٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
185
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: الشهر مأخوذ من الشهرة يقال، شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر، وسمي الشهر شهراً لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى معرفته بسبب أوقات ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم، والشهرة ظهور الشيء وسمي الهلال شهراً لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهراً باسم الهلال. المسألة الثانية: اختلفوا في رمضان على وجوه أحدها: قال مجاهد: إنه اسم الله تعالى، ومعنى قول القائل: شهر رمضان أي شهر الله وروي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا: جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى» تفسير : . القول الثاني: أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه الأول: ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطر وجه الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم الثاني: أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والإسم الرمضاء، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته، كما سموه تابعاً لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، وقيل: سمي بهذا الإسم لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله"تفسير : الثالث: أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا دفعته بين حجرين ليرق، ونصل رميض ومرموض، فسمي هذا الشهر: رمضان، لأنهم كانوا يرمضون فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم، وهذا القول يحكى عن الأزهري الرابع: لو صح قولهم: إن رمضان اسم الله تعالى، وهذا الشهر أيضاً سمي بهذا الإسم، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت، وهذا الشهر أيضاً رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته. المسألة الثالثة: قرىء {شَهْرُ } بالرفع وبالنصب، أما الرفع ففيه وجوه أحدها: وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام، والمعنى: كتب عليكم شهر رمضان والثاني: وهو قول الفراء والأخفش أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من قوله: {أَيَّامًا } كأنه قيل: هي شهر رمضان، لأن قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ } تفسير للأيام المعدودات وتبيين لها الثالث: قال أبو علي: إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر، كأنه لما تقدم {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع: قال بعضهم: يجوز أن يكون بمبتدأ وخبره {ٱلَّذِى } مع صلته كقوله زيد الذي في الدار، قال أبو علي: والأشبه أن يكون {ٱلَّذِى } وصفاً ليكون لفظ القرآن نصاً في الأمر بصوم الشهر، لأنك إن جعلته خبراً لم يكن شهر رمضان منصوصاً على صومه بهذا اللفظ، إنما يكون مخبراً عنه بإنزال القرآن فيه، وإيضاً إذا جعلت {ٱلَّذِى } وصفاً كان حق النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك. شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه أحدها: التقدير: صوموا شهر رمضان وثانيها: على الإبدال من أيام معدودات وثالثها: أنه مفعول {وَأَن تَصُومُواْ } وهذا الوجه ذكره صاحب «الكشاف» واعترض عليه بأن قيل: فعلى هذا التقدير يصير النظم: وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرأن خير لكم، وهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز. أما قوله: {أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه أنزل فيه القرآن، فلا يبعد أيضاً تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبداً يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» تفسير : فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصاً بنزول القرآن، وجب أن يكون مختصاً بالصوم، وفي هذا الموضع أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف ههنا، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {أُنْزَّلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } في تفسيره قولان الأول: وهو اختيار الجمهور: أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين» تفسير : وههنا سؤلات: السؤال الأول: أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان. والجواب عنه من وجهين الأول: أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته، أما الحكمة في إنزال القرآن على الرسول منجماً مفرقا فقد شرحناها في سورة الفرقان في تفسير قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } تفسير : [الفرقان: 32]. الجواب الثاني عن هذا السؤال: أن المراد منه أنه ابتدىء إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادىء الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضاً أوقات مضبوطة معلومة. واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه. السؤال الثاني: كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] وبين قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } تفسير : [الدخان: 3]. والجواب: روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان، وذلك لأن ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في رمضان، وهذا كمن يقول: لقيت فلاناً في هذا الشهر فيقال له. في أي يوم منه فيقول يوم كذا فيكون ذلك تفسيراً للكلام الأول فكذا ههنا. السؤال الثالث: أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجماً إلى آخر عمره، ويحتمل أيضاً أن يقال: إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمداً عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة ثم كذلك أبداً ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب. الجواب: كلاهما محتمل، وذلك لأن قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } يحتمل أن يكون المراد منه الشخص، وهو رمضان معين، وأن يكون المراد منه النوع، وإذا كان كل واحد منهما محتملاً صالحا وجب التوقف. القول الثاني: في تفسير قوله: {أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } قال سفيان بن عيينة: أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن، وهذا اختيار الحسين بن الفضل قال: ومثله أن يقال: أنزل في الصديق كذا آية: يريدون في فضله قال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن، كام يقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها. المسألة الثانية: القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله، واختلفوا في اشتقاقه، فروى الواحدي في «البسيط» عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن الشافعي رضي الله عنه كان يقول: إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل، قال ويهمز قراءة ولا يهمز القرآن كما يقول: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ } تفسير : [الاسراء: 45] قال الواحدي: وقول الشافعي أنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق، وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان أحدهما: أنه مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، فهو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز، فسمي القرآن قرآناً إما لأن ما فيه من السور والآيات والحروف يقترن بعضها ببعض، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ببعض، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله مقترن بعضها ببعض، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب، وعلى الأخبار عن المغيبات، وعلى العلوم الكثيرة، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز وثانيهما: قال الفراء: أظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضاً على ما قال تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82] فهي قرائن، وأما الذين همزوا فلهم وجوه أحدها: أنه مصدر القراءة يقال: قرأت القرآن فأنا أقرؤه قرأ وقراءة وقرآنا، فهو مصدر، ومثل القرآن من المصادر: الرجحان والنقصان والخسران والغفران، قال الشاعر:شعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً تفسير : أي قراءة، وقال الله سبحانه وتعالى: {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً } تفسير : [الإسراء: 78] هذا هو الأصل، ثم إن المقروء يسمى قرآناً، لأن المفعول يسمى بالمصدر كما قالوا للمشرب: شراب وللمكتوب كتاب، واشتهر هذا الإسم في العرف حتى جعلوه اسماً لكلام الله تعالى وثانيها: قال الزجاج وأبو عبيدة: إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع، قال عمرو:شعر : هجـان اللون لـم تقرأ جنيـنا تفسير : أي لم تجمع في رحمها ولدا، ومن هذا الأصل: قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها، فسمي القرآن قرآناً، لأنه يجمع السور ويضمها وثالثها: قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا، لأن القارىء يكتبه، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذاً من قول العرب: ما قرأت الناقة سلى قط، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولداً قط وما طرحت، وسمي الحيض، قرأ لهذا التأويل، فالقرآن يلفظه القارىء من فيه ويلقيه فسمي قرآناً. المسألة الثالثة: قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } تفسير : [البقرة: 23] أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد ههنا من قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال. أما قوله: {هُدًى لّلنَّاسِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: بينا تفسير الهدى في قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2]. والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين، وههنا جعله هدى للناس، فكيف وجه الجمع؟ وجوابه ما ذكرناه هناك. المسألة الثانية: {هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ } نصب على الحال، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. أما قوله تعالى: {وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } ففيه إشكال وهو أن يقال: ما معنى قوله: {وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ } بعد قوله: {هُدًى }. وجوابه من وجوه الأول: أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى، ثم الهدى على قسمين: تارة يكون كونه هدى للناس بينا جلياً، وتارة لا يكون كذلك، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل: هو هدى لأنه هو البين من الهدى، والفارق بين الحق والباطل، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه، لكونه أشرف أنواعه، والتقدير كأنه قيل: هذا هدى، وهذا بين من الهدى، وهذا بينات من الهدى، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني: أن يقال: القرآن هدى في نفسه، ومع كونه كذلك فهو أيضاً بينات من الهدى والفرقان، والمراد بالهدى والفرقان: التوراة والإنجيل قال الله تعالى: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } تفسير : [آل عمران: 3 ـ 4] وقال: {أية : وَإِذ آتينا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } تفسير : [البقرة: 53] وقال {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الأنبياء: 48] فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضاً هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان الثالث: أن يحمل الأول على أصول الدين، والهدي الثاني على فروع الدين، فحينئذ يزول التكرار والله أعلم. وأما قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: نقل الواحدي رحمه الله في «البسيط» عن الأخفش والمازني أنهما قالا: الفاء في قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } زائدة، قالا: وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء أو تكون زائدة، وليس للعطف والجزاء ههنا وجه، ومن زيادة الفاء قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ } تفسير : [الجمعه: 8]. وأقول: يمكن أن يقال الفاء ههنا للجزاء فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصاً بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة ههنا وجه كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، أما قوله تعالى: {فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ } الفاء فيه غير زائدة وأيضاً بل هذا من باب مقابلة الضد بالضد كأنه قيل: لما فروا من الموت فجزائهم أن يقرب الموت منهم ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر. المسألة الثانية: {شَهِدَ } أي حضر والشهود الحضور، ثم ههنا قولان: أحدهما: أن مفعول شهد محذوف لأن المعنى: فمن شهد منكم البلد أو بيته بمعنى لم يكن مسافراً وقوله: {ٱلشَّهْرُ } انتصابه على الظرف وكذلك الهاء في قوله: {فَلْيَصُمْهُ }. والقول الثاني: مفعول {شَهِدَ } هو {ٱلشَّهْرُ } والتقدير: من شاهد الشهر بعقله ومعرفته فليصمه وهو كما يقال: شهدت عصر فلان، وأدركت زمان فلان، واعلم أن كلا القولين لا يتم إلا بمخالفة الظاهر، أما القول الأول فإنما يتم بإضمار أمر زائد، وأما القول الثاني فيوجب دخول التخصيص في الآية، وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق الصبـي والمجنون والمريض والمسافر مع أنه لم يجب على واحد منهم الصوم إلا أنا بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار فالتخصيص أولى، وأيضاً فلاناً على القول الأول لما التزمنا الإضمار لا بد أيضاً من التزام التخصيص لأن الصبـي والمجنون والمريض كل واحد منهم شهد الشهر مع أنه لا يجب عليهم الصوم بل المسافر لا يدخل فلا يحتاج إلى تخصيص هذه الصورة فيه فالقول الأول لا يتمشى إلا مع التزام الإضمار والتخصيص والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص فكان القول الثاني أولى هذا ما عندي فيه مع أن أكثر المحققين كالواحدي وصاحب «الكشاف» ذهبوا إلى الأول. المسألة الثالثة: الألف واللام في قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } للمعهود السابق وهو شهر رمضان، ونظيره قوله تعالى: {أية : لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدآءِ } تفسير : [النور: 13] أي فإذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة. المسألة الرابعة: اعلم أن في الآية إشكالاً وهو أن قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره، فشهود الشهر إنما يحصل عند الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في الزمان المنقضي وهو ممتنع فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط فيصير تقريره: من شهد جزأ من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر، فعلى هذا: من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء الشهر، وقد تحقق الشرط فيترتب عليه الجزاء، وهو الأمر بصوم كل الشهر، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء وهو مجاز مشهور. واعلم أن المنقول عن علي أن المراد من هذه الآية، فمن شهد منكم أول الشهر فليصم جميعه وقد عرفت بما ذكرنا من الدليل أنه لا يصح ألبتة إلا هذا القول، ثم يتفرع على هذا الأصل فرعان أحدهما: أنه إذا شهد أول الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر والثاني: أنه إذا شهد آخر الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر. أما الأول: فهو أنه نقل عن علي رضي الله عنه أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر، أن الواجب أن يصوم الكل، لأنا بينا أن الآية تدل على أن من شهد أول الشهر وجب عليه صوم كل الشهر، وأما سائر المجتهدين فيقولون: إن قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وإن كان معناه: أن من شهد أول الشهر فليصمه كله إلا أنه عام يدخل فيه الحاضر والمسافر، وقوله بعد ذلك: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } خاص والخاص مقدم على العام. فثبت أنه وإن سافر بعد شهوة الشهر فإنه يحل له الإفطار. وأما الثاني: وهو أن أبا حنيفة زعم أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى، قال: لأنّا قد دللنا على أن المفهوم من هذه الآية أن من أدرك جزأ من رمضان لزمه صوم كل رمضان والمجنون إذا أفاق في أثناء الشهر فقد شهد جزأ من رمضان فوجب أن يلزمه صوم كل رمضان، فإذا لم يمكن صيام ما تقدم فالقضاء واجب. المسألة الخامسة: اعلم أن قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } يستدعي بحثين: البحث الأول: أن شهود الشهر بماذا يحصل؟ فنقول: إما بالرؤية وإما بالسماع، أما الرؤية فنقول: إذا رأى إنسان هلال رمضان فأما أن يكون منفرداً بتلك الرؤية أو لا يكون، فإن كان منفرداً بها فأما أن يرد الإمام شهادته أو لا يردها، فإن تفرد بالرؤية ورد الإمام شهادته، لزمه أن يصوم، لأن الله تعالى جعل شهود الشهر سبباً لوجوب الصوم عليه، وقد حصل شهود الشهر في حقه، فوجب أن يجب عليه الصوم، وأما إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام شهادته أو لم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم، وأما السماع فنقول إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعاً، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به وإذا شهد على هلال رمضان يحكم به احتياطاً لأمر الصوم والفرق بينه وبين هلال شوال أن هلال رمضان للدخول في العبادة وهلال شوال للخروج من العبادة، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا على قول الإثنين، وعلى أنه لا فرق بينهما في الحقيقة، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً فكذلك لا يقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً. البحث الثاني في الصوم: نفقول: إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائماً من أول طلوع الفجر الصادق إلى حين غروب الشمس مع النية وفي الحد قيود: القيد الأول: الإمساك وهو احتراز عن شيئين أحدهما: لو طارت ذبابة إلى حلقه، أو وصل غبار الطريق إلى بطنه لا يبطل صومه، لأن الاحتراز عنه شاق، والله تعالى يقول في آية الصوم {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } والثاني: لوصب الطعام أو الشراب في حلقه كرهاً أو حال نوم لا يبطل صومه، لأن المعتبر هو الإمساك والامتناع والإكراه لا ينافي ذلك. القيد الثاني: قولنا عن المفطرات وهي ثلاثة: دخول داخل، وخروج خارج، والجماع، وحد الدخول كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح إلى الباطن إما الدماغ أو البطن وما فيه من الأمعاء والمثانة، أما الدماغ فيحصل الفطر بالسعوط وأما البطن فيحصل الفطر بالحقنة وأما الخروج فالقيء بالاختيار والاستمناء يبطلان الصوم، وأما الجماع فالإيلاج يبطل الصوم. القيد الثالث: قولنا مع العلم بكونه صائماً فلو أكل أو شرب ناسياً للصوم لا يبطل صومه عند أبـي حنيفة والشافعي وعند مالك يبطل. القيد الرابع: قولنا من أول طلوع الفجر الصادق والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلاسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [البقرة: 187] وكلمة {حَتَّىٰ } لانتهاء الغاية، وكان الأعمش يقول: أول وقته إذا طلعت الشمس، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، ويحتج بأن انتهاء اليوم من وقت غروب الشمس، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون من عند طلوعها، وهذا باطل بالنص الذي ذكرناه، وحكي عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده، فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبـي وأنت في بيتك، فكيف إذا زرتني! فسكت عنه أبو حنيفة فلما خرج من عنده قيل له: لم سكت عنه؟ فقال: وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره عني به أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل الشمس فلا صوم له وكان لا يغتسل من الإنزال فلا صلاة له. القيد الخامس: قولنا إلى غروب الشمس، ودليله قوله عليه السلام: «حديث : إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم» تفسير : ومن الناس من يقول وقت الإفطار عند غروب ضوء الشمس، قاس هذا الطرف على الطرف الأول من النهار. القيد السادس: قولنا مع النية، ومن الناس من يقول: لا حاجة لصوم رمضان إلى النية لأن الله تعالى أمر بالصوم في قوله: {فَلْيَصُمْهُ} والصوم هو الإمساك وقد وجد فيخرج عن العهدة لكنا نقول: لا بد من النية لأن الصوم عمل بدليل قوله عليه السلام: «حديث : أفضل الأعمال الصوم» تفسير : والعمل لا بد فيه من النية لقوله عليه السلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات» تفسير : . المسألة السادسة: القائلون بأن الآية المتقدمة تدل على أن المقيم الصحيح مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية قالوا: هذه الآية ناسخة لها وأبو مسلم الأصفاني والأصم ينكرون ذلك، وقد تقدم شرح هذه المسألة ثم بتقدير صحة القول بهذا النسخ فهذا يدل على أن نسخ الأخف بالأثقل جائز، لأن إيجاب الصوم على التعيين أثقل من إيجابه على التخيير بينه وبين الفدية. أما قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فقد تقدم تفسير هذه الآية، وقد تقدم بيان السبب في التكرير. أما قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } فاعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره ههنا بشرط دخول ما قبله فيه والأمر ههنا كذلك لأن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة وههنا مسائل: المسألة الأولى: اليسر في اللغة معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة اليسار لأنه يسهل به الأمور واليد اليسرى قيل تلي الفعال باليسر، وقيل إنه يتسهل الأمر بمعونتها اليمنى. المسألة الثانية: المعتزلة احتجوا بهذه الآية في أن تكليف ما لا يطاق غير واقع، قالوا لأنه تعالى لما بين أنه يريد بهم ما تيسر دون ما تعسر فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه من الإيمان وجوابه أن اليسر والعسر لا يفيدان العموم لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه الألف واللام لا يفيد العموم، وأيضاً فلو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود السابق فنصرفه إلى المعهود السابق في هذا الموضع. المسألة الثالثة: المعتزلة تمكسوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده، لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا يريد العسر الجواب: يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر، وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة. المسألة الرابعة: قالوا: هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعباده فلو أراد بهم أن يكفروا فيصيروا إلى النار، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقاً به أن يقول: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } والجواب أنه معارض بالعلم. أما قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهما لغتان: أكملت وكملت. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } على ماذا علق؟. جوابنا: أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف، ثم فيه وجهان أحدهما: ما قاله الفراء وهو أن التقدير: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون، فعل جملة لما ذكر وهو الأمر بصوم العدة، وتعليم كيفية القضاء، والرخصة في إباحة الفطر، وذلك لأنه تعالى ما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظاً ثلاثة، فقوله: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } علة للأمر بمراعاة العدة {وَلِتُكَبّرُواْ } علة ما علمتم من كيفية القضاء {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخص والتسهيل، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبله عليه قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 75] أي أريناه. الوجه الثاني: ما قاله الزجاج، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من التكليف على المقيم صحيح والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء، فلا يكون عسراً، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيراً، بل يكون سهلاً يسيراً، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضماراً وقع بعد قوله: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } وفي الثاني قبله: المسألة الثالثة: إنما قال: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } ولم يقل: ولتكملوا الشهر، لأنه لما قال: ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعاً ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلاً لعدد المقضي، ولو قال تعالى: ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء. أما قوله: {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هداكم} ففيه وجهان الأول: أن المراد منه التكبير ليلة الفطر قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا، وقال الشافعي: وأحب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكره ذلك غداة الفطر، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } وقال: معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل: إحداها: اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير؟ فقال في القديم: ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها، وقال في الجديد: ليلة الفطر أوكد لورود النص فيها وثانيها: أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وقال مالك: لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه، وروي هذا عن أحمد، وقال إسحق: إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى: {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللاً بحصول هذه الهداية، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت وثالثها: مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة، وقيل فيه قولان آخران أحدهما: إلى خروج الإمام والثاني: إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير. القول الثاني: في تفسير قوله: {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ } أن المراد منه التعظيم لله شكراً على ما وفق على هذه الطاعة، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل أما القول: فالإقرار بصفاته العلي، وأسمائه الحسنى، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق، وكل ذلك لا يصح إلا بعد صحة الاعتقاد بالقلب وأما العمل: فالتعبد بالطاعات من الصلاة والصيام، والحج واعلم أن القول الأول أقرب، وذلك لأن تكبير الله تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات. أما قوله تعالى: {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } فإنه يتضمن الإنعام العظيم في الدنيا بالأدلة والتعريف والتوفيق والعصمة، وعند أصحابنا بخلق الطاعة. وأما قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ففيه بحثان أحدهما: أن كلمة {لَعَلَّ} للترجي، والترجي لا يجوز في حق الله والثاني: البحث عن حقيقة الشكر، وهذان بحثان قد مر تقريرهما. بقي ههنا بحث ثالث، وهو أنه ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع فنقول: إن الله تعالى لما أمر بالتكبير وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد جلال الله وكبريائه وعزته وعظمته، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء، وأوصاف الواصفين، وذكر الذاكرين، ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزته واستغنائه عن جميع المخلوقات، فضلاً عن هذا المسكين خصه الله بهذه الهداية العظيمة لا بد وأن يصير ذلك داعياً للعبد إلى الاشتغال بشكره، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته فلهذا قال: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} قال أهل التاريخ: أوّل من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة، وقد تقدّم قول مجاهد: كتب الله رمضان على كل أمة، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم؛ والله أعلم. والشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذّر علمه على أحد يريده؛ ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته. ورمضانُ مأخوذ من رَمضَ الصائمُ يَرْمَضُ إذا حَرّ جوفُه من شدّة العطش. والرَّمضاء (ممدودة): شدّة الحر؛ ومنه الحديث: «حديث : صلاة الأوّابين إذا رَمِضت الفِصَال»تفسير : . خرّجه مسلم. ورَمَضُ الفِصَالِ أن تَحرِق الرَّمْضَاءُ أخفافَها فتُبرك من شدّة حرّها. فرمضانُ ـ فيما ذكروا ـ وافق شدّة الحرّ؛ فهو مأخوذ من الرَّمْضَاء. قال الجوهري: وشهر رمضان يُجمع على رَمَضانات وأرمِضاء؛ يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سَمّوْها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رَمَضِ الحرّ فسُمّيَ بذلك. وقيل: إنما سُمِّي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة، من الإرماض وهو الإحراق؛ ومنه رَمِضَت قَدَمُه من الرَّمْضاء أي ٱحترقت. وأرْمَضَتْني الرمضاء أي أحرقتني؛ ومنه قيل: أرْمَضَنِي الأمر. وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حرّ الشمس. والرمضاء: الحجارة المُحْمَاة. وقيل: هو من رَمَضْتُ النّصل أَرْمِضُه وأَرْمُضُه رَمْضاً إذا دَقَقْته بين حجرين لَيرِقّ. ومنه نَصْل رميض ومرموض ـ عن ٱبن السِّكِّيت ـ؛ وسُمّي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوّال قبل دخول الأشهر الحُرُم. وحكى الماورديّ أن ٱسمه في الجاهلية «ناتق» وأنشد للمفضّل:شعر : وفي ناتقٍ أجْلَتْ لَدى حَوْمَةِ الوَغَى ووَلّتْ على الأدبار فُرسانُ خَثْعَما تفسير : و «شَهْرُ» بالرفع قراءة الجماعة على الابتداء، والخبرُ {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}. أو يرتفع على إضمار مبتدأ، المعنى: المفروض عليكم صومه شهر رمضان، أو فيما كتب عليكم شهر رمضان. ويجوز أن يكون «شهر» مبتدأ، و {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} صفة، والخبر «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهُرَ». وأعيد ذكر الشهر تعظيماً، كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1-2]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل؛ قاله أبو عليّ. وروي عن مجاهد وشَهْر بن حَوْشَبْ نصب «شهر»، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو، ومعناه: الزموا شهر رمضان أو صوموا. و «الذي أنزل فيه القرآن» نعت له، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا؛ لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو «خير لكم». الرّماني: يجوز نصبه على البدل من قوله {أية : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}تفسير : [البقرة: 184] الثانية: وٱختلف هل يقال «رمضان» دون أن يضاف إلى شهر؛ فكره ذلك مجاهد وقال: يقال كما قال الله تعالى. وفي الخبر: «حديث : لا تقولوا رمضان بل ٱنسبوه كما نسبه الله في القرآن فقال شَهْرُ رَمَضَانَ»تفسير : . وكان يقول: بلغني أنه ٱسم من أسماء الله. وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى. ويحتجّ بما روي: رمضان ٱسم من أسماء الله تعالى، وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبي معشر نجيح وهو ضعيف. والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها. روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الرحمة وغُلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين»تفسير : . وفي صحيح البُسْتيّ عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان رمضان فُتحت له أبواب الرحمة وغُلّقت أبواب جهنم وسُلْسِلت الشياطين»تفسير : . وروي عن ٱبن شهاب عن أنس بن أبي أنس أن أباه حدّثه أنه سمع أبا هريرة يقول...، فذكره. قال البُسْتيّ: أنس بن أبي أنس هذا هو والد مالك بن أنس، وٱسم أبي أنس مالك بن أبي عامر من ثقات أهل المدينة، وهو مالك ٱبن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن جُثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن. وروى النسائي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاكم رمضان شهرٌ مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تُفتح فيه أبواب السماء وتُغلق فيه أبواب الجحيم وتُغَلّ فيه مَرَدة الشياطين لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر مَن حُرِم خيرها فقد حُرم»تفسير : . وأخرجه أبو حاتم البُسْتيّ أيضاً وقال: فقوله «مَرَدة الشياطين» تقييد لقوله: «صُفّدت الشياطين وسُلْسِلت». وروى النسائي أيضاً عن ٱبن عباس قال «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: «إذا كان رمضان فٱعتمري فإن عُمْرة فيه تَعدِل حجّة»»تفسير : . وروى النسائي أيضاً عن عبد الرحمن بن عَوف قال«حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى فرض صيام رمضان (عليكم) وسَنَنْتُ لكم قيامه فمن صامه وقامه إيماناً وٱحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه»»تفسير : . والآثار في هذا كثيرة، كلها بإسقاط شهر. وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان. قال الشاعر:شعر : جاريةٌ في دِرعها الفَضْفاضِ أبيضُ مِن أخْت بني إبَاضِ جاريةٌ في رمضانَ الماضِي تُقَطِّع الحديثَ بالإيماضِ تفسير : وفضلُ رمضان عظيم، وثوابُه جسيم؛ يدلّ على ذلك معنى الاشتقاق من كونه محرقاً للذنوب، وما كتبناه من الأحاديث. الثالثة: فرض الله صيام شهر رمضان أي مدّة هلاله، وبه سُمِّيَ الشهر؛ كما جاء في الحديث: «حديث : فإن غُمِّيَ عليكم الشهر»تفسير : أي الهلال، وسيأتي؛ وقال الشاعر:شعر : أخَوَانِ مِن نَجْدٍ على ثِقَة والشّهرُ مثلُ قُلامة الظُّفر حتى تكامل في ٱستدارته في أربع زادت على عَشر تفسير : وفُرض علينا عند غُمّة الهلال إكمال عدّة شعبان ثلاثين يوماً؛ وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين؛ فقال في كتابه {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44]. وروى الأئمة الاثبات عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدد»تفسير : في رواية «حديث : فإن غُمّيَ عليكم الشهر فعُدُّوا ثلاثين»تفسير : . وقد ذهب مُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخّير وهو من كبار التابعين وٱبن قتيبة من اللغويين فقالا: يُعَوَّل على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل وٱعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى إنه لو كان صحوا لرؤى؛ لقوله عليه السلام: «حديث : فإن أُغمي عليكم فٱقدروا له»تفسير : أي ٱستدِلّوا عليه بمنازله، وقدّروا إتمام الشهر بحسابه. وقال الجمهور: معنى «فٱقدروا له» فأكملوا المقدار؛ يفسره حديث أبي هريرة «فأكملوا العدة». وذكر الدّاوُدِي أنه قيل في معنى قوله «فٱقدروا له»: أي قدّروا المنازل. وهذا لا نعلم أحداً قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يُعتبر في ذلك بقول المنّجمين، والإجماعُ حجة عليهم. وقد روى ٱبن نافع عن مالك في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يُفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويُفطر على الحساب: إنه لا يُقتدى به ولا يُتّبَع. قال ٱبن العربي: وقد زَلّ بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يعوّل على الحساب، وهي عَثرة «لا لَعاً لها». الرابعة: وٱختلف مالك والشافعي هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو شاهدين؛ فقال مالك: لا يُقبل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلالٍ فلا يُقبل فيها أقل من ٱثنين؛ أصله الشهادة على هلال شوّال وذي الحجة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يُقبل الواحد؛ لما رواه أبو داود عن ٱبن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته؛ فصام وأمر الناس بصيامه. وأخرجه الدّارَقُطْنِي وقال: تفرّد به مروان بن محمد عن ٱبن وهب وهو ثقة. روى الدّارقطني «أن رجلاً شهد عند عليّ بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام؛ أحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان. قال الشافعي: فإن لم تر العامّة هلال شهر رمضان ورآه رجل عَدْل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط. وقال الشافعي بعدُ: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان. قال الشافعي وقال بعض أصحابنا: لا أقبل عليه إلا شاهدين، وهو القياس على كل مغيّب». الخامسة: وٱختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال؛ فروى الربيع عن الشافعي: من رأى هلال رمضان وحده فليصمه، ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر، ولْيُخْف ذلك. وروى ٱبن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه يصوم؛ لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أنّ ذلك اليوم من شهر رمضان. ومن رأى هلال شوّال وحده فلا يفطر؛ لأن الناس يتّهمون على أن يفطر منهم من ليس مأموناً، ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال. قال ٱبن المنذر: وبهذا قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل. وقال عطاء وإسحٰق: لا يصوم ولا يفطر. قال ٱبن المنذر: يصوم ويفطر. السادسة: وٱختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد؛ فلا يخلو أن يَقْرُب أو يبعد، فإن قرب فالحكم واحد، وإن بَعُدَ فلأهل كل بلد رؤيتهم؛ روي هذا عن عِكرمة والقاسم وسالم، وروي عن ٱبن عباس، وبه قال إسحٰق، وإليه أشار البخاريّ حيث بوّب: «لأهل كل بلد رؤيتهم». وقال آخرون. إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأَوْه فعليهم قضاء ما أفطروا؛ هكذا قال الليث بن سعد والشافعيّ. قال ٱبن المنذر: ولا أعلمه إلا قول المُزَنيّ والكوفي. قلت: ذكر الكِيَا الطبري في كتاب «أحكام القرآن» له: وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوماً للرؤية، وأهل بلد تسعةً وعشرين يوماً أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوماً قضاء يوم. وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك؛ إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} وثبت برؤية أهل بلد أن العدّة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها. ومخالفهم يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» تفسير : الحديث، وذلك يوجب ٱعتبار عادة كل قوم في بلدهم. وحكى أبو عمر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين. روى مسلم عن كُرَيب أن أمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدِمت الشام فقضيت حاجتها وٱستُهِل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدِمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نُكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علماؤنا: قول ٱبن عباس «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وبأمره. فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته بدون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناسَ على ذلك، فإن حَمل فلا تجوز مخالفته. وقال الكِيا الطبري: قوله «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» يحتمل أن يكون تأوّل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»تفسير : . وقال ٱبن العربي: «وٱختلف في تأويل (قول) ٱبن عباس (هذا)؛ فقيل: ردّه لأنه خبر واحد، وقيل: ردّه لأن الأقطار مختلفة في المطالع؛ وهو الصحيح، لأن كُرَيْباً لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة، ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجزى فيه خبر الواحد. ونظيره ما لو ثبت أنه أهلّ ليلة الجمعة بأَغْمات وأهّل بأشبِيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم؛ لأن سُهَيلا يُكشف من أَغْمات ولا يُكشف من أشبيلية؛ وهذا يدل على ٱختلاف المطالع». قلت: وأما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة فروى ٱبن وهب وٱبن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأداء. وروى القاضي أبو إسحٰق عن ٱبن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء، وإن كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته، أو يكون ثبت ذلك عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين. قال: وهذا قول مالك. السابعة: قرأ جمهور الناس «شَهْرُ» بالرفع على أنه خبر ٱبتداء مضمر؛ أي ذلكم شهر، أو المفترض عليكم صيامه شهر رمضان، أو الصوم أو الأيام. وقيل: ٱرتفع على أنه مفعول لم يُسَمّ فاعله بـ «ـكُتِب» أي كُتب عليكم شهر رمضان. و «رمضان» لا ينصرف لأن النون فيه زائدة. ويجوز أن يكون مرفوعاً على الابتداء، وخبره {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}. وقيل: خبره «فَمَنْ شَهِدَ»، و «الذي أنْزِل» نعت له. وقيل: ارتفع على البدل من الصيام. فمن قال: إن الصيام في قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هنا بالابتداء. ومن قال: إن الصيام هناك رمضان قال هنا بالابتداء أو بالبدل من الصيام، أي كُتِب عليكم شهر رمضان. وقرأ مجاهد وشَهْرُ بْن حَوْشَب «شَهْرَ» بالنصب. قال الكسائي: المعنى كُتب عليكم الصيام، وأن تصوموا شهر رمضان. وقال الفرّاء: أي كُتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان. قال النحاس: «لا يجوز أن ينتصب «شهر رمضان» بتصوموا؛ لأنه يدخل في الصلة ثم يفرّق بين الصلة والموصول، وكذلك إن نصبته بالصيام؛ ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء؛ أي ٱلزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان، وهذا بعيد أيضاً لأنه لم يتقدّم ذكر الشهر فيغرَى به». قلت: قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} يدل على الشهر فجاز الإغراء؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وقال الأخفش: ٱنتصب على الظرف. وحكي عن الحسن وأبي عمرو إدغام الراء في الراء؛ وهذا لا يجوز لئلا يجتمع ساكنان؛ ويجوز تُقلب حركة الراء على الهاء فتُضم الهاء ثم تُدغم، وهو قول الكوفيين. الثامنة: قوله تعالى: {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}نصّ في أن القرآن نزل في شهر رمضان، وهو يبيّن قوله عز وجل: {أية : حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}تفسير : [الدخان: 1-3] يعني ليلة القدر، ولقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره. ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر ـ على ما بيناه ـ جملةً واحدة، فوُضع في بيت العِزّة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نَجْماً نَجْماً في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة. وقال ٱبن عباس: أُنزل القرآن من اللّوح المحفوظ جملةً واحدة إلى الكَتَبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوماً ـ يعني الآية والآيتين ـ في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة. وقال مقاتل في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} قال أنزل من اللّوح المحفوظ كلّ عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى السَّفَرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهراً، ونزل به جبريل في عشرين سنة. قلت: وقول مُقاتل هذا خلاف ما نُقل من الإجماع «أن القرآن أنزل جملةً واحدةً» والله أعلم. وروى وَاثِلة بن الأَسْقع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أنزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من شهر رمضان والتوراةُ لِستّ مضيْن منه والإنجيلُ لثلاث عشرة والقرآنُ لأربع وعشرين».تفسير : قلت: وفي هذا الحديث دلالة على ما يقوله الحسن أن ليلة القدر تكون ليلة أربع وعشرين. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان هذا. التاسعة: قوله تعالى: {ٱلْقُرْآنُ} «القرآن»: اسم لكلام الله تعالى، وهو بمعنى المقروء، كالمشروب يُسمَّى شراباً، والمكتوب يُسمَّى كتاباً؛ وعلى هذا قيل: هو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآناً بمعنىً. قال الشاعر:شعر : ضحّوا بأسْمَط عُنوانُ السّجود بِهِ يُقطِّع اللّيلَ تسبيحاً وقرآناً تفسير : أي قراءة. وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمر أن في البحر شياطين مسجونة أَوْثقها سليمان عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآناً، أي قراءة. وفي التنزيل: {أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78] أي قراءة الفجر. ويُسمَّى المقروء قرآناً على عادة العرب في تسميتها المفعول بٱسم المصدر؛ كتسميتهم للمعلوم علماً وللمضروب ضرباً وللمشروب شرباً، كما ذكرنا؛ ثم ٱشتهر الاستعمال في هذا وٱقترن به العُرف الشرعي، فصار القرآن ٱسماً لكلام الله، حتى إذا قيل: القرآن غير مخلوق، يراد به المقروء لا القراءة لذلك. وقد يُسمَّى المصحف الذي يُكتب فيه كلام الله قرآناً تَوَسُّعاً؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ»تفسير : أراد به المصحف. وهو مشتق من قرأت الشيء جمعته. وقيل: هو ٱسمُ عَلم لكتاب الله، غير مشتقّ كالتوراة والإنجيل؛ وهذا يُحكى عن الشافعيّ. والصحيح الاشتقاق في الجميع، وسيأتي. العاشرة: قوله تعالى: {هُدًى لِّلنَّاسِ} «هُدًى» في موضع نصب على الحال من القرآن، أي هادياً لهم. {وَبَيِّنَاتٍ} عطف عليه. و {ٱلْهُدَىٰ} الإرشاد والبيان، كما تقدّم؛ أي بياناً لهم وإرشاداً. والمراد القرآن بجملته من مُحْكَم ومُتشابه وناسخ ومنسوخ؛ ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه، يعني الحلال والحرام والمواعظ والأحكام. «وبَيِّناتٍ» جمع بيّنة، من بان الشيء يبين إذا وضح. {وَٱلْفُرْقَانِ} ما فرق بين الحق والباطل، أي فصل؛ وقد تقدّم. الحادية عشرة: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قراءة العامة بجزم اللام. وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام، وهي لام الأمر وحَقُّها الكسر إذا أُفردت؛ فإذا وُصلت بشيء ففيها وجهان: الجزم والكسر. وإنما تُوصل بثلاثة أحرف: بالفاء كقوله «فَلْيَصُمْهُ» «فَلْيَعْبُدُوا». والواو كقوله: «أية : وَلْيُوفُوا»تفسير : [الحج: 29]. وثُم كقوله: «أية : ثُمّ لْيَقْضُوا»تفسير : [الحج: 29]. و «شَهِد» بمعنى حَضَر، وفيه إضمار؛ أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلاً بالغاً صحيحاً مقيماً فليصمه، وهو يقال عامّ فيخصّص بقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} الآية. وليس الشهر بمفعول وإنما هو ظرف زمان. وقد ٱختلف العلماء في تأويل هذا؛ فقال عليّ ٱبن أبي طالب وابن عباس وسُوَيد بن غَفَلَة وعائشة ـ أربعة من الصحابة ـ وأبو مِجْلَز لاحق بن حُميد وعَبيدة السَّلْمانِيّ: من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيماً في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام، وإنما يُفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر. والمعنى عندهم: من أدركه رمضان مسافراً أفطر وعليه عدّة من أيام أخر، ومن أدركه حاضراً فليصمه. وقال جمهور الأمة: من شهد أوّل الشهر وآخره فليصم ما دام مقيماً، فإن سافر أفطر؛ وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة. وقد ترجم البخاري رحمه الله ردًّا على القول الأول «باب إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر» حدّثنا عبد اللَّه بن يوسف قال أنبأنا مالك عن ٱبن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد الله بن عتبة عن ٱبن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكَدِيد أفطر فأفطر الناس. قال أبو عبد اللَّه: والكَدِيد ما بين عُسفان وقُديد. قلت: قد يحتمل أن يحمل قول عليّ رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب كزيارة الإخوان من الفضلاء والصالحين، أو المباح في طلب الرزق الزائد على الكفاية. وأما السفر الواجب في طلب القوت الضروري، أو فتح بلد إذا تحقّق ذلك، أو دفع عدّو، فالمرء فيه مخيّر ولا يجب عليه الإمساك؛ بل الفطر فيه أفضل للتقوّى، وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه؛ لحديث ٱبن عباس وغيره، ولا يكون في هذا خلاف إن شاء الله، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام. ومن جُنّ أوّل الشهر وآخره فإنه يقضي أيام جنونه. ونَصْب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح بـ «شهد». الثانية عشرة: قد تقرر أن فرض الصوم مستحق بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر؛ فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم، وإن كان بعد الفجر ٱستحب لهما الإمساك، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم. وقد ٱختلف العلماء في الكافر يُسلم في آخر يوم من رمضان، هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا؟ وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه؟ فقال الإمام مالك والجمهور: ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. قال مالك: وأحبّ إليّ أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه. وقال عطاء والحسن: يصوم ما بقي ويقضي ما مضى. وقال عبد الملك بن الماجشون: يكّف عن الأكل في ذلك اليوم ويقضيه. وقال أحمد وإسحٰق مثله. وقال ٱبن المنذر: ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم. وقال الباجي: من قال من أصحابنا أن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام ـ وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه ـ أوجب عليه الإمساك في بقية يومه. ورواه في المدوّنة ٱبن نافع عن مالك، وقاله الشيخ أبو القاسم. ومن قال من أصحابنا ليسوا مخاطبين قال: لا يلزمه الإمساك في بقية يومه؛ وهو مقتضى قول أشهب وعبد الملك بن الماجشون، وقاله ٱبن القاسِم. قلت: وهو الصحيح لقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فخاطب المؤمنين دون غيرهم؛ وهذا واضح، فلا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم ولا قضاء ما مضى. وتقدّم الكلام في معنى قوله: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} والحمد لله. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} قراءة جماعةٍ «الْيُسُرَ» بضم السين لغتان، وكذلك «الْعُسُر». قال مجاهد والضحاك: «اليسر» الفطر في السفر، و «العسر» الصوم في السفر. والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}تفسير : [الحج: 78]، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : دين الله يُسر»تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا»تفسير : . واليسر من السهولة، ومنه اليسار للغنى. وسُمِّيت اليد اليسرى تفاؤلاً، أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى؛ قولان. وقوله: {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وهو بمعنى قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} فكرر تأكيداً. الرابعة عشرة: دلّت الآية على أن الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية زائدة على الذات. هذا مذهب أهل السنة؛ كما أنه عالم بعلم، قادرٌ بقدرة، حيٌّ بحياة، سميعٌ بسمع، بصيرٌ ببصر؛ متكلمٌ بكلام. وهذه كلها معانٍ وجودية أزلية زائدة على الذات. وذهب الفلاسفة والشِّيعة إلى نَفْيِها؛ تعالى الله عن قول الزائغين وإبطال المبطلين. والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال: لو لم يَصْدُق كونه ذا إرادة لصدق أنه ليس بذي إرادة، ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصاً بالنسبة إلى من له إرادة؛ فإنّ من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشيء وله ألا يخصّصه؛ فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان، حتى أنه لو قُدّر بالوهم سلب ذلك الأمر عنه لقد كان حاله أوّلاً أكمل بالنسبة إلى حاله ثانياً، فلم يبق إلا أن يكون ما لم يتّصف أنقص مما هو متّصف به، ولا يخفى ما فيه من المحال؛ فإنه كيف يتصوّر أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والخالق أنقص منه، والبديهة تقضي بردّه وإبطاله. وقد وصف نفسه جلّ جلاله وتقدست أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [البروج: 16] وقال سبحانه: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وقال: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}تفسير : [النساء: 28]، إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ثم إن هذا العالَم على غاية من الحكمة والإتقان والانتظام والإحكام، وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه، فالذي خصّصه بالوجود يجب أن يكون مريداً له قادراً عليه عالماً به؛ فإن لم يكن عالماً قادراً لا يصح منه صدور شيء؛ ومن لم يكن عالماً وإن كان قادراً لم يكن ما صدر منه على نظام الحكمة والإتقان، ومن لم يكن مريداً لم يكن تخصيص بعض الجائزات بأحوال وأوقات دون البعض بأوْلى من العكس؛ إذ نسبتها إليه نسبة واحدة. قالوا: وإذ ثبت كونه قادراً مريداً وجب أن يكون حيًّا؛ إذ الحياة شرط هذه الصفات؛ ويلزم من كونه حيًّا أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً؛ فإن لم تثبت له هذه الصفات فإنه لا محالة متّصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ما عرف في الشاهد؛ والبارىء سبحانه وتعالى يتقدّس عن أن يتّصف بما يوجب في ذاته نقصاً. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} فيه تأويلان: أحدهما: إكمال عدّة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه. الثاني: عدّة الهلال سواء كانت تسعاً وعشرين أو ثلاثين. قال جابر بن عبد اللَّه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الشهر يكون تسعاً وعشرين»تفسير : . وفي هذا رَدّ لتأويل من تأوّل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : شهرَا عِيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة»تفسير : أنهما لا ينقصان عن ثلاثين يوماً، أخرجه أبو داود. وتأوّله جمهور العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا، سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين. السادسة عشرة: ولا ٱعتبار برؤية هلال شوّال يوم الثلاثين من رمضان نهاراً بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد ٱختلف الرواة عن عمر في هذه المسألة فروى الدَّارَقُطْنِي عن شقيّق قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في كتابه: إن الأهِلّة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تُفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس. وذكره أبو عمر من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل قال: كتب إلينا عمر...؛ فذكره. قال أبو عمر: ورُوي عن عليّ بن أبي طالب مثل ما ذكره عبد الرزاق أيضاً، وهو قول ٱبن مسعود وٱبن عمر وأنس بن مالك، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد ٱبن الحسن واللّيث والأوزاعي، وبه قال أحمد وإسحٰق. وقال سفيان الثّوريّ وأبو يوسف: إن رُؤي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي، وإن رُؤي قبل الزوال فهو للّيلة الماضية. وروُي مثل ذلك عن عمر، ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شِباكٍ عن إبراهيم قال: كتب عمر إلى عتبة بن فَرْقَد «إذا رأيتم الهلال نهاراً قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تُفطروا حتى تمسوا»؛ ورُوي عن عليّ مثله. ولا يصحّ في هذه المسألة شيء من جهة الإسناد عن عليّ. ورُوي عن سليمان بن ربيعة مثل قول الثوريّ، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب، وبه كان يُفتي بقُرْطبة. وٱختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة؛ قال أبو عمر: والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعيّ وأبو حنيفة متّصل، والحديث الذي روي عنه بمذهب الثّوري متقطع، والمصير إلى المتّصل أَوْلَى. وقد ٱحتج من ذهب مذهب الثوريّ بأن قال: حديث الأعمش مُجمَل لم يخصّ فيه قبل الزوال ولا بعده، وحديث إبراهيم مفسّر، فهو أوْلى أن يقال به. قلت: قد روي مرفوعاً معنى ما روي عن عمر متصلاً موقوفاً روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً صُبح ثلاثين يوماً، فرأى هلال شوّال نهاراً فلم يُفطر حتى أمسى. أخرجه الدّراَقُطْني من حديث الواقدي وقال: قال الواقدي حدّثنا معاذ بن محمد الأنصاري قال: سألت الزهريّ عن هلال شوّال إذا رؤي باكراً؛ قال سمعت سعيد بن المسيّب يقول: إن رؤي هلال شوّال بعد أن طلع الفجر إلى العصر أو إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجيء؛ قال أبو عبد اللَّه: وهذا مجمع عليه. السابعة عشرة: روى الدَّارَقُطْنِيّ عن رِبْعِيّ بن حِراش عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ٱختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيّان فشهدا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم بالله لأهَلا الهلالَ أمس عَشيّة؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (الناس) أن يُفطروا وأن يغدوا إلى مُصلاّهم. قال الدَّارَقُطْنِي: هذا إسناد حسن ثابت. قال أبو عمر: لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تُصلّى صلاة العيد في غير يوم العيد ولا في يوم العيد بعد الزوال؛ وحكي عن أبي حنيفة. وٱختلف قول الشافعي في هذه المسألة؛ فمرّة قال بقول مالك، وٱختاره المزِنيّ وقال: إذا لم يجز أن تُصلّى في يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحْرَى ألا تُصلِّي فيه. وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصّلى في اليوم الثاني ضُحًى. وقال البُوَيطي: لا تصلّي إلا أن يثبت في ذلك حديث. قال أبو عمر: لو قُضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض، وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تُقضى؛ فهذه مثلها. وقال الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل: يخرجون من الغد، وقاله أبو يوسف في الإملاء. وقال الحسن بن صالح بن حَيّ: لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى. قال أبو يوسف: وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث. قال أبو عمر: لأن الأضحى أيام عيد وهي صلاة عيد، وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد، فإذا لم تصلّ فيه لم تُقْضَ في غيره؛ لأنها ليست بفريضة فتُقْضَى. وقال الليث بن سعد: يخرجون في الفطر والأضحى من الغد. قلت: والقول بالخروج إن شاء الله أصح؛ للسنّة الثابتة في ذلك، ولا يمتنع أن يستثني الشارع من السنن ما شاء فيأمر بقضائه بعد خروج وقته. وقد روى الترمذيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن لم يُصَلّ ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس»تفسير : . صحّحه أبو محمد. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحٰق وٱبن المبارك. وروي عن عمر أنه فعله. قلت: وقد قال علماؤنا: من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي الفجر فإنه يصلّيهما بعد طلوع الشمس إن شاء. وقيل: لا يصلّيهما حينئذ. ثم إذا قلنا: يصلّيهما فهل ما يفعله قضاء، أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر. قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجاري على أصل المذهب، وذِكْر القضاء تجوّز. قلت: ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل، لاسيّما مع كونها مرّة واحدة في السَّنَة مع ما ثبت من السُّنَّة. روى النسائي قال: أخبرني عمرو بن عليّ قال حدّثنا يحيى قال حدّثنا شعبة قال حدّثني أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له: أن قوماً رأوُا الهلال فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يُفطروا بعدما ٱرتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد. في رواية: ويخرجوا لمصلاّهم من الغد. الثامنة عشرة: قرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو ـ في بعض ما روي عنه ـ والحسن وقتادة والأعرج {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} بالتشديد. والباقون بالتخفيف. وٱختار الكسائي التخفيف؛ كقوله عز وجل: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]. قال النحاس: وهما لغتان بمعنىً واحد؛ كما قال عز وجل: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}تفسير : [الطارق: 17]. ولا يجوز «ولتكملوا» بإسكان اللام، والفرق بين هذا وبين ما تقدّم أن التقدير: ويريد لأن تكملوا، ولا يجوز حذف أن والكسرة؛ هذا قول البصريين، ونحوه قول كُثَيِّر أبو صخر:شعر : أريد لأنسى ذكرها تفسير : أي لأن أنسى، وهذه اللام هي الداخلة على المفعول؛ كالتي في قولك: ضربت لزيد؛ المعنى ويريد إكمال العدّة. وقيل: هي متعلقة بفعل مضمر بعدُ، تقديره: ولأن تكملوا العدّة رخّص لكم هذه الرخصة. وهذا قول الكوفيين وحكاه النحاس عن الفرّاء. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ ومثله: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ}تفسير : [الأنعام: 75] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك. وقيل: الواو مُقْحَمة. وقيل: يحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام. وقال أبو إسحٰق إبراهيم بن السّرِي: هو محمول على المعنى، والتقدير: فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ولتكملوا العدّة، قال: ومثله ما أنشده سيبويه:شعر : بادتْ وغيّر آيهنّ مع البِلَى إلا رواكِدَ جَمْرُهنّ هباء ومُشَجَّجٌ أمّا سواءُ قَذاله فَبَدَا وغيّب سارَه المَعْزَاءُ تفسير : شَاده يَشيده شَيْداً جَصّصه؛ لأن معناه بادت إلا رواكد بها رواكد، فكأنه قال: وبها مشجج أو ثَمَّ مشجّج. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ}) عطف عليه، ومعناه الحضّ على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل. وٱختلف الناس في حدّه؛ فقال الشافعي: رُوي عن سعيد ابن المسيّب وعُرْوة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويحمّدون، قال: وتشبه ليلة النحر بها. وقال ٱبن عباس: حَقٌّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوّال أن يكبّروا. ورُوي عنه: يكبّر المرء من رؤية الهلال إلى ٱنقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبّر بتكبيره. وقال قوم: يكبّر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة. وقال سفيان: هو التكبير يوم الفطر. زيد بن أسلم: يكبّرون إذا خرجوا إلى المُصَلّى فإذا ٱنقضت الصلاة ٱنقضى العيد. وهذا مذهب مالك، قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام. وروى ٱبن القاسم وعليّ بن زياد: أنه إن خرج قبل طلوع الشمس فلا يكبّر في طريقه ولا جلوسه حتى تطلع الشمس، وإن غدا بعد الطلوع فلْيُكبِّر في طريقه إلى المُصلَّى وإذا جلس حتى يخرج الإمام. والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يُكبِّر في الأضحى ولا يُكبّر في الفطر؛ والدليل عليه قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} ولأن هذا يوم عيد لا يتكرّر في العام فسُنّ التّكبير في الخروج إليه كالأضحى. وروى الدَّارَقُطْنِي عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشدّ منهم في الأضحى. ورُوِيَ عن ٱبن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبّر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المُصلَّى. وروي عن ٱبن عمر: أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يَجهر بالتكبير حتى يأتي المصلَّى ثم يكبّر حتى يأتي الإمام. وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم فيما ذكر ٱبن المنذر قال: وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس. وكان الشافعيّ يقول إذا رأى هلال شوّال: أحببت أن يكبّر الناس جماعةً وفرادى، ولا يزالون يكبّرون ويُظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلّى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، وكذلك أحبّ ليلة الأضحى لمن لم يحج. وسيأتي حكم صلاة العيدَيْن والتكبير فيهما في {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} و «الكوثر» إن شاء الله تعالى. الموفِّية عشرين: ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثلاثاً؛ وروي عن جابر بن عبد اللَّه. ومن العلماء من يكبّر ويُهَلِّل ويُسَبّح أثناء التكبير. ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بُكرةً وأصيلا. وكان ٱبن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر: الله أكبر الله أكبر، لا إلٰه إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا. قال ٱبن المنذر: وكان مالك لا يَحُدّ فيه حدّا. وقال أحمد: هو واسع. قال ٱبن العربي: «وٱختار علماؤنا التكبير المطلق، وهو ظاهر القرآن وإليه أميل». الحادية والعشرون: قوله تعالى: {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} قيل: لما ضلّ فيه النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلاً عمَّا كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب وتعديد المناقب. وقيل: لتعظّموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع؛ فهو عام. وتقدّم معنى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم شهر رمضان، أو بدل من الصيام على حذف المضاف أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان. وقرىء بالنصب على إضمار صوموا، أو على أنه مفعول، {وَأَن تَصُومُواْ} وفيه ضعف، أو بدل من أيام معدودوات. والشهر: من الشهرة، ورمضان: مصدر رمض إذا احترق؛ فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون، كما منع دأية في ابن دأية علماً للغراب للعلمية والتأنيث، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من صام رمضان» تفسير : فعلى حذف المضاف لأمن الالتباس، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لوقوعه أيام رمض الحر حين ما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة. {ٱلَّذِي أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} أي ابتدىء فيه إنزاله، وكان ذلك ليلة القدر، أو أنزل فيه جملة إلى سماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض، أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ}. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : نزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإِنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين» تفسير : والموصول بصلته خبر المبتدأ أو صفته والخبر فمن شهد، والفاء لوصف المبتدأ بما تضمن معنى الشرط. وفيه إشعار بأن الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصوم. {هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} حالان من القرآن، أن أنزل وهو هداية للناس بإعجازه وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق، ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه، والأصل فمن شهد فيه فليصم فيه، لكن وضع المظهر موضع المضمر الأول للتعظيم، ونصب على الظرف وحذف الجار ونصب الضمير الثاني على الاتساع. وقيل: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ} هلال الشهر فليصمه، على أنه مفعول به كقولك: شهدت الجمعة أي صلاتها فيكون {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} مخصصاً له، لأن المسافر والمريض ممن شهد الشهر ولعل تكريره لذلك، أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه. {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} أي يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر، فلذلك أباح الفطر في السفر والمرض. {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علل لفعل محذوف دل عليه ما سبق، أي وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد يصوم الشهر والمرخص بالقضاء ومراعاة عدة ما أفطر فيه، والترخيص {لتكملوا ٱلْعِدَّةَ} إلى آخرها على سبيل اللف، فإن قوله {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} علة الأمر بمراعاة العدة، {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ } علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علة الترخيص والتيسير. أو الأفعال كل لفعله، أو معطوفة على علة مقدرة مثل ليسهل عليكم، أو لتعلموا ما تعلمون ولتكملوا العدة، ويجوز أن يعطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ }تفسير : [الصف: 8] والمعنى بالتكبير تعظيم الله بالحمد والثناء عليه، ولذلك عدى بعلى. وقيل تكبير يوم الفطر، وقيل التكبير عند الإهلال وما يحتمل المصدر، والخبر أي الذي هداكم إليه وعن عاصم برواية أبي بكر {وَلِتُكْمِّلُواْ} بالتشديد.
ابن كثير
تفسير : يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة، يعني: ابن الأسقع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان»تفسير : وقد روي من حديث جابر بن عبد الله، وفيه: أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه، وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] وقال: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}تفسير : [الدخان: 3] ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال إسرائيل عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك، قول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىۤ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} وقوله: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم وصفر وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهوروالأيام، رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه، وفي رواية سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس، وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، على هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}تفسير : [الفرقان: 32 ـ 33] وقوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه {وَبَيِّنَـٰتٍ} أي: دلائل وحججاً بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقاً بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا: شهر رمضان، ولا يقال: رمضان، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي وسعيد هو المقبري، عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا شهر رمضان قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت، (قلت): أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعاً عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي، وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري رحمه الله في كتابه لهذا، فقال: باب يقال: رمضان، وساق أحاديث في ذلك منها: «حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : ونحو ذلك، وقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي: كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه، أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه، ولما حتم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء، فقال: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر، أي: في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} اي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً عليكم ورحمة بكم. وههنا مسائل تتعلق بهذه الآية (إحداها): أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيماً في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه؛ لقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم، فإنه قد ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح. (الثانية): ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر؛ لقوله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} والصحيح قول الجمهور: أن الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم، لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب، لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائماً؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.(الثالثة): قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل؛ أخذاً بالرخصة، ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: «حديث : من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه»تفسير : وقال في حديث آخر: «حديث : عليكم برخصة الله التي رخص لكم»تفسير : وقالت طائفة: هما سواء؛ لحديث عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر؟ فقال: «حديث : إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر»تفسير : وهو في الصحيحين، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل؛ لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد ظلل عليه، فقال: «حديث : ما هذا»تفسير : ؟ قالوا: صائم، فقال: «حديث : ليس من البر الصيام في السفر»تفسير : أخرجاه، فأما إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام والحالة هذه؛ لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» (الرابعة): القضاء، هل يجب متتابعاً، أو يجوز فيه التفريق، فيه قولان: (أحدهما): أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء. (والثاني): لا يجب التتابع، بل إن شاء فرق، وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ثم قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا ابن هلال عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«حديث : إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره»تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة بن عروة الفقيمي، حدثني أبي عروة، قال: كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رجلاً يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة، جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن دين الله في يسر»تفسير : ـ ثلاثاً يقولها ـ ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم عن عاصم بن هلال به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو التياح سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وفي الصحيحين أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «حديث : بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا»تفسير : وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة»تفسير : وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الحريري عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي، فتراءاه ببصره ساعة، فقال: «حديث : أتراه يصلي صادقاً؟»تفسير : قال: قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تسمعه فتهلكه»تفسير : وقال: «حديث : إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر»تفسير : ومعنى قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} أي: إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم، وقوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}تفسير : [البقرة: 200] وقال: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }تفسير : [الجمعة: 10] وقال: {أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ}تفسير : [ق: 39 ـ 40] ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم، وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، منه {هُدًى } حال هادياً من الضلالة {لّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍ } آيات واضحات {مِنَ ٱلْهَدْىِ } مما يهدي إلى الحق من الأحكام {وَ} من {ٱلْفُرْقَانِ } مما يفرق بين الحق والباطل {فَمَن شَهِدَ } حضر {مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تقدّم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم (من شهد) {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر ولكون ذلك في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم عطف عليه {وَلِتُكْمِلُواْ } بالتخفيف والتشديد [ولتكمِّلوا]{ٱلْعِدَّةَ } أي عدّة صوم رمضان {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ } عند إكمالها {عَلَىٰ مَا هَدٰكُمْ } أرشدكم لمعالم دينه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ذلك.
الشوكاني
تفسير : {رَمَضَانَ } مأخوذ من رمض الصائم يرمض: إذا احترق جوفه من شدة العطش، والرمضاء ممدود: شدّة الحرّ، ومنه الحديث الثابت في الصحيح: «حديث : صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال»تفسير : أي: أحرقت الرمضاء أجوافها. قال الجوهري: وشهر رمضان يجمع على رمضانات، وأرمضاء ــ يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام الحرّ، فسمي بذلك، وقيل: إنما سمي رمضان؛ لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها بالأعمال الصالحة. وقال الماوردي: إن اسمه في الجاهلية ناتق، وأنشد المفضل:شعر : وفي ناتِقٍ أجْلَت لَدى حَوْمَةِ الوَغَى وَوَلَّتْ على الأدبار فُرسانُ خَثْعَما تفسير : وإنما سموه بذلك؛ لأنه كان ينتقهم لشدّته عليهم، و{شهر} مرتفع في قراءة الجماعة على أنه مبتدأ خبره: {ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: المفروض عليكم صومه شهر رمضان، ويجوز أن يكون بدلاً من الصيام المذكور في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ }. وقرأ مجاهد، وشهر بن حوشب بنصب الشهر، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو، وهو منتصب بتقدير: الزموا أو صوموا. قال الكسائي، والفراء: إنه منصوب بتقدير فعل {كتب عليكم الصيام} {وأن تصوموا} وأنكر ذلك النحاس، وقال: إنه منصوب على الإغراء. وقال الأخفش: إنه نصب على الظرف، ومنع الصرف للألف والنون الزائدتين. قوله: {أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } قيل: أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم كان جبريل ينزل به نجماً نجماً. وقيل: أنزل فيه أوّله، وقيل: أنزل في شأنه القرآن. وهذه الآية أعم من قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }تفسير : [القدر: 1]. وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ }تفسير : [الدخان: 3] يعني: ليلة القدر. والقرآن اسم لكلام الله تعالى، وهو بمعنى المقروء كالمشروب سمي شراباً، والمكتوب سمي كتاباً، وقيل: هو مصدر قرأ يقرأ، ومنه قول الشاعر:شعر : ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً تفسير : أي: قراءة، ومنه قوله تعالى: {أية : وقرآن الفجر}تفسير : [الإسراء: 78] أي: قراءة الفجر. وقوله: {هُدىً لّلنَّاسِ } منتصب على الحال، أي: هادياً لهم. وقوله: {وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ } من عطف الخاص على العام، إظهاراً لشرف المعطوف بإفراده بالذكر؛ لأن القرآن يشمل محكمه، ومتشابهه، والبينات تختص بالحكم منه. والفرقان: ما فرق بين الحق، والباطل: أي: فصل. قوله: {مَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } أي: حضر، ولم يكن في سفر بل كان مقيماً، والشهر منتصب على أنه ظرف، ولا يصح أن يكون مفعولاً به. قال جماعة من السلف، والخلف: إن من أدركه شهر رمضان مقيماً غير مسافر لزمه صيامه، سافر بعد ذلك، أو أقام استدلالاً بهذه الآية. وقال الجمهور: إنه إذا سافر أفطر، لأن معنى الآية: إن حضر الشهر من أوّله إلى آخره لا إذا حضر بعضه، وسافر، فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره، وهذا هو الحق، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة. وقد كان يخرج صلى الله عليه وسلم في رمضان، فيفطر. وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } قد تقدّم تفسيره. وقوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } فيه أن هذا مقصد من مقاصد الربّ سبحانه، ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ }تفسير : [الحج: 78] وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرشد إلى التيسير، وينهى عن التعسير كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» تفسير : وهو في الصحيح. واليسر السهل الذي لا عسر فيه. وقوله: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } الظاهر أنه معطوف على قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ } أي: يريد بكم اليسر، ويريد إكمالكم للعدّة، وتكبيركم، وقيل: إنه متعلق بمحذوف تقديره: رخص لكم هذه الرخصة لتكملوا العدة، وشرع لكم الصوم لمن شهد الشهر لتكملوا العدة. وقد ذهب إلى الأوّل البصريون قالوا: والتقدير يريد؛ لأن تكملوا العدّة، ومثله قول كثير بن صخر:شعر : أريدُ لأنسى ذِكُرَها فَكَأنَّما تَمَثَّل ليِ لَيْلا بِكُلِ سَبِيل تفسير : وذهب الكوفيون إلى الثاني، وقيل: الواو مقحمة، وقيل: إن هذه اللام لام الأمر، والواو لعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها. وقال في الكشاف: إن قوله: {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } علة للأمر بمراعاة العدّة {وَلِتُكَبّرُواْ } علة ما علم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخيص، والتيسير، والمراد بالتكبير هنا: هو قول القائل: "الله أكبر". قال الجمهور ومعناه: الحضّ على التكبير في آخر رمضان. وقد وقع الخلاف في وقته، فروى عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر، وقيل: إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة، وقيل: إلى خروج الإمام، وقيل: هو التكبير يوم الفطر. قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } قد تقدّم تفسيره. وقد أخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ، وابن عديّ، والبيهقي في سننه، عن أبي هريرة مرفوعاً، وموقوفاً: «حديث : لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا شهر رمضان»تفسير : . وقد ثبت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه»تفسير : . وثبت عنه أنه قال: «حديث : من قام رمضان إيماناً، واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه»تفسير : . وثبت عنه أنه قال: «حديث : شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة»تفسير : وقال: "حديث : إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة»تفسير : وهذا كله في الصحيح. وثبت، عنه في أحاديث كثيرة غير هذه أنه كان يقول: "رمضان" بدون ذكر الشهر. وأخرج ابن مردويه: والأصبهاني في الترغيب: عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما سمي رمضان؛ لأن رمضان يرمض الذنوب»تفسير : وأخرجا أيضاً، عن عائشة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر نحوه. وقد ورد في فضل رمضان أحاديث كثيرة، وأخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان»تفسير : . وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه عن جابر مثله، لكنه قال: «حديث : وأنزل الزبور الاثني عشر»تفسير : وزاد: «حديث : وأنزل التوراة لست خلون من رمضان، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خلت من رمضان»تفسير : وأخرج محمد بن نصر عن عائشة نحو قول جابر، إلا أنها لم تذكر نزول القرآن. وأخرج ابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء، والصفات عن مقسمٍ؛ قال: سأل عطيةُ بنُ الأسود ابنَ عباس فقال: إنه قد وقع في قلبي الشكّ في قول الله: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ }. وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }تفسير : [القدر: 1] وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ }تفسير : [الدخان: 3] فقال ابن عباس: إنه أنزل في ليلة القدر وفي رمضان، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام. وأخرج محمد بن نصر، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي، والضياء في المختارة، عن ابن عباس؛ قال: نزل القرآن جملة لأربعة وعشرين من رمضان، فوضع في بيت العزّة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيلاً. وأخرج ابن جرير، عنه أنه قال: «ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان أنزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور». وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {هُدىً للناس} قال: يهتدون به {وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ } قال: فيه الحلال، والحرام، والحدود. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {فَمَن شَهِدَ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } قال: هو إهلاله بالدار. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عليّ قال: من أدرك رمضان، وهو مقيم، ثم سافر، فقد لزمه الصوم؛ لأن الله يقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ } قال: اليسر الافطار في السفر، والعسر: الصوم في السفر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ } قال: عدّة شهر رمضان. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك: أنه قال: عدة ما أفطر المريض في السفر. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين يوماً»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: حقّ على الصائمين إذا نظروا إلى شهر شوّال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأن الله يقول: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود أنه كان يكبر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، أنه كان يكبر: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيراً، الله أكبر، ولله الحمد وأجلّ، الله أكبر على ما هدانا.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ} أما الشهر فمأخوذ من الشهرة، ومنه قيل قد شهر فلان سيفه، إذا أخرجه، وأما رمضان فإن بعض أهل اللغة يزعم أنه سمي بذلك، لشدة ما كان يوجد فيه من الحر حتى ترمض فيه الفصال، كما قيل لشهر الحج ذو الحجة، وقد كان شهر رمضان يسمى في الجاهلية ناتقاً. وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان، ويقول لعله من أسماء الله عز وجل. وفي إنزاله قولان: أحدهما: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر منه، ثم أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، على ما أراد إِنْزَالَهُ عليه. روى أبو مسلم عن وائلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأُنْزِلتِ التوراةُ لست مضين من رمضان، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأُنْزِلَ القرآن لأربع وعشرين من رمضان. والثاني: أنه بمعنى أنزل القرآن في فرض صيامه، وهو قول مجاهد. قوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ} يعني رشاداً للناس. {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} أي بينات من الحلال والحرام، وفرقان بين الحق والباطل. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} الشهر لا يغيب عن أحد، وفي تأويله ثلاثة أقاويل: أحدها: فمن شهد أول الشهر، وهو مقيم فعليه صيامه إلى آخره، وليس له أن يفطر في بقيته، وهذا قول عليّ، وابن عباس، والسدي. والثاني: فمن شهد منكم الشهر، فليصم ما شهد منه وهو مقيم دون ما لم يشهده في السفر، وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري. والثالث: فمن شهد بالغاً عاقلاً مُكَلَّفاً فليصمه، ولا يسقط صوم بقيته إذا جُن فيه، وهذا قول أبي حنيفة، وصاحبيه. {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرْ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وإنما أعاد ذكر الفطر بالمرض والسفر مع قرب ذكره من قبل، لأنه في حكم تلك الآية منسوخاً، فأعاد ذكره، لِئَلاَّ يصير بالمنسوخ مقروناً، وتقديره فمن كان مريضاً أو على سفر في شهر رمضان فأفطر، فعليه عدة ما أفطر منه، أن يقضيه من بعده. واختلفوا في المرض الذي يجوز معه الفطر في شهر رمضان، على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه كل مرضٍ لم يطق الصلاة معه قائماً، وهذا قول الحسن البصري. والثاني: أنه المرض الذي الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة، وهو قول الشافعي. والثالث: أنه كل مرض انطلق عليه اسم المرض، وهو قول ابن سيرين. فأما السفر، فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه ما انطلق اسم السفر من طويل أو قصير، وهذا قول داود. والثاني: أنه مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة. واختلفوا في وجوب الفطر فيه على قولين: أحدهما: أنه واجب وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه مباح، وهو قول الجمهور. ثم قال تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} قال ابن عباس: اليسر الإفطار، والعسر الصيام في السفر، ونحوه عن مجاهد وقتادة. {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة} يعني عدة ما أفطر ثم في صيام شهر رمضان بالقضاء في غيره. {ولِتُكّبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} قيل إنه تكبير الفطر من أول الشهر. وقوله: {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} يعني من صيام شهر رمضان، ويحتمل أن يكون على عموم ما هدانا إليه من دينه. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تشكرون على هدايته لكم. والثاني: على ما أنعم به من ثواب طاعته، والله أعلم.
