقال: لا، ولكن أقصر إلى جدة، وعسفان، والطائف. قال القرطبي: والذي في "البخاري": "وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً". وهذا هو المشهور من مذهب مالك رحمه الله، وقد روي عنه أنه قال: أقله يوم وليلة، واستدل بحديث "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرةِ يومٍ وليلة إلا ومعها ذو محرم"تفسير : . رواه البخاري. حجة أبي حنيفة والثوري: أولاً: واحتج أبو حنيفة بأن قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يوجب الصوم، ولكنّا تركناه في الثلاثة الأيام للإجماع على الرخصة فيها، أما فيما دونها فمختلف فيه فوجب الصوم احتياطياً. ثانياً: واحتج بقوله عليه السلام: "حديث : يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها" تفسير : فقد جعل الشارع علة المسح ثلاثة أيام السفرُ، والرخص لا تعلم إلاّ من الشرع، فوجب اعتبار الثلاث سفراً شرعياً. ثالثاً: وبقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم"تفسير : . فتبيّن أن الثلاثة قد تعلق بها حكم شرعي، وغيرها لم يتعلق فوجب تقديرها في إباحة الفطر. قال ابن العربي في تفسيره "أحكام القرآن": "وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلاّ ومعها ذو محرم" تفسير : وفي حديث (سفر ثلاثة أيام) فرأى أبو حنيفة أن السفر يتحقق في أيام: يوم يتحمل فيه عن أهله، ويوم ينزل فيه في مستقره، واليوم الأوسط هو الذي يتحقق فيه السير المجرد، فرجل احتاط وزاد، ورجل ترخّص، ورجل تقصّر". أقول: أمور العبادة ينبغي فيها الاحتياط، ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم منع المرأة من السفر مسيرة ثلاثة أيام، وثبت يوم وليلة وكلاهما في الصحيح، لذا كان العمل بالثلاث أحوط، فلعل ما ذهب إليه أبو حنيفة يكون أرجح والله أعلم. الحكم الرابع: هل الإفطار للمريض والمسافر رخصة أم عزيمة؟ ذهب أهل الظاهر إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا، ويصوما عدة من أيام أخرى، وأنهما لو صاما لا يجزئ صومهما لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} والمعنى: فعليه عدة من أيام أخر، وهذا يقتضي الوجوب. وبقوله عليه السلام: "حديث : ليس من البر الصيام في السفر" تفسير : وقد روي هذا عن بعض علماء السلف. وذهب الجمهور وفقهاء الأمصار إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء أفطر وإن شاء صام واستدلوا بما يلي: 1 - قالوا: إن في الآية إضماراً تقديره: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ} تفسير : [البقرة: 60] والتقدير: فضرب فانفجرت، وكذلك قوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} تفسير : [البقرة: 196] أي فحلق فعليه فدية والإضمار في القرآن كثير لا ينكره إلا جاهل. ب - واستدلوا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المستفيض أنه صام في السفر. جـ - وبما ثبت عن أنس قال: "حديث : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم ". تفسير : د - وقالوا: إن المرض والسفر من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً، فلا يصح أن يكونا سبباً للعسر. وأما ما استدل به أهل الظاهر من قوله عليه السلام "حديث : ليس من البر الصيام في السفر" تفسير : فهذا واردٌ على سبب خاص وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يظلّل والزحام عليه شديد فسأل عنه فقالوا: صائم أجهده العطش فذكر الحديث. قال ابن العربي في تفسيره "أحكام القرآن": "وقد عُزي إلى قوم: إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره، وهذا لا يقول به إلا الضعفاء الأعاجم، فإن جزالة القول، وقوة الفصاحة، تقتضي تقدير (فأفطر) وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الصوم في السفر قولاً وفعلاً، وقد بينا ذلك في شرح الصحيح وغيره". الحكم الخامس: هل الصيام أفضل أم الإفطار؟ وقد اختلف الفقهاء القائلون بأن الإفطار رخصة في أيهما أفضل؟ فذهب أبو حنيفة، والشافعي، ومالك إلى أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، ومن لم يقو على الصيام كان الفطر له أفضل، أما الأول فلقوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} وأما الثاني فلقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْر}. وذهب أحمد رحمه الله إلى أن الفطر أفضل أخذاً بالرخصة، فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه. وذهب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى أنّ أفضلهما أيسرهما على المرء. الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح لقوة أدلتهم والله تعالى أعلم. الحكم السادس: هل يجب قضاء الصيام متتابعاً؟ ذهب علي، وابن عمر، والشعبي إلى أنّ من أفطر لعذرٍ كمرضٍ أو سفر قضاه متتابعاً، وحجتهم أن القضاء نظير الأداء، فلما كان الأداء متتابعاً، فكذلك القضاء. وذهب الجمهور إلى أن القضاء يجوز فيه كيف ما كان، متفرقاً أو متتابعاً، وحجتهم قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فالآية لم تشترط إلاّ صيام أيام بقدر الأيام التي أفطرها، وليس فيها ما يدل على التتابع فهي نكرة في سياق الإثبات، فأي يومٍ صامه قضاءً أجزأه. واستدلوا بما روى عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: "إنّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواصل وإن شئت ففرّق". الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الجمهور لوضوح أدلتهم والله أعلم. الحكم السابع: ما المراد من قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}؟ يرى بعض العلماء أن الصيام كان قد شرع ابتداءً على التخيير، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى، يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وهذا رأي الأكثرين واستدلوا لما رواه البخاري ومسلم عن (سلمة بن الأكوع) أنه قال: لما نزلت هذه الآية {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} كان من شاء منّا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وهذا مروي عن ابن مسعود، ومعاذ، وابن عمر وغيرهم. ويرى آخرون أن الآية غير منسوخة، وأنها نزلت في الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي يُجهده الصوم، وهذا مروي عن ابن عباس. قال ابن عباس: (رخّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه). وروى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً. وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة، ويكون معنى قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدّة والمشقة، ويؤيده قراءة {يطوّقونه} أي يكلّفونه مع المشقة. الحكم الثامن: ما هو حكم الحامل والمرضع؟ الحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما أفطرتا، لأن حكمهما حكم المريض، وقد سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما فقال: أيّ مرضٍ أشد من الحمل؟ تفطر وتقضي. وهذا باتفاق الفقهاء، ولكنهم اختلفوا هل يجب عليهما القضاء مع الفدية، أم يجب القضاء فقط؟ ذهب أبو حنيفة إلى أن الواجب عليهما هو القضاء فقط، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن عليهما القضاء مع الفدية. حجة الشافعي وأحمد: أن الحامل والمرضع داخلتان في منطوق الآية الكريمة {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} لأنها تشمل الشيخ الكبير، والمرأة الفانية، وكل من يُجهده الصوم فعليهما الفدية كما تجب على الشيخ الكبير. حجة أبي حنيفة: أولاً: أن الحامل والمرضع في حكم المريض، ألا ترى إلى قول الحسن البصري: أي مرضٍ أشدّ من الحمل؟ يفطران ويقضيان، فلم يوجب عليهما غير القضاء. ثانياً: الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته وزمانته، فلن يأتيه يوم يستطيع فيه الصيام، أما الحامل والمرضع فإنهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة للزوال، فالقضاء واجب عليهما، فلو أجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز، لأن القضاء بدل، والفدية بدل، ولا يمكن الجمع بينهما لأن الواجب أحدهما. وقد روي عن الإمام أحمد والشافعي أنهما إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء لا غير. الحكم التاسع: بم يثبت شهر رمضان؟ يثبت شهر رمضان برؤية الهلال، ولو من واحد عدل أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ". تفسير : فبواسطة الهلال تعرف أوقات الصيام والحج كما قال تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} تفسير : [البقرة: 189] فلا بدّ من الاعتماد على الرؤية، ويكفي لإثبات رمضان شهادة واحدٍ عدل عند الجمهور، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (حديث : تراءى الناس الهلال، فأخبرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه) تفسير : وأما هلال شوال فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، ولا تقبل فيه شهادة العدل الواحد عند عامة الفقهاء. وقال مالك: لا بدّ من شهادة رجلين عدلين، لأنه شهادة وهو يشبه إثبات هلال شوال، لا بدّ فيه من اثنين على الأقل. قال الترمذي: والعمل عند أكثر أهل العلم على أنه تقبل شهادة واحدٍ في الصيام. روى الدارقطني: أنّ رجلاً شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان. الحكم العاشر: هل يعتبر اختلاف المطالع في وجوب الصيام؟ ذهب الحنيفة والمالكية والحنابلة: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على بقية البلاد لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته" تفسير : وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعاً. وذهب الشافعية إلى أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تكفي رؤية البلد الآخر، والأدلة تطلب من كتب الفروع فارجع إليها هناك. الحكم الحادي عشر: حكم الخطأ في الإفطار. اختلف العلماء فيمن أكل أو شرب ظاناً غروب الشمس، أو تسحرّ يظن عدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك، هل عليه القضاء أم لا؟ فذهب الجمهور وهو مذهب (الأئمة الأربعة) إلى أنّ صيامه غير صحيح ويجب عليه القضاء، لأن المطلوب من الصائم التثبت، لقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} فأمر بإتمام الصيام إلى غروب الشمس، فإذا ظهر خلافه وجب القضاء. وذهب أهل الظاهر والحسن البصري إلى أن صومه صحيح ولا قضاء عليه لقوله تعالى: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" تفسير : وقالوا: هو كالناسي لا يفسد صومه. الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح لأن المقصود من رفع الجناح رفع الإثم لا رفع الحكم، فلا كفارة عليه لعدم قصد الإفطار، ولكن يلزمه القضاء للتقصير، ألا ترى أن القتل الخطأ فيه الكفارة والدية مع أنه ليس بعمد، وقياسه على الناسي غير سليم، لأن الناسي قد ورد فيه النص الصريح فلا يقاس عليه والله أعلم. الحكم الثاني عشر: هل الجنابة تنافي الصوم؟ دلت الآية الكريمة وهي {فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ...} الآية على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لما فيه من إباحة الأكل والشرب والجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم أن المجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر يصبح جنباً، وقد أمر الله بإتمام صومه إلى الليل {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} فدلّ على صحة صومه، ولو لم يكن الصوم صحيحاً لما أمره بإتمامه. وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً وهو صائم ثمّ يغتسل" تفسير : فالجنابة لا تأثير لها على الصوم، ويجب الاغتسال من أجل الصلاة. الحكم الثالث عشر: هل يجب قضاء صوم النفل إذا أفسده؟ اختلف الفقهاء في حكم صوم النفل إذا أفسده هل يجب فيه القضاء أم لا؟ على مذاهب. مذهب الحنفية: يجب عليه القضاء لأنه بالشروع يلزمه الإتمام. مذهب الشافعية والحنابلة: لا يجب عليه القضاء لأن المتطوّع أمير نفسه. وذهب المالكية: أنه إن أبطله فعليه القضاء، وإن كان طرأ عليه ما يفسده فلا قضاء عليه. دليل الحنفية: أ - قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} قالوا: فهذه الآية عامة في كل صوم، فكل صومٍ شرع فيه لزمه إتمامه. ب - قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 33] والنفل الذي شرع فيه عمل من الأعمال، فإذا أبطله فقد ترك واجباً، ولا تبرأ ذمته إلا بإعادته. جـ - حديث عائشة أنها قالت: "حديث : أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام فأعجبنا فأفطرنا، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدرتني حفصة فسألته - وهي ابنة أبيها - فقال عليه السلام: صوما يوماً مكانه ". تفسير : دليل الشافعية والحنابلة: أ - قوله تعالى: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} تفسير : [التوبة: 91] والمتطوّع محسن فليس عليه حرج في الإفطار. ب - حديث "حديث : الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر ". تفسير : الترجيح: ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية يكون أرجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة وحفصة بصيام يوم مكانه وهو نص في وجوب القضاء والله أعلم. الحكم الرابع عشر: ما هو الاعتكاف وفي أي المساجد يعتكف؟ قال الشافعي رحمه الله: الاعتكاف اللغوي: ملازمةُ المرء للشيء وحبسُ نفسه عليه، براً كان أو إثماً قال تعالى: {أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} تفسير : [الأعراف: 138]. والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله بنيّة العبادة، وهو من الشرائع القديمة قال الله تعالى: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} تفسير : [الحج: 26] وقال تعالى: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} ويشترط في الاعتكاف أن يكون في المسجد لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} وقد وقع الاختلاف في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف على أقوالٍ: أ - فقال بعضهم: الاعتكاف خاصٌ بالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى) وهي مساجد الأنبياء عليهم السلام، واستدلوا بحديث: "حديث : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد.." تفسير : الحديث وهذا قول سعيد بن المسيّب. 2 - وقال بعضهم: لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجماعة، وهو قول ابن مسعود وبه أخذ الإمام مالك رحمه الله في أحد قوليه. 3 - وقال الجمهور: يجوز الاعتكاف في كل مسجد من المساجد لعموم قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} وهو الصحيح لأن الآية لم تعيّن مسجداً مخصوصاً فيبقى اللفظ على عمومه. قال أبو بكر الجصاص: "حصل اتفاق جميع السلف أنّ من شرط الاعتكاف أن يكون في المسجد، على اختلاف منهم في عموم المساجد وخصوصها، وظاهر قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها فعليه بإقامة الدليل، وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه، كما أن تخصيص من خصّه بمساجد الأنبياء لمّا لم يكن عليه دليل سقط اعتباره". وأما المرأة فيجوز لها أن تعتكف في بيتها لعدم دخولها في النص السابق. الحكم الخامس عشر: ما هي مدة الاعتكاف وهل يشترط فيه الصيام؟ اختلف الفقهاء في المدة التي تلزم في الاعتكاف على أقوال: أ - أقله يوم وليلة، وهو مذهب الأحناف. ب - أقله عشرة أيام، وهو أحد قولي الإمام مالك. جـ - أقله لحظة ولا حدّ لأكثره وهو مذهب الشافعي. ويجوز عند الشافعي وأحمد (في أحد قوليه) الاعتكاف بغير صوم. وقال الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد) في القول الآخر: لا يصح الاعتكاف إلا بصوم. واحتجوا بما روته عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا اعتكاف إلا بصيام ". تفسير : وحديث "حديث : اعتكف وصم" تفسير : وقالوا: إن الله ذكر الاعتكاف مع الصيام في قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} إلى قوله: {وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} فدل على أنه لا اعتكاف إلا بصيام. قال الإمام الفخر: "يجوز الاعتكاف بغير صوم، والأفضل أن يصوم معه وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بالصوم. حجةُ الشافعي رضي الله عنه هذه الآية، لأنه بغير الصوم عاكف، والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة". أقول: المشهور عند فقهاء الأحناف أنهم قسموا الاعتكاف إلى ثلاثة أقسام: 1- مندوب: وهو يتحقق بمجرد النيّة ويكفي فيه ولو ساعة. 2 - وسنة وهو في العشر الأواخر في رمضان. 