٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
184
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في قوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } مسائل: المسألة الأولى: في انتصاب {أَيَّامًا } أقوال الأول: نصب على الظرف، كأنه قيل: كتب عليكم الصيام في أيام، ونظيره قولك: نويت الخروج يوم الجمعة والثاني: وهو قول الفراء أنه خبر ما لم يسم فاعله، كقولهم: أعطى زيد مالاً والثالث: على التفسير والرابع: بإضمار أي فصوموا أياماً. المسألة الثانية: اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء، ورواه عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء فقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، عن عطاء، وقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عاشوراء، عن قتادة، ثم اختلفوا أيضاً فقال بعضهم: إنه كان تطوعاً ثم فرض، وقيل: بل كان واجباً واتفق هؤلاء على أنه منسوخ بصوم رمضان، واحتج القائلون بأن المراد بهذه الأيام غير صوم رمضان بوجوه الأول: ما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أن صوم رمضان نسخ كل صوم، فدل هذا على أن قبل وجوب رمضان كان صوماً آخر واجباً الثاني: أنه تعالى ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية، ثم ذكر حكمهما أيضاً في الآية التي بعد هذه الآية الدالة على صوم رمضان، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان، لكان ذلك تكريراً محضاً من غير فائدة وأنه لا يجوز الثالث: أن قوله تعالى في هذا الموضع: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } يدل على أن الصوم واجب على التخيير، يعني: إن شاء صام، وإن شاء أعطى الفدية، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. القول الثاني: وهو اختيار أكثر المحققين، كابن عباس والحسن وأبـي مسلم أن المراد بهذه الأيام المعدودات: شهر رمضان قالوا، وتقريره أنه تعالى قال أولاً: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام ثم بينه بقوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } فزال بعض الإحتمال ثم بينه بقوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه، لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها فلا يجوز القول به. أما تمسكهم أولاً بقوله عليه السلام: «حديث : إن صوم رمضان نسخ كل صوم»تفسير : . فالجواب: أنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يكون المراد أنه نسخ كل صوم واجب في الشرائع المتقدمة، لأنه كما يصح أن يكون بعض شرعه ناسخاً للبعض، فيصح أن يكون شرعه ناسخاً لشرع غيره. سلمنا أن هذا الخبر يقتضي أن يكون صوم رمضان نسخ صوماً ثبت في شرعه، ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية فمن أين لنا أن المراد بهذه الآية غير شهر رمضان. وأما حجتهم الثانية: وهي أن هذه الأيام لو كانت هي شهر رمضان، لكان حكم المريض والمسافر مكرراً. فالجواب: أن في الابتداء كان صوم شهر رمضان ليس بواجب معين، بل كان التخيير ثابتاً بينه وبين الفدية، فلما كان كذلك ورخص للمسافر الفطر كان من الجائز أن يظن أن الواجب عليه الفدية دون القضاء، ويجوز أيضاً أنه لا فدية عليه ولا قضاء لمكان المشقة التي يفارق بها المقيم، فلما لم يكن ذلك بعيداً بين تعالى أن إفطار المسافر والمريض في الحكم خلاف التخيير في حكم المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر، فلما نسخ الله تعالى ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتماً، كان من الجائز أن يظن أن حكم الصوم لما انتقل عن التخيير إلى التضييق حكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه بمنزلة المقيم الصحيح من حيث تغير حكم الله في الصوم، فبين تعالى أن حال المريض والمسافر ثابت في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالها أولاً، فهذا هو الفائدة في إعادة ذكر حكم المسافر والمريض، لا لأن الأيام المعدودات سوى شهر رمضان. وأما حجتهم الثالثة: وهي قولهم صوم هذه الأيام واجب مخير، وصوم شهر رمضان واجب معين. فجوابه ما ذكرنا من أن صوم شهر رمضان كان واجباً مخيراً، ثم صار معيناً، فهذا تقرير هذا القول، واعلم أن على كلا القولين لا بد من تطرق النسخ إلى هذه الآية، أما على القول الأول فظاهر، وأما على القول الثاني فلأن هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجباً مخيراً والآية التي بعدها تدل على التعيين، فكانت الآية الثانية ناسخة لحكم هذه الآية، وفيه إشكال وهو أنه كيف يصح أن يكون قوله:{أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تفسير : [البقرة: 185] ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح. وجوابه: أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول وهذا كما قاله الفقهاء في عدة المتوفى عنها زوجها أن المقدم في التلاوة وهو الناسخ والمنسوخ متأخر وهذا ضد ما يجب أن يكون عليه حال الناسخ والمنسوخ فقالوا: إن ذلك في التلاوة أما في الإنزال فكان الاعتداد بالحول هو المتقدم والآية الدالة على أربعة أشهر وعشر هي المتأخرة فصح كونها ناسخة وكذلك نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير. المسألة الثالثة: في قوله: {مَّعْدُودٰتٍ } وجهان أحدهما: مقدرات بعدد معلوم وثانيهما: قلائل كقوله تعالى: {أية : دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ } تفسير : [يوسف: 20] وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد ويحتاط في معرفة تقديره، وأما الكثير فإنه يصب صباً ويحثى حثياً والمقصود من هذا الكلام كأنه سبحانه يقول: إني رحمتكم وخففت عنكم حين لم أفرض عليكم صيام الدهر كله، ولا صيام أكثره، ولو شئت لفعلت ذلك ولكني رحمتكم وما أوجبت الصوم عليكم إلا في أيام قليلة، وقال بعض المحققين: يجوز أن يكون قوله: {أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } من صلة قوله: {أية : كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 183] وتكون المماثلة واقعة بين الفرضين من هذا الوجه، وهو تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان في الطول والقصر، ويكون المراد ما ذكرناه من تعريفه سبحانه إيانا أن فرض الصوم علينا وعلى من قبلنا ما كان إلا مدة قليلة لا تشتد مشقتها، فكان هذا بياناً لكونه تعالى رحيماً بجميع الأمم، ومسهلاً أمر التكاليف على كل الأمم. أما قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فالمراد منه أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين فأما من كان مريضاً أو مسافراً فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر قال القفال رحمه الله: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمة المتقدمة والغرض منه ما ذكرنا أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت، ثم ثانياً بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم ثالثاً: بين أنه مختص بأيام معدودة، فإنه لو جعله أبداً أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة ثم بين رابعاً: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة، ثم بين خامساً: إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيراً، إذا عرفت هذا فنقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } إلى قوله: {أخر } فيه معنى الشرط والجزاء أي من يكن منكم مريضاً أو مسافراً فأفطر فليقض، وإذا قدرت فيه معنى الشرط كان المراد بقوله كان الإستقبال لا الماضي، كما تقول: من أتاني أتيته. المسألة الثانية: المرض عبارة عن عدم اختصاص جميع أعضاء الحي بالحالة المقتضية لصدور أفعاله سليمة سلامة تليق به، واختلفوا في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال أحدها: أن أي مريض كان، وأي مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظه المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين، يروى أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فاعتل بوجع أصبعه وثانيها: أن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد، وبالمسافر الذي يكون كذلك، وهذا قول الأصم، وحاصله تنزيل اللفظ المطلق على أكمل الأحوال وثالثها: وهو قول أكثر الفقهاء: أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر النفس أو زيادة في العلة، إذ لا فرق في الفعل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام تشتد حماه، وصاحب وجع العين يخاف إن صام أن يشتد وجع عينه، قالوا: وكيف يمكن أن يقال كل مرض مرخص مع علمنا أن في الأمراض ما ينقصه الصوم، فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته، ثم تأثيره في الأمر اليسير لا عبرة به، لأن ذل قد يحصل فيمن ليس بمريض أيضاً، فإذن يجب في تأثيره ما ذكرناه. المسألة الثالثة: أصل السفر من الكشف وذلك أنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم والمسفرة المكنسة، لأنها تسفر التراب عن الأرض، والسفير الداخل بين اثنين للصلح، لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما، والمسفر المضيء، لأنه قد انكشف وظهر ومنه أسفر الصبح والسفر الكتاب، لأنه يكشف عن المعاني ببيانه، وأسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت النقاب، قال الأزهري: وسمي المسافر مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء، وسمي السفر سفراً لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، ويظهر ما كان خافياً منهم، واختلف الفقهاء في قدر السفر المبيح للرخص، فقال داود: الرخص حاصلة في كل سفر ولو كان السفر فرسخاً، وتمسك فيه بأن الحكم لما كان معلقاً على كونه مسافراً، فحيث تحقق هذا المعنى حصل هذا الحكم أقصى ما في الباب أنه يروي خبر واحد في تخصيص هذا العموم، لكن تخيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وقال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم: وذلك لأن أقل من هذا القدر قد يتفق للمقيم، وأما الأكثر فليس عدد أولى من عدد، فوجب الاقتصار على الواحد، ومذهب الشافعي أنه مقدر بستة عشر فرسخاً، ولا يحسب منه مسافة الإياب، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاث أقدام خطوة، وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحق وقال أبو حنيفة والثوري: رخص السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرين فرسخاً، حجة الشافعي وجهان الأول: قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مقتضاه أن يترخص المسافر مطلقاً ترك العمل به فيما إذا كان السفر مرحلة واحدة لأن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله، أما إذا تكرر التعب في اليومين فإنه يشق تحمله فيناسب الرخصة تحصيلاً لهذا التخفيف. الحجة الثانية: من الخبر: وهو ما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان تفسير : ، قال أهل اللغة: وكل بريد أربعة فراسخ فيكون مجموعه ستة عشر فرسخاً، وروي عن الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا. فقال إلى مر الظهران؟ فقال: لا. ولكن اقصر إلى جدة وعسفان والطائف، قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد، وحجة أبـي حنيفة أيضاً من وجهين الأول: أن قوله: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تفسير : [البقرة: 185] يقتضي وجوب الصوم عدلنا عنه في ثلاثة أيام بسبب الإجماع على أن هذا القدر مرخص، والأقل منه مختلف فيه، فوجب أن يبقى وجوب الصوم. الحجة الثانية: من الخبر وهو قوله عليه السلام: «حديث : يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» تفسير : دل الخبر على أن لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام، ولا يكون كذلك حتى تتقدر مدة السفر ثلاثة أيام، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل السفر علة المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن وجعل هذا المسح معلولاً والمعلول لا يزيد على العلة. والجواب عن الأول: أنه معارض بما ذكرناه من الآية فإن رجحوا جانبهم بأن الاحتياط في العبادات أولى، رجحنا جانبنا بأن التخفيف في رخص السفر مطلوب الشرع، بدليل قوله عليه السلام: «حديث : هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا منه صدقته» تفسير : والترجيح لهذا الجانب، لأن الدليل الدال على أن رخص السفر مطلوبة للشرع أخص من الدليل الدال على وجوب رعاية الاحتياط والجواب عن الثاني: أنه عليه السلام قال: «حديث : يمسح المقيم يوماً وليلة» تفسير : وهذا لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة صار مقيماً فكذا قوله: «حديث : والمسافر ثلاثة أيام»تفسير : لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: رعاية اللفظ تقتضي أن يقال فمن كان منكم مريضاً أو مسافراً ولم يقل هكذا بل قال: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ }. وجوابه: أن الفرق هو أن المرض صفة قائمة بالذات: فإن حصلت حصلت وإلا فلا وأما السفر فليس كذلك لأن الإنسان إذا نزل في منزل فإن عدم الإقامة كان سكونه هناك إقامة لا سفراً وإن عدم السفر كان هو في ذلك الكون مسافراً فإذن كونه مسافراً أمر يتعلق بقصده واختياره، فقوله: {عَلَىٰ سَفَرٍ } معناه كونه على قصد السفر، والله أعلم بمراده. المسألة الخامسة: {ٱلْعِدَّةَ } فعلة من العد، وهو بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة وعدة المرأة من هذا. فإن قيل: كيف قال: {فَعِدَّةٌ } على التنكير ولم يقل فعدتها أي فعدة الأيام المعدودات. قلنا: لأنا بينا أن العدة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياماً معدودة مكانها والظاهر أنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. المسألة السادسة: {عِدَّةَ } قرئت مرفوعة ومنصوبة، أما الرفع فعلى معنى فعليه صوم عدة فيكون هذا من باب حذف المضاف، وأما إضمار {عَلَيْهِ } فيدل عليه حرف الفاء. وأما النصب فعلى معنى: فليصم عدة. المسألة السابعة: ذهب قوم من علماء الصحابة إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر، وهو قول ابن عباس وابن عمر، ونقل الخطابـي في أعلام التنزيل عن ابن عمر أنه قال لو صام في السفر قضى في الحضر، وهذا اختيار داود بن علي الأصفاني، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام حجة الأولين من القرآن والخبر أما القرآن فمن وجهين الأول: أنا إن قرأنا {عِدَّةَ } بالنصب كان التقدير: فليصم عدة من أيام أخر وهذا للإيجاب، ولو أنا قرأنا بالرفع كان التقدير: فعليه عدة من أيام، وكلمة {عَلَىٰ } للوجوب فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إيجاب صوم أيام أخر، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجباً ضرورة أنه لا قائل بالجمع. الحجة الثانية: أنه تعالى أعاد فيما بعد ذلك هذه الآية، ثم قال عقيبها {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] ولا بد وأن يكون هذا اليسر والعسر شيئاً تقدم ذكرهما، وليس هناك يسر إلا أنه أذن للمريض والمسافر في الفطر، وليس هناك عسر إلا كونهما صائمين فكان قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } معناه يريد منكم الإفطار ولا يريد منكم الصوم فذلك تقرير قولنا، وأما الخبر فإثنان الأول: قوله عليه السلام:«حديث : ليس من البر الصيام في السفر» لتفسير : ا يقال هذا الخبر وارد عن سبب خاص، وهو ما روي أنه عليه الصلاة والسلام مر على رجل جالس تحت مظلة فسأل عنه فقيل هذا صائم أجهده العطش، فقال: «حديث : ليس من البر الصيام في السفر» تفسير : لأنا نقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الصائم في / السفر كالمفطر في الحضر» تفسير : . أما حجة الجمهور: فهي أن في الآية إضماراً لأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر وتمام تقرير هذا الكلام أن الإضمار في كلام الله جائز في الجملة وقد دل الدليل على وقوعه ههنا أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ } تفسير : [البقرة: 60] والتقدير فضرب فانفجرت وكذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رؤسكم} إلى قوله: {أية : أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } تفسير : [البقرة: 196] أي فحلق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز، أما أن الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه الأول: قال القفال: قوله تعالى: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تفسير : [البقرة: 185] يدل على وجوب الصوم ولقائل أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين الأول: أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تفسير : [البقرة: 185] على العموم لزمنا الإضمار في قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وقد بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى والثاني وهو أن ظاهر قوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ } يقتضي الوجوب عيناً، ثم إن هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه: {عِدَّةَ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } على ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار. الوجه الثاني: ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط، فقال: القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر، فلما أوجب الله القضاء والقضاء مسبوق بالفطر، دل على أنه لا بد من إضمار الإفطار وهذا في غاية السقوط لأن الله تعالى لم يقل: فعليه قضاء ما مضى بل قال: فعليه صوم عدة في أيام أخر وإيجاب الصوم عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقاً بالإفطار. الوجه الثالث: ما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل أصوم على السفر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : صم إن شئت وأفطر إن شئت» تفسير : ولقائل أن يقول: هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد لأن ظاهر القرآن يقتضي وجوب صوم سائر الأيام، فرفع هذا الخبر غير جائز إذا ثبت ضعف هذه الوجوه، فالاعتماد في إثبات المذهب على قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } وسيأتي بيان وجه الاستدلال إن شاء الله تعالى. المسألة الثامنة: لمذهب القائلين بأن الصوم جائز فرعان: الفرع الأول: اختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر؟ فقال أنس بن مالك وعثمان بن أبـي أوفى الصوم أفضل وهو مذهب الشافعي وأبـي حنيفة ومالك والثوري وأبـي يوسف ومحمد، وقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبـي والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقالت فرقة ثالثة: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء. /حجة الأولين: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وقوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }. حجة الفرقة الثانية: أن القصر في الصلاة أفضل، فوجب أن يكون الإفطار أفضل. والجواب: أن من أصحابنا من قال: الإتمام أفضل إلا أنه ضعيف، والفرق من وجهين: أحدهما: أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون الصلاة إذا قصرها والثاني: أن فضيلة الوقت تفوت بالفطر ولا تفوت بالقصر. حجة الفرقة الثالثة: قوله تعالى:{أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] فهذا يقتضي أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام وإن كان الفطر أيسر أفطر. الفرع الثاني: أنه إذا أفطر كيف يقضي؟ فمذهب علي وابن عمر والشعبـي أنه يقضيه متتابعاً وقال الباقون: التتابع مستحب وإن فرق جاز حجة الأولين وجهان الأول: أن قراءة أبـي {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ } متتابعات والثاني: أن القضاء نظير الأداء فلما كان الأداء متتابعاً، فكذا القضاء. حجة الفرقة الثانية: أن قوله: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } نكرة في سياق الإثبات، فيكون ذلك أمراً بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقاً، فيكون التقييد بالتتابع مخالفاً لهذا التعميم، وعن أبـي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر وإن شئت ففرق والله أعلم. وروي أن رجلاً قال للنبـي صلى الله عليه وسلم علي أيام من رمضان أفيجزيني أن أقضيها متفرقاً فقال له: «حديث : أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم والدرهمين أما كان يجزيك؟ فقال: نعم. قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح»تفسير : . المسألة التاسعة: {أخر } لا ينصرف لأنه حصل فيه سببان الجمع والعدل أما الجمع فلأنها جمع أخرى، وأما العدل فلأنها جمع أخرى، وأخرى تأنيث آخر، وآخر على وزن أفعل، وما كان على وزن أفعل فإنه إما أن يستعمل مع {مِنْ } أو مع الألف واللام، يقال: زيد أفضل من عمرو وزيد الأفضل، وكان القياس أن يقال رجل آخر من زيد كما تقول قدم أمن عمرو، إلا أنهم حذفوا لفظ {مِنْ } لأن لفظه اقتضى معنى {مِنْ } فأسقطوا {مِنْ } إكتفاء بدلالة اللفظ عليه، والألف واللام منافيان {مِنْ } فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر وآخر وأخرى معدولة عن حكم نظائرها، لأن الألف واللام استعملتا فيها ثم حذف. أما قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: القراءة المشهورة المتواترة {يُطِيقُونَهُ } وقرأ عكرمة وأيوب السختياني وعطاء {يُطِيقُونَهُ } ومن الناس من قال: هذه القراءة مروية عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد قال: ابن جني: أما عين الطاقة فواو كقولهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي به وعليه قراءة (يطوقونه) فهو يفعلونه فهو كقولك: يجشمونه. أي يكلفونه. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } على ثلاثة أقوال الأول: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض وذلك لأن المسافر والمريض قد يكون منهما من لا يطيق الصوم ومنهما من يطيق الصوم. وأما القسم الأول: فقد ذكر الله حكمه في قوله: {وَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }. وأما القسم الثاني: وهو المسافر والمريض اللذان يطيقان الصوم، فإليهما الإشارة بقوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } فكأنه تعالى أثبت للمريض وللمسافر حالتين في إحداهما يلزمه أن يفطر وعليه القضاء وهي حال الجهد الشديد لو صام والثانية: أن يكون مطيقاً للصوم لا يثقل عليه فحينئذ يكون مخيراً بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية. القول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولاً بين هذين، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقاً معيناً. القول الثالث: أنه نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم قالوا: وتقريره من وجهين أحدهما: أن الوسع فوق الطاقة فالوسع اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة أما الطاقة فهو اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة فقوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة. الوجه الثاني: في تقرير هذا القول القراءة الشاذة {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } فإن معناه وعلى الذين يجشمونه ويكلفونه، ومعلوم أن هذا لا يصح إلا في حق من قدر على الشي مع ضرب من المشقة. إذا عرفت هذا فنقول: القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين أحدهما: وهو قول السدي: أنه هو الشيخ الهرم، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة، يروى أن أنساً كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم لكل يوم مسكيناً وقال آخرون: إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما وعلى ولديهما فقال: فأي مرض أشد من الحمل تفطر وتقضي. واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية، أما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية؟ فقال الشافعي رضي الله عنه: عليهما الفدية، فقال أبو حنيفة: لا تجب حجة الشافعي أن قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } يتناول الحامل والمرض، وأيضاً الفدية واجبة على الشيخ الهرم فتكون واجبة أيضاً عليهما، وأبو حنيفة فرق فقال: الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه فلا جرم وجبت الفدية، أما الحامل والمرضع فالقضاء واجب عليهما، فلو أوجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز لأن القضاء بدل والفدية بدل، فهذا تفصيل هذه الأقوال الثلاثة في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ }. أما القول الأول: وهو اختيار الأصم فقد احتجوا على صحته من وجوه أحدها: أن المرض المذكور في الآية إما أن يكون هو المرض الذي يكون في الغاية، وهو الذي لا يمكن تحمله، أو المراد كل ما يسمى مرضاً، أو المراد منه ما يكون متوسطاً بين هاتين الدرجتين، والقسم الثاني باطل بالإتفاق، والقسم الثالث أيضاً باطل، لأن المتوسطات لها مراتب كثيرة غير مضبوطة، وكل مرتبة منها فإنها بالنسبة إلى ما فوقها ضعيفة وبالنسبة إلى ما فوقها إلى ما تحتها قوية، فإذا لم يكن في اللفظ دلالة على تعيين تلك المرتبة مع أن مراد الله هو تلك المرتبة صارت الآية مجملة وهو خلاف الأصل، ولما بطل هذان القسمان تعين أن المراد هو القسم الأول، وذلك لأنه مضبوط، فحمل الآية عليه أولى لأنه لا يفضي إلى صيرورة الآية مجملة. إذا ثبت هذا فنقول: أول الآية دل على إيجاب الصوم، وهو قوله: كتب عليكم الصيام أياماً معدودات ثم بين أحوال المعذورين، ولما كان المعذورون على قسمين: منهم من لا يطيق الصوم أصلاً، ومنهم من يطيقه مع المشقة والشدة، فالله تعالى ذكر حكم القسم الأول ثم أردفه بحكم القسم الثاني. الحجة الثانية: في تقرير هذا القول أنه لا يقال في العرف للقادر القوي: إنه يطيق هذا الفعل لأن هذا اللفظ لا يستعمل إلا في حق من يقدر عليه مع ضرب من المشقة. الحجة الثالثة: أن على أقوالكم لا بد من إيقاع النسخ في هذه الآية وعلى قولنا لا يجب، ومعلوم أن النسخ كلما كان أقل كان أولى فكان المصير إلى إثبات النسخ من غير أن يكون في اللفظ ما يدل عليه غير جائز. الحجة الرابعة: أن القائلين بأن هذه الآية منسوخة اتفقوا على أن ناسخها آية شهود الشهر، وذلك غير جائز لأنه تعالى قال في آخر تلك الآية: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] ولو كانت الآية ناسخة لهذا لما كان قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } لائقاً بهذا الموضع، لأن هذا التقدير أوجب الصوم على سبيل التضييق، ورفع وجوبه على سبيل التخيير، فكان ذلك رفعاً لليسر وإثباتاً للعسر فكيف يليق به أن يقول: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ }. واحتج القاضي رحمه الله في فساد قول الأصم فقال: إن قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } معطوف على المسافر والمريض، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه فبطل قول الأصم. والجواب: أنا بينا أن المراد من المسافر والمريض المذكورين في الآية هما اللذان لا يمكنهما الصوم ألبتة، والمراد من قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } المسافر والمريض اللذان يمكنهما الصوم، فكانت المغايرة حاصلة فثبت بما بينا أن القول الذي اختاره الأصم ليس بضعيف، أما إذا وافقنا الجمهور وسلمنا فساده بقي القولان الآخران، وأكثر المفسرين والفقهاء على القول الثاني، واختاره الشافعي واحتج على فساد القول الثالث، وهو قول من حمله على الشيخ الهرم والحامل والمرضع بأن قال: لو كان المراد هو الشيخ الهرم لما قال في آخر الآية: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } لأنه لا يطيقه، ولقائل أن يقول: هذا محمول على الشيخ الهرم الذي يطيق الصوم ولكنه يشق عليه، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع أن يقال له: لو تحملت هذه المشقة لكان ذلك خيراً لك فإن العبادة كلما كانت أشق كانت أكثر ثواباً. أما قوله تعالى: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر {فِدْيَةٌ } بغير تنوين {طَعَامٌ } بالكسر مضافاً إليه {مَسَـٰكِينَ } جمعا، والباقون {فِدْيَةٌ } منونة {طَعَامٌ } بالرفع {مّسْكِينٌ } مخفوض، أما القراءة الأولى ففيها بحثان الأول: أنه ما معنى إضافة فدية إلى طعام؟ فنقول فيه وجهان: أحدهما: أن الفدية لها ذات وصفتها أنها طعام، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وبقله الحمقاء والثاني: قال الواحدي: الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى {مِنْ } كقولك: ثوب خز وخاتم حديد، والمعنى: ثوب من خز وخاتم من حديد، فكذا ههنا التقدير: فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم الطعام. البحث الثاني: أن في هذه القراءة جمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمه مسكين، وأما القراءة الثانية وهي {فِدْيَةٌ } بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسراً له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد لكل يوم طعام مسكين. المسألة الثانية: الفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم على الشيء وعند أبـي حنيفة أنه نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وهو مدان وعند الشافعي مد. المسألة الثالثة: احتج الجبائي بقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } على أن الاستطاعة قبل الفعل فقال: الضمير في قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } عائد إلى الصوم فأثبت القدرة على الصوم حال عدم الصوم، لأنه أوجب عليه الفدية، وإنما يجب عليه الفدية إذا لم يصم، فدل هذا على أن القدرة على الصوم حاصلة قبل حصول الصوم. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الضمير عائد إلى الفدية؟ قلنا لوجهين أحدهما: أن الفدية غير مذكورة من قبل فكيف يرجع الضمير إليها والثاني: أن الضمير مذكر والفدية مؤنثة، فإن قيل: هذه الآية منسوخة فكيف يجوز الاستدلال بها قلنا: كانت قبل أن صارت منسوخة دالة على أن القدرة حاصلة قبل الفعل، والحقائق لا تتغير. أما قوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أن يطعم مسكيناً أو أكثر والثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب والثالث: قال الزهري: من صام مع الفدية فهو خير له. أما قوله: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } ففيه وجوه أحدها: أن يكون هذا خطاباً مع الذين يطيقونه فقط، فيكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية والثاني: أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى لأن اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله بقوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أن يكون حكمه مختصاً بهم، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل، فوجب الحكم بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد من الإضمار في قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر الثالث: أن يكون قوله: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } عطفاً عليه على أول الآية فالتقدير: كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم. أما قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي أن الصوم عليكم فاعلموا صدق قولنا وأن تصوموا خير لكم. الثاني: أن آخر الآية متعلق بأولها والتقدير كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أي أنكم إذا تدبرتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للتقوى وغيرها مما ذكرناه في صدر هذه الآية. الثالث: أن العالم بالله لا بد وأن يكون في قلبه خشية الله على ما قال: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ } تفسير : [فاطر: 28] فذكر العلم والمراد الخشية، وصاحب الخشية يراعي الإحتياط والاحتياط في فعل الصوم، فكأنه قيل: إن كنتم تعلمون الله حتى تخشونه كان الصوم خيراً لكم.