ابن عطية
تفسير : الشهر مشتق من الاشتهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ورمضان علقه الاسم من مدة كان فيها في الرمض وشدة الحر، وكان اسمه قبل ذلك ناثراً، كما سمي ربيع من مدة الربيع، وجمادى من مدة الجمود، وكره مجاهد أن يقال رمضان دون أن يقال {شهر رمضان} كما قال الله تعالى، وقال: لعل رمضان اسم من أسماء الله عز وجل. وقرأ الجمهور الناس "شهرُ" بالرفع، ووجه خبر ابتداء أي ذلكم شهر، وقيل: بدل من الصيام، [البقرة: 183] وقيل: على الابتداء وخبره {الذي أنزل فيه القرآن}، وقيل: ابتداء وخبره {فمن شهد}، و {الذي أنزل} نعت له، فمن قال إن {الصيام} في قوله {أية : كتب عليكم الصيام} تفسير : [البقرة: 183] هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هاهنا بالابتداء، ومن قال: إن {الصيام} هنالك هو رمضان وهو الأيام المعدودة قال هنا بخبر الابتداء أو بالبدل من الصيام، وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب "شهرَ" بالنصب، ورواها أبو عمارة عن حفص عن عاصم ورواها هارون عن أبي عمرو، وهي على الإغراء، وقيل: نصب بــ {أية : تصوموا} تفسير : [البقرة: 184] وقيل: نصب على الظرف، وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه. واختلف في إنزال القرآن فيه: فقال الضحاك: أنزل في فرضه وتعظيمه و الحض عليه، وقيل: بدىء بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس فيما يؤثر: أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان ثم كان جبريل ينزله رسلاً في الأوامر والنواهي والأسباب، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين " تفسير : وترك ابن كثير همزة {القرآن} مع التعريف والتنكير حيث وقع، وقد قيل: إن اشتقاقه على هذه القراءة من قرن وذلك ضعيف، و {هدى} في موضع نصب على الحال من {القرآن}، فالمراد أن القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ هدى، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ، والمحكم كله، فالألف واللام في {الهدى} للعهد والمراد الأول، و {الفرقان} المفرق بين الحق والباطل، و {شهد} بمعنى حضر، و {الشهر} نصب على الظرف، والتقدير: من حضر المصر في الشهر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي والزهري وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو حيوة "فَلِيَصُمْه" بتحريك اللام، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن على أصلها الذي هو الكسر، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعبيدة السلماني: من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيماً في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، وقال جمهور الأمة: من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيماً، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه، ونصب {الشهر} على هذا التأويل هوعلى المفعول الصريح بــ {شهد}، وقوله تعالى: {أو على سفر} بمنزلة أو مسافراً فلذلك عطف على اسم، وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع ويحيى بن وثاب وابن هرمز وعيسى بن عمر "اليُسُر" و"العسُر" بضم السين، والجمهور: بسكونه، وقال مجاهد والضحاك بن مزاحم: اليسر الفطر في السفر و {العسر} الصوم في السفر، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم "دين الله يسر". وقوله تعالى: {ولتكملوا العدة} معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر فيها، وقرأ أبو بكر عن عصام وأبو عمرو في بعض ما روي عنه "ولتكمّلوا" بتشديد الميم، وقد روي عنهما التخفيف كالجماعة، وهذه اللام متعلقة إما بــ {يريد} فهي اللام الداخلة على المفعول، كالذي في قولك ضربت لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة وهي مع الفعل مقدرة بأن، كأن الكلام: ويريد لأن تكملوا، هذا قول البصريين، ونحوه قول قيس كثير بن صخر: [الطويل] شعر : أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا تفسير : وإما بفعل مضمر بعد، تقديره ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة، وهذا قول بعض الكوفيين، ويحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام. وقوله: {ولتكبروا الله} حض على التكبير في آخر رمضان، واختلف الناس في حده، فقال ابن عباس: "يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره"، وقال قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة، وقال سفيان: "هو التكبير يوم الفطر"، وقال مالك: "هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام"، ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء: "الله أكبر، الله أكبر الله أكبر"، ثلاثاً، ومن العلماء من يكبر ثم يهلل ويسبح أثناء التكبير، ومنهم من يقول: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً". وقد قيل غير هذا، والجميع حسن واسع مع البدأة بالتكبير. و {هداكم}، قيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم، وتعميم الهدى جيد، و {لعلكم تشكرون} ترجِّ في حق البشر، أي على نعمة الله في الهدى. وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني} الآية، قال الحسن بن أبي الحسن: سببها أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت، وقال عطاء: لما نزلت {أية : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60] قال قوم في أي ساعة ندعو؟ فنزلت {وإذا سألك عبادي عني}، وقال مجاهد: بل قالوا إلى أين ندعو فنزلت هذه الآية، وقال قتادة بل قالوا: كيف ندعو؟ فنزلت {وإذا سألك عبادي}، روي أن المشركين قالوا لما نزل {فإني قريب}: كيف يكون قريباً وبيننا وبينه على قولك سبع سماوات في غلظ سمك كل واحدة خمسمائة عام وفيما بين كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت: {أجيب دعوة الداعي إذا دعان} أي فإني قريب بالإجابة والقدرة، وقال قوم: المعنى أجيب إن شئت، وقال قوم: إن الله تعالى يجيب كل الدعاء: فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له أجر في الآخرة، وهذا بحسب حديث الموطأ: "حديث : ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث" تفسير : ، الحديث، وهذا إذا كان الدعاء على ما يجب دون اعتداء، فإن الاعتداء في الدعاء ممنوع، قال الله تعالى:{أية : ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين}تفسير : [الأعراف: 55] قال المفسرون: أي في الدعاء. والوصف بمجاب الدعوة: وصف بحسن النظر والبعد عن الاعتداء، والتوفيق من الله تعالى إلى الدعاء في مقدور. وانظر أن أفضل البشر المصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم، الحديث، فمنعها، إذ كان القدر قد سبق بغير ذلك. وقوله تعالى: {فليستجيبوا} قال أبو رجاء الخراساني: "معناه فليدعوا لي". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: المعنى فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو باب استفعل، أي طلب الشيء، إلا ما شذ، مثل، استغنى الله، وقال مجاهد وغيره: المعنى فليجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان، أي بالطاعة والعمل، ويقال: أجاب واستجاب بمعنى، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى النّدا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : أي لم يجبه، وقوله تعالى: {وليؤمنوا بي}، قال أبو رجاء: في أني أجيب دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته. وقرأ الجمهور {يَرشُدون} بفتح الياء وضم الشين. وقرأ قوم بضم الياء وفتح الشين. وروي عن ابن أبي عبلة وأبي حيوة فتح الياء وكسر الشين باختلاف عنهما قرآ هذه القراءة والتي قبلها.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ} الشهر من الشهرة، شهر سيفه أخرجه. {رَمَضَانَ} قيل أُخذ من الرمضاء لما كان يوجد فيه من الحر حتى يرمض الفصال، وكره مجاهد أن يقال "رمضان"، قائلاً لعله من أسماء الله ـ تعالى ـ. {أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ} في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نَزَلَ منجماً بعد ذلك، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : نزلت صحف إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أول ليلة من رمضان، والتوراة لست مضين منه والإنجيل لتسع عشرة خلت منه، والفرقان لأربع وعشرين منه " تفسير : أو {أُنزِلَ فِيهِ} في فرض صومه. {هُدىً لِّلنَّاسِ} رشاداً. {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى} بينات من الحلال والحرام، وفرقان بين الحق والباطل. {فَمَن شَهِدَ} أول الشهر مقيماً لزمه صومه وليس له أن يفطر في بقيته، أو فمن شهده مقيماً فليصم ما شهد منه دون ما لم يشهده إلا في السفر، أو فمن شهده عاقلاً مكلفاً فليصمه ولا يسقط صوم بقيته بالجنون. {مَرِيضاً} مرضاً لا يطيق الصلاة معه قائماً، أو ما يقع عليه اسم المرض، أو ما يزيد بسبب الصوم زيادة غير متحملة {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} يبلغ يوماً وليلة، أو ثلاثة أيام، أو ما يقع عليه الإسم، والفطر مباح عند الجمهور، وواجب عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال: "اليسر الإفطار في السفر، والعسر الصوم فيه" {وَلِتُكْمِلُواْ} عدة ما أفطرتم منه بالقضاء من غيره. {وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ} تكبير الفطر حين يهل شوال. {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} من صوم الشهر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {شهر رمضان} يعني وقت صيامكم شهر رمضان، سمي الشهر شهراً لشهرته يقال: للسر إذا أظهره شهره وسمي الهلال شهراً لشهرته وبيانه وقيل: سمي الشهر شهراً باسم الهلال، وأما رمضان فاشتقاقه من الرمضاء وهي الحجارة المحماة في الشمس وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسموه به. وقيل: إن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فيكون معناه شهر الله والأصح أن رمضان اسم لهذا الشهر كشهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان {الذي أنزل فيه القرآن} لما خص الله شهر رمضان بهذه العبادة العظيمة بين سبب تخصيصه بإنزال أعظم كتبه فيه، والقرآن اسم لهذا الكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عن الشافعي أنه كان يقول القرآن اسم وليس بمهموز وليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل فعلى هذا القول إنه ليس بمشتق وذهب الأكثرون إلى أنه مشتق من القرء وهو الجمع فسمي قرآناً لأنه يجمع السور والآيات بعضها إلى بعض، ويجمع الأحكام والقصص والأمثال والآيات الدالة على وحدانية الله تعالى. قال ابن عباس أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله: {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم} تفسير : [الواقعة: 75] وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان، وفي رواية في أول ليلة من رمضان وأنزلت توارة موسى في ست ليال مضين من رمضان وأنزل إنجيل عيسى في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين لست بقين بعدها" تفسير : فعلى هذا يكون ابتداء نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، وهو قول ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي وقيل في معنى الآية شهر رمضان الذي نزل بفرض صيامه القرآن كما تقول نزلت هذه الآية في الصلاة والزكاة ونحو ذلك من الفرائض يروى ذلك عن مجاهد والضحاك وهو اختيار الحسن بن الفضل {هدى للناس} يعني من الضلال {وبينات من الهدى والفرقان}. فإن قلت هذا فيه إشكال وهو أنه يقال ما معنى قوله: وبينات من الهدى بعد قوله هدى للناس؟ قلت إنه تعالى ذكراً أولاً أنه هدى ثم هدى على قسمين: تارة يكون هدى جلياً وتارة لا يكون كذلك، فكأنه قال هو هدى في نفسه ثم قال: هو المبين من الهدى الفارق بين الحق والباطل وقيل: إن القرآن هدى في نفسه فكأنه قال: إن القرآن هدى للناس على الإجمال وبينات من الهدى والفرقان على التفصيل، لأن البينات هي الدلالات الواضحات التي تبين الحلال والحرام والحدود والأحكام، ومعنى الفرقان الفارق بين الحق والباطل. قوله عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أي فمن كان حاضراً مقيماً غير مسافر فأدركه الشهر فليصمه والشهود الحضور، وقيل: هو محمول على العادة بمشاهدة الشهر وهي رؤية الهلال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" تفسير : أخرجاه في الصحيحين، ولا خلاف أنه يصوم رمضان من رأى الهلال ومن أخبر به واختلف العلماء في وجه الخبر عنه منهم من قال يجزئ فيه خبر الواحد، قاله أبو ثور: ومنهم من أجراه مجرى الشهادة في سائر الحقوق قاله مالك: ومنهم من أجرى أوله مجرى الأخبار فقبل فيه خبر الواحد وأجرى آخره مجرى الشهادة فلا يقبل في آخره أقل من اثنين؛ قاله الشافعي: وهذا للاحتياط في أمر العبادة لدخولها وخروجها {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} إنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فلو اقتصر على هذا لاحتمال أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه. فصل في حكم الآية، وفيه مسائل: الأولى اختلفوا في المرض المبيح للنظر على ثلاثة أقوال: أحدها وهو قول أهل الظاهر أي مرض كان وهو ما يطلق عليه اسم المرض، فله أن يفطر تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وإليه ذهب الحسن وابن سيرين. القول الثاني وهو قول الأصم إن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام، لوقع في مشقة عظيمة تنزيلاً للفظ المطلق على أكمل أحواله. القول الثالث وهو قول أكثر الفقهاء إن المرض المبيح للفطر، هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة علة محتملة كالمحموم إذا خاف أنه صام اشتدت حماه وصاحب وجع العين يخاف لو صام أن يشتد وجع عينه فالمراد بالمرض، ما يؤثر في تقويته قال الشافعي إذا أجهده الصوم أفطر، وإلاّ فهو كالصحيح. المسألة الثانية: الفطر في السفر مباح، والصوم جائز وبه قال عامة وقال ابن عباس وأبو هريرة وبعض أهل الظاهر: لا يجوز الصوم في السفر، ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس من البر الصيام في السفر" تفسير : وحمله عامة العلماء على من يجهده الصوم في السفر فالأولى له الفطر ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ قالوا صائم قال: ليس من البر الصيام في السفر" تفسير : أخرجه البخاري ومسلم، وحجة الجمهور على جواز الصوم والفطر في السفر ما روي عن أنس قال: "حديث : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. المسألة الثالثة: اختلف العلماء في قدر السفر المبيح للفطر. فقال داود: الظاهري أي سفر كان ولو كان فرسخاً. وقال الأوزاعي: السفر المبيح للفطر مسيرة يوم واحد. وقال الشافعي وأحمد ومالك: أقلة مسيرة ستة عشر فرسخاً يومان وقال أبو حنيفة وأصحابه أقله مسيرة ثلاثة أيام. المسألة الرابعة: إذا استهل الشهر وهو مقيم ثم أنشأ السفر في أثنائه جاز له أن يفطر حالة السفر ويجوز له أن يصوم في بعض السفر وأن يفطر في بعضه إن أحب، يدل عليه ما روي عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم" أخرجاه في الصحيحين. والكديد اسم موضع وهو على ثمانية وأربعين ميلاً من مكة. المسألة الخامسة: اختلفوا في الأفضل: فذهب الشافعي إلى أن الصوم أفضل من الفطر في السفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال أحمد الفطر، أفضل من الصوم في السفر، وقالت طائفة من العلماء: هما سواء، وأفضل الأمرين أيسرهما، لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. المسألة السادسة: يبيح الفطر كل سفر مباح ليس سفر معصية ولا يجوز للعاصي بسفره أن يترخص برخص الشرع وقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} معناه فأفطر فعليه عدة من أيام آخر فظاهر هذا أنه يجوز قضاء الصوم متفرقاً وإن كان التتابع أولى، وفيه أيضاً وجوب القضاء من غير تعيين لزمن القضاء فيدل على جواز التراخي في القضاء ويدل عليه أيضاً ما روي عن عائشة قالت: "كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلاّ في شعبان ذاك من الشغل بالنبي صلى الله عليه وسلم" أخرجاه في الصحيحين {يريد الله بكم اليسر} أي التسهيل في هذه العبادة وهي إباحة الفطر للمسافر والمرض {ولا يريد بك العسر} أي وقد نفى عنكم الحرج في أمر الدين قيل: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلاّ كان أحب إلى الله تعالى: {ولتكملوا العدة} أي عدد الأيام التي أفطرتم فيها بعذر السفر والمرض والحيض، لتقضوا بعددها: وقيل: أراد عدد أيام الشهر (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له، وفي رواية فأكملوا العدة ثلاثين" تفسير : {ولتكبروا الله} فيه قولان أحدهما أنه تكبير ليلة العيد، قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا إهلال شوال أن يكبروا. وقال الشافعي: واجب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: لا يكبر في عيد الفطر ويكبر في عيد الضحى حجة الشافعي ومن وافقه قوله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} قالوا: معناه ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله على ما هداكم إلى آخر هذه العبادة القول الثاني في معنى قوله ولتكبروا الله، أي ولتعظموا الله شكراً على ما أنعم به عليكم ووفقكم للقيام بهذه العبادة {على ما هداكم} أي أرشدكم إلى طاعته وإلى ما يرضى به عنكم {ولعلكم تشكرون} الله على نعمه. فصل: في فضل شهر رمضان وفضل صيامه (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخل شهر رمضان صفدت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار" تفسير : الصفد الغل أي شدت بالأغلال (ق) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"تفسير : . قوله إيماناً واحتساباً أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه وقيل إيماناً بأنه فرض عليه، واحتساباً ثوابه عند الله وقيل: معناه نية وعزيمة وهو أن يصوم على التصديق به والرغبة في ثوابه طيبة بها نفسه غير كارهة (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: "إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" تفسير : زاد في رواية "حديث : والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذٍ ولا يصخب فإن شتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم"تفسير : . قوله: كل عمل ابن آدم له معناه أن له فيه حظاً لاطلاع الخلق عليه إلاّ الصوم فإنه لا يطلع عليه أحد وإنما خص الصوم بقوله تعالى لي وإن كانت جميع الأعمال الصالحة له وهو يجزى عليها لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بقول ولا فعل حتى تكتبه الحفظة وإنما هو من أعمال القلوب بالنية ولا يطلع عليه إلاّ الله تعالى لقول الله تعالى: إنما أتولى جزاءه على ما أحب لا على حساب ولا كتاب له. وقوله: وللصائم فرحتان فرحة عند فطره أي بالطعام لما بلغ به من الجوع لتأخذ النفس حاجتها منه وقيل فرحة بما وفق له من إتمام الصوم الموعود عليه بالثواب وهو قوله: وفرحة عند لقاء ربه لما يرى من جزيل ثوابه. وقوله: ولخلوف بضم الخاء وفتحها لغتان وهو تغير طعم الفم وريحه لتأخير الطعام ومعنى كونه أطيب عند الله من ريح المسك هو الثناء على الصائم والرضا بفعله، لئلا يمتنع من المواظبة على الصوم الجالب للخلوف والمعنى أن خلوف فم الصائم أبلغ عند الله في القبول من ريح المسك عند أحدكم. قوله: الصيام جنة أي حصن من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة فلا يواقع المعاصي قوله فلا يرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الإنسان من المرأة، وقيل: هو التصريح بذكر الجماع. والصخب الضجر والجلبة والصياح (ق) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيام يقال أين الصائمون فيقومون. لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه أحد وفي رواية إن في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلاّ الصائمون" تفسير : عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به قال: "حديث : عليك بالصوم فإنه لا مثل له" تفسير : وفي رواية: "حديث : أي العمل أفضل فقال عليك بالصوم فإنه لا عدل له" تفسير : أخرجه النسائي.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ...}. ابن عطية انظره وأبا حيان. قال ابن عرفة: نقل الآمدي في شرح/ الجزولية عن السهيلي أنك إذا قلت: صمت رمضان كان العمل في كله، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : وإذا قلت: صمت في شهر رمضان كان العمل في بعضه بدليل هذه الآية. قال ابن عرفة: يرد بأن الفعل في الآية لم يتعد إليه بنفسه بل بواسطة "في" لقوله {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} وما كان يتم له الاستدلال إلا لو كان تعدى إليه الفعل بنفسه. ونقل بعضهم عن شرح المقرب لابن عصفور أنك إذا قلت صمت رمضان أو شهرا، فالعمل في كله وإن قلت: صمت شهر رمضان فهو محتمل لتخصيصه بالإضافة ولم يرضه ابن عطية. قال الضحاك: أُنزِلَ القُرآنُ في (فرضه) وتعظيمه والحض عليه، وقيل: الذي أنزل القرآن فيه. قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيما له وتشريفا ولم يمدح القرآن بما مدح به الشهر لأن فضله معلوم. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا. قال ابن عرفة: فالقرآن على هذا الاسم للكل وعلى القول الثاني بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير. قوله تعالى: {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ...}. قال ابن عطية: الألف واللام في "الهدى" للعهد والمراد به الأول. قال ابن عرفة: إن كانت "مِنَ" لبيان الجنس فالألف (واللاّم) للعهد في الشخص وإن كانت للتبعيض فهي للعهد في جنس فيكون القرآن نوعا من أنواع جنس الهدى. قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...}. قال الزمخشري: فمن حضر المدينة في الشهر. قال ابن عرفة: خشي أن يترك الآية على ظاهرها لأن ظاهرها وجوب الصوم على حاضر الشهر مع أنه ينقسم إلى حضري وإلى مسافر (فتأولها) على أن المراد حاضر المصر في الشهر والّذي فر منه وقع فيه، لأن حاضر المصر في الشهر ينقسم (أيضا) إلى صحيح وإلى مريض، وظاهر الآية وجوب الصوم على الجميع فإن قال: خرج ذلك بالنّص عليه في الآية الثانية. قلنا: وكذلك المسافر خرج بالنّص عليه. وقيل: من شهد هلال الشهر. قال ابن عطية: وقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام، وإنّما يفطر في السّفر من دخل عليه رمضان وهو مسافر. قال ابن عرفة: انظر هذا مع قول ابن بشير: "لا خلاف بين الأمة أن السفر من مقتضيات الفطر على الجملة". قلت: وكان سيدنا الشيخ أبو العباس أحمد بن ادريس رحمه الله تعالى يقول: هذه الآية تدل على أن المسافر غير مأمور بالصّوم لأن "شهد" بمعنى حضر والمسافر ليس بحاضر وقالوا إذا صامه فإنه يجزيه ويكون أداء، وقالوا في العبد: إنّ الحج ساقط عنه فإن حج ثم عتق لم يجزه عن حجة الفريضة، فحينئذ نقول: فعل العبادة قبل وجوبها إن كانت عندكم نفلا سدّ مسدّ الفرض. قال: والجواب عن ذلك أن المسافر مأمور بالقضاء لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وذلك دليل على أن إباحة الفطر له (إنما هو رخصة) لا لكون السفر مانعا من الصوم بخلاف العبد فإنه إن عتق فلا يزال مطلوبا بالحج وإذا فعله بعد العتق كان أداء لأنّه أوقعه في وقته وهذا إن أدركه الصوم في السفر ثم حضر وفعله كان قضاء. قلت: هذا لا يلزم إلا إذا جعلنا الشّهر من قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ظرف زمان لأنه على تقدير "في" والمسافر لم يحضر في الشهر، ويحتمل أن يكون "الشهر" مفعولا به فلا يلزم هذا السؤال لأن المسافر حضره وفرق بين قوله حضره وحضر فيه. وذكرته لشيخنا ابن ادريس فوافقني عليه. قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. قال ابن عرفة: المتعذر هو الذي لايمكن فعله ولو بمشقة والمتعسر هو الذي يمكن فعله بمشقة. قال: في الآية إشكال وهو أن متعلق الإرادة إما فعل أو حكم. والأول: باطل بالمشاهدة لأن الله تعالى يفعل الخير والشر وقد رأينا بعض الناس في الخير وبعضهم في الشر. والثاني، باطل لأنه يلزم عليه أن يكون حكم الله تعالى مرادا فيكون حادثا (إذ) من شأن الإرادة التخصيص، مع أن الحكم راجع إلى كلامه القديم الأزلي والتخصيص يستلزم الحدوث. (قيل) لابن عرفة: يقال المراد الحكم باعتبار متعلقه وهو الحكم المتعلق التنجيزي لا (الصلوحي)؟ قال ابن عرفة: قد تكرر أنّ الصحيح أنّ التعلق صفة نفسية والتعلق التنجيزي حادث، فإن حكمنا لموصوف بحكم صفته لزم عليه حدوث حكم الله تعالى، وإن لم يحكم له بحكمها لزم عليه مفارقة الصفة (النفسية) لموصوفها، والأمران باطلان. قيل له: نقول إن الإرادة متعلقة بالحكم؟ فقال: قد تقرر الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة؟ والتحقيق أنه إن أريد به التعلق التنجيزي فهي/ مؤثرة كالقدرة، ومعنى التخصيص فيها كون الشيء على صفة خاصة في وقت معين، وإن أريد به التعلق الصلاحي فهى غير مؤثرة كالعلم فإنه يتعلق ولا يؤثر وهو اختيار المقترح. قيل لابن عرفة: لعل المراد الحكم التكليفي وهو يسر لاعسر؟ فقال: هذا تخصيص والآية عامة. قيل له: (الحكم) أبدا لايمكن أن يكون إلا مرادا، وليس هناك حكم غير مراد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد؟ فقال: الحكم موافق (للإرادة) أي مقارن لها لأنه مراد كما نقول العلم مقارن للإرادة وليس متعلقا بها. قال ابن عرفة: الجواب عن الإشكال لا يكون إلا بأنّ (يشرب) يريد معنى يحكم أي يحكم الله عليكم باليسر لا بالعسر ولا سيما إن قلنا: إن تكليف ما لا يطاق غير جائز أو جائز غير واقع. فإن قلت: قوله {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} عام فيقتضي عموم متعلق الإرادة باليسر. فقوله تعالى: {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تأكيد فلا فائدة له. قلنا: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ} ليس جملة مثبتة، فهي مطلته لا تعم، {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ}، (فعل منفي) فيعم. قال: والعسر واليسر (تجنيس) مختلف مثل {أية : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْه }. تفسير : قال ابن عطية: وقال مجاهد (والضحاك): اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر. قيل لابن عرفة: يلزم أن يكون الصوم في السفر غير مأمور به. فقال: هذا مذهب المعتزلة، لأنهم يجعلون الأمر نفس الإرادة وإنّما معنى الآية: يريد الله بكم إباحة الفطور ولا يريد بكم وجوب الصوم. لأن الوجوب والإباحة قسمان من أقسام الحكم الشرعي. قلت: وتقدم في الختمة الأخرى لابن عرفة أنه لا يمكن أن تحمل الإرادة هنا على حقيقتها لأنّ المريض (الذي) بلغ الغاية في المرض والمحبوس المعسر بالنفقة، قد أريد بهم العسر فترجع الإرادة إلى باب التكليف وقد قال {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }. تفسير : قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. منهم من قال: إنه أمر. قيل لابن عرفة: قول الله جل جلاله {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يغني عنه لأنه يفيد أنه (يقضي) أياما على عدد ما فاته؟ فقال: أفاد هذا الأمر بإكمالها وهو الإتيان بها على وجهها موفاة كما قالوا: إنّ (الصائم) يأخذ جزءا من أول الليّل في أول النّهار وجزْءا من آخره يتحرّاه لأنه مما لا يتوصل إلى الواجب إلا به.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}: الشَّهْرُ: مشتقٌّ من الاشتهار. قال: * ص *: الشهر مصْدَرُ: شَهَر يَشْهر، إِذا ظهر، وهو اسم للمدَّة الزمانيَّة، وقال الزجَّاج: الشَّهْر: الهلالُ، وقيل: سمِّي الشهْرُ باسمِ الهلالِ. انتهى. ورَمَضَانُ: عَلِقَهُ هذا الاسمُ من مُدَّة كان فيها في الرَّمَضِ، وشدَّة الحَرِّ، وكان اسمه قبل ذلك نَاثراً. واختلف في إنزال القرآن فيه، فقال الضَّحَّاك: أنزل في فَرْضِهِ، وتعظيمِهِ، والحضِّ عليه، وقيل: بدىء بنُزُوله فيه علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقال ابنُ عبَّاس فيما يؤثر: أنزل إِلى السماء الدنيا جملةً واحدةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ من رمَضَان، ثم كان جبريلُ ينزله رِسْلاً رِسْلاً في الأوامر، والنواهي، والأسباب، وروى وَاثِلَةٌ بن الأَسْقَعِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: « حديث : نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالتَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْهُ، وَالإِنْجيلُ لِثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَالْقُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ » تفسير : و {هُدًى} في موضع نصبٍ على الحال من القُرآن، فالمراد أن القرآن بجملته مِنْ مُحْكَمٍ ومتشابِهٍ وناسخٍ ومنسوخٍ - هُدًى ثم شُرِّفَ، بالذِّكْر، والتخصيصِ البيناتُ منه، يعني: الحلالَ والحرامَ والمواعظَ والمُحْكَمَ كلّه، فالألفُ واللامُ في الهُدَىٰ للعهْدِ، والمراد الأول. قال: * ص *: {هُدًى}: منصوبٌ على الحال، أي: هادياً، فهو مصدرٌ وضع موضعَ ٱسْمِ الفاعلِ، وذو الحال القُرآن، والعاملُ «أنزل». انتهى. و {ٱلْفُرْقَانُ}: المُفَرِّق بين الحق والباطل، و {شَهِدَ }: بمعنى حَضَر، والتقدير: مَنْ حضر المِصْرَ في الشَّهْر، فالشهر نصْبٌ على الظرف. وقوله سبحانه: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. قال مجاهد، والضَّحَّاك: اليُسْر: الفِطْر في السفر، والعسر: الصوم في السفر. * ع *: والوجْهُ عمومُ اللفظِ في جميع أمورِ الدينِ، وقد فسر ذلك قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:« حديث : دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ». تفسير : قلتُ: قال ابْنُ الفاكهانيِّ في «شرح الأربعينَ» للنَّوويِّ: فإِن قلْتَ: قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً..} تفسير : [الشرح:6] الآيةَ، يدلُّ على وقوع العُسْر قطعاً، وقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} يدلُّ على نفي العسرِ قطعاً؛ لأن ما لا يريده تعالى، لا يكون بإجماع أهل السنة، قلْتُ: العسرُ المنفيُّ غير المثبت، فالمنفيُّ: إنما هو العسر في الأحكام، لا غير، فلا تعارض. انتهى. وترجم البخاريُّ في «صحيحه» قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا»تفسير : ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ. ثم أسند هو ومسلمٌ عن أنس، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تْنَفِّرُوا»تفسير : وأسند البخاريُّ ومسلم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال لأبِي مُوسَىٰ، ومعاذٍ: «حديث : يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا»تفسير : قال البخاريُّ: حدَّثنا أبو النعمان، قال: حدَّثنا حمَّاد بْنُ زَيْدٍ، عن الأزرقِ بْن قَيْسٍ. قال: «حديث : كُنَّا عَلَىٰ شَاطِىءِ نَهْرٍ بِالأَهْوَاز قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَىٰ فَرَسٍ، فَصَلَّىٰ وَخَلَّىٰ فَرَسَهُ، فَٱنْطَلَقَ الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ، وَتَبِعَهَا؛ حَتَّىٰ أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَضَىٰ صَلاَتَهُ، وفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: ٱنْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مْنْزَاحٌ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ»تفسير : ، وذكَر أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَرَأَىٰ من تَيْسِيرِهِ. انتهى. وقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ }: معناه: ولْيُكْمِلْ من أَفْطَرَ في سفره، أو في مرضه عدَّةَ الأيام التي أفطر فيها. وقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ } حضٌّ على التكبير في آخر رمضان. قال مالكٌ: وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المُصَلَّىٰ، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ؛ ثلاثاً. ومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول: اللَّه أكبر كبيراً، والحمدُ للَّهِ كَثيراً، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلاً، وقيل غير هذا. والجميعُ حسنٌ وَاسعٌ مع البداءة بالتكبير. و {هَداكُمْ }: قيل: المرادُ: لِمَا ضَلَّ فيه النَّصَارَىٰ من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدَىٰ جيدٌ. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ترجٍّ في حق البَشَر، أي: علَىٰ نعم اللَّه في الهدَىٰ. * ص *: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلكِ انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ}: فيه قراءتان: المشهور الرفع، وفيه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ قولان: الأول: أنه قوله {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} ويكون قد ذَكَرَ هذه الجملة مُنَبِّهَةً على فضله ومنزلته، يعني أن هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن هو الذي فرض عليكم صومه. قال أبو عليٍّ: والأشبه أن يكون "الَّذِي" وصفاً؛ ليكون لفظ القرآن نصّاً في الأمر بصوم شهر رمضان؛ لأنَّك إن جعلته خبراً، لم يكن شهر رمضان منصوصاً على صومه بهذا اللفظ، وإنما يكون مخبراً عنه بإنزال القرآن الكريم فيه، وإذا جعلنا "الَّذِي" وصفاً، كان حقُّ النظم أن يكني عن الشَّهر لا أن يظهر؛ كقولك: "شَهْرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ مَنْ شَهِدَهُ فَلْيَصُمْهُ". والقول الثاني: أنه قوله {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وتكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، وليست هذه الفاء التي تزاد في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وإن كان بعضهم زعم أنها مثل قوله: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}تفسير : [الجمعة: 8] وليس كذلك؛ لأن قوله: {ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} يُتَوَهَّمُ فيه عمومٌ؛ بخلاف شهر رمضان، فإن قيل: أين الرابط بين هذه الجملة وبين المبتدأ؟ قيل: تكرار المبتدأ بلفظه؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 938 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْء ......................... تفسير : وهذا الإعراب - أعني كون "شَهْرُ رَمَضَانَ" مبتدأً - على قولنا: إن الأيام المعدودات هي غير شهر رمضان، أمَّا إذا قلنا: إنها نفس رمضان، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ. فقدَّره الفرَّاء: ذَلِكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وقدَّره الأخفش: المكتوب شهر رمضان. والثاني: أن يكون بدلاً من قوله "الصِّيَامُ"، أي: كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رمَضَانَ، وهذا الوجه، وإن كان ذهب إليه الكسائيُّ بعيدٌ جدّاً؛ لوجهين: أحدهما: كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنَّه لا يكون إذا ذاك إلاَّ من بدل الإشمال، وهو عكس بدل الاشتمال، لأنَّ بدل الاشتمال غالباً بالمصادر؛ كقوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 217]، وقول الأعشى: [الطويل] شعر : 939 - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأمُ سَائِمُ تفسير : وهذا قد أُبْدِلَ فيه الظرفُ من المصْدَرِ، ويمكن أن يُوَجَّهَ قوله بأنَّ الكلامَ على حذفِ مضافٍ، تقديره: صيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وحينئذٍ: يكون من باب بَدَلِ الشَّيء من الشَّيْءِ، وهما لعينٍ واحدة، ويجوزُ أن يكون الرَّفع على البدلِ من قوله "أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ" في قراءة من رَفَعَ "أيَّاماً"، وهي قراءة عبد الله، وفيه بُعْدٌ. والقراءة الثانية: النصْبُ، وفيه أوجهٌ: أجودها: النصبُ بإضمار فعلٍ، أي: صُوموا شَهْر رَمَضَانَ. الثاني - وذكره الأخفشُ والرُّمَّانِيُّ -: أن يكون بدلاً من قوله "أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ"، وهذا يُقَوِّي كون الأيام المعدُودَاتِ هي رمضان، إلا أن فيه بُعْداً من حيث كثرةُ الفَصْلِ. الثالث: نَصْبُه على الإغراء؛ ذكره أبو عُبَيْدة والحُوفِيُّ. الرابع: أن ينتصبَ بقوله: "وأنْ تَصُومُوا"؛ حكاه ابن عطية، وجوَّزه الزمخشريُّ، واعترض عليه؛ بأن قال: فَعَلى هذا التقدير يصير النَّظم: "وَأَنْ تَصُومُوا رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ خَيْرٌ لَكُمْ" فهذا يقتضي وقوعَ الفَصْل بين المبتدأ والخَبَر بهذا الكَلامَ الكثير، وهو غَيْرُ جائزٍ؛ لأنَّ المبتدأ والخَبَر جاريان مَجْرَى شيءٍ واحدٍ، وإيقاع الفصْلِ بين الشَّيءِ الواحد غيرُ جائزٍ. وغلَّطَهُما أبو حيان: بأنَّه يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الموصول وصلته بأجنبيٍّ، لأنَّ الخبر، وهو "خَيْرٌ" أَجْنَبِيٌّ من الموصول، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصول، إلاَّ بعد تمام صلتِهِ، و"شَهْر رَمَضَانَ" على رأيهم من تمام صلة "أَنْ"، فامتنع ما قالوه، وليس لقائل أن يقول: يتخرَّجُ ذلك على الخلاف في الظَّرف، وحرف الجَرِّ، فإنه يُغْتَفَرُ فيه ذلك عند بعضهم؛ لأنَّ الظاهر من نصبه هنا أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ". الخامس: أنه منصوبٌ بـ"تَعْلَمُونَ"؛ على حذف مضافٍ، تقديره: تعلمونَ شرفَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامَهُ في الإعراب. وأدغم ابو عمرو رَاءَ "شَهْر" في راء "رَمَضَان"، ولا يُلْتَفَتُ إلى من استضعفها؛ من حيث إنَّه جمع بين ساكنين على غير حدَّيهما، وقول ابن عطيَّة: "وذلك لا تقتضيه الأصول" غير مقبولٍ منه؛ فإنَّه إذا صَحَّ النقل، لا يُعارضُ بالقِياس. والشهر لأهْلِ اللُّغة فيه قولان: أشهرهما: أنه اسمٌ لمُدَّة الزمان التي يكون مَبْدَأَها الهلالُ خافياً إلى أن يَسْتَسِرَّ؛ سُمِّيَ بذلك لشُهْرَتِهِ في حاجة الناس إليه من المعاملات، والصوم، والحجِّ، وقضاء الدُّيُون، وغيرها. والشَّهر مأخذوذٌ من الشُّهْرَة، يُقَالُ: شَهَر الشَّيْءَ يَشْهَرُهُ شَهْراً: إذا أظهره، ويسمَّى الشَّهْرُ: شَهْراً، لشُهْرَة أمره، والشُّهْرَة: ظهورُ الشيءِ، وسمي الهلال شهراً؛ لشُهْرته. والثاني - قاله الزَّجَّاج -: أنه اسمٌ للهلال نفسه؛ قال: [الكامل] شعر : 940 -................... وَالشَّهْرُ مِثْلُ قُلاَمَةِ الظُّفْرِ تفسير : سُمِّي بذلك؛ لبيانه؛ قال ذو الرُّمَّةِ: [الطويل] شعر : 941 -.................. يَرَى الشَّهْرَ قَبْلَ النَّاسِ وَهْوَ نَحِيلُ تفسير : يقولون: رأيتُ الشهْرَ، أي هِلاَلَهُ، ثم أُطلِقَ على الزمان؛ لطلوعه فيه، ويقال: أشْهَرْنَا، أي: أتى علينا شَهْرٌ، قال الفَرَّاءُ: "لَمْ أَسْمَعْ فَعْلاً إلاَّ هذا". فصل قال الثَّعلبي: "يُقَالُ: شَهَرَ الهِلاَلُ، إذَا طَلَعَ"، ويُجْمَعُ في القلَّة على أشهرٍ، وفي الكثرة على شُهُورٍ، وهما مقيسان. ورَمَضَانُ: عَلَمٌ لهذا الشَّهر المخْصُوص، وهو علم جنسٍ، وفي تسميته برمضان أقوالٌ: أحدها: أنَّه وافق مجيئه في الرَّمضاء - وهي شِدَّةُ الحَرِّ - فَسُمِّيَ هذا الشَّهْرَ بهذا الاسم: إما لارتماضهم فيه من حَرِّ الجوع، أو مقاساة شدَّته؛ كما سمَّوه تابعاً؛ لأنه يتبعهم فيه إلى الصَّوم، أي: يزعجهم لشدَّته عليهم، وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : صَلاَةُ الأَوَّابِينَ، إذَا رَمِضَتِ الفِصَالُ"تفسير : أخرجه مسلم، ورَمَضَ الفِصَالُ، إذا حرَّق الرَّمْضَاء أحقافها، فتبْرُكُ من شدَّة الحَرِّ. يقال: إنَّهم لما نقلوا أسماء الشُّهُور عن اللُّغَةِ القديمةِ، سمَّوها بالأزمنة الَّتي وقعت فيها، فوافق هذا الشَّهْرُ أيَّام رَمَضِ الحَرِّ، [فسُمِّيَ به؛ كَرَبِيع؛ لموافقته الربيعَ، وجُمَادى؛ لموافقته جُمُودَ الماء، وقيل: لأنه يُرْمِضُ الذنوب، أي: يَحْرِقُها، بمعنى يَمْحُوها]. روي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "حديث : إنَّما سُمِّيَ رَمَضَانَ، لأنَّهُ يُرْمِضُ ذُنُوبَ عِبَادِ اللَّهِ " تفسير : وقيل: لأنَّ القلوبَ تَحْتَرِقُ فيه من الموعظة، وقيل: من رَمَضْتُ النَّصْلَ أَرْمُضُهُ رمضان إذا دققته بين حجرين، ليرقَّ يقال: نَصْلٌ رَمِيضٌ ومَرْمُوضٌ. وسُمِّيَ هذا الشَّهْرُ رَمَضَانَ؛ لأنهم كانوا يَرْمُضُون فيه أسلحتَهُمْ؛ ليقضوا منها أوطارهم؛ قاله الأزهريُّ. قال الجوهريُّ: وَرَمَضَانُ: يُجمع على "رَمَضَانَات" و "أَرْمِضَاء" وكان اسمه في الجاهلية نَاتِقاً، أنشد المُفَضَّل: [الطويل] شعر : 942أ - وَفي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَةِ الوَغَى وَوَلَّتْ عَلَى الأَدْبَارِ فُرْسَانُ خَثْعَمَا تفسير : وقال الزمخشري: "الرَّمَضَانُ مَصْدَرُ رَمِضَ، إذَا احترَقَ من الرَّمْضَاءِ" قال أبو حيَّان: "وَيَحْتَاجُ في تحقيقِ أنَّه مصدرٌ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ، فإن فَعَلاَناً ليس مصدر فَعِلَ اللازم، بل إن جاء منه شَيْءٌ كان شاذاً"، وقيل: هو مشتقٌّ من الرَّمِض - بكسر الميم - وهو مَطَرٌ يأتي قبل الخريف يُطَهِّر الأرض من الغُبَار، فكذلك هذا الشهرُ يُطَهِّر القلوبَ من الذُّنُوب ويغسلها. وقال مجاهدٌ: إنه اسم الله تعالى، ومعنى قول لقائل: "شَهْرُ رَمَضَانَ"، أي: شَهْرُ اللَّهِ، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: حديث : لا تَقُولُوا: جَاءَ رَمَضَانُ، وذَهَبَ رَمَضَانُ، ولَكِنْ قُولُوا: جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ؛ وَذَهَبَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى تفسير : قال القُرْطُبِيُّ: "قال أهْلُ التَّاريخِ: إنَّ أوَّلَ مَنْ صَامَ رمَضَانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلام - لمَّا خَرَجَ من السَّفينة"، وقد تقدَّم قوم مجاهدٍ: "كَتَبَ اللَّه رمَضَانَ عَلَى كُلِّ أمَّة" ومعلومٌ أنَّه كان قبل نوحٍ - عليه السَّلام - أُمَمٌ؛ فالله أعلم. والقرآن في الأًصل مصدر "قَرَأْتُ"، ثم صار علماً لما بين الدَّفَّتَيْنِ؛ ويُدلُّ على كونه مصدراً في الأصل قول حسَّانٍ في عثمان - رضي الله عنهما -: [البسيط] شعر : 942ب - ضَحَّوْا بأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا تفسير : وقيل: القرآن من المصادر، مثل: الرُّجْحَان، والنُّقْصَان، والخُسْرَان، والغُفْرَان، وهو من قرأ بالهمزة، أي: جمع؛ لأنه يجمع السُّور، والآيات، والحكم، والمواعظ، والجمهورُ على همزه، وقرأ ابن كثيرٍ من غير همزٍ، واختلف في تخريج قراءته على وجهين: أظهرهما: أنه من باب النَّقل؛ كما يَنْقُل وَرْشٌ حركة الهمزة إلى السَّاكن قبلها، ثم يحذفها في نحو: {أية : قَدْ أَفْلَحَ}تفسير : [المؤمنون: 1]، وهو وإن لم يكن أصله النَّقْلَ، إلا أنَّه نَقَلَ هنا لكثرة الدَّوْرِ، وجمعاً بين اللُّغَتَيْنِ. والثاني: أنه مشتقٌّ عنده من قَرَنْتُ بين الشيئين، فيكون وزنه على هذا "فُعَالاً" وعلى الأول "فُعْلاَناً" وذلك أنه قد قُرِنَ فيه بين السُّوَر، والآياتِ، والحِكَمِ، والمواعِظِ. وقال الفَرَّاء: أَظُنَّ أنَّ القرآن سُمِّي من القرائن، وذلك أنَّ الآيات يُصَدِّقُ بعضها بعضاً على ما قال تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء: 82]. وأما قول من قال: إنَّه مشتقُّ من قَرَيْتُ الماء في الحوض، أي: جمعته، فغلطٌ؛ لأنَّهما مادَّتان متغايرتان. وروى الواحدُّ في "البسيط" عن محمَّد بن عبد الله بن الحكم، أنَّ الشافعيَّ - رضي الله عنه - كان يقول القُرْآنُ اسْمٌ، ولَيْسَ بمهموزٍ، ولم يُؤْخَذ من "قَرَأْتُ"، وإنما هو اسمٌ لكتاب الله؛ مثل التوراة والإنجيل، قال: ويهمز قراءة، ولا يهمز القرآن، كما يقول: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءَانَ}تفسير : [الإسرء: 45] قال الواحديُّ - رحمه الله -: وقول الشافعيِّ - رضى الله عنه - أَّنه اسمٌ لكتاب الله تعالى، يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتقٍّ، والذي قال بأنَّه مشتقٌّ من القرء، وهو الجمع، أي: جمعته، هو الزَّجَّاج وأبو عُبَيْدة، قالا: إنَّه مأخوذٌ من القُرْء وهو الجمع. قال عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: شعر : 943أ -...................... هِجَانِ اللَّوْن لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا تفسير : أي: لم تجمع في رحمها ولداً، ومن هذا الأصل: قُرْءُ المرأة، وهو أيَّام اجتماع الدَّم في رحمها، فسُمِّي القرآن قُرْآناً، لأنه يجمع السُّور وينظمها. وقال قُطْرُب: سُمِّيَ قرآناً؛ لأنَّ القارئ يكتبه، وعند القراءة كأنَّه يلقيه من فيه أخذاً من قول العرب: ما قرأت النَّاقة سلى قطُّ، أي: ما رَمَتْ بِوَلَدٍ، وما أسْقَطَتْ ولداً قَطُّ، وما طَرَحَتْ، وسُمَّيَ الحَيْضُ قراءاً بهذا التَّأويل، فالقرآن [يلفظه القارئ] من فيه، ويلقيه، فسُمِّيَ قُرْآناً. و"القُرآنُ" مفعول لم يُسَمَّ فاعله؛ ثم إنَّ المقروء يُسَمَّى قرآناً؛ لأن المفعول يسمَّى بالمصدر؛ كما قالوا للمَشْرُوبِ شَرَابٌ، وللمكْتُوب كِتَابٌ. واشتهر هذا الاسمُ في العُرْف؛ حتَّى جعلوه اسماً لكتاب الله تعالى على ما قاله الشَّافِعيُّ - رضي الله عنه. ومعنى {أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}، أي: ظَرْفٌ لإنزاله. قيل: "نَزَلَتْ صُحُف إبراهيم في أوَّل يومٍ من رمَضَانَ، وأُنزلت التوراة لستٍّ مَضَيْنَ، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين. فإن قيل: إنَّ القرآن نَزَلَ عَلَى محمَّد صلى الله عليه وسلم في مُدَّة ثلاثٍ وعشرين سَنَةً مُنَجَّماً مُبَعَّضاً، فما معنى تخصيص إنزاله برَمَضَان؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ القرآن أُنزل في ليلة القدر جملةً إلى سماء الدنيا، ثُمَّ نَزَل إلى الأرض نُجُوماً. روى مقسّم عن ابن عبَّاسٍ أنه سُئِلَ عن قوله عزَّ وجلَّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} وقوله {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]، وقوله {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}تفسير : [الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشُّهُور، وقال عزَّ وجلَّ: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ}تفسير : [الإسراء: 106] فقال: أُنْزِلَ القرآن جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزَّة في السماء الدُّنيا، ثم نزل به جبريل - عليه السَّلام - على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً في ثلاث وعشرين سنة، فذلك قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}تفسير : [الواقعة: 75] وقال داود بن أبي هندٍ: قلت للشَّعبيِّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ} أما كان ينزل في سائر السنَّة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمَّداً صلى الله عليه وسلم في رمضان ما أنزل الله إليه فيحكم الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وينسيه ما يشاء. وروي عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُنْزِلَتْ صُحُفُ إبْرَاهيمَ في ثَلاَثِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرَ رَمَضَانَ"تفسير : ويُروى: "حديث : في أَوّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ"تفسير : وأُنْزِلَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى في سِتِّ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ إنْجِيلُ عِيسَى في ثَلاَثَ عَشَرَةَ ليلة مِنْ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ زَبُورُ دَاوُدَ في ثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ الفُرْقَانُ عَلَى محمَّد صلى الله عليه وسلم لأرْبَع وعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، ولستٍّ بَقِينَ بَعْدَهَا، وسنذكر الحكمة في إنزاله منجماً مفرَّقاً في سورة "الفُرْقَان" عند قوله: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}تفسير : [الفرقان: 32]. والجواب الثاني: أن المراد منه: أنَّ ابتداء نزوله ليلة القدر من شَهْر رمَضَانَ، وهو قول محمَّد بن إسحاق؛ وذلك لأنَّ مبادئ الملل والدُّول هي الَّتي يؤرَّخ بها؛ لكونها أشرف الأوقات، ولأنَّها أيضاً أوقاتٌ مضبوطةٌ. واعلم أن الجواب الأول حمل للكلام على الحقيقة، وفي الثاني: لا بُدَ من حمله على المجاز؛ لأنَّه حمل للقرآن على بعض أجزائه. روي أن [عبد الله بن] عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - استدلَّ بهذه الآية الكريمة، وبقوله {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] على أن ليلة القدر لا تكون إلاَّ في رمضان، وذلك لأنَّ ليلة القدر، إذا كانت في رمضان، وكان إنزاله في ليلة القدر إنزالاً في رمضان، وهذا كمن يقول: "لَقِيتُ فُلاناً في هَذَا الشَّهْرِ"، فيقال له: في أيِّ يوم منه؟ فيقول: في يوم كذا، فيكون ذلك تفسيراً لكلامه الأول وقال سفيان بن عُيَيْنَةَ: "أُنْزلَ فِيهِ القُرآنُ"، معناه: أُنْزِلَ، في فضله القرآن، وهذا اختيار الحسين بن الفضل؛ قال: وهذا كما يقال: "أُنْزِلَ في الصِّدِّيق كَذَا آيةً" يُرِيدُونَ في فضله. قال ابن الأنباريِّ: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن الكريم؛ كما يُقَالُ أنزل الله في الزَّكَاة آية كَذَا؛ يريدون في إيجابها وأنزل في الخمر، يريدون في تحريمها. فصل قد تقدَّم في قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}تفسير : [البقرة: 23] أنَّ التنزيل مختصٌّ بالنُّزُول على سبيل التَّدريج، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ولهذا قال تبارك وتعالى: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ}تفسير : [آل عمران: 3] إذا ثبت هذا، فنقول: لَمَّا كان المراد ها هنا من قوله "شَهْرُ رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ" إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدُّنيا - لا جرم ذكره بلفظ "الإنزال" دون "التَّنزيل"، وهذا يدلُّ على أن هذا القول راجحٌ على سائر الأقوال. قوله "هُدًى" في محلِّ نصبٍ على الحالِ من القرآن، والعامل فيه "أُنزِلَ" وهُدىً مصدرٌ، فإمَّا أن يكون على حذف مضافٍ، أي: ذا هدًى، أو على وقوعه موقع اسم الفاعِلِ، أي: هادِياً، أو على جعله نفس الهُدَى مبالغةً. قوله: "لِلنَّاسِ" يحوز فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ"هُدىً" على قولنا بأنه وقع موقع "هَادٍ"، أي: هادياً للناس. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ للنكرة قبله، ويكون محلُّه النَّصب على الصفة، ولا يجوز أن يكون "هُدَى" خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: "هُوَ هُدًى"؛ لأنه عطف عليه منصوبٌ صريحٌ، وهو: "بَيَّنَاتٍ"؛ و"بَيِّنَاتٍ" عطفٌ على الحال، فهي حالٌ أيضاً وكلا الحالين لازمةٌ؛ فإنَّ القرآن لا يكون إلا هُدًى وبيناتٍ، وهذا من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، لأنَّ الهدى يكون بالاشياء الخفيَّة والجليَّة، والبَيِّنَاتُ من الأشياء الجَليَّة. فإن قيل: ما معنى قوله {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} بعد قوله: "هُدًى". فالجواب من وجوه: الأول: أنه تبارك وتعالى ذكر أولاَّ أنه هُدًى، ثمَّ الهُدَى على قسمين: تارةً: يكون هدىً للنَّاس بيِّناً جَليَّاً. وتارةً: لا يكون كذلك. والقسم الأول: لا شكَّ أنَّه أفضل؛ فكأنه قيل: هو هدًى؛ لأنه هو البيِّن من الهدى، والفارق بين الحقِّ والباطل، فهذا مِنْ باب ما يُذكَر الجنْسُ، ويعطف نوعه عليه؛ لكونه أشرف أنواعه، والتقدير: كأنه قيل: هذا هُدىً، وهذا بَيِّنٌ من الهدى، وهذا بيِّناتٌ من الهُدَى، وهذا غاية المبالغة. الثاني: أن يقال: القرآن هدىً في نفسه، ومع كونه كذلك، فهو أيضاً بيِّناتٌ من الهُدَى والفرقان، والمراد: بـ"الهُدَى والفُرْقَانِ" التوراة والإنجيل؛ قال تعالى: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنْزَلَ ٱلْفُرْقَانَ}تفسير : [آل عمران 3 - 4] وقال {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الأنبياء: 48] فبيَّن تعالى أنَّ القرآن مع كونه هُدىً في نفسه، ففيه أيضاً هدًى من الكتب المتقدِّمة التي هي هدًى وفرقانٌ. الثالث: أن يحمل الأوَّل على أصول الدِّين، والهُدَى الثاني على فروع الدِّين؛ حتَّى يزول التَّكْرَار. قوله: {مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَان} هذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌ لقوله: "هُدًى وبَيِّناتٍ" فمحلُّه النصبُ، ويتعلَّق بمحذوفٍ، أي: إنَّ كون القرآن هُدىً وبيَّنات هو من جملة هُدَى الله وبَيِّنَاتِهِ؛ وعَبَّر عن البيِّنات بالفُرْقان، ولم يأت "مِنْ الهَدَى وَالبَيِّنَاتِ" فيطابق العجزُ الصَّدْرَ؛ لأنّ فيه مزيد معنًى لازم للبيان، وهو كونه يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطل، ومتى كان الشيءُ جَلِيّاً واضحاً، حصل به الفرقُ، ولأنَّ في لفظ الفرقان تَوَاخِيَ الفواصل قبله؛ فلذلك عبَّر عن البينات بالفرقان، وقال بعضهم: "المرادُ بالهُدَى الأوَّلِ ما ذكرنا من أنَّ المراد به أصول الديانات وبالثاني فروعها". وقال ابن عطية: "اللامُ في الهُدَى للعهد، والمرادُ الأوَّلُ، يعني أنه تقدَّم نكرةٌ، ثم أُعيد لفظها معرَّفاً بـ"أَلْ"، وما كان كذلك كان الثاني فيه هو الأول؛ نحو قوله:{أية : إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [المزمل: 15 - 16]، ومن هنا قال ابن عبَّاس: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" وضابطُ هذا أن يَحُلَّ محلَّ الثاني ضمير النكرة الأولى؛ ألا ترى أنه لو قيل: فعصاه، لكان كلاماً صحيحاً"؟ قال أبو حيان: "وما قاله ابن عطية لا يتأتَّى هنا؛ لأنه ذكر هو والمعربون أن "هُدىً" منصوبٌ على الحال، والحال وصفٌ في ذي الحال، وعطف عليه "وبيّنات"، فلا يخلو قول "مِنَ الهُدَى" - المراد به الهدى الأول - من أن يكون صفةً لقوله "هُدَى" أو لقوله "وَبَيِّنَاتِ" أو لهما، أو متعلِّقاً بلفظ "بَيِّنَاتٍ"، لا جائزٌ أن يكون صفةً لـ"هُدًى"؛ لأنه من حيث هو وصفٌ، لزم أن يكون بعضاً، ومن حيث هو الأول، لزم أن يكون إياه، والشيء الواحد لا يكون بعضاً كُلاًّ بالنسبة لماهيَّته، ولا جائزٌ أن يكون صفة لبيناتٍ فقط؛ لأنَّ "وَبَيِّنَاتٍ" معطوفٌ على "هُدىً" و "هُدىً" حال، والمعطوف على الحال حالٌ، والحالان وصفٌ في ذي الحال، فمن حيث كونهما حالين تخصَّص بهما ذو الحال؛ إذ هما وصفان، ومن حيث وصفت "بَيِّنَات" بقوله: "مِنَ الهُدَى" خصصناها به، فتوقَّف تخصيص القرآن على قوله: "هُدًى وبَيِّنَاتٍ" معاً، ومن حيث جعلت "مِنَ الهُدَى" صفةً لـ"بَيِّنَاتٍ"، وتوقَّف تخصيص "بَيِّنَاتٍ" على هُدَى، فلزم من ذلك تخصيص الشيء بنفسه، وهو محالٌ، ولا جائزٌ أن يكون صفةً لهما؛ لأنه يفسد من الوجهين المذكورين من كونه وصف الهُدَى فقط، أو بينات فقط. ولا جائزٌ أن يتعلَّق بلفظ "بَيِّنَاتٍ"؛ لأنَّ المتعلِّق قيدٌ في المتعلَّق به؛ فهو كالوصفِ؛ فيمتنع من حيث يمتنع الوصف، وأيضاً: فلو جعلت هنا مكان الهدى ضميراً، فقلت: منه - أي: من ذلك الهُدَى - لم يصحَّ؛ فلذلك اخترنا أن يكون الهدى والفرقان عامَّين، حتى يكون هُدى وبينات بعضاً منهما". قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} إلى قوله: {تَشْكُرُونَ} نقل الواحدِيُّ في "البسيط" عن الأخفش والمازنيِّ أنما قالا: الفاء في قوله {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ} زائدةٌ؛ قالا: وذلك لأنَّ الفاء قد تدخل للعطف، أو للجزاء، أو تكون زائدةً، وليس لكونها للعطف، ولا للجزاء هاهنا وجهٌ؛ ومن زيادة الفاء قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}تفسير : [الجمعة: 8]. قال: وأقول: يمكن أن تكون "الفاء" هاهنا للجزاء؛ فإنه تعالى لما بيَّن رمضان مختصًّا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشُّهور فيها، فبيَّن أنَّ اختصاصه بتلك الفضيلة يُنَاسِب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك، لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة، فأنتم أيضاً خصصتموه بهذه الفضيلة أي العبادة، وأما قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}تفسير : [الجمعة: 8] الفاء فيه غير زائدة أيضاً، بل هذا من باب مقابلة الضِّدِّ بالضدِّ؛ كأنه قيل: لمَّا فرُّوا من الموت، فجزاؤهم أن يقرب الموت منهم؛ ليعلموا أنَّه لا يغني الحذر عن القدر. و"مَنْ" فيها الوجهان: أعني كونها موصولةً، أو شرطيةً، وهو الأظهر، و"مِنْكُم" في محلِّ نصب على الحال من الضمير المستكنِّ في "شَهِدَ" فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائِناً منكم، وقال أبو البقاء: "مِنْكُم" حالٌ من الفاعل، وهي متعلقةٌ بـ"شَهِدَ"، قال أبو حيان: "فَنَاقَضَ؛ لأنَّ جَعْلَها حالاً يوجب أن يكون عاملها محذوفاً، وجعلها متعلِّقة بـ"شَهِدَ" يوجب ألاَّ تكون حالاً" ويمكن أن يجاب عن اعتراض أبي حيَّان عليه بأنَّ مراده التعلُّق المعنويُّ، فإنَّ "كائناً" الذي هو عامل في قوله "مِنْكُم" هو متعلِّقٌ بـ"شَهِدَ" وهو الحالُ حقيقةً. وفي نَصْبِ "الشَّهْرِ" قولان: أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرف، والمراد بشَهِدَ: حَضَر، ويكون مفعولُ "شَهِدَ" محذوفاً، تقديره: فمن شَهِدَ منكُم المِصْرَ أو البلد في الشَّهْرِ. والثاني: أنه منصوب على المفعول به، وهو على حذف مضافٍ، ثم اختلفوا في تقدير ذلك المضاف: فالصحيح أنَّ تقديره: "دُخُولَ الشَّهْرِ"، وقال بعضهم: "هِلاَلَ الشَّهْرِ" قال شهاب الدين: وهذا ضعيفٌ؛ لوجهين: أحدهما: أنك لا تقول: شَهِدْتُ الهِلاَلَ، إنما تقول: شاهَدْتُ الهِلاَلَ. ويمكن أن يجاب بأنَّ المراد من الشُّهود: الحضُور. والثاني: أنه كان يلزم الصوم كل من شَهِدَ الهِلاَلَ، وليس كذلك، قال: ويجاب بأن يقال: نعم، الآية تدلُّ على وجوب الصوم على عموم المكلَّفين، فإن خرج بعضهم بدليل، فيبقى الباقي على العموم. قال الزمخشريُّ: "الشَّهْرَ" منصوبٌ على الظرف، وكذلك الهاء في "فَلْيَصُمْهُ" ولا يكون مفعولاً به؛ كقولك: شَهِدْتُ الجُمُعَةَ؛ لأنَّ المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشَّهْرِ" وفي قوله: "الهاء منصوبةٌ على الظرف" نظرٌ لا يخفى؛ لأن الفعل لا يتعدَّى لضمير الظرف إلاَّ بـ"فِي"، اللهم إلاَّ أن يتوسَّع فيه، فينصب نصب المفعول به، وهو قد نصَّ على أنَّ نصب الهاء أيضاً على الظرف. والفاء في قوله: "فَلْيَصَمْهُ": إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدةٌ في الخبر على حسب ما تقدَّم في "مَنْ". واللام لام الأمر، وقرأ الجمهور بسكونها، وإن كان أصلها الكسر، وإنما سكَّنوها؛ تشبيهاً لها مع الواو والفاء بـ"كَتِف"؛ إجراءً للمنفصل مجرى المتصل. وقرأ السُّلَمِيُّ وأبو حيوة وغيرهما بالأصل، أعني كسر لام الأمر في جميع القرآن. وفتح هذه اللام لغة سليمٍ فيما حكاه الفراء، وقيَّد بعضهم هذا عن الفراء، فقال: "مِنَ العَرَبِ مَنْ يَفتحُ اللام؛ لفتحةِ الياء بعدها"، قال: "فلا يكونُ على هذا الفتحُ إن انكسَرَ ما بعدها أو ضُمَّ: نحو: لِيُنْذِرْ، ولِتُكْرِمُ أنتَ خالداً". والألف واللام في قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ} للعهد، إذ لو أتى بدله بضميرٍ، فقال: "فَمَنْ شَهِدَه منْكُمْ" لصَحَّ إلا أنَّه أبرزه ظاهراً؛ تنويهاً به. فصل بي بناء القولين على مخالفة الظاهر قال ابن الخطيب واعلم أن كلا القولين أعني: كون مفعول "شَهِدَ" محذوفاً أو هو الشَّهر لا يتم إلاَّ بمخالفة الظاهر. أما الأوَّل: فإنَّما يتم بإضمار زائدٍ، وأمَّا الثاني: فيوجب دخول التخصيص في الآية الكريمة وذلك لأنَّ شهود الشَّهْر حاصلٌ في حقِّ الصبيِّ والمجنون والمسافر، مع أنَّ لم يجب على واحدٍ منهم الصَّوم إلاَّ أنا بيَّنا في "أُصُول الفِقْه" أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار، فالتخصيص أولى، وأيضاً، فلأنَّا على القول الأول، لما التزمنا الإضمار لا بُدَّ أيضاً من التزام التَّخْصيص؛ لأنَّ الصبيَّ والمجنون والمريض كلُّ واحدٍ منهم شهد الشَّهْرَ مع أنه لا يجبُ عليهم الصَّوم. فالقول الأول: لا يتمشى إلاَّ مع التزام الإضمار والتَّخصيص. والقول الثاني: يتمشى بمجرَّد التخصيص؛ فكان القول الثاني أولى، هذا ما عندي فيه، مع أن أكثر المُحَقِّقين كالواحديّ وصاحب الكشَّاف ذهبوا إلى الأوَّل. فصل قال ابن الخطيب قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} جملة مركَّبةٌ من شرطٍ وجزاءٍ، فالشَّرط هو {مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ}، والجزاء هو الأمر بالصَّوم وما لم يوجد الشرط بتمامه، لم يترتَّب عليه الجزاء، والشهر اسمٌ للزمان المخصوص من أوَّله إلى آخره، وشهودُ الشَّهر إنما يحصُلُ عند الجزء الأخير من الشَّهر، فظاهر الآية الكريمة يقتضي أنَّ عند شهود الجزء الأخير من الشَّهر يجب عليه صوم كل الشهر، وهذا محالٌ، لأنه يقتضي إيقاع الفعل في آخر الزَّمان المنقضي؛ وهو ممتنعٌ، وبهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، وأنه لا بُدَّ من صرفها إلى التأويل، وطريقه: أن يحمل لفظُ الشهر على جزء من أجزاء الشهر؛ فيصير تقديره: من شَهِدَ جزءاً من أجزاء الشَّهر، فليصم كلَّ الشهر، فعلى هذا: من شَهِدَ هِلاَل رمَضَان، فقد شهد جُزءاً من أجزاء الشَّهر، وعلى هذا التقدير، يستقيم معنى الآية، وليس فيه إلاَّ حَمْلُ لفظ الكل على الجزء، وهو مجازٌ مشهور. ولقائلٍ أن يقول: إنَّ الزجَّاج قال: إنَّ الشَّهْر اسمٌ للهلال نفسه؛ كما تقدَّم عنه، وإذا كان كذلك، فقد زال كُلُّ ما ذكره من ارتكاب المجاز وغيره. قال القرطبيُّ: وأعيد ذكر الشَّهر؛ تعظيماً له؛ كقوله {أية : ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ}تفسير : [الحاقة: 1 - 2]؛ وأنشد على أنَّه اسمٌ للهلال قول الشاعر: [الكامل] شعر : 943ب - أَخَوَانِ مِنْ نَجْدٍ عَلَى ثِقَةٍ وَالشِّهْرُ مِثْلُ قُلاَمَةِ الظُّفْرِ حتَّى تكامل في اسْتِدَارَتِهِ في أرْبَعٍ زَادَتْ عَلَى عَشْر تفسير : فصل روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّ من دخل عليه الشهر، وهو مقيمٌ ثم سافر فالواجب عليه الصَّوم، ولا يجوز له الفطر؛ لأنه شهد الشهر. وأما سائر الفُقَهَاء من الصَّحَابة وغيرهم، فقد ذهبوا إلى أنه إذا أنشأ السَّفَر في رمضان، جاز له الفطر، ويقولون: قوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وإن كان عامّاً يدخل فيه الحاضر والمسافر، إلاَّ أن قوله بعد ذلك: {فَمَنْ كَانَ مَرِيضاً، أوْ عَلَى سَفَرٍ، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامُ أُخَرَ} خاصٌّ، والخاصُّ مقدَّم على العامِّ. ذهب أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلى أنَّ المجنون، إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى. قال: لأنَّا دللنا على أنَّ الآية دلَّت على أنَّ من أدرك جزءاً من رمضان، لزمه صوم رمضان؛ فيكون صوم ما تقدَّم منه واجباً؛ فيجب قضاؤه فصل في كيفية شهود الشَّهْر شهود الشَّهر: إما بالرُّؤية أو بالسَّماع. أما الرؤية: فنقول: إذا رأى إنسانٌ هلال رمضان وحده، فإما أن يرد الإمام شهادته أولا؛ فإن ردَّت شهادته، وجب عليه الصَّوم؛ لأنَّه شهد الشَّهر، وإن قبل شهادته أو لم ينفرد بالرؤُية، فلا شك في وجوب الصَّوم. وأما السماع: فنقول: إذا شهد عدلان على رؤية الهلال، حكم به في الصَّوم والفطر جميعاً، وإذا شهد عدلٌ واحدٌ على رؤية هلال شوَّال، لا يحكم به، وإذا شَهِدَ على رؤية هلال رمضان يحكم به؛ احتياطاً لأمر الصَّوم، والفرق بينه وبين هلال شوَّال: أنَّ هلال رمضان للدُّخول في العبادة، وهلال شوَّالٍ للخروج من العبادة، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا اثنان. قال ابن الخطيب وعندي: أنه لا فرق بينهما في الحقيقة، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان؛ لكي يصوموا، ولا يفطروا؛ احتياطاً؛ فكذلك يقبل قول الواحد في هلال شوَّال؛ لكي يفطروا ولا يصوموا احتياطاً. فصل في حدِّ الصوم الصَّوم: هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائماً من أوَّل الفجر الصَّادق إلى غروب الشَّمس مع النِّيَّة. فقولنا: "إمساك" هو الاحتراز عن شيئين: أحدهما: لو طارت ذبابةٌ إلى حلقه، أو وصل غبارُ الطريق إلى باطنه، لا يبطل صومه؛ لأنَّ الاحتراز عنه شاقٌّ، وقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. والثاني: لو صُبَّ الطعام أو الشراب في حلقه كرهاً، أو حال النوم - لا يبطل صومه، والإكراه لا ينافي الإمساك. وقولنا "عَنِ المُفطرَاتِ" وهي ثلاثة: دخول داخلٍ، أو خروج خارجٍ، والجماعُ. وحدُّ الدخول: كلُّ عينٍ وصل من الظَّاهر إلى الباطن من مَنفَذٍ مفتوح إلى الباطن، إما إلى الدماغُ، وإما إلى البطن وما فيها من الأمعاء والمثانة، أما الدِّماغ فيحصل الفطر بالسّعُوط، وأما البطن، فيحصل الفطر بالحقنة؛ وأما الخروج، فالقيء [بالاختيار]، والاستمناء [يُبْطلانَ الصوم]، وأما الجماع فمبطلٌ للصَّوم بالإجماع. وقولنا "مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ صَائِماً" فلو أكل أو شرب ناسياً، لم يبطُل صومه عند أبي حنيفة، والشَّافعيِّ، وأحمد، وعند مالك يبطُلُ. وقولنا: "مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ"؛ لقوله تعالى: {أية : وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [البقرة: 187] وكلمة "حَتَّى"؛ لانتهاء الغاية. وكان الأعمش يقول: أول وقته إذا طلعت الشمس، وكان يبيحُ الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس؛ ويحتج بأنَّ انتهاء الصَّوم [من وقت] غروب الشمس، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون بطلوعها، وهذا باطلٌ بالنصِّ الذي ذكرناه. وحكي أن أبا حنيفة دخل على الأعمش يعوده، فقال له الأعمش: إنَّك لثقيلٌ على قلبي، وأنت في بيتك، فكيف إذا زرتني، فسكت عنه أبو حنيفة، فلمَّا خرج من عنده، قيل له: لم سكتَّ عنه؟ قال: فماذا أقول في رجلٍ ما صام ولا صَلَّى عمره، وذلك لأنه كان يأكل بعد الفجر الثَّاني قبل طلوع الشمس، فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإنزال، فلا صلاة له. وقولنا: "إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ"؛ لقوله عليه السلام: "حديث : إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ من هَا هُنَا وَأَدَبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"تفسير : ومن الناس من يقول: وقت الإفطار عند غروب ضوء الشَّمس، قَاسَ الطَّرَف الثاني على الطَّرف الأوَّل من النهار؛ فإن طلوع الفجر الثاني هو طلوع ضوء الشَّمس، كذلك غروبه يكون بغروب ضوئها، وهو مغيب الشمس. وقولنا "مَعَ النِّيِّةِ"؛ لأنَّ الصوم عملٌ؛ لقوله عليه السَّلام: "حديث : الصَّوْمُ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، والعلم لا بُدَّ فيه من النيَّة"تفسير : ، لقوله - عليه السَّلام -: "حديث : إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"تفسير : ، ومن الناس من قال: لا حاجة لصوم رمضان إلى النيَّة؛ لأن الله تعالى امر بالصَّوم بقوله: "فَلْيَصُمْهُ" والصَّوم هو الإمساك، وقد وجد، فيخرج عن العهدة، وهذا مردودٌ بقوله - عليه السلام - "حديث : إنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ"تفسير : والصوم عملٌ. وقوله {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قد تقدَّم الكلامُ عليها، وبيانُ السبب في تكريرها. قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} تقدَّم معنى الإرادة واشتقاقها عند قوله تعالى: {أية : مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا}تفسير : [البقرة: 26]. و"أَرَادَ" يتعدَّى في الغالب إلى الأجرام بالباء وإلى المصادر بنفسه، وقد ينعكس الأمر؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 944 - أَرَادَتْ عَرَاراً بِالهَوَانِ وَمَنْ يُرِدْ عَرَاراً لعَمْرِي بِالهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ تفسير : والباء في "بِكُمْ" قال أبو البقاء: لِلإلْصَاقِ، أي: يُلْصِقُ بكم اليُسْرَ، وهو من مجاز الكلام، أي: يريد الله بفِطْرِكُمْ في حال العذر اليُسْرَ، وفي قوله: {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تأكيدٌ؛ لأنَّ قبله "يُرِيدُ بِكُمُ اليُسْرَ" وهو كافٍ عنه. وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وثَّاب وابن هُرْمُز: "اليُسُر، والعُسُر" بضمّ السين، والضمُّ للإتباع؟ والأظهر الأول؛ لأنه المعهود في كلامهم. و"اليُسْرُ" في اللغة السُّهُولة، ومنه يقال للغنى والسَّعة: اليسار؛ لأنه يتسهل به الأمور واليد اليُسْرَى، قيل: تلي الفعال باليسر، وقيل إنه يتسهَّل الأمر بمعاونتها اليمنى. فصل في دحض شبهة للمعتزلة استدلُّوا بهذا الآية على أنَّ تكليف ما لا يطاق غير واقعٍ؛ لأنه تعالى لمَّا بيَّن أنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، فكيف يكلِّفهم ما لا يقدرون عليه. وأُجيبوا: بأنَّ اللفظ المفرد، إذا دخل عليه الألف واللام لا يفيد العموم، ولو سلَّمنا ذلك لكنَّه قد ينصرف إلى المعهود السَّابق في هذا الموضع. فصل في دحض شبهة أخرى للمعتزلة قالت المعتزلة: هذه الآية تدلُّ على أنَّه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى؛ وذلك لأنَّ المريض لو تحمَّل الصَّوم حتى أجهده، لكان يجب أن يكون قد فعل مالا يريده الله تعالى منه، إذْ كان لا يريد غيره. وأُجيبوا بحمل اللَّفظ على أنَّه تعالى لا يريدُ أنْ يأمر بما فيه عسر، وإن كان قد يريدُ منه العُسر؛ وذلك لأن الأمر قد يثبت بدون الإرادة. قالت المعتزلة: هذه الآيةُ دالَّة على أنه تعالى لا يريدُ بهم الكُفر فيصيرون إلى النَّار، فلو خلق فيهم ذلك الكُفر، لم يكن لائقاً به أنْ يقول {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وجوابه: أنه معارضٌ بمسألة العلم. قوله: {وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ} في هذه اللام ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنها زائدةُ في المفعول به؛ كالتي في قولك: ضَرَبْتُ لِزَيْدٍ، و"أَنْ" مُقَدَّرةً بعدها، تقديرهُ: {وَيُرِيدُ أَنْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ}، أي: تكميل، فهو معطوفٌ على اليُسْر؛ ونحوهُ قولُ أبي صَخْرٍ: [الطويل] شعر : 945 - أُرِيدَ لأَنسَى ذِكرَهَا فَكَأَنَّمَا تَخَيَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ طَرِيقِ تفسير : وهذا قولُ ابن عطية والزمخشري وأبي البقاء وإنَّما حَسُنَتْ زيادةُ هذه اللام في المَفعولِ - وإنْ كان ذلك إنَّما يكونُ إذا كان العاملُ فَرْعاً، أو تقدَّمَ المعمولُ - من حيث إنه لمَّا طال الفصلُ بين الفعلِ وبين ما عُطِفَ على مفعوله، ضَعُفَ بذلك تَعَدِّيه إليه، فَعُدِّيَ بزيادة اللام؛ قياساً لِضَعْفه بطولِ الفصلِ ضَعْفِه بالتقديم. الثاني: إنَّها لامُ التعليل، وليست بزائدةٍ، واختلف القائلون بذلك على ستةِ أوجه: أحدها: أن يكونَ بعد الواوِ فعلٌ محذوفٌ وهو المُعَلَّل، تقدير: "وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ فَعَلَ هَذَا"، وهو قولُ الفراء. الثاني – وقاله الزَّجَّاج – أن تكون معطوفةً على علَّة محذوفةٍ حُذِف معلولُها أيضاً تقديره: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ؛ ليسهّل عليكم، ولِتُكْمِلُوا. الثالث: أن يكونَ الفعلُ المُعَلَّلُ مقدَّراً بعد هذه العلةِ تقديرُه: "ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ رَخَّصَ لكُمْْ فِي ذَلِكَ" ونسبه ابن عطيَّة لبعض الكوفيين. الرابع: أنَّ الواو زائدةٌ، تقديرُه: يُرِيدُ اللَّه بِكُمْ كَذَا لِتُكْمِلُوا، وهذا ضَعِيفٌ جِداً. الخامس: أنْ يكونَ الفعلُ المُعَلَّلُ مقدَّراً بعد قوله: "وَلَعَلَّكُمْ تُشْكُرُونَ"، تقديرُه: شَرَعَ ذلك، قاله الزمخشري، وهذا نصُّ كلامه قال: "شَرَعَ ذَلِكَ، يعني جُملة ما ذلك من أمر الشاهد بصَوم الشَّهر، وأمر المُرَخَّص لهُ بمراعاة عدَّة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطرِ، فقولهُ: "وَلِتُكْمِلُوا" علَّةُ الأمر بمراعاة العدَّة، و"لِتُكَبِّرُوا" علةُ ما عُلِمَ من كيفية القضاءِ والخروج عن عُهْدةِ الفِطْر و"لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" علةُ الترخيص والتيسير، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المَسْلَكِ، لا يهتدي إلى تبيُّنه إلا النُقَّابُ من علماء البَيَانِ". السادس: أن تكون الواوُ عاطفةً على علَّةٍ محذوفةٍ، التقديرُ: لتعملوا ما تعملون، ولِتُكْمِلُوا، قاله الزمخشريُّ؛ وعلى هذا، فالمعلَّلُ هو إرادةُ التيسير واختصارُ هذه الأوجه: أنْ تكون هذه اللامُ علةً لمحذوفٍ: إمَّا قبلها، وإمَّا بعدها، أو تكونَ علةً للفعل المذكور قبلها، وهو "يُرِيدُ". القول الثالث: أنهَّا لام الأمر وتكونُ الواوُ قد عطفت جملةً أمريةً على جملةٍ خبريَّةٍ؛ فعلى هذا يكونُ من بابِ عطفِ الجملِ؛ وعلى ما قبلَه: يكونُ من عطف المفردات؛ كما تقدَّم تقريرُه، وهذا قولُ ابن عطيَّة، وضَعَّفه أبو حيان بوجهين: أحدهما: أَنَّ أمرَ المخاطبِ بالمضارع مع لامِهِ لغةٌ قليلةٌ، نحو: لِتَقُمْ يَا زَيْدُ، وقد قرئ شَاذَاً: {أية : فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُواْ}تفسير : [يونس: 58] بتاء الخطاب. والثاني: أن القُرَّاء أجمعُوا على كسر هذه اللام، ولو كانت للأمر، لجاز فيها الوجهان: الكسرُ والإسكانُ كأخواتها. وقرأ الجمهورُ "وَلِتُكْمِلُوا" مخفَّفاً من "أكْمَلَ"، والهمزةُ فيه للتعدية، وقرأ أبو بكرٍ بتشديدِ الميم، والتضعيفُ للتعدية أيضاً؛ لأنَّ الهمزة والتضعيف يتعاقبان في التعدية غالباً، والألفُ واللاَمُ في "العِدَّةِ" تَحْتَملُ وجهين: أحدهما أنها للعهدِ، فيكونُ ذلك راجعاً إلى قوله تعالى: {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}تفسير : وهذا هو الظاهرُ. والثاني: أنْ تكونَ للجنس، ويكونُ ذلك راجعاً إلى شهرِ رمضانَ المأمورِ بصَومهِ، والمعنى: أنكم تأتُون ببدلِ رمضان كاملاً في عِدَّته، سواءً كان ثلاثين أم تسعةً وعشرين. قال ابن الخطيب: إنما قال: "وَلِتُكْمِلُوا العِدّةَ" ولم يقل: "ولِتُكْمِلُوا الشَّهْرَ"؛ لأنه لما قال: "وَلِتُكْمِلُوا العِدَّة" دخل تحته عدة أيَّام الشهر، وأيام القضاء، لتقدُّم ذكرهما جميعاً؛ ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلاً لعدد المضي، ولو قال: "وَلِتُكْمِلُوا الشَّهْرَ" لدل على حكم الأداء فقط، ولم يدخل حكم القضاء. واللامُ في "وَلِتُكَبِّرُوا" كهي في "وَلِتُكْمِلُوا" فالكلامُ فيها كالكلام فيها، إلا أن القول الرابع لا يتأتَّى هنا. قوله: "عَلَى مَا هَدَاكُمْ" هذا الجارُّ متعلِّقٌ بـ"تُكَبِّرُوا" وفي "عَلَى" قولان: أحدهما: أنها على بابها من الاستعلاءِ، وإنما تَعَدَّى فعلُ التكبير بها؛ لتضمُّنِهِ معنى الحمدِ. قال الزَّمخشري: "كأنَّه قيل: ولِتكَبِّروا اللَّهَ حَامِدِينَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ" قال أبو حيان – رحمه الله -: "وهذا منه تفسيرُ معنًى، لا إعراب؛ إذ لو كان كذلك، لكان تعلُّقُ "عَلَى:" بـ"حَامِدِينَ" التي قَدَّرها، لا بـ"تُكَبِّرُوا"، وتقديرُ الإعراب في هذا هو: "وَلِتَحْمدُوا الله بالتكْبِيرِ على ما هَدَاكُم"؛ كما قدَّره الناسُ في قوله: [الرجز] شعر : 946 – قَدْ قَتَلَ اللَّهُ زِيَاداً عَنِّي تفسير : أي: صَرَفَه بالقتلِ عني، وفي قوله: [الطويل] شعر : 947 – وَيَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ مِنَّا فَوَارِسٌ بَصِيرُونَ فِي طَعْنِ الكُلَى وَالأَبَاهِرِ تفسير : أي: متحكِّمُونَ بالبصيرةٍ في طعنِ الكُلَى". والثاني: أنهى بمعنى لام العلَّة والأوَّل أولى لأنَّ المجازَ في الحرفِ ضعيفٌ. و"ما" في قوله: "عَلَى مَا هَدَاكُمْ" فيها وجهان: أظهرهُما: أنها مصدرية، أي: على هدايته إيَّاكم. والثاني: أنَّها بمعنى "الذي" قال أبو حيان "وَفِيهِ بَعْدٌ مِنْ وَجْهَيْن: أحدهما: حذفُ العائد، تقديرُه، هَدَاكُمُوهُ، وقدَّره منصوباً، لا مجروراً باللام، ولا بـ"إِلَى" لأنَّ حذفَ المنصوبِ أسهلُ. والثاني: حذفُ مضافٍ يصحُّ به معنى الكلامِ على إتْباعِ الذي هَدَاكُم أو ما أشبَهَهُ". وخُتِمَت هذه الآية الكريمة بترجِّي الشُّكر، لأنَّ قبلها تيسيراً وترخيصاً، فناسب خَتمَها بذلك، وخُتمت الآيتان قبلها بترجِّي التقوى، وهو قوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ}تفسير : [البقرة: 179] وقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 178] لأنَّ القصاصَ والصومَ من أشقِّ التكاليف، فناسب خَتْمَها بذلك، وهذا أسلوبٌ مطَّردٌ، حيث وَرَدَ ترخيصٌ عقَّبَ بترجِّي الشكر غالباً، وحيث جاء عَدَمُ ترخيصٍ عَقَّب بترجِّي التقوى وشبهها، وهذا من محاسن عِلْم البيان والله أعلم. فصل في المراد بالتكبير في الآية في المراد بهذا التكبير قولان: أحدهما: المراد منه التَّكبير لَيلَةَ الفطر. قال ابنُ عبَّاس – رضي الله عنهما – حقٌّ على المسلمين، إذا رأوا هلالَ شَوَّالِ أنْ يكبِّروا. قال مالكٌ والشَّافعي – رحمه الله – وأحمد وإسحاقُ وأبو يُوسفُ ومحمَّد: سُنَّ التكبيرُ في لَيْلَتي العيدين. وقال أبو حنيفة: يكرَهُ في غداة الفِطر. واحتجَّ الأوَّلُون بقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} [قالوا: معناه] ولتكملوا عدَّة صوم رمضان، ولتكبّروا الله على ما هداكم إلى أجر الطَّاعة. واختلفُوا في أي العيدين أوكدُ في التَّكبير؟ فقال الشَّافعيُّ في "القديم": ليلة النَّحرِ أوكد؛ لإجماع السَّلف عليها، وقال في "الجديد" ليلةُ الفطر أوكَدُ؛ لورود النصِّ فيها، وقال مالكٌ: لا يكَبَّر في ليلة الفطرِ، ولكنه يكَبَّر في يومه، وهو مرويٌّ عن أحمد. وقال إسحاق: إذا غدا إلى المُصَلَّى. واستدَلَّ الشافعيُّ بقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} تدلُّ على أن الأمر بهذا التَّكبير وقع معلَّلاً بحصول الهداية، وهي إنما حصلت بعد غُرُوب الشَّمس؛ فلزم التَّكبير من ذلك الوقت، واختلفُوا في انقضاء وقتِهِ، فقيل: يمتدُّ إلى تحريم الإحرام بالصَّلاة. وقيل: إلى خروج الإمام. وقيل: إلى انصراف الإمام، وقال أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – إذا أتى المصلَّى ترك التَّكبير. القول الثاني في المراد بهذا التَّكبير: هو التعظيم للَّه تعالى؛ شكراً على توفيقه لهذا الطَّاعة. قال القرطبي: "عَلَى مَا هَدَاكُمْ" قيل: لما ضَلَّ فيه النصارَى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلاً عمَّا كانت الجاهليَّة تفعله بالتَّفَاخُر بالآباء، والتَّظاهر بالأحساب، وتعديد المناقب. وقيل: لتعظّموه على ما أرشدكُم إليه من الشَّرَائع.