3 - وواجب: وهو المنذور ولا بدّ فيه من الصوم. والأدلة بالتفصيل تطلب من كتب الفروع. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - الصيام شريعة الله لجميع الأمم فرضه الله على جميع المسلمين. 2 - الصوم مدرسة روحية لتهذيب النفس وتعويدها على الصبر. 3 - إختار الله شهر رمضان لفريضة الصيام لأنه شهر القرآن. 4 - أهل الأعذار رخص الله لهم في الإفطار رحمة من الله وتيسيراً. 5 - لا يجوز تعدي حدود الله ولا تجاوز أوامره ونواهيه لأنها لخير البشرية. خاتمة البحث: حكمة التشريع مما لا شك فيه أن الصوم له فوائد جليلة، غفل عنها الجاهلون فرأوا فيه تجويعاً للنفس، وإرهاقاً للجسد، وكبتاً للحرية، لا داعي له ولا مبرر، لأنه تعذيب للبدن دون فائدة أو جدوى.. وعرف سرّ حكمته العقلاء والعلماء فأدركوا بعض فوائد وأسراره، وأيّدهم في ذلك الأطباء، فرأوا في الصيام أعظم علاج، وخير وقاية، وأنجح دواء لكثير من الأمراض الجسدية، التي لا ينفع فيها إلا الحمية الكاملة، والانقطاع عن الطعام والشراب مدة من الزمان. ولسنا الآن بصدد معرفة (الفوائد الصحية) للصيام، فإنّ ذلك مرجعه لأهل الاختصاص من الأطباء، ولكننا بصدد التعرف على بعض الحكم الروحية التي هي الأساس لتشريع الصيام - فإن الله عز وجل ما شرع العبادات إلا ليربي في الإنسان (ملكة التقوى) وليعوده على الخضوع، والعبودية، والإذعان لأوامر الله العلي القدير. الأمر الأول: فالصيام عبودية لله، وامتثال لأوامره، واتقاء لحرماته، ولهذا جاء في الحديث القدسي: "حديث : كل عمل آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" تفسير : فشعور الإنسان بالعبودية لله عز وجل، والاستسلام لأمره وحكمه، وهو أسمى أهداف العبادة وأقصى غاياتها، بل هو الأصل والأساس الذي ترتكز عليه حكمة خلق الإنسان {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 71]. الأمر الثاني: الأمر الثاني من حكمة مشروعية الصيام، هي تربية النفس، وتعويدها على الصبر وتحمل المشاق في سبيل الله، فالصيام يربي قوة العزيمة وقوة الإرادة، ويجعل الإنسان متحكماً في أهوائه ورغباته، فلا يكون عبداً للجسد، ولا أسيراً للشهوة، وإنما يسير على هدي الشرع، ونور البصيرة والعقل، وشتّان بين إنسان تتحكّم فيه أهواؤه وشهواته فهو يعيش كالحيوان لبطنه وشهوته، وبين إنسان يقهر هواه ويسيطر على شهوته، فهو ملاك من الملائكة {أية : وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} تفسير : [محمد: 12]. الأمر الثالث: أن الصوم يربي في الإنسان، ملكة الحب والعطف والحنان، ويجعل منه إنساناً رقيق القلب، طيّب النفس، ويحرّك فيه كوامن الإيمان، فليس الصيام حرماناً للإنسان عن الطعام والشراب، بل هو تفجير للطاقة الروحية في نفس الإنسان، ليشعر بشعور إخوانه، ويُحسّ بإحساسهم، فيمدّ إليهم يد المساعدة والعون، ويمسح دموع البائسين، ويزيل أحزان المنكوبين، بما تجود به نفسه الخيّرة الكريمة التي هذّبها شهر الصيام، ولقد قيل ليوسف الصدّيق عليه السلام: "لم تجوع وأنتَ على خزائن الأرض فقال: أخشى إن أنا شبعتُ أن أنسى الجائع". الأمر الرابع: أن الصوم يهذّب النفس البشرية، بما يغرسه فيها من خوف الله جل وعلا، ومراقبته في السر والعلن، ويجعل المرء تقياً نقياً يبتعد عن كل ما حرّم الله، فالسر في الصوم هو الحصول على (مرتبة التقوى) والله تبارك وتعالى حين ذكر الحكمة من مشروعية الصيام قال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ولم يقل (لعلكم تتألمون) أو (لعلكم تجوعون) أو(لعلكم تصحّون) والتقوى هي ثمرة الصيام التي يجنيها الصائم من هذه العبادة، وهي إعداد نفس الصائم للوقوف عند حدود الله، بترك شهواته الطبيعية المباحة، امتثالاً لأمره واحتساباً للأجر عنده، وهذا هو سرّ الصيام وروحه ومقصده الأسمى، الذي شرعه الله من أجله، كما بينه في كتابه العزيز، فللَّه ما أسمى الصيام، وما أروع حكمة الله في شرعه العادل الحكيم!!