البيضاوي
تفسير : {أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ} مؤقتات بعدد معلوم، أو قلائل. فإن القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلاً، ونصبها ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما بل بإضمار صوموا لدلالة الصيام عليه، والمراد به رمضان أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونسخ به، وهو عاشوراء أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو بكما كتب على الظرفية، أو على أنه مفعول ثان لـ {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} على السعة. وقيل معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام، لما روي: أن رمضان كتب على النصارى، فوقع في برد أو حر شديد فحولوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين كفارة لتحويله. وقيل زادوا ذلك لموتان أصابهم. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} مرضاً يضره الصوم أو يعسر معه. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أو راكب سفر، وفيه إيماء إلى أن من سافر أثناء اليوم لم يفطر. {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي فعليه صوم عدد أيام المرض، أو السفر من أيام أخر إن أفطر، فحذف الشرط والمضاف والمضاف إليه للعلم بها. وقرىء بالنصب أي فليصم عدة، وهذا على سبيل الرخصة. وقيل على الوجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرة رضي الله عنه {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا. {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند فقهاء العراق، ومد عند فقهاء الحجاز. رخص لهم في ذلك أول الأمر لما أمروا بالصوم فاشتد عليهم لأنهم لم يتعودوه، ثم نسخ. وقرأ نافع وابن عامر برواية ابن ذكوان بإضافة الفدية إلى الطعام وجمع «المساكين». وقرأ ابن عامر برواية هشام «مساكين» بغير إضافة الفدية إلى الطعام، والباقون بغير إضافة وتوحيد مسكين، وقرىء «يطوقونه» أي يكلفونه ويقلدونه في الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة ويتطوقونه أي يتكلفونه، أو يتقلدونه ويطوقونه بالإِدغام، و «يطيقونه» و «يتطيقونه» على أن أصلهما يطوقونه من فيعل وتفيعل بمعنى يطوقونه ويتطوقونه، وعلى هذه القراءات يحتمل معنى ثانياً وهو الرخصة لمن يتعبه الصوم ويجهده ـ وهم الشيوخ والعجائز ـ في الإِفطار والفدية، فيكون ثابتاً وقد أول به القراءة المشهورة، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} فزاد في الفدية. {فَهُوَ} فالتطوع أو الخير. {خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ} أيها المطيقون، أو المطوقون وجهدتم طاقتكم. أو المرخصون في الإِفطار ليندرج تحته المريض والمسافر. {خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية أو تطوع الخير أو منهما ومن التأخير للقضاء. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله أي اخترتموه. وقيل معناه إن كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَيَّامًا } نُصِبَ بالصيام أو بـ(صوموا) مقدّراً {مَّعْدُودٰتٍ } أي قلائل أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلَّله تسهيلاً على المكلفين {فَمَن كَانَ مِنكُم } حين شهوده {مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ } أي مسافرا سفر القصر وأجهده الصوم في الحالين فأفطر {فَعِدَّةٌ } فعليه عدة ما أفطر {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } يصومها بدله {وَعَلَى ٱلَّذِينَ } لا {يُطِيقُونَهُ } لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه {فِدْيَةٌ } هي {طَعَامُ مِسْكِنٍ } أي قدر ما يأكله في يومه وهو مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم، وفي قراءة[فدية طعام مسكين] بإضافة (فدية) وهي للبيان وقيل «لا» غير مقدرة وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ بتعيين الصوم بقوله(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } بالزيادة على القدر المذكور في الفدية {فَهُوَ } أي التطوع {خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ } مبتدأ و خبره {خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإفطار والفدية {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم فافعلوه تلك الأيام.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} هي شهر رمضان عند الجمهور، أو الأيام البيض عند ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ثم نسخت برمضان، وهي الثاني عشر وما يليه، أو الثالث عشر وما يليه على الأظهر. {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يجب القضاء عند داود على المسافر والمريض سواء صاما أو أفطرا، وعند الجمهور لا يجب القضاء إلا على من أفطر. {يُطِيقُونَهُ} كانوا مخيّرين بين الصوم والفطر مع الإطعام بدلاً من الصوم، ثم نسخ بقوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ}، أو بقوله تعالى {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أو وعلى الذين كانوا يطيقونه شباباً ثم عجزوا بالكبر أن يفطروا ويفتدوا، وقرأ ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {يُطِيقُونَهُ} يُكلفونه فلا يقدرون عليه كالشيخ والشيخة والحامل والمرضع ـ الفدية ولا قضاء عليهم لعجزهم. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} بالصوم مع الفدية، أو بالزيادة على مسكين واحد.
الخازن
تفسير : {أياماً معدودات} أي مقدرات. وقيل قليلات. وقيل: إنه كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجباً وصوم يوم عاشوراء ثم نسخ ذلك بفريضة صوم شهر رمضان. قال ابن عباس أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ثم الصوم (ق) عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه وقيل إن المراد من قوله أياماً معدودات أيام شهر رمضان ووجهه أن الله تعالى قال أولاً: {كتب عليكم الصيام} وهذا يحتمل صوم يوم أو يومين ثم بينه بقوله: معدودات على أنه أكثر من ذلك لكنها غير منحصرة بعدد ثم بين حصرها بقوله: شهر رمضان فإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمل الأيام المعدودات على غير رمضان فتكون الاية غير منسوخة يقال: إن فريضة رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة وذلك قبل غزوة بدر بشهر وأيام، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر} أي فأفطر {فـ} عليه {عدة من أيام أخر} يعني غير أيام مرضه وسفره {وعلى الذين يطيقونه} أي يطيقون الصوم. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب أكثرهم إلى أنها منسوخة وهو قول عمر بن الخطاب وسلمة بن الأكوع وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا وإنما خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 285] فصارت هذه الاية ناسخة للتخيير (ق) عن سلمة بن الأكوع قال لما نزلت هذه الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسخها وفي رواية حتى نزلت هذه الآية {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 285] وقال قتادة: هي خاصة في حق الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ولكن يشق عليه رخص له أن يفطر ويفتدي ثم نسخ ذلك. وقال الحسن: هذا في المريض الذي يقع عليه اسم المرض وهو يستطيع الصوم خير بين الصيام وبين أن يفطر ويفتدي ثم نسخ. وذهب جماعة منهم ابن عباس إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، ومعناها وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب، ثم عجزوا عنه عند الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم وقرأ ابن عباس: وعلى الذين كانوا يطيقونه بضم الياء وفتح الطاء وبالواو المشددة المفتوحة عوض الياء ومعناه يكلفون الصوم (خ) عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: {وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً {فدية طعام مسكين} الفدية الجزاء وهو القدر الذي يبذله الإنسان، يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة ونحوها ويجب على من أفطر في رمضان ولم يقدر على القضاء، لكبر أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من غالب قوت البلد وهذا قول فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء العراق عليه لكل مسكين نصف صاع عن كل يوم وقال بعضهم نصف صاع من البر وصاع من غيره، وقال ابن عباس يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره {فمن تطوع خيراً فهو خير له} يعني زاد على مسكين واحد فأطعم عن كل يوم مسكينين فأكثر، وقيل فمن زاد على قدر الواجب عليه فأطعم صاعاً وعليه مد فهو خير له {وأن تصوموا خير لكم} قيل هو خطاب مع الذين يطيقونه فيكون المعنى وأن تصوموا أيها المطيقون وتتحملوا المشقة فهو خير لكم من الإفطار والفدية، وقيل: هو خطاب مع الكافة وهو الأصح لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى {إن كنتم تعملون} يعني أن الصوم خير لكم وقيل: معناه إذا صمتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للخير والتقوى. واعلم أنه لا رخصة لأحد من المسلمين المكلفين في إفطار رمضان بغير عذر والأعذار المبيحة للفطر ثلاثة: أحدها السفر والمرض والحيض والنفاس فهؤلاء إذا أفطروا فعليهم القضاء دون الكفارة. الثاني الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفارة وإليه ذهب الشافعي، وذهب أهل الرأي إلى أنه لا فدية عليهما. الثالث الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه فعليهم الكفارة دون القضاء.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ...}. زيادة/ (في التسلية) والتخفيف، أي هو أيام قلائل تعد عدا. قلت: كما في قوله تعالى {أية : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}تفسير : قاله الزمخشري. قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً...}. ابن عطية: قال قوم: متى صدق على المكلف أنه مريض صحّ له (الفطر)، وقاله ابن سيرين فيمن وجعته أصبعه (فأفطر) وحكاه عنه ابن رشد في مقدماته والجمهور: المراد المرض الذي يشق معه الصوم. قال ابن عرفة: سبب الخلاف ما يحكيه المازري وابن بشير من الاختلاف في الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها فظاهر الآية عندي حجة للجمهور لقول الله {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} ولم يقل: فمن مرض فظاهره، أنه لا يفطر بمطلق المرض بل مرض محقق ثابت يصدق أن يقال في صاحبه كان مريضا لأن "كان" تقتضي الدوام. قوله تعالى: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ...}. ولم يقل: مسافرا. قال ابن عرفة: يؤخذ منه في الحاضر إذا عزم على السفر (أن له أن يبيت على الفطر ويفطر، ولا يلزمه كفارة لأنهم قالوا في الحاضر إذا عزم على السفر وبيت) على الصوم ثم أفطر فالمشهور عندنا أنه لا كفارة عليه. وقال المغيرة المخزومي: تلزمه الكفارة فإذا كان لا يكفر إذا أفطر بعد أن يبيت على الصوم فأحرى أن لا يكفر إذا أفطر بعد أن يبيت على الفطر. تقول: هذا الحائط على سقوط وهو لم يسقط أي على حالة السفر. فقوله: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} مما يصحح ما قلناه بخلاف المرض، فإنه لايباح الفطر إلا لمن وقع به المرض وهما في المدونة مسألتان متعاكستان. قال: في الحاضر يفطر مريدا للسفر يقضي فقط. فقال المخزومي وابن كنانة: يقضي ولا يكفر. قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...}. ولم يقل فعدة أيام أخر، إشارة إلى ما أجاب به الزمخشري في قوله تعالى {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ}.تفسير : وذكر "أَيَّامٍ" إشارة إلى أنه يجزي فيها الصوم في النهار القصير قضاء عنه في النهّار الطويل وإنما المطلوب عدة أيام (كعدد) الأيام الأول لا كقدرها وصفتها. قال أبو حيان: أجازُوا نَصب {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} على الظرف والعامل فيه "كُتِب" أو يكون مفعولا على السعة والعامل فيه كتب ورد بأن الظرف محل الفعل وليست الكتابة واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وكذا النصب على المفعول مبني على وقوعه ظرفا انتهى. قال المختصر: في هذا الأخير نظر. قلت: يريد أنه لا يلزم من منع جعله ظرفا لـ "كتب" أن لا يكون مفعولا كما قيل: إن يوم الجمعة مبارك (فجعلوه) اسم يوم مع امتناع كونه ظرفا فليس (هو) مبنيا عليه. قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ...}. حكى أبو حيان في "يُطِقُونَه" خمسة أقوال. الأول: أنه على تقدير: لايطيقونه، مثل قولهم: شعر : فخالف خلا و الله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف تفسير : وضعفه بأنّه لا دليل عليه. قال ابن عرفة: والجواب بأن السياق هنا يدل عليه كما قالوا في {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}تفسير : أن "لا" زائدة وفي {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : أنها زائدة أيضا. وأيضا، فيجاب بقوله قبله، ويحتمل قراءة التشديد أنها بمعنى يتكلفونه أو يكلفونه ويكون من تصويب قول بقول. ونقل ابن عطية في تأويل الآية خلافا. ثم قال: والآية عند مالك إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية. قال ابن عرفة: ويبقى القضاء عنده مسكوتا (عنه). فإن قلنا: إن القضاء بالأمر الأول فلا يحتاج إلى تقدير. وإن قلنا: بأمر جديد فلا بد من تقديره في الآية، ويكون حذف لفهم المعنى. ({وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} استدلوا به على أنّ المرضع مأمورة بالصوم بدليل إيجاب الفدية عليها). قوله تعالى: {فِدْيَةٌ طَعَامُ...}. قال أبو حيان: إضافته للتخصيص وهي إضافة الشيء إلى (جنسه) لأن الفدية اسم للقدر الواجب والطّعام يعم الفدية وغيرها. قال ابن عرفة: إضافة الشيء إلى جنسه هي إضافة أمرين بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه مثل خاتم حديد، وثوب خز. قوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً...}. إن كانت "مَنْ" شرطية فظاهر وإن كانت موصولة فمشكل لأنه كقولك: إن الذاهبة جارية مالكها. وأجيب: بأن الخير الأول هو المال والثاني فعل ما هو أفضل من غيره، أو الخير الأول (فضل) والثاني أفضل فعل. قوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ...}. استدلوا به على أن الصوم للمسافر خير وأفضل. قلت: وقال لي سيدي الشيخ الصالح الفقيه أبو العباس أحمد ابن إدريس البجائي: لا دليل فيها لأن قوله {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ...}تفسير : إلى قوله {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} مسنوخ بقوله الله تعالى {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : (ويدلّك) على النّسخ قوله تعالى {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} وهو جمع قلة ولا يتناول الشهر حسبما قال الزّمخشري معناه: أياما (مؤقتات) (بعدد) ملعوم أو قلائل كقوله {أية : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ }.
ابن عادل
تفسير : في نصب أيَّاماً أربعة أوجه: أظهرها: أنَّهُ مَنصُوب بعاملٍ مقدَّرٍ يدُلُّ عليه سياقُ الكلام، تقديره صُومُوا أيَّاماً ويحتملُ النَّصب وجهين: إما الظرفيَّة، وإما المفعول به، اتِّساعاً. الثاني: أنَّه منصوبٌ بالصيام، ولم يذكر الزّمخشري غيره؛ وَنَظَّره بقولك "نَوَيْتُ الخُرُوجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ"، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ الفصل بيْن المصدر ومعمُوله بأجنبيٍّ، وهو قوله "كَمَا كُتبَ"؛ لأَنَّهُ ليس معمولاً للمصدر على أيِّ تقديره قدَّرته. فإن قيل: يُجعلَ "كَمَا كُتِبَ" صفةً للصّيام، وذلك على رأي من يجيزُ وصف المعرَّف "بأَل" الجنسيَّة بما يجرى مجرَى النَّكرة، فلا يكُونُ أجنبيّاً. قيل: يلزمُ مِنْ ذلك وصفُ المصدر قَبل ذكر معموله، وهو ممتنعٌ. الثالث: أنه منصوبٌ بالصِّيامِ على أنْ تقدَّر الكافُ نعتاً لمصدر من الصِّيام؛ كما قد قال به بعضُهُمْ، وإن كان ضعيفاً؛ فيكون التَّقدير: "الصِّيَامُ صَوْمَاً؛ كَمَا كُتِبَ"؛ فجاز أن يعمل في "أَيَّاماً" "الصِّيَامُ"؛ لأنه إذْ ذاك عاملٌ في "صوماً" الذي هو موصوفٌ بـ"كمَا كُتِبَ"، فلا يقع الفصلُ بينهما بأجنبيٍّ، بل بمعمول المصدر. الرابع: أن ينتصب بـ"كُتِبَ" إِمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المَفعُول به تَوَسُّعاً، وإليه نحا الفرَّاء، وتبعه على ذلك أبو البَقَاء. قال أبو حيَّان: وكلا القَولين خطأٌ: أَمَّا النَّصب على الظرفيَّة، فإِنَّهُ محلٌّ للفعلِ، والكِتابة لَيْسَت واقعةً في الأيَّام، لكنَّ متعلَّقها هو الواقع في الأَيّام، وأَمَّا [النَّصب على المفعول اتساعاً، فإِنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفاً لـ"كُتِبَ"، وقد تقدَّم أَنَّهُ خطأٌ، وقيل: نصبٌ على] التَّفسير. و"مَعْدُدَاتٍ" صفةٌ، وجمعُ صفةِ ما لا يعقل بالألف والتَّاء مطَّردٌ؛ نحو هذا، وقوله: "جِبَالٌ راسِيَاتٌ"، و"أَيَّامٌ مَعلومات". فصل في اختلافهم في المراد بالأيَّام اختلفوا في هذه الأيام على قولين: أحدهما: أنها غير رمضان، قاله معاذ، وقتادة، وعطاء، ورواه عن ابن عبَّاس، ثم اختلفَ هؤلاءِ: فقيل ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهر، وصوم يوم عاشُوراء، قاله قتادة، ثُمَّ اختلفوا أيضاً: هل كان تَطوعاً أو مَرضاً، واتفقُوا على أنَّه منسوخٌ برمضان. واحتجُّ القائلُونَ بأنَّ المراد بهذه الأيَّام غيرُ رمضانَ بوجوه: أحدها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنَّ صَوْمَ رَمَضَان نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ"تفسير : فدلّ هذا على أنَّ قبل رمضان كان صوماً آخر واجباً. وثانيها: أنَّه تعالى ذكر حُكم المريض والمُسافر في هذه الآية، ثم ذكر حكمها أيضاً في الآيَة الَّتي بعدها الدالَّة على صوم رمضان، فلو كان هذا الصَّوم هو صومَ رمضان، لكان ذلك تكريراً محضاً مِنْ غير فائدة، وهو لا يجوز. وثالثها: قوله تعالى هنا {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] تدلُّ على أنَّ هذا واجبٌ على التخيير، إن شاء صام، وَإِنْ شاء أعطى الفدية، وأَما صوم رمضان، فواجبٌ على العيين؛ فوجبَ أن يكون صَومُ هذه الأيام غير صوم رمضان. القول الثاني وهو اختيارُ المحقِّقين، وبه قال ابنُ عبَّاس، والحسن، وأبو مُسلم أن المراد بهذه الأيَّام المعدُواتِ هو صومُ رمضان، لأَنَّهُ قال في أوَّل الآية الكريمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} وهذا محتملٌ ليوم ويومين، وأيَّام، ثم بينه بقوله: "أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ" فزال بعضُ الاحتمال، ثم بَيَّنه بقوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة: 185] فعلى هذا التَّرتيب يمكنُ أَنْ نجعل الأيَّام المعدوداتِ بعينها صومَ رمضان، وإذا أمكن ذلك، فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النَّسخ فيه؛ لأنَّ كل ذلك زيادةٌ لا يدلُّ عليها اللَّفظُ، وأَمَّا تمسُّكهم بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : صَوْمُ رَمَضَانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ"تفسير : ، فليس فيه أَنَّه نَسَخَ عنه، وعن أُمَّته كلَّ صوْمٍ، بل يجوز أَنَّه نَسَخَ كلَّ صوم وجَبَ في الشّرائع المتقدِّمة؛ فكما يصحُّ أن يكون بعض شرعه ناسخاً للبعض، فيجوز أن يكون شَرْعهُ ناسخاً لشَرع غيره. سلَّمنا أَنَّ صومَ رمضان نسخ صوماً ثبت في شرعه، فلِمَ لا يجوز أن يكونَ نسخ صوماً وجب غَيْرَ هذه الأيام. وأمَّا تمسُّكُهم بحكم المريضِ والمُسَافر وتكَرُّرِه فجوابُه: أَنَّ صوم رمضان كان في ابتداءِ الإسلام غير واجِبٍ، وكان التَّخيير فيه ثابتاً بين الصِّيام والفدية، فلمَّا رُخصَ للمسَافر الفطرُ، كان من الجائز أَنْ يصير الواجبُ عليه الفدية، ويجوز أَنْ لا فديَة علَيْه، ولا قضاء؛ للمشقَّة. وإذا ان ذلك جائزاً، بيَّن تعالى أَنَّ إفطار المُسافِر والمريض في الحُكْم خلافُ [التخيير في المقيم؛ فإِنَّهُ يجبُ عليهما القَضَاء من عدَّةِ أيَّام أُخر، فلما نَسَخَ اللَّهُ تعالى ذلك التَّخييرَ عن] المقيم الصَّحيحِ، وأَلْزَمَهُ الصَّومَ حتماً، كان من الجائزِ أَنْ يظن أنَّ حكم الصَّوم، كمَّا انتقلَ عن التخيير إلى التَّضييق في حَقِّ المقيم الصَّحيح أن يتغيَّر حكمُ المريضِ والمسافر عن حكم الصَّحيح، كما كان قبل النَّسْخِ، فبيَّن تعالى في الآية الثَّانية: أنَّ حال المريض والمُسافر كحالها الأُولى لم يتغيَّر بالنَّسخ في حق المقيم الصَّحيح، فهذه هي الفائدةُ في الإعادة، وإنَّمَا تمسُّكُهم بأنَّ صَوْمَ هذه الأيَّام على التَّخير وصومَ رمضانَ واجِبٌ على التَّعيين، فتقدَّم جوابهُ من أَنَّ رمضان كان واجِباً مخيَّراً، ثم صَارَ مُعَّيناً، وعلى كِلا القَوْلَين، فلا بُدَّ من تَطَرُّق النسخ إلى الأيَّام أمَّا على القول الأوَّل فظاهر، وأما على الثاني: فلأَنَّ هذه الآية تقتضي أن يكون صَوم رمضان واجباً مخيَّراً، والآية الكريمة التي بعدها تدُلُّ على التَّضييق؛ فكانت ناسخة للأولى. فإن قيل: كَيْفَ يصحُّ أنْ يكونَ قوله: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185] ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصحُّ. والجواب: أنَّ الاتِّصال في التَّلاوة لا يوجب الاتِّصال في النُّزول؛ وهذا كما قيل في عدَّة المتوفَّى عنها زوجها؛ أنّ الْمقدَّم في التلاوة هو النَّاسخُ والمَنْسُوخ متأَخِّر، وهذا عكسُ ما يجبُ أن يكُونَ عليه حالُ النَّاسخ والمَنْسوخ، فقالُوا: إنَّ ذلك في التِّلاوة، أمَّا في الإنزال، فكان الاعتِدادُ بالحَولِ هو المتقدِّمَ، والآية الدَّالَّةُ على أربعة أشْهرٍ وعَشْرٍ هي المُتأخِّرَة، وكذلك في القُرآن آيات كثيرةٌ مكِّيِّةٌ متأخِّرة في التَّلاوة عن الآياتِ المدنيَّة، والله أعْلَمْ. فصل في أول ما نسخ بعد الهجرة قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - أوَّلُ ما نُسخ بعد الهجرة أَمْرُ القِبلة والصَّوْم، ويقالُ نزل صَوْمُ شهر رمضان قَبْل بَدرٍ بشهرٍ وأيام، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يَوْمُ عاشُورَاء تصومُهُ قُرَيش في الجاهلِيَّة، وكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُهُ في الجَاهِليَّة فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدِينَةَ، صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانَ كَانَ هُوَ الفريضة، وتُرِكَ يَوْمُ عاشُوراء، فَمنْ شَاءَ صاَمَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. فصل في المراد بقوله "مَعْدُودات" في قوله تعالى: "مَعْدودَاتٍ" وجهانِ: أحدهما: أنها مُقّدَّراتٌ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ. والثاني: قَلائِل؛ كقوله تعالى: {أية : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}تفسير : [يوسف: 20]. وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. فالمرادُ أَنَّ فَرْضَ الصَّوم في الأَيَّامِ المعْدُودَاتِ، إنما يَلْزَمُ الأصِحَّاءَ المُقيمينَ، فأَمَّا مَنْ كَان] مُسَافراً، أو مريضاً، فله تأخير الصَّومِ عنْ هذه الأيَّام إلى أيَّامٍ أُخَرَ. قال القفَّالُ رحمه الله: انْظُرُوا إلى عجيب ما نبَّهَ اللَّهُ تعالى مِنْ سعة فضلِهِ وَرَحمتِهِ في هذا التَّكليف، وأَنَّهُ تعالى بَيَّنَ فِي أوَّلِ الآيَةِ أن لهذه الأُمَّةِ في هذا التكليف أَسْوَةً بالأُمَمِ المُتقدِّمةِ، والغَرضُ منهُ ما ذكرناهُ مِنْ أَنَّ الأمر الشَّاقَّ، إذا عَمَّ خفَّ، ثم بَيَّن ثانياً وجه الحكمة في إيجابِ الصَّوم، وهو أَنَّهُ سببٌ لحُصُول التَّقوَى، ثُمَّ بَيَّنَ ثالثاً: أنَّهُ مُخْتصُّ بأيَّامٍ معدوداتٍ، فلو جعلهُ أبداً، أو في أكثر الأوقات، لَحَصَلتِ المشَقَّةُ العظيمة، ثُمَّ بيَّن رابعاً: أنه خَصَّهُ من الأوقات بالشَّهر الذي أُنزل فيه القرآن؛ لكونه أَشرَف الشُّهُور؛ بسبب هذه الفَضيلةِ؛ ثم بيَّن خامِساً: إزالة المشقَّة في إلزَامه، فَأَباح تأخيره لِمَنْ به مَرَضٌ، أو سَفَرٌ إلى أن يصيرَ إلى الرَّفاهية والسُّكُون، فراعى سبحانه وتعالى في إيجاب هذا الصَّوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمدُ على نعمه. قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً}: فيه معنَى الشَّرْط والجَزاءِ، أي: مَنْ يَكُنْ مرِيضاً، أو مُسَافراً، فَأَفْطَر، فَلْيَقْضِ، إذا قَدَّرْتَ فيه الشَّرط، كَانَ المرادُ بقوله: كَانَ الاسْتِقبَالُ لاَ الماضي؛ كما تقولُ: مَنْ أَتَانِي، أَتَيْتُهُ. قوله: {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} في مَحَلِّ نَصبٍ؛ عطفاً على خبر كان، و"أوْ" هُنَا للتَّنويع، وعَدَل عن اسمِ الفاعِل، فَلَمْ يَقْل: أَوْ مُسَافِراً، إشعارً بالاسْتِعلاء على السَّفر، لِما فيه مِنَ الاختيار للسفر؛ بخلافِ المرض، فإنه قَهْرِيٌّ، فصل في المرض المبيح للفطر اختلفُوا في المَرَضِ المُبيح للفطر؛ فقال الحَسَنُ، وابنُ سيرين: أيُّ مَرَضٍ كان، وأيُّ سَفَرٍ كان؛ تنزيلاً لِلَّفظ المطلق على أقلِّ الأحوال، وروي أنَّهم دخَلُوا على ابن سيرين في رمَضَان، وهو يأْكُلُ فاعتلَّ بِوَجَعِ أُصْبعِهِ، وقال الأصمُّ - رحمه الله-: هذه الرخصةُ مختصَّةٌ بالمرضِ الَّذي لو صَامَ فيه، لَوقَع في مشقَّة، ونزَّل اللَّفظ المُطلق على أكْملِ أحوالِه. وقال أكثَرُ الفقهاءِ: المرضُ المبيحُ للفطر الَّذي يؤدِّي إلى ضررٍ في النفسِ، أو زيادةِ في العلَّة. قالوا: وكيفَ يمكنُ أنْ يقالَ: كُلُّ مرضٍ مرخِّصٌ، مع علمنا أنَّ في الأَمْرَاض ما ينقصه الصَّوم. فصل في أصل السَّفر واشتقاقه أصلُ السَّفر من الكَشف، وذلك أنه يَكشفُ عن أحوال الرِّجال وأخلاقهم، والمِسفرة: المِكْنَسَة؛ لأنَّها تكشِفُ التُّراب عن الأَرْض، والسَّفير: الدَّاخل بين اثْنَيْن للصلح؛ لأنَّه يكشِفُ الَّذي اتَّصل بهما، والمُسْفِر المُضِيء؛ لأنه قد انْكَشَف وظَهَر، ومنه: أَسْفَر الصُّبح، والسِّفر: الكتَابُ؛ لأنه يكشِف عن المعاني ببيانهِ. وسَفَرتِ المرأَةُ عن وجهها، إذا كشَفَت النقابِ. قال الأزهري: وسُمِّي المسافرُ مُسِافراً؛ لكشف قناع الكنِّ عن وجهه، وبُرُوزه إلى الأرضِ الفَضَاءِ، وسُمِّي السَّفَر سَفَراً أيضاً؛ لأنَّه يسفر عن وجُوه المُسَافرين، وأخْلاَقهم، ويظهر ما كان خافياً منهُم، والله أعْلَم. فصل في السفر المبيح للقصر والفطر اختلفُوا في السَّفر المُبيح للقَصر والفِطْر بعد إِجماعهم على سَفَر الطَّاعة؛ كالحَجِّ والجهاد، ويتصلُ بهذين سفرُ صلةِ الرَّحِمِ، وطَلَبِ المعاشِ الضروريِّ، وأمَّا سَفَر التجاراتِ والمُبَاحات، فمختلَفٌ فيه، والأرجح الجوازُ، وأمَّا سَفَر المعاصِي؛ فمختلفٌ فيه، والمنع فيه أرجحُ. فصل قال القرطبيُّ: اتَّفق العلماء على أنَّ المُسَافر في رَمَضان لا يجوزُ له أنْ يُبَيِّتَ الفِطْر؛ لأنَّ المُسَافِرَ لا يكُونُ مُسَافراً بالنِّيَةِ؛ بخلاف المقيم، وإِنما يكونُ مسافراً بالعَمَل، والنُّهُوض، والمقيمُ لا يفتقر إِلى عَمَل؛ لأنه إذا نوى الإقامة، كان مقيماً في الحين؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عَمَلٍ، فافترقا. فصل في قدر السَّفر المبيح للرُّخص اختلفُوا في قَدر السَّفر المُبيح للرُّخص، فقال داود: كُلُّ سفر، ولو كان فَرْسَخاً، وتخصيص عمومِ القرآن بخَبَر الواحِدِ غيرُ جائزٌ. وقال الأوزاعيُّ: السَّفر المبيحُ للفِطر هو مسافةٌ القصر، ومذهبُ الشافعيِّ ومالكٍ، وأحمد، وإسحاق؛ أنه مقدَّرٌ بستة عَشَرَ فرسخاً، وهي أربعةُ بُرُدٍ كلُّ فرسخٍ ثلاثة أَمْيالٍ بأَمْيَال هاشم جَدِّ الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسَّلام - وهو الَّذي قدَّر أميال البادية كُلُّ ميلٍ اثْنَا عَشَر ألفَ قَدَمٍ، وهي أربعة آلافِ خطوةٍ، كلُّ خَطوَةٍ ثلاثةُ أقدَام. وقال أبُو حَنِيفة - رضي الله عنه - والثوريُّ: مَسَافَةُ القَصْرِ ثلاثة أيامٍ. قوله {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الجمهور على رفع "عدَّةٌ"، وفيه وجوهٌ: أحدها: أنَّه مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، إما قبله، تقديره: "فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ" أو بعده، أي فعدَّةٌ أَمْثَلُ به. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، اي: فالواجبُ عدَّةٌ. الثالث: ان يرتفع بفعل محذوفٍ، أي: "تُجْزِئُهُ عِدَّةٌ". وقرىء "فَعِدَّةٌ"؛ نصباً بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: "فَلْيَصُمْ عِدَّةً"، وكأنَّ أبا البقاء - رحمه الله - لم يَطَّلِعْ على هذه القراءةِ؛ فإنَّه قال: لو قرىء بالنَّصب، لكان مُسْتقيماً، ولا بُدَّ مِنْ حذف مضافٍ، تقديره: "فَصَوْمَ عِدَّة" وَمِنْ حذف جملة بعد الفعلية؛ ليصحَّ الكلامُ، تقديره: "فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةً"؛ ونظيرهُ {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ}تفسير : [البقرة: 60] وقوله {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ}تفسير : [الشعراء: 63]، أي: "فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ". و"عِدَّة" "فِعْلَةٌ" من العدد، بمعنى: مَعْدُودَة، كالطِّحْنِ والذِّبْح، ومنه يقال للجماعة المعدودة مِنَ النَّاس عِدَّة، وعِدَّة المرأة مِنْ هذا، ونَكَّر "عِدَّة"، ولم يقل: "فعدّتها"؛ اتّكالاً على المعنى؛ فإنَّا بيَّنَّا أنَّ العدَّة بمعنى المعدُود، فأمر بأن يُصوم أيَّاماً معدودةً والظَّاهر: أنَّه لا يأتي إلاَّ بمثل ذلك العَدَد، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. و"مِنْ أَيَّام": في مَحلِّ رفع، أو نصبٍ على حَسَب القراءتين صفة لـ"عِدَّة". قوله "أُخَر" صفةٌ لـ"أيَّام"؛ فيكون في محلِّ خفضٍ، و"أُخَرَ" على ضربَيْن. أحدهما: جمع "أُخْرَى" تأنيث "أخَرَ" الَّذي هو أفعَلُ تَفضيل. والثاني: جمع "أُخْرَى" بمعنى "آخِرَةٍ" تأنيث "آخِرٍ" المقابل لأوَّل؛ ومنه قوله تبارك وتعالى: {أية : وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ}تفسير : [الأعراف: 39] فالضربُ الأَوَّل لا ينصرفُ للوَصف والعَدْل، واختلفُوا في كيفيَّة العَدْل: فقال الجمهورُ: إنه عَدلٌ عن الألف واللاَّم؛ وذلك أنَّ "أُخَرَ" جمعُ "أُخْرَى"، و"أُخْرَى" تأنيث "آخَرَ" و "آخَرُ" أفعلُ تفضيلٍ لا يخْلُو عن أحدِ ثلاثةِ استعمالاتٍ. إما مع "ألْ" وإمَّا مع "مَنْ"، وإما مع "الإضَافَةِ"، لكن مِنْ ممتنعةٌ؛ لأن معها يلزمُ الإفرادُ والتذكير والإضافة في اللفظِ؛ فقدَّرنا عدلَهُ عن الأَلِفِ واللاَّم، وهذا كما قالُوا في "سَحَرَ" إنَّه عدلٌ عن الألِفِ واللام، إِلاَّ أنَّ هذا مع العلميَّة، ومذهَبُ سيبويه: أنه عدلٌ من صيغة إلى صيغةٍ؛ لأنه كان حقُّ الكلام في قولك: "مَرَرْتُ بِنِسْوَةِ أُخَرَ" على وزن "فُعَلَ" أنْ يكون "بنِسْوَةٍ آخَرَ" على وزن "أَفْعَلَ"؛ لأن المعنى على تقدير "مِنْ" فعُدِل عن المفرد إلى الجمع. وأمَّا الضربُ الثَّاني: فهو منصرفٌ؛ لِفُقْدَانِ العلَّة المذكورة، والفرقُ بين "أُخْرَى" التي للتفضيلِ، و"أُخْرَى" التي بمعنى متأخِّرة - أنَّ معنى الَّتي للتفضيل معنى "غَيْرَ"، ومعنى تِيكَ معنى "متأخِّرة"؛ ولكونِ الأُولى بمعنى "غَيْر" لا يجوز أن يكونَ ما اتَّصلَ بها إلاَّ [منْ جنس ما قبلها؛ نحو: "مررتُ بِكَ، وبرَجُلٍ آخر" ولا يجوز "اشْتَرَيْتُ هَذَا الجَمَلَ وَفَرَساً آخَرَ"؛ لأنه من] غير الجنْسِ، فأما قوله في ذلك البيت: [البسيط] شعر : 934 - صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الرَّحْمنُ وَابْنَتِهَا لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِها الأُخَرِ تفسير : فإنَّه جعل ابنتها جارة لها، ولولا ذلك، لَمْ يَجُزْ، ومعنَى التفضيل في "آخر" و"أَوَّل"، وما تصرَّف منها قلِقٌ مذكورٌ في كُتُب النَّحْو، وإنَّما وصفت الأيّام بـ"أُخَرَ" مِنْ حيثُ إنَّها جمعٌ ما لا يعقلُ، وجَمْعُ ما لا يعقلُ يجوز أنْ يُعَامَلُ معاملةً الواحدة المؤنَّثة، ومعاملةَ جمع الإنَاثِ، فمن الأول {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18] وفي الثاني هذه الآية اكريمة، ونظائرها، فإنما أوثر هنا معاملتُهُ معاملةَ الجمع؛ لأنه لو جيء به مُفْرَداً، فقيل: {عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامُ أُخْرَى} لأوهم أنَّه وصف فيفوت المقصُود. فصل ذهب بعضُ العلماء - رضي الله عنهم - إلى أنَّه يجبُ على المريض والمُسَافر: أن يُفْطِرا أوْ يصُوما عدَّة أَيامٍ أَخَرَ وهو قولُ ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - وابن عمر، ونقل الخَطَّابيُّ في "أَعْلاَم التَّنزيل" عن ابنِ عمر، أنَّه قال: "إنْ صَامَ في السَّفِرِ، قَضَى في الحَضَرِ" وهذا اختيار داود بنِ عليٍّ الأصفهانيِّ، وأكثر الفقهاءِ على أنَّ هذا الإفطار رخصةٌ، فإنْ شاء أفْطَر، وإن شاء صام. حُجَّةُ الأوَّلين ما تقدَّم من القراءتين أنَّا إن قرأنا "عِدَّةً"، فالتقديرُ: "فَلْيَصُمْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" والأمر للوجوب، وأنا إن قرأنا بالرَّفع، فالتقديرُ: "فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ" وكلمة "عَلَى" للوجوب، وإذا كان ظاهرُ القُرآن الكريم يقتضي إيجابَ صَوْم أيامٍ أُخَرَ، فوجب أَنْ يكُونَ فطرُ هذه الأيامِ واجباً؛ ضرورةَ أنَّ لا قائل بالجمع. وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام "حديث : لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"تفسير : ولا يقالُ: هذا الخَبَر ورد على سَبَبٍ خاصٍّ، وهو أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : مَرَّ عَلَى رَجُلٍ، جَلسَ تحت مِظلَّةٍ، فَسَأَلَ عَنهُ، فقالُوا: هذا صائِمٌ أجْهَدَهُ العطَشُ، فَقال: لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"تفسير : ، فإنا نقولُ: العِبرة بعُمُوم اللَّفظ لا بخُصُوص السَّبَبِ، وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : الصَّائِمُ في السَّفر كالمُفطِرِ في الحَضَرِ " تفسير : وحجَّة الجمهور: أنَّ في هذه الآية إضماراً؛ لأنَّ التَّقدير: "فأَفْطَرَ فعدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" والإضمارُ في كلام الله تعالى جائزٌ؛ كما في قول الله تعالى: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ}تفسير : [البقرة: 60]، أي: "فَضَرَبَ، فَانْفَجَرَتْ"، وقوله {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ}تفسير : [الشعراء: 63]، أي: "فَضَرَبَ فَانْفَلَقَتَ"، وقوله: {أية : وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 196] إلى قوله: {أية : أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ}تفسير : [البقرة: 196]، أي: "فَحَلَقَ". قال القفَّال - رحمه الله -: قوله تعالى: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185] يدلُّ على وجُوُب الصَّوم. قال ابن الخطيب: ولقِائِلٍ أنْ يقَولَ: هذا ضعيفٌ من وجهين: الأول: أنَّا إنْ أجرينا ظاهر قوله تعالى: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}تفسير : [البقرة: 185] على العُمُوم، لزمنا الإضمارُ في قوله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وإن أجرينا هذه الآيَةَ على ظاهرها، لَزمنا تخصيصُ عُمُوم قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وقد ثبت في أصُولِ الفقه أنَّه متى وقع التعارُضُ بيْن التخصيص، وبيْن الإضمار، كان الحملُ على التَّخصيص أَولى. الثَّاني: أنَّ ظاهر قَوله تعالى: "فَلْيَصُمْهُ" يقتضي الوُجوب عَيْناً، وهذا الوُجُوب منتفٍ في حقِّ المريضِ والمُسافر، فالآيةُ مخصوصةٌ في حقِّهما على كلِّ تقدير، سواءٌ أجرَينا قولَهُ تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} على ظاهره أَوْ لاَ، وإذا كان كذلك، وجب إجراء هذه الآية على ظاهِرِهَا مِنْ غير إضمارٍ. الوجه الثاني: ذكره الواحدي في "البَسِيطِ" قال: وقَال القاضي: إنَّما يجبُ القَضَاء بالإفْطَار، لا بالمَرَض والسَّفر، فلمَا أوجب اللَّهُ القَضَاءَ، والقَضَاءُ مسَبوقٌ بالفطْر، دَلَّ على أنَّه لا بُدَّ مِنْ إضمارِ الإفطار. قال إبنُ الخطيب وهذا ساقط؛ لأنه لم يَقُل: فعلَيَهِ قضاءُ ما مَضَى، بل قال: "فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"، وإيجابُ الصَّوم عليه في أيَّامٍ أُخَرَ لا يستَدعي أن يكون مَسبُوقاً بالإفطار. الوجه الثالث: رَوَى أبو داود عن هشام بن عُروة، عن أبيه، "حديث : عن عائشة: أن حمزة الأسلميَّ سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَال: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَل أَصُوم في السَّفر؟ قال إِنْ شِئْتَ صُمْ، وإنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ " تفسير : ولقائل أنْ يقول: هذا يقتضي نَسْخَ القُرآن بخبر الواحد؛ لأن ظاهر القُرآن يقتضي وجُوبَ الصَّوم، فرفعُ هذا الحُكم بهذا الخَبر غيرُ جائِز، وإذا ضُعِّفَتْ هذه الوجوه، فالاعتماد على قوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى. فصل في هل صوم المسافر أفضل أم فطره اختلفُوا هَل الصَّوم للمُسافرِ أفْضَلُ أمِ الفِطر؟ فقال أنسُ بنُ مالك، وعثمان بنُ أبي أوفى: الصَّوم أفضلُ، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، ومالكٌ، والثوريُّ، وأبو يوسُفَ، ومحمَّد. وقال سعيدُ بنُ المُسيَّب، والشَّعبيُّ، والاوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، الفطرُ أفضلُ. وقالت طائفةٌ: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء. حجَّة الأوَّلين: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقوله {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. حجَّة الفرقة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إنَّ الله يحبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ؛ كما تُؤْتَى عَزَائِمُهُ"تفسير : وقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : لَيْسَ من البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"تفسير : ، وأيضاً: فالقَصر أفضلُ؛ فيجب أنْ يكُون الفطرُ أفضل. وفرَّق بعضهم بين القَصر والفِطْر مِنْ وجهين: الأوَّل: أنَّ الصَّلاة المقصُورة تبرأ الذمَّة بها، والفِطر تبقى الذِّمَّة فيه مشغُولةٌ. الثاني: أنّ فضيلة الوقت تَفُوتُ بالفِطْرِ، ولا تَفُوت بالقَصر. حجَّةُ الفرقة الثالثة: قوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}تفسير : [البقرة: 185]. فصل في حكم ما إذا أفطر كيف يقضي؟ مذهب عليٍّ، وابن عُمر، والشَّعبيِّ: أنَّه يقضيه متتابعاً؛ لوجهين: الأوَّل: قراءة أُبي "فعدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ مُتتابعاتٍ" فكذا القضاءُ. وقال بعضهم: التَّتابع مستحبٌّ، وإن فرق، جاز؛ فيكون أمراً بصَوم أيامٍ على عدد تِلْكَ الأيَّام مطلقاً، فالتقديرُ بالتتابع مخالفٌ لهذا التَّعميم، ويُروى عن أبي عُبيدة بن الجرَّاح أنه قال: "إِنَّ الله لَمْ يُرَخِّصْ لَكُمْ في فِطرهِ، وهو يريد أنْ يشُقَّ عليكم في قَضَائِهِ؛ إنْ شئْتَ فَواتِرْ، وإنْ شِئْتَ فَفَرِّقْ"، "حديث : ورُوِي أنَّ رجلاً قال للنبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: عَلَيَّ أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ، أَفَيُجْزيني أَنْ أقضيها مُتفرقاً فقال لهُ: لَوْ كَانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ، فَقَضَيْتَهُ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْن، أَمَا كَانَ يُجْزِيكَ؟ فقال: نَعَمَ، قَالَ "فَاللَّهُ أحقُّ أَنْ يَعفُو ويصفح " تفسير : قوله "يُطِيقُونَهُ" الجمهور على "يُطِيقُونَهُ" من أطَاقَ يُطِيقُ، مثلُ أقَامَ يُقِيمُ، وقرأ حُمَيدٌ "يُطْوِقُونَهُ" من "أَطْوَقَ" كقولِهم أَطْوَل في أطالَ، وأغْوَل في أغال، وهذا تصحيحٌ شاذٌ، ومثله في الشُّذُوذ من ذوات الواو أجودَ بمعنى أجادَ، ومن ذوات الياء أَغْيَمَتِ السَّماءُ، وأَجبَلَتْ، وأَغْيَلَت المَرْأَةُ وأَطْيَبَتْ، وقد جاء الإعلالُ في الكُلِّ، وهو القياس، ولم يقل بقياسِ نحو أَغيَمَتْ وَأَطوَلَ إِلا أبو زَيدٍ. وقرأ ابن عبَّاسٍ وابن مَسعُودٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ومجاهد، وعكرمةُ، وأيُّوب السَّختياني، وعطاءٌ "يُطوَّقونَهُ" مبنيّاً للمعفول من "طوَّقَ" مُضعَّفاً، على وزن "قَطَّعَ"، وقرأت عائشةُ، وابن دينارٍ: "يَطَّوَّقُونَهُ" بتشديد الطاء والواو من "أَطْوَقَ"، وأصله "تَطَوَّقَ"، فلما أُرِيدَ إدغامُ التَّاء في الطاء، قُلِبت طاء واجتلبت همزةُ الوَصل؛ ليمكن الابتداءُ بالسَّاكن، وقد تقدَّم تقرير ذلك في قوله تعالى: {أية : أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}تفسير : [البقرة: 158] وقرأ عكرمةُ وطائفة "يَطَّيَّقُونه" بفتح الياء، وتشديد الطَّاء، والياء، وتُروى عن مجاهد أيضاً، وقرىء أيضاً هكذا لكن ببناء الفعل للمفعُول. وقد ردَّ بعضهم هذه القراءة، وقال ابنُ عطيَّة تشديدُ الياءِ في هذه اللَّفظة ضعيفٌ وإنَّما قالُوا ببُطْلان هذه؛ لأنَّها عندَهُم من ذوات الواو، وهو الطَّوق، فمِنْ أين تجيء الياء، وهذه القراءةُ لَيْسَت باطلةً، ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ، وهو أن هذه القراءة لَيستْ من "تَفَعَّلَ"؛ حتى يلزم ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من "تَفَيْعَل"، والأصلُ "تَطَيْوَقَ" مِنَ "الطَّوْقِ" كـ"تَدَيَّرَ" و "تَحَيَّرَ" من "الدَّوَرَانِ" و "الحَوْر"، والأصل "تَدَيْوَرَ"، و"تَحَيْورَ" فاجتمعت الواوُ والياءُ، وسبَقَتْ إحداهما بالسُّكُون، فقلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء، فكان الأصلُ "يَتَطَيْوَقُونَهُ"، ثم أُدغم بعد القلبِ، فمن قرأ "تَطَّيَّقُونَهُ" بفتح الياء بناه للفاعل، ومن ضمَّها بناه للمفعول، ويحتمل قراءة التشديد في الواو، أو الياء أن تكون للتكلُّف، أي:يَتَكَلَّفُونَ إطاقَتَهُ وذلك مجازٌ من الطَّوقِ الذي هو القلادةُ في أعْناقهم، وأبعد من زعم أنَّ "لاَ" محذوفةٌ قبل "ويطيقُونَهُ"، وأنَّ التقديرَ، لاَ يُطِيقُونَهُ، ونَظَّرَهُ بقوله: [الطويل] شعر : 935 - فَخَالِفْ فَلاَ واللَّهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً من الأَرْضِ إِلاَّ أَنْتَ لِلذُلِّ عَارفُ تفسير : وقوله: [الكامل] شعر : 936 - آلَيْتُ أَمْدَحُ مُغْرماً أَبَداً يَبْقَى الْمَدِيحُ ويَذْهَبُ الرِّفْدُ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 937 - فَقُلْتُ: يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالي تفسير : المعنى: لاَ تَهْبِطُ، ولاَ أَمْدَحُ، وَلاَ أَبْرَحُ، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ حذفها مُلتبسٌ، وأما الأبياتُ المذكورة؛ فلدلالة القسم على النَّفي. والهاء في "يَطِيقُونَهُ" للصَّومِ، وقيل: للفداء؛ قاله الفراء. و"فِدْيَة" مبتدأٌ خبره في الجَارِّ والمجرور قَبْله، والجُمْهُورُ على تَنْوين "فِدْيَةٌ" ورفع "طَعَام" وتوحيد "مسكين" وهشام كذلك إلاَّ أنه قرأ "مَسَاكينَ" جمعاً، ونافعٌ وابنُ ذكوان بإضافة "فِدْيَة" إلى "مَسَاكِين" جمعاً، فالقراءة الأولى يكون "طَعَاماً" بَدَلاً من "فِدْيَةٌ" بَيَّنَ بهذا البَدَل المراد بالفدْية، وأجاز أبو البقاء - رحمه الله تعالى - أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: "هي طعامٌ"، وأما إضافة الفدية للطَّعام، فمِن باب إضافة الشيء إلى جنْسِه، والمقصُود به البيانُ؛ كقولك: "خَاتَمُ حَدِيدٍ، وثَوبُ خَزٍّ، وبابُ ساجٍ" لأنَّ الفدية تكونُ طعاماً وغيره، وقال بعضهم: يجوز أنْ تكُون هذه الإضافة من باب إضافة الموصُوف إلى الصِّفة، قال: لأنَّ الفِدْية لها ذاتٌ وصفَتُها أنَّها طعام، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه إمَّا أن يريد بـ"طَعَام" المصدرَ بمعنى الإطعام؛ كالعطاء بمعنى الإعطاء، أو يُريدَ به المفعُول؛ وعلى كلا التَّقديرين، فلا يُوصفُ به؛ لأنَّ المصدر لا يُوصَف عند المُبالغة إلاَّ به وليست مُرادةً هنا، والذي بمعنى المفعولِ ليس جَارياً على فِعْلٍ، ولا ينقاسُ، لا تقُول: ضِرَاب بمعنى مَضْرُوبِ، ولا قِتَال بمعنى مَقْتُولٍ، ولكونها غير جاريةٍ على فِعْلِ، لم تَعَمْلْ عَمَله، لا تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ طَعَامٍ خُبْزُهُ" وإذا كانَ غيرَ صفةٍ، فكيفَ يقال: أُضِيفَ المَوْصُوفُ لصفَتِهِ؟ وإنِّما أُفْرِدَت "فِدْيَةٌ"؛ لوجهين: أحدهما: أنَّها مصدرٌّ، والمصدرُ يُفْرَدُ، والتاء فيها ليست للمَرَّة، بل لِمُجَرَّدِ التأنيث. والثاني: انه لَمَّا أضافَها إلى مضافٍ إلى الجمع، أفَهْمَتِ الجَمْعَ، وهذا في قراءةِ "مَسَاكين" بالجمع، ومَنْ جمع "مَسَاكِين"، فلمقابلةِ الجمع بالجمع، ومَنْ أَفْرَدَ، فعلى مراعاة إفراد العُمُوم، أي: وعلى كلِّ واحدٍ مِمَّن يُطيقُ الصَّوْم؛ لكُلِّ يوم يُفْطِرُهُ إطعامُ مسكين؛ ونظيرهُ: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}تفسير : [النور: 4]. وتَبَيَّن مِنْ إفراد "المِسْكِين" أنَّ الحُكم لِكلِّ يومٍ يُفْطر فيه مِسْكِينٌ، ولا يُفْهَمُ ذلك من الجَمع، والطَّعَام: المرادُ به الإِطْعَامُ، فهو مصدرٌ، ويَضْعُفُ أنْ يُراد به المفعولُ، قال أبو البقاء: "لأنَّه أضافه إلى المِسْكِين، وليْسَ الطعامُ للمسْكِين قَبْل تمليكِه إياه، فلو حُمِلَ على ذلك، لكان مجازاً؛ لأنه يصير تقديرُه: فعلَيهِ إخراجُ طعام يَصِيرُ للمَسَاكِين، فهو من باب تسمية الشيءِ بما يؤول إليه، وهو وإنْ كان جائزاً، إلا أنِّه مجازٌ، والحقيقة أَوْلى منه". قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} قد تقدَّم نظيرهُ عنْد قوله تعالى: {أية : وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 158] فَلْيُلْتَفتْ إليه، والضميرُ في قوله: "فَهُوَ" ضميرُ المصدرِ المدْلُول عليه بقوله: "فَمَنْ تَطَوَّعَ"، فالتَّطُّوعُ خيرٌ له، و"لَهُ" في مَحَلِّ رفعٍ؛ لأنه صفةً لـ"خَيْرٌ"؛ فيتعلٌَُّق بمحذوف، أيْ: خَيْرٌ كَائِنٌ لَهُ. فصل في نسخ الآية. ذهب أكثَر العُلماء إلى أنَّ الآية منسُوخةٌ، وهو قَوْل ابن عُمَر، وسلمة بن الأكوع، وغيرهما؛ وذلك أنَّهم كانُوا في ابتداءِ الإسلام مُخيَّرين بين أن يَصُوموا، وبين أن يُفْطِروا، ويفتدوا، خَيَّرهم الله تعالى؛ لئلاَّ يشقّ عليهم؛ لأنَّهم كانُوا لم يتعودُّوا الصَّوم، ثم نُسِخ التَّخيير، ونزلت العزيمةُ بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقال قتادة هي خاصَّة بالشَّيخ الكبير الَّذي يُطيقُ الصَّوم، ولكن يشقُّ عليه، رُخِّص له أن يُفطِر ويفدي [ثُمَّ نسخ. وقال الحسن: هذا في المريض الَّذي به ما يقع عليه اسم المرضِ، وهو يَسْتطيع، خُيِّر بين أنْ يَصُوم وبيْن أن يُفطْر ويفدي] ثم نُسخ بقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وتثبت الرُّخصة للَّذين لا يُطِيقونه، وذهب جماعةٌ إلى أنَّ الآية الكريمة محكمةٌ غير مَنسوخةٍ، معناه: وعلى الَّذين كانوا يُطيقُونه في حال الشَّباب، فَعَجِزُوا عنه بعد الكِبَرِ، فعليهم الفدية بَدَل الصَّوم، وقراءة ابن عباس "يَطَوَّقُونَهُ" بضم الياء، وفتح الطَّاء مخففةً، وتشديد الواو، أي: يُكَلَّفُون الصوم، فتأوَّله على الشَّيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصَّوم، والمريض الذي لا يرجى برؤه، فهم يكلَّفُون الصَّوم، ولا يُطيقونه، فلهم أن يُفطروا، ويُطعموا مكان كُلِّ يومٍ مِسكيناً، وهو قول سعيد بن جبير، وجعل الآية محكمةً. فصل في المراد بالفدية ومقدارها "الفِدْيةُ" في معنى الجزاء، وهو عبارةٌ عن البَدَل القائم عن الشيءِ وهي عند أبي حنيفة نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعاً من غيره وهو مُدَّانِ، وعن الشَّافعي "مُدٌ" بمُدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو رَطْلٌ وثُلُثٌ من غالب أقوات البَلَد، وهو قول فقهاء الحجاز. وقال بعضُ فقهاء العراق: نصف صاعٍ لكُلِّ يومٍ يُفطِر. وقال بعض الفقهاء: ما كان المُفْطِرُ يتقوَّته يَومَه الَّذي أفْطَره. وقال ابنُ عباسٍ: يُعطِي كلَّ مسكين عشاءَهُ وسَحُوره. فصل في احتجاج الجبائي بالآية احتجَّ الجُبَّائيُّ بقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} على أن الاستطاعة قبل الفعل؛ فقال: الضميرُ في قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} عائدٌ إلى الصَّوم، فأثبت القُدرة على الصَّوم حال عدم الصَّومِ؛ لأنَّه أوجب عليه الفِدية، وإنَّما تجب عليه الفديةُ إذا لم يَصُمْ؛ فَدَلَّ هذا على أن القدرةَ على الصَّوم حاصلةٌ قبل حُصُول الصَّوم. فإنْ قيل: لمَ لا يجُوز أنْ يكُون الضميرُ عائداً إلى الفِدية؟ قُلنا: لا يَصحُّ لوجهين: أحدهما: أن الفدْيَةَ متأخِّرةٌ، فلا يَعُود الضَّمير إليها. والثاني: أنَّ الضَّمير مُذَكَّر، والفدية مؤنَّثة. فإنْ قيل: هذه الآية مسنوخةٌ، فكَيْفَ يجوز الاستدلالُ بها؟! قلنا: إنَّما كانت قبل أن صارتْ منسُوخةً دالَّة على أنَّ القُدرة حاصلةً قبل الفعل، والحقائقُ لا تتغيَّر. قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} فيه ثلاثة أوجُهٍ: أحدها: قال مجاهد وعطاء، وطاوس: أي: زاد على مسكين واحدٍ؛ فأطعم مكان كل يومٍ مسكينين، فأكثر. الثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب. الثالث: قاله الزُّهريُّ: من صام مع الفدية، فهو خير له. قوله: "وَأَنْ تَصُومُوا" في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء، تقديره: "صَوْمُكُمْ"، و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ، ونظيره: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [البقرة: 237]. وقوله: "إنْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ" شرطٌ حذف جوابه، تقديره: فالصَّوم خيرٌ لكم، وحذف مفعول العلم؛ إما اقتصاراً، أي: إن كنتم من ذوي العلم والتمييز، أو اختصاراً، أي: تعلمون ما شرعيته وتبيينه، أو فضل ما علمتم. من ذهب إلى النَّسخ، قال: معناه: الصَّوم خيرٌ له من الفدية، وقيل: هذا في الشَّيخ الكبير، لو تكلَّف الصَّوم، وإن شقَّ عليه، فهو خيرٌ له من أن يفطر ويفدي. وقيل: هذا خطابٌ مع كل من تقدَّم ذكره، أعني: المريض، والمسافر، والذين يطيقونه. قال ابن الخطيب: وهذا أولى؛ لأنَّ اللفظ عامٌّ، ولا يلزم من اتِّصاله بقوله {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أن يكون حكمه مختصّاً بهم، لأنَّ اللفظ عامٌّ، ولا منافاة في رجوعه إلى الكُلِّ، فوجب الحكم بذلك، واعلم أنه لا رخصة لمؤمن مكلَّف في إفطار شهر رمضان، إلاَّ لثلاثةٍ: أحدهم - يجب عليه القضاء والكفَّارة: هو الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما يفطران، ويقضيان، وعليهما مع القضاء الفدية، وهو قول ابن عمر، وابن عبَّاس، وبه قال مجاهد، وإليه ذهب الشافعيُّ وأحمد. وقال قومٌ: لا فدية عليهما، وبه قال الحسن، وعطاء، والنَّخعيُّ، والزُّهريُّ، وإليه ذهب الأوزاعيُّ والثوريُّ وأصحاب الرَّأي. الثاني - عليه القضاء دون الكفَّارة: وهو المريض والمسافر. الثالث - عليه الكفَّارة دون القضاء: الشَّيخ الكبير، والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله، فالصوم لله يوجب المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. الصوم لله تحقيق العبادة والصوم بالله تصحيح الإرادة. الصوم لله صفة كل عابد والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم لله قيام بالظواهر والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة. من شهد الشهر أمسك عن المفطرات ومن شهد الحق أمسك في جميع أوقاته عن شهود المخلوقات. من صام بنفسه سُقِيَ شرابَ السلسبيل والزنجبيل، ومن صام بقلبه سُقِيَ شراب المحاب بنعمة الإيجاب. ومن صام بِسِرِّهِ فهم الذين قال فيهم الله تعالى:{أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}تفسير : [الإنسان: 21]. شراب يا له من شراب!! شراب لا يُدار على الكف لكنه يبدو له من اللطف. شراب استئناس لا شراب كأس. قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي من أفطر لهذه الأعذار فعليه صوم عدة أيام بعدد ما أفطر قضاء لذلك. الإشارة لمن سقمت إرادته عن الصحة فيرجع إلى غيره إما لرخصة تأويل أو لقلة قوة واحتمال، أو عجز للقيام بأعباء أحكام الحقيقة فليُمْهَل حتى تقوى عزيمته وتشتد إرادته، فعند ذلك يُسْتَدْرَك منه ما رُخِّص له بالأخذ بالتأويل، وتلك سُنَّةُ الله سبحانه وتعالى في التسهيل على أهل البداية، ثم استيفاءُ ذلك منهم واجبٌ في آخر الحال. قوله جلّ ذكره: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. الإشارة منه أَنَّ مَنْ فيه بقية من القوة للوقوف لمطالبات الحقيقة ويرجع إلى تسهيل الشريعة وينحط إلى رخصة التأويل فعليه الغرامة بواجب الحال وهو الخروج عما بقي له من معلوم مال أو مرسوم حال ويبقى مجرداً للواحد. فصل: ويقال إنه لما علم أن التكليف يقتضي المشقة خففه عليك ذلك بأن قلَّل أيام الصوم في قلبك فقال: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} أي مدة هذا الصوم أيام قليلة فلا يهولنكم سماع ذكره، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}تفسير : [الحج: 78] ثم قال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج: 78] أي لا يلحقكم كثير مشقة في القيام بحق جهاده.
البقلي
تفسير : {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} وهى ايام زمان الدنيا يغرى بهذا الخطاب اولياء بترك المطايبة والمناكحة والمباشرة والمواانسة والملاعبة ولذائذ العيش فى كل الوان السهوات وشرب مياه الباردات ولبس الناعمات اى اصبروا يا اوليائى عن شهوات الدنيا فانها يام ستفرض عن قريب حتى تفرطوا بلقائى القديم وتعيشوا في جوارى الكريم {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} اى من يكون من المنقطعين مريضا من فرقتى او فى سفر الوحشة عن وصلتى فعليه تدارك ايام القدرة بعد ادراكه مقام القربة والمشاهدة {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} اى وعلى الذين يطيقونه الامساك عن الكون بنت الزهد عن الدنيا ايام حيوته ولم يعمل العمل اهل الطاعة لقلة توفيقه وهدايته فدية وهو خدمة اولياء الله ببذلك النفس والمال من الذين تركوا الدنيا لاهلها وذلك قوله تعالى {طَعَامُ مِسْكِينٍ} والمسكين الذين صادفوا مقام التلوين ولم يبلغوا مقام التمكين {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} اى فمن تعدى لعجزه عن حقيقة المعاملة زيادة على الواجب الذى عليه من الوجود بعد مقاساته في المفقود فهو خير له من طلب الرخص {وَأَن تَصُومُواْ} اى ان تمسكوا عما يشتغل به اهل الدنيا {خَيْرٌ لَّكُمْ} في ثبات حالكم وقوة ارادتكم {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} اى ان كنتم تعرفون ما للصائمين من الفرح في الدنيا بالمكاشفة وفرحة في الاخرة بصرف المشاهدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {أياما معدودات} اى موقتات ومقدرات بعدد معلوم او قلائل فان القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلا اى يصب صبا من غير كيل وعد فالله تعالى لم يفرض علينا صيام الدهر ولا صيام اكثره تخفيفا ورحمة وتسهيلا لامر التكليف على جميع الامم وانتصاب اياما بمضمر دل هو اى الصيام عليه اعنى صوموا اما على الظرفية او المفعولية اتساعا {فمن كان منكم مريضا} اى مرضا يضره الصوم او يضر معه {او على سفر} او راكب سفر وفيه ايماء بان من سافر فى اثناء اليوم لم يفطر لعدم استعلائه السفر استعلاء الراكب المركوب بل هو ملابس شيأ من السفر والرخصة انما اثبتت لمن كان على سفر وكلمة على فيها استعارة تبعية شبه تلبسه بالسفر باستعلاء الراكب واستيلائه على المركوب ينصرف فيه كيف يشاء وللدلالة على هذا المعنى عدل عن اسم الفاعل فلم يقل او مسافرا اذ ليس فيه اشارة بالاستيلاء على السفر {فعدة} اى فعليه صوم عدة ايام المرض والسفر فعدة من العد بمعنى المعدود ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة {من ايام اخر} غير ايام مرضه وسفره ان افطر متتابعا او غير متتابع والمقصود من الآية بيان ان فرض الصوم فى الايام المعدودات انما يلزم الاصحاء المعتبرين واما من كان مريضا او مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الايام الى ايام اخر {وعلى الذين يطيقونه} ذهب اكثر المفسرين الى ان المراد بالذين يطيقونه الاصحاء المقيمون خيرهم فى ابتداء الاسلام بين امرين بين ان يصوموا وبين ان يفطروا ويفدوا لئلا يشق عليهم لانهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185]. فالمعنى اى وعلى المطيقين للصيام القادرين عليه إن افطروا {فدية} اى اعطاء فدية وهى {طعام مسكين} وهى نصف صاع من بر أو صاع من غيره والفدية فى معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشىء. وفى تفسير الشيخ يطيق من اطاق فلان اذا زالت طاقته والهمزة للسلب اى لا يقدرون على الصوم وهم الذين قدروا عليه فى حال الشباب ثم عجزوا عنه فى حال الكبر {فمن تطوع خيرا} اى من تبرع بخير فزاد فى الفدية او تطوع تطوعا خيرا {فهو} اى التطوع {خير له} وذكر فى الخير المتطوع ثلاثة اوجه. احدها ان يزيد على مسكين واحد فيطعم مكان كل يوم مسكينين او اكثر. وثانيها ان يطعم المسكين الواحد اكثر من القدر الواجب. وثالثها ان يصوم مع الفدية فهو خير كله {وان تصوموا} فى تأويل المصدر مرفوع بالابتداء اى صومكم ايها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه {خير لكم} من الفدية {ان كنتم تعلمون} ما فى الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة والجواب محذوف ثقة بظهوره اى اخترتموه. وفى الاشباه الصوم فى السفر افضل الا اذا خاف على نفسه او كان له رفقة اشتركوا معه فى الزاد واختاروا الفطر انتهى وانما فضل الصوم للمسافر لان الصوم عزيمة له والتأخير رخصة والاخذ بالعزيمة افضل واما ما روى ان النبى عليه السلام "حديث : قال ليس من البر الصيام فى السفر" تفسير : فمحمول على ما اذا كان الصوم يضعفه حتى يخاف عليه الهلاك كذا فى شرح المجمع لابن الملك. والسفر المبيح للفطر مسيرة ثلاثة ايام ولياليها عند ابى حنيفة رحمه الله. واعلم ان الله تعالى امرنا بصيام شهر كامل ليوافق عدد السنة فى الاجر الموعود بقوله {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160]. فالشهر الكامل ثلاثمائة وستة ايام شوال ستون يوما فان نقص يوم من عدد الشهر لم ينقص من الثواب روى ان رسول الله عليه السلام صام ثمانية رمضانات خمسة منها كانت تسعة وعشرين يوما والباقى ثلاثين يوما وافترض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما بعث الله نبيه عليه السلام بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم اكمل لهم الدين واول ما فرض الصوم على الاغنياء لاجل الفقراء فى زمن الملك طهمورث ثالث ملوك بنى آدم وقع القحط فى زمانه فامر الاغنياء بطعام واحد بعد غروب الشمس وبامساكهم بالنهار شفقة على الفقراء وايثارا عليهم بطعام النهار وتعبدا وتواضعا لله تعالى. والصوم سبب للولوج فى ملكوت السموات وواسطة الخروج عن رحم مضايق الجسمانيات المعبر عنه بالنشأة الثانية كما اشير اليه بقول عيسى عليه السلام [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] بل مجاهدة الصوم رابطة مشاهدة اللقاء واليه يشير الحديث القدسى "حديث : الصوم لى وانا اجزى" تفسير : يعنى انا جزاؤه لا حورى ولا قصورى ولهذا علق سبحانه نيل سعادة الرؤية بالجوع حيث قال فى مخاطبة عيسى عليه السلام (تجوع ترانى): قال السعدى شعر : ندارند تن بروران آكهى كه برمعده باشد زحكمت تهى تفسير : وانما اضيف الصوم الى الله فى "حديث : الصوم لىbr>". تفسير : لانه لا رياء فيه بل سر لا يعلمه الا الله وانما يكون الله سبحانه جزاء صومه اذا امسك قلبه وسره وروحه عما سواه تعالى وهو الصوم الحقيقى عند الخواص: قال فى المثنوى شعر : هركرا دارد هو سها جان باك زود بيند حضرت وايوان باك تفسير : والاشارة فى قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} تفسير : [البقرة: 183]. ان الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن وباطن الخطاب يشير الى صوم القلب والروح والسر الذين آمنوا شهود انوار الحضور مع الله فصوم القلب صومه عن مشارب المعقولات وصوم الروح عن ملاحظة الروحانيات وصوم السر صونه عن شهود غير الله فمن امسك عن المفطرات فنهاية صومه اذا هجم الليل ومن امسك عن الاغيار فنهاية صومه ان يشهد الحق وفى قوله عليه السلام "حديث : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته" تفسير : عند التحقيق انها عائدة الى الحق فينبغى ان يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وافطاره بالرؤية قوله تعالى كتب عليكم الصيام اى على كل عضو فى الظاهر وعلى كل صفة فى الباطن. فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة. وصوم العين عن النظر فى الغفلة والريبة. وصوم السمع عن استماع المناهى والملاهى وعلى هذا فقس الباقى. وصوم النفس عن التمنى والحرص والشهوات. وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها. وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها. وصوم السر عن رؤية وجود غير الله واثباته {أية : كما كتب على الذين من قبلكم} تفسير : [البقرة: 183]. هى اشارة الى ان اجزاء وجود الانسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب كانت صائمة عن المشارب كلها فلما تعلق الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة امداد الروح وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية فالآن كتب عليهم الصيام وهم مركبون كما كتب على الذين من قبلكم من المفردات {أية : لعلكم تتقون} تفسير : [البقرة: 184] من مشارب المركبات وتصومون فيها مع حصول استعداد الشراب ليفطروا عن مشارب يشرب بها عباد الله اذا اسقاهم ربهم شرابا طهورا فيطهرك طهورية هذا الشراب من دنس استدعاء الحظوظ الحيوانية والروحانية كما قال ولكن يريد ليطهركم فلما افل كوكب استدعاء الحظوظ طلعت شمس استدعاء اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق انجاز ما وعد سيد الانبياء بقوله "حديث : للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربهbr>". تفسير : ثم اخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الاعداد فى قوله {اياما معدودات} والاشارة فيها هو ان صومكم فى ايام قلائل معدودة متناهية وثمرات صومكم فى ايام غير معدودة ولا متناهية فلا يهولنكم سماع ذكره كذا فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر, ونافع {فدية طعام مساكين} على إضافة الفدية وجمع المساكين. الباقون {فدية} منون {طعام مسكين} على التوحيد. والقراءتان متقاربتا المعنى، لأن المعنى لكل يوم يفطر طعام مسكين. والقراءتان يفيدان ذلك. الاعراب: قوله تعالى: {أياماً معدودات} منصوب بأحد شيئين: أحدهما - على الظرف، كأنه قيل: الصيام في أيام معدودات. وهو الذي اختاره الزجاج. الثاني - أن يكون قد عدي الصيام إليه كقولك: اليوم صمته. وقال الفراء: هو مفعول ما لم يسمى فاعله كقولك: أعطي زيد المال. وخالفه الزجاج، قال، لأنه لا يجوز رفع الأيام، كما لا يجوز رفع المال. وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام دون الأيام، فلا يجوز ما قاله الفراء إلا على سعة في الكلام. وقال عطا، وقتادة: الأيام المعدودات كانت ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ. وكذلك روي عن ابن عباس. وقال ابن أبي ليلى: المعني به شهر رمضان وإنما كان صيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعاً. وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} ارتفع عدّة على الابتداء، وتقديره فعليه عدة من أيام أخر. وروي عن أبي جعفر (ع) أن شهر رمضان كان صومه واجباً على نبي دون أمته. وإنما أوجب على أمة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) فحسب. وإنما قال {أخر} ولا يوصف بهذا الوصف إلا جمع المؤنث التي كل واحدة أنثى - والأيام جمع يوم وهو مذكر - حملا له على لفظ الجمع، لأن الجمع يؤنث كما يقال جائت الأيام ومضت الأيام. و "أخر" لا يصرف، لأنه معدول عن الألف واللام، لأن نظائرها من الصغر والكبر لا يستعمل إلا بالألف واللام، لا يجوز نسوة صغر، ويجوز في العربية "فعدة" على معنى، فليعد عدة من أيام أخر بدلا مما أفطر. المعنى: وهذه الآية فيها دلالة على أن المسافر، والمريض يجب عليهما الافطار، لأنه تعالى أوجب عليهما القضاء مطلقاً، وكل من أوجب القضاء بنفس السفر والمرض أوجب الافطار وداود أوجب القضاء، وخيرّ في الافطار، فان قدّروا في الآية فأفطر، كان ذلك خلاف الآية، وبوجوب الافطار في السفر قال عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة، وعروة ابن الزبير، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين؛ وروى سعيد بن جبير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: قال: الافطار في السفر عزيمة. وروى يوسف ابن الحكم، قال: سألت ابن عمر عن الصوم في السفر قال: أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك ألا تغضب، فانها صدقة من الله تصدق بها عليكم، وروى عبد الملك بن حميد قال قال أبو جعفر: كان أبي لا يصوم في السفر وينهى عنه، وروي عن عمر، أن رجلا صام في السفر، فأمره أن يعيد صومه، وروى عطا عن المحرز بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في شهر رمضان، فكنت أصوم ويفطر، فقال أبي أما أنك اذا أقمت قضيت، وروى عاصم مولى قومه: أن رجلا صام في السفر فأمره عروة أن يقضي، وروى الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):حديث : الصائم في السفر كالمفطر في الحضرتفسير : .وروي عن معاذ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة، فكان يصوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ ذلك بشهر رمضان في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} واختار الطبري هذا الوجه قال، لأنه لم ينقطع العذر برواية صحيحة أنه كان ها هنا صوم متعبد به فنسخه الله بشهر رمضان. اللغة: وأصل السفر الكشف تقول: سفر يسفر سفراً: اذا كشف. وأسفر لونه إسفاراً، وانسفرت الابل: اذا انكشفت داهية انسفاراً. وسافر سفراً، وسفرت الريح السحاب إذا قشعته قال العجاج: شعر : سفر الشمال الزّبرج المزبررجا تفسير : الزبرج السحاب الرقيق، ومنه السفر، لأنه يظهر به ما لم يكن ظهر، وينكشف به ما لم يكن انكشف، والسفرة طعام السفر، وبه سميت الجلدة التي يحمل فيها الطعام سفرة، والمسفرة: المكنسة، والسفير الداخل بين اثنين للصلح، والسفير: ورق الشجر إذا سقط، وسفر فلان شعره اذا استأصله عن رأسه، ومنه قوله تعالى: {أية : وجوه يومئذ مسفرة} تفسير : أي مشرقة مضيئة {أية : والصبح إذا أسفر}تفسير : اذا أضاء. والأسفار جمع سفر {أية : بأيدي سفرة}تفسير : أي كتبة. وقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} يقال: طاق يطوق طوقاً وطاقة وهي القوة، وأطاقة إطاقة ايضاً إذا قوي عليه، وطوّقه تطويقاً: ألبسه الطوق، وهو معروف من ذهب كان أو فضة كأنه يكسيه قوة بما يعطيه من الجلالة، وكل شيء استدار فهو طوق، كطوق الرحا الذي يدير القطب مشبه بالطوق المعروف في الصورة، وتطوقت الحية على عنقها: أي صارت كالطوق فيه، والطاقة: شعبة من ريحان أو شعر ونحو ذلك، والطاق: عقد البناء حيث ما كان، والجمع الاطواق، وذلك لقوته. وطوقه الأمر إذا جعله كالطوق في عنقه. المعنى: قال الحسن وأكثر أهل التأويل: إن هذا الحكم كان في المراضع، والحوامل، والشيخ الكبير، فنسخ من الآية المراضع، والحوامل وبقى الشيخ الكبير. وقال أبو عبدالله (ع) ذلك في الشيخ الكبير يطعم لكل يوم مسكيناً. منهم من قال: نصف صاع وهم أهل العراق. وقال الشافعي: مد عن كل يوم. وعندنا إن كان قادراً فمدان، وإن لم يقدر إلا على مد أجراه. وقال السدي: لم ينسخ، وإنما المعنى وعلى الذين كانوا يطيقونه. وقوله تعالى: {فمن تطوع خيراً} يعني أطعم أكثر من مسكين في قول ابن عباس، وعمل برّا في جميع الدين في قول الحسن، وهو أعم فائدة. ومنهم من قال: من جمع بين الصوم، والصدقة ذهب إليه ابن شهاب. والهاء في قوله يطيقونه - عند أكثر أهل العلم - عائدة على الصوم، وهو الأقوى، وقال قوم: عائدة على الفداء، لأنه معلوم وإن لم يجر له ذكر. والمعني بقوله "الذين يطيقونه" قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - أنه سائر الناس من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى لكل يوم إطعام مسكين حتى نسخ ذلك - في قول ابن عباس، والشعبي. الثاني - قال الحسن وعطا: إنه في الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، فنسخ من الآية الحامل، والمرضع، وبقى الشيخ الكبير. وقال السدي: إنه فيمن كان يطيقه إذا صار الى حال العجز عنه. {ومن} في قوله: {فمن تطوع} الظاهر، والأليق أنها للجزاء. ويحتمل أن تكون بمعنى الذي. وما روي في الشواذ من قراءة من قرأ {يطوقونه} قيل فيه قولان: أحدهما - يكلفونه على مشقة فيه، وهم لا يطيقونه لصعوبته. الثاني - أن يكون معناه يلزمونه، وهم الذين يطيقونه، فيؤول الى معنى واحد. ومن قرأ "فدية طعام مساكين" على إضافة الفدية، وجمع المساكين: عن ابن عامر ونافع، فان معنى قراءته تؤول الى قراءة من ينّون {فدية طعام مسكين}، لأن المعنى: لكل يوم يفطر طعام مسكين. والأول يفيد هذا ايضاً، لأنه إذا قيل: إطعام مساكين للأيام بمعنى لكل يوم مسكين، صار المعنى واحداً. وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: إن القدرة مع الفعل، لأنه لو كانت الاستطاعة مع الفعل الذي هو الصيام، لسقطت عنه الفدية - لأن إذا صام لم يجب عليه فدية. وقوله: {وإن تصوموا خير لكم} رفع (خير)، لأنه خبر المبتدأ. وتقديره وصومكم خير لكم، كأن هذا مع جواز الفدية، فأما بعد النسخ، فلا يجوز أن يقال: الصوم خير من الفدية مع أن الافطار لا يجوز أصلا.