البقاعي
تفسير : ولما أبهم الأمر أولاً في الأيام وجعله واجباً مخيراً على المطيق عين هنا وبت الأمر فيه بقوله تعالى: {شهر رمضان} لأن ذلك أضخم وآكد من تعيينه من أول الأمر. قال الحرالي: والشهر هو الهلال الذي شأنه أن يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانياً سواء كانت عدة أيامه تسعاً وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكمال العدة كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان، يقال: هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، واشتقاقه من الرمضاء وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها، قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق حين تنزل الشمس الحوت والسماوي اللاحق حين تنزل الشمس الحمل، وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى القبلة أولاً بوجه أهل الكتاب تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص بهم، فجعل صومهم القار لهم بالشهر لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر وجعل لهم الشهر يوماً واحداً فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم يوم واحد غير معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية {أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} تفسير : [الأعراف: 142] هي ميقات أمة محمد صلى الله عليه وسلم {أية : وأتممناها بعشر} تفسير : [الأعراف: 142] هي ميقات موسى عليه الصلاة والسلام وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة - انتهى. ولما كان هذا خطاب إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر فيه جملة إلى بيت العزة وابتدىء من إنزاله إلى الأرض. قال الحرالي: وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال: {الذي أنزل فيه القرآن} فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسراً لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى. وفي مدحه بإنزاله فيه مدح للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة من أنه {أية : لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 2] وأنه {أية : هدى} [تفسير : البقرة: 2] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى: {هدى للناس} قال الحرالي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى رتبة المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله نور الله سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه؛ وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين، كل ذلك بما يضيق من مجاري الشيطان من الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله؛ وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى وكان نوراً لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين العاكفين الذاكرين الله كثيراً الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة الحق بذكره. وفي قوله: {وبينات} إعلان بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه وكونها {من الهدى} الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق {والفرقان} الأكمل، وفي حصول الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل إلا بعد تحقق الفرقان، فإن المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول لعلكم تتقون} فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان كما قال تعالى {أية : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} تفسير : [الأنفال: 29] ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى. فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله الحرالي هو مجاز علاقته السببية لأن الصوم مهيىء للفهم وموجب للنور، {الهدى} المعرف الوحي أعم من الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك، وعلى ما قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب الأول للأيام، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. ولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة فقال: {فمن شهد} أي حضر حضوراً تاماً برؤية بينة لوجود الصحو من غير غمام أو بإكمال عدة شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضاً ولا مسافراً. قال الحرالي: وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم. وقوله: {منكم} خطاب الناس ومن فوقهم حين كان الصيام معلياً لهم {الشهر} هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى، ويظهر معناه قوله تعالى: {فليصمه} فجعله واقعاً على الشهر لا واقعاً على معنى: فيه، حيث لم يكن: فليصم فيه؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعاً هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى. ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر لئلا يظن نسخه فقال: {ومن كان مريضاً} أي سواء شهده أولا {أو على سفر} أي سواء كان مريضاً أو صحيحاً وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة {فعدة} قال الحرالي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث لم يذكر في هذا الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه. وفي قوله: {من أيام أخر} إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر رمضان ونزول قضائه منزلة الصوم الأول، وفي عدده وفي إطلاقه إشعار بصحة وقوعه متتابعاً وغير متتابع - انتهى. ولما رخص ذلك علل بقوله: {يريد الله} أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره {بكم اليسر} أي شرع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر الصوم على شهر {ولا يريد بكم العسر} في جعله عزيمة على الكل وزيادته على شهر. قال الحرالي: اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. وقال: فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في البطون، إذ لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر" وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية. ولما كانت علة التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة فكان التقدير: لتطيقوا ما أمركم به ويخف عليكم أمره، عطف عليه قوله: {ولتكملوا} من الإكمال وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عد حساً أو معنى {العدة} أي عدة أيام رمضان إلى رؤية الهلال إن رأيتموه وإلى انتهاء ثلاثين التي لا يمكن زيادة الشهر عليها إن غم عليكم بوجود الغمام فلم تشهدوه، فإنه لو كلفكم أكثر منه أو كان إيجابه على كل حال كان جديراً بأن تنقصوا من أيامه إما بالذات بأن تنقصوا من عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في أثنائها كما تفعل النصارى، فيؤدي ذلك إلى إعدامها أصلاً ورأساً. وقال الحرالي: التقدير: لتوفوا الصوم بالرؤية ولتكملوا إن أغمي عليكم، ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء بقوله: {شهد} وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال - انتهى. وفيه إشارة إلى احتباك، فإن ذكر الشهود أولاً يدل على عدمه ثانياً وذكر الإكمال لأجل الغمام ثانياً يدل على الصحو أولاً. ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال: {ولتكبروا} والتكبير إشراف القدر أو المقدار حساً أو معنى - قاله الحرالي. وقرن به الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال: {الله} أي الذي تقف الأفهام خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من القلوب. قال الحرالي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير وكرر لذلك، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جلّ من مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علناً - انتهى. ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره تارة غفلة وتارة بغياً أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها، ولما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وتراً وجعل سبعاً في الأولى لذلك وتذكيراً بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقاً إليها لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيراً بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في الأيام السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم الجمعة، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وتراً إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمساً لذلك، ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصاً بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال: {على} أي حامدين له على {ما هداكم} أي يسر لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادراً - والله سبحانه وتعالى الموفق. وقال الحرالي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلاًّ على حكم وجده من استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: "حديث : يدع طعامه وشرابه من أجلي" تفسير : فكل عمل فعل وثبت إلاّ الصوم فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب إلى لزوم الطاعة بلزومه ولو ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال: {ولعلكم تشكرون *} أي ولتكونوا في حالة يرجى معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية. وقال الحرالي: فيه تصنيف في الشكر نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية، كما قال: {ولعلكم تتقون} فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة الفطر عن كل صائم وعمن يطعمه الصائم، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ربه وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته، فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم - انتهى. ولما كان دعاء الصائم مجاباً وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئاً لعباده للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد المسافة عن محالّ العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله: {وإذا} دالاً بالعطف على غير مذكور أن التقدير: فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومن عصاني "وإذا". وقال الحرالي: لما أثبت الحق سبحانه وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له من إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة رتبة؛ يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان شيئاً" إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد فيبشرون بمطالعة القرب فقال: و {إذا} عطفاً على أمور متجاوزة كأنه يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا {سألك عبادي عني} أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم فأخبرهم أني لست كذلك. ولما كان لا يسأل عن الشيء إلاّ إن كان معظماً له متشوقاً إلى تعجيل الإخبار به كان الأنسب للمقام والأقرّ لعيون العباد والأزجر لأهل العناد تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعاراً بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال: {فإني} دون فقل إني، فإنه لو أثبت قل، لأوهم بُعداً وليس المقام كذلك، ولكان قوله إني، موهماً فيحتاج إلى أن يقال إن الله أو نحوه، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال؛ وإذا كان هذا التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ما معناه: الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة، وأما الذين يسألون عني فإني أرفع الوسائط بيني وبينهم. وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما معناه: إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. {قريب} فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حساً أو معنى أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف ورفعاً للحرج بسر التلطف، وإسقاط قل، أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة. قال الحرالي: بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب فكان المبشر واصلاً وكان المتقاصر عن القرب مبشراً به، ومعلوم أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة، فالذي يمكن إلاحته من معنى القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن دون ربه كان بعيداً بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد إلى أبعد البعد، ولذلك يعلن للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : إنما عليك البلاغ} تفسير : [الرعد: 40] وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صلى الله عليه وسلم واسطة بين العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة قل، في القرآن ليكون إفصاحاً لسماع كلام الله سبحانه وتعالى ممن سمع كائناً من كان، وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاماً عجيباً يليح المعنى لأهل الفهم ويفصله لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال: {أجيب} من الإجابة وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع لتمام اللقاء بالمواجهة {دعوة الداع} ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج عند خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محواً لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفراً إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر؛ قال: وجاء الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه كما بينه صلى الله عليه وسلم. ولما كان كل خلق داعياً لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار الدعاء مقالاً وابتهالاً فقال: {إذا دعان} ليكون حاله صدقاً بمطابقة حاله مقالاً، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة {الداع} و {دعان} عن ياءيهما وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف {أية : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر}تفسير : [القمر: 17] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاماً لاستغناء السيد وحاجة العبد، فحين كان الغني مجيباً كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيباً يعني فلذلك سبب عنه قوله إشارة إلى شرط الإجابة {فليستجيبوا لي} إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه، وجاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف. ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد تتناهى قال مخاطباً لمن آمن وغيره: {وليؤمنوا بي} أي مطلق الإيمان أو حق الإيمان، ثم علل ذلك بقوله: {لعلهم يرشدون *} أي ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق. قال الحرالي: والرشد حسن التصرف في الأمر حساً أو معنى في دين أو دنيا، ومن مقتضى هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي في سننه والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً"حديث : لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان ". تفسير : وأخرج وكيع وابن جرير عن مجاهد قال: لا تقل رمضان، فإنك لا تدري ما رمضان، لعله اسم من أسماء الله عز وجل ولكن قل شهر رمضان كما قال الله عز وجل. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر قال: إنما سمي رمضان لأن الذنوب ترمض فيه، وإنما سمي شوّالاً لأنه يشول الذنوب كما تشول الناقة ذنبها. وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما سمي رمضان لأن رمضان يرمض الذنوب ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والأصبهاني عن عائشة قالت: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا رسول الله ما رمضان؟ قال: ارمض الله فيه ذنوب المؤمنين، وغفرها لهم. قيل: فشوال؟ قال: شالت فيه ذنوبهم فلم يبق فيه ذنب إلا غفره ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ". تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن طلحة بن عبيد الله "حديث : أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوّع. فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإِسلام. قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق ". تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبيهقي عن عرفجة قال: كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان، إذ دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسكت عتبة بن فرقد قال: يا أبا عبد الله حدثنا عن رمضان كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : رمضان شهر مبارك تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب السعير، وتصفد فيه الشياطين، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، حتى ينقضي رمضان ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله عند كل فطر عتقاء من النار ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ". تفسير : وأخرج ابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صام رمضان، وعرف حدوده، وحفظ مما ينبغي أن يحفظ منه، كفر ما قبله ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة ". تفسير : وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتح أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. ولله عز وجل عتقاء من النار، وذلك عند كل ليلة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: نبشركم قد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار وأبو الشيخ في الثواب والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم تعط أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ثم قال: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه الشياطين، ولا يخلصون فيه إلى ما يخلصون في غيره، ويغفر لهم آخر ليلة. قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله ". تفسير : وأخرج البيهقي والأصبهاني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي: أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً، وأما الثانية فإنه خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعاً. فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم؟ ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار، فإذا كان آخر ليلة أعتق بعدد من مضى ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب واحد الشهر كله، وغلت عتاة الجن ونادى مناد من كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير تمم وابشر، ويا باغي الشر أقصر وابصر السماء، هل من مستغفر نغفر له؟ هل من تائب نتوب عليه؟ هل من داع نستجيب له؟ هل من سائل نعطي سؤاله؟ ولله عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفاً، فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفاً ستين ألفاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أظـلكم شهركم هذا - يعني شهر رمضان - بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر على المسلمين شهر خير لهم منه، ولا يأتي على المنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل، ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخل، وذلك أن المؤمن يعد فيه النفقة للقوّة في العبادة، ويعد فيه المنافق اغتياب المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمنين وغرم على الفاجر ". تفسير : وأخرج العقليلي وضعفه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والخطيب والأصبهاني في الترغيب عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال "حديث : يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوّعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء. قلنا: يا رسول الله كلنا نجد ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة من ماء، ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوّله وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر له وأعتقه من النار، فاستكْثروا فيهِ مِنْ أَرْبعَ خِصَالٍ: خَصْلَتَان تُرْضُونَ بِهمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا. فَأمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَان تُرْضُونَ بِهِما رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أنْ لاَ إلهَ إلا اللهُ وَتسْتَغْفِرونَهُ، وَأمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُما فَتَسْأَلُونَ الْجنَّةَ وتَعُوذونَ بِهِ مِنَ النَّار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف قال "حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فقال: شهر فرض الله عليكم صيامه وسننت أنا قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي تليها كفارة، والجمعة إلى الجمعة التي تليها كفارة ما بينهما، والشهر إلى الشهر يعني شهر رمضان إلى شهر رمضان كفارة ما بينهما إلا من ثلاث: الإِشراك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة. فقلت: يا رسول الله أما الاشراك بالله فقد عرفناه فما نكث الصفقة وترك السنة؟ قال: أما نكث الصفقة فأن تبايع رجلاً بيمينك ثم تخالف إليه فتقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة ". تفسير : وأخرج ابن خزيمة والبيهقي والأصبهاني عن أنس بن مالك قال: لما أقبل شهر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سبحان الله.! ماذا تستقبلون وماذا يستقبلكم؟ قال عمر بن الخطاب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وحي نزل أو عدوّ حضر؟ قال: لا ولكن شهر رمضان يغفر الله في أول ليلة لكل أهل هذه القبلة، وفي القوم رجل يهز رأسه فيقول: بخ بخ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كأن ضاق صدرك بما سمعت. قال: لا والله يا رسول الله ولكن ذكرت المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المنافق كافر وليس للكافر في ذا شيء ". تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر جعل له ثلاث عتبات، فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العتبة الأولى قال: آمين، ثم صعد العتبة الثانية فقال: آمين، حتى إذا صعد العتبة الثالثة قال: آمين. فقال المسلمون: يا رسول الله رأيناك تقول آمين آمين آمين ولا نرى أحداً؟! فقال: إن جبريل صعد قبلي العتبة الأولى فقال: يا محمد. فقلت: لبيك وسعديك. فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فابعده الله. قل آمين. فقلت: آمين. فلما صعد العتبة الثانية قال: يا محمد قلت: لبيك وسعديك. قال: من أدرك شهر رمضان وصام نهاره وقام ليله ثم مات ولم يغفر له فدخل النار فابعده الله، فقل آمين. فقلت: آمين. فلما صعد العتبة الثالثة قال: يا محمد. قلت: لبيك وسعديك. قال: من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات ولم يغفر له فدخل النار فابعده الله، قل آمين. فقلت: آمين ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه من طريق سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : احضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين. فلما ارتقى الثانية قال: آمين. ثم لما ارتقى الثالثة قال: آمين. فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه؟! قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له. قلت: آمين. فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقلت: آمين. فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. فقلت: آمين ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده "حديث : فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلما رقى عتبة قال: آمين. ثم رقى أخرى قال: آمين. ثم رقى عتبة ثالثة فقال: آمين. ثم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فابعده الله. فقلت: آمين. قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فابعده الله. فقلت: آمين. قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله. فقلت: آمين. ". تفسير : وأخرج ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين. قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت آمين آمين آمين؟! فقال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان شد مئزره، ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ". وأخرج البيهقي والأصبهاني عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان تغير لونه، وكثرت صلاته، وابتهل في الدعاء وأشفق منه". وأخرج البزار والبيهقي عن ابن عباس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير، وأعطى كل سائل". وأخرج البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن في رمضان ينادي مناد بعد الثلث الأوّل أو ثلث الليل الآخر، ألا سائل يسأل فيعطى ألا مستغفر يستغفر فيغفر له، ألا تائب يتوب فيتوب الله عليه ". تفسير : وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أنس قال: قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: حديث : صدقة في رمضان . تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان، وإن الحور لتزين من الحول إلى الحول لصوّام رمضان، فإذا دخل رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لي في هذا الشهر من عبادك، ويقول الحور: اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً. فمن لم يقذف مسلماً فيه ببهتان، ولم يشرب مسكراً، كفر الله عنه ذنوبه، ومن قذف فيه مسلماً، أو شرب فيه مسكراً، أحبط الله عمله لسنة، فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله، جعل الله لكم أحد عشر شهراً تأكلون فيها وتشربون وتتلذذون وجعل لنفسه شهراً، فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله ". تفسير : وأخرج الدارقطني في الأفراد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي وابن عساكر عن ابن عمرو "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل، فإذا كان أوّل يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش، من ورق الجنة على الحور العين فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك أزواجاً تقر بهم أعيننا وتقر أعينهم بنا ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن خزيمة وأبو الشيخ في الثواب وابن مردويه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي مسعود الأنصاري قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأهل رمضان فقال: لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن يكون السنة كلها. فقال رجل: يا نبي الله حدثنا، فقال: إن الجنة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أوّل يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش، فصفقت ورق الجنة، فتنظر الحور العين إلى ذلك، فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا. فيقال: فما من عبد يصوم يوماً من رمضان إلا زوّج زوجة من الحور العين، في خيمة من درة مما نعت الله {حور مقصورات في الخيام} [الرحمن: 72] على كل امرأة منهن سبعون حلة، ليس منها حلة على لون أخرى ويعطى سبعين لوناً من الطيب، ليس منه لون على ريح الآخر، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها وسبعون ألف وصيف، مع كل وصيفة صحفة من ذهب فيها لون طعام، يجد لآخر لقمة منها لذة لم يجدها لأوّله، لكل امرأة منهن سبعون سريراً من ياقوتة حمراء، على كل سرير سبعون فراشاً بطائنها من استبرق، فوق كل فراش سبعون أريكة، ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحاً بالدر عليه سواران من ذهب، هذا بكل يوم صامه من رمضان سوى ما عمل من الحسنات ". تفسير : وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يكون آخر ليلة من رمضان، وليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة بكل سجدة، وبنى له بيتاً في الجنة من ياقوتة حمراء لها ستون ألف باب، فيها قصر من ذهب موشح بياقوتة حمراء، فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من شهر رمضان، واستغفر له كل يوم سبعون ألف ملك من صلاة الغداة إلى أن توارى بالحجاب، وكان له بكل سجدة يسجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمسمائة عام ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال: سيد الشهور شهر رمضان، وسيد الأيام الجمعة. وأخرج البيهقي عن كعب قال: إن الله اختار ساعات الليل والنهار فجعل منهن الصلوات المكتوبة، واختار الأيام فجعل منهن الجمعة، واختار الشهور فجعل منهن شهر رمضان، واختار الليالي فجعل منهن ليلة القدر، واختار البقاع فجعل منها المساجد". وأخرج أبو الشيخ في الثّواب والبيهقي والأصبهاني عن ابن عباس "حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الجنة لتعد وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة، تصفق ورق الجنة وحلق المصاريع، يسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فيثب الحور العين حتى يشرفن على شرف الجنة، فينادين: هل من خاطب إلى الله فيزوّجه؟ ثم يقول الحور العين: يا رضوان الجنة ما هذه الليلة؟ فيجيبهن بالتلبية، ثم يقول: هذه أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنة على الصائمين من أمة محمد، ويا جبريل اهبط إلى الأرض فاصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم اقذفهم في البحار حتى لا يفسدوا على أمة محمد حبيبي صيامهم، ويقول الله عز وجل في ليلة من شهر رمضان لمناد ينادي ثلاث مرات: هل من سائل فاعطيه سؤله؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ من يقرض المليء غير المعدم؟ والوفي غير الظلوم؟ قال: وله في كل يوم من شهر رمضان عند الإِفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره. وإذا كان ليلة القدر يأمر الله جبريل فيهبط في كبكبة من الملائكة إلى الأرض ومعهم لواء أخضر، فيركز اللواء على ظهر الكعبة وله ستمائة جناح، منها جناحان لا ينشرهما إلا في تلك الليلة، فينشرهما في تلك الليلة فتجاوز المشرق إلى المغرب، فيحث جبريل الملائكة في هذه الليلة فيسلمون على كل قائم وقاعد ومصل وذاكر، يصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر ينادي جبريل: معاشر الملائكة الرحيل الرحيل... فيقولون: يا جبريل فما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمة أحمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول جبريل: نظر الله إليهم في هذه الليلة فعفا عنهم وغفر لهم إلا أربعة. قلنا: يا رسول الله من هم؟ قال: رجل مدمن خمر، وعاق لوالديه، وقاطع رحم، ومشاحن، قلنا: يا رسول الله ما المشاحن؟ قال: هو المصارم. فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة الفطر بعث الله الملائكة في كل بلاد، فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك، فينادون بصوت يسمع من خلق الله إلا الجن والإِنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله للملائكة: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفيه أجره. فيقول: فإني أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامه رضاي ومغفرتي. ويقول: يا عبادي سلوني، فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود انصرفوا مغفوراً لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم. فتفرح الملائكة ويستغفرون بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام: إني افترضت على عبادي الصيام وهو شهر رمضان. يا موسى من وافى القيامة وفي صحيفته عشر رمضانات فهو من الابدال، ومن وافى القيامة وفي صحيفته عشرون رمضاناً فهو من المخبتين، ومن وافى القيامة وفي صحيفته ثلاثون رمضاناً فهو من أفضل الشهداء عندي ثواباً، يا موسى إني آمر حملة العرش إذا دخل شهر رمضان أن يمسكوا عن العبادة، فكلما دعا صائمو رمضان بدعوة، وأن يقولوا آمين، وإني أوجبت على نفسي أن لا أرد دعوة صائمي رمضان. يا موسى إني ألهم في رمضان السموات والأرض والجبال والدواب والهوام أن يستغفروا لصائمي رمضان. يا موسى اطلب ثلاثة ممن يصوم رمضان فصل معهم، وكل واشرب معهم، فإني لا أنزل عقوبتي ولا نقمتي في بقعة فيها ثلاثة ممن يصوم رمضان. يا موسى إن كنت مسافراً فاقدم، وإن كنت مريضاً فمرهم أن يحملوك، وقل للنساء والحيض والصبيان الصغار أن يبرزوا معك حيث يبرز صائمو رمضان عند صوم رمضان، فإني لو أذنت لسمائي وأرضي لسلمتا عليهم ولكلمتاهم ولبشرتاهم بما أجيزهم، إني أقول لعبادي الذين صاموا رمضان ارجعوا إلى رحالكم فقد أرضيتموني، وجعلت ثوابكم من صيامكم أن أعتقكم من النار، وأن احاسبكم حساباً يسيراً، وأن أقيل لكم العثرة، وأن أخلف لكم النفقة، وأن لا أفضحكم بين يدي أحد، وعزتي لا تسألوني شيئاً بعد صيام رمضان وموقفكم هذا من آخرتكم إلا أعطيتكم، ولا تسألوني شيئاً من أمر دنياكم إلا نظرت لكم. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي والأصبهاني عن عمر بن الخطاب قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذاكر الله في رمضان مغفور، وسائل الله فيه لا يخيب ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي في الشمائل والنسائي والبيهقي عن ابن عباس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة". وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد الحرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة من رمضان، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة ". تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه، وإذا نظر الله إلى عبده لم يعذبه أبداً، ولله في كل يوم ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع ما أعتق في الشهر كله، فإذا كانت ليلة الفطر ارتجت الملائكة وتجلى الجبار بنوره مع أنه لا يصفه الواصفون، فيقول لملائكته وهم في عيدهم من الغد: يا معشر الملائكة ما جزاء الأجير إذا وفى عمله؟ تقول الملائكة: يوفى أجره. فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرت لهم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وحضر رمضان: أتاكم شهر بركة يغشاكم الله فيه، فتنزل الرحمة وتحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن أنس قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له إذا لم يغفر له فيه فمتى ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن شهر رمضان شهر أمتي يمرض مريضهم فيعودونه، فإذا صام مسلم لم يكذب، ولم يغتب، وفطره طيب، ويسعى إلى العتمات محافظاً على فرائضه، خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في ترغيبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صام يوماً من رمضان فسلم من ثلاث ضمنت له الجنة. فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا رسول الله على ما فيه سوى الثلاث؟ قال: على ما فيه سوى الثلاث. لسانه، وبطنه، وفرجه ". تفسير : وأخرج الأصبهاني عن الزهري قال: تسبيحة في شهر رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره. وأخرج الأصبهاني عن معلى بن الفضل قال: كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ويدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم. وأخرج الأصبهاني عن البراء بن عازب قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فضل الجمعة في شهر رمضان على سائر أيامه كفضل رمضان على سائر الشهور ". تفسير : وأخرج الأصبهاني عن إبراهيم النخعي قال: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة، وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعة". وأخرج الأصبهاني عن عائشة قالت: قال رسول الله"حديث : إذا سلم رمضان سلمت السنة، وإذا سلمت الجمعة سلمت الأيام ". تفسير : وأخرج الأصبهاني من طريق الأوزاعي عن مكحول والقاسم بن مخيمرة وعبدة بن أبي لبابة قالوا: سمعنا أبا لبابة الباهلي، وواثلة بن الأسقع، وعبدالله بن بشر، سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صان نفسه ودينه في شهر رمضان زوّجه الله من الحور العين، وأعطاه قصراً من قصور الجنة، ومن عمل سيئة، أو رمى بها مؤمناً ببهتان، أو شرب مسكراً في شهر رمضان أحبط الله عمله سنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا شهر رمضان لأنه شهر الله جعل لكم أحد عشر شهراً تشبعون فيها وتروون، وشهر رمضان شهر الله فاحفظوا فيه أنفسكم ". تفسير : وأخرج الأصبهاني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمتي لن يخزوا أبداً ما أقاموا شهر رمضان، فقال رجل من الأنصار: وما خزيهم من إضاعتهم شهر رمضان؟ فقال: انتهاك المحارم. من عمل سوءاً، أو زنى، أو سرق، لم يقبل منه شهر رمضان، ولعنة الرب والملائكة إلى مثلها من الحول، فإن مات قبل شهر رمضان فليبشر بالنار، فاتقوا شهر رمضان فإن الحسنات تضاعف فيه، وكذلك السيئات ". تفسير : وأخرج الأصبهاني عن علي قال: لما كان أوّل ليلة من رمضان قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى على الله وقال: حديث : أيها الناس قد كفاكم الله عدوكم من الجنة ووعدكم الاجابة، وقال {ادعوني أستجب لكم} [غافر:60] أَلا وقد وكل الله بكل شيطان مريد سبعة من الملائكة، فليس بمحلول حتى ينقضي شهر رمضان، أَلا وأبواب السماء مفتحة من أول ليلة منه إلى آخر ليلة منه، أَلا والدعاء فيه مقبول حتى إذا كان أول ليلة من العشر شمر وشد المئزر، وخرج من بيته واعتكفهن وأحيا الليل. قيل: وما شد المئزر؟ قال: كان يعتزل النساء فيهن ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن اسحق بن أبي اسحق. أن أبا هريرة قال لكعب: تجدون رمضان عندكم؟ قال: نجده حطة. وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن عمرو بن مرة الجهني قال "حديث : جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت أن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان وقمته، وآتيت الزكاة، فمن أنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن علي. أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، ثم يقول: هذا الشهر المبارك الذي فرض الله صيامه ولم يفرض قيامه، ليحذر الرجل أن يقول: أصوم إذا صام فلان وأفطر إذا أفطر فلان، ألا إن الصيام ليس من الطعام والشراب ولكن من الكذب والباطل واللغو، ألا لا تقدموا الشهر إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة. وأما قوله تعالى: {الذي أنزل فيه القرآن} . أخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان والأصبهاني في الترغيب عن واثلة بن الأسقع "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: أنزل الله صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزل التوراة على موسى لست خلون من رمضان، وأنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة خلت من رمضان، وأنزل الانجيل على عيسى لثماني عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين خلت من رمضان. وأخرج ابن الضريس عن أبي الجلد قال: أنزل الله صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزل الإِنجيل لثماني عشرة خلون من شهر من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المبين مكان الانجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر عن عائشة قالت: أنزلت الصحف الأولى في أول يوم من رمضان، وأنزلت التوراة في ست من رمضان، وأنزل الإِنجيل في اثنتي عشرة من رمضان، وأنزل الزبور في ثماني عشرة من رمضان، وأنزل القرآن في أربع وعشرين من رمضان. وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مقسم قال: سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك قول الله {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} وقوله {أية : إنا أنزلناه في ليلة القدر} تفسير : [القدر: 1] وقوله {أية : إنا أنزلناه في ليلة مباركة} تفسير : [الدخان: 3] وقد أنزل في شوّال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول، فقال ابن عباس: في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجم مرسلاً في الشهور والأيام. وأخرج الفريابي وابن جرير ومحمد بن نصر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة. وفي لفظ: فصل القرآن من الذكر لاربعة وعشرين من رمضان، فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتله ترتيلاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: شهر رمضان، والليلة المباركة، وليلة القدر، فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان، نزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور، وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الأمر والنهي، وفي الحروب رسلاً رسلاً. وأخرج ابن الضريس والنسائي ومحمد بن نصر وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزله منه حتى جمعه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه إلا ما أمر به. وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان في ليلة القدر، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة جواب كلام الناس. وأخرج أبو يعلى وابن عساكر عن الحسن بن علي. أنه لما قتل علي قام خطيباً فقال: والله لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى ابن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون، وفيها تيب على بني إسرائيل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلغني أنه كان ينزل فيه من القرآن حتى انقطع الوحي وحتى مات محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة، فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا بما أمره ربه. وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس عن داود بن أبي هند قال: قلت لعامر الشعبي: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فهل كان نزل عليه في سائر السنة إلا ما في رمضان؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمداً ما أنزل في السنة في رمضان، فيحكم الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وينسخ ما ينسخ، وينسيه ما يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} يقول: الذي أنزل صومه في القرآن. وأما قوله تعالى: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} . أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {هدى للناس} قال: يهتدون به {وبينات من الهدى} قال: فيه الحلال والحرام والحدود. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {وبينات من الهدى والفرقان} قال: بينات من الحلال والحرام. وأما قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كان يوم عاشوراء يصام قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل رمضان ترك. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: هو هلاكه بالدار. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: من كان مسافراً في بلد مقيم فليصمه. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: إذا كان مقيماً. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم، لأن الله يقول {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: من أدركه رمضان في أهله ثم أراد السفر فليصم. وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أفطر يوماً من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعاً من تمر للمساكين ". تفسير : وأما قوله تعالى: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} . أخرج ابن جرير عن الحسن وإبراهيم النخعي قالا: إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائماً أفطر. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: الصيام في السفر مثل الصلاة، تقصر إذا أفطرت، وتصوم إذا وفيت الصلاة. وأخرج سفيان بن عيينة وابن سعد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك القشيري. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس. أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: يسر وعسر، فخذ بيسر الله. وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة "حديث : أن حمزة الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فافطر ". تفسير : وأخرج الدارقطني وصححه عن حمزة بن عمرو الأسلمي "حديث : أنه قال: يا رسول الله إني أجد قوّة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله تعالى، من أخذ بها فحسن، وإن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن الصوم في السفر فقال: إن شئت أن تصوم فصم، وإن شئت أن تفطر فافطر. وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن عائشة قالت" كل قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم، قد صام وأفطر، وأتم وقصر في السفر". وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن معاذ بن جبل قال "صام النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزلت عليه آية الرخصة في السفر". وأخرج عبد بن حميد عن أبي عياض قال "خرج النبي صلى الله عليه وسلم مسافراً في رمضان، فنودي في الناس: من شاء صام ومن شاء أفطر. فقيل لأبي عياض: كيف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صام، وكان أحقهم بذلك". وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لا أعيب على من صام، ولا على من أفطر في السفر. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وعامر "أنهما اتفقا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون في رمضان، فيصوم الصائم ويفطر المفطر، فلا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر". وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود عن أنس بن مالك قال: "سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم". وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: "كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر، وكانوا يرون أنه من وجد قوّة فصام محسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر محسن". وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبدالله. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس من البر الصيام في السفر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن كعب بن عاصم الأشعري "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس من البر الصيام في السفر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: لأن أفطر في رمضان في السفر أحب إليّ من أن أصوم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: الإِفطار في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر. أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر. أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: لو تصدقت بصدقة فردت ألم تكن تغضب، إنما هو صدقة صدقها الله عليكم. وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: الإِفطار في السفر كالمفطر في الحضر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: الإِفطار في السفر عزمة. وأخرج عبد بن حميد عن محرز بن أبي هريرة. أنه كان في سفر فصام رمضان، فلما رجع أمره أبو هريرة أن يقضيه. وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن عامر بن ربيعة: أن عمر أمر رجلاً صام رمضان في السفر أن يعيد. وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن عامر بن عبد العزيز. أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: إن كان أهون عليك فصم. وفي لفظ: إذا كان يسر فصوموا، وإن كان عسر فافطروا. قال الله {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير عن خيثمة قال: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر فقال: يصوم، قلت: فأين هذه الآية {فعدة من أيام أخر} ؟ قال: إنها نزلت يوم نزلت ونحن نرتحل جياعاً وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعاً وننزل على شبع. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس قال: من أفطر فهي رخصة ومن صام فهو أفضل. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد أنهم قالوا في الصوم في السفر: إن شئت فافطر وإن شئت فصم، والصوم أفضل. وأخرج عبد بن حميد من طريق العوام عن مجاهد قال: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر في السفر، ويرى أصحابه أنه يصوم ويقول: كلوا إني أظل يطعمني ربي ويسقيني. قال العوام: فقلت لمجاهد: فأي ذلك يرى؟ قال: صوم في رمضان أفضل من صوم في غير رمضان ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي البختري قال: قال عبيدة: إذا سافر الرجل وقد صام في رمضان فليصم ما بقي، ثم قرأ هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: وكان ابن عباس يقول: من شاء صام ومن شاء أفطر. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين سألت عبيدة قلت: أسافر في رمضان؟ قال: لا. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: إذا أدرك الرجل رمضان فلا يخرج، فإن خرج وقد صام شيئاً منه فليصمه في السفر، فإنه ان يقضه في رمضان أحب إلي من أن يقضيه في غيره. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز قال: إذا دخل شهر رمضان فلا يسافرن الرجل، فإن أبى إلا أن يسافر فليصم. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم. أن إبراهيم بن محمد جاء إلى عائشة يسلم عليها وهو في رمضان فقالت: أين تريد؟ قال: العمرة. قالت: قعدت حتى دخل هذا الشهر، لا تخرج. قال: فإن أصحابي وأهلي قد خرجوا، قالت: وإن، فردهم ثم أقم حتى تفطر. وأخرج عبد بن حميد عن أم درة قالت: كنت عند عائشة، فجاء رسول الي وذلك في رمضان، فقالت لي عائشة: ما هذا؟ فقلت: رسول أخي يريد أن نخرج. قالت: لا تخرجي حتى ينقضي الشهر، فإن رمضان لو أدركني وأنا في الطريق لأقمت. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لا بأس أن يسافر الرجل في رمضان، ويفطر إن شاء. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لم يجعل الله رمضان قيداً. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: من أدركه شهر رمضان فلا بأس أن يسافر، ثم يفطر. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود عن سنان بن سلمة بن محبق الهذلي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تصدق بفطر رمضان على مريض أمتي ومسافرها ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أنس بن مالك عن رجل من كعب قال "حديث : أغارت علينا خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيت إليه وهو يأكل فقال: اجلس فأصب من طعامنا هذا. فقلت: يا رسول الله إني صائم. قال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصوم: إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر، ووضع الصوم عن المسافر والمريض والحامل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة {فعدة من أيام أخر} قال: إن شاء وصل وإن شاء فرق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قضاء رمضان قال: إن شاء تابع وإن شاء فرق، لأن الله تعالى يقول {فعدة من أيام أخر} . وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن ابن عباس في قضاء رمضان. صم كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته. وأخرج مالك وابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: يصوم شهر رمضان متتابعاً من أفطره من مرض أو سفر. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أنس. أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: إنما قال الله {فعدة من أيام أخر} فإذا أحصى العدة فلا بأس بالتفريق. وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح. أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقاً فقال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، فاحصر العدة واصنع ما شئت. وأخرج الدارقطني عن رافع بن خديج قال: احصر العدة وصم كيف شئت. وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن معاذ بن جبل. أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: احصر العدة وصم كيف شئت. وأخرج الدارقطني عن عمرو بن العاص قال: فرق قضاء رمضان إنما قال الله {فعدة من أيام أخر}. وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن أبي هريرة. أن امرأة سألته كيف تقضي رمضان فقال: صومي كيف شئت واحصي العدة، فإنما {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . وأخرج ابن المنذر والدارقطني وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: نزلت {فعدة من أيام أخر متتابعات} فسقطت متتابعات. قال البيهقي: أي نسخت. وأخرج الدارقطني وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يفرقه ". تفسير : وأخرج الدارقطني وضعفه عن عبد الله بن عمرو"حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاء رمضان فقال: يقضيه تباعاً، وان فرقه أجزأه ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن ابن عمر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع ". تفسير : وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن محمد بن المنكدر قال "حديث : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال: ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاء؟! فالله تعالى أحق أن يقضى ويغفر تفسير : . قال الدارقطني: اسناده حسن إلا أنه مرسل، ثم رواه من طريق آخر موصولاً عن جابر مرفوعاً وضعفه". أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال: الإِفطار في السفر، والعسر الصوم في السفر. وأخرج ابن مردويه عن محجن بن الأدرع "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي فتراءاه ببصره ساعة فقال: أتراه يصلي صادقاً؟ قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة.! فقال: لا تسمعه فتهلكه،وقال: إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولا يريد بهم العسر ". تفسير : وأخرج أحمد عن الأعرج "حديث : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن عروة التميمي قال "حديث : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علينا حرج في كذا؟ فقال:أيها الناس إن دين الله يسر ثلاثاً يقولها ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ".تفسير : وأخرج البزار عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الإِسلام ذلول لا يركب إلا ذلولاً ". تفسير : وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال "حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الدين يسر، ولن يغالب الدين أحد إلا غلبه، سددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والبيهقي عن بريدة قال "حديث : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلقنا نمشي جميعاً، فإذا رجل بين أيدينا يصلي يكثر الركوع والسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تراه مرائياً؟ قلت: الله ورسوله أعلم.؟ فأرسل يدي فقال: عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباده، فإن المنبت لا يقطع سفراً ولا يستبقي ظهراً ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى، فاعمل عمل امرىء يظن أن لن يموت أبداً، واحذر حذراً تخشى أن تموت غداً ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات ". تفسير : وأخرج البيهقي من طريق معبد الجهني عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : العلم أفضل من العمل، وخير الأعمال أوساطها، ودين الله بين القاسي والغالي، والحسنة بين الشيئين لا ينالها إلا بالله، وشر السير الحقحقة ". تفسير : وأخرج ابن عبيد والبيهقي عن إسحق بن سويد قال: تعبّد عبد الله بن مطرف فقال له مطرف: يا عبد الله! العلم أفضل من العمل والحسنة بين الشيئين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة". وأخرج أبو عبيد والبيهقي عن تميم الداري قال: خذ من دينك لنفسك، ومن نفسك لدينك حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها. وأخرج البيهقي عن ابن عمر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني وابن حبان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما لا يحب أن تؤتى معصيته ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال "حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر. أن رجلاً قال له: إني أقوى على الصيام في السفر، فقال ابن عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الاثم مثل جبال عرفة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبد الله بن يزيد بن أديم قال: حدثني أبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو أمامة، وأنس بن مالك "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه ". تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة قالت "حديث : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبه لأنظر زفن الحبشة حتى كنت الذي مللت وانصرفت عنهم قالت: وقال يومئذ: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، أي أرسلت بحنيفية سمحة ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: إن دين الله وضع دون الغلو وفوق التقصير. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: لا تعب على من صام في السفر ولا على من أفطر، خذ بأيسرهما عليك. قال الله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: خذ بأيسرهما عليك، فإن الله لم يرد إلا اليسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {ولتكملوا العدة} قال: عدة رمضان. وأخرج أبو داود والنسائي وابن المنذر والدارقطني في سننه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين، ثم افطروا ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الشهر فأكملوا العدةتفسير : . وفي لفظ: "حديث : فعدوا ثلاثين ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : احصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر بصوم، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين يوماً ثم افطروا، فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وهكذا، وحبس ابهامه في الثالثة ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنا صحبنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وانهم حدثونا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمى عليكم فعدوا ثلاثين، فإن شهد ذو عدل فصوموا وافطروا وانسكوا ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن أبي مسعود الأنصاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً لتمام الثلاثين من رمضان، فجاء أعرابيان فشهدا أن لآ إله إلا الله وأنهما أهلاه بالأمس، فأمرهم فأفطروا". وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {ولتكملوا العدة} قال: عدة ما أفطر المريض والمسافر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والمروزي في كتاب العيدين عن زيد بن أسلم في قوله {ولتكبروا الله على ما هداكم} قال: لتكبروا يوم الفطر. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوّال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله يقول {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله} . وأخرج الطبراني في المعجم الصغير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : زينوا أعيادكم بالتكبير ". تفسير : وأخرج المروزي والدارقطني والبيهقي في السنن عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى، يعني في التكبير. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الزهري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى حيث تقضى الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير. وأخرجه البيهقي من وجه آخر موصولاً عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وضعفه". وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق نافع عن عبد الله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيدين رافعاً صوته بالتهليل والتكبير". وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: إن من السنة أن تكبر يوم العيد. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والمروزي عن ابن مسعود أنه كان يكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد. وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي والبيهقي في سننه عن ابن عباس، أنه كان يكبر الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجل على ما هدانا. وأخرج البيهقي عن أبي عثمان النهدي قال: كان عثمان يعلمنا التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، اللهم أنت أعلى وأجل من أن يكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك ولي من الذل وكبره تكبيراً، اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا.
ابو السعود
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأٌ سيأتي خبرُه أو خبرٌ لمبتدإٍ محذوف، أي ذلك شهرُ رمضانَ أو بدلٌ من الصيام على حذف المضافِ أي صيامُ شهرِ رمضانَ وقرىء بالنصب على إضمار صُوموا أو على أنه مفعولُ تصوموا أو بدلٌ من (أياماً معدودات) ورمضانُ مصدرُ رمِضَ أي احترق من الرمضاء فأضيفَ إليه الشهرُ وجُعل علماً ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون كما قيل: ابنُ دأْيةَ للغراب فقولُه عليه السلام: «حديث : من صام رمضانَ»تفسير : الحديثُ واردٌ على حذف المضافِ للأمن من الالتباس وإنما سُمِّي بذلك إما لارتماضِهم فيه من الجوع والعطشِ وإما لارتماض الذنوب بالصيام فيه أو لوقوعه في أيام رَمَضِ الحرِّ عند نَقْل أسماء الشهور عن اللغة القديمة {ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} خبرٌ للمبتدأ على الوجه الأول وصفةٌ لشهر رمضانَ على الوجوه الباقية، ومعنى إنزالِه فيه أنه ابتُدىء إنزالُه فيه وكان ذلك ليلةَ القدرِ، أو أنزل فيه جملةَ إلى السماء الدنيا ثم نزل مُنَجَّماً إلى الأرض حسبما تقتضيه المشيئةُ الربانية أو أُنزل في شأنه القرآنُ وهو قولُه عز وجل: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة، الآيات: 178، 180، 83، 216، 246]وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نزلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من رمضانَ وأُنزلت التوراةُ لستٍ مضَيْن منه والإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ منه، والقرآنُ لأربع وعشرين» تفسير : {هُدىً لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} حالان من القرآن أي أُنزل حال كونه هدايةً للناس بما فيه من الإعجاز وغيرِه وآياتٍ واضحةٍ مرشدةً إلى الحق فارقةً بـينه وبـين الباطل بما فيه من الحُكم والأحكام {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} أي حضرَ فيه ولم يكن مسافراً، ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير للتعظيم والمبالغة في البـيان، والفاءُ للتفريعِ والترتيب، أو لتضمُّن المبتدإ معنى الشرط، أو زائدةٌ على تقدير كونِ (شهرُ رمضانَ) مبتدأً والموصولُ صفة له، وهذه الجملةُ خبرٌ له وقيل: هي جزائية كأنه قيل: لما كُتب عليكم الصيامُ في ذلك الشهر فمنْ حضَرَ فيه {فَلْيَصُمْهُ} أي فليصم فيه بحذف الجار وإيصالِ الفعل إلى المجرور اتساعاً وقيل: من شهد منكم هلالَ الشهرِ فليصمْه على أنه مفعولٌ به كقولك: شهِدتُ الجمعةَ أي صلاتها فيكونُ ما بعده مخصِّصاً له كأنه قيل: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا} وإن كان مقيماً حاضِراً فيه {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} وإن كان صحيحاً {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي فعليه صيامُ أيامٍ أخَرَ لأن المريضَ والمسافرَ ممن شهد الشهرَ، ولعل التكريرَ لذلك أو لئلا يُتَوَهم نسخُه كما نُسخ قرينُه {يُرِيدُ ٱللَّهُ} بهذا الترخيص {بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} لغاية هي رأفتُه وسعةُ رحمتِه {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تعليلٌ لفعلٍ محذوف يدلُّ عليه ما سبق أي ولهذه الأمورِ شُرِعَ ما مرَّ من أمرِ الشاهد بصوْمِ الشهر وأمرِ المرخَّص لهم بمراعاة عدةِ ما أَفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله تعالى: {لتكملوا} [البقرة، الآية: 185] علةُ الأمر بمراعاة العِدة ولتكبروا علةُ ما عَلِمه من كيفية القضاء، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة، الآية: 185] علةُ الترخيص والتيسيرِ، وتعديةُ فعل التكبـير بعلى لتضمُّنه معنى الحمد كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، ويجوز أن تكون معطوفةً على علة مقدرةٍ مثلُ ليُسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ ويجوز عطفُها على (اليُسرَ) أي يريد بكم لتكملوا الخ كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ} تفسير : [الصف، الآية 8] الخ والمعنى بالتكبـير تعظيمُه تعالى بالحمد والثناءِ عليه، وقيل: تكبـيرُ يومِ العيد وقيل: التكبـيرُ عند الإهلال، و(ما) تحتمل المصدرية والموصولة أي على هدايته إياكم أو على الذي هداكم إليه وقرىء ولِتُكَمِّلوا بالتشديد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} [الآية: 185]. قيل: أنزله فيه بتفضيله وتخصيصه من بين الشهور وافتراض الصوم فيه، واستنان القيام فى لياليه بالقرآن. قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. من شهدنى وشهد أمرى فليصم أوقاته كلها عن المخالفات ومن شهد الشهر على رؤية التعظيم فليمسك فيه عن الهوى واللغو والهم، ومن شهد على رؤية التعظيم فليمسك فيه عن الهوى واللغو والهم، ومن شهد على رؤية فعله وصومه فليس لله فيه حاجة فى ترك طعامه وشرابه وهو كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم حين قال: " حديث : رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. رمضان يُرْمِضُ ذنوب قوم ويرمض رسوم قوم، وشتان بين من تحرِق ذنوبَه رحمتُه وبين من تحرِق رسومَه حقيقتُه. شهر رمضان شهر مفاتحة الخطاب، شهر إنزال الكتاب، شهر حصول الثواب، شهر التقريب والإيجاب. شهر تخفيف الكلفة، شهر تحقيق الزلفة، شهر نزول الرحمة، شهر وفور النعمة. شهر النجاة، شهر المناجاة. قوله جلّ ذكره: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. أراد بك اليسر (وأنت تظن) أنه أراد بك العسر. ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه (أقامه) بطلب اليسر؛ ولو لم يُرِدْ به اليسر لَمَا جعله راغباً في اليسر، قال قائلهم: شعر : لو لم تُرِدْ نَيْلَ ما أرجو وأطلبهُ من فيضِ جودِك ما علمتني الطلبا تفسير : حقَّق الرجاء وأكَّد الطمع وأوجب التحقيق حيث قال: {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} لينفيَ عن حقيقة التخصيص مجوزاتِ الظنون. قوله جلّ ذكره: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ}. على لسان العلم تكملوا مدة الصوم. وعلى لسان الإشارة لتقرنوا بصفاء الحال (وفاء) (المآل). {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} في النَّفَسِ الأخير، وتخرجوا من مدة عمركم بسلامة إيمانكم. والتوفيق في أن تكمل صوم شهرك عظيم لكن تحقيق أنه يختم عمرك بالسعادة - أعظم.
البقلي
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} شهر فيه احتراق اكباد اهل العيان من شوق مشاهدة الرحمن لذلك انزل فيه القرآن رقة فلوب المخاطبين من نيران المجاهدات وكشف انوار المشاهدة قيل انزل لفصله وتخصيصه من بين الشهود وافتراض الصوم فيه واستنان القيام في لياله بالقرآن {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} اى من حضر فيه مام الطلب فليفطم نفسه عن رضاع الطبيعة المقام الطرب وايضا من شهد منكم الشهر فليصمه عن الشراب والطعام ومن شهدنى فليصمه عن المخالفات والانام قال الواسطى من شهد منكم الشهر فليصمه ومن شهدنى وشاهد امرى فليصيم اوقاته كلها عن المخالفات ومن شهد الشهر على روية التعظيم فليسمك فيه عن اللغو واللهو ومن شهد على رؤية فعله وصوم فليس لله حاجة فى ترك طعامه وشرابه وهو كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم رب صائم حظه من الصيام الجوع.
اسماعيل حقي
تفسير : {شهر رمضان} متبدأ خبره ما بعده فيكون المقصود من ذكر هذه الجملة المنبهة على فضله ومنزلته الاشارة الى وجه تخصيصه من بين الشهور بان فرض صومه ثم اوجب صومه بقوله {فمن شهد منكم الشهر} [البقرة: 185] المعهود {فليصمه} [البقرة: 185] وسمى الشهر شهرا لشهرته. ورمضان مصدر رمض اذا احترق فاضيف اليه الشهر وجعل المجموع علما ومنع من الصرف للتعريف والالف والنون. وانما سمى بذلك اما لارتماض الاكباد واحتراقها من الجوع والعطش واما لارتماض الذنوب بالصيام فيه او لوقوعه ايام رمض الحر اى شدة وقوعه على الرمل وغيره. قيل انهم نقلوا اسماء الشهور من اللغة القديمة فسموها بالازمنة التى وقعت هى فيها وقت التسمية فوافق هذا الشهر ايام رمض الحر فسمى به كما يسمى بربيع لموافقته الربيع وجمادى لموافقته جمود الماء. او رمضان اسم من اسماء الله تعالى والشهر مضاف اليه ولذلك روى "حديث : لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فان رمضان اسم من اسماء الله تعالىbr>". تفسير : {الذى أنزل فيه القرآن} جملة الى بيت العزة فى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما فى ثلاث وعشرين سنة حسبما تقتضيه المشيئة الربانية وعن النبى عليه السلام "حديث : نزلت صحف ابراهيم اول ليلة من رمضان وانزلت التوارة لست مضين منه والانجيل لثلاث عشرة والقرآن لاربع وعشرين" تفسير : والقرآن من القرء وهو الجمع لانه مجمع علم الاولين والآخرين {هدى للناس} اى انزل حال كونه هداية للناس الى سواء الصراط بما فيه من الاعجاز وغيره {وبينات من الهدى والفرقان} اى وحال كونه آيات واضحات مما يهدى الى الحق ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والاحكام فالهدى على قسمين ما يكون بينا جليا ومالا يكون كذلك والاول افضل القسمين فذكر الجنس اولا ثم اردفه باشرف نوعيه بل بالغ فيه فكأنه قيل انه هدى بل هو بين من الهدى ولا شك انه فى غاية المبالغة لانه فى المرتبة الثالثة فالعطف فى وبينات من باب عطف التشريف {فمن} الفاء للتفريع والترتيب {شهد} اى حضر موضع الاقامة من المصر او القرية كائنا ذلك الحاضر {منكم الشهر} منصوب على الظرف اى فى الشهر دون المفعول به لان المقيم والمسافر يشهدان الشهر {فليصمه} اى فليصم فيه بحذف الجار وايصال الفعل الى المجرور اتساعا. والمراد بالشاهد العاقل البالغ الصحيح لان كل واحد من الصبى والمجنون يشهد موضع الاقامة فى الشهر مع انه لا يجب عليهما الصوم وهذا اى الحتم ينسخ التخيير بين الصوم والافطار والفداء {ومن كان مريضا} وان كان مقيما حاضرا فيه {أو على سفر} وان كان صحيحا وعلى بمعنى فى وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض {فعدة من ايام اخر} اى فعليه صيام ايام اخر واعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما فى الافطار لان الله تعالى ذكر فى الآية الاولى تخيير المقيم المطيق والمسافر والمريض ونسخ فى الثانية تخيير المقيم بقوله {فليصمه} فلو اقتصر على هذا احتمل ان يعود النسخ الى تخيير الجميع فاعاد بعض النسخ بترخيص المسافر والمريض ليعلم انه باق على ما كان {يريد الله بكم اليسر} حيث اباح الفطر بالسفر والمرض واليسر ما تسهل {ولا يريد بكم العسر} اى مشقة بالصوم فى المرض والسفر لغاية رأفته وسعة رحمته. قال محمد بن على الترمذى قدس سره اليسر اسم الجنة لان جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لان جميع العسر فيها معناه يريد الله بصومكم ادخال الجنة ولا يريد بكم ادخال النار. قال شيخنا العلامة الفضلى قدس سره فى الآية ان مراده تعالى بان يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما اما اليسر فى الدنيا فالترقى الى الملكية والروحانية والوصول الى اليقظة والمعرفة واما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالاوصاف الطبيعية والنفسانية واما اليسر فى الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية واما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه. وقال نجم الدين فى تأويلاته يعنى يريد الله بكم اليسر الذى هو مع العسر فلا تنظر فى امتثال الامر الى العسر ولكن انظر الى اليسر الذى هو مع العسر فان العاقل اذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بالاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل الى مرارة الشراب ولكن ينظر الى حلاوة الصحة ولا يبالى بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى: قال السعدى قدس سره شعر : وبالست دادن برنجور قند كه داروى تلخش بود سودمند زعلت مدار اى خردمند بيم جوداروى تلخت فرستد حكيم تفسير : {ولتكملوا العدة} اى وانما امرناكم بمراعاة العدة بعد ايجاب صوم رمضان كما قال تعالى {فعدة} اى فعليكم عدة ما افطرتم لتكملوا عدد ايام الشهر بقضاء ما افطرتم بسبب مرضكم او سفركم {ولتكبروا الله} اى انما علمناكم كيفية القضاء وهو المدلول عليه بقوله تعالى {من ايام اخر} مطلقا فانه يجوز ان يقضى على سبيل التوالى او التفريق لتعظموا الله حامدين {على ما هداكم} ما مصدرية اى على هدايته اياكم الى طريق الخروج عن عهدة التكليف {ولعلكم تشكرون} اى انما رخصنا لكم بالافطار لكى تشكروا الله على هذه النعمة باللسان والقلب والبدن وفى الحديث "حديث : من حافظ على ثلاث فهو ولى الله حقا ومن ضيعهن فهو عدو الله حقا الصلاة والصوم والغسل من الجنابةbr>". تفسير : وفى بعض الخبر "حديث : ان الجنان يشتقن الى اربعة نفر صائمى رمضان وتالى القرآن وحافظى اللسان ومطعمى الجيران وان الله يغفر للعبد المسلم عند افطاره ما مشت اليه رجلاه وما قبضت عليه يداه وما نظرت اليه عيناه وما سمعته اذناه وما نطق به لسانه وما حدث به قلبهbr>". تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم القيامة وبعث من فى القبور اوحى الله الى رضوان انى اخرجت الصائمين من قبورهم جائعين عاطشين فاستقبلهم بشهواتهم من الجنان فيصيح ويقول أيها الغلمان والولدان عليكم باطباق من نور فيجتمع اكثر من عدد الرمل وقطرات الامطار وكواكب السماء واوراق الاشجار بالفاكهة الكثيرة والاشربة اللذيذة والاطعمة الشهية فيطعم من لقى منهم ويقول كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم فى الايام الخالية" تفسير : وعن النبى عليه السلام انه قال "حديث : رأيت ليلة المعراج عند سدرة المنتهى ملكا لم ار مثله طولا وعرضا طوله مسيرة الف الف سنة وله سبعون ألف رأس فى كل رأس سبعون الف وجه فى كل وجه سبعون الف لسان وعلى كل رأس الف ذؤابة من نور وعلى كل ذؤبة الف الف لؤلؤة معلقة بقدرة الله تعالى وفى جوف كل لؤلؤة بحر من نور وفى ذلك البحر حيتان طول كل حوت مقدار مائتى عام مكتوب على ظهرهن لا اله الا الله محمد رسول الله وذلك الملك واضع احدى يديه على رأسه والاخرى على ظهره وهو فى حظيرة القدس فاذا سبح اهتز العرش بحسن صوته فسألت عنه جبريل فقال هذا ملك خلقه الله تعالى قبل آدم بالفى عام فقلت اين كان هذا الى هذه الغاية فقال ان الله مرجا فى الجنة عن يمين العرش فكان هو فيه فامره الله فى ذلك المكان ان يسبح لك ولامتك بسبب صوم شهر رمضان فرأيت صندوقين بين يديه على كل صندوق الف قفل من نور وسألت جبريل عن الصندوقين فقال سل منه فسألته فقال ان فيهما براءة الصائمين من امتك من عذاب النار طوبى لك ولامتك ". تفسير : اعلم انه لا بد من النية فى الاعمال خصوصا فى الصوم وهى ان يعلم بقلبه انه يصوم ولا يخلو مثلا عن هذا فى ليالى شهر رمضان والامساك قد يكون للعادة او لعدم الاشتهاء او للمرض او للرياضة او يكون للعبادة فلا يتعين له الا بالنية وهى شرط لكل يوم لان صوم كل يوم عبادة على حدة ألا يرى انه لو افسد صوم يوم لا يمنع صحة الباقى بخلاف التراويح فانه لا يلزم النية فى كل شفع لان الكل بمنزلة صلاة واحدة وهو الاصح وتجوز النية الى نصف النهار دفعا للحرج وما يروى من الاحاديث فى نفى الصوم الا بالتثبيت فمحمولة على نفى الفضيلة بخلاف القضاه والكفارات والنذر المطلق لان الزمان غير متعين لها فوجب التبييت نفيا للمزاحمة ويعتبر نصف النهار من طلوع الفجر الثانى فيكون الى الضحوة الكبرى فينوى قبلها الاكثر منويا فيكون له حكم الكل حتى لو نوى بعد ذلك لا يجوز لخلو الاكثر عن النية تغليبا للاكثر. والاحتياط فى النية فى التراويح ان ينوى التراويح او ينوى قيام الليل او ينوى سنة الوقت او قيام رمضان. والتراويح سنة مؤكدة واظب عليها الخلفاء الراشدون قال عليه السلام "حديث : ان الله فرض عليكم الصيام وسننت قيامه" تفسير : واما قول عمر رضى الله عنه نعمت البدعة هذه يعنى قيام رمضان فمعناه ان النبى صلى الله عليه وسلم وان كان قد صلاها الا انه تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس اليها فمحافظة عمر عليها وجمع الناس اليها وندبهم بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة كذا فى تفسير القرطبى عند قوله تعالى {أية : بديع السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 101]. فى الجزء الاول وكان النبى صلى الله عليه وسلم يبشر اصحابه بقدوم رمضان ويقول "حديث : قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه ابواب السماء وتغلق فيه ابواب الجحيم وتغل فيه الشياطين وفيه ليلة خير من الف شهر من حرم خيرها فقد حرم ". تفسير : قال بعض العلماء هذا الحديث اصل فى تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان. قال السخاوى فى المقاصد الحسنة التهنئة بالشهور والاعياد مما اعتاده الناس وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما رفعه "حديث : من لقى اخاه عنده الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنكbr>". تفسير : ويروى فى جملة حقوق الجار من المرفوع "حديث : ان اصابه خير هنأه او مصيبة عزاه او مرض عاده " تفسير : ومن آداب الصيام حفظ الجوارح الظاهرة وحراسة الخواطر الباطنة ولن يتم التقرب الى الله تعالى الا بترك ما حرم الله. قال ابو سليمان الدارانى قدس سره لأن اصوم النهار وافطر الليل على لقمة حلال احب الى من قيام الليل والنهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد فى جوفه لقمة حرام ولا سيما فى وقت الصيام فليجتنب الصائم اكل الحرام فانه سم مهلك للدين. والسنة تعجيل الفطور وتأخير السحور فان صوم الليل بدعة فاذا اخر الافطار فكأنه وجد صائما فى الليل فصار مرتكبا للبدعة كذا فى شرح عيون المذاهب. ولنا ثلاثة اعياد عيد الافطار وهو عيد الطبيعة. والثانى عيد الموت حين القبض بالايمان الكامل وهو عيد كبير. والثالث عيد التجلى فى الآخرة وهو اكبر الاعياد وروى الترمذى وصححه عن زيد بن خالد "حديث : من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجر الصائم شىءbr>". تفسير : وكان حماد بن سلمة الامام الحافظ يفطر فى كل ليلة من شهر رمضان خمسين انسانا واذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا وكان يعد من الابدال. واخرج السيوطى فى الجامع الصغير والسخاوى فى المقاصد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما انه قال عليه السلام "حديث : خيار امتى فى كل قرن خمسمائة والابدال اربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الاربعون كلما مات رجل ابدل الله مكانه رجلا آخر: قالوا يا رسول الله دلنا على اعمالهم قال عليه السلام "يعفون عمن ظلمهم ويحسنون الى من اساءهم ويتواسون فيما اتاهم اللهbr>". تفسير : وفى الحديث "حديث : من اشبع جائعا او كسا عاريا او آوى مسافرا اعاذه الله من اهوال يوم القيامة" تفسير : وكان عبد الله بن المبارك ينفق على الفقرآء وطلبة العلم فى كل سنة مائة الف درهم ويقول للفضيل بن عياض لولاك واصحابك ما اتجرت وكان يقول للفضيل واصحابه لا تشتغلوا بطلب الدنيا اشتغلوا بالعلم وانا اكفيكم المؤونة. وكان يحيى البرمكى يجرى على سفيان الثورى كل شهر الف درهم وكان سفيان يدعو له فى سجوده ويقول اللهم ان يحيى كفانى امر الدنيا فاكفه امر آخرته فلما مات يحيى رآه بعض اصحابه فى النوم فقال ما صنع الله بك قال غفر لى بدعاء سفيان: قال الصائب شعر : تيره روزان جهانرا بجراغى درياب تابس ازمرك ترا شمع مزارى باشد تفسير : جعلنا الله واياكم من العاملين بمقتضى كتابه ومدلول خطابه.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ أبو بكر عن عاصم {ولتكملوا} بتشديد الميم. الباقون بتخفيفها. قال أبو العباس: أكملت وكمّلت بمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة. ومن قرأ بالتخفيف فلقوله {أية : اليوم أكملت لكم دينكم}. تفسير : اللغة: الشهر: معروف، وجمعه: الأشهر. والشهور والشهرة: ظهور الأمر في شنعة. وشهرت الحديث أظهرته. وشهر فلان سيفه: اذا انتضاه. والمشهر: الذي أتى عليه شهر. وأشهرت المرأة: اذا دخلت في شهر ولادتها. وأتان شهيرة: أي عريضة ضخمة. والمشاهرة: المعاملة شهراً بشهر. وسمى الشهر شهراً، لاشتهاره بالهلال. فأصل الباب الظهور. وقال ابن دريد: الرمض: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، والأرض رمضاء. ورمض يومنا رمضاً: اذا اشتد حرّه. ورمضان من هذا اشتقاقه، لأنهم سمّوا الشهور بالازمنة التي فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر، وقد جمعوا رمضان، رمضانات. قال صاحب العين: والرمض حرقة غيظ تقول: أرمضني هذا الأمر، ورمضت له. والرمض: مطر يكون قبل الخريف. وأصل الباب شدة الحر. الاعراب: وشهر رمضان رفع لأحد ثلاثة أشياء: أولها - أن يكون خبر ابتداء محذوف يدل عليه {أياماً معدودات} وتقديره هي شهر رمضان. الثاني - على ما لم يُسم فاعله، ويكون بدلا من الصيام، وتقديره {كتب عليكم الصيام} {شهر رمضان}. الثالث - أن يكون مبتدأ وخبره {الذي أنزل فيه القرآن} ويجوز في العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين: أحدهما - صوموا شهر رمضان. والآخر - على البدل من أيام. المعنى: وقوله {أنزل فيه القرآن} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن: إن الله تعالى أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك نجوماً. وهو المروي عن أبي عبدالله (ع). والثاني - أنه ابتداء إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان. فان قيل كيف يجوز أنزاله كله في ليلة، وفيه الاخبار عما كان، ولا يصلح ذلك قبل أن يكون؟ قلنا: يجوز ذلك في مثل قوله: {أية : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}تفسير : وقوله: {أية : لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} تفسير : على اذا كان وقت كذا أنزل {لقد نصركم الله} كما قال تعالى {أية : ونادى أصحاب الجنة}تفسير : أي إذا كان يوم القيامة {نادى أصحاب الجنة أصحاب النار}. الاعراب: وقوله تعالى: {هدى للناس} موضعه نصب على الحال، كأنه قال: أنزل فيه القرآن هادياً للناس. ولا يحتمل سواه، لقوله {وبينات من الهدى}. اللغة: والقرآن إشتقاقه قرأ يقرأ قراءة، وأقرأه إقراء وقال صاحب العين: رجل قارء: أي عابد ناسك، وفعله التقري والقراءة، وأقرأت المرأة: اذا حاضت. وقرأت الناقة: اذا حملت. والفرأ: الحيض، وقد جاء بمعنى الطهر. وأصل الباب الجمع، لقولهم. ما قرأت الناقة سلا قط: أي ما جمعت رحمها على سلا قط. وفلان قرأ، لأنه جمع الحروف بعضها الى بعض. والفرء الحيض، لاجتماع الدم في ذلك الوقت. والفرقان: هو الذي يفرق بين الحق، والباطل. والمراد به القرآن ها هنا. المعنى: وقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قيل في معناه قولان: أحدهما - من شاهد منكم الشهر مقيما. والثاني - من شهده بان حضره، ولم يغب، لانه يقال: شاهد: بمعنى حاضر وشاهد: بمعنى مشاهد. وروي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومجاهد, وجماعة من المفسرين، ورووه عن علي (ع) أنهم قالوا: من شهد الشر بأن دخل عليه الشهر، كره له أن يسافر حتى يمضي ثلاث وعشرون من الشهر إلا أن يكون واجباً كالحج، أو تطوعاً كالزيارة، فان لم يفعل، وخرج قبل ذلك كان عليه الافطار، ولم يجزه الصوم. وقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ناسخ الفدية - على قول من قال بالتخيير - وناسخ للفدية ايضاً في المراضع والحوامل - عند من ذهب اليه - وبقي الشيخ الكبير، له أن يطعم، ولم ينسخ. وعندنا أن المرضعة والحامل اذا خافا على ولدهما أفطرتا وكفرّتا، وكان عليهما القضاء فيما بعد اذا زال العذر. وبه قال جماعة من المفسرين، كالطبري وغيره. وقوله: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} قد بينا أنه يدلّ على وجوب الافطار - في السفر - لأنه أوجب القضاء بنفس السفر، والمرض. وكل من قال ذلك أوجب الافطار. ومن قدر في الآية أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، زاد في الظاهر ما ليس فيه. فان قيل: هذا كقوله {أية : فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام}تفسير : ومعناه فحلق. قلنا: إنما قدرنا هناك فحلق للاجماع على ذلك، وليس ها هنا إجماع، فيجب أن لا يترك الظاهر، ولا يزاد فيه ما ليس فيه. اللغة: وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} قال صاحب العين: الارادة: أصلها الواو، لأنك تقول: راودته على أن يفعل كذا وكذا، مراودة. ومنه راد، يرود، رواداً، فهو رايد بمعنى الطالب شيئاً. ويقال أرود فلان إرواداً: إذا رفق في مشي أو غيره. ومنه رويداً فلاناً: أي امهله يتفسح منصرفاً. ومنه ارتاد ارتياداً كقولك: طلب طلباً، والرود: الميل. وفي المثل (الرائد لا يكذب أهله) أي الطالب صلاحهم لا يكذبهم، لأنه لو كذبهم غشهم. وأصل الباب الطلب. والارادة بمنزلة الطلب للمراد، لأنها كالسبب له. واليسر ضد العسر. يقال: أيسر إيساراً، ويسره تيسيراً، وتيسر تيسراً، وتياسر تياسراً، واستيسر استيساراً. واليسار: اليد اليسرى. واليسار: الغنى، والسعة. واليسر: الجماعة الذين يجتمعون على الجزور في الميسر، والجمع: الايسار. وفرس حسن التيسور: اذا كان حسن السمن. وأصل الباب السهولة. والعسر ضد اليسر. وعسر الشيء عسراً. ورجل عسر بّين العسر. ورجل أعسر: يعمل بشماله. وأعسر الرجل إعساراً: اذا افتقر. والعسير الناقة التي اعتاصت فلم تحمل من سنتها. وبعير عسران اذا رُكب قبل أن يُراض. وأصل الباب الصعوبة. وقوله تعالى: {ولتكملوا العدة} يقال: كمل يكمل كمالا، وأكمل إكمالا، وتكامل تكاملا، وكمله تكميلا، واستكمل استكمالا، وتكمل تكملا. وأصل الباب الكمال، وهو التمام. الاعراب: وعطف باللام في قوله تعالى: {ولتكملوا العدة} على أحد أمرين: أحدهما - عطف جملة على جملة، لأن بعده محذوفاً، كأنه قال: ولتكملوا العدة شرع ذلك أو أريد. ومثله قوله تعالى: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}تفسير : أي أريناه. هذا قول الفراء. الثاني - أن يكون عطفاً على تأويل محذوف دلّ عليه ما تقدم من الكلام، لأنه لما قال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} دلّ على أنه فعل ذلك ليسهل عليكم، فجاز {ولتكملوا العدة} عطفاً عليه. قال الشاعر: شعر : يارب غيرّ آيهن مع البلى إلا رواكد جمرهنّ هباء ومشجج أمّا سواء قذاله فبدوا وغيّب ساره المعزاءَُ تفسير : فعطف على تأويل الكلام الأول كأنه قال: بها رواكد، ومشجج. وهذا قول الزجاج وهو الأجود، لأن العطف يعتمد على ما قبله، لاعلى ما بعده. وعطف الظرف على الاسم في قوله: {ومن كان مريضاً أو على سفر} جائز، لأنه معنى الاسم، وتقديره أو مسافراً، ومثله قوله: {دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً} كأنه قال مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً. المعنى: واليسر المذكور في الآية: الافطار في السفر - في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والعسر: الصوم فيه وفي المرض. والعدة: المأمور باكمالها، والمراد بها: أيام السفر، والمرض الذي أمر بالافطار فيها. وقال الضحاك، وابن زيد: عدة ما أفطروا فيه. وقوله {ولتكبّروا الله} المراد به تكبير ليلة الفطر عقيب أربع صلوات: المغرب، والعشاء الآخرة، وصلاة الغداة، وصلاة العيد - على مذهبنا -. وقال ابن عباس، وزيد بن أسلم، وسفيان، وابن زيد: التكبير يوم الفطر. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة من ثلاثة أوجه: أحدها - قوله {هدى للناس} فعمّ بذلك كل إنسان مكلف، وهم يقولون ليس يهدى الكفار. الثاني - قوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} والمجبرة تقول: قد أراد تكليف العبد ما لا يطيق مما لم يعطه عليه قدرة، ولا يعطيه، ولا عسر أعسر من ذلك. الثالث - لو أن إنساناً حمل نفسه على المشقة الشديدة التي يخاف معها التلف في الصوم لمرض شديد لكان عاصياً، ولكان قد حمل نفسه على العسر الذي أخبر الله أنه لا يريده بالعبد. والمجبرة تزعم أن كلما يكون من العبد من كفر أو عسر أو غير ذلك من أنواع الفعل يريده الله. مسائل من أحكام الصوم يجوز قضاء شهر رمضان متتابعاً، ومتفرقاً، فالتتابع أفضل. وبه قال مالك، والشافعي. وقال أهل العراق: هو مخير. ومن أفطر في شهر رمضان متعمداً بالجماع في الفرج لزمه القضاء، والكفارة - عندنا - والكفارة: عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك هو بالخيار. وفي أصحابنا من قال بذلك. والاطعام لكل مسكين نصف صاع - عندنا - وبه قال أبو حنيفة، فان لم يقدر فمد. وبه قال الشافعي، ولم يعتبر العجز. فان جامع ناسياً، فلا شيء عليه. وقال مالك: عليه القضاء. ومن أكل متعمداً أو شرب في نهار شهر رمضان لزمه القضاء، والكفارة - عندنا - وهو قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا كفارة عليه، وعليه القضاء. والناسي لاشيء عليه - عندنا - وعند أهل العراق، والشافعي. وقال مالك عليه القضاء. ومن أصبح جنباً متعمداً من غير ضرورة لزمه - عندنا - القضاء والكفارة. وقال ابن حي عليه القضاء استحباباً. وقال جميع الفقهاء لاشيء عليه. ومن ذرعه القيء، فلا شيء عليه، فان تعمده كان عليه القضاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومالك. وقال الأوزاعي: إن غلبه، فعليه القضاء بلا كفارة. وإن استدعاه فعليه القضاء، والكفارة. ومن أكل حصى أو نوى متعمداً فعليه القضاء، والكفارة. وبه قال مالك والأوزاعي: وقال أهل العراق عليه القضاء بلا كفارة. وقال ابن حي لا قضاء ولا كفارة. واذا احتلم الصبي يوم النصف من شهر رمضان صام ما بقي، ولا قضاء عليه فيما مضى، ويمسك بقية يومه تأديباً، فان أفطر فيه فلا قضاء عليه. وبه قال أهل العراق. وقال مالك: أحب الي أن يقضي ذلك اليوم، وليس بواجب. وقال الاوزاعي: يصوم ما بقى، ويقضى ما مضى منه. وحكم الكافر اذا أسلم حكم الصبي اذا احتلم في جميع ذلك. والمجنون، والمغمى عليه في الشهر كله لا قضاء عليه - عندنا - بدلالة قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} وإنما أراد من شهد الشهر وهو ممن يتوجه اليه الخطاب، والمجنون والمغمى عليه ليس بعاقل يتناوله الخطاب. وقوله {ومن كان مريضاً أو على سفر} المراد به إذا كان مريضاً عاقلا، يشق عليه الصوم، أو يخاف على نفسه منه، فيلزمه {عدة من أيام أخر}. وقال أهل العراق: إن لم يفق المجنون في جميع الشهر، فلا قضاء عليه، وان أفاق في بعضه فعليه قضاؤه كله. وأما المغمى عليه في الشهر كله، فعليه قضاؤه، لانه بمنزلة المريض. وقال حسن بن صالح، ومالك: المجنون، والمغمى عليه سواء، عليه قضاء الشهر كله إن جن في الشهر كله، وأغمى عليه فيه. وقال الأوزاعي: المجنون، والمغمى عليه سواء، لا قضاء على واحد منهما ما مضى من الشهر، ويقضى ما بقى منه، فان أفاق بعد ما خرج الشهر كله فلا قضاء عليه. وهذا مثل ما قلناه. وقال الشافعي: يقضى المغمى عليه، ولا يقضى المجنون. والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير اذا أفطروا، قال أهل العراق: في الحامل، والمرضع، يخافان على ولدهما: يفطران، ويقضيان يوماً مكانه، ولا صدقة عليهما، ولا كفارة، وبه قال قوم من أصحابنا. وقال مالك الحامل تقضي، ولا تطعم والمرضع: تقضي، وتطعم لكل يوم مدّاً. وقال الشافعي في رواية المزني: عليهما القضاء في الوجهين، وتطعم لكل يوم مدّا، وهو مذهبنا، والمعمول عليه. وفي رواية البزنطي عن الشافعي مثل قول مالك. والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويتصدق مكان كل يوم نصف صاع في قول أهل العراق، وهو مذهبنا. وقال الشافعي: مدّ لكل يوم. وقال مالك: يفطر ولا صدقة عليه. والسفر الذي يوجب الافطار: ما كان سفراً حسناً، وكان مقداره ثمانية فراسخ: أربعة وعشرين ميلا. وعند الشافعي: ستة عشر فرسخاً. وعند أبي حنيفة: أربعة وعشرون فرسخاً. وقال داود: قليله، وكثيره يوجب الافطار. والمرض الذي يوجب الافطار: ما يخاف معه التلف أو الزيادة المفرطة في مرضه. وروي أنه كل مرض لا يقدر معه على القيام مقدار صلاته، وبه قال الحسن، وعبيدة السلماني. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. ومن قال: إن قوله تعالى: {ولتكملوا العدة} يدل على أن شهر رمضان لا ينقص أبداً، فقد أبعد من وجهين: [الاول]، لأن قوله {ولتكملوا العدة} معناه ولتكملوا عدة الشهر سواء كان الشهر تأماً أو ناقصاً. والثاني - أن ذلك راجع الى القضاء، لأنه قال عقيب ذكر السفر، والمرض: {فعدة من أيام أخر يريد الله بكم السير ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} يعنى عدة ما فاته، وهذا بّين.
الجنابذي
تفسير : تحقيق نزول الكتاب جملةً ونجوماً {شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأٌ خبره {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} او هو صفته وخبره محذوف اى هذه الايّام او خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى هذه الأيّام شهر رمضان، او بدل من الصّيام بتقدير مضافٍ اى صيام شهر رمضان ووجه نزول القرآن فى شهر رمضان مع أنّه نزل فى طول ثلاثٍ وعشرين سنة انّ القرآن جملة نزل من مقام الجمع ومن عند الحكيم الخبير الى البيت المعمور الّذى هو فى السّماء الرّابعة مجانب للكعبة ومقام قلب النّبىّ (ص) ومنه نزل مفصّلاً فى تلك المدّة على صدر النّبىّ (ص) وينزل فى كلّ سنةٍ من البيت المعمور على صدر النّبىّ (ص) او وصيّه من تأويل القرآن ومتشابهاته ما شاء الله من نسخ منسوخه واثبات مثبته، واطلاق مطلقه وتقييد مقيّده، وتعميم عامّه وتخصيص خاصّه، وعلى ما روى نزل أكثر الصّحف السّماويّة فى شهر رمضان لانّه شهر حبس النّفس عن التّوجّه الى القوى والمدارك الظّاهرة وعن المشتهيات النّفسيّة وما لم يحبس النّفس المعبّر عنها بالصّدر عن التّوجّه الى الدّار الدّنيا لا تستعدّ للانتقاش بنقوش الغيب ولا للمشاهدة والسّماع منه وباعتبار التّأويل، {شهر رمضان} عبارة عن مقام ظهور النّفس بالامساك عن غير الله والتّوجّه الى الله ولذا سمّى بشهر رمضان فانّ رمضان اسم لله تعالى. تحقيق كون القرآن بيّناتٍ من الهدى {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} من بيانيّة، اعلم انّ الرّسل متفاضلون فى المقامات والدّرجات فانّ مقامات لطائف الرّسالة ودرجاتها غير متناهية وأمّهاتها قد تحدّ بمأة الف وقد تحدّ بمأة وعشرين الفاً وقد تحدّ بمئة أربعة وعشرين الفاً، وتلك المقامات والدّرجات بعضها فوق بعض وكلّ عالٍ منها محيطٌ بما دونه بمعنى انّ ما دونه يكون من جملة شؤنه، ولكلّ مقام صاحب من الرّسل لانّ كلّ مقام يقتضى لطيفة خاصّة من لطائف الرّسالة وكلّ لطيفةٍ من تلك اللّطائف يظهر فى رسولٍ من الرّسل وكلّ رسول بلغ الى مقامٍ عالٍ يكون محيطاً بمن دونه من الرّسل وهم يكونون من جملة شؤنه، وكلّ كتابٍ وشريعة من الرّسول العالى يكون محيطاً بالشّرائع والكتب الّتى دونه وانّهما ناشئان من آخر مقامات الرّسول الاتى بهما وأعلاها نازلان منه الى مقام صدره، وانّ محمّداً (ص) آخر مقاماته المقام الّذى هو فوق الامكان وهو مقام الجمع المطلق الّذى لا مقام فوقه بخلاف سائر المقامات فانّ فيها فرقاً بوجه ولو بالتّقييد بالامكان والامتياز من الوجوب، ولهذا كانت الانبياء (ع) وكتبهم وشرائعهم تحت لوائه وكتابه وشريعته وكان حلاله حلالاً الى يوم القيامة وحرامه حراماً الى يوم القيامة، ولم يتطرّق الاندراس والنّسخ الى كتابه وشريعته، وكان اسم القرآن خاصّاً بكتابه لانّه مصدر مأخوذ من قرأ قرآناً بمعنى جمع جمعاً، وان كان مأخوذاً من قرأ قرآناً بمعنى تلا تلاوة فانّه ايضاً مأخوذ من قرأ بمعنى جمع والنّاشى من مقام الجمع المطلق هو كتابه (ص) لا سائر الكتب، فانّها نشأت من مقامات الامكان الّتى لا يخلو شيءٌ منها من الفرق والكتاب الّذى نزل من مقام عالٍ الى مقام الصّدر، والطّبع له وجهان؛ وجه الى عالم المقام العالى ووجه الى عالم المقام الدّانى، وباعتبار وجهه الى العالى يكون هادياً لاهل العالم النّازل الى ذلك المقام العالى وباعتبار وجهه الى المقام النّازل يكون مفصلاً بنحو تفصيل ذلك المقام وظاهراً بنحو ظهور ذلك المقام وفارقاً بين اسناخ المقام العالى وأشباح العالم الانزل، فيكون بتفاصيله بيّناتٍ واضحاتٍ هى عبارة عن الهدى باعتبار وجهه الى العالى وعن الفرقان باعتبار وجهه الى الدّانى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} تفريع على السّابق يعنى اذا كان شهر رمضان شهر نزول القرآن فيلزم عليكم فيه الامساك عن غير الله وعن مشتهيات مقامكم الدّانى وهو مقام النّفس حتّى يفتح عليكم مشتهى الرّوح وباب الغيب، فمن كان منكم حاضراً لا مسافراً كما فسّره الصّادق (ع) ردّاً على من خيّر فى السّفر بين الصّوم والافطار حيث قال: ما ابينها..! من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه، فاعتبر (ع) مفهوم المخالفة فانّ المفاهيم وان لم تكن حجّةً لكنّها معتبرة فى مقام الخطابة {فَلْيَصُمْهُ} فليصم فيه {وَمَن كَانَ مَرِيضاً} مرضاً يضرّ الصّوم بسببه {أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تصريحٌ بمفهوم المخالفة يعنى من لم يكن حاضراً فى الشّهر فلا يصمه وعليه ان يصوم عدد الايّام الفائتة من الشّهر أيّاماً أخر من غيره، وقد أكّد الامر بالافطار فى المرض والسّفر بالتّصريح اوّلاً والاشارة ثانياً وتأكيد مفهوم المخالفة ثالثاً {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} جواب لسؤالٍ مقدّر كأنّه قيل: ما يريد الله من الامر بالصّوم تارةً، ثمّ بالافطار والصّوم بعد الافطار أخرى؟ - فقال: يريد اليسر حال كونه ملصقاً بكم {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وفى الصّوم فى المرض والسّفر عسرٌ شديدٌ وفى ترخيص الافطار فيهما تيسيرٌ لكم {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} عطفٌ باعتبار المعنى كأنّه قال لئلاّ يعسر الصّوم عليكم ولتكملوا العدّة وانّما عدل الى قوله يريد الله للتّصريح بارادة الله ذلك تشريفاً لهم وتلطّفاً بهم بالاوّل علّة التّرخيص فى الافطار وهذا علّة الامر بالصّوم فى ايّام أخر {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} علّة للامر بالصّوم مطلقاً فانّ الصّوم صورة التبرّى وبالتبرّى يرتفع موانع القلب عن التّوجّه الى الله وعظمته، وبالتّوجّه يظهر عظمة الله وكبرياؤه، وبظهور عظمته وكبريائه يرتفع الغفلة والنّسيان فانّهما ليسا الاّ من استتار عظمته كما قال المولوى قدّس سرّه: شعر : لا تؤاخذ ان نسينا شد كَواه كه بود نسيان بوجهى هم كَناه زانكه استكمال تعظيم او نكرد ورنه نسيان درنيا وردى نبرد تفسير : وبعدم الغفلة والنّسيان عن المنعم فى النّعمة يحصل الشّكر ولذلك عقّبه بقوله {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يعنى تنظرون الى المنعم فى نعمة وهو من أجلّ مقامات الانسان ولمّا كان الصّوم موجباً لتكبير الله وتعظيمه سن الله تعالى فى آخر الصّوم اعنى ليلة الفطر بعد الصّلوة الى صلوة العيد التّكبير بالكيفيّة المخصوصة المذكورة فى الكتب الفقهيّة.
فرات الكوفي
تفسير : { يُريدُ اللَهُ بِكُمْ اليُسْر ولا يُريدُ بِكُمُ العُسر 185} فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثني أحمد بن الحسين عن محمد بن حاتم عن يونس بن يعقوب: عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {يريد الله... العسر} الآية قال: فذلك اليسر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
الهواري
تفسير : قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ}. نزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا. وهو قوله: (أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) تفسير : [القدر:1]. ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة. ثم جعل بعد ذلك ينزل نجوماً، ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر. ثم تلا هذه الآية: (أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) تفسير : [الواقعة:75]. قوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} والفرقان: الحلال والحرام. وقال بعضهم: الفرقان: المُخرِج من الشبهة والضلالة. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من كان مقيماً فليصمه، ومن خرج من رمضان فإن شاء صام وإن شاء أفطر {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. قوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إنما يريد الله بالإِفطار في السفر التيسير عليكم؛ فمن يسّر عليه الصوم فليصم، ومن يسر عليه الإِفطار فليفطر. ذكر أبو حمزة عن ابن عباس أنه قال: عسر ويسر فخذ بأيهما شئت. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن خير دينكم أيسره تفسير : . ذكروا عن بعض السلف أنه قال: إن كتاب الله قد جاءكم بذلك ورب الكعبة؛ قال الله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}. ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما عرض لرسول الله أمران إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، وكان أبعد الناس عن الإِثم. وما غضب رسول الله لنفسه قط. قوله: {وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ} أي ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً. وقد فسّرناه في الآية الأولى. قوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ذكر جعفر بن محمد أن أباه كان يكبّر ليلة الفطر، فلا يزال يكبّر حتى يصلّي مع الإِمام صلاة العيد. وكان بعضهم يجهر بالتّكبير حتى يغدو إلى المصلّى. وذكروا أن علياً كان يكبّر على بغلته يوم الفطر وهو متوجّه إلى المصلّى. ومن السنة أن يكبّر الإِمام على المنبر في المصلى يوم العيد تسع تكبيرات قبل أن يخطب الخطبة الأولى، ثم يكبّر قبل أن يخطب الخطبة الأخيرة سبع تكبيرات.
اطفيش
تفسير : {شَهْر رَمضَانَ}: خبر لمحذوف، أى عن شهر رمضان، أى الأيام المعدودات، أو الأيام المعدودات شهر رمضان، أو بدل من الصيام على حذف مضاف، أى كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان. والذى نعت، أو شهر مبتدأ خبره الذى، وقرئ بالنصب على أنه مفعول لمحذوف أى صوموا شهر رمضان، أو مفعول لتصوموا فى قوله:{أية : وأنْ تَصُوموا خير}تفسير : ولكن يلزم عليه الإخبار عن المصدر المنسبك من أن والفعل قبل مجئ معموله وهو كالموصول الاسمى، والموصول الاسمى لا يخبر عنهُ قبل تمام صلته، أو بدل من أيام معدودات، وكذا يلزم لو جعلناه ظرفا لتطوع، ويجوز أن يكون مفعولا أو لا لتعلمون، وهدًى مفعولا ثانيا، وسمى الشهر شهراً لشهرته، وسمى باسم الهلال، لأنه يتبين به ولكن سمى الهلال شهراً لشهرته، ويقال شهر الشئ إذا ظهر، وشهرته أظهرته يتعدى ويلزم، ورمضان فى الأصل مصدر رمض إذا احترق، فهو فى الأصل مصدر مصروف يقبل التعريف بأل وغيره، ويقال الرماض أى الاحتراق، ورمض رمضانا احترق احتراقاً، وأعجبنى رمضان الكفار أى احتراقهم ثم جعل علماً لهذا الشهر، فمنع للعلمية وزيادة الألف والنون، وإضافة الشهر إليه إضافة عام لخاص بيانية، أى شهر هو رمضان، فليس شهر من جملة العلم كعبد الله علما فى هذه الوجوه، ويحتمل أن يكون شهر رمضان علما مركبا من متضايفين كعبد الله، فالعلمية تحصلت بالجزأين، وإذا تحصلت بالجزأين كان منها نصيب للجزء الثانى فيجمع فيمنع الصرف إذا انضمت إليها علة أخرى تمنع معها، كزيادة الألف والنون وتاء التأنيث نحو أبى هريرة وأبى مسألة، وليس الجزء الثانى قبل ذلك علما مستقلا، ولا سيما لو كانه: ومن ذلك ابن داية للغراب، وداية اسم لموضع القتب من البعير، لأنه ينقر فيه، والوجه الأول عندى أحسن، أوجب كثير الوجه الثانى حتى زعموا إن قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من صام رمضان"تفسير : على حذف مضاف، أى شهر رمضان للعلم به، وساغ حذف جزء العلم لأنهم أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف إليه، وهذا كما يحذف الجزء الثانى من سعد الدين لقبا للتفتزانى، فيقال السعد بإدخال ال للمح الأصل، وكما يقال فى قطر الندى: القطر، وفى شذور الذهب الشذور، وزعم التفتزانى المذكور أنهم أطبقوا على أن العلم فى ثلاثة أشهر هو مجموع المضاف إليه، أى شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وسمى شهر رمضان لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، أى احتراقهم أو لارتماض الذنوب فيه، روى محمد بن منصور السمعانى، وأبو زكريا يحى بن مندة فى أماليهما، عن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب"تفسير : ، انتهى أو لوقوعه أيام رمض الحر، أى شدته حين سموه بهذا الاسم، وكان قبل ذلك يسمى نائقا، أى من عجا لأنه يزعجهم إضجاراً، وقال قوم: سمى رمضان لرمض الفصال فيه من الحر، وقيل: لرمض الحجارة والرمضاء الحجارة المحماة، والقولان متقاربان، وقيل: الرمض مطر يأتى فى الخريف يغسل الأرض، فسمى رمضان لأنه يغسل الأبدان من الذنوب غسلا، ويطهر به قلوبهم تطهيراً. وإن قلت: إن سمى لشدة الحر فيه فى ذلك الوقت فلم سمى بعد زوالها، قلت: التسمية لا تزول بزوال موجبها فى الأعلام، فلو سميت ابنك أحمر لحمرته حين ولد، ثم انتقل لبياض أو غيره لم يزل اسمه أحمر، ولا يلزم تسمية كل شهر وقع فيه حر باسم رمضان، لأن وجه التسمية لا يوجبها، وقال قوم: رمضان اسم الله تعالى فقولك شهر رمضان بمعنى شهر الله، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تقولوا رمضان ولكن انسبوه كما نسبه الله فى القرآنتفسير : ، وقال: {شهر رمضان}، ولم تصح هذه الرواية للحديث السابق:"حديث : من صام رمضان"تفسير : اللهم إلا أن يقال تسمية رمضان مخصوصة به صلى الله عليه وسلم أو أراد لا تقولوا رمضان مسمين به الشهر، أما على كونه اسما لله تعالى ناوين اسم الشهر قبله فجائز، وقال ابن مالك فى شرح التسهيل: إن الحكم إن الحكم إذا علق برمضان ولم يذكر الشهر عمه، وإن ذكر الشهر جاز عم أو خص، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من صام رمضان إيمانا وإحتسابا"تفسير : لأن صومه كله واجب. وقال الله تعالى: {شَهْر رَمضَانَ الّذى أنْزلَ فِيهِ القُرآنُ} والإنزال فى ليلة منه، وصوم رمضان فرض فى السنة الثانية من الهجرة، لليلتين مضتا من شعبان قبل غزوة بدر الكبرى، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، على رأس ثمانية عشرة شهرا من الهجرة، فبين فرضه وغزوة بدر شهر وأيام، ويأتى ذلك فى محله إن شاء الله تعالى. قال الفراء فى أول صوم فرض مخيراً بينه وبين الفدية ثم نسخ الفداء بقوله: {فَمنْ شَهِد مِنْكُم الشَّهر}، ثم نسخ تضييق الإفطار فيما بين المغرب والعشاء، أو بين وبين النوم، والصحيح أنه فرض قبله صوم، ثم نسخ وهو عندنا عاشوراء وقيل ثلاثة أيام من كل شهر، وقال القرطبى: عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وهن الأيام المعدودات فى قولين، ونسخ برمضان، وقيل الأيام المعدودات رمضان نسخهن. {الَّذِى أُنزلَ فيهِ القُرآنُ}: كله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ونزل بعد ذلك إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - شيئاً فشيئاً فى سائر السنة والسنين بعدها، ويجوز أن يكون المراد: الذى بدأ فيه إنزال القرآن إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وإن قلنا: القرآن الجنس الصادق على كل جزء من كتاب الله الكريم، فيكون المعنى: الذى انزل فيه شئ من حقيقة ما يقرأ، أو فلنا بتقدير مضاف، أى أنزل فيه بعض القرآن، والإنزال على الوجهين أيضاً من السماء الدنيا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ويجوز أن يراد أنزل فيه القرآن جملة إلى السماء الدنيا، وبعضه منها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه: والظاهر أن المراد نزوله إليه - صلى الله عليه وسلم - قال صلى الله عليه وسلم - "حديث : نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشر، والقرآن لأربع وعشرين"تفسير : رواه أحمد وغيره عن وائلة ابن الأسفع، ويروى أن جبريل نزل على أبينا آدم عليه السلام اثنتى عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى إبراهيم اثنين وأربعين مرة، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات، وعلى محمد - صلى الله عليه وسلم - أربعة وعشرين ألف مرة. وروى أبو ذر عن النبى، صلى الله عليه وسلم:"حديث : نزلت صحف إبراهيم فى ثلاث ليال مضين من رمضان"تفسير : وفى رواية "حديث : فى أول ليلة من رمضان"تفسير : وأنزلت توراة موسى فى ست ليال مضين من رمضان، وأنزل إنجيل عيسى فى ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زابور داود فى ثمان عشر ليلة مضت من رمضان، وأنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فى الرابعة والعشرين لست بقين بعدها" فيكون بدء نزول القرآن فى شهر رمضان فى ليلة القدر أو يومها عليه - صلى الله عليه وسلم - وذلك قول ابن سحاق وأبى سليمان الدمشقى، وعن ابن عباس: أنزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ فى ليلة القدر رابعة وعشرين من شهر رمضان، توضع فى بيت العزة فى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على محمد - صلى الله عليه وسلم - نجوماً فى ثلاث وعشرين سنة، فذكر قوله: {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم}،تفسير : وفى رواية نجوما ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر، وفى رواية: كان جبريل ينزله رسلا رسلا فى الأوامر والنواهى والأسباب، وروى الربيع بن جبيب، عن عبد العلاء بن داود، عن عكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"حديث : نزل القرآن كله جملة واحدة فى ليلة القدر إلى سماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث فى الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعهُ"تفسير : قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضى بالقضية فينزل القرآن بخلاف قضائه، فلا يرد قضاءه: فيستقبل حكم القرآن، ويجوز أن يكون المعنى: شهر رمضان الذى أنزل فيهِ القرآن فى شأنه من كونه فرضا، وجواز الإفطار للمريض والمسافر وغير ذلك مما دلت عليه الآية تصريحا وضمنا، كما تقول: نزلت الآية فى الصلاة، ونزل الآية فى الزكاة، ونحو ذلك من الفرائض، وكمنا تقول نزلت الآية فى أبى بكر، ونزلت الآية فى عمر، ونزلت فى قوم كذا، ثم رأيته قولا لمجاهد والضحاك والحسن بن الفضل. والقرآن اسم لهذا الكتاب المنزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهو مشتق من القرء وهو الجمع، لأنهُ جمع آيات وسور هاديا أو ذا هدى، وأحكاما وقصصاً وأمثالا وغير وذلك مذهب الزجاج، لكنه قال: هو وصف مشتق من القرء بمعنى الجمع، يقال قرأت الماء فى الحوض، أى جمعته، ولعلهُ أراد أنه وصف فى الأصل. قال أبو عبيدة: سمى بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض. وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن، ولا لجمع كل كلام قرآن، وإنما سمى قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب السابقة المنزلة، وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها، وحكى فضرب قولا أنه سمى قرآنا لأن القارئ يلفظه من فيه، أخذاً من قول العرب: ما قرأت الناقة سلاً قط، أى ما رمت بولدها، أى ما أسقطت ولدا، أى ما حملت قط، والهمزة فى ذلك كله أصل، والألف والنون زائدتان، ووزنه فعلان، وإذا سمع أو قرئ قرآن بلا همزة فكذلك، لكن نقلت حركة الهمزة للراء فحذفت الهمزة، وكذا قال اللحيانى وقوم: إنهُ مهموز، وإن الزائد هو الألف والنون مصدر فى الأصل من قرأت بوزن فعلان كالغفران والرحجان. سمى به الكتاب تسمية للمصدر، وقال الشافعى وجماعة: هو اسم علم ليس مشتقا خاص بكلام الله وهو غير مهموز، ووزنه فعال، وبه قرأ ابن كثير هنا، وحيث وقع وقرانا وقرانه حيث وقع إذا كان اسما بغير همزة، والباقون بالهمزة، وإذا وقف حمزة وافق ابن كثير، أخرج البيهقى والخطيب وغيرهما عنه أنهُ كان يهمز قرأت ولا يهمز القرآن، ويقال اسم الكتاب الله مثل التوراة والإنجيل وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، وقال قوم منهم أبو الحسن الأشعرى: مشتق من قرنت الشئ بالشئ إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، لقرن الآيات والحروف والسور، وقال الفراء: مشتق من القرينة، لأنهُ يصدق بعضه بعضاً ووزنهُ أيضاً على القولين فعال بأصالة النون، ورد الزجاج ذلك بأن ترك الهمزة تخفيف بحذفه بعد نقل حركته، واختار السيوطى قول الشافعى. {هُدًى للنَّاس}: من الضلالة وهو حال من القرآن مبالغة أو بمعنى هاديا أو ذا هدى. {وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدَى}: دلائل واضحات مما يهدى به إلى الحق، فالهدى هدى مصدر بمعنى مفعول، أى من الكلام المهدى به، أو بمعنى فاعل، أى من الكلام الهادى، وليس متكررا مع قوله: {هُدًى للنَّاس}، كما علمت من تفسير فهو كقولك زيد عربى من خالصى العرب، وزيد عربى محض فى العرض، أو المعنى هذا على الإجمال، {وبينات من الهدى} على التفصيل. {والفُرْقانِ}: عطف على الهدى، أى وبينات من الكلام الفارق بين الحق والباطل، والهدى الثانى والفرقان جنس ما به الهداية، والفرق بين الحق والباطل مطلقا، أو جنس كلام الله تعالى مما هو كتاب، وهو كتب الله، ومما هو وحى غير كتاب الله. {فَمَن شَهِدَ}: حضر فى وطنه غير مسافر عنه. {منكم}: أيها المؤمنون، وخصهم لأنهم المنتفعون بالخطاب، ولو كان غيرهم أيضا مكلفا أو أيها الناس المكلفون كلهم. {الشَّهرَ}: شهر رمضان مفعول لشهد، لأن شهد متعد كحضر، وإن شئت فاجعله ظرفا، وقدر المفعول، أى حضر وطنه فى الشهر، وإن شئت فاجعله لازما والشهر ظرفاً، بمعنى من لبث فى الشهر أو أقام فيه وإن قلت: كيف صح أن يكون مفعولا والمسافر أيضا شاهد للشهر؟ قلت: لأن المعنى شهد الشهر وحضره وهو فى وطنه. {فَلْيصُمْهُ}: الهاء مفعول به على التوسعة، أو ظرف ولا إشكال فى جعل الشهر مفعولا به إذا أريد به الهلال، أى فمن عاين الهلال ورآه فليصم صومه، فحذف آخرا. ووجه: إضافة الصوم للهلال أنه يكون برؤية الهلال، وكذا إن قدر أولا، أى فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه، أى فليصم الشهر لكن لا بد على الوجهين، من أن المعنى من أن المعنى من عاين الهلال فى الوطن، والفاء فى قوله: {فمنْ شَهِد} للتفريع على قوله:{أية : وأنْ تَصُوموا خَير لكم}تفسير : وأنزل فيه القرآن، والفاء فى قوله: {فليصمه} رابطة لجواب من، ويجوز أن يكون شهر رمضان مبتدأ خبره: من، وشرطها وجوابها فتكون الفاء فى {فَمنْ شَهد} زيدت لوصف المبتدأ بما تضمن معنى الشرط، ومقتضى الظاهر فمن شهده منكم فليصمه، وموضع الظاهر موضع المضمر للتعظيم، وإذا جعلنا من شهد تفريعا على قوله: {أنزل فيه القرآن} أو جعلناه وما بعده خبرا لرمضان، أفاد التفريع أن كون الصوم خيراً سبب لوجوبه، وأفاد الإخبار بذلك على رمضان، أن إنزال القرآن فى رمضان سبب لوجوب الصوم، لأن الذى: كَالمشتق، وتعليق الحكم بالشتق، يؤذن بعليته ورمضان موصوف بالذى فله حكم الذى. {ومَنْ كانَ مَرِيضاً أوْ علىَ سفرٍ فَعِدةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}: هذا تخصيص من عموم من شهد الشهر، فإن المريض، والمسافر ممن شهده، لكن لما لم يطق بالمرض، أو شهده فى غير وطنه لم يجب عليه الصوم، وكرر لهذا التخصيص، أو لئلا يتوهم نسخ عدم وجوب الصوم على المريض والمسافر بعموم {فَمْن شَهدَ منكُم الشَّهر فَلْيصُمه} كمن نسخ به {أية : وعلىَ الَّذينَ يطُيقونه فِدْيةٌ طعامُ مِسْكين}تفسير : وإن قلت فمن لم ير الهلال، ولكنه أخبر وليس مسافراً ولا مريضا ولا غير قادر، فهل يصوم؟ قلت يلزمه الصوم لأن معنى شهادة الشهر دخول الشهر وهو فى وطنه، وحكم أميال وطنه حكم وطنه، وإن قلت: فقد قدرت فى وجهين من شهد الهلال، قلت شهادة غيره إياه فى حكم شهادته، ويكفى الواحد المتولى إذا كان حرا، قيل ولو امرأة أو أمه أو عبداً إن لم يجر لنفسه نفعا فى خبره، أو يدفع به ضرا، وهذا مذهبنا، وبه قال أبو ثور، وأما الإفطار فلا يجوز إلا بأمينين عندنا وعند الشافعى، وأجازه قوم من المخالفين أيضاً بواحد متولى، وقال مالك: لا يصام إلا بأمينين، ولا يفطر إلا بهما كسائر الشهادات. {يُريدُ الله بِكمُ اليُسْرَ}: السهولة فى جميع تكاليفكم. {ولا يُريدُ بكُم العُسْر}: الحرج، ولذلك أباح الإفطار للمريض والمسافر، وحمل الآية على العموم أولى من أن يقول يريد الله بكم اليسر فى الإفطار للمرض أو للسفر، ولا يريد بكم العسر بإلزام المريض والمسافر الصوم، كما قال مجاهد والضحاك: اليسر: الفطر فى المرض والسفر، والعسر: الصوم فيهما، وأخذ بعضهم من الآية أن الإفطار فى السفر أولى، قال أبو حمزة: إن كتاب الله قد جاء بذلك، ورب الكعبة قال: الله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وعن ابن عباس: إنما أراد الله بالإفطار فى السفر اليسر عليكم، فمن يسر عليه الصوم فليصم، ومن يسر عليه الإفطار فليفطر، وفى خبر آخر: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحب إلى الله تعالى. وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ما عرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمران إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثما، وكان أبعد الناس من الإثم، وما غضب رسول الله لنفسه قط، وروى البخارى عنه - صلى الله عليه وسلم: "حديث : يسروا ولا تعسروا" تفسير : وكان يحب التخفيف واليسر على الناس، وروى البخارى ومسلم بسندهما عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يسروا ولا تعسروا سكنوا ولا تنفروا"تفسير : وروى البخارى ومسلم، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبى "حديث : يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا"تفسير : قال البخارى موسى ومعاذ: "حدثنا أبو اليمانى، قال حدثنا حماد بن زيد عن الأزرق ابن قيس، قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو بزرة الأسلمى على افرس فصلى وخلى فرسه، فانطلق الفرس فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأى وأقبل يقول انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل فقال ما عنفنى أحد منذ فارقت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: إن منزلى متراخ فلو صليت وتركتها لم آت أهلى إلى الليل، وذكر أنه قد صحب النبى - صلى الله عليه وسلم - فرأى من تيسيره، ولا يخفى أن العسر المنفى فى الآية العسر فى التكليف بالأحكام، والمثبت فى قوله{أية : فإن مع العسر يُسْراً إن مع العسر يسراً}تفسير : التضعيف بالقضاء بالمصيبة، فلا منافاة. وقرئ: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} بضم السين تبعاً للياء والعين، أو هو الأصل والإسكان تخفيف عنه أكثر استعمالا منه. {ولِتُكْمِلَوا العِدَّةَ}: وقرأ أبو بكر عن عاصم (بفتح الكاف وتشديد الميم واللام) متعلق بمحذوف تعليل له، أى وارعوا عدة الأيام المعدودة التى هى شهر رمضان {لتكملوا. العِدَّة}: والجملة مستأنفة أو معطوفة على صوموا أياماً معدودات. والعدة عدة أيام رمضان. روى البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [قال]: "حديث : الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدروا له"تفسير : وفى رواية: "حديث : فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"تفسير : وروى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أبى سعيد الخدرى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى رمضان: "حديث : لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدروا له"تفسير : وفى رواية أخرى: "حديث : فأتموا الثلاثين"تفسير : وروى الحسن البصرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احصوا هلال شعبان لرمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمى عليكم فأتموا ثلاثين، فإن الشهر يكون تسعا وعشرين"تفسير : وذكر عن ابن عمر مرفوعاً إليه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : الشهر تسع وعشرون - وقال بكفيهِ هكذا وهكذا وهكذا وضم الخنصر فى الثالثة - صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإن حال دونه غمام أو غيابة فأكملوا العدة ثلاثين، فإن فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون"تفسير : يعنى أنه أشار بأصابعه العشر مرتين، وأشار فى المرة الثالثة بتسعة غير الخنصر. روى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد مرسلا، حديث : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الشك وهو آخر يوم من شعبان، ويوم الفطر ويوم الأضحى وقال: من صامها فقد قارف إثما " تفسير : وروى الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن عمر ابن الخطاب بلاغاً أنه صلى بالناس العيد، ثم انصرف وخطب الناس، ثم قال إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم ويوم تأكلون فيه من شككم، وروى عن كثير من العلماء أنهم قالوا حديث : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيام ستة أيام من السنة: يوم الفطر ويوم النحر، وأيام التشريق، واليوم الذى يشك فيه من رمضانتفسير : . وذكر محمد بن سيرين قال: انطلقت فى اليوم الذى يختلف فيه من رمضان، فلم أر أحدا ممن كنت آخذ منه إلا وجدته مفطرا إلا رجلاً واحدا كان يحسب حسابا له، ولو لم يحسبه كان خيراً له، وكان فيمن أتيت أنس بن مالك، ومسلم بن يسار، ويجوز أن يكون المراد بإكمال العدة قضاء ما أفطروا فيه لمرض، أو سفر. ويلتحق لذلك إفطارها لحيض أو نفاس، وإفطار كل من أفطر للإفطار بوجه من الوجوه، ويجوز أن يكون العطف على المعنى، فيكون من العطف المسمى فى سائر الكلام عطف توهم، وذلك بأن يعطف لتكملوا على قوله: {يريد الله بكم اليسر} كأنهُ قيل: لأن الله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة، أو اللام صلة للتأكيد فى مفعول يريد بواسطة العطف، وهو عطف على اليسر، أى يريد الله بكم اليسر وإكمال العدة، أو يقدر له يريد، أى ويريد لتكملوا العدة كقوله جل وعلا:{أية : يُريدونَ ليطفئوا نور الله}. تفسير : {وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ علَى ما هَداكمُ}: متعلق بمحذوف علة له، أى اقضوا ما أفطرتم لمرض أو سفر، لتعظموا الله بالحمد والثناء على هدايته إياكم، فإن القضاء نعمة يجب الشكر عليها إذا جاز الإفطار، وقام القضاء مقامه، ويجوز عطفه على {لتكملوا العدة} بما فى {لتكملوا العدة} من الأوجه، فيجوز أن يكون المعنى ولتكبروا الله عند إكمال العدة على إرشاده إياكم لمعالم دينه، وما مصدرية، وعلى للتعليل أو الاستعلاء المجازى، أى: لأجل هدايته إياكم، أو بانين على هدايته إياكم، هذا ما ظهر لى، واقتصر ابن هشام على التعليل، وفى قول القاضى: إنه عدَّ التكبير بعلى لكونه بمعنى التعظيم بالحمد، والثناء إشارة إلى أن على للاستعلاء، ويضعف كون ما اسما موصولا، أى على ما هداكم إليه، لأن فيه حذف العائد المجرور بحرف لم يجر بمثله الموصول، ويجوز كون هدى متعديا لاثنين كقوله جل وعلا:{أية : وهَديْناهُما الصّرَاط المستقيم}، {أية : اهدنا الصراط المستقيم،}تفسير : أى على ما هداكم إياه أو على ما هداكموه، فيكون حذفه على القياس، وقد علمت أن معنى التكبير تعظيم الله، والتعظيم فعل القلب وعمل الإنسان والجوارح دليل عليه، وتبع له بأى لفظ كان لفظ تكبير أو غيره، وبأى عبارة كان، وقيل المراد تكبير يوم الفطر، وذكروا عن جعفر بن محمد أن أباه كان يكبر ليلة الفطر، فلا يزال يكبر حتى يصلى مع الإمام صلاة العيد، وكان بعضهم يجهر بالتكبير حتى يغدو إلى المصلى، وذكروا أن عليا كان يكبر على بغلته يوم الفطر وهو متوجه إلى المصلى، ومن السنة أن يكبر الإمام على المنبر فى المصلى يوم العيد سبع تكبيرات قبل أن يخطب الخطبة الأولى، ثم يكبر قبل أن يخطب الخطبة الآخرة سبع تكبيرات. قال مالك: ذلك تكبير الرجل من حين خروجه من منزله إلى أن يخرج الإمام إلى المصلى، ولفظهُ عند مالك وجماعة من العلماء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثلاثة ثلاثة. ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح فى أثناء التكبير. ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وقيل التكبير تعظيم الله باللسان بأى لفظ كان، وعن ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. وقال الشافعى: ويجب أظهار التكبير فى العيدين، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يكبر فى عيد الفطر ويكبر فى عيد الأضحى. {ولَعلَّكُم تَشْكُرونَ}: تعليل أو ترجية متصل بمحذوف، أى ويسر لكم أو رخص لكم فى الإفطار لعلكم تشكرون الله على ذلك، فإنه نعمة أو على نعمه مطلقاً، أو معطوف على ما سبق، ويجوز كون تلك التعاليل متعلقة بمحذوف دل عليه ما سبق، أى: وشرع الله وجوب الصوم على من شهد منكم الشهر، ووجوب القضاء على من أفطر لمرض أو سفر، ووجوب مراعاة عدة ما أفطر، والترخيص فى الإفطار لتكملوا العدة... إلخ. على سبيل اللف، وتعاليل متعلقة بمحذوف وتقديره: ليسهل عليكم، ولتكملوا: ولتعلموا ما تعلمون ولتكملوا، ويجوز أن يكون لتكملوا ولتكبروا أمرين معطوفين على ليصمه الثانى أو الأول، أو على صوموا أياما معدودات، وفى ذكر الهداية والشكر تلويح بأن المسلمين موفقون إلى أداء الصوم كما فرض عليهم، ووجب عليهم التكبير والشكر لذلك التوفيق، لا كالنصارى المخذولين حتى إغروا الصوم.
اطفيش
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ} إضافة عام لخاص كشجر أراك، وهى للبيان، أى شهر هو رمضان، فيجوز ذكر رمضان بلا شهر، وليس اسما لله كما ادعى من زعم أنه مروى، والمعنى كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ} أو تلكم الأيام المعدودات شهر رمضان الذى أنزل الخ، أو شهر رمضان الشهر الذى أنزل فيه القرآن بمرة كله إلى السماء الدنيا والشهر من شهرت الشىء أظهرته، لأن الشهور تعين للعبادة أو للمعاملة، ورمضان من الرمض بإسكان الميم، وهو مطر يأتي قبل الخريف يزيل الغبار عن وجه الأرض، فكذلك صومه يزيل الذنوب، وقيل سمى لارتماضهم فيه عاما بالجوع والعطش، أو لوقوعه أيام رمض، أى شدة حر، فيسمى بعد، ولو لم يكن جوع أو عطش أو حر، أو لاحتراق الذنوب، إلا أن هذا يناسب النزول، لا ما قبله، ولا بأس، بل هو المروى عنه صلى الله عليه وسلم، أو لرمض الفصال، قيل نقتل أسماء الشهور عن أسمائها الأولى دفعة، ولما تمت اتفق أنهم سموها كتحريم القتال فى المحرم، وخلو مكة عن أهلها فى صفر للحرب، وارتباع الناس فى الربيعين، وجمود الماء فى الجمادين وشوال أذناب اللقاح فى شوال، ورجب النسا شحرهم بالعمد لعظم حملها وتعظيمهم ولو فى الجاهلية رجبا حتى إنهم يحجون فيها كما فى ذى الحجة والرجب التعظيم وقعودهم عن الحرب فى ذى القعدة وحجهم من قبل الإسلام فى ذى الحجة أصالة وتشعب القبائل فى شعبان {هُدُى لّلنَّاسِ} حال كونه هاديا، وإسناد الهداية إليه مجاز عقلى ولولا قوله {وَبَيِّنَٰتٍ} لكان مفعولا من أجله، أى وآيات واضحات والهدى أعم لأنه يكون بواضح وخفى {مِّنَ الْهُدَى} مما يهدى إلى الحق {وَالْفُرْقَانِ} ومن الفرقان ما يفرق بين الحق والباطل، الهدى الأول هداية حاصلة بإعجازه، الهدى الثانى هو الهدىالحاصل باشتماله على الحق، والتفريق بينه وبين الباطل لما فيه من أنواع الحكمة وأمور الدين، ومن واجب، وحرام، ومستحب، أو لأولى الآداب والديانات الاعتقادية، والثانى أمور الدين، أو الأولى الاعتقاديات والثانية باقى ما ذكر فلا تكرير {فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} المذكرو أى حضره، بالغاً عاقلا صحيحاً، قادراً، غير مسافر، رأى الهلال هو أو غيره أو استكمل العدة لشعبان، وليس الشهر مراداً به الهلال، فسمى أول الشهر باسم كله أو يقدر مضاف. قال ابن عباس وعلى وابن عمر: من شهد أول الشهر فليصمه جميعه ولا يفطر ولو سافر، ولذلك قال الله جل وعلا {فَلْيَصُمْهُ} ولم يقل فليصم فيه، والصحيح أن لمن شهد أوله أن يسافر ويفطر، والآية لا تمنع ذلك، بل توجب الصوم على حاضره ما لم يكن مريضاً أو مسافراً، ولو جن فى باقيه حتى انسلخ فإنه يقضى، أو جن قبله وأفاق فيه فإنه يقضى ما مضى، وقيل لا يقضيان بناء على أن كل يوم فرض، وان جن قبله وأفاق بعده فلا قضاء عليه لأنه لم يشهده {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر} كرره لئلا يتوهم أنهما داخلان فيمن شهد، المعبر به هنا دون ما مضى، ولئلا يتوهم نسخ قوله أولا، فمن كان منكم مريضاً الخ بقوله هنا، فمن شهد منكم الشهر فليصمه بأنه يجب الصوم على المريض والمسافر مع أنه ليس كذلك، كما نسخ وعلى الذين يطيقونه {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} فى دينه أى يشرعه، وهو مراد أبى حيان، إذ فسر لإرادة بالطلب، قال ذلك خروجا عن تبديل الإرادة فإن إرادة الله لا تتبدل، وذلك منه خروج عن مذهب الاعتزال، إذ زعمت المعزلة أن إرادته تعالى قد يخالفها العبد وتبطل {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ومن ذلك أنه أباح لإفطار فى المرض والسفر دائما، وخير بين الصوم والإطعام، أولا تسهيلا وتأنيثا ثم نسخ لما تدربتم فتوافر الأجر {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} اللام ليست للأمر بإكمال ما أفطرتم فيه أو بإكمال عدة رمضان ثلاثين أو تسعة وعشرين بل لتعليل عطفا على المعنى، كعطف التوهم فى غير القرآن، لأن قوله يريد فى معنى العلة للأمر بالصوم وكذا قوله {وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ} ولا تكون لام الأمر لأن أمر المخاطب باللام يختص بالضروة أو شذًّا، أو لغيّة {عَلَى مَا هَدَٰكُمْ} أى ولتثنوا عليه لأجل هدايتكم إياكم لدينه، أو تثنوا عليه حامدين عليها والتنكير للتعظيم والثناء وقيل تكبير العبد من المغرب إلى صلاة العيد وقيل تكبير رؤية الهلال {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على التيسير والترخيص ويجوز أن يكون المعنى عدة أيام أخر لتكملوا العدة التى لم يصم المريض والمسافر فى مثل تلك العدة، وهداكم كيفية القضاء متتابعا كما دل له لفظ عدة، كأنه قيل مجموعة بنية من الليل نية واحدة له لتكبروا الله على إرشادكم إلى الحق ولا سيما القضاء المطلق، ورخص فى لإفطار للمسافر والمريض وحامل ومرضع لكى تشكروا، أو العطف على محذوف، أى ليسهل ولتكملوا، أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا، ولا يخفى أن أمر الله ونهيه متخلفان بأمر المكلف ولا يمتثل وينهاه ولا ينتهى، وإرادته لا تتخلف، كما قال أو حيان ردًّا منه على المعتزلة، فلا يجوز العطف على اليسر بزيادة اللام، هكذا يريد الله بكم اليسر، وتكميل العدة فقد لا يكملها ولا يكبر الله، وقد قصى الله بالتكميل والكبير، هذا باطل لا يصح إلا أن يتكلف بتأويل الإرادة هنا بالأمر، وصائم رمضان يثاب على ثلاثين يوما ولو نقص الشهر لأنه نوى إن تم صامه تاما.
الالوسي
تفسير : {شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأ خبره الموصول بعده، ويكون ذكر الجملة مقدمة لفرضية صومه بذكر فضله، أو {فَمَن شَهِدَ} والفاء لتضمنه معنى الشرط لكونه موصوفاً بالموصول، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم الوقت الذي كتب عليكم الصيام فيه، أو المكتوب شهر رمضان، أو بدل من الصيام بدل كل بتقدير مضاف، أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان، وما تخلل بينهما من الفصل متعلق بـ {أية : كُتِبَ}تفسير : [البقرة: 183] لفظاً أو معنى فليس بأجنبـي مطلقاً، وإن اعتبرته بدل اشتمال استغنيت عن التقدير، إلا أن كون الحكم السابق ـ وهو فرضية الصوم ـ مقصوداً بالذات، وعدم كون ذكر المبدل منه مشوقاً إلى ذكر البدل يبعد ذلك، وقرىء {شَهْرَ} بالنصب على أنه مفعول لتصوموا محذوفاً؛ وقيل: إنه مفعول {أية : وَأَن تَصُومُواْ } تفسير : [البقرة: 184] وفيه لزوم الفصل بين أجزاء المصدرية/ بالخبر، وجوز أن يكون مفعول {أية : تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 184] بتقدير مضاف ـ أي شرف شهر رمضان ونحوه ـ وقيل: لا حاجة إلى التقدير، والمراد: إن كنتم تعلمون نفس الشهر ولا تشكون فيه، وفيه إيذان بأن الصوم لا ينبغي مع الشك ـ وليس بشيء كما لا يخفى ـ والشهر المدة المعينة التي ابتداؤها رؤية الهلال، ويجمع في القلة على أشهر، وفي الكثرة على شهور، وأصله من شهر الشيء أظهره، وهو ـ لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات ـ صار مشهوراً بين الناس، و (مضان) مصدر رمض ـ بكسر العين ـ إذا احترق، وفي «شمس العلوم» من المصادر التي يشترك فيها الأفعال فعلان ـ بفتح الفاء والعين ـ وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب والاضطراب ـ كالخفقان والعسلان واللمعان ـ وقد جاء لغير المجيء والذهاب كما في ـ شنأته شنآناً إذا بغضته ـ فما في «البحر» من أن كونه مصدراً يحتاج إلى نقل ـ فإن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم ـ فإن جاء شيء منه كان شاذاً، فالأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً ناشيء عن قلة الاطلاع، والخليل يقول: إن من الرمض ـ مسكن الميم ـ وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار، وقد جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علماً للشهر المعلوم، ولولا ذلك لم يحسن إضافة (شهر) إليه كما لا يحسن ـ إنسان زيد ـ وإنما تصح إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده، ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه، وقد نظم ذلك بعضهم فقال:شعر : ولا تضف شهراً إلى اسم شهر إلا لما أوله ـ الرا ـ فادر واستثن منها رجباً فيمتنع لأنه فيما رووه ما سمع تفسير : ثم في الإضافة يعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع ـ اللام ـ ووجوبها حال المضاف إليه فيمتنع في مثل {شَهْرُ رَمَضَانَ} وابن دأية من الصرف ودخول ـ اللام ـ وينصرف في مثل شهر ربيع الأول ـ وابن عباس ـ ويجب ـ اللام ـ في مثل ـ امرىء القيس ـ لأنه وقع جزءاً حال تحليته باللام، ويجوز في مثل ـ ابن عباس ـ أما دخلوه فللمح الأصل، وأما عدمه فلتجرده في الأصل، وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس ـ كذا قيل ـ وفيه بحث ـ أما أولاً: فلأن إضافة العام إلى الخاص مرجعها إلى الذوق، ولهذا تحسن تارة كشجر الأراك، وتقبح أخرى ـ كإنسان زيد ـ وقبحها في {شَهْرُ رَمَضَانَ} لا يعرفه إلا من تغير ذوقه من أثر الصوم، وأما ثانياً: فإن قولهم: لم يسمع شهر رجب الخ، مما سمع بين المتأخرين ـ ولا أصل له ـ ففي «شرح التسهيل» جواز إضافة (شهر) إلى جميع أسماء الشهور ـ وهو قول أكثر النحويين ـ فادعاء الإطباق غير مطبق عليه، ومنشأ غلط المتأخرين ما في ـ «أدب الكاتب» ـ من أنه اصطلاح "الكتاب"، قال: لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وجعلوا أول السنة المحرم، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهراً إلا مع رمضان والربيعين، فهو أمر اصطلاحي ـ لا وضعي لغوي ـ ووجه في (رمضان) موافقة القرآن، وفي ربيع الفصل عن الفصل، ولذا صحح سيبويه جواز إضافة الشهر إلى جميع أسماء الشهور، وفرق بين ذكره وعدمه بأنه حيث ذكر لم يفد العموم ـ وحيث حذف أفاده ـ وعليه يظهر الفرق بين ـ إنسان زيد ـ و {شَهْرُ رَمَضَانَ} ولا يغم هلال ذلك. وأما ثالثاً: فلأن قوله: (ثم) في الإضافة الخ، مما صرح النحاة بخلافه، فإن ـ ابن دأية ـ سمع منعه وصرفه كقوله:شعر : / ولما رأيت النسر عز ـ ابن دأية ـ وعشش في وكريه جاش له صدري تفسير : قالوا: ولكل وجه، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان ـ كطلحة ـ مفرداً وهو غير منصرف، وأما الصرف فلأن المضاف إليه في أصله اسم جنس ـ والمضاف كذلك ـ وكل منهما بانفراده ليس بعلم، وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه؛ ولا يكون لمنع الصرف مدخل فليحفظ، وبالجملة المعول عليه أن رمضان وحده علم وهو علم جنس لما علمت، ومنع بعضهم أن يقال: رمضان بدون شهر لما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي والديلمي عن أبـي هريرة مرفوعاً وموقوفاً «حديث : لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان»تفسير : وإلى ذلك ذهب مجاهد ـ والصحيح الجواز ـ فقد روي ذلك في "الصحيح" ـ والاحتياط لا يخفى ـ وإنما سمي الشهر به لأن الذنوب ترمض فيه ـ قاله ابن عمر ـ وروى ذلك أنس وعائشة مرفوعاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، وكان اسمه قبل ناتقاً، ولعل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم مبين لما ينبغي أن يكون وجه التسمية عند المسلمين، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير على ما هو الظاهر. {ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءانَ} أي ابتدىء فيه إنزاله ـ وكان ذلك ليلة القدر ـ قاله ابن إسحق، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جبير والحسن أنه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة، وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين»تفسير : ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلۤهية مناسبة عظيمة كان هذا الشهر المختص بنزولها مختصاً بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية، وسبب قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية. {هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما (أنزل) أي أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلۤهية الهادية إلى الحق، والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يشعر بذلك جعله بينات منها فهو هاد بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكرراً، وقيل: مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية فيه كما تقول عالم نحرير. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (من) شرطية أو موصولة ـ والفاء ـ إما جواب الشرط، أو زائدة في الخبر، و {مِنكُمُ} في محل نصب على الحال من المستكن في {شَهِدَ} والتقييد به لإخراج الصبـي والمجنون، و {شَهِدَ} من الشهود والتركيب يدل على الحضور إما ذاتاً أو علماً، وقد قيل: بكل منهما هنا، و {ٱلشَّهْرَ} على الأول: مفعول فيه والمفعول به متروك لعدم تعلق الغرض به فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء، وعلى الثاني: مفعول به بحذف المضاف أي هلال الشهر ـ وأل ـ فيه على التقديرين للعهد ووضع المظهر موضع المضمر للتعظيم ونصب الضمير المتصل في ـ يصمه ـ على الاتساع لأن صام لازم والمعنى فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه أو من علم هلال الشهر وتيقن به فليصم، ومفاد الآية على هذا عدم وجوب/ الصوم على من شك في الهلال وإنما قدر المضاف لأن شهود الشهر بتمامه إنما يكون بعد انقضائه ولا معنى لترتب وجوب الصوم فيه بعد انقضائه وعليه يكون قوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} مخصصاً بالنظر إلى المريض والمسافر كليهما، وعلى الأول: مخصص بالنظر إلى الأول دون الثاني وتكريره حينئذٍ لذلك التخصيص أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه والأول كما قيل على رأي من شرط في المخصص أن يكون متراخياً موصولاً، والثاني: على رأي من جوز كونه متقدماً وهذا بجعل المخصص هو الآية السابقة، و (ما) هنا لمجرد دفع التوهم ورجح المعنى الأول من المعنيين بعدم الاحتياج إلى التقدير وبأن الفاء في {فَمَن شَهِدَ} عليه وقعت في مخرها مفصلة لما أجمل في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} من وجوب التعظيم المستفاد مما في أثره على كل من أدركه ومدركه إما حاضر أو مسافر فمن كان حاضراً فحكمه كذا الخ ولا يحسن أن يقال من علم الهلال فليصم ومن كان مريضاً أو على سفر فليقض لدخول القسم الثاني في الأول والعاطف التفصيلي يقتضي المغايرة بينهما كذا قيل، لكن ذكر المريض يقوي كونه مخصصاً لدخوله فيمن شهد على الوجهين، ولذا ذهب أكثر النحويين إلى أن الشهر مفعول به ـ فالفاء ـ للسببية أو للتعقيب لا للتفصيل. {يُرِيدُ ٱللَّهُ} بهذا الترخيص {بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} لغاية رأفته وسعة رحمته، واستدل المعتزلة بالآية على أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى وذلك لأن المريض والمسافر إذا صاما حتى أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراد الله تعالى لأنه أراد التيسير ولم يقع مراده، ورد بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في حقهما بإباحة الفطر، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عز شأنه: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} من غير تخلف، وفي «البحر» تفسير الإرادة هنا بالطلب، وفيه أنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته تعالى لأفعال العباد عبارة عن الأمر وأنه تعالى ما طلب منا اليسر بل شرعه لنا، وتفسير اليسر بما يسر بعيد، وقرأ أبو جعفر (اليسر) و (العسر) بضمتين. {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علل لفعل محذوف دل عليه {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} الخ أي وشرع لكم جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر المستفاد من قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وأمر المرخص له بالقضاء كيفما كان متواتراً أو متفرقاً وبمراعاة عدة ما أفطره من غير نقصان فيه المستفادين من قوله سبحانه وتعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ومن الترخيص المستفاد من قوله عز وجل: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} أو من قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ} الخ ـ لتكملوا ـ الخ والأول علة الأمر بمراعاة عدة الشهر بالأداء في حال شهود الشهر، وبالقضاء في حال الإفطار بالعذر فيكون علة لمعللين أي أمرناكم بهذين الأمرين لتكملوا عدة الشهر بالأداء والقضاء فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته نقصت أيامه أو كملت {وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ} علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علة الترخيص والتيسير، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى أن هذا المطلوب بمنزلة المرجو لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله وهو ظهور كون الترخيص نعمة، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع عدم فوات بركات الشهر، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك قلما يهتدى إليه لأن مقتضى الظاهر ترك الواو لكونها عللاً لما سبق، ولذا قال من لم يبلغ درجة الكمال: إنها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره أما على الأول: فظاهر، وأما على الثاني: فلما فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف لأن الفعل المقدر لكونه مشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل/ بحاله ولكونه مغايراً له بالإجمال، والتفصيل يصح عطفه عليه، وفي ذكر الأحكام تفصيلاً أولاً، وإجمالاً ثانياً وتعليلها من غير تعيين ثقة على فهم السامع بأن يلاحظها مرة بعد أخرى ويرد كل علة إلى ما يليق به ما لا يخفى من الاعتناء، وجوز أن تكون عللاً لأفعال مقدرة كل فعل مع علة والتقدير ـ ولتكملوا العدة ـ أوجب عليكم عدة أيام أخر ولتكبروا الله على ما هداكم علمكم كيفية القضاء {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} رخصكم في الإفطار وإن شئت جعلتها معطوفة على علة مقدرة أي ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ وجعلت المجموع علة للأحكام السابقة إما باعتبار أنفسها أو باعتبار الأعلام بها فقوله: ليسهل أو لتعلموا علة لما سبق باعتبار الإعلام وما بعده علة للأحكام المذكورة كما مر، ولك أن لا تقدر شيئاً أصلاً وتجعل العطف على اليسر أي ـ ويريد بكم لتكملوا ـ الخ واللام زائدة مقدرة بعدها أن وزيدت كما قيل: بعد فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك، وقيل: إنها بمعنى أن كما في الرضي إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} عطفاً على {يُرِيدُ} إذ لا معنى لقولنا يريد لعلكم تشكرون، وحينئذٍ يحصل التفكيك بين المتعاطفات وهو بعيد، ولاستلزام هذا الوجه ذلك وكثرة الحذف في بعض الوجوه السابقة وخفاء بعضها عدل بعضهم عن الجميع، وجعل الكلام من الميل مع المعنى لأن ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل: رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون ولتكملوا الخ، ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم، والمراد من التكبير الحمد والثناء مجازاً لكونه فرداً منه ولذلك عدي بعلى، واعتبار التضمين أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا عبادة قولية ناسب أن يعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضاً، وأخرج ابن المنذر وغيره عن زيد بن أسلم أن المراد به التكبير يوم العيد، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه التكبير عند الإهلال، وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول: {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ} وعلى هذين القولين لا يلائم تعليل الأحكام السابقة، و (ما) يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي الذي هداكموه أو هداكم إليه، والمراد من الشكر ما هو أعم من الثناء ولذا ناسب أن يجعل طلبه تعليلاً للترخيص الذي هو نعمة فعلية. وقرأ أبو بكر عن عاصم {وَلِتُكْمِلُواْ} بالتشديد.
ابن عاشور
تفسير : قد علمت أن هذه الآيات تكملة للآيات السابقة وأن لا نسخ في خلال هاته الآيات، فقوله: خبر مبتدأ محذوف تقديره هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان، والجملة مستأنفة بيانياً، لأن قوله: { أية : أياماً معدودات }تفسير : [البقرة: 184] يثير سؤال السامع عن تعيين هذه الأيام، ويؤيد ذلك قراءة مجاهد {شهراً} بالنصب على البدلية من {أياماً}: بدل تفصيل. وحذف المسند إليه جار على طريقة الاستعمال في المسند إليه إذا تقدم من الكلام ما فيه تفصيل وتبيين لأحوال المسند إليه فهم يحذفون ضميره، وإذا جَوَّزتَ أن يكون هذا الكلام نسخاً لصدر الآية لم يصح أن يكون التقدير هي شهر رمضان فيتعين أن يكون شهر رمضان مبتدأ خبرهم قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، واقتران الخبر بالفاء حينئذٍ مراعاة لوصف المبتدأ بالموصول الذي هو شبيه بالشرط ومثله كثير في القرآن وفي كلام العرب، أو على زيادة الفاء في الخبر كقوله: شعر : وقائلةٍ خَوْلاَنُ فانكِحْ فَتاتهم تفسير : أنشده سيبويه، وكلا هذين الوجهين ضعيف. والشهر جزء من اثني عشر جزءاً من تقسيم السنة قال تعالى: { أية : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السمٰوات والأرض } تفسير : [التوبة: 36] والشهر يبتدىء من ظهور الهلال إلى المحاق ثم ظهور الهلال مرة أخرى، وهو مشتق من الشهرة لأن الهلال يظهر لهم فيشهرونه ليراه الناس فيثبت الشهر عندهم. ورمضان علم وليس منقولاً؛ إذ لم يسمع مصدر على وزن الفَعلان من رمِض بكسر الميم إذا احترق؛ لأن الفَعَلان، يدل على الاضطراب ولا معنى له هنا، وقيل هو منقول عن المصدر. ورمضان علَم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج ومدة الرجوع إلى آفاقهم، ألا ترى أن لَبيداً جعل جمادى الثانية وهو نهاية فصل الشتاء شهراً سادساً إذ قال: شعر : حَتَّى إذا سَلخا جُمادى سِتَّةً جَزْءاً فطال صيامُه وصيامها تفسير : ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون؛ لأنه مشتق من الرمضاء وهي الحرارة لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب إذ كانت السنة تنقسم إلى ستة فصول كل فصل منها شهران: الفصل الأول الخريف وشهراه محرم وصفر، الثاني ربيع الأول وهو وقت نضج الثمار وظهور الرُّطَب والتمر وشهراه شهرُ ربيع الأولُ وشهرُ ربيع الثاني على أن الأول والثاني وصف لشهر، ألا ترى أن العرب يقولون «الرطب شهري ربيع»، الثالث الشتاء وشهراه جمادى الأولى وجمادى الثانية قال حاتم: شعر : في ليلةٍ من جمادَى ذاتِ أَنْدَيةٍ لاَ يُبصِرُ الكَلْبُ مِن ظَلْمَائِها الطُّنُبَا لاَ يَنَبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحِدَةٍ حتَّى يَلُفَّ علَى خَيشُومِهِ الذَّنبَا تفسير : الرابع الربيع الثاني ــــ والثاني وصف للربيع ــــ وهذا هو وقت ظهور النَّور والكَمْأَةِ وشهراه رجبٌ وشعبان، وهو فصل الدَّر والمطَر قال النابغة يذكر غَزَوات النعمان ابن الحارث: شعر : وكانَتْ لَهْم رَبْعِيَّةٌ يَحْذَرُونَها إذا خَضْخَضَتْ ماءَ السماء القبائِلُ تفسير : وسَمَّوه الثاني لأنه يجيءُ بعد الربيعِ الأول في حساب السنة، قال النابغة: شعر : فإن يَهلك أبو قابُوسَ يَهلكْ رَبِيعُ الثَّانِ والبَلَدُ الحَرامُ تفسير : في رواية وروى «ربيعُ الناس»، وسموا كلا منهما ربيعاً لأنه وقت خصب، الفصل الخامس، الصيف وهو مبدأ الحر وشهراه رمضان وشوال، لأن النوق تشول أذنابها فيه تطرد الذباب. السادس القيظ وشهراه ذو القعدة وذو الحجة. وبعض القبائل تقسم السنة إِلى أربعة، كل فصل له ثلاثة أشهر؛ وهي الربيع وشهوره رجب وشعبان ورمضان، والصيف وشهوره شوال وذو القعدة وذو الحجة، والخريف وشهوره محرم وصفر والربيع الأول، والشتاء وشهوره شهر ربيع الثاني ــــ على أن الأول والثاني وصفان لشهر لا لربيع ــــ وجمادى الأولى وجمادى الثانية. ولما كانت أشهر العرب قمرية وكانت السنة القمرية أقل من أيام السنة الشمسية التي تجيء بها الفصول تنقص أحد عشر يوماً وكسراً، وراموا أن يكون الحج في وقت الفراغ من الزروع والثمار ووقت السلامة من البرد وشدة الحر جعلوا للأشهر كبساً بزيادة شهر في السنة بعد ثلاث سنين وهو المعبر عنه بالنسيء. وأسماء الشهور كلِّها أعلام لها عدا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني فلذلك وجب ذكر لفظ الشهر معهما ثم وصفه بالأول والثاني؛ لأن معناه الشهر الأول من فصل الربيع أعني الأول، فالأول والثاني صفتان لشهر، أما الأشهر الأخرى فيجوز فيها ذكر لفظ الشهر بالإضافة من إضافة اسم النوع إلى واحده مثل شجر الأراك ومدينة بغداد، وبهذا يشعر كلام سيبويه والمحققين فمن قال: إنه لا يقال رمضان إلاّ بإضافة شهر إليه بناء على أن رمضان مصدر، حتى تكلف لمنعه من الصرف بأنه صار بإضافة شهر إليه علماً فمنع جزء العلم من الصرف كما منع هريرة في أبي هريرة فقد تكلف شططاً وخالف ما روي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - « حديث : من صام رمضان إيماناً واحتساباً » تفسير : بنصب رمضان وإنما انجر إليهم هذا الوهم من اصطلاح كتاب الديوان كما في «أدب الكاتب». وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يتقضي عدم ذكره إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال رمضان لكان ظاهراً لا نصاً، لا سيما مع تقدم قوله { أية : أياماً } تفسير : [البقرة: 184] فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان. فالمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية هو الذي جعل ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه، ولما كان ذلك حلوله مكرراً في كل عام كان وجوب الصوم مكرراً في كل سنة إذ لم ينط الصيام بشهر واحد مخصوص ولأن ما أجري على الشهر من الصفات يحقق أن المراد منه جميعُ الأزمنة المسماةُ به طول الدهر. وظاهر قوله: {الذي أنزل فيه القرآن} أن المخاطبين يعلمون أن نزول القرآن وقع في شهر رمضان، لأن الغالب في صلة الموصول أن يكون السامع عالماً باختصاصها بمن أجرى عليه الموصول، ولأن مثل هذا الحدَث الديني من شأنه ألا يخفى عليهم، فيكون الكلام تذكيراً بهذا الفضل العظيم، ويجوز أيضاً أن يكون إعلاماً بهذا الفضل وأجري الكلام على طريقة الوصف بالموصول للتنبيه على أن الموصوف مختص بمضمون هذه الصلة بحيث تجعل طريقاً لمعرفته، ولا نسلم لزوم علم المخاطب باتصاف ذي الصلة بمضمونها في التعريف بالموصولية بل ذلك غَرض أغلبي كما يشهد به تتبع كلامهم، وليس المقصود الإخبارَ عن شهر رمضان بأنه أنزل فيه القرآن، لأن تركيب الكلام لا يسمح باعتباره خبراً لأن لفظ {شهر رمضان} خبر وليس هو مبتدأ، والمراد بإنزال القرآن ابتداءُ إنزاله على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن فيه ابتداء النزول من عام واحد وأربعين من الفيل فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأن ذلك القدْر المنزل مقَدَّرٌ إلحاق تكملته به كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله: { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك } تفسير : [الأنعام: 92] وذلك قبل إكمال نزوله فيشمل كل ما يلحق به من بعد، وقد تقدم عند قوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} ومعنى {الذي أنزل فيه} أنزل في مثله؛ لأن الشهر الذي أنزل فيه القرآن قد انقضى قبل نزول آية الصوم بعدة سنين، فإن صيام رمضان فرض من السنة الثانية للهجرة فَبَيْن فرض الصيام والشهرِ الذي أنزل فيه القرآن حقيقةً عدةُ سنين فيتعين بالقرينة أن المراد أنزل في مثله أي في نظيره من عام آخر. فقد جعل الله للمواقيت المحدودة اعتباراً يشبه اعتبار الشيء الواحد المتجدد، وإنما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدَار كما قال تعالى: { أية : وذكرهم بأيام الله } تفسير : [إبراهيم: 5]، فخلع الله على المواقيت التي قارنها شيء عظيم في الفضل أن جعل لتلك المواقيت فضلاً مستمراً تنويهاً بكونها تذكرة لأمر عظيم، ولعل هذا هو الذي جعَل الله لأجله سنة الهدي في الحج، لأن في مثل ذلك الوقت ابتلَى الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وأظهر عَزْم إبراهيم وطاعته ربه ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول الله وأبناء الصالحين وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعمالهم من الأمراء والقضاة والأئمّة. وهذا يدل على أن مراد الله تعالى من الأمة صوم ثلاثين يوماً متتابعة مضبوطة المبدأ والنهاية متحدة لجميع المسلمين. ولما كان ذلك هو المراد وُقِّتَ بشهر معيَّن وجعل قمرياً لسهولة ضبط بدئه ونهايته برؤية الهلال والتقدير، واختير شهر رمضان من بين الأشهر لأنه قد شُرف بنزول القرآن فيه، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة المَلَكية واقعاً فيه، والأغلب على ظني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم أيام تحنثه في غار حراء قبل أن يُنزل عليه الوحي إلهاماً من الله تعالى وتلقيناً لبقية من الملة الحنيفية فلما أنزل عليه الوحي في شهر رمضان أمر الله الأمة الإسلامية بالصوم في ذلك الشهر، روَى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : جاورت بحِراء شهرَ رمضان »، تفسير : وقال ابن سعد: جاءه الوحي وهو في غار حراء يوم الاثنين لسبع عشرة حلت من رمضان. وقوله: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} حالان من (القرآن) إشارة بهما إلى وجه تفضيل الشهر بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان. والمراد بالهدى الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير مِن الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية. والفرقان مصدر فرق وقد شاع في الفَرق بين الحق والباطل أي إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام، فالمراد بالهدى الأول: ضرب من الهدى غير المراد من الهدى الثاني، فلا تكرار. تفريع على قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} الذي هو بيان لقوله { أية : كتب عليكم الصيام } تفسير : [البقرة: 183] كما تقدم فهو رجوع إلى التبيين بعد الفصل بما عقب به قوله: {كتب عليكم الصيام} من استيناسٍ وتنويهٍ بفضل الصيام وما يرجى من عوده على نفوس الصائمين بالتقوى وما حف الله به فرضه على الأمة من تيسير عند حصول مشقة من الصيام. وضمير {منكم} عائد إلى { أية : الذين آمنوا } تفسير : [البقرة: 183] مثل الضمائر التي قبله، أي كل من حضر الشهر فليصمه، و{شهد} يجوز أن يكون بمعنى حضر كما يقال: إن فلاناً شهد بَدراً وشهد أُحُداً وشهد العقبة أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي حضرها فنصب الشهر على أنه مفعول فيه لفعل {شَهِد} أي حضر في الشهر أي لم يكن مسافراً، وهو المناسب لقوله بعده: {ومن كان مريضاً أو على سفر}. الخ. أي فمن حضر في الشهر فليصمه كله ويُفهم أن مَن حضر بعضه يصوم أيام حضوره. ويجوز أن يكون {شهد} بمعنى عَلِم كقوله تعالى: { أية : شهد الله أنه لا إلٰه إلا هو } تفسير : [آل عمران: 18] فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر، وليس شهد بمعنى رأى؛ لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال شَاهد، ولا الشهر هنا بمعنى هلاله بناء على أن الشهر يطلق على الهلال كما حكوه عن الزجاج وأنشد في «الأساس» قول ذي الرمة: شعر : فأصبح أَجلَى الطَّرْفِ ما يستزيده يَرى الشهرَ قبل الناس وهو نَحيل تفسير : أي يرى هلال الشهر؛ لأن الهلال لا يصح أن يتعدى إليه فعل {شهد} بمعنى حضر ومَن يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأ بيناً وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم وهذا باطل، ولهذا فليس في الآية تصريح على طريق ثبوت الشهر وإنما بينته السنة بحديث « حديث : لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تُفطروا حتى تروه فإنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له » تفسير : وفي معنى الإقدار له محامل ليست من تفسير الآية. وقرأ الجمهور: (القُرْءَان) بهمزة مفتوحة بعد الراء الساكنة وبعد الهمزة ألف، وقرأهُ ابن كثير براء مفتوحة بعدها ألف على نقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة لقصد التخفيف. وقوله: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة} قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله: { أية : فمن كان منكم مريضاً } تفسير : [البقرة: 184] أنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي { أية : كتب عليكم الصيام } تفسير : [البقرة: 183] الخ وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله {شهر رمضان} الآية وصار الصوم واجباً على التعيين خيف أن يظُنّ الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نسخ فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهو بناء على كون هاته الآية ناسخة للتي قبلها، فإن درجنا على أنهما نزلتا في وقت واحد كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: {ومن كان مريضاً} لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة رفقاً بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} إذا كان شهد بمعنى تحقق وعَلِم، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة ولزيادة بيان معنى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. استئناف بياني كالعلة لقوله: {ومن كان مريضاً} الخ بيَّن به حكمة الرخصة أي شرع لكم القضاءَ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة. وقوله: {ولا يريد بكم العسر} نفي لضد اليسر، وقد كان يقوم مقام هاتين الجملتين جملةُ قصر نحو أن يقول: ما يريد بكم إلاّ اليسر، لكنه عُدل عن جملة القصر إلى جملتي إثبات ونفي لأن المقصود ابتداءً هو جملة الإثبات لتكون تعليلاً للرخصة، وجاءت بعدها جملة النفي تأكيداً لها، ويجوز أن يكون قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: { أية : كتب عليكم الصيام }تفسير : [البقرة: 183] إلى هنا فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر أي تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. وقرأ الجمهور: (اليُسْر) و(العُسْر) بسكون السين فيهما، وقرأه أبو جعفر بضم السين ضمةَ إتباع. عطف على جملة: {يريد الله بكم اليسر} الخ؛ إذ هي في موقع العلة كما علمتَ؛ فإن مجموعَ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: {فمن شهد منكم الشهر} إلى قوله: {فعدة من أيام أُخر}. واللام في قوله: {ولتكبروا} تسمى شبه الزائدة وهي اللام التي يكثر وقوعها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر أي مادة أمَرَ اللذين مفعولهما أنْ المصدرية مع فعلها، فحق ذلك المفعول أن يتعدى إليه فعل الإرادة وفعل مادة الأمر بنفسه دون حرف الجر ولكن كثر في الكلام تعديته باللام نحو قوله تعالى: { أية : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } تفسير : [الصف: 8] قال في «الكشاف»: أصله يريدون أن يطفئوا، ومنه قوله تعالى: { أية : وأُمرت لأن أكون أول المسلمين } تفسير : [الزمر: 12] والفعل الذي بعد اللام منصوب بأنْ ظاهرةٍ أو مقدرةٍ. والمعنى: يريد الله أن تُكملوا العدة وأن تُكبروا الله، وإكمالُ العدة يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها مَن وجب عليه الصوم ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف. وقرأ الجمهور: (ولتُكْملوا) بسكون الكاف وتخفيف الميم مضارع أكمل وقَرأه أبو بكر عن عاصم ويعقوب بفتح الكاف وتشديد الميم مضارع كَمَّل. وقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} عطف على قوله: {ولتكملوا العدة}، وهذا يتضمن تعليلاً وهو في معنى علة غيرِ متضمنةٍ لحكمة ولكنها متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى وهو أن يكبروه. والتكبير تفعيل مراد به النسبة والتوصيف أي أن تنسبوا الله إلى الكبر والنسبة هنا نسبة بالقول اللساني، والكِبَر هنا كبر معنوي لا جسمي فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها، أي لتصفوا الله بالعظمة، وذلك بأن تقولوا: الله أكبر، فالتفعيل هنا مأخوذ من فَعَّلَ المنحوتِ من قولٍ يقوله، مثل قولهم: بَسْمل وحَمْدل وهَلَّل وقد تقدم عند الكلام على البسملة، أي لتقولوا: الله أكبر، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الوَاقع كالحكماء والملوك والسادة والقادة، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية، لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه والناقص غير مستحق للإلهية، لأن حقيقتها لا تلاقي شيئاً من النقص، ولذلك شُرع التكبير في الصلاة لإبطال السجود لغير الله، وشُرع التكبير عند نحر البُدْن في الحج لإبطال ما كانوا يتقربون به إلى أصنامهم، وكذلك شرع التكبير عند انتهاء الصيام بهذه الآية، فمن أجل ذلك مضت السنة بأن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد ويكبر الإمام في خطبة العيد. وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأَكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر، إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام. وقوله: {ولعلَّكم تشكرون} تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة {ولتكبروا الله على ما هداكم} فإن التكبير تعظيم يتضمن شكراً والشكر أعم، لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى ويكون بفعل القُرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر. وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير؛ إذ جعلتْه مما يريده الله، وهو غير مفصَّل في لفظ التكبير، ومجملٌ في وقت التكبير؛ وعدده، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال. فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر، والمشهور في السنة أنه يكرر الله أكبر ثلاثاً، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والشافعي: إذا شاء المرءُ زاد على التكبير تهليلاً وتحميداً فهو حسن ولا يترك الله أكبر، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين ثم قال: لا إلٰه إلاّ الله والله أكبر ولله الحمد وهو قول ابن عمر وابن عباس، وقال أحمد: هو واسع، وقال أبو حنيفة: لا يجزىء غير ثلاث تكبيرات. وأما وقته: فتكبير الفطر يبتدىء من وقت خروج المصلي من بيته إلى محل الصلاة، وكذلك الإمامُ ومَنْ خرج معه، فإذا بلغ محل الصلاة قطع التكبير، ويسن في أول كل ركعة من ركعتي صلاة العيد افتتاح الأولى بسبع تكبيرات والثانية بست، هذا هو الأصح مما ثبت في الأخبار وعمل به أهل المدينة من عهد النبي - عليه الصلاة والسلام - فما بعده وتلقاه جمهور علماء الأمصار، وفيه خلاف كثير لا فائدة في التطويل بذكره والأمر واسع، ثم يكبر الإمام في خطبة صلاة العيد بعد الصلاة ويكبر معه المصلون حين تكبيره وينصتون للخطبة فيما سوى التكبير. وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعُروة بن الزبير والشافعي: يكبر الناس من وقت استهلال هلال الفطر إلى انقضاء صلاة العيد ثم ينقطع التكبير، هذا كله في الفطر فهو مورد الآية التي نحن بصدد تفسيرها. فأما في الأضحى فيزاد على ما يذكر في الفطر التكبير عقب الصلوات المفروضة من صلاة الظهر من يوم الأضحى إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه، ويأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: { أية : واذكروا الله في أيامٍ معدودات } تفسير : [البقرة: 203].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}. لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1]، وقوله: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3]. لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق. وفي معنى إنزاله وجهان: الأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما. والثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 185- وهذه الأيام هى شهر رمضان الجليل القدر عند الله، لقد أنزل فيه القرآن يهدى جميع الناس إلى الرشد ببيِّاناته الواضحة الموصلة إلى الخير، والفاصلة بين الحق والباطل على مَرِّ العصور والأجيال، فمن أدرك هذا الشهر سليماً غير مريض، مقيماً غير مسافر فعليه صومه، ومن كان مريضاً مرضاً يضر معه الصوم أو كان فى سفر فله أن يفطر وعليه قضاء صيام ما أفطره من أيام الصوم، فإن الله لا يريد أن يَشُقَّ عليكم فى التكاليف وإنما يريد لكم اليسر، وقد بين لكم شهر الصوم وهداكم إليه لتكملوا عدة الأيام التى تصومونها وتكبروا الله على هدايته إياكم وحسن توفيقه. 186- وإنى مطلع على العباد، عليم بما يأتون وما يذرون، فإذا سألك - يا محمد - عبادى قائلين: هل الله قريب منا بحيث يعلم ما نخفى وما نعلن وما نترك؟ فقل لهم: إنى أقرب إليهم مما يظنون، ودليل ذلك أن دعوة الداعى تصل فى حينها، وأنا الذى أجيبها فى حينها كذلك، وإذا كنت استجبت لها فليستجيبوا هم لى بالإيمان والطاعة فإن ذلك سبيل إرشادهم وسدادهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: شهر رمضان: هو الشهر التاسع من شهور السنة القمرية، ولفظ الشهر مأخوذ من الشهرة، ورمضان مأخوذ من رمض الصائم إذا حرّ جوفه من العطش. الذي أنزل فيه القرآن: هذه آية فضله على غيره من سائر الشهور حيث أنزل فيه القرآن وذلك في ليلة القدر منه لآية {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] وآية {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]، أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم نزل نجماً بعد نجم، وابتدىء نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أيضاً. هدى للناس: هادياً للناس إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم في الدارين. وبينات من الهدى والفرقان: البينات جمع بينة والهدى الإرشاد، والمراد أن القرآن نزل هادياً للناس ومبيناً لهم سبيل الهدى موضحاً طريق الفوز والنجاة فارقاً لهم بين الحق والباطل في كل شؤون الحياة. شهد الشهر: حضر الإِعلان عن رؤيته. فعدة من أيام أخر: فعليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها مريضاً أو مسافراً. ولتكملوا العدة: وجب القضاء من أجل إكمال عدة الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين يوماً. ولتكبروا الله على ما هداكم: وذلك عند إتمام صيام رمضان من رؤية الهلال إلى العودة من صلاة العيد والتكبير مشروع وفيه أجر كبير، وصفته المشهورة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. ولعلكم تشكرون: فرض عليكم الصوم وندبكم إلى التكبير لتكونوا بذلك من الشاكرين لله تعالى على نعمه لأن الشكر هو الطاعة. معنى الآية الكريمة: لما ذكر تعالى أنه كتب على أمة الإِسلام الصيام في الآية السابقة وأنه أيام معدودات بينّ في هذه الآية أن المراد من الأيام المعدودات أيام شهر رمضان المبارك الذي أنزل فيه القرآن هادياً وموضحاً طرق الهداية، وفارقاً بين الحق والباطل، فقال تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ} يريد شهر رمضان ومعنى شهد كان حاضراً غير مسافر لما أعلن عن رؤية هلال رمضان، فليصمه على سبيل الوجوب إن كان مكلفاً. ثم ذكر عذر المرض والسفر، وأن على من أفطر بهما قضاء ما أفطر بعدده وأخبر تعالى أنه يريد بالإِذن في الإِفطار للمريض والمسافر اليسر بالأمة ولا يريد بها العسر فله الحمد وله المنة فقال تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}. ثم علل تعالى للقضاء بقوله ولتكملوا العدة أي عدة أيام رمضان هذا أولاً وثانياً لتكبروا الله على ما هداكم عندما تكملون الصيام برؤية هلال شوال وأخيراً ليعدكم بالصيام والذكر للشكر وقال عز وجل {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. هداية الآية: من هداية الآية: 1- فضل شهر رمضان وفضل القرآن. 2- وجوب صيام رمضان على المكلفين والمكلف هو المسلم العاقل البالغ مع سلامة المرأة من دمي الحيض والنفاس. 3- الرخصة للمريض الذي يخاف تأخر برئه أو زيادة مرضه، والمسافر مسافة قصر. 4- وجوب القضاء على من أفطر لعذر. 5- يسر الشريعة الإِسلامية وخلوها من العسر والحرج. 6- مشروعية التكبير ليلة العيد ويومه وهذا التكبير جزء لشكر نعمة الهداية إلى الإِسلام. 7- الطاعات هي الشكر فمن لم يطع الله ورسوله لم يكن شاكراً فيعد مع الشاكرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنُ} {وَبَيِّنَاتٍ} {هَدَاكُمْ} (185) - وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ التِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِصِيامِهَا هِيَ شََهْرُ رَمَضَانَ. وَيَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى شَهْرَ رَمَضَانَ وَيُشِيدُ بِفَضْلِهِ، وَهُوَ الشَّهْرُ الذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ الذِي يَهْدِي الذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَفِيهِ دَلائِلُ وَحُجَجٌ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ لِمَنْ فَهِمَهَا وَتَدَبَّرَهَا، تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الهُدَى المُنَافِي لِلضَّلاَلَةِ، فَمَنْ شَهِدَ اسْتِهْلاَلَ الشَّهْرِ وَجَبَ عَلَيهِ الصَّوْمُ إِنْ كَانَ مُقِيماً في البَلَدِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي بَدَنِهِ. وَيُكَرِّرُ تَعَالَى ذِكْرَ الرُّخْصَةِ فِي الإِفْطَارِ لِلْمَرْضَى وَالمُسَافِرِينَ بِشَرْطِ قَضَاءِ الأَيَّامِ التِي يُفْطِرُونَهَا إِكْمَالاً لِلعِدَّةِ، وَلِيُصْبِحَ مَجْمُوعُ مَا يَصُومُونَهُ شَهْراً. وَهذا تَيْسيرٌ مِنَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَمَتَى أنْهَى المُؤْمِنُ عِبَادَتَهُ مِنْ صِيَامٍ وَصَلاَةٍ، كَبَّرَ اللهَ، وَذَكَرَهُ وَشَكَرَهُ عَلَى مَا هَدَاهُ، لَعَلَّهُ إِنْ فَعَلَ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّاكِرِينَ للهِ عَلَى مَا أَعَانَهُ عَلَيهِ مِنَ القِيَامِ بِطَاعَتِهِ، وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.
الأندلسي
تفسير : {ٱلشَّهْرَ} مصدر شهر الشيء أظهره. وبه سمي الشهر وهو المدة الزمانية التي يكون مبدأ الهلال فيها إلى أن يستنير ثم يطلع خافياً. و{رَمَضَانَ} علم ممنوع الصرف ويجمع بالألف والتاء وعلى أرمضة وعلقة هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمض وهو شدة الحر. وقرىء شهر بالرفع مبتدأ خبره الموصول ويكون ذكر هذه الجملة تقدمت لفرضية صومه بذكر فضيلته والبينة على أن هذا الشهر هو: {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} هو الذي يفرض عليكم صومه هذا إن كان قوله: أياماً معدودات، لا يراد بها أيام رمضان، وإن أريدت بها فكان رفعه على تقدير مبتدأ أي تلك الأيام شهر رمضان. وقرىء شهر بالنصب أي صوموا. وجوّز الزمخشري أن يكون مفعولاً لقوله: "وإن تصوموا" وهذا لا يجوز لأن تصوموا صلة لأنْ وقد فصلت بين معمول الصلة وبينها بالخبر الذي هو خبر لأن تصوموا. لو قلت: ان تضرب زيداً شديد، أي ضرب زيد شديد جاز. ولو قلت: إن تضرب شديد زيداً لم يجز. وأدغمت فرقة شهر رمضان. وقال ابن عطية: لا تقتضيه الأصول وعلل ذلك ويعني أصول البصريين ولم تقصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصريين ولا على ما اختاره بل إذا صح النقل وجب المصير إليه، والضمير في فيه عائد للقرآن أي بُدىء بإِنزاله فيه وذلك في الرابع والعشرين منه. وقرىء القرآن بنقل حركة الهمزة إلى الواو وحذفها معرفاً ومنكراً. و{هُدًى} حال لازمة وألْ في الهدى والفرقان للعموم فيكون هدى وبينات بعضها مبهماً. وقال ابن عطية: اللام في الهدى للعهد. والمراد الاول. "انتهى" كلامه يعني أنه أتى به منكراً أولاً ثم أنزله معرفاً ثانياً يدل على أنه الأول، كقوله تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [المزمل: 15-16] فمعلوم أن الرسول الذي عصاه فرعون هو الرسول الذي أرسل إليه. ومن ذلك قولهم: لقيت رجلاً فضربت الرجل، فالمضروب هو الملقى ويعتبر ذلك بجعل ضمير النكرة مكان هذا الثاني فيصح المعنى، لأنه لو أتى بعصاة فرعون أو لقيت رجلاً فضربته لكان كلاماً صحيحاً، ولا يتأتى هذا الذي قاله ابن عطية هنا لأنه ذكر هو والمعربون إن هدى منصوب على الحال والحال وصف في ذي الحال وعطف عليه. {وَبَيِّنَاتٍ} فلا يخلو قوله. {مِّنَ ٱلْهُدَىٰ} المراد به الأول من أن يكون صفة لقوله هدى أو لقوله وبينات أولهما أو متعلقاً بلفظه بينات لا جائز أن يكون صفة لهدى لأنه من حيث هو وصفه لزم أن يكون بعضاً، ومن حيث هو الأول لزوم أن يكون هو إياه، والشيء الواحد لا يكون بعضاً كلاً لماهية ولا جائز. والمعطوف على الحال حال والحالان وصف في ذي الحال فمن حيث كونهما حالين وصف بهما ذو الحال أن يكون صفة لبينات فقط لأن بينات معطوف على هدى، وهدى حال إذ هما وصفان ومن حيث وصفت بينات بقوله: من الهدى خصصتهما به فتوقف تخصيص القرآن على قوله: هدى وبينات معاً. {وَمَن} حيث جعلت من الهدى صفة لبينات توقف تخصيص بينات على هدى فلزم من ذلك تخصيص الشيء بنفسه وهو محال ولا جائز أن يكون صفة لهما لأنه يفسد من الوجهين المذكورين في كونه وصفاً لهدى فقط أو لبينات فقط ولا جائز أن يتعلق بلفظة وبينات لأن المتعلق تقييد للمتعلق به فهو كالوصف فيمتنع من حيث يمتنع الوصف، وأيضاً فلو جعلت هنا مكان الهدى ضميراً فقلت: وبينات منه أي منه من ذلك الهدى لم يصح، فكذلك اخترنا أن يكون الهدى والفرقان عامّين حتى يكون هدى وبينات بعضاً منهما. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ} أي من كان حاضراً مقيماً بصفة التكليف. وانتصب الشهر على الظرف ومفعول شهد محذوف أي المصْر والبلد. ومنكم في موضع الحال أي كائناً منكم. (وقال) أبو البقاء: منكم حال من الفاعل وهي متعلقة بشهد، وقوله متناقض. وقرىء بكسر لام فليصمه وبسكونها. وقول ابن ملك: ان فتحها لغة. وعزاها ابنه إلى سليم وقال: حكاه الفراء قيده ابن عذرة بفتح حرف المضارع بعدها فإِن ضمّت أو كسرت نحو ليكرم وليتنذل فالكسر. {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} أي يطلب. عبر بالإِرادة عن الطلب وأراد تتعدى بالباء وبنفسه للإِجرام وللمصادر واليسر عام فيندرج فيه ما تضمنته هذه الآيات من التيسير. وقرىء بإِسكان السينين وبضمهما. {وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} قرىء بالتخفيف والتشديد ولتكملوا خطاب لمن أفطر في مرض أو سفر. {ٱلْعِدَّةَ} أي عدة الأيام التي أفطر فيها بأن يصوم مثلها. واللام لام كي متعلق بمحذوف متأخر تقديره ساوى في الثواب بين صومها في رمضان وبين قضائها في غيره. {وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} أي تعظموه وتثنوا عليه. {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي على هدايتكم طلب منكم التيسير في التكاليف. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} شرع ذلك للترخيص والتيسير. روي أن قوماً قالوا: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} والخطاب له عليه السلام وجواب إذ فإِني قريب على إضمار فقل لهم إني قريب. والقرب هنا عبارة عن سماعه لدعاءيهم. {أُجِيبُ} راعي ضمير المتكلم في أني: وهو أكثر في كلام العرب من مراعاة الخبر. تقول: أنا رجل آمر بالمعروف ويجوز بأمر بالياء على مراعاة الغيبة. {دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} أي دعاءه. والهاء في دعوته هنا ليست دالة على الوحدة بل مصدر بني على فعلة كرحمة. والظاهر عموم الداعي وقد ثبت تصريح العقل والنقل أن بعض الداعين لا يجيبه الله إلى ما سأل فهو مقيد بمن شاء الله أن يجيبه. {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} أي فليجيبوني إذا دعوتهم إلى الإِيمان. واستجاب أكثر تعدية باللام. واستفعال بمعنى أفعل كاستنار وأنار. {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} أي ليديموا على الإِيمان. وقرىء {يَرْشُدُونَ} بضم الشين وفتحها وكسرها ومبنياً للمفعول. لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء في رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم. فنزلت وقرىء {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} لا يراد بليلة الواحدة بل الجنس، والناصب لليلة مقدر لا الرفت المذكور لأنه مصدر، وأضيفت الليلة إلى الصيام وذلك بأدنى ملابسة إذ الصّيام ينوى بالليل. و{ٱلرَّفَثُ} كناية عن الجماع وعدي بإِلى لتضمنه معنى الافضاء وهي من الكنايات الحسنة. كقوله: {أية : فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} تفسير : [الأعراف: 189]، وفأتوا حرثكم. والنساء جمع نسوة هو جمع الجمع أو جمع امرأة على غير اللفظ ولما كان يشمل كل من الزوجين على صاحبه في العناف كني عن ذلك بقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} وقدم هن لباس لكم لظهور احتياج الرجل وقلة صبره عنها وأنه البادي بالطلب. وهي: استعارة بديعة وأفرد اللباس لأنه كالمصدر. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ} افتعل بمعنى فعل كاقتدر وقدر وعبر به عما وقعوا فيه من المعصية بالجماع وبالأكل بعد النوم أي تنقصون أنفسكم من الخير. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي قبل توبتكم وخفف عنكم بالرخصة. {فَٱلآنَ} أي ليلة الصيام. {بَٰشِرُوهُنَّ} وهو أمر إباحة. وهو كناية عن الجماع مشتق من تلاصق البشرتين. {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي ما أباحه بعد الحظر. وهي جملة يؤكد بها ما قبلها. و {ٱلْخَيْطُ} الظاهر أنه الخيط المعهود. وكان جماعة من الصحابة يأكلون ويشربون إلى أن يتبين البياض والسواد في الخيط إلى أن نزل قوله تعالى: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا أنه عني بذلك الليل والنهار، وليس هذا من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة بل هو من باب النسخ ألا ترى أن الصحابة عملت بظاهر ما دل عليه ظاهر اللفظين من الخيط الأبيض والخيط الأسود وصارا مجازين من أنه شبه بالخيط الأبيض ما يبدو من الفجر المعترض بالأفق وبالأسود ما يمتد من غبش الليل. ومن الأولى لابتدا الغاية وبتعلق بيتبين، ومن الثانية للتبعيض لأن الخيط الأبيض بعض الفجر وأوله ويتعلق أيضاً بيتبين وجاز تعلقهما بفعل واحد لما اختلف معناهما. {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} أمر بالاتمام لا بالصوم لأنه تقدم وجوبه ولو ظنها غربت فافطر ثم طلعت لزمه القضاء عند الجمهور لأنه لم يتم الصيام إلى الليل. {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} وهذا النهي نهي تحريم ويبطل الاعتكاف بالجماع، والمباشرة: كناية عن الجماع، والعكوف: هو الاقامة عكف بالمكان أقام به، وهو في الشرع عكوف مخصوص بين في كتب الفقه وظاهر قوله في المساجد جواز الاعتكاف في كل مسجد فلا يختص بأحد المساجد الثلاثة ولا بالمساجد الذي يجمّع فيه ولا بالمسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم خلافاً لقائلي ذلك وأن المسجد ليس شرطاً لصحة الاعتكاف، فذكر المساجد إنما هو لأن الاعتكاف غالباً لا يكون إلا فيها. ودلت الآية على جواز الاعتكاف للرجال، وأما النساء فمسكوت عنهن. وقرىء في المسجد على الافراد والمراد به الجنس وحد الشيء منتهاه ومنقطعه. و {حُدُودُ} الأئمة مقدر أنه بتقادير مخصوصة وصفات مخصوصة. {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} نهي عن القربان وهو أبلغ من الالتباس بها. {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ} أي مثل ذلك البيان السابق في ذكر الصوم وما يتعلق به يبين آياته الدالة على بقية مشروعاته. {لِلنَّاسِ} عام ولا يلزم من تبيينها تبيّن الناس لها. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} حيث ذكر التقوى فإِنما يكون عقيب ما فيه مشقة. اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فحكّم الطالبُ المطلوبَ في أرضه ولم يخاصمه فنزل: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} أي في معاملاتكم وأماناتكم. {بِٱلْبَاطِلِ} أي بالجهة التي ليست مشروعة وبينكم تقبيح بليغ لما كانوا يتعاطونه من المنكر في ذلك واطلاع بعضهم على بعض. {وَتُدْلُواْ} مجزوم داخل في النهي. {بِهَا} أي بالأموال نهي عن الأكل والادلاء. وتجويز الأخفش وتبعه الزمخشري أن يكون منصوباً على جواز النهي لا يصح لأنها مسألة: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، ولا يصح هذا المعنى على تخريجهما لأنه قد يكون نهياً عن الجمع بينهما ولا يلزم منه النهي عن كل واحد منهما على انفراده، والنهي عن كل واحد منهما يستلزم النهي عن الجمع بينهما، لأن في الجمع بينهما حصول واحد منهما وكل واحد منهما منهي عنه ضرورة ألا ترى أن أكل المال بالباطل حرام سواء أفراد جمع مع غيره من المحرمات. وأيضاً قوله: {لِتَأْكُلُواْ} علة لما قبلها فلو كان النهي عن الجمع لم تصح العلة لأنه مركب من شيء لا تصلح العلة أن تترتب على وجودهما بل إنما تترتب على وجود أحدهما وهو الادلاء بالأموال إلى الحكام، والادلاء هو الرشوة ليقضي للمدلي بها مقصوده مأخوذة من الرشاء. {بِٱلإِثْمِ} الباء للسبب أو في موضع الحال، أي متلبسين بالاثم. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي اثمكم في أخذ ما لا تستحقون ومع ذلك تقدمون عليه وفي ذلك تقبيح بليغ لفعلهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 62 : 79 - سفين قال، قال عبيدة السلماني في قول الله جل وعز {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قال، من صام أوله، فليصم آخره. [الآية 185].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [185] 40- أنا علي بن محمد بن علي، نا خلف بن تميم، عن بشير أبي إسماعيل، حدثني خيثمة، عن أنس بن مالك في صوم رمضان في السفر، قلت: فأين هذه الآية {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قال إنها نزلت يوم نزلت - يعني على النبي صلى الله عليه وسلم - ونحن نرتَحل جِياعا، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شِباعا، وننزل على شبع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):