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} معناه فُرِضَ عليكم.

الجيلاني

تفسير : ثم لما نبههم سبحانه بنبذ ما يتعلق بتهذيب ظاهرهم، أراد أن ينبههم على بعض ما يتعلق بتهذيب باطنهم فقال أيضاً منادياً لهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ} في دينكم {ٱلصِّيَامُ} هو الإمساك المخصوص من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس في الشهر المعروف بلسان الشريعة، والإمساك المطلق والإعراض الكلي عما سوى الحق عند أولي النهى واليقين المستكشفين عن سرائر الأمور، المتحققين بها حسب المقدور {كَمَا كُتِبَ عَلَى} أمم الأنبياء {ٱلَّذِينَ} خلوا {مِن قَبْلِكُمْ} وإنما فرض عليكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] رجاء أن تحفظوا أنفسكم عن الإفراد في الأكل المميت للقلب المطفئ نيران العشق والمحبة الحقيقية. وإذ فرض عليكم صوموا {أَيَّاماً} قلائل {مَّعْدُودَاتٍ} هي شهر رمضان {فَمَن كَانَ مِنكُم} حين ورود شهر رمضان الذي فرض فيه الصيام {مَّرِيضاً} مرضاً يضره الصوم أو يعسر عليه {أَوْ} حين وروده {عَلَىٰ} جناح {سَفَرٍ} مقدار مسافة مقدرة عند الفقهاء فأنظر {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} مساوية للأيام المفطرة، يجب على المفطر بلا كفارة {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: الصوم، فيفطرونه مع أنهم ليسوا مرضى ولا مسافرين {فِدْيَةٌ} هي {طَعَامُ مِسْكِينٍ} أي: فدية كل يومٍ من الأيام المفطرة من رضمان طعامُ واحدٍ من المساكين {فَمَن تَطَوَّعَ} زاد في الفدية {خَيْراً} تبرعاً زائداً مما كتب له {فَهُوَ} أي: ما زاد عليها {خَيْرٌ لَّهُ} عند ربه يجزيه عليه زيادة جزاءٍ {وَأَن تَصُومُواْ} أيها المؤمنون {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الفدية، وزيادة عليها متبرعاً {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] سرائر الإمساك والفوائد والعائدة منها إلى نفوسكم، من كسر الشهوة والتلقي على الطاعة والتوجه مع الفراعنة، هذا في بدء الإسلام، ثم نسخ بالآية ستذكر. واعلموا أيها المؤمنون أن أفضل الشهور عند الله وأرفعها قدراً ومرتبة: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} أي: ابتداء نزوله أو نزل كله فيه، بل الك تب الأربعة كلها تنزل فيه على ما نقل في الحديث وكيف لا يكون أفضل الشهور، والحال أن القرآن النزل فيه {هُدًى لِّلنَّاسِ} المؤمنين بتوحيد الله المتوجهين نحو جنابه يهديهم إلى مرتبة اليقين {وَبَيِّنَاتٍ} شواهد وآيات واضحات {مِّنَ ٱلْهُدَىٰ} الموصل للمستكشفين عن سرائر التوحيد إلى مرتبة عين اليقين {وَٱلْفُرْقَانِ} الفارق لهم بين الحق الذي هو الوجود الإلهي، والباطل الذي هو الوجودات الكونية يوصلهم إلى مرتبة حق اليقين {فَمَن شَهِدَ} أدرك {مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ} المذكور مقيماً مطيقاً بلا عذر {فَلْيَصُمْهُ} ثلاثين يوماً حتى بلا إفطار وإفداء؛ لأن هذه الآية ناسخة للآية السابقة. {وَمَن كَانَ مَرِيضاً} لا يطيق على صومه خوفاً من شدة مرضه {أَوْ عَلَىٰ} متن {سَفَرٍ} فأفطر دفعاً للحرج {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي: لزم عليه صيام أيام أخر قضاء لأيام الفطر إنما {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ} أيها المؤمنون {ٱلْيُسْرَ} لئلا يتحرجوا {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} لئلا تضطروا وتضطربوا وإنما رخص لكم الإفطار في المرض والسفر {وَ} ألزم عليكم القضاء بعد {لِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} المفروضة لكم في كل سنة؛ لئلا تحرموا عن منافع الصوم {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} وتعظموه {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} إلى الرخص عند الاضطرار {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] تتنبهون بشكر نعمه الفائضة عليكم في أمثال هذه المضائق إلى ذاته، أو يشكر نعمه تتقربون إليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان. وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها. ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه. فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله، راجيا بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى. ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى. ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام، أخبر أنه أيام معدودات، أي: قليلة في غاية السهولة. ثم سهل تسهيلا آخر. فقال: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وذلك للمشقة، في الغالب، رخص الله لهما، في الفطر. ولما كان لا بد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن، أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض، وانقضى السفر، وحصلت الراحة. وفي قوله: { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ } فيه دليل على أنه يقضي عدد أيام رمضان، كاملا كان، أو ناقصا، وعلى أنه يجوز أن يقضي أياما قصيرة باردة، عن أيام طويلة حارة كالعكس. وقوله: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أي: يطيقون الصيام { فِدْيَةٌ } عن كل يوم يفطرونه { طَعَامُ مِسْكِينٍ } وهذا في ابتداء فرض الصيام، لما كانوا غير معتادين للصيام، وكان فرضه حتما، فيه مشقة عليهم، درجهم الرب الحكيم، بأسهل طريق، وخيَّر المطيق للصوم بين أن يصوم، وهو أفضل، أو يطعم، ولهذا قال: { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } . ثم بعد ذلك، جعل الصيام حتما على المطيق وغير المطيق، يفطر ويقضيه في أيام أخر [وقيل: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أي: يتكلفونه، ويشق عليهم مشقة غير محتملة، كالشيخ الكبير، فدية عن كل يوم مسكين وهذا هو الصحيح]. { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } أي: الصوم المفروض عليكم، هو شهر رمضان، الشهر العظيم، الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة. فحقيق بشهر، هذا فضله، وهذا إحسان الله عليكم فيه، أن يكون موسما للعباد مفروضا فيه الصيام. فلما قرره، وبين فضيلته، وحكمة الله تعالى في تخصيصه قال: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر. ولما كان النسخ للتخيير، بين الصيام والفداء خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يتوهم أن الرخصة أيضا منسوخة [فقال] { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أشد تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله. وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله، سهَّله تسهيلا آخر، إما بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات. وهذه جملة لا يمكن تفصيلها، لأن تفاصيلها، جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات. { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } وهذا - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهم، أن صيام رمضان، يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله [تعالى] عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه، ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } [183] 35- أنا عُبيد الله بن سعيد، نا يحيى، عن هشام، أخبرني أبي، عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فنزل صوم رمضان هو الفريضة، فمن شاء صام يوم عاشوراء، ومن شاء ترك. 36- أنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عِراكا، أخبره أن عروة أخبره، عن عائشة: أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم/ بصيامه حتى فرض رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شاء فليصمه، ومن شاء أفطره ".

همام الصنعاني

تفسير : 178- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}: [الآية: 183]، قال: كتب الله تعالى شهر رمضان على النَّاس، كما كَتَبه على الذين مِنْ قبلهم، وقد كان كتب على الناس قبل أن ينزل شهر رمضان، صوم ثلاثة أيام من كل شَهْرٍ.