الجنابذي
تفسير : {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} قلائل فانّ العرف تكنّى عن القلّة بالمعدودات وهو متعلّق بتتّقون ومتعلّق الصّيام محذوف بقرينة هذا والمراد بها ايّام الدّنيا او ايّام الصّوم وامّا تعلّقه بكتب او الصّيام فغير مستقيم لاخلال الاوّل بالمعنى والثّانى باللّفظ لوقوع الفصل بين المصدر ومعموله بالاجنبىّ الّذى هو {لعلّكم تتّقون} وهو غير جائز لضعفه فى العمل {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} يعنى فى تلك الايّام المقرّرة للصوم {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} وقد بيّن الفقهاء رضوان الله عليهم حدّ السّفر فيه وشرائطه وشرائط القصر والافطار به وحدّ المرض والافطار به {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فبدلها عدّة ايّام او فعليه عدّة ايّام من ايّامٍ اخر وقرئ بالنّصب بتقدير فليصم عدّة من ايّام اخر وهذا بظاهره يدلّ على لزوم الافطار لكليهما والانتقال الى البدل فانّه تعالى اتى بالشّرطيّة وجعل لازم الشّرط الّذى هو المرض او السّفر استبدال أيّام الصّوم بأيّام اُخر من دون قيدٍ وافاد انّ هذا الجزاء لازم لهذا الشّرط المطلق. وعن طريق العامّة اخبار كثيرة دالّة على الافطار فى السّفر وتقدير شرط بان يقال فعدّة من ايّام اخر ان افطر خلاف الظّاهر ومع ذلك فنقول: ان لم يكن فيها حجّة لنا عليهم كانت من المجملات المحتاجة الى البيان وقد بيّنوها لنا مثل سائر مجملات القرآن فانّ اخذ الاحكام من محض الالفاظ خصوصاً مجملات القرآن ليس الاّ محض التّفسير بالرّأى فان اصاب الحقّ فقد أخطأ وليتبوّء مقعده من النّار {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} طاق الشّيء طوقاً واطاقه وعليه قدر؛ وعلى هذه القراءة قيل: انّه كان النّاس فى بدو الاسلام لم يتعوّدوا الصّوم فخيّرهم الله تعالى بين الصّوم والفدية ثمّ نسخت، او كان المراد على الّذين يطيقونه من المرضى والمسافرين ثمّ جاءت العزيمة بعد، او كان المراد على الّذين يطيقون الصّيام من المفطر المريض او المسافر عوضاً عمّا أفطر ثمّ نسخ التّخيير وبقى الصّوم فقط او الفدية ان لم يصم الى شهر رمضان الّذى بعد هذا الشّهر الّذى أفطره، او المراد على الّذين يطيقونه من امثال الشّيخ والشّيخة والمرضعة وذى العطاش فانّهم ان لم يطيقوه أفطروا وجوباً، وان أطاقوه كانو مخيّرين بين الصّوم والفدية، وأشير فى الاخبار الى اكثر هذه الوجوه، وقرئ (يطوّقونه) من التّفعيل و(يتطوّقونه) من التفعّل و(يطّوقونه) منه بادغام التّاء فى الطاء بعد الابدال و(يطيقونه ويطيّقونه) ملحقاً بالفعللة والتّفعلل اصلهما (يُطَيْوقونه) و(يَتَطيوقونه) كلّ ذلك من الطّوق بمعنى القدرة، او بمعنى القلادة مع افادة معنى التكلّف والجهد وعلى هذه القراءة فالمعنى على الّذين يتكلّفون الصّوم ويتعبون بسببه مثل المشايخ والمراضع وذوى العطاش ولا اشكال فيه بعد ذلك فالآية مجملة مثل سائر المجملات {طَعَامُ مِسْكِينٍ} مدٌّ من الطّعام او مدّان كما قيل {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} اى عمل خيراً على التّجريد او من عمل بطريق الطّاعة خيراً فى اداء الفدية بان يزيد فيها او بان يجمع بين الصّوم والفدية، او من تطوّع خير من جملة الطّاعات الدّينيّة {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ} ايّها النّاس المخيّرون بين الصّوم والفدية او المرضى والمسافرون او القاضون المخيّرون او المعذورون او المتكلّفون بسبب الصّوم او المؤمنون على ان يكون كلاماً مستقلاًّ ترغيباً فى الصّوم من غير نظرٍ الى ما تقدّمه {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ان كنتم من اهل العلم او ان كنتم تعلمون أنّه أفضل اخترتموه.
الهواري
تفسير : قوله: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : احصوا هلال شعبان لرمضان، صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غُمِّيَ عليكم فأتموا ثلاثين يوماً فإن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً . تفسير : ذكروا عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الشهر تسعة وعشرون وقال: يكفيه هكذا وهكذا وهكذا، وضم الخنصر في الثالثة، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإن حالت دونه غمامة أو غياية فأكملوا العدة ثلاثين فإن فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحّون . تفسير : غير واحد من العلماء أنهم قالوا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم ستة أيام من السنة: يوم الفطر ويوم النحر، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان. ذكر محمد بن سيرين قال: انطلقت في اليوم الذي يختلف فيه من رمضان فلم أجد أحداً ممن كنت آخذ عنه إلا رجلاً واحداً كان يحسب حساباً له، ولو لم يحسبه كان خيراً له؛ فكان فيمن أتيت أنس بن مالك ومسلم بن يسار. قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. ذكروا عن حمزة الأسلمي أنه حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر فقال:إن شئت صمت وإن شئت أفطرت . تفسير : ذكر بعض أصحاب النبي عليه السلام قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان فصام طوائف من الناس، وأفطر آخرون، فلم يعب بعضهم على بعض. قوله: {وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. قال بعضهم: كان رخص فيها للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعمان مكان كل مسكيناً، ثم نسخ ذلك في هذه الآية الأخرى. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فبقيت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا. ذكروا أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عاماً قبل موته فأفطر وأمر أهله أن يطعموا عنه كل يوم مسكيناً. أما قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من أقام منكم الشهر فليصمه. فحدثنا عن الثقة من أصحاب النبي عليه السلام وهو أبو سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى حنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان فصام طوائف من الناس وأفطر آخرون فلم يعب بعضهم على بعض. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: من خرج في رمضان فإن الصوم عليه واجب يصومه في السفر. قال بعضهم: والعامة على أنه إن شاء صام وإن شاء أفطر. قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} قال: من أطعم مسكينين. {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم. ثم نسخ ذلك في الآية الأخرى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
اطفيش
تفسير : {أياماً مَعْدُودَاتٍ} أى أياما قليلة، فإن من شأن القليل فى الجملة العد، والكثير يجازف به مجازفة، ونكتة ذكر ذلك تسهيل الصوم عليهم بأنه قليل، واستشعار حضور انقضائه، ما لكم لا تصومون وهو قليل. والنصب على الظرفية بمحذوف أى صوموا أياماً معدودات، دلّ عليه لفظ الصيام، وقيل مفعول لصوموا محذوفا، ولا ينصب بالصيام للفصل بينهما، وإعمال المصدر المقرون بأل فى الظرف والمجرور جائز، وإنما اختلف فى إماله فى الفاعل والنائب والمفعول به. والمراد بالأيام المعدودات شهر رمضان، أو ما وجب صومه قبل نزول فرض رمضان، ثم نسخ برمضان، وهو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. قال ابن عباس رضى الله عنهما: أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة، ثم الصوم، وروى البخارى ومسلم عن عائشة قال: كحديث : ان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصومه فى الجاهلية، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركهتفسير : ، وبهذه الألفاظ رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة، إلا أنهُ قال كان يوم عاشوراء يوما تصومه إلخ، وقال: فلما قدم المدينة وزاد بعد قوله: ومن شاء تركه، ولكن فى صيامه ثواب عظيم، وقيل المراد بالصيام: صيام عاشوراء والأيام الثلاثة، وبقوله: {أياماً معْدُوداتٍ} شهر رمضان ناسخ للصيام المذكور، والصحيح أن المراد بالصيام والأيام جميعا هو رمضان فلا نسخ هنا، وإذا قيل المراد بالصيام والأيام هو عاشوراء والأيام الثلاثة، فالناسخ ما يذكر بعد ذلك من رمضان، ولا يصح تعليق {أياما} بكُتِب الأول ولا الثانى، لأن الكتب فى الأزل، وإن اعتبرنا كتبا آخر مطابقا لكتب الأول واقعا فهو أيضاً قبل تلك الأيام المعدودة، فليست الأيام المعدودة ظرفا للكتب، بل ظرف للصوم المكتوب، ولا يصح أن يكون {أياما} مفعولا ثانيا لكتب الأول ولا الثانى، على الموسع بالتشبيه بالمفعول به، لما ذكرت لك أن الأيام ليست ظرفا للكَتْب، وقيل {أياما} تمييز والمعنى صومكم كصومهم فى عدد الأيام، كما قال صاحب الوضع رحمهُ الله على الذين من قبلكم، يعنى النصارى، وذكر أن النصارى فُرِض عليهم صوم شهر رمضان فشق عليهم صيامه، لأنهُ ربما أتاهم فى الحر الشديد ويضرهم فى أسفارهم وطلب معايشهم، فاجتمع رأى رؤسائهم وعلمائهم على أن يجعلوا صومهم فى فصل من السنة بين الشتاء والصيف، وزاد فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوما، ثم إن ملكهم اشتكى بفمه فنذر لله إن هو برئ من مرضه أن يزيد فى صومهم أسبوعا، فلما برئ من مرضه زاد فى صومهم أسبوعا، فمات ذلك الملك، فوليهم ملك آخر فقال لهم: أتموه خمسين يوما، فصاروا يصومون خمسين يوما. انتهى كلام الوضع. وصاموه قبل ذلك ما شاء الله كما أمرهم الله بعدده وفى وقته، وأيضا ربما يقع فى البرد الشديد فيشتد عليكم كما يشتد فى الحر الشديد، وجعلوه فى الربيع وهو ما بين الصيف والشتاء، وقيل لما وليهم الملك الآخر قال: ما بال هذه الأيام الثلاثة؟ أتموه خمسين، فزادوا الثلاثة، فكان خمسين. وقيل: أصاب الموت حيوانهم، فقالوا: زيدوا فى صيامكم فزادوا عشراً قبل رمضان، وعشرا بعده. وقيل: إن النصارى فرض عليهم صوم رمضان فصاموا قبله يوما وبعده يوماً، ثم لم يزالوا يزيدونه يوما بعد يوم حتى بلغ خمسين، فلذلك نهى عن صومه يوم الشك. وروى أنهُ كتب عليهم رمضان، فوقع فى برد أو حر شديد فحولوه إلى الربيع، فزادوا عليه عشرين كفارة لتحويله. وعن الحسن: كتب على النصارى صيام رمضان فصاموه زمانا، فصار أحيانا يكون فى الحر الشديد، فوضعوه فى زمان لا يكون فبه حر فصاموا ذلك زماناً، ثم قالوا لنزيدن فى صيامنا لما حولناه، فزادوا فيه عشرة أيام فصاموا كذلك زماناً، ثم اشتكى ملكهم فنذر إن عافاه الله أن يزيد سبعة، فعافاه الله فزادها، فصاموا كذلك زماناً، ثم استخلف آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمها خمسين، وقيل سألهم عن بدءِ أمرهم فأخبروه فقال: أتموه خمسين. وهذه الأخبار كلها تدل أن الأمم شاركتنا فى رمضان. ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عمر رفعه: صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم. وفى إسناده مجهول. {فمَنْ كانَ مِنْكمْ مَرِيضاً}: حين حضور تلك الأيام المعدودة مرضا يتأخر برؤه بالصوم، أو يزيد مرضاً به، أو يشق معهُ، أو كان لا يأكل أو يشرب ما يصل به الليل، هذا ما عندى، وقيل يفطر إن كان لا يشتهى طعاماً، وكلامى متضمن لهُ فمن إن صام حُم أو اشتد وجع عينيه وقد وجعت، أو يحدث مرض لم يكن أو نحو ذلك، أفطر كما علمت من كلامى وهذا قولنا وقول أكثر الأمة. ومالك والشافعى قالا: إذا جهده الصوم أفطر وإلا فهو كالصحيح، وقيل إن المريض لا يفطر إلا إن كان ما يقع بالصوم فى مشقة عظيمة حملا للمرض على المرض الكامل، وقال ابن سيرين والحسن وأهل الظاهر: إن كل ما يطلق عليهِ اسم المرض يفطر به، إن شاء ولو قل، وإن شاء صام، وما عظم يتضرر بالصوم معه أفطر به، ولا بد وذلك حمل للمرض على أدنى ما يسمى مرضا، كما أن لكل مسافر أن يفطر، كذلك لكل مريض. وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه؟ فقال: إنهُ فى سعة من الإفطار، وقائل هو المرض الذى يعسر معهُ الصوم ويزيد فيه لقوله تعالى:{أية : يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ}،تفسير : وعن الشافعى لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل. {أوْ عَلَى سَفَر}: بعيد أو قريب فيه مشقة أو لا مشقة فيه دام على السير، أو مكث فى بلدة ولم يتخذها وطناً، وذلك بمجاوزة فرسخين، ونية الإفطار من الليل بعد مجاوزتهما، وقال قومنا يجوز له الإفطار إذا حصل على حد السفر المبيح للإفطار ولو نهاراً، نوى من الليل أو لم ينو، والمستحب عندى أن يصوم اللابث فى بلدة بلدة توحيد أو شرك، ولو كان لا يقصر ما لم يتخذها وطنا إذا حل اتخاذها، لأن التقصير جزم على الصحيح والإفطار على الاختيار لا جزم، وقد علمن أن السفر المبيح للإفطار هو الذى ليس معصية، وزعم شاذ من قومنا أنه يبيح الإفطار لمن سافر فى معصية، ومعصيته شئ آخر ويرده أن الإفطار أبيح إعانة على المباح كتجارة وعلى العبادة كحج، وطلب علم. وزعم بعض قومنا أنه لا يباح الإفطار لمباح، بل لعبادة. وأجاز بعض أصحابنا الإفطار بنية نم الليل مجاوزة فرسخين. وأجازه بعضهم قبل مجاوزتهما، إن كان ثلاثة أيام فصاعدا إن نوى من الليل، ومن كان فى سفر أو حضر صائماً فاضطر للإفطار أفطر فى حينه، ولا شئ عليه إجماعاً، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز الإفطار فى غير الضرورة لمسافر إلا إن سار ثلاثة أيام. وقال الشافعى، وأحمد: أقل السفر المبيح للإفطار ستة عشر فرسخا، يومان. وعن مالك: ثمانية وأربعون ميلا. وقال الأوزاعى: يوم. وقال داود الظاهرى: يباح لسفر ولو فرسخا أو أقل. والصحيح فرسخان لأنهُ صلى الله عليهِ وسلمَ بين لهم ميقات الإفطار والصوم بمقدارهما من المدينة، ثم رجع وسافر يوما وأفطر بعد مجاوزتهما، ولم يقيد لهم بأن ذلك لبعد السفر، وقد يستدل به مجيزوا الإفطار ولو بلا نية من الليل لمن سافر، لأنهم أفطروا ولم ينووا إلا إن كان ذلك ليتقوى على العدو. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز الإفطار إلا إذا جاوز ثلاثة أيام، وقيل إذا خرج من الحوزة. وقال أهل نفوسة: لا يفطر حتى يجاوز الحوزة ويسير ثلاثة أيام، وإن كان فى طرف الحوزة أفطر بعد أن يجاوز فرسخين، وإن أفطر بعد مجاوزتهما، وقبل مجاوزتهما نهر، ولم يبر منه إلا إن سافر سفرا بعيداً فلا ينهر، وصحح كثير منا أنه لا يفطر إلا إذا بلغ السفر النائى وهو ثلاثة أيام أو مجاوزة الحوزة، وزعم قوم أن من استهل عليه شهر رمضان لم يجز له الإفطار ولو سافر لقوله تعالى: {أية : فَمَنْ شَهِد مِنْكُمُ الشَّهرَ فَلْيصُمْه}،تفسير : والأكثر على جواز الإفطار له إن سافر، كما يجوز له إن استهل عليه وهو مسافر، ويرد عليهِ بأنه مخصوص بقوله: {فمَنْ كانَ مِنْكُم مَرِيضاً أو على سَفَر}، وقوله:{أية : ومَنْ كانَ مَريضاً أو على سَفر}،تفسير : وهما كالاستثناء منه، بل قال ابن عمر بنسخه قوله: {فمَنْ كانَ منكُم مَريضاً أو عَلى سَفرٍ}، ورد أيضاً بما رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد مرسلا، قال: حديث : خرج النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى مكة عام الفتح فى رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطر فأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر النبى، صلى الله عليه وسلم، فأفطر فأفطروا، وقد شهدوا شهر رمضان فى الحضرتفسير : ، وهذا الحديث يدل على جواز الإفطار ولو بلا نية من الليل، لأنهم أفطروا ولم ينووا، كذا رواء البخارى ومسلم بذلك اللفظ بعينه، لكنهما روياه متصل الإسناد إلى ابن عباس، والاتصال أقوى. اللهم إلا أن يقال هذا الإفطار تقوية على العدو وهو جائز بلا نية من الليل، كما صرحه فى رواية الربيع، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد قال: سمعت جملة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقولون: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام الفتح فى رمضان، فأمر الناس أن يفطروا، قال: تقووا لعدوكم، فصام هو ولم يفطر، ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من شدة الحر من العطش فقيل له: يا رسول الله إن الناس صاموا حين صمت، فلما بلغ الكديد دعا بقدح من ماء فشرب فأفطر الناس معهتفسير : . وظاهر قولى إن الناس صاموا وقوله فأفطر الناس معه أنهم لم يفطروا حين أمرهم بالإفطار، وكذا ظاهر الحديث السابق فصام حتى بلغ الكديد فأفطر حتى أفطروا، وصاموا لما رأوه صام، وقد يدل قوله: فصام هو بذكر بعض هو على أن بعضاً أفطر لكنه قليل بدليل قوله: إن الناس صاموا هذا ما ظهر لى، وقال سيدى أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة رحمه الله: أفطر غالبهم وصام هو وجماعة حتى بلغ الكديد فأفطروا معاً. وروى مالك فى موطئه عن رجل من الصحابة: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج فى الحر وهو يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش ومن الحر، ثم لما بلغ الكديد أفطرتفسير : ، وإذا كان هذا الإفطار للتقوى على العدو ولم يكن فيه رد على أشتراط أصحابنا نية الإفطار فى السفر من الليل لنا عموم قوله تعالى:{أية : ولا تُبطلُوا أعمْالكُم}تفسير : فإن من أصبح صائما ثم أفطر بلا حدوث مرض ولا مضرة ولا تقوى على العدو مبطل لعمله الذى هو صوم ما مضى من ذلك اليوم فى السفر، كما يفطر أو يغمى من قطع الصلاة عمدا بلا عذر ولا شبهة، لكن أمر الإفطار أهون من قطعها لجوازه فى السفر فى الجملة، ولنا أيضاً قوله: {أو على سفر}، فإنه يدل على أن من سافر فى أثناء اليوم لا يفطر، وتلك الأحاديث كلها إذا حملنا الإفطار فيها على إرادة التقوى لم يكن فيها دليل على جواز الإفطار فى السفر بعد الصوم فيه، لأن الإفطار للتقوى جائز ولو فى الحضر بلا نية من الليل إذا حضر أمر العدو أو ترجح حضوره، وذلك فى القتال الذى هو عبادة لا قتال المعصية. وقد قال بعض أصحابنا: لا يجوز الإفطار فى السفر إن تقدم فيه صوم وهو المختار عندهم، وأنهُ إن أفطر انهدم ما صام فى السفر وليس كذلك لأن الله جل وعلا أباح لنا الإفطار بلا شرط عدم تقدم صوم وهو الصحيح، وإن أفطر ثم صام ثم أفطر فسد عند جمهورنا ما صام بين الفطرين، وقيل لا يفسد. ووجه القوم بالإفساد أنهُ لما صام بعد الإفطار كان أخذاً بحكم الحضور وهو مسافر فلم يجز له الإفطار، فإفطاره مبطل لصومه، ولا يقال لم لا يلزمه الإفطار إذا أفطر، لأنا نقول حكم الإفطار تسهيل اختار إجماعا فله انتقال عنه بأى حال، ووجه القول بأنهُ إذا صام ثم أفطر فسد صومه، ولو لم يتقدمه إفطار فى السفر أنهُ جاز لهُ الإفطار والصوم، فأياً منهما التزم لزمه، ويرده أنهُ لا يجب عليه التزام الإفطار، وأنهُ أباح الله، جل وعلا، الإفطار بلا شرط عدم تقدم الصوم، فالحجة فى الآية لا فى قوله: يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره، بحمله على أنهم كانوا لا يعرفون الإفطار بعد الصوم فى السفر، لأن هذا الإفطار للتقوى، والكديد موضع بين عسفان وقديد، بينه وبين مكة مرحلتان، وذلك ثمانية وأربعون ميلا، وأجاز قومنا للمسافر أن يفطر ويصوم، ويفطر ويصوم، وهكذا كل ما شاء، ويحكمون لهُ بصحة صومه ولا عيب ولا كراهية على من أفطر فى السفر، روى الربيع، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أنس بن مالك قال: حديث : سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يصب الصائم من المفطر، ولا المفطر من الصائمتفسير : ، وبهذا اللفظ نفسه عينه رواه البخارى ومسلم بلا سندهما عن أنس، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، ونعبر عن ذلك بأن الإفطار مباح والصوم جائز، قالت طائفة هما سواء، وقال الشافعى: الصوم أفضل وأفضل الأمرين أيسرهما، يريد الله بكم اليسر، وما خير - صلى الله عليه وسلم - إلا اختار أيسر الأمرين،. وقال أبو هريرة، وبعض الظاهرية، إنهُ لا يجوز الصوم فى السفر، ومن صام فعليه القضاء، وكذا المرض، وزعم بعض أنه مذهب لابن عباس لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ليس من البر الصيام فى السفر"تفسير : ، ولما روى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله،حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى سفر فرأى زحاماً ورجلا قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا صائم. قال: "ليس من البر الصيام فى السفر"تفسير : ويرد ذلك ظاهر القرآن، وصومه، صلى الله عليه وسلم، فى سفره المذكور، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - ليس من البر الصيام فى السفر فإنما قاله ردا على سائل توهم أن الصوم فيه أرجح، فإن البر يطلق فى الغالب على العبادة التى لها مزية وأما قوله عند الرجل المظلل عليه: "حديث : ليس من البر الصيام فى السفر"تفسير : فمعناه لا خير فى الصوم إذا كان يؤدى إلى الهلاك، أو ليس من البر الذى يلتزم، ولو أدى إلى الهلاك، والظاهر أن من وجد قوة فصام فحسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فحسن، وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول لقصة إفطاره - صلى الله عليه وسلم - فى كديد عام الفتح: قد صام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر، وهذا الكلام من ابن عباس يدل على جواز الإفطار ولو بلا نيّة، لأنه ولو ذكر التقوى فى الحديث لكن لم يعتبره ابن عباس قيدا، بل كأنه فهم الحديث على معنى الأمر بالإفطار المباح المطلق، ولو بلا تقوى، واختاره للتقوى وعلى هذا ففى الحديث أيضاً دليل على جواز الإفطار بعد الصوم فى السفر. قال الشيخ هود رحمه الله: حدثنا عن الثقة من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو أبو سعيد الخدرى أنهُ قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من طيبة إلى خيبر لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رمضان، فصام طوائف من الناس، وأفطر طوائف علم يعب بعضهم على بعض، ذكروا عن على بن أبى طالب: من خرج فى رمضان فإن الصوم عليه واجب بصومه فى السفر. والعامة على أنه إن شاء صام وإن شاء أفطر. وحديث : سأل حمزة الأسلمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم فى السفر فقال: "إن شئت فصم وإن شئت أفطرت" . تفسير : {فَعِدَّةٌ مِنْ أيامٍ أُخَرَ}: أى فعليه عدة من أيام أخر، أو فالواجب عدة من أيام أخر، ويقدر محذوف، ولا بد لأن مطلق الكون مريضا أو على سفر لا يوجب عدة أيام أخر، وتقديره: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فحذف العاطف والمعطوف، أو تقديره: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} إن أفطر، أو تقديره: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} فإن أفطر فعدة، ولما حذف الشرط وأداته اجتمعت الفاءان فحذفت الثانية، لأن التكرار حصل بها، وعلى هذا فالفاء فى عدة داخلة على إن فى جواب من، لا على جواب من، وفى كلام بعض النحاة ما يدل على جواز تقدير إن بلا فاء تنزيلا لها ولشرطها منزلة التقييد بالحال، فيكون قوله: {فعدة من أيام أخر} جواب من، والحذف فى ذلك بأوجهه سيما فحوى الخطاب، ويقدر مضاف ومضاف إليه أيضا، أى فصوم عدة أيام مرض أو سفر أخر، وقرئ فعدة بالنصب أى فليصم عدة، وقرأ أبى بن كعب {فعدة من أيام أخر متتابعات} وهذا التتابع واجب على الصحيح، كما نصت عليه قراءة أبى، ويدل له أنها بدل أيام يجب تتابعها، وهو قولنا، وقول على وابن عمر والشعبى وغيرهم، وقال جمهور قومنا: إن التتابع فى القضاء مستحب لا واجب. وقال أبو عبيدة ابن الجراح رضى الله عنه: إن الله لم يرخص لكم فى فطره، وهو يريد أن يشق عليكم فى قضائه، إن شيئت فواتر، وإن شيئت ففرق. والصحيح أن القضاء متواتر إلى قدره المتصل بالموت، وقيل إلى قدره المتصل برمضان الآخر، وقيل لا يجوز تأخيره عن وقت الإمكان، وزوال العلة التى تبيح الإفطار، ووجه التراخى خروج الوقت. فالأوقات إليه سواءَ، والقياس على سائر الديوان كالكفارات، وعن عائشة رضى الله عنها يكون على الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضى إلا فى شعبان للشغل بالنبى، صلى الله عليه وسلم، رواه البخارى ومسلم، وزعم بعض أنهُ لا يجب القضاء، بل مستحب من مرض أو سفر، وإن قلت الآية لا تشمل فطر يوم أو يومين لأنه قال: {مِنْ} أيامٍ قلت: بل تشمل ذلك، لأن قوله: {مِنْ أيامٍ أُخرَ} ليس بياناً للعدة، بل تبعيض أو ابتداء، أى فعليه عدة ما أفطر يصومها من الأيام الأخر، وإن قلت من أين تعلم أن المراد عدة ما أفطر؟ قلت: معلوم أن المراد عدة ما أفطر، سواء أفطر الكل أو البعض، فإن العدة بمعنى المعدود، وقد أمر بأن يصوم أياماً معدودات، ولما قال: {فعدَّة} علمنا أن المراد عدتها أو عدة بعضها بحسب الإفطار، فإنها معدودة، وبعضها معدود، ولا يؤثر عدد على عددها، فإن ذلك قضاء وبدل وهو كسائر الفرائض إذا لم تؤد فى وقتها قضيت بعد وقتها بحسابها فى وقتها. {وعلَى الّذين يُطِيقونَهُ}: أى يستطيعون الصيام وقرأ ابن عباس: يطيقونه بضم الياء وفتح الطاء والواو المشددة فى رواية عطا عنه سماعا منه، إما من الطوق بمعنى الطاقة، أى يُضَيَّرهم الله ذوى طاقة على الصيام، وإما من الطوق بمعنى ما يجعل طوقا فى العنق مثلا كالقلادة، أى يصيرهم الله مكلفين به لا زمالهم طائفا بهم باللزوم طواف الطوق على العنق وروى عنه أنهُ قرأ يتطوقه بفتح الياء والتاء والطاء والواو المشددة من الطوق بمعنى الطاقة، أى يطاوعون فى التصيير ذوى طاقة، أى يقدرهم الله فيكونوا قادرين، أو بمعنى الطوق، أى ألزمهم الله فيطاوعون فى الإلزام بمعنى أنهم خلقهم بحال تقبل التكليف به، وعنه يطوقونه بذلك الضبط كله والمعنيين، إلا أنهُ أبدل التاء طاء وأدغمها فى الطاء، وبه قرأ مجاهد عن ابن عباس، وعنه يطيقونه بضم الياء وفتح الطاء والياء المشددة بعدها من طيوق بوزن فيعل من الطاقة، أو من الطوق ويطيقونه بفتح الياء والطاء والياء المشدودتين بوزن تفعيل من الطوق أو الطاقة قلبت فيهما الواو ياء وأدغمت الياء فيها إذا كانا من الطوق، والمعنى كقراءة الجمهور فى ذلك، وتحتمل هذه القراءة العلاج، أى يكلفونه أو يتكلفونه على عسروهم الشيوخ والعجائز، ويحتمل قراءة الجمهور، وهذه القراءات كلهن معنى يصومونه على مبلغ طاقتهم فلا نسخ، إذ المعنى وعلى الذين صومهم هو طاقتهم المؤدية إلى فوت أو مضرة لكبر أو علة. {فِدْيةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ}: إضافة فدية لطعام بيانيّة، أو فدية هى طعام مسكين، وطعام بمعنى إطعام، وإضافته لمسكين إضافة اسم مصدر لمفعوله، والفدية فى ذلك على المعنى المصدر، ويجوز أن تكون بمعنى ما به الفداء وهو الطعام، والإضافة كذلك بيانية، والطعام بمعنى أكل، فليس اسم مصدر وإضافته بمعنى اللام على الملابسة، وذلك قراءة نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان، وقرأ الباقون بتنوين فدية، ورفع طعام على الإبدال من فدية، وإفراد مسكين ما خلا هشاماً فإنه جمع، ذكره الحافظ أبو عمر والدانى، وفدية طعام مساكين ما يأكل الإنسان المسكين لعدم بلوغه، أو كونه مسافرا أو غير مكلف بالصوم، أو لكونه امرأة حائضا أو نفساء غداء وعشاء أو فطوراً وسحوراً إن كان صائما وإن كال فالمد لكل مسكين، وذلك يوم أفطررا فيه، والمد قول الحجازيين، وبالعشاء والسحور فسر ابن عباس الآية اختار الإطعام على الكيل، لأن المفطر طعم واختار إطعام الصائم ليكون كالبدل من المفطر. قال الكوفيون والبصريون: نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وذلك أنهم لم يتعودوا الصوم أول الإسلام، فرخص الله جل وعلا لهم أن يفطروا ويقدوا بطعام المسكين لكل يوم أفطروه، ثم نسخ ذلك بقوله {أية : فَمَن شَهدَ مِنكُم الشَّهر فليْصُمه}تفسير : فلزم الصوم كل من طاق، وهذا قول عمر بن الخطاب، وسلمة بن الأكوع وغيرهما، قال البخارى ومسلم عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت هذه الآية: {وعلىَ الَّذين يُطيقونُه فِدْيةٌ طعامُ مِسْكين} كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها، وفى رواية حتى نزلت هذه الآية:{أية : فَمنْ شَهِد منكُم الشَّهر فليْصُمه}تفسير : وكذا قال ابن عمر وابن عباس فى رواية عنه قال إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على الولد فإنها باقية بلا نسخ فى حفظهما، وعن ابن عباس: لا نسخ فى الآية، ولكن المعنى وعلى الذين: يطيقونه فى حال الشباب، ثم عجزوا عنهُ عند الكبر، فيطعمون مكان كل يوم مسكيناً، وكذا من كان يطيقه ثم لم يطقه، وهو لم يتم فإنه ينتقل فيه إلى الإفطار والإطعام، ويقول ابن عباس: قال قوم وقيل وعلى الذين يطيقونه فى السفر والمرض فدية طعام مسكين، ثم نسخ الإطعام. ولا فدية الآن على مسافر أو مريض أو حائض أو نفساء إن أفطروا إلا مرض لا يرجى برؤه، أو بلغ رمضان آخر ولم يقضوه مع الإمكان، وزوال العلل، وقيل تلزم المريض ولو رجا ولزمت العجوز والكبير الذين لا يطيقونه، وقيل: لا. ولزمتهما إن أطاقاه بمشقة ولزم الحامل والمرضع عند الشافعى لا عند أهل الرأى، وقال قتادة: خاص فى حق الشيخ الكبير الذى يطيق الصوم ولكن يشق عليهِ رخص له أن يفطر ويفدى، ثم نسخ الفداء وهو الإطعام، وقال الحسن ذلك المريض الذى يقع عليهِ اسم المرض وهو يستطيع الصوم، خير بين الصوم وبين الإفطار فيفتدى، ثم نسخ الفداء، واختلف أصحابنا فى لزوم الفداء للشيخ الكبير الذى حل لهُ الإفطار، والمشهور اللزوم، وقيل الأصل: وعلى الذين لا يطيقونهُ فدية طعام مساكين، فحذفت لا النافية أى لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، قلت: يغنى عن تقدير لا النافية تفسير يطيقونهُ بمعنى يبلغون بصومها غاية طاقتهم الموصلة إلى مضرتهم، أو مشقة عظيمة فيفطرون ويطعمون، وذلك لأن حذف لا النافية مطرد فى جواب القسم الذى هو مضارع ولا قسم هنا، وعلى تلك الأوجه كلها يقدر محذوف به يتم الكلام، أى وعلى الذين يطيقونُه فأفطروا فدية طعام مساكين، أو على الذين يطيقونُه فدية طعام مساكين إن أفطروا* {فَمنْ تَطوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}: أى من عالج طاعة بزيادة خير، وهى أن يزيد فى الفدية على القدر الواجب عليهِ مثل أن يطعم مسكينا أو ثلاثة أو أكثر لكل يوم، أو يكيل لكل مسكين أكثر مما لزمه، ثم رأيت الوجهين تفسيرا للعلماء والحمد لله، فعن ابن عباس: المراد من إطعام مسكينين فصاعدا عن يوم، وقال مجاهد من زاد فى الإطعام على المد، وفيه قول ثالث لابن شهاب هو أن المراد من أراد الإطعام مع الصوم وهو حسن، ويحتمل وجها رابعا هو أن المراد مطلق النفل فى أبواب العبادات هذا النوع وغيره، والجبر الأول بمعنى النفى وهو ضد السوء، والثانى يحتمل ذلك ومحتمل التفضيل على الاقتصار على الواجب، والثالث الآتى اسم تفضيل، وقرئ فمن يطوع بتشديد الطاء والواو المفتوحتين، وإسكان العين أصله متطوع بإسكان التاء وإبدالها طاء وإدغامها فى الطاء، وهو عائد إلى الخير، أى ومن تطوع خيرا فذلك الخير خير له، أو عائد إلى التطوع المفهوم من تطوع* {وأَنْ تَصُومَوا}: يا معشر المطيقين أو المطوقين، أو يا معشر من رخص لهُ فى الإفطار وقد أطاق الصوم كالمسافرين والمرضى والكبار المستطيعين* {خَيرٌ لكُم}: من الإفطار والفدية، أو من تطوع الخير أو من الفدية، وتطع الخير وتأخير القضاء. {إنْ كُنْتُم تَعلمُونَ}: ما فى الصوم من المسارعة إلى العبادة، وبراءة الذمة والحض عليهِ، وثواب تحمل المشقة، ويجوز أن يكون الخطاب فى ذلك كله لمن يتحتم عليه الصوم، ومن يجوز لهُ أى الصوم خير لكم من الإفطار الذى تستحسنه النفوس وترغب فيه فى حق من حلله، وفى حق من لم يحل لهُ وإنما ساغ التفضيل مع أنهُ لا ثواب فى مجرد الإفطار، بل هو معصية إذا تحتم الصوم، لأن فيه نفعا وحسنا باعتبار رغبة النفس، وأن تصوموا مبتدأ: فى تأويل صومكم، وقد قرأ أبى: والصيام خير لكم إن كنتم تعلمون، وجواب إن محذوف تقديره فهو خير لكم، دل عليه ما قبله، لكن هذا من باب نيابة العلة عن الجواب، أى إن كنتم تعلمون ذلك صمتم، لأنه خير لكم، وكذا فى نظائره عندى مما مر من الآيات، وما يأتى إذا كان مضمون دليل الجواب ثابتا ثبت مضمون الشرط أو لم يثبت، ويجوز أن يقدر: إن كنتم تعلمون صمتم أو اخترتم الصوم، وقيل إن كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير من ذلك، ولا يخفى فضل فرض الصوم، وأما النفل بالصوم، فإنه عظيم جداً،ولو قيل إنه أدنى العبادات، لأنه يجر إلى باقى العبادات ويرغب فيها، ويزجر النفس عن المعاصى للجوع والعطش، قال سهل بن سعيد الساعدى: عن النبى، صلى الله عليه وسلم:"حديث : من صام يوما تطوعا لم يطلع عليه أحد لم يوض لله له الثواب دون الجنة"تفسير : ومثله عن أبى هريرة: عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عبد البر فى بهجة المجالس: قال أبو العالية: الصائم فى عبادة ما لم يغتب. قال البلالى الشافعى فى اختصار إحياء الغزالى والسبكى فى شرح ذلك المختصر: إن الغيبة تمنع ثواب الصوم إجماعا، وزعم البلالى المذكور أن فيه نظر المشقة الاحتراز، وكأنه عد فى الغيبة الناقضة ما يعده الغزالى غيبة، ولو كان أمره سهلا، ولذلك نظر فيه وقال: وإن أكثر لها توجه الإجماع على إبطال صومه، روى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ولو علمتم ما فى فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة"تفسير : ، وروى البخارى ومسلم:"حديث : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه"تفسير : وروى الربيع ابن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فارق شهوته وطعامه من أجلى فالصيام لى وأنا أجزى به الجنة"تفسير : وروى الربيع بن حبيب، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبى، صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله"تفسير : ، وذكر ابن عبد البر الحديث الذى صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار"تفسير : إن الصوم جنة يستجن بها العبد عن النار، وينفتح له باب الجنة، لأن علمه يزكوا فيه، ويقبل منه، ومن رواية البخارى ومسلم:"حديث : إذا دخل رمضان صعدت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النيران"تفسير : وذكرا ابن عبد البر، عن أبى هريرة، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"حديث : أعطيت أمتى خمس خصال فى رمضان لم تعطهن أمة قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله لهم كل يوم جنتهِ ثم ثقول: يوشك عبادى الصالحون أن تزول عنهم المئونة والأذى، ثم يصيروا إليك وتصفّد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه فى غيره، ويغفر لهم آخر ليلة.، قيل: يا رسول الله، أهى ليلة القدر: قال لا ولكن العامل يوفى أجره إذا انقضى عمله"تفسير : قال ابن عبد البر فى سنده أبو المقدام: فيهِ ضعف لكن محتمل فيما يرويه من الفضائل، وأسند ابن عبد البر، عن الزهرى: "حديث : تسبيحة فى رمضان أفضل من ألف تسبيحة فى غيره" تفسير : وكذا أخرجه الترمذى عن الزهرى، وروى البخارى ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن فى الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة. يقال: أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه أحد"تفسير : وفى رواية:"حديث : إن فى الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون"تفسير : وأخرج النسائى عن أبى أمامة قال:حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله مرنى بأمر ينفعنى الله به، قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له"تفسير : وفى رواية أخرجها عنه أيضا:"حديث : أى العمل أفضل؟ فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له"تفسير : ، والصفد الغل، أى تشد بالأغلال، والاحتساب طلب الثواب من الله، ومعنى إيمانا: الإيمان بأنهُ فرض، وقيل الاحتساب رغبة النفس فى ثوابه وطيبها بلا كراهة، ومعنى كل عمل ابن آدم له: إن له حظا لاطلاع الخلق عليه إلا الصوم، فإنه لا يظهر إن لم يظهره، ويتولى الله ثوابه بلا حساب ولا كتاب، بل جزافاً على ما أراد، لأنه صبر {أية : إنما يُوفىَّ الصَّابرونَ أجْرَهم بغَيرِ حسابٍ} "حديث : وخلوف فم الصائم"تفسير : (بفتح الخاء وضمها) تغير طعم الفم وريحه لتأخير الطعام، ومعنى كونه أطيب عند الله، أطيب عند ملائكته لأنهم يوصفون بالشم، أو كناية عن رضا الله تعالى: أو أحب عند الله من ريح المسك عندكم.
اطفيش
تفسير : {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} متعلق بالصيام أى كتب عليكم الصيام فى أيام معدودات، أى كتب عليكم أن تصوموا فى أيام معدودات، ولا بأس بالفصل لقلته وظهور المعنى، وهو أولى من الحذف ومن كل ما هو خلاف الأصل، أو يقدر صوموا أياماً معدودات لدليل الصيام، وفيه السلامة من الفصل بلعلكم تتقون، وبأجنبى، وهو كما كتب، إلا أنهم يتوسعون فى الفصل بالظروف ومنها كما كتب سواء جعلناها مصدرية أو كافة، ووصفها معدودات تقليلا لها أى هى دون أربعين، على ما قيل من أن المعتاد إذا ذكر لفظ العدد فالمراد المعنى أياما مضبوطة بالعد، لا مجازفا بها، وكل من أيام أو معدودات جمع قلة، فلو شاء لقال أياما معدودة، وفى ذلك تسهيل، أو لعلكم تتقون المكاره والمعاصى والكسل فى أيام معدودات، أو يتعلق بضمير كتب الثانى لعوده للصيام عند الكوفيين، أى كما كتب على الذين من قبلكم أن يصوموا أياماً معدودات أو يكتب الأول أو الثانى لتضمنه معنى صوموا، أو المعنى كتب عليكم الصيامة كتابة شبيهة بكتابته على من قبلكم فى كونه فى أيام معدودات، وقيل الأيام المعدودات يوما عاشوراء، وثلاثة من كل شهر، ثم وجب رمضان دونهن، وقيل لم يفرض قبله صوم، وقيل فرض قبله عاشوراء، وقيل أيام البيض، ولا يقال لو أريد بهن رمضان لكان ذكر المريض والمسافر تكراراً، لأنا نقول وجب الصوم على التغيير بينه وبين الفدية، ثم وجب بلا تخيير فيه، على أن رخصة السفر والمرض باقية، وأيضاً المسافر والمريض ممن شهد الشهر {فَمَن كَانَ مِنْكُمْ} معشر البالغين العقلاء الداخل عليهم رمضان {مَرِيضاً} مرضاً يشق معه الصوم بعض مشقة، أو يضره أو يتأخر معه برؤه، أو يزيد به المرض، وذلك بالتجربة أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق، لقوله تعالى: "أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" تفسير : [البقرة: 185] فإذا كان الصوم يعسر مع مرض حل الإفطار، لا كما قيل عن ابن سيرين إنه أفطر لوجع أصبعه، ولا كما قال الشافعى لا يفطر حتى يجهده الجهد الذى لا يحتمل، وروى عن مالك أنه يفطر صاحب الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه إن شاء، واحتج من أباح الإفطار بالمرض ولو لم يعسر ولم تكن فيه مشقة بإطلاق الآية، وهو رواية عن الشافعى، وهو قول ابن سيرين، والحسن البصرى، وبأن السفر قد يخلو عن مشقة، وحل الإفطار فيه ولو بلا مشقة، لأنه سبب لهما، ويجاب بأن الرخصة لم تتعلق بنفس المرض، لتنوعه إلى ما يزاد بالصوم، وإلى ما يخفف به، لا يكون مرخصاً ألبتة، فجعل ما يزاد به مرخصاً بخلاف السفر، لأنه لا يعرى عن المشقة، فجعل نفسه عذارً {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ثابتاً أو راكباً على سفر ولو قصيراً، بعد مجاوزة الفرسخين مما استوطنه ولو لم يجاوز الحوزة على التحقيق، إن جاوزهما ليلا فبيت الإفطار من الليل، أو جاوزهما نهاراً، فإذا جاء الليل بيت الإفطار أو صام يوماً فى السفر، فإذا جاء الليل بيت الإفطار، وإن أفطر نهاراً قبل المجاوزة أو بعدها نهاراً. أو لو بلا تبيت فلا كفارة عليه، لشبهة السفر، ولشبهة أقوال العلماء فيه، حتى إن منهم من أجاز أن يفطر من بيته، وأما المريض فيبيت الإفطار من الليل، وإن أفطر بلا تبيت وخاف على نفسه، أو عضوه، أفطر بقدر ما يصل به الليل، وقيل أو بما شاء فيبيت نية الإفطار فى الليل المستقبل، وزعم بعض قومنا أن يفطر المريض بلا تبيت إفطار بخلاف المسافر، لقوله تعالى: {أو على سفر} وليس بشىء لقوله تعالى: "أية : ولا تبطلوا أعمالكم" تفسير : [محمد: 33] فليتم المريض يومه إن قدر على إتمامه كالمسافر، والمسافر متمكن على السفر فى أثناء اليوم كما تمكن عليه وقت طلوع الفجر، وإن كان السفر لمعصية لم يجز له الإفطار على الصحيح، وعليه الأكثر، ويجب الإفطار إن كان الصوم يضر المريض والمسافر، ولا مشقة، فالصوم أفضل عند بعض، والإفطار أفضل عند بعض، وأوجتبه الإمامية وأخطأوا {فَعِدَّةٌ} قدر ما أفطر بمعنى معدودجة كالطحن بمعنى المطحون {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فعليه صوم عدة إن أفطر، أو يقدر فأفطر عقب قوله أو على سفر، وكذلك عليه عدة الشهر إن أفطره كله إن كان تسعة وعشرين قضى تسعة وعشرين فقط، ولو بدأ القضاء من أول شهر وكان فيه ثلاثون فلا تهم، فإنما عليه قضاء شهر رمضان الذى خوطب به، فإذا كان من تسعة وعشرين لم يزدد، والآية حجة لى، وذكر بعض أصحابنا وشهروه، وبعض قومنا أنه إن بدأ من أول الشهر أتمه زاد على رمضان أو نقص، وبضع إن نقص أتمه، ومن للبيان أو للتبعيض، أى عدة من جملة أيام مثل أَن يخص أَياماً من شهر كأوله ووسطه وآخره {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} إن أَفطروا فى غير سفر أَو يقدر هذا بعد قوله: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} أى فدية، هى طعام مساكين، والجمع باعتبار الجمع فى إفطاره، بأن أفطر ثلاثة أيام فصاعداً، ولو أفطر يوماً لكان فدية طعام مسكين بالإفراد، أو يومين لكان طعام مسكينين، يكال لكل مسكين مدان من بر، أو أربعة من غيره عند العراقيين، ومدا من بر عند الحجازيين، ويجوز ذلك من غالب قوت البلد، وأجيز مدان من شعير، ويجوز أن يأكل فى بطنه حتى يشبع، غداء، وعشاء، وأجيز أكلة واحدة حتى يشبع، وإن لم يفطروا فلا فدية عليهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، أو بقوله: شهر رمضان الذى أنزل الخ، أو بقوله: وأن تصوموا خير لكم، وذلك تدريج لهم لمشقته إذ لم يتعودوه ليتدبروا، والنسخ بعد العمل هنا، ولو كان الصحيح أنه يجوز قبل العمل أيضاً، وحكمته قبل العمل قبول المنسوخ والإذعان له قبل نسخه، فيثاب على ذلك وغيره مما قررته فى أصول الفقه، وعن ابن عباس كانوا يفطرون ويطعمون ولو أصبحوا على الصوم {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً} عالج الطاعة بصوم أكثر من العدة التى أفطر فيها، أو بإطعام أكثر مما لزمه {فَهُوَ} أى الخير وهو صوم الزائد على العدة، أو على الطعام الواجب أو الضمير للتطوع {خَيْرٌ لَّهُ} أَفضل ثواباً أو فهو نفع له أخروى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} من الإطعام والإفطار، ولو مع زيادة على القدر الواجب فى الإطعام، أَو خير لكم من الإفطار والإطعام والزيادة فيه، وإن قدرنا لا يطيقونه لنحو كبر من العلل اللازمة، أو الذين كانوا يطيقونه ثم عجزوا لكبر ونحوه من العلل اللازمة مع ما فيها من التكلف فلا نسخ، وقدر بعضهم لا يطيقونه أو كانوا يطيقونه شاملا لكبر ونحوه، وحمل ورضاع، إلا أن الحامل أو المرضع تقضيان. لو أطعمتا، ولا إطعام على مريض يرجى برؤه، وأما قوله عز وجل {يطيقونه} على إبقائه بكانوا ولا بلا فغير شامل للحامل والمرضع، لأنهما ولو تطيقان لكن خافتا على الحمل ولرضيع متفطران وجوبا وتطعمان وتقضيان بخلاف الصحيح المطيق فإن إفطاره على التخيير بينه وبين الصوم ولا قضاء عليه، وذلك قبل النسخ، ومن عجز بعده عن الصوم لكبر أو علة لازمة أفطر وأطعم، وقيل لا إطعام عليه. قال بعض: على الحامل والمرضع القضاء والإطعام إن خافتا على الولد، وإن خافتا عليهما فقط أو عليهما وعلى الولد فالقضاء فقط، وقال أبو حنيفة لا إطعام على الحامل والمرضع لأنهما تقضيان بخلاف الكبير، وعن الحسن: أى مرض أشد من الحمل تفرط الحامل وتقضى ولا تطعم، خافت على نفسها أو ولدها أو عليهما، ويقال الصوم خير لمن تطوع به وهو مريض أو مسافر مع عدم شدة المشقة، وأما معهما فالإفطار خير، والمطبق بحسب الأصل اسم للقادر على الشىء مع شدة، فتشمل الآية الكبير بلا تقدير لا ولا تقدير كانوا {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يظهر لكم أنه خير، إن كنتم من أهل العلم، أو إن كنتم تعلمون ثوابه وحسن براءة الذمة اخترتموه، أو ما فعلوه.
الالوسي
تفسير : {أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ} أي معينات بالعد أو قليلات لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً قال مقاتل: كل معدودات في القرآن أو ـ معدودة ـ دون الأربعين ولا يقال ذلك لما زاد، والمراد بهذه الأيام إما رمضان واختار ذلك ابن عباس والحسن وأبو مسلم رضي الله تعالى عنه وأكثر المحققين ـ وهو أحد قولي الشافعي ـ فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر أولاً أنه كتب علينا الصيام ثم بينه بقوله عز وجل: {أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ} فزال بعض الإبهام ثم بينه بقوله عز من قائل: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ } تفسير : [البقرة: 185] توطيناً للنفس عليه، واعترض بأنه لو كان المراد ذلك لكان ذكر المريض والمسافر تكراراً، وأجيب بأنه كان في الابتداء صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية فحين نسخ التخيير وصار واجباً على التعيين كان مظنة أن يتوهم أن هذا الحكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه كالمقيم والصحيح فأعيد حكمهما تنبيهاً على أن رخصتهما باقية بحالها لم تتغير كما تغير حكم المقيم والصحيح؛ وأما ما وجب صومه قبل وجوبه وهو ثلاثة أيام من كل شهر ـ وهي أيام البيض ـ على ما روى عن عطاء ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أو ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء على ما روي عن قتادة، واتفق أهل هذا القول على أن هذا الواجب قد نسخ بصوم رمضان، واستشكل بأن فرضيته إنما ثبتت بما في هذه الآية فإن كان قد عمل بذلك الحكم مدة مديدة ـ كما قيل به ـ فكيف يكون الناسخ متصلاً وإن لم يكن عمل به لا يصح النسخ إذ لا نسخ قبل العمل؟ وأجيب أما على اختيار الأول فبأن الاتصال في التلاوة لا يدل على الاتصال في النزول، وأما على اختيار الثاني فبأن الأصح جواز النسخ قبل العمل فتدبر. وانتصاب {أَيَّامًا } ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبـي بل بمضمر دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً، وقيل: منصوب بفعل يستفاد من كاف التشبيه، وفيه بيان لوجه المماثلة كأنه قيل: كتب عليكم الصيام مماثلاً لصيام الذين من قبلكم في كونه أياماً معدودات أي المماثلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه وهو تعلق كل منهما بمدة غير متطاولة، فالكلام من قبيل زيد كعمرو فقهاً، وقيل: نصب على أنه مفعول ثان ـ لكتب ـ على الاتساع ورده في «البحر» بأن الاتساع مبني على جواز وقوعه ظرفاً ـ لكتب ـ وذا لا يصح لأن الظرف محل الفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وهو الصيام، وأجيب بأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في {أية : يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [التغابن: 4] وبأن معنى: {كُتِبَ} فرض، وفرضية الصيام واقعة في الأيام. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } مرضاً يعسر عليه الصوم معه كما يؤذن به قوله تعالى فيما بعد: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] وعليه أكثر الفقهاء، وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرخص مطلق/ المرض عملاً بإطلاق اللفظ، وحكي أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع إصبعه وهو قول للشافعية. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه بأن اشتغل به قبل الفجر ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر ولهذا المعنى أوثر على مسافراً، واستدل بإطلاق السفر على أن القصير وسفر المعصية مرخص للإفطار، وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع. {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر وحذف الشرط والمضافان للعلم بهما، أما الشرط فلأن المريض والمسافر داخلان في الخطاب العام فدل على وجوب الصوم عليهما فلو لم يتقيد الحكم هنا به لزم أن يصير المرض والسفر اللذان هما من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً موجبين للعسر، وأما المضاف الأول: فلأن الكلام في الصوم ووجوبه، وأما الثاني: فلأنه لما قيل ـ من كان مريضاً أو مسافراً فعليه عدة ـ أي أيام معدودة موصوفة بأنها من أيام أخر علم أن المراد معدودة بعدد أيام المرض والسفر واستغنى عن الإضافة وهذا الإفطار مشروع على سبيل الرخصة فالمريض والمسافر إن شاآ صاما وإن شاآ أفطرا كما عليه أكثر الفقهاء إلا أن الإمام أبا حنيفة ومالكاً قالا: الصوم أحب، والشافعي وأحمد والأوزاعي قالوا: الفطر أحب، ومذهب الظاهرية وجوب الإفطار وأنهم إذا صاما لا يصح صومهما لأنه قبل الوقت الذي يقتضيه ظاهر الآية، ونسب ذلك إلى ابن عباس، وابن عمر، وأبـي هريرة، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ـ وبه قال الإمامية ـ وأطالوا بالاستدلال على ذلك بما رووه عن أهل البيت، واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً وأنه ليس على الفور خلافاً لداود، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى ـ أياماً معدودة ـ فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين، واحتج بها أيضاً من قال: لا فدية مع القضاء وكذا من قال: إن المسافر إذا أقام والمريض إذا شفي أثناء النهار لم يلزمهما الإمساك بقيته لأن الله تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر وهما قد أفطرا فحكم الإفطار باق لهما ومن حكمه أن لا يجب أكثر من يوم ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه، ولا يخفى ما فيه، وقرىء (فعدة) بالنصب على أنه مفعول لمحذوف أي فليصم عدة ومن قدر الشرط هناك قدره هنا. {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا. {فِدْيَةٌ} أي إعطاؤها. {طَعَامُ مَسَـٰكِينَ} هي قدر ما يأكله كل يوم وهي نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق ومد عند أهل الحجاز لكل يوم وكان ذلك في بدء الإسلام لما أنه قد فرض عليهم الصوم وما كانوا متعودين له فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية، أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، والطبراني، وآخرون عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت هذة الآية {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} كان من شاء منا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تفسير : [البقرة: 185]، وقرأ سعيد بن المسيب: (يُطيّقونه) بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية، ومجاهد، وعكرمة، {يُطِّيّقُونَهُ} بتشديد الطاء والياء الثانية وكلتا القراءتين على صيغة المبني للفاعل على أن أصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه من فيعل وتفيعل لا من فعل وتفعل وإلا لكان بالواو دون الياء لأنه من طوق وهو واوي، وقد جعلت الواو ياءاً فيهما ثم أدغمت الياء في الياء ومعناهما يتكلفونه، وعائشة رضي الله تعالى عنها {يطوقونه} بصيغة المبني للمفعول من التفعيل أي يكلفونه أو يقلدونه من الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة، ورويت الثلاث/ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً، وعنه {يتطوّقونه} بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه ويطوقونه ـ بإدغام التاء في الطاء ـ وذهب إلى عدم النسخ ـ كما رواه البخاري وأبو داود وغيرهما ـ وقال: إن الآية نزلت في الشيخ الكبير الهرم، والعجوز الكبيرة الهرمة. ومن الناس من لم يقل بالنسخ أيضاً على القراءة المتواترة وفسرها بيصومونه جهدهم وطاقتهم، وهو مبني على أن ـ الوسع ـ اسم للقدرة على الشيء على وجه السهولة ـ والطاقة ـ اسم للقدرة مع الشدة والمشقة، فيصير المعنى: وعلى الذين يصومونه مع الشدة والمشقة فيشمل نحو الحبلى والمرضع أيضاً، وعلى أنه من أطاق الفعل بلغ غاية طوقه أو فرغ طوقه فيه، وجاز أن تكون ـ الهمزة ـ للسلب كأنه سلب طاقته بأن كلف نفسه المجهود فسلب طاقته عند تمامه، ويكون مبالغة في بذل المجهود لأنه مشارف لزوال ذلك ـ كما في «الكشف» ـ والحق أن كلاً من القراآت يمكن حملها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا يحتمله، ـ ولكل ذهب بعض ـ وروي عن حفصة أنها قرأت {وَعَلَى ٱلَّذِينَ لا يُطِيقُونَهُ} وقرأ نافع، وابن عامر بإضافة (فدية) إلى ـ الطعام وجمع المسكين ـ والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه ـ كخاتم فضة ـ لأن طعام المسكين يكون فدية وغيرها، وجمع المسكين لأنه جمع في {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} فقابل الجمع بالجمع، ولم يجمع (فدية) لأنها مصدر ـ والتاء فيها للتأنيث لا للمرة ـ ولأنه لما أضافها إلى مضاف إلى الجمع فُهِم منها الجمع. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} بأن زاد على القدر المذكور في ـ الفدية ـ قال مجاهد: أو زاد على عدد من يلزمه إطعامه فيطعم مسكينين فصاعداً ـ قاله ابن عباس ـ أو جمع بين الإطعام والصوم ـ قاله ابن شهاب ـ. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} أي التطوع أو الخير الذي تطوعه، وجعل بعضهم الخير الأول مصدر ـ خرت يا رجل وأنت خائر ـ أي حسن، والخير الثاني اسم تفضيل ـ فيفيد الحمل أيضاً بلا مرية ـ وإرجاع الضمير إلى (مَن) أي فالمتطوع خير من غيره لأجل التطوع لا يخفى بعده {وَأَن تَصُومُواْ} أي أيها المطيقون المقيمون الأصحاء، أو المطوقون من الشيوخ والعجائز، أو المرخصون في الإفطار من الطائفتين، والمرضى والمسافرين، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب جبراً لكلفة الصوم بلذة المخاطبة، وقرأ أبـيّ (والصيام) {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الفدية أو تطوع الخير على الأولين، أو منهما ومن التأخير للقضاء على الأخير {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ما في الصوم من الفضيلة، وجواب {إن} محذوف ثقة بظهوره ـ أي اخترتموه ـ وقيل: معناه إن كنتم من أهل العلم علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك، وعليه تكون الجملة تأكيداً لخيرية الصوم وعلى الأول تأسيساً.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَّعْدُودَاتٍ} (184) - وَقَدْ فَرَضَ اللهُ الصِّيَامَ عَلَيْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَلَمْ يُكَلِّفْكُمْ فِي الصَّومِ مَا لاَ تُطِيقُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَريضاً مَرَضاً يَضُرُّ الصَّومُ مَعَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فَلَهُ أَنْ يَفْطرَ وَيَقْضِيَ الأَيَّامَ التِي أَفْطَرَهَا بَعْدَ بُرْئِهِ مِنَ المَرَضِ، أَوْ رُجُوعِهِ مِنَ السَّفَرِ. أَمَّا المُقيمُ غَيرُ المَريضِ الذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّومَ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ لِعُذْرٍ دَائِمٍ كَشَيخُوخَةٍ أَو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُُهُ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَعَليهِ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكيناً عَنْ كُلِّ يَومٍ. وَمَنْ صَامَ مُتَطَوِّعاً زِيَادَةً عَنِ الفَرْضِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ. الإِطَاقَةُ - هِيَ الاحْتِمَالُ مَعَ الجُهْدِ الشَّدِيدِ. تَطَوَّعَ خَيْراً - زَادَ فِي الفِدْيَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]. وكلمة "أياماً" تدل على الزمن وتأتي مجملة، وقوله الحق عن تلك الأيام: إنها "معدودات" يعني أنها أيام قليلة ومعروفة. ومن بعد ذلك يوضح الحق لنا مدة الصيام فيقول: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. إذن، فمدة الصيام هي شهر رمضان، ولأنه سبحانه العليم بالضرورات التي تطرأ على هذا التكليف فهو يشرع لهذه الضرورات، وتشريع الله لرخص الضرورة إعلام لنا بأنه لا يصح مطلقاً لأي إنسان أن يخرج عن إطار الضرورة التي شرعها الله، فبعض من الذين يتفلسفون من السطحيين يحبون أن يزينوا لأنفسهم الضرورات التي تبيح لهم الخروج عن شرع الله، ويقول الواحد منهم: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ..}تفسير : [البقرة: 286]. ونقول: إنك تفهم وتحدد الوُسعَ على قدر عقلك ثم تقيس التكليف عليه، برغم أن الذي خلقك هو الذي يُكلف ويعلم أنك تَسَعُ التكليف، وهو سبحانه لا يكلف إلا بما في وسعك؛ بدليل أن المشرع سبحانه يعطي الرخصة عندما يكون التكليف ليس في الوسع. ولنر رحمة الحق وهو يقول: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وكلمة "مريضاً" كلمة عامة، وأنت فيها حجة على نفسك وبأمر طبيب مسلم حاذق يقول لك: "إن صمت فأنت تتعب" والمرض مشقته مزمنة في بعض الأحيان، ولذلك تلزم الفدية بإطعام مسكين. وكذلك يرخص الله لك عندما تكون "على سفر". وكلمة "سفرٍ" هذه مأخوذة من المادة التي تفيد الظهور والانكشاف، ومثل ذلك قولنا: "أسفر الصبح". وكلمة "سفر" تفيد الانتقال من مكان تقيم فيه إلى مكان جديد، وكأنك كلما مشيت خطوة تنكشف لك أشياء جديدة، والمكان الذي تنتقل إليه هو جديد بالنسبة لك، حتى ولو كنت قد اعتدت أن تسافر إليه؛ لأنه يصير في كل مرة جديداً لما ينشأ عنه من ظروف عدم استقرار في الزمن، صحيح أن شيئاً من المباني والشوارع لم يتغير، ولكن الذي يتغير هو الظروف التي تقابلها، وصحيح أن ظروف السفر في زماننا قد اختلفت عن السفر من قديم الزمان. إن المشقة في الانتقال قديماً كانت عالية، ولكن لنقارن سفر الأمس مع سفر اليوم من ناحية الإقامة. وستجد أن سفر الآن بإقامة الآن فيه مشقة، ومن العجب أن الذين يناقشون هذه الرخصة يناقشونها ليمنعوا الرخصة، ونقول لهم: اعلموا أن تشريع الله للرخص ينقلها إلى حكم شرعي مطلوب؛ وفي ذلك يروي لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلّل عليه فقال: "ما هذا" فقالوا: صائم فقال: "ليس من البر الصوم في السفر" . تفسير : وعندما تقرأ النص القرآني تجده يقول: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] أي أن مجرد وجود في السفر يقتضي الفطر والقضاء في أيام أخر، ومعنى ذلك أن الله لا يقبل منك الصيام، صحيح أنه سبحانه لم يقل لك: "افطر" ولكن مجرد أن تكون مريضاً مرضاً مؤقتاً أو مسافراً فعليك الصوم في عدة أيام أخر وأنت لن تشرع لنفسك. ولنا في رسول الله أسوة حسنة فقد نهى عن صوم يوم عيد الفطر، لأن عيد الفطر سُمي كذلك، لأنه يحقق بهجة المشاركة بنهاية الصوم واجتياز الاختبار، فلا يصح فيه الصوم، والصوم في أول أيام العيد إثم، لكن الصوم في ثاني أيام العيد جائز، لحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى ". تفسير : وقد يقول قائل: ولكن الصيام في رمضان يختلف عن الصوم في أيام أخر؛ لأن رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن. وأقول: إن الصوم هو الذي يتشرف بمجيئه في شهر القرآن، ثم إن الذي أنزل القرآن وفرض الصوم في رمضان هو سبحانه الذي وَهَب الترخيص بالفطر للمريض أو المسافر ونقله إلى أيام أخر في غير رمضان، وسبحانه لا يعجز عن أن يهب الأيام الأخر نفسها التجليات الصفائية التي يهبها للعبد الصائم في رمضان. إن الحق سبحانه حين شرع الصوم في رمضان إنما أراد أن يشيع الزمن الضيق - زمن رمضان - في الزمن المتسع وهو مدار العام. ونحن نصوم رمضان في الصيف ونصومه في الشتاء وفي الخريف والربيع، إذن فرمضان يمر على كل العام. ويقول الحق: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 185] والطوق هو القدرة، فيطيقونه أي يدخل في قدرتهم وفي قولهم، والفدية هي إطعام مسكين. ويتساءل الإنسان: كيف يطيق الإنسان الصوم ثم يؤذن له بالفطر مقابل فدية هي إطعام مسكين؟ وأقول: إن هذه الآية دلت على أن فريضة الصوم قد جاءت بتدرج، كما تدرج الحق في قضية الميراث، فجعل الأمر بالوصية، وبعد ذلك نقلها إلى الثابت بالتوريث؛ كذلك أراد الله أن يُخرج أمة محمد صلى الله عليه وسلم من دائرة أنهم لا يصومون إلى أن يصوموا صياماً يُخيّرهُم فيه لأنهم كانوا لا يصومون ثم جاء الأمر بعد ذلك بصيام لا خيار فيه، فكأن الصوم قد فُرض أولاً باختيار، وبعد أن اعتاد المسلمون وألفُوا الصوم جاء القول الحق: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وفي هذه الآية لم يذكر الحق الفدية أو غيرها. إذن كانت فرضية الصوم أولاً اختيارية بقوله الحق: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، ثم جاء القرار الارتقائي، فصار الصوم فريضة محددة المدة وهي شهر رمضان {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وبذلك انتهت مسألة الفدية بالنسبة لِمَنْ يطيق الصوم، أما الذي لا يطيق أصلاً بأن يكون مريضاً أو شيخاً، فإن قال الأطباء المسلمون: إن هذا مرض "لا يُرجى شفاؤه" نقول له: أنت لن تصوم أياماً أخر وعليك أن تفدي. لقد جاء تشريع الصوم تدريجياً ككثير من التشريعات التي تتعلق بنقل المكلفين من إلف العادات، كالخمر مثلاً والميسر والميراث، وهذه أمور أراد الله أن يتدرج فيها. ويقول قائل: ما دام فرض الصيام كان اختيارياً فلماذا قال الحق بعد الحديث عن الفدية {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} [البقرة: 184]؟ وأقول: عندما كان الصوم اختيارياً كان لابد أيضاً من فتح باب الخير والاجتهاد فيه، فمَنْ صام وأطعم مسكيناً فهذا أمر مقبول منه، ومَنْ صام وأطعم مسكينين، فذاك أمر أكثر قبولاً. ومَنْ يدخل مع الله من غير حساب يؤتيه الله من غير حساب، ومَنْ يدخل على الله بحساب، يعطيه الحق بحساب، وقول الحق: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 184] هو خطوة في الطريق لتأكيد فرضية الصيام، وقد تأكد ذلك الفرض بقوله الحق: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ولم يأت في هذه الآية بقوله: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 184] لأن المسألة قد انتقلت من الاختيار إلى الفرض. إذن فالصيام هو منهج لتربية الإنسان، وكان موجوداً قبل أن يبعث الحق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الصوم على المسلمين اختيارياً في البداية، ثم فريضة من بعد ذلك. وقد شرع الله الصوم في الإسلام بداية بأيام معدودة ثم شرح لنا الأيام المعدودة بشهر رمضان. والذي يطمئن إليه خاطري أن الله بدأ مشروعية الصوم بالأيام المعدودة، ثلاثة أيام من كل شهر وهو اليوم العاشر والعشرون، والثلاثون من أيام الشهر، وكانت تلك هي الأيام المعدودة التي شرع الله فيها أن تصوم؛ وكان الإنسان مخيراً في تلك الأيام المعدودة: إن كان مطيقاً للصوم أن يصوم أو أن يفتدي، أما حين شرع الله الصوم في رمضان فقد أصبح الصوم فريضة تعبدية وركناً من أركان الإسلام، وبعد ذلك جاءنا الاستثناء للمريض والمسافر. إذن لنا أن نلحظ أن الصوم في الإسلام كان على مرحلتين: المرحلة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى شرع صيام أيام معدودة، وقد شرحنا أحكامها، والمرحلة الثانية هي تشريع الصوم في زمن محدود .. شهر رمضان، والعلماء الذين ذهبوا إلى جواز رفض إفطار المريض وإفطار المسافر لأنهم لم يرغبوا أن يردوا حكمة الله في التشريع، أقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حين يُرخص لابد أن تكون له حكمة أعلى من مستوى تفكيرنا، وأن الذي يؤكد هذا أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [البقرة: 185]. الحكم هنا هو الصوم عدة أيام أخر، ولم يقل فمن أفطر فعليه عدة من أيام آخر، أي أن صوم المريض والمسافر قد انتقل إلى وقت الإقامة بعد السفر، والشفاء من المرض، فالذين قالوا من العلماء: هي رخصة، إن شاء الإنسان فعلها وإن شاء تركها، لابد أن يقدر في النص القرآني {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} [البقرة: 185]، فأفطر، {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]. ونقول: ما لا يحتاج إلى تأويل في النص أولى في الفهم مما يحتاج إلى تأويل، وليكن أدبنا في التعبير ليس أدب ذوق، بل أدب طاعة؛ لأن الطاعة فوق الأدب. إذن فالذين يقولون هذا لا يلحظون أن الله يريد أن يخفف عنا، ثم ما الذي يمنعنا أن نفهم أن الحق سبحانه وتعالى أراد للمريض وللمسافر رخصة واضحة، فجعل صيام أي منهما في عدة من الأيام الأخر. فإن صام في رمضان وهو مريض أو على سفر فليس له صيام، أي أن صيامه لا يعتد به ولا يقبل منه، وهذا ما أرتاح إليه، ولكن علينا أن ندخل في اعتبارنا أن المراد من المرض والسفر هنا، هو ما يخرج مجموع ملكات الإنسان عن سويّتها. وما معنى كلمة "شهر" التي جاءت في قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]؟. إن كلمة "شهر" مأخوذة من الإعلام والإظهار، وما زلنا نستخدمها في الصفقات فنقول مثلاً: لقد سجلنا البيع في "الشهر العقاري" أي نحن نُعْلِمُ الشهر العقاري بوجود صفقة، حتى لا يأتي بعد ذلك وجود صفقة على صفقة، فكلمة "شهر" معناها الإعلام والإظهار، وسُميت الفترة الزمنية "شهراً" لماذا؟ لأن لها علامة تُظهرها، ونحن نعرف أننا لا نستطيع أن نعرف الشهر عن طريق الشمس؛ فالشمس هي سمة لمعرفة تحديد اليوم، فاليوم من مشرق الشمس إلى مشرق آخر وله ليل ونهار. ولكن الشمس ليست فيها علامة مميزة سطحية ظاهرة واضحة تحدد لنا بدء الشهر، إنما القمر هو الذي يحدد تلك السمة والعلامة بالهلال الذي يأتي في أول الشهر، ويظهر هكذا كالعرجون القديم، إذن فالهلال جاء لتمييز الشهر، والشمس لتمييز النهار، ونحن نحتاج لهما في تحديد الزمن. إن الحق سبحانه وتعالى يربط الأعمال العبادية بآيات كونية ظاهرة التي هي الهلال، وبعد ذلك نأخذ من الشمس اليوم فقط؛ لأن الهلال لا يعطيك اليوم، فكأن ظهور الهلال على شكل خاص بعدما يأتي المحاق وينتهي، فميلاد الهلال بداية إعلام وإعلان وإظهار أن الشهر قد بدأ، ولذلك تبدأ العبادات منذ الليلة الأولى في رمضان؛ لأن العلامة - الهلال - مرتبطة بالليل، فنحن نستطلع الهلال في المغرب، فإن رأيناه نقول شهر رمضان بدأ. ولم تختلف هذه المسألة لأن النهار لا يسبق الليل، إلا في عبادة واحدة وهي الوقوف بعرفة، فالليل الذي يجئ بعدها هو الملحق بيوم عرفة. وكلمة "رمضان" مأخوذة من مادة (الراء - والميم - والضاد)، وكلها تدل على الحرارة وتدل على القيظ "رمض الإنسان" أي حرّ جوفه من شدة العطش، و"الرمضاء" أي الرمل الحار، وعندما يقال: "رمضت الماشية" أي أن الحر أصاب خُفها فلم تعد تقوى أن تضع رجلها على الأرض، إذن فرمضان مأخوذ من الحر ومن القيظ، وكأن الناس حينما أرادوا أن يضعوا أسماء للشهور جاءت التسمية لرمضان في وقت كان حاراً، فسموه رمضان كما أنهم ساعة سموا مثلاً "ربيعاً الأول وربيعاً الآخر" كان الزمن متفقاً مع وجود الربيع، وعندما سموا جمادى الأولى وجمادى الآخرة" كان الماء يَجْمُد في هذه الأيام. فكأنهم لاحظوا الأوصاف في الشهور ساعة التسمية، ثم دار الزمن العربي الخاص المحدد بالشهور القمرية في الزمن العام للشمس. فجاء رمضان في صيف، وجاء في خريف، لكن ساعة التسمية كان الوقت حاراً. وهب أن إنساناً جاءه ولد جميل الشكل، فسماه "جميلاً". وبعد ذلك مرض والعياذ بالله بمرض الجدري فشوه وجهه، فيكون الإسم قد لوحظ ساعة التسمية، وإن طرأ عليه فيما بعد ذلك ما يناقض هذه التسمية، وكأن الحق سبحانه وتعالى حينما هيأ للعقول البشرية الواضعة للألفاظ أن يضعوا لهذا الشهر ذلك الاسم، دل على المشقة التي تعتري الصائم في شهر رمضان، وبعد ذلك يعطي له سبحانه منزلة تؤكد لماذا سُمي، إنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، والقرآن إنما جاء منهج هداية للقيم، والصوم امتناع عن الاقتيات، فمنزلة الشهر الكريم أنه يربي البدن ويربي النفس، فناسب أن يوجد التشريع في تربية البدن وتربية القيم مع الزمن الذي جاء فيه القرآن بالقيم، {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} [البقرة: 185]. وإذا سمعت {أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} [البقرة: 185] فافهم أن هناك كلمات "أنزل" و"نَزّلَ" و"نزل"، فإذا سمعت كلمة "أنزل" تجدها منسوبة إلى الله دائماً: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. أما في كلمة "نَزَلَ" فهو سبحانه يقول: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]. وقال الحق: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ..}تفسير : [القدر: 4]. إذن فكلمة "أنزل" مقصورة على الله، إنما كلمة "نَزَّلَ" تأتي من الملائكة، و"نَزَلَ" تأتي من الروح الأمين الذي هو "جبريل"، فكأن كلمة "أنزل" بهمزة التعدية، عدت القرآن من وجوده مسطوراً في اللوح المحفوظ إلى أن يبرز إلى الوجود الإنساني ليباشر مهمته. وكلمة "نَزَلَ" و"نَزَّلَ" نفهمهما أن الحق أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا مناسباً للأحداث ومناسباً للظروف، فكان الإنزال في رمضان جاء مرة واحدة، والناس الذين يهاجموننا يقولون كيف تقولون: إن رمضان أنزل فيه القرآن مع أنكم تشيعون القرآن في كل زمن، فينزل هنا وينزل هناك وقد نزل في مدة الرسالة المحمدية؟ نقول لهم: نحن لم نقل إنه "نزل" ولكننا قلنا "أنزل"، فأنزل: تعدي من العِلم الأعلى إلى أن يباشر مهمته في الوجود. وحين يباشر مهمته في الوجود ينزل منه "النَّجْم" - يعني القسط القرآني - موافقاً للحدث الأرضي ليجيء الحكم وقت حاجتك، فيستقر في الأرض، إنما لو جاءنا القرآن مكتملاً مرة واحدة فقد يجوز أن يكون عندنا الحكم ولا نعرفه، لكن حينما لا يجيء الحكم إلا ساعة نحتاجه، فهو يستقر في نفوسنا. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت مثلاً تريد أن تُجهز صيدلية للطوارئ في المنزل، وأنت تضع فيها كل ما يخص الطوارئ التي تتخيلها، ومن الجائز أن يكون عندك الدواء لكنك لست في حاجة له، أما ساعة تحتاج الدواء وتذهب لتصرف تذكرة الطبيب من الصيدلية، عندئذ لا يحدث لبس ولا اختلاط، فكذلك حين يُريد الله حكماً من الأحكام ليعالج قضية من قضايا الوجود فهو لا ينتظر حتى ينزل فيه حكم من الملأ الأعلى من اللوح المحفوظ، إنما الحكم موجود في السماء الدنيا، فيقول للملائكة: تنزلوا به، وجبريل ينزل في أي وقت شاء له الحق أن ينزل من أوقات البعثة المحمدية، أو الوقت الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يوجد فيه الحكم الذي يغطي قضية من القضايا. إذن فحينما يوجد من يريد أن يشككنا نقول له: لا. نحن نملك لغة عربية دقيقة، وعندنا فرق بين "أنزل" و"نَزَّل" و"نزل" ولذلك فكلمة "نزل" تأتي للكتاب، وتأتي للنازل بالكتاب يقول تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]. ويقول سبحانه: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..}تفسير : [الإسراء: 105]. وكان بعض من المشركين قد تساءلوا؛ لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة؟. وانظر إلى الدقة في الهيئة التي أراد الله بها نزول القرآن فقد قال الحق: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32]. وعندما نتأمل قول الحق: "كذلك" فهي تعني أنه سبحانه أنزل القرآن على الهيئة التي نزل بها لزوماً لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولو نزل مرة واحدة لكان تكليفاً واحداً، وأحداث الدعوة شتى وكل لحظة تحتاج إلى تثبيت. فحين يأتي الحدث ينزل نَجْم قرآني فيعطي به الحق تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وأضرب مثلاً بسيطاً - ولله المثل الأعلى والمنزه عن كل تشبيه - أن ابناً لك يريد حُلة جديدة أتحضرها له مرة واحدة، فتصادفه فرحة واحدة، أم تحضر له في يوم ربطة العنق واليوم الذي يليه تحضر له القميص الجديد، ثم تحضر له "البدلة"؟، إذن فكل شيء يأتي له وقع وفرحة. والحق ينزل القرآن منجماً لماذا؟ "لنثبت به فؤادك" ومعنى "لنثبت به فؤادك" أي أنك ستتعرض لمنغصات شتى، وهذه المنغصات الشتى كل منها يحتاج إلى تَرْبِيتٍ عليك وتهدئة لك، فيأتي القسط القرآني ليفعل ذلك وينير أمامك الطريق. {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32] أي لم نأت به مرة واحدة بل جعلناه مرتباً على حسب ما يقتضيه من أحداث. حتى يتم العمل بكل قسط، ويهضمه المؤمن ثم نأتي بقسط آخر. ولنلحظ دقة الحق في قوله عن القرآن: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}تفسير : [الفرقان: 33]. إن الكفار لهم اعتراضات، ويحتاجون إلى أمثلة، فلو أنه نزل جملة واحدة لأهدرَتْ هذه القضية، وكذلك حين يسأل المؤمنون يقول القرآن: يسألونك عن كذا وعن كذا، ولو شاء الله أن يُنزل القرآن دفعة واحدة، فكيف كان يغطي هذه المسألة؟ فما داموا سوف يسألون فلينتظر حتى يسألوا ثم تأتي الإجابة بعد ذلك. إذن فهذا هو معنى "أنزل" أي أنه أُنزل من اللوح المحفوظ، ليباشر مهمته في الوجود، وبعد ذلك نزل به جبريل، أو تتنزل به الملائكة على حسب الأحداث التي جاء القرآن ليغطيها. ويقول الحق: {أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ}. ونعرف أن كلمة {هُدًى} معناها: الشيء الموصل للغاية بأقصر طريق، فحين تضع إشارات في الطريق الملتبسة، فمعنى ذلك أننا نريد للسالك أن يصل إلى الطريق بأيسر جهد، و"هدى" تدل على علامات لنهتدي بها يضعها الخالق سبحانه، لأنه لو تركها للخلق ليضعوها لاختلفت الأهواء، وعلى فرض أننا سنسلم بأنهم لا هوى لهم ويلتمسون الحق، وعقولهم ناضجة، سنسلم بكل ذلك، ونتركهم كي يضعوا المعالم، ونتساءل: وماذا عن الذي يضع تلك العلامات، وبماذا يهتدي؟. إذن فلابد أن يوجد له هدى من قبل أن يكون له عقل يفكر به، كما أن الذي يضع هذا الهدى لابد ألا ينتفع به، وعلى ذلك فالله سبحانه أغنى الأغنياء عن الخلق ولن ينتفع بأي شيء من العباد، أما البشر فلو وضعوا "هدى" فالواضع سينتفع به، ورأينا ذلك رأي العين؛ فالذي يريد أن يأخذ مال الأغنياء ويغتني يخترع المذهب الشيوعي، والذي يريد أن يمتص عرق الغير يضع مذهب الرأسمالية، مذاهب نابعة من الهوى، ولا يمكن أن يُبرأ أحد من فلاسفة المذاهب نفسه من الهوى: الرأسمالي يقنن فيميل لهوى نفسه، والشيوعي يميل لنفسه، ونحن نريد مَن يُشرع لنا دون أن ينتفع بما شرع، ولا يوجد من تتطابق معه هذه المواصفات إلا الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يشرع فقط، وهو الذي يشرع لفائدة الخلق فقط. والذي يدلك على ذلك أنك تجد تشريعات البشر تأتي لتنقض تشريعات أخرى، لأن البشر على فرض أنهم عالمون فقد يغيب عنهم أشياء كثيرة، برغم أن الذي يضع التشريع يحاول أن يضع أمامه كل التصورات المستقبلية، ولذلك نجد التعديلات تجرى دائماً على التشريعات البشرية؛ لأن المشرع غاب عنه وقت التشريع حكم لم يكن في باله، وأحداث الحياة جاءت فلفتته إليه، فيقول: التشريع فيه نقص ولم يعد ملائماً، نعدله. إذن فنحن نريد في من يضع الهدى والمنهج الذي يسير عليه الناس بجانب عدم الانتفاع بالمنهج لابد أيضاً أن يكون عالماً بكل الجزئيات التي قد يأتي بها المستقبل، وهذا لا يتأتى إلا في إله عليم حكيم، ولذلك قال تعالى:{أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ..}تفسير : [الأنعام: 153]. ستتبعون السبل، هذا له هوى، وهذا له هوى، فتوجد القوانين الوضعية التي تبددنا كلنا في الأرض، لأننا نتبع أهواءنا التي تتغير ولا نتبع منهج من ليس له نفع في هذه المسألة، ولذلك أقول: افطنوا جيداً إلى أن الهدى الحق الذي لا أعترض عليه هو هدى الله، {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. والقرآن في جملته "هدى" والفرقان هو أن يضع فارقاً في أمور يلتبس فيها الحق بالباطل، فيأتي التنزيل الحكيم ليفرق بين الحق والباطل. ويقول الحق: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وحين تجد تعقيباً على قضية فافهم أن من شهد منكم الشهر فليصمه ولابد أن تقدر من شهد الشهر فليصمه إن كان غير مريض، وإن كان غير مسافر، لابد من هذا ما دام الحق قد جاء بالحكم. و"شهد" هذه تنقسم قسمين: "فمن شهد" أي من حضر الشهر وأدركه وهو غير مريض وغير مسافر أي مقيم، {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة: 185]. ونريد أن نفهم النص بعقلية من يستقبل الكلام من إله حكيم، إن قول الله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة: 185]. تعقيب على ماذا؟ تعقيب على أنه أعفى المريض وأعفى المسافر من الصيام، فكأن الله يريد بكم اليسر، فكأنك لو خالفت ذلك لأردت الله معسراً لا ميسراً والله لا يمكن أن يكون كذلك، بل أنت الذي تكون معسراً على نفسك، فإن كان الصوم له قداسة عندك، ولا تريد أن تكون أسوة فلا تفطر أمام الناس، والتزم بقول الله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] لأنك لو جنحت إلى ذلك لجعلت الحكم في نطاق التعسير، فنقول لك: لا، إن الله يريد بك اليسر، فهل أنت مع العبادة أم أنت مع المعبود؟ أنت مع المعبود بطبيعة الإيمان. ومثال آخر نجده في حياتنا: هناك من يأتي ليؤذن ثم بعد الأذان يجهر بقوله: "الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله" يقول: إن هذا حب لرسول الله، لكن هل أنت تحب الرسول إلا بما شرع؟ إنه قد قال: "حديث : إذا سمعت النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا علي" تفسير : فقد سمح الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن ولمن يسمع أن يصلي عليه في السر، لا أن يأتي بصوت الأذان الأصيل وبلهجة الأذان الأصيلة ونصلي على النبي، لأن الناس قد يختلط عليها، وقد يفهم بعضهم أن ذلك من أصول الأذان. إنني أقول لمن يفعل ذلك: يا أخي، ألا توجد صلاة مقبولة على النبي إلا المجهور بها؟ لا، إن لك أن تصلي على النبي، لكن في سرك. وكذلك إن جاء من يفطر في رمضان لأنه مريض أو على سفر، نقول له: استتر، حتى لا تكون أسوة سيئة؛ لأن الناس لا تعرف أنك مريض أو على سفر، استتر كي لا يقول الناس: إن مسلماً أفطر. ويقول الحق: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} [البقرة: 185] فمعناها كي لا تفوتكم أيام من الصيام. انظروا إلى دقة الأداء القرآني في قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. إن العبادة التي نفهم أن فيها مشقة هي الصيام وبعد ذلك تكبرون الله؛ لأن الحق سبحانه عالم أن عبده حين ينصاع لحكم أراده الله وفيه مشقه عليه مثل الصوم ويتحمله، وعندما يشعر بأنه قد انتهى منه إنه سبحانه عالم بأن العبد سيجد في نفسه إشراقاً يستحق أن يشكر الله الذي كلفه بالصوم ووفقه إلى أدائه؛ لأن معنى {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 185] يعني أن تقول: "الله أكبر" وأن تشكره على العبادة التي كنت تعتقد أنها تضنيك، لكنك وجدت فيها تجليات وإشراقات، فتقول: الله أكبر من كل ذلك، الله أكبر؛ لأنه حين يمنعني يعطيني، وسبحانه يعطي حتى في المنع؛ فأنت تأخذ مقومات حياة ويعطيك في رمضان ما هو أكثر من مقومات الحياة وهو الإشراقات التي تتجلى لك، وتذوق حلاوة التكليف وإن كان قد فوت عليك الاستمتاع بنعمة فإنه أعطاك نعمة أكثر منها. وبعد ذلك فالنسق القرآني ليس نسقاً من صنع البشر، فنحن نجد أن نسق البشر يقسم الكتاب أبواباً وفصولاً ومواد كلها مع بعضها، ويُفصل كل باب بفصوله ومواده، وبعد ذلك ينتقل لباب آخر، لكن الله لا يريد الدين أبواباً، وإنما يريد الدين وحدة متكاتفة في بناء ذلك الإنسان، فيأتي بعد قوله: "ولتكبروا الله" بـ "وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" ومعنى ذلك أنكم سترون ما يجعلكم تنطقون بـ "الله أكبر"؛ لأن الله أسدى إليكم جميلاً، وساعة يوجد الصفاء بين "العابد" وهو الإنسان و "المعبود" وهو الرب، ويثق العابد بأن المعبود لم يكلفه إلا بما يعود عليه بالخير، هنا يحسن العبد ظنه بربه، فيلجأ إليه في كل شيء، ويسأله عن كل شيء، ولذلك جاء هنا قول الحق: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} أي صوموا أياماً يحصرها العد أي هي قلايل وانتصاب أياماً بالصيام، كما قال الزمخشري: وتمثيله إياه بنويت الخروج يوم الجمعة خطأ واضح لأن معمول المصدر من صلته وقد فصل بينهما بأجنبي وهو قوله كما كتب، فكما كتب ليس بمعمول للمصدر وإنما هو معمول لغيره على أي تقدير قدرته من كونه نعتاً لمصدر محذوف أو في موضع الحال، ولو فرعت على أنه صفة للصيام على تقدير أن تعريف الصيام تعريف جنس فيوصف بالنكرة لم يجز أيضاً، لأن المصدر إذا وصف قبل ذكر معموله لم يجز اعماله فإِن قدرت الكاف نعتاً لمصدر من الصيام كما قد قال بعضهم وضعفناه قبل فيكون التقدير صوماً كما كتب جاز أن يعمل في أيام الصيف، لأنه إذ ذاك العامل في صوماً: هو المصدر، فلا يقع الفصل بينهما بما ليس بمعمول للمصدر. وأجازوا أيضاً انتصاب أياماً على الظرف، والعامل فيه: كتب، وأن يكون: مفعولاً على السعة ثانياً، والعامل فيه كتب وإلى هذا ذهب الفراء والجوني وكلا القولين خطأ أما النصب على الظرف بأنه محل للفعل والكتابة ليست واقعة في الأيام لكن متعلقها هو الواقع في الأيام، فلو قال الانسان لولده وكان ولد في يوم الجمعة: سرني ولادتك يوم الجمعة لم يمكن أن يكون يوم الجمعة معمولاً لسرني، لأن السرور يستحيل أن يكون يوم الجمعة إذ ليس بمحل للسرور الذي أسنده إلى نفسه. وأما النصب على المفعول اتساعاً فإِن ذلك مبني على جواز وقوعه ظرفاً لكتب وقد بينا أن ذلك خطأ. {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} ظاهره مطلق المرض بحيث يصدق عليه الاسم وبه قال ابن سيرين وعطاء والبخاري: ولمعظم الفقهاء تقييدات مضطربة لا يدل عليها كتاب ولا سنة. {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} ظاهره فعدة اعتباره مطلق السفر زماناً وقصداً لا يكون إلا بعد الخروج للسفر لا لمؤمل السفر. {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الجمهور على أن في الكلام محذوفاً تقديره فافطر. فعدة: أي فالواجب عدة. والظاهر أن لا حذف وإن فرض المريض والمسافر هو العدة وأنه لو صام لم يجزه فيجب القضاء. وروي ذلك عن قوم من الصحابة وعن طائفة من أهل الظاهر. وقرىء فعدة ـ بالرفع ـ أي فالواجب عدة ـ وبالنصب ـ أي فليصم عدة، والعدة: بمعنى المعدود. ومعلوم أنها عدة الأيام التي فاتته وأخر صفة لأيام وهي جمع أخرى آخر مقابل آخرين لا جمع أخرى مقابلة الآخر المقابل للأول وظاهر الآية يقتضي عدد ما فاته فلو فاته الشهر وكان تاماً أو ناقصاً قضاه كما فاته وأنه لا يتعين التتابع وأنه لو أخر حتى دخل رمضان آخر لا يجب عليه إلا قضاء ما فاته. وقرىء يطيقونه مضارع أطاق ويطوّقونه مضارع أطوق وهو شاذ كأغليت وأطولت ويطوقونه مضارع طوق مبنياً للمفعول ويطوقونه مضارع طوق. وقرىء يطيّقونه مضارع يطيّق على وزن تفعيل من الطوق كقولهم: تدير اجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت فيها الياء. فقيل: يطيق ومعانيها كلها راجعة إلى معنى الاستطاعة والقدرة وعلى قراءة تشديد الواو والياء يكون بمعنى التكليف أي يتكلفونه أو يكلفونه والضمير في يطيقونه عائد على الصوم. فقيل: كان الصوم محيرا فيه للمقيم والحاضر، ثم نسخ بقوله: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ}تفسير : [البقرة: 185]. وقرىء {فِدْيَةٌ} منوناً. {طَعَامُ} مرفوعاً بدلاً من فدية. {مِسْكِينٍ} مفرداً وجمعاً. وقرىء بالاضافة والجمع وتبين بقراءة الأفراد أن الحكم لكل يوم يفطر فيه طعام مسكين. ولا يفهم ذلك من الجمع وثم محذوف تقديره يطيقون الصوم ويفطرون. {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} في الطعام للمسكين أو في عدد من يلزمه إطعامه ومن في قراءة من جعله ماضياً تحتمل الموصولية والشرطية وفي قراءة يطّوّع مضارعاً مجزوماً شرطية وانتصب خيراً على إسقاط الحرف أي بخير، أو صفة لمصدر محذوف أي: تطوعاً خيراً فهو عائد على المصدر المفهوم من تطوع أي فالتطوع. {وَأَن تَصُومُواْ} أي أيها المطيقون. {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الفطر والفدية. {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 59 : 75 - سفين عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد في قول الله جل وعز {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} قال، الشيخ الكبير الذي يصوم فيعجزوا لحامل إن يشتد عليها الصوم، يطعمان لكل يوم مسكيناً. [الآية 184]. 60 : 27 - سفين عن منصور عن مجاهد قال، كان بن عباس يقرؤها {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قال، الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم. 61 : 28 - حدثنا سفين عن خصيف عن مجاهد في قول الله جل وعز {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} قال، أن يطعم مسكيناً. [الآية 184].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [184] 37- أنا قتيبة بن سعيد، نا بكر - يعني ابن مُضر، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير، عن يزيد - مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} - كان من أراد منا أن يُفطر، ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. 38- أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، نا يزيد بن هارون، أنا ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: تُطيقونه: تُكلفونه فدية طعام مسكين واحد، فمن تطوع فزاد مسكينا آخر ليست بمنسوخة، فهو خير له،{وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، لا يرخص في هذه إلا الكبير الذي لا يطيق الصيام، والمريض الذي لا يُشفى. 39- أنا محمد بن عبد الوهاب، نا محمد بن سابق، نا ورقاء، أنا ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: الَّذين يُطوَّقُونه.
همام الصنعاني
تفسير : 179- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}:[الآية: 184]، قال: كانت في الشيخ الكبير، والمرأةِ الكبيرة، يطيقان الصَّوْم، وهو شديد عليهما، فرخَّص لهما أنْ يفطِرا ويطعما ثم نسخ ذلِكَ بعْد فقال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}: [الآية: 185]. 180- قال: معمر، وأخبرني من سمِعَ سعيد بن جبير، ومجاهد، وعِكْرِمة كانوا يقرؤنها: {يُطِيقُونَهُ}: [الآية: 184]، يقول: يُكلّفونه؛ الذين يكلفون الصوم ولا يطيقونه، فيطعمون ويفطرون. 181- عبد الرزاق، قال معمر، وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه مثلُ ذلِك. 182- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، قال: أخبرني ثابت البناني، أنَّ أنس بن مالك كَبِرَ حتى كان لا يُطيف الصَّوْم، فكَانَ يفطر ويُطْعِمُ. 183- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جُرَيْج، ق ال: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي عمْرو مَوْلى عائشة، عن عائشة، أنها كانت تقرؤها، {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}: [الآية: 184]. 184- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جُرَيْج، عن عطاء، أنه كان يقرؤها {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}: [الآية: 184]، قال ابن جريج: وكان مجاهد يقْرؤها كذلِكَ أَيْضاